٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
84
Tafseer
القرطبي
تفسير : هذا تكذيب لهم في أن للّه شريكاً وولداً؛ أي هو المستحق للعبادة في السماء والأرض. وقال عمر رضي الله عنه وغيره: المعنى وهو الذي في السماء إلٰه في الأرض؛ وكذلك قرأ. والمعنى أنه يعبد فيهما. وروي أنه قرأ هو وابن مسعود وغيرهما «وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ اللَّهُ وَفِي اْلأَرْضِ اللَّهُ» وهذا خلاف المصحف. و «إلٰهٌ» رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي وهو الذي في السماء هو إلٰه؛ قاله أبو علي. وحسن حذفه لطول الكلام. وقيل: «في» بمعنى على؛ كقوله تعالى: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ}تفسير : [طه: 71] أي على جذوع النخل؛ أي هو القادر على السماء والأرض. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} تقدّم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى } هو {فِى ٱلسَّمآءِ إِلَٰهٌ } بتحقيق الهمزتين وإسقاط الأولى وتسهيلها كالياء. أي معبود {وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَٰهٌ } وكل من الظرفين متعلق بما بعده {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في تدبير خلقه {ٱلْعَلِيمُ } بمصالحهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {فِى السَّمَآءِ إِلَهٌ وَفِى الأَرْضِ إِلَهٌ} مُوَحَّد فيهما، أومعبود فيهما.
الثعالبي
تفسير : وقوله جَلَّتْ عظمته: {وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّماءِ إِلَـٰهٌ...} الآية، آيةُ تعظيمٍ وإخبارٍ بأُلُوهِيَّتِهِ سبحانه، أي: هو النافذ أَمْرُهُ في كُلِّ شيء، وقرأ عمر بن الخَطَّاب، وأُبَيٌّ، وابنِ مسعود، وغيرهم: «وَهُوَ الَّذِي في السَّمَاءِ اللَّهُ وَفي الأَرْضِ اللَّهُ» وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم [أَعْلَمَ سبحانه] أَنَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه لا يملك شفاعةً يَوْمَ القيامة، إلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحق، وهم الملائكة، وعيسى وعُزَيْرٌ؛ فإنَّهُمْ يملكون الشفاعة؛ بأنْ يُمَلِّكُها اللَّه إيَّاهم؛ إذ هم مِمَّنْ شَهِدَ بالحقِّ، وهم يعلمونه، فالاستثناء على هذا التأويل مُتَّصِلٌ، وهو تأويل قتادة، وقال مجاهد وغيره: الاستثناء في المشفوع فيهم، فكأَنَّه قال: لا يشفع هؤلاءِ الملائكةُ، وعيسى، وعُزَيْرٌ إلاَّ فيمن شَهِدَ بالحق، أي: بالتوحيد فآمن على عِلْمٍ وبَصِيرةٍ، فالاستثناء على هذا التأويل مُنْفَصِلٌ، كأَنَّه قال: لكن مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ؛ فيشفع فيهم هؤلاءِ، والتأويل الأَوَّلُ أصوب، وقرأ الجمهور: «وَقِيلَهُ» بالنصب، وهو مصدر؛ كالقَوْلِ، والضَّمِيرُ فيه لِنَبِيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، واخْتُلِفَ في الناصب له، فقالت فرقة: هو معطوف على قوله: {سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم} ولفظ البخاريِّ {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ}: تفسيرُهُ: أيحسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْوَاهُمْ [و] لا نَسْمَعُ قِيلَهُ يا رَبِّ، انتهى،، وقيل: العامل فيه {يَكْتُبُونَ} ونزل قوله تعالى: {وَقِيلِهِ يَٰرَبِّ} بمنزلة شَكْوَىٰ محمَّد ـــ عليه السلام ـــ واستغاثَتِهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهم، وقرأ حمزةُ وعاصمٌ: «وَقِيلِهِ» بالخفض؛ عطفاً على الساعة. وقوله سبحانه: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ}: مُوَادَعَةٌ منسوخةٌ {وَقُلْ سَلَـٰمٌ} تقديره: أَمْرِي سلامٌ، أيْ: مسالمة {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}.
البقاعي
تفسير : ولما نزهه سبحانه عن الولد ودل على ذلك بأنه مالك كل شيء وملكه، وكان ذلك غير ملازم للألوهية، دل على أنه مع ذلك هو الإله لا غيره في الكونين بدليل بديهي يشترك في علمه الناس كلهم، وقدم السماء ليكون أصلاً في ذلك يتبع لأن الأرض تبع لها في غالب الأمور، فقال دالاً على أن نسبة الوجود كله إليه على حد سواء لأنه منزه عن الاحتياج إلى مكان أو زمان عاطفاً على ما تقديره: تنزه عما نسبوه إليه الذي هو معنى {سبحان}: {وهو الذي} هو {في السماء إله} أي معبود لا يشرك به شيء {وفي الأرض إله} توجه الرغباب إليه في جميع الأحوال، ويخلص له في جميع أوقات الأضطرار، فقد وقع الإجماع من جميع من في السماء والأرض على إلهيته فثبت استحقاقه لهذه الرتبة وثبت اختصاصه باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات كذلك من غير فرق لأنه لا مشارك له في مثل هذا الاستحقاق، فعبادة غيره باطلة، قال في القاموس: أله - أي بالفتح - إلاهة وألوهة وألوهية: عبد عبادة، ومنه: لفظ الجلالة - وأصله: إله بمعنى معبود وكل ما اتخذ معبوداً فهو إله عند متخذه، وأله كفرح: تحير، فقد علم من هذا جواز تعلق الجار بإله. ولما كان الإله لا يصلح للألوهية إلا إذا كان يضع الأشياء في محلها بحيث لا يتطرق إليه فساد، ولا يضرها إفساد مفسد، وكان لا يكون كذلك إلا بالغ العلم قال: {وهو الحكيم} أي البليغ الحكمة، وهي العلم الذي لأجله وجب الحكم من قوام من أمر المحكوم عليه في عاجلته وآجلته، ولما كانت الحكمة العلم بما لأجله وجب الحكم قال تعالى: {العليم} أي البالغ في علمه إلى حد لا يدخل في عقل العقلاء أكثر من وصفه به على طريق المبالغة ولو وسعوا أفكارهم وأطالوا أنظارهم لأنه ليس كمثله شيء في ذاته ولا صفة من صفاته ليقاس به، وكل من ادعى فيه أنه شريك له لا يقدر من أشرك به أن يدعي له ما وصف به من الإجماع على ألوهيته ومن كمال علمه وحكمه، فثبت قطعاً ببطلان الشركة بوجه يفهمه كل أحد، فلا خلاص حينئذ إن خالف كائناً من كان، وإذا قد صح أنه الإله وحده وأنه منزه عن شريك وولد وكل شائبة نقص كان بحيث لا يخاف وعيده، فلا يخوض ولا يعلب عبده، ومن خاض منهم أو لعب فلا يلومن إلا نفسه، فإن عمله محفوظ بعلمه فهو مجاز عليه بحكمته. ولما نزه ذاته الأقدس وأثبت لنفسه استحقاق الإلهية بالإجماع من خلقه بما ركزه في فطرهم وهداهم إليه بعقولهم، أتبع ذلك أدلة أخرى بإثبات كل كمال بما تسعه العقول وبما لا تسعه مصرحاً بالملك فقال: {وتبارك} أي ثبت ثباتاً لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال مع التيمن والبركة وكل كمال، فلا تشبيه له حتى يدعي أنه ولد له أو شريك، ثم وصفه بما يبين تباركه واختصاصه بالإلهية فقال: {الذي له ملك السماوات} أي كلها {والأرض} كذلك {وما بينهما} وبين كل اثنين منها، والدليل على هذا الإجماع القائم على توحيده عند الاضطرار. لما ثبت اختصاصه بالملك وكان الملك لا يكون إلا عالماً بملكه وكان ربما ادعى مدع وتكذب معاند في الملك أو العلم، قطع الأطماع بقوله: {وعنده} أي وحده {علم الساعة} سائقاً له مساق ما هو معلوم الكون، لا مجال للخلاف فيه إشارة إلى ما عليها من الأدلة القطعية المركوزة في الفطرة الأولى فكيف يما يؤدي إليه الفكر من الذكر المنبه عليه السمع، ولأن من ثبت اختصاصه بالملك وجب قبول أخباره لذاته، وخوفاً من سطواته، ورجاء في بركاته {وإليه} أي وحده لا إلى غيره بعد قيام الساعة {ترجعون} بأيسر أمر تحقيقاً لملكه وقطعاً للنزاع في وحدانيته، وقراءة الجماعة وهم من عدا ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن يعقوب بالخطاب أشد تهديداً من قراءة الباقين بالغيب، وأدل على تناهي الغضب على من لا يقبل إليه بالمتاب بعد رفع كل ما يمكن أن يتسبب عنه ارتياب. ولما أرشد السياق قطعاً إلى التقدير: فلا شريك له في شيء من ذلك ولا ولده ولا يقدر أحد منهم على التخلف عن الرجوع إليه كما أنه لا يقدر أحد على مدافعة قضائه وقدره، عطف عليه قوله: {ولا يملك} أي بوجه من الوجوه في وقت ما {الذين يدعون} أي يجعلونهم في موضع الدعاء بعبادتهم لهم، وبين سفول رتبتهم بقوله تعالى: {من دونه} من أدنى رتبة من رتبته من الأصنام والملائكة والبشر وغيرهم {الشفاعة} أي فلا يكون منهم شفيع كما زعموا أنهم شفعاؤهم {إلا من شهد} أي منهم {بالحق}. أي التوحيد الذي يطابقه الواقع إذا انكشف أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه يكون أهلاً لأن يشفع كالملائكة والمسيح عليهم الصلاة والسلام، والمعنى أن أصنامهم التي ادعوا أنها تشفع لهم لا تشفع غير أنه تعالى ساقه على أبلغ ما يكون لأنه كالدعوى. ولما كان ذلك مركوزاً حتى في فطر الكفار فلا يفزعون في وقت الشدائد إلا إلى الله، ولكنهم لا يلبثون أن يعملوا من الإشراك بما يخالف ذلك، فكأنه لا علم لهم قال: {وهم} أو والحال أن من شهد {يعلمون} أي على بصيرة مما شهدوا به، فلذلك لا يعملون بخلاف ما شهدوا إلا جهلاً منهم بتحقيق معنى التوحيد، فلذلك يظنون أنهم لم يخرجوا عنه وإن أشكروا، أو يكون المعنى: وهم من أهل العلم، والأصنام ليسوا كذلك، وكأنه أفرد أولاً إشارة إلى أن التوحيد فرض عين على كل أحد بخصوصه وإن خالفه كل غير، وجمع ثانياً إيذاناً بالأمر بالمعروف ليجتمع الكل على العلم والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به، وتحقيقه هو العلم الذي لا علم يعدله، قال الرازي في اللوامع: وجميع الفرق إنما ضلوا حيث لم يعرفوا معنى الواحد على الوجه الذي ينبغي إذ الواحد قد يكون مبدأ العدد، وقد يكون مخالطاً للعدد، وقد يكون ملازماً للعدد، والله تعالى منزه عن هذه الواحدات - انتهى. ففي الآية تبكيت لهم في أنهم يوحدون في أوقات، فإذا أنجاهم الذي وحدوه جعلوا شكرهم له في الرخاء إشراكهم به، ومنع لهم من ادعاء هذه الرتبة، وهي الشهادة بالحق لأنهم انسلخوا بإشراكهم عن العلم، وأن الملائكة لا تشفع لهم لأن ذلك يؤدي إلى أن تكون قد عملت بخلاف ما تعلم، وذلك ينتج الانسلاخ من العلم المؤهل للشفاعة، وقال ابن الجوزي: وفي الآية دليل على أن شرط جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالماً بما يشهد به. ولما كان التقدير لتقرير وجود إلهيته في الأرض بالاجتماع: فلئن سألتهم من ينجيهم في وقت كروبهم ليقولن: الله، ليس لمن ندعوه من دونه هناك فعل، فقال عطفاً عليه: {ولئن سألتهم} أي الكفار {من خلقهم} أي العابدين والمعبودين معاً، أجابوا بما يدل على عمى القلب الحقيقي المجبول عليه والمطبوع بطابع الحكمة الإلهية عليه، ولم يصدقوا في جواب مثله بقوله: {إذ سألتهم}: {ليقولن الله} الذي له جميع صفات الكمال هو الذي خلق الكل ليس لمن يدعوه منه شيء، ولذلك سبب عنه قوله: {فأنّى} أي كيف ومن أي جهة بعد أن أثبتوا له الخلق والأمر {يؤفكون *} أي يقلبون عن وجوه الأمور إلى أقفائها من قالب ما كائناً من كان، فيدعون أن له شريكاً تارة بالولدية، وتارة بغيرها، مع ما ركز في فطرهم مما ثبت به أنه لا شريك له لأن له الخلق والأمر كله. ولما أبطل سبحانه شبهتهم ووهى غاية التوهية أمرهم في شركهم وادعائهم الولد وغير ذلك مما تضمنته أقوالهم الفاسدة المنسوبة إليهم في هذه السورة، وأقام حجج الحق، ونصب براهين الصدق، وأُبت ما ينفعهم، وحذرهم ما يضرهم، حتى ختم ذلك بقوله مقسماً مع جلالة قدره وعظم أمره {لقد جئناكم بالحق} ثم حصر أمرهم في رد ذلك إن ردوه إلى قسمين في حالين: حال مجاهرة وحال مماكرة، وأخبر أنه لا نجاة لهم على حالة منهما، وأخبر أن رسله تعالى يكتبون جميع أمورهم، ذلك مع غناه عن ذلك لعلمه بما يكتبونه من ذلك وغيره مما لا يطلعون، عليه، فكان ذلك فخراً عظيماً ملاحماً أشد الملاحمة لما قدمه من شبهتهم في ادعاء الولد فأكد إبطالها وحقق زوالها، وختم بالتعجيب من حالهم في تركهم وجوه الأمور واتباعهم أقفائها، وكان من جملة ذلك عملهم عمل من يظن أن الله سبحانه لا يسمع قولهم الموجب لأخذهم وقول رسوله: الموجب لنصره، عطف على ما مضى من إنكارهم عليهم عدم سماعه لقولهم، ولما كان اشتدادهم في تكذيبهم ومباعدتهم وعنادهم لا يزداد بمرور الزمان إلا قوة أوقع في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم أسفاً ورقة وشفقة عليهم وعطفاً، وصار يشكو أمرهم إلى ربه شكوى المضطر سراً وعلناً إرادة التيسير في أمرهم والتهوين لشأنهم، فاختير للتعبير عن هذا المعنى مصدر "قال" المشترك لفظه مع لفظ الماضي المبني للمجهول إشارة إلى أن شكواه بذلك كأنها صارت أمراً ضرورياً له لا اختيار له في قوله فكأنه صار قولاً من غير قائل أو من غير قصد، لأنه صار حالاً من الأحوال، ووصل به الضمير من غير تقدم ذكر، إشارة إلى أن ضميره قد امتلأ بتلك الشفقة عليهم والرحمة لهم، فقال تعالى عطفاً على سرهم المقدر بعد {بلى} في قوله تعالى: {إنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى} أو يكون معطوفاً على محل الساعة أي "ويعلم قيله" قاله الزجاج، وعدل في هذا الوجه - وهو قراءة عاصم له وحمزة بالجر فإنه ظاهر في تعلقه بذلك لعطفه على لفظ {الساعة}، وقرئ شاذاً بالرفع، ووجهه أن الواو للحال، أي كيف يصرفون عن اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا في العبادة كما أنا توحدنا بالخلق والحال أن قيله كذا في شكايتهم، أفيظنون أنا لا ننصره وقد أرسلناه: {وقيله} الذي صار في ملازمته وعدم انفكاكه حالاً من الأحوال، الدال على وجه قيله وانكسار نفسه بما دلت عليه كسرة المصدر وياؤه المجانسة لها، والتعبير بقوله: {يا رب} دال على ذلك بما تفيده "يا" الدالة على بعد، أو تقديره، والرب الدال على الإحسان والعطف والشفقة والتدبير والسيادة الاختصاص والولاية، وذلك على غير العادة في دعاء المقربين، فإنها جارية في القرآن بإسقاط أداة النداء. ولما كان الإرسال إليهم - والمرسل قادر - مقتضياً لإيمانهم، أكد ما ظهر له من حالهم بقوله زيادة في التحسر وإشارة إلى أن تأخير أمرهم يدل على أن إيمانهم مطموع فيه: {إن هٰؤلاء} لم يضفهم إلى نفسه بأن يقول: قومي، ونحو ذلك من العبارات ولا سماهم باسم قبيلتهم لما ساءه من حالهم، وأتى بهاء المنبهة قبل اسم على غير عادة الأصل إشارة إلى أن استشعر من نفسه بعداً استصغاراً لها واحتقاراً {قوم} أي أقوياء على الباطل {لا يؤمنون} أي لا يتجدد منهم هذا الفعل. ولما كان هذا قولاً دالاً على غاية ما يكون من بلوغ الجهد، تسبب عنه ما يسره بإيمانهم وبلوغهم الرتب العالية التي هي نتيجة ما كان مترجى لهم أول السورة، وذلك كله ببركته صلى الله عليه وسلم في سياق ظاهره التهديد وباطنه - بالنسبة إلى علمه - البشارة بالتشديد فقال: {فاصفح عنهم} أي اعف عمن أعرض منهم صفحاً فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ {وقل} أي لهم: {سلام} أي شأني الآن متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم {فسوف يعلمون} بوعد لا خلف فيه، فهذا ظاهره تهديد كبير، وقراءة المدنيين وابن عامر بالخطاب أشد تهديداً، وباطنه من التعبير بالصفح عنهم والسلام بشارة لأنهم يصيرون علماء فيفوقون الأمم في العلم بعد أن يفوقهم في العقل - بما أفهمه أول السورة - فيعلون الأمم في المشي على مناهيج العقل، فللّه دره من آخر عانق الأول، ومقطع رد إلى المطلع تنزل، يا ناظم اللآلئ! أين تذهب عن هذا البناء العالي، وتغفل عن هذا الجوهر الرخص الغالي، وتضل عن هذا الضياء اللامع الملألىء، ثم أعلاه فأنزله، وأغلاه بدر المعاني وفضله.
القشيري
تفسير : المعبودُ - في السماء - الله، والمقصودُ - في طلب الحوائج في الأرض - الله. أهلُ السماءِ لا يعبدون غير الله، وأهل الأرض لا يَقْضِي حوائجهم غير الله. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في إمهاله للغُصاة، {ٱلْعَلِيمُ} بأحوالِ العِباد.
اسماعيل حقي
تفسير : {وهو الذى فى السماء اله} اى مستحق لان يعبد فيها اى هو معبود أهل السماء من الملائكة وبه تقوم السماء وليس حالا فيها {وفى الارض اله} اى مستحق لان يعبد فيها اى فهو معبود اهل الارض من الانس والجن واله الآلهة ولا قاضى لحوائج اهل الارض الا هو وبه تقوم الارض وليس حالا فيها فالظرفان يتعلقان باله لانه بمعنى المعبود بالحق او متضمن معناه كقوله هو حاتم اى جواد لاشتهاره بالجود وكذا فيمن قرأ وهو الذى فى السماء الله وفى الارض الله ومنه قوله تعالى فى الانعام {أية : وهو الله فى السموات وفى الارض} تفسير : اى وهو الواجب الوجود المعبود المستحق للعبادة فيهما والراجع الى الموصول مبتدأ محذوف لطول الصلة بمتعلق الخبر وهو فى السماء والعطف عليه والتقدير وهو الذى هو فى السماء {وهو الحكيم العليم} كالدليل على ما قبله لانه المتصف بكمال الحكمة والعلم المستحق للالوهية لا غيره اى وهو الحكيم فى تدبير العالم واهله العليم بجميع الاحوال من الازل الى الابد
اطفيش
تفسير : {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَآءِ إِلَهٌ} بتخفيف الهمزتين واسقاط الاولى وتسهيلها كالفاء* {وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} النكرتان لمسمى واحد تعالى عن التعدد وبهما يتعلق في لان اله بمعنى معبود قيل أو مالك أو النافذ أمره أو مضمن ذلك المعنى. وقرأ ابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبيّ وغيرهم (وهو الذي في السماء الله وفي الارض الله) بالتعريف وفي التعليق ما مر وصدر الصلة على كل من ذلك محذوف أي هو اله هو الله لطول الصلة بالجار والمجرور والعطف وليس المراد بالسماء والارض خصوصهما بل هو معبود في جميع السماوات والأرضين وما بينهن مالك كل شيء نافذ الأمر في كل شيء وفي الآية نفي ما يعبد من دونه وتعظيم واخبار بألوهيته ويجوز كون {فِي السَّمَآءِ} خبر (واله) مبتدأ والرابط له لانه ظاهر قام مقام المضمر للوصف بالألوهية وكذا ان جعل {إِلَهٌ} فاعلاً للجار والمجرور يكون الرابط {إِلَهٌ} لقيامه مقام الضمير ومنع ابن هشام ذلك واقتصر على التعليق باله لانه ولو جامداً بدليل انه يوصف لكنه مؤول بمعبود وعلى تقدير المبتدأ له قال ولا يحسن تقدير الظرف صلة واله بدلاً من الضمير المستتر فيه وتقدير وفي الأرض {إِلَهٌ} معطوفاً كذلك لتضمنه الابدال من ضمير العابد مرتين وفيه بعد حتى قيل بامتناعه ولان الحمل على الوجه البعيد ينبغي أن يكون سببه التخلص به من محذور أن يكون هو موقعاً في ما يحوج الى تأويلين فلا ولا يجوز على هذا الوجه أن يكون {وفي الأَرْضِ إلَهٌ} مبتدأ وخبر لئلا يلزم فساد المعنى ان استؤنف وخلو الصلة من عائد ان عطف أحد التأويلين ان المبدل منه في حكم المطروح فتخلو الصلة من عائد فيقول هو وان طرح تقديرا موجوداً حساً فلا تضر فيه طرحه والآخر مثله هذا في الجملة الثانية وأشار بقوله هذا الوجه الى جعل الظرف صلة (واله) بدلاً من المستتر فيه ولو جعل اله بدلاً لمحذوف وفي السماء متعلق باله وجعل وفي الارض اله استئنافا لفسد المعنى أيضاً* {وَهُوَ الْحَكِيمُ} في تدبير خلقه* {الْعَلِيمُ} بمصالحهم وهذه الجملة كالدليل على استحقاق الألوهية
اطفيش
تفسير : {وهُو الَّذي في السَّماء إله وفي الأرض إله} فى السماء متعلق باله، وكذا فى الأرض، لأنه بمعنى معبود، وحذف صدر صلة غير، أى لطولها أى وهو الذى هو معبود فى السماء ومعبود فى الأرض وذلك بالانشقاق، لأنه يقال: أله يؤله، أى عبد يعبد، فهو مألوه، وقيل: هو جامد جمود العلم، فيعلق به كما يعلق فى العلم كحاتم باعتبار ملاحظة معنى التعلق نحو: زيد حاتم فى العسر واليسر، أى يجود فيهما كما قرىء: وهو الذى فى السماء وفى الأرض الله، والله علم بأل، أى مستحق فيهما أن يعبدا والمعبود فيهما، أو المتحير اليه لا بمعنى الاشتقاق، بل بمعنى الصفة المشهور بها، أو السماء صفة الذى، وإله خبر لمحذوف، والجملة بيان للصلة، أى الذى ثبت فى السماء هو إله، والذى ثبت فى الأرض هو إله، فحذف الموصول وبقيت صلته، وهى فى الأرض. {وهُو الحَكِيمُ العَليمُ} فقد استحق الألوهية، ومن لا يتصف بالحكمة التامة، والعلم التام لا يستحقها.
الالوسي
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّماء إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلاْرْضِ إِلَـٰهٌ } الظرفان متعلقان بإله لأنه صفة بمعنى معبود من أله بمعنى عبد وهو خبر مبتدأ محذوف أي هو إله وذلك عائد الموصول وحذف لطول الصلة بمتعلق الخبر والعطف عليه. وقال غير واحد: الجار متعلق بإله باعتبار ما ينبىء عنه من معنى المعبودية بالحق بناء على اختصاصه بالمعبود بالحق وهذا كتعلق الجار بالعلم المشتهر بصفة نحو قولك: هو حاتم في طيء حاتم في تغلب، وعلى هذا تخرج قراءة عمر وعلي وعبد الله وأبـي والحكم بن أبـي العالي وبلال بن أبـي بردة وابن يعمر وجابر وابن زيد وعمر بن عبد العزيز وأبو شيخ الهنائي وحميد وابن مقسم وابن السميقع {وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله} فيعلق الجار بالاسم الجليل باعتبار الوصف المشتهر به، واعتبر بعضهم معنى الاستحقاق للعبادة وعلل ذلك بأن العبادة بالفعل لا تلزم، وجوز كون الجار والمجرور صلة الموصول، و {إِلَـٰه} خبر مبتدأ محذوف أيضاً على أن الجملة بيان للصلة وأن كونه سبحانه في السماء على سبيل الإلهية لا على معنى الاستقرار. واختير كون {إِلَـٰه} في هذا الوجه خبر مبتدأ محذوف على كونه خبراً آخر للمبتدأ المذكور أو بدلاً من الموصول أو من ضميره بناء على تجويزه لأن إبدال النكرة الغير الموصوفة من المعرفة إذا أفادت ما لم يستفد أولاً كما هنا جائز حسن على ما قال أبو علي في الحجة لأن البيان هٰهنا أتم وأهم فلذا رجح مع ما فيه من التقدير وحينئذ فلا فاصل أجنبـي بين المتعاطفين، ولا يجوز كون الجار والمجرور خبر مقدماً و(إله) مبتدأ مؤخراً للزوم خلو الجملة عن العائد مع فساد المعنى. وفي الآية نفي الآلهة السماوية والأرضية واختصاص الإلهية به عز جل لما فيها من تعريف طرفي الإسناد، والموصول في مثل ذلك كالمعرف بالأداة وللاعتناء بكل من إلهيته تعالى في السماء وإلهيته عز وجل في الأرض قيل {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} ولم يقل: وهو الذي في السماء وفي الأرض إله أو هو الذي في السماء والأرض إله، وحديث الإعادة قيل مما لا يجري هٰهنا لأن القاعدة أغلبية كأكثر قواعد العربية. وقال بعض الأفاضل: يجوز إجراء القاعدة فيه والمغايرة بين الشيئين أعم من أن تكون بالذات أو بالوصف / والاعتبار، والمراد هنا الثاني ولا شك أن طريق عبادة أهل السماء له تعالى غير طريق عبادة أهل الأرض على ما يشهد به تتبع الآثار فإذا كان إله بمعنى معبود كان معنى الآية أنه تعالى معبود في السماء على وجه ومعبود في الأرض على وجه آخر، وإن كان بمعنى التحير فيه فالتحير في أهل السماء غير التحير في أهل الأرض فلا جرم تكون أطوارهم مخالفة لأطوار أهل الأرض، ومن ذلك اختلاف علومهم فإن علوم أهل الأرض إن كانت ضرورية فأكثرها مستندة إلى الحس وإن كانت نظرية كانت مكتسبة من النظر فإذا انسد طريق النظر والحس عجزوا وتحيروا ولا كذلك أهل السماء لتنزههم عن الكسب والحس فتحيرهم على نحو آخر، أو نقول التحير في إدراك ذاته تعالى وصفاته إنما ينشأ من مشاهدة آثار عظمته وكمال قدرته سبحانه ولا شك أن تلك الآثار في السماء أعظم من الآثار في الأرض وعليه فيجوز أن يكون الإله بمعنى المتحير فيه ويكون مجازاً عن عظيم الشأن من باب ذكر اللازم وإرادة الملزوم فيكون المعنى أنه تعالى عظيم الشأن في السماء على نحو وعظيم الشأن في الأرض على نحو آخر اهـ، ولا يخلو عن شيء كما لا يخفى. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ } كالدليل على النفي والاختصاص المشار إليهما فإن من لا يتصف بكمال الحكمة والعلم لا يستحق الإلهية.
ابن عاشور
تفسير : {وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِى ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ}. عطف على جملة { أية : قل إن كان للرحمٰن ولد } تفسير : [الزخرف: 81] والجملتان اللتان بينهما اعتراضان، قصد من العطف إفادة نفي الشريك في الإلـٰهية مطلقاً بعد نفي الشريك فيها بالبُنوة، وقصد بذكر السماء والأرض الإحاطة بعوالم التدبير والخلق لأن المشركين جعلوا لله شركاء في الأرض وهم أصنامهم المنصوبة، وجعلوا له شركاء في السماء وهم الملائكة إذ جعلوهم بنات لله تعالى فكان قوله: {في السماء إلٰه وفي الأرض إلٰه} إبطالاً للفريقين مما زُعمت إلٰهيتُهم. وكان مقتضى الظاهر بهذه الجملة أن يكون أوَّلها {الذي في السَّماء إلـٰه} على أنه وصف للرحمان من قوله: { أية : إن كان للرحمٰن ولد } تفسير : [الزخرف: 81]، فعُدل عن مقتضى الظاهر بإيراد الجملة معطوفة لتكون مستقلة غير صفة، وبإيراد مبتدأ فيها لإفادة قصر صفة الإلـٰهية في السماء وفي الأرض على الله تعالى لا يشاركه في ذلك غيره، لأن إيراد المسند إليه معرفة والمسند معرفة طريق من طرق القصر. فالمعنى وهو لا غيره الذي في السماء إلـٰه وفي الأرض إلـٰه، وصلة {الذي} جملة اسمية حذف صدرها، وصَدرُها ضمير يعود إلى معاد ضمير {وهو} وحذْفُ صدر الصلة استعمال حسن إذا طالت الصلة كما هنا. والتقدير: الذي هو في السماء إلـٰه. والمجروران يتعلقان بــ {إلٰه} باعتبار ما يتضمنه من معنى المعبود لأنه مشتق من ألَهَ، إذا عبَد فشابه المشتق. وصح تعلق المجْرور به فتعلقه بلفظ إلـٰه كتعلق الظرف بغِربال وأقوى من تعلق المجرور بكانون في قول الحطيئة يهجو أمه من أبيات: شعر : أغِرْبالاً إذا استُودِعْتِ سِرًّا وكَانُوناً على المتحدّثينا تفسير : {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ}. بعد أن وصف الله بالتفرد بالإلـٰهية أُتبع بوصفه بــ {الحكيم العليم} تدقيقاً للدليل الذي في قوله: {وهو الذي في السماء إلٰه وفي الأرض إلٰه}، حيث دل على نفي إلـٰهية غيره في السماء والأرض واختصاصه بالإلـٰهية فيهما لما في صيغة القصر من إثبات الوصف له ونفيه عمن سواه، فكان قوله: {وهو الحكيم العليم} تتميماً للدليل واستدلالاً عليه، ولذلك سميناه تدقيقاً إذ التدقيق في الاصطلاح هو ذكر الشيء بدليللِ دليله وأما التحقيق فذكرُ الشيء بدليله لأن الموصوف بتمام الحكمة وكمال العلم مستغن عما سواه فلا يحتاج إلى ولد ولا إلى بنت ولا إلى شريك.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَفِي ٱلأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ} تفسير : [الأنعام: 3] الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : (84) - وَهُوَ اللهُ الذِي يَعْبُدُهُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلُ الأَرْضِ، وَلاَ تَصْلُحُ العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، العَلِيمُ بِأَحْوَالِ العِبَادِ. فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ - مَعْبُودٌ فِي السَّمَاءِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : البعض يظن أن الله تعالى في السماء، فإذا دعاه بصوت عَالٍ ليسمعه. والله سبحانه في كل مكان وفي كل زمان، ليس له مكان يَسَعه ولا زمانٌ يحتويه، لأنه سبحانه خالق الزمان وخالق المكان، والمخلوق لا يسع الخالق. لذلك لا نستعمل أين ولا متى مع الله {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} [الزخرف: 84] إذن: فهو في كل مكان، وهذه الصفة (إله) ذاتية فيه سبحانه، وهي صفة كمال لا تفارقه ولا تنفكّ عنه، لا في السماء ولا في الأرض. وكان للمستشرقين وقفة عند هذه الآية بسبب تكرار النكرة {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} [الزخرف: 84] فكلمة (إله) نكرة كُرِّرَت، والقاعدة اللغوية أن النكرة إذا كررتْ كانت الثانية غير الأولى كما لو قلتَ: لقيتُ رجلاً، وأكرمتُ رجلاً، فرجل الثانية غير الأولى. أما المعرفة إذا كُررتْ كانت الثانية هي عَيْن الأولى لو قُلت: لقيتُ الرجل فأكرمتُ الرجل، إذن: هو هو. وهذه القاعدة وضعتْنا في إشكال مع هذه الآية، ومَنْ يقول بإله في السماء وإله آخر في الأرض؟! وفي حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُؤكِّد هذه القاعدة، لأنه حين قرأ: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : [الشرح: 5-6] قال: "حديث : ولن يغلب عُسْرٌ يُسْريْنِ" تفسير : فالعُسْر جاءت معرفة، واليُسْر جاءتْ نكرة. وهذه الآية لها معنا قصة مع الناس الدراويش في المسجد الأحمدي بطنطا، ففي يوم من الأيام جاءنا الشيخ محمود شلتوت وكان شيخاً للأزهر ليزور مدينة طنطا، وجاء المسجد الأحمدي ليصلي، وبعد الصلاة سأله الشيخ أبو العينين وكان أستاذاً للتفسير وقال له: الحمد لله يا مولانا أنني وجدتك هنا لأنني في درس التفسير أمس وقفتُ أمام الآية: {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ} [الزخرف: 84] والقاعدة أن النكرة إذا كُرِّرتْ كانت الثانية غير الأولى؟ وبمجرد أنْ بدأ الشيخ شلتوت في الجواب وقال: والله العلماء قالوا إن القاعدة أغلبية، وعندها دخل رجل لا نعرفه قبل ذلك ولا عرفناه بعدها، وكان عاريَ الرأس وفي يده عصا، وقال: يا علماء أنتم نسيتم اسم الموصول {وَهُوَ ٱلَّذِي} [الزخرف: 84] اسم الموصول معرفة وما بعده صلته، إذن: الكلمة المكررة صلةٌ لموصول واحد، يعني هو هو، ثم انصرف الرجلُ وجلسنا نحن لم يتكلم منا أحدٌ لمدة نصف ساعة. وقوله: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ} [الزخرف: 84] الحكيم: الذي يضع الشيء في موضعه بحكمة، والعليم بما يصلح خَلقه وبما يُعينهم على معايشهم وعلى مَعادهم، فما كان سبحانه ليُعطيهم مُقوِّمات المادة بالطعام والشراب والهواء ثم يتركهم دون منهج ودون قيم تُغذِّي أرواحهم كما غذَّى أبدانهم. لذلك سمَّى هذا المنهج روحاً، فهو للقلب مثل الروح للأبدان، والفرق بين الروحين أن الروح التي في البدن لها موعد تفارق فيه البدنَ بالموت، أما روح القيم والمنهج فهي باقية خالدة تلازمه في الدنيا، وتصاحبه إلى الآخرة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى، أنه وحده المألوه المعبود في السماوات والأرض فأهل السماوات كلهم، والمؤمنون من أهل الأرض، يعبدونه، ويعظمونه، ويخضعون لجلاله، ويفتقرون لكماله. {أية : تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ } {أية : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا }. تفسير : فهو تعالى المألوه المعبود، الذي يألهه الخلائق كلهم، طائعين مختارين، وكارهين. وهذه كقوله تعالى: {أية : وهو اللّه في السماوات وفي الأرض } تفسير : أي: ألوهيته ومحبته فيهما. وأما هو فهو فوق عرشه، بائن من خلقه، متوحد بجلاله، متمجد بكماله، { وَهُوَ الْحَكِيمُ } الذي أحكم ما خلقه، وأتقن ما شرعه، فما خلق شيئا إلا لحكمة، ولا شرع شيئا إلا لحكمة، وحكمه القدري والشرعي والجزائي مشتمل على الحكمة. { الْعَلِيمُ } بكل شيء، يعلم السر وأخفى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في العالم العلوي والسفلي، ولا أصغر منها ولا أكبر. { وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا } تبارك بمعنى تعالى وتعاظم، وكثر خيره، واتسعت صفاته، وعظم ملكه. ولهذا ذكر سعة ملكه للسموات والأرض وما بينهما، وسعة علمه، وأنه بكل شيء عليم، حتى إنه تعالى، انفرد بعلم كثير من الغيوب، التي لم يطلع عليها أحد من الخلق، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ولهذا قال: { وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } قدم الظرف، ليفيد الحصر، أي: لا يعلم متى تجيء الساعة إلا هو، ومن تمام ملكه وسعته، أنه مالك الدنيا والآخرة، ولهذا قال: { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي: في الآخرة فيحكم بينكم بحكمه العدل، ومن تمام ملكه، أنه لا يملك أحد من خلقه من الأمر شيئا، ولا يقدم على الشفاعة عنده أحد إلا بإذنه. { وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } أي: كل من دعي من دون اللّه، من الأنبياء والملائكة وغيرهم، لا يملكون الشفاعة، ولا يشفعون إلا بإذن اللّه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ولهذا قال: { إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ } أي: نطق بلسانه، مقرا بقلبه، عالما بما شهد به، ويشترط أن تكون شهادته بالحق، وهو الشهادة للّه تعالى بالوحدانية، ولرسله بالنبوة والرسالة، وصحة ما جاءوا به، من أصول الدين وفروعه، وحقائقه وشرائعه، فهؤلاء الذين تنفع فيهم شفاعة الشافعين، وهؤلاء الناجون من عذاب اللّه، الحائزون لثوابه. ثم قال تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } أي: ولئن سألت المشركين عن توحيد الربوبية، ومن هو الخالق، لأقروا أنه اللّه وحده لا شريك له. { فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي: فكيف يصرفون عن عبادة اللّه والإخلاص له وحده؟! فإقرارهم بتوحيد الربوبية، يلزمهم به الإقرار بتوحيد الألوهية، وهو من أكبر الأدلة على بطلان الشرك. { وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ } هذا معطوف على قوله: { وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } أي: وعنده علم قيله، أي: الرسول صلى اللّه عليه وسلم، شاكيا لربه تكذيب قومه، متحزنا على ذلك، متحسرا على عدم إيمانهم، فاللّه تعالى عالم بهذه الحال، قادر على معاجلتهم بالعقوبة، ولكنه تعالى حليم، يمهل العباد ويستأني بهم، لعلهم يتوبون ويرجعون، ولهذا قال: { فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ } أي: اصفح عنهم ما يأتيك من أذيتهم القولية والفعلية، واعف عنهم، ولا يبدر منك لهم إلا السلام الذي يقابل به أولو الألباب والبصائر الجاهلين، كما قال تعالى عن عباده الصالحين: {أية : وإذا خاطبهم الجاهلون } تفسير : أي: خطابا بمقتضى جهلهم {أية : قالوا سلاما } تفسير : فامتثل صلى اللّه عليه وسلم، لأمر ربه، وتلقى ما يصدر إليه من قومه وغيرهم من الأذى، بالعفو والصفح، ولم يقابلهم عليه إلا بالإحسان إليهم والخطاب الجميل. فصلوات اللّه وسلامه على من خصه اللّه بالخلق العظيم، الذي فضل به أهل الأرض والسماء، وارتفع به أعلى من كواكب الجوزاء. وقوله: { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } أي: غِبَّ ذنوبهم، وعاقبة جرمهم. تم تفسير سورة الزخرف
همام الصنعاني
تفسير : 2795- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ}: [الآية: 84]، قَالَ: يُعْبَدُ في السَّمَاءِ، ويُعْبَدُ في الأَرْضِ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):