٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
85
Tafseer
القرطبي
تفسير : {وَتَبَارَكَ} تفاعل من البركة؛ وقد تقدّم. {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي وقت قيامها. {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ» بالياء. الباقون بالتاء. وكان ابن مُحَيْصِن وحُميد ويعقوب وابن أبي إسحاق يفتحون أوله على أصولهم. وضم الباقون.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَتَبَارَكَ } تعظم {ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } متى تقوم؟ {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } بالياء والتاء.
ابو السعود
تفسير : {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} إمَّا على الدوامِ كالهواءِ أو في بعضِ الأوقاتِ كالطيرِ. {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} أي العلمُ بالساعةِ التي فيها تقومُ القيامةُ {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} للجزاءِ. والالتفاتُ للتهديدِ، وقُرِىءَ على الغَيبـيةِ، وقُرِىءَ تُحشرونَ. {وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} أي يدعُونهم، وقُرِىءَ بالتَّاءِ مخففاً ومشدداً {مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ} كما يزعمُونَ {إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقّ} الذي هُو التوحيدُ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} بما يشهدونَ بهِ عن بصيرةٍ وإيقانٍ وإخلاصٍ، وجمعُ الضميرِ باعتبارِ مَعْنى مَنْ كمَا أنَّ الإفرادَ أولاً باعتبارِ لفظِها، والاستثناءُ إمَّا متصلٌ والموصولُ عامٌّ لكلِّ ما يُعبدُ من دونِ الله، أو مُنفصلٌ على أنَّه خاصٌّ بالأصنامِ. {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ} أي سألتَ العابدينَ والمعبودينَ {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} لتعذرِ الإنكارِ لغايةِ بطلانِه {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} فكيفَ يُصرفونَ عن عبادتِه إلى عبادةِ غيرِه مع اعترافِهم بكونِ الكلِّ مخلوقاً له تعالى {وَقِيلِهِ} بالجرِّ، إمَّا على أنَّه عطفٌ على الساعةِ أيْ عندَهُ علمُ الساعةِ وعلم قولِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ {يَا رَبّ} الخ. فإنَّ القولَ والقيلَ والقالَ كلَّها مصادرُ، أو عَلى أنَّ الواوَ للقسمِ، وقولَه تعالَى: {إِنَّ هَـؤُلاَء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} جوابُه. وفي الإقسامِ بهِ من رفعِ شأنِه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام وتفخيمِ دُعائِه والتجائِه إليهِ تعالَى ما لا يَخْفى. وقُرِىءَ بالنصب بالعطفِ على سرَّهم أو على محلَّ الساعةِ أو بإضمارِ فعلهِ أو بتقديرِ فعلِ القسمِ، وقُرِىءَ بالرفعِ على الابتداءِ والخبرُ مابعدَهُ، وقد جُوِّزَ عطفُه على علمُ الساعةِ. {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ} فأعرضْ عن دعوتِهم واقنَطْ عن إيمانِهم {وَقُلْ سَلَـٰمٌ} أيْ أمري تسلمٌ منكم ومتاركةٌ. {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} حالَهم البتةَ وإنْ تأخرَ ذلكَ، وهو وعيدٌ من الله تعالَى لهم وتسليةٌ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. وقُرِىءَ تعلمونَ على أنَّه داخلٌ في حيزِ قُلْ. عن النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَسورةَ الزخرفِ كانَ ممَّن يقالُ لهُ يوم القيامةِ يا عبادِ لا خوفٌ عليكُم اليومَ ولا أنتُم تحزنونَ ادخلُوا الجنةَ بغيرِ حسابٍ".
القشيري
تفسير : تعالى وتقدَّس وتنزَّه وتكبَّرَ الذي له مُلْكُ السماوات والأرض. السماواتُ والأرضُ بقدرته تظهر... لا هو بظهورها يتعزَّز.
اسماعيل حقي
تفسير : {وتبارك} تعالى عن الولد والشريك وجل عن الزوال والانتقال وعمت بركة ذكره وزياده شكره {الذى} الخ فاعل تبارك {له ملك السموات والارض} بادشاهئ آسمان وزمين {وما بينهما} اما على الدوام كالهوآء او فى بعض الاوقات كالطير والسحاب. ومن اخبار الرشيد انه خرج يوما للصيد فارسل بازيا اشب فلم يزل يعلو حتى غاب فى الهوآء ثم رجع بعد اليأس منه ومعه سمكة فأحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل يا امير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضى الله عنهما ان الهوآء معمور بامم مختلفة الخلق سكان فيه وفيه دواب تبيض وتفرخ وفيه شيئا على هيئة السمك لها اجنحة ليست بذات ريش فاجاز مقاتلا على ذلك كذا فى حيوة الحيوان {وعنده علم الساعة} اى الساعة التى فيها تقوم القيامة لا يعلمها الا هو {واليه ترجعون} الالتفات للتهديد أى تردون للجزآء فاهتموا بالاستعداد للقائه قال بعض الكبار واليه ترجعون بالاختيار والاضطرار فأهل السعادة يرجعون اليه بالاختيار على قدم الشوق والمحبة والعبودية وأهل الشقاوة يرجعون اليه بالاضطرار بالموت بالسلاسل والاغلال يسحبون على وجوههم الى النار. يقول الفقير الرجوع بالاضطرار قد يكون نافعا ممدوحا مقبولا وهو أن يؤخذ العبد بالجذبة الالهية ويجر الى الله جرا عنيفا ووقع ذلك لكثير من المنقطعين الى الله تعالى (حكى) عن الجنيد رحمه الله انه قال كنت فى المسجد مرة فاذا رجل قد دخل علينا وصلى ركعتين ثم انتبذ ناحية من المسجد واشار الى فلما جئته قال لى يا ابا القاسم قد حان لقاء الله تعالى ولقاء الاحباب فاذا فرغت من امرى فسيدخل عليك شاب مغن فادفع اليه مرقعتى وعصاى وركوتى فقلت الى مغن وكيف يكون ذلك قال انه قد بلغ رتبة القيام بخدمة الله فى مقامى قال الجنيد فلما قضى الرجل نحبه اى مات وفرغنا من مواراته اذا نحن بشاب مصرى قد دخل علينا وسلم وقال اين الوديعة يا ابا القاسم فقلت كيف ذاك اخبرنا بحالك قال كنت فى مشربة بنى فلان فهتف بى هاتف ان قم الى الجنيد وتسلم ما عنده وهو كيت وكيت فانك قد جعلت مكان فلان الفلانى من الابدال قال الجنيد فدفعت اليه ذلك فنزع ثيابه واغتسل ولبس المرقعة وخرج على وجهه نحو الشام ففى هذه الحكاية تبين ان ذلك المغنى انجذب الى الله تعالى بصوت الهاتف وخرج الى الشام مقام الابدال لان المهاجرة سنة قديمة وبها يحصل من الترقيات ما لا يحصل بغيرها فاذا جاءت الساعة يحصل اثر التوفيق ويظهر اللحوق بأهل التحقيق. زين جماعت اكر جدا افتى. درنخستين قدم زبا افتى
الجنابذي
تفسير : {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} فكيف لا يكون الهاً فيهما او لا يكون منه الهٌ فيهما {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} الّتى هى بخرابهما لا عند غيره ولذلك تراهم غافلين عن السّاعة لاهين عنها شاغلين بما لا ينفعهم فيها وما لهم يسألونك عن السّاعة وليس علمها عندك؟! وقد مضى فى سورة الاعراف وفى غيرها وجه انحصار علم السّاعة به تعالى وانّ من يعلم من الخلفاء ذلك فهم فى ذلك الهيّون لا بشريّون {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يعنى انّكم تكونون فى الحال فى الرّجوع اليه على سبيل الاستمرار وان كنتم غافلين عن ذلك الرّجوع فاحذروا من مخالفته.
اطفيش
تفسير : {وَتَبَارَكَ} تعظم* {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَات وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} كالهواء* {وَعِندَهُ} لا عند غيره* {عِلْمُ السَّاعَةِ} أي علم بالقيامة التى تقوم الساعة فيها* {وَإِلَيْهِ} لا الى غيره* {تُرْجَعُونَ} للجزاء وفيه التفات عن الغيبة الى الخطاب للتهديد وذلك قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو وعاصم وروح وبعض قرأ للبناء للفاعل وقرأ الباقون بالمثناة تحت مبنيا للمفعول وقريء (تحشرون) بالتاء الفوقية. قال النضر بن الحارث ونفر معه ان كان ما يقول محمد حقاً فنحن نتولى الملائكة فهم أحق بالشفاعة من محمد فنزل قوله.
اطفيش
تفسير : {وتبارك الذي لَه مُلك السَّماوات والأرض وما بيْنَهُما} كالجو فان الصحيح أنه جسم لطيف، ألا ترى أنك تعتمد عليه بيدك فى الاسراع، وألا ترى أن الواقع من عال له صوت من مصادمته، وألا ترى رصاص البارود كيف تصوت فى الجو بمعادمته، وكالسحاب، وكبحر فيه أرسل بعض الملوك طائراً الى فوق واشتد فى العلو، ورجع بسمكة، وسأل عالما فقال: فى الهواء بحر بلا عمدة كالأرض والسماء، وكطيور فيه وملائكة فيه لا تأتى الأرض {وعنْده} لا عند غيره {عِلم السَّاعةِ} ساعة موت الناس والحيوانات كلها دفعة، وقيل متتابعين أهل أرض، فأهل أرض فى وقت واحد، يصل صوت النفخ على الترتيب، علم عينها من بين سائر الأزمنة، كما تقول: عرفت زيدا وميزته من سائر الناس وهى يوم القيامة {وإليه تُرجعُون} للجزاء، والخطاب للتهديد.
الالوسي
تفسير : {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} كالهواء ومخلوقات الجو المشاهدة وغيرها {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } أي العلم بالساعة أي الزمان الذي تقوم القيامة فيه فالمصدر مضاف لمفعوله، والساعة بمعناها اللغوي وهو مقدار قليل من الزمان، ويجوز أن يراد بها معناها الشرعي وهو يوم القيامة، والمحذور مندفع بأدنى تأمل. وفي تقديم الخبر إشارة إلى استئثاره تعالى بعلم ذلك {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } للجزاء، والالتفات إلى الخطاب للتهديد. وقرأ الأكثر بياء الغيبة والفعل في القراءتين مبني للمفعول؛ وقرىء بفتح تاء الخطاب والبناء للفاعل، وقرىء {تحشرون} بتاء الخطاب أيضاً والبناء للمفعول.
ابن عاشور
تفسير : عطف على { أية : سبحان ربّ السماوات والأرض } تفسير : [الزخرف: 82]، قصد منه إتباع إنشاء التنزيه بإنشاء الثناء والتمجيد. و{تبارك} خبر مستعمل في إنشاء المدح لأن معنى {تبارك} كان متصفاً بالبَركة اتصافاً قوياً لما يدل عليه صيغة تفَاعَل من قوة حصول المشتق منه لأن أصلها أن تدل على صدور فعل من فاعلين مثل: تقاتل وتمارى، فاستعملت في مجرد تكرر الفعل، وذلك مثل: تسامى وتعالى. والبركَة: الزيادة في الخير. وقد ذكر مع التنزيه أنه رب السماوات والأرض لاقتضاء الربوبية التنزيهَ عن الولد المسوق الكلام لنفيه، وعن الشريك المشمول لقوله: { أية : عما يصفون } تفسير : [الزخرف: 82]، وذُكر مع التبريك والتعظيم أن له مُلك السماوات والأرض لمناسبة الملك للعظمة وفيْضِ الخير، فلا يَرِيبك أنَّ { أية : ربِّ السماوات والأرض } تفسير : [الزخرف: 82] مغنٍ عن {الذي له مُلك السماوات والأرض}، لأن غرض القرآن التذكير وأغراضُ التذكير تخالف أغراض الاستدلال والجدل، فإن التذكير يلائم التنبيه على مختلف الصفات باختلاف الاعتبارات والتعرض للاستمداد من الفضل. ثم إنّ صيغة {تبارك} تدل على أن البركة ذاتية لله تعالى فيقتضي استغناءه عن الزيادة باتخَاذِ الولد واتخاذِ الشريك، فبهذا الاعتبار كانت هذه الجملة استدلالاً آخر تابعاً لدليل قوله: { أية : سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون } تفسير : [الزخرف: 82]. وقد تأكد انفراده بربوبية أعظم الموجودات ثلاث مرات بقوله: { أية : رب العرش } تفسير : [الزخرف: 82] وقوله: { أية : وهو الذي في السماء إلٰه وفي الأرض إلٰه } تفسير : [الزخرف: 84] وقوله: {الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما}. فكم من خصائص ونكت تنهالُ على المتدبر من آيات القرآن التي لا يحيط بها إلا الحكيم العليم. ولما كان قوله: {الذي له ملك السماوات والأرض} مفيداً التصرف في هذه العوالم مدة وجودها ووجودِ ما بينها أردفه بقوله: {وعنده علم الساعة وإليه ترجعون} للدلالة على أن له مع ملك العوالم الفانية مُلك العوالم الباقية، وأنه المتصرف في تلك العوالم بما فيها بالتنعيم والتعذيب، فكان قوله: {وعنده علم الساعة} توطئة لقوله: {وإليه ترجعون} وإدماجاً لإثبات البعث. وتقديم المجرور في {إليه ترجعون} لقصد التقوّي إذ ليس المخاطبون بمثبتين رُجْعَى إلى غيره فإنهم لا يؤمنون بالبعث أصلاً. وأما قولهم للأصنام { أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله } تفسير : [يونس: 18] فمرادهم أنهم شفعاء لهم في الدنيا أو هو على سبيل الجدل ولذلك أتبع بقوله: { أية : ولا يملك الذين يَدْعُون من دونه الشفاعة } تفسير : [الزخرف: 86]. وقرأ الجمهور {ترجعون} بالفوقية على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمباشرة بالتهديد. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالتحتية تبعاً لأسلوب الضمائر التي قبله، وهم متفقون على أنه مبني للمجهول.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}. قد بينا الآيات الموضحة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] الآية. وفي الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأعراف: 187] وفي غير ذلك من المواضع.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (85) - وَتَقَدَّسَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا مِنْ عَوَالِمَ وَمَخْلُوقَاتٍ، المُتَصَرِّفُ فِيهِمَا بِلاَ مُدَافَعَةٍ، وَلاَ مُمَانَعَةٍ مِنْ أَحَدٍ، وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ، وَعِنْدَهُ العِلْمُ بِمَوْعِدِ السَّاعَةِ لاَ يَخُصُّ بِعِلْمِهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ، وَإِلَيهِ يَرْجِعُ الخَلاَئِقُ فَيُجَازِي كُلاً عَلَى عَمَلِهِ. تَبَارَكَ - تَعَالَى وَتَكَاثَرَ خَيْرُهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة {وَتَبَارَكَ} [الزخرف: 85] كلمة جامدة لا اشتقاقَ فيها، تعني: تعالى قَدْره وكَثُر عطاؤه. وتبارك من البركة يعني: كثرة الخير حيث يُعطيك القليلُ الكثيرَ الذي ما كنتَ تنتظره. وقوله سبحانه: {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا} [الزخرف: 85] وفي آية أخرى قال: {أية : لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحج: 64] يعني: له الظرف والمظروف. وفي سورة طه قال سبحانه: {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} تفسير : [طه: 6]. وهكذا استوعبتْ الآياتُ الكونَ كله، وجعلته ملكاً لله تعالى، الكون كله بسمائه وأرضه، ما في السماء وما في الأرض، وما بين السماء والأرض وما تحت الأرض كله مِلْك الله. وأخيراً عرفنا أن الخير كلَّه مطمورٌ تحت الثرى يُطلع اللهُ عباده عليه إذا شاء حَسْب تطور حياتهم ورُقيها، ففي باطن الأرض الآن الماء والبترول والمعادن والأحجار الكريمة والأشياء النفيسة. وكأن الحق سبحانه ينبهنا بقوله {أية : وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} تفسير : [طه: 6] إلى الاهتمام بباطن الأرض وحَفْرها، والتنقيب فيها لاستخراج خيراتها. لذلك نرى علماء الجيولوجيا وعلماء الحفريات والبترول يجوبون البلاد من أقصاها إلى أقصاها بحثاً عن هذه الخيرات حتى في البحار، لأنها تدخل في هذا المعنى، فهي من الأرض وإنْ كانتْ تمثل ثلاثةَ أرباع الأرض. ثم يأتي قوله تعالى: {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزخرف: 85] هكذا بأسلوب القصر في الموضعين، حيث قدَّم الجار والمجرور ليفيد قصر علم الساعة على الله وحده دون سواه. كذلك {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزخرف: 85] إليه هو دون سواه، لا ترجعون إلا إليه، وكأنها رسالة موجزة إلى الإنسان أنْ تذكّر نهايتك وآخرتك، وتذكَّر الجزاء على العمل، ولا تغرنّك النعمة فبعدها حسابٌ وجزاء. {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ * إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ} تفسير : [العلق: 6-8] فكلُّ شيء من الله وإلى الله: من الله خَلْقاً وإمداداً وتربيةً، وإلى الله مرجعاً ومآباً.
الجيلاني
تفسير : {وَتَبَارَكَ} أي: تعاظم وتعالى الذات القادر العليم الحكيم {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: العلويات والسفليات {وَمَا بَيْنَهُمَا} من المركبات والممتزجات، تدبيراً وتصرفاً على وجه الاستقلال بالإرادة والاختيار {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} الموعودة قيامها من عنده سبحانه {وَ} بالجملة: {إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزخرف: 85] في النشأة الأخرى رجوع الأظلال إلى الأضواء والأمواج إلى الماء. {وَ} بعدما ثبت وحدة الحق واستقلاله في ملكه وملكوته {لاَ يَمْلِكُ} ولا ينفع المشركين المسرفين {ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ} ويعبدون {مِن دُونِهِ} سبحانه {ٱلشَّفَاعَةَ} عنده من آلهتهم الذين زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله {إِلاَّ مَن شَهِدَ} أن الشفاعة؛ أي: إلا شفاعة من أقر {بِٱلْحَقِّ} واعترف بتوحيده {وَهُمْ} مع إقرارهم واعترافهم {يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86] وينكشفون بوحدة ذاته وكمالات أسمائه وصفاته. {وَ} الله يا أكمل الرسل {لَئِن سَأَلْتَهُم} أي: المشركين عن {مَّنْ خَلَقَهُمْ} وأوجدهم من كتم العدم، وأظهر أشباحهم منه {لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} الموجد المظهر للكل؛ إذ لا يمكنهم المكابرة والعناد في أمثال هذه الظواهر {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87] ويصرفون بعدما اعترفوا باستقلاله في الخلق والإيجاد. وكيف يشركون معه غيره في استحقاق العبادة، والرجوع إليه في الخطوب والمهمات {وَقِيلِهِ} أي: من جملة قوله ومقوله صلى الله عليه وسلم في مناجاته مع ربه في شأن قومه حين آيس عن إيمانهم، بعدما بالغ في إرشادهم وتكميلهم منادياً متضرعاً إلى الله، متعجباً من كمال قسوتهم وانهماكهم في الغي والضلال: {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} البعداء عن جادة الهداية والرشاد {قَوْمٌ} متناهٍ في الغفلة والإعراض عنك {لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88] بتوحيدك ولا يقبلون دعوتي، ولا يسمعون قولي. وبعدما تضرع وناجى مع ربه، قيل له من قِبل الحق على سبيل الوحي والإلهام {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ} يا أكمل الرسل، واعرض عن هدايتهم وإرشادهم، فإنهم مجبولون على الغواية، مطبوعون بالكفر والضلال {وَ} بعدما آيست منهم بأساً كليّاً {قُلْ سَلاَمٌ} على سبيل التوديع والمتاركة {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89] وبال ما تعملون وتدخرون لنفوسكم من الذخائر الجالبة لأنواع العقوبات، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. خاتمة السورة عليك أيها الموحد القاصد لتحقيق الحق الحقيق بالإطاعة والاتباع أن تصفي همَّك في جميع حالاتك عما سوى الحق، وتخلي قلبك عن الشواغل العائقة عن التوجه الحقيقي نحوه، وتستقيم على صراط التوحيد مستوياً، مائلاً عن كلا طرفيب الإفراط والتفريط، مقتصداً؛ إذ مرجع جميع الطرق والسبل السوية إلى العدالة الإلهية الفائضة منه سبحانه على استعدادات عموم القوابل والمجالي، حسب قابلياتهم الفطرية التابعة للتجليات الإلهية وشئونه المتفرعة على أسمائه وصفاته الذاتية، وتقتفي في تهذيبك وتصفيتك هذا أثر النبي المجبول على العدالة الإلهية وخلافته ونيابته. وعليك الإعراض عمَّن أعرض عن الحق وأهله، وانحرف عن سواء السبيل. جعلنا الله وعموم عباده من زمرة أهل الهداية واليقين، وجنبنا من الضلال عن الطريق المستبين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الزخرف: 85] تعالى وتقدر وتنزه وتكبر {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ} سماوات الأرواح الأشباح {وَمَا بَيْنَهُمَا} [الزخرف: 85] من القلوب والأسرار والنفوس {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} [الزخرف: 85] لا يعلمها إلا هو {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [الزخرف: 85] بالاختيار والاضطرار يرجعون بالموت في السلاسل والأغلال {أية : يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ} تفسير : [القمر: 48]، {وَلاَ يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]؛ أي: من شهد الحق وشاهده بفضل الحق وفيضه، فيثب له الحق حق الشفاعة؛ لأن الشفاعة لأهل الحضور في المشاهدة لا لأهل الغيبة في البعد، {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} [الزخرف: 87]؛ لأن الإنسان خلق للمعرفة وطبع عليها وبهذا أكرمه الله، فأما الإنسان في معرفة الأنبياء وقبول دعوتهم، والتوفيق لمتابعتهم، والتدين بأديانهم، {فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [الزخرف: 87] بتكذيب الأنبياء ورد دعوتهم إلا لكمال عزة الله وجلاله وعظمته، {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88] بأنبيائك وكتبك مع إيمانهم بخالقيتك، فأجاب الله لأهل هذا القيل بقوله: {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} [الزخرف: 89]؛ لأن الأمر ليس إليهم ولا إليك ولكنه بمشيئتنا منوط، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89] إذا كشف الغطاء وظهر اللقاء؛ لأن كل من خلق لما خلق وما عمل، وإلى ما رجع، رجع، والله أعلم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):