٤٣ - ٱلْزُّخْرُف
43 - Az-Zukhruf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
88
Tafseer
القرطبي
تفسير : في «قِيلِهِ» ثلاث قراءات: النصب، والجرّ، والرفع. فأمّا الجرّ فهي قراءة عاصم وحمزة. وبقية السبعة بالنصب. وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وابن هُرْمُز ومسلم بن جُنْدُب. فمن جرّ حمله على معنى: وعنده علم الساعة وعلم قِيلِه. ومن نصب فعلى معنى: وعنده علم الساعة ويعلم قِيلَه؛ وهذا ٱختيار الزجاج. وقال الفرّاء والأخفش: يجوز أن يكون {وَقِيلِهِ} عطفاً على قوله: {أية : أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم} تفسير : [الزخرف: 80]. قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس محمد بن يزيد المبرد بأيّ شيء تنصب القيل؟ فقال: أنصبه على «وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيَعْلَم قِيلَهِ». فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على «تُرْجَعُونَ»، ولا على «يَعْلَمُونَ». ويحسن الوقف على «يَكْتُبُونَ». وأجاز الفراء والأخفش أن ينصب القيل على معنى: لا نسمع سِرّهم ونجواهم وقِيلَه؛ كما ذكرنا عنهما. فمن هذا الوجه لا يحسن الوقف على «يَكْتُبُونَ». وأجاز الفراء والأخفش أيضاً: أن ينصب على المصدر؛ كأنه قال: وقال قِيله، وشكا شكواه إلى الله عز وجل، كما قال كعب بن زهير:شعر : تمشي الوُشاةُ جَنابَيها وقِيَلُهُم إنّك يا بْنَ أبي سُلْمَى لَمَقْتُولُ تفسير : أراد: ويقولون قيلهم. ومن رفع «قيله» فالتقدير: وعنده قيلُه، أو قِيلُه مسموع، أو قيلُه هذا القول. الزمخشريّ: والذي قالوه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضاً ومع تنافر النظم. وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه. والرفع على قولهم: أيمن الله وأمانة الله ويمين الله ولعمرك، ويكون قوله: {وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } جواب القسم؛ كأنه قال: وأقسم بقيله يا ربّ، أو قيله يا ربّ قسمي، إن هؤلاء قوم لا يؤمنون. وقال ابن الأنباري: ويجوز في العربية «وقيلُه» بالرفع، على أن ترفعه بإن هؤلاء قوم لا يؤمنون. المهدوِيّ: أو يكون على تقدير وقِيلُه قِيلُه يا ربّ؛ فحذف قيله الثاني الذي هو خبر، وموضع «يا ربّ» نصب بالخبر المضمر، ولا يمتنع ذلك من حيث ٱمتنع حذف بعض الموصول وبقي بعضه؛ لأن حذف القول قد كثر حتى صار بمنزلة المذكور. والهاء في «قِيله» لعيسى، وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد جرى ذكره إذ قال: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ} تفسير : [الزخرف: 81]. وقرأ أبو قِلابة «يَا ربَّ» بفتح الباء. والقيل مصدر كالقول؛ ومنه الخبر: «نهى عن قيل وقال». ويقال: قلت قَوْلاً وقِيلاً وقالاً. وفي النساء {أية : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلاً}تفسير : [النساء: 122].
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقِيلِهِ } أي قول محمد النبي صلى الله عليه وسلم. ونصبه على المصدر بفعله المقدر: أي وقال {يٰرَبِّ إِنَّ هَٰؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقِيلِهِ} بالجر تقديرها وعنده علم الساعة وعلم قيلهِ وتقديرها بالنصب إلا من شهد بالحق وقال قيلَه {إِنَّ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ} إنكار منه عليهم، أو معطوف على سرهم ونجواهم، أو شكا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ربه قَيلَهُ ثم ابتدأ فأخبر يا رب إن هؤلاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقيله} القول والقيل والقال كلها مصادر قرأ عاصم وحمزة بالجر على انه عطف على الساعة اى عنده علم الساعة وعلم قوله عليه السلام شكاية وبالفارسية ونزد يك خداست دانستن قول رسول آنجاكه كفت {يا رب} اى بروردكار من {ان هؤلاء} بدرستىكه اين كروه يعنى معاند ان قريش {قوم} كروهى اندكه از روى عناد مكابره {لا يؤمنون} نمى كروند. ولم يضفهم الى نفسه بأن يقول ان قومى لما ساءه من حالهم او على ان الواو للقسم وقوله ان هؤلاء الخ جوابه فيكون اخبارا من الله عنهم لا من كلام رسوله وفى الاقسام به من رفع شأنه عليه السلام وتفخيم دعائه والتجائه اليه تعالى ما لا يخفى وقرأ الباقون بالنصب عطفاً على محل الساعة اى وعنده ان يعلم الساعة وقيله او على سرهم ونجواهم او على يكتبون المحذوف اى يكتبون ذلك وقيله قال بعضهم والاوجه ان يكون الجر والنصب على اضمار حرف القسم وحذفه يعنى ان الجر على اضمار حرف القسم كما فى قولك الله لافعلن والنصب على حذفه وايصال فعله اليه كقولك الله لافعلن كأنه قيل واقسم قيله او بقيله والفرق بين الحذف والاضمار انه فى الحذف لا يبقى للذاهب أثر نحو وأسال القرية وفى الاضمار يبقى له الاثر نحو انتهوا خيرا لكم والتقدير افعلوا ويجوز الرفع فى قيله على انه قسم مرفوع بالابتداء محذوف الخبر كقولهم ايمن الله ويكون ان هؤلاء الخ جواب القسم اى وقيله يا رب قسمى ان هؤلاء الخ وذلك لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يحسن اعتراضا ان كان مرفوعا معطوفا على علم الساعة بتقدير مضاف مع تنافر النظم ورجح الزمشخرى احتمال القسم لسلامته عن وقوع الفصل وتنافر النظم ولكن فيه التزام حذف واضمار بلا قرينة ظاهرة فى اللفظ الذى لم يشتهر استعماله فى القسم كما فى حواشى سعدى المفتى
الجنابذي
تفسير : {وَقِيلِهِ} اى قول الرّسول، وقرئ قال الرّسول، وقرئ قيله بالجرّ عطفاً على السّاعة، وبالنّصب عطفاً على سرّهم، او على محلّ السّاعة، او بتقدير فعلٍ من لفظه اى قال الرّسول (ص) قيله، وبالرّفع مبتدءٌ خبره {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} او الخبر محذوف اى قيله يا ربّ مسموع لنا.
اطفيش
تفسير : {وَقِيلِهِ} مصدر قال والهاء للنبي صلى الله عليه وسلم وفي (قيله) ثلاث قراءات: النصب والجر والرفع؛ فأما الجر فهي قراءة عاصم وحمزة وبقية السبعة بالنصب (قيله) وأما الرفع فهي قراءة الأعرج وقتادة وابن هرمز ومسلم بن جندب، فمن جر جملة على معنى: (وعنده علم الساعة وعلم قيلِهِ، ومن نصب فعلى معنى: (وعنده علم الساعة ويعلم قيلَه، وهذا اختيار الزجاج، وقال الفراء والأخفش: يجوز أن يكون (قيله) عطفاً على قوله: {أية : أنا لا نسمع سرهم ونجواهم} تفسير : قال ابن الانباري: سألت ابن المبرد بأي شيء تنصب القيل؟ فقال: أنصبه على (عنده علم الساعة ويعلم قيلَه)، وأجاز الفراء والأخفش أن ينصب القيل على معنى: {أية : لا نسمع سرهم ونجواهم}، تفسير : وأجاز الفراء والأخفش أن ينصب على المصدر كأنه قال: (وقال قيلَه)، ومن دفع (قيلُه) فالتقدير: (عنده قيلُه أو قيلُه مسموع أو قيله هذا القول). والذي قالوه بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما يمسها اعتراضاً، ومع تنافر النظم، وأقوى من ذلك وأوجه أن يكون الجر والنصب على اضمار حرف القسم، والرفع على قولهم، كأنه قال: ما قسم يقيله يا رب أو قيله يا رب قسمي، {إِنَّ هَؤُلآَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} وقال ابن الانباري: ويجوز في العربية وقيله بالرفع على أن ترفعه بـ {إِنْ هَؤُلآءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} أو يكون على تقدير (وقيله قيله يا رب) فحذف قيله الثاني اذي هو خبر.
اطفيش
تفسير : {وقِيله يا ربِّ} أى وقوله يا رب، والنصب على التحذير أى احذروا قوله يا رب الخ، لعله تنزل عليكم نقمة به، فانه شكوى أو بالعطف على محل الساعة، فانه مفعول به للمصدر الذى أضيف اليه، أو بالعطف على المفعول به المقدر، ليكتبون، أى يكتبون أقوالهم وقيله أو على سرهم أو على نجواهم، وهو وجه قوى المعنى، إلا أن فيه فصلا كثيرا أى أم يحسبون أنا لا ينسمع سرهم ونجواهم، وأنا لا نعلم قيله يا رب {إنّ هؤلاء قومٌ لا يؤمنُونَ} بما يجب الإيمان به.
الالوسي
تفسير : بجر {قِيلِهِ } وهي قراءة عاصم وحمزة والسلمي وابن وثاب والأعمش. وقرأ الأعرج وأبو قلابة ومجاهد والحسن وقتادة ومسلم بن جندب برفعه وهي قراءة شاذة. وقرأ الجمهور بنصبه. واختلف في التخريج فقيل الجر على عطفه على لفظ الساعة في قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [الزخرف: 85] أي عنده علم قيله، والنصب على عطفه على محلها لأنها في محل نصب بعلم المضاف إليها فإنه كما قدمنا مصدر مضاف لمفعوله فكأنه قيل: يعلم الساعة ويعلم قيله، والرفع على عطفه على {عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } على حذف مضاف والأصل وعلم قيله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ونسب الوجه الأول لأبـي علي والثالث لابن جني وجميع الأوجه للزجاج وضمير {قِيلِهِ } عليها للرسول صلى الله عليه وسلم المفهوم من قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم } تفسير : [الزخرف: 87] والقيل والقال والقول مصادر جاءت بمعنى واحد، والمنادى وما في حيزه مقول القول، والكلام خارج مخرج التحسر والتحزن والتشكي من عدم إيمان أولئك القوم، وفي الإشارة إليهم بهؤلاء دون قوله قومي ونحوه تحقير لهم وتبر منهم لسوء حالهم. والمراد من إخباره تعالى بعلمه ذلك وعيده سبحانه إياهم، وقيل: الجر على إضمار حرف القسم والنصب على حذفه وإيصال فعله إليه محذوفاً والرفع على نحو لعمرك لأفعلن وإليه ذهب الزمخشري وجعل المقول {يٰرَبّ} وقوله سبحانه: {إِنَّ هَـؤُلآء } الخ جواب القسم على الأوجه الثلاثة وضمير {قِيلِهِ} كما سبق، والكلام إخبار منه تعالى أنهم لا يؤمنون وإقسامه سبحانه عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: يا رب لرفع شأنه عليه الصلاة والسلام وتعظيم دعائه والتجائه إليه تعالى، والواو عنده للعطف أعني عطف الجملة القسمية على الجملة الشرطية لكن لما كان القسم بمنزلة الجملة الاعتراضية صارت الواو كالمضمحل عنها معنى العطف، وفيه أن الحذف الذي تضمنه تخريجه من ألفاظ شاع استعمالها في القسم كعمرك وأيمن الله واضح الوجه على الأوجه الثلاثة، وأما في غيرها كالقيل هنا فلا يخلو عن ضعف. وقيل: الجر على أن الواو واو قسم والجواب محذوف أي لننصرنه أو لنفعلن بهم ما نشاء حكاه في «البحر» وهو كما ترى. وقيل: النصب على العطف على مفعول يكتبون المحذوف أي يكتبون أقوالهم / وأفعالهم وقيله يا رب الخ وليس بشيء، وقيل: هو على العطف على مفعول {أية : يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزخرف: 86] أعني الحق أي يعلمون الحق وقيل الخ، وهو قول لا يكاد يعقل، وعن الأخفش أنه على العطف على {أية : سِرَّهُمْ وَنَجْوٰهُم } تفسير : [الزخرف: 80] ورد بأنه ليس بقوي في المعنى مع وقوع الفصل بما لا يحسن اعتراضاً ومع تنافر النظم. وتعقب أن ما ذكر من الفصل ظاهر وأما ضعف المعنى وتنافر النظم فغير مسلم لأن تقديره أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم وأنا لا نسمع قيله الخ وهو منتظم أتم انتظام، وعنه أيضاً أنه على إضمار فعل من القيل ناصب له على المصدرية والتقدير قال قيله ويؤيده قراءة ابن مسعود {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ} والجملة معطوفة على ما قبلها. ورد بأنه لا يظهر فيه ما يحسن عطفه على الجملة قبله وليس التأكيد بالمصدر في موقعه ولا ارتباط لقوله تعالى: {أية : فَٱصْفَحِ}تفسير : [الزخرف: 89] به. وقال العلامة الطيبـي: في توجيهه إن قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } تفسير : [الزخرف: 87] تقديره وقلنا لك: ولئن سألتهم الخ وقلت: يا رب يأساً من إيمانهم وإنما جعل غائباً على طريق الالتفات لأنه كأنه صلى الله عليه وسلم فاقد نفسه للتحزن عليهم حيث لم ينفع فيهم سعيه واحتشاده، وقيل: الواو على هذا الوجه للحال وقال بتقدير قد والجملة حالية أي فأنى يؤفكون وقد قال الرسول يا رب الخ، وحاصله فأنى يؤفكون وقد شكا الرسول عليه الصلاة والسلام إصرارهم على الكفر وهو خلاف الظاهر، وقيل: الرفع على الابتداء والخبر {يٰرَبّ} إلى {لاَّ يُؤْمِنُونَ} أو هو محذوف أي مسموع أو متقبل فجملة النداء وما بعده في موضع نصب بقيله والجملة حال أو معطوفة، ولا يخفى ما في ذلك. والأوجه عندي ما نسب إلى الزجاج، والاعتراض عليه بالفصل هين، وبضعف المعنى والتنافر غير مسلم، ففي «الكشف» بعد ذكر تخريج الزجاج الجر أن الفاصل أعني من قوله تعالى: {أية : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [الزخرف: 85] إلى {أية : يُؤْفَكُونَ}تفسير : [الزخرف: 87] يصلح اعتراضاً لأن قوله سبحانه {أية : وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } تفسير : [الزخرف: 85] مرتبط بقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ } تفسير : [الزخرف: 83] على ما لا يخفى. والكلام مسوق للوعيد البالغ بقوله تعالى: {أية : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [الزخرف: 85] إلى قوله عز وجل: {أية : وَهُمْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزخرف: 68] متصل بقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ}تفسير : [الزخرف: 85] اتصال العصا بلحاها، وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } خطاب لمن يتأتى منه السؤال تتميم لذلك الكلام باستحقاقهم ما أوعدوه لعنادهم البالغ، ومنه يظهر وقوع التعجب في قوله سبحانه: {فَأَنّى يُؤْفَكُونَ } وعلى هذا ظهر ارتباط وعلم قيله بقوله تعالى: {وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ } وأن الفاصل متصل بهما اتصالاً يجل موقعه، ومن هذا التقرير يلوح أن ما ذهب إليه الزجاج في الأوجه الثلاثة حسن، ولك أن ترجحه على ما ذهب إليه الأخفش بتوافق القراءتين، وأن حمل {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } على الخطاب المتروك إلى غير معين أوفق بالمقام من حمله على خطابه عليه الصلاة والسلام وسلامته من إضمار القول قبل قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } مع أن السياق غير ظاهر الدلالة عليه اهـ، وهو أحسن ما رأيته للمفسرين في هذا المقام. وقرأ أبو قلابة {يا رب} بفتح الباء ووجه ظاهر.
ابن عاشور
تفسير : القيل مصدر قَال، والأظهر أنه اسم مراد به المفعول، أي المقول مثل الذِبح وأصله: قِوْل، بكسر القاف وسكون الواو. والمعنى: ومقوله. والضمير المضاف إليه: (قيل) ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم بقرينة سياق الاستدلال وَالحجاجِ من قوله: { أية : قل إن كان للرحمٰن ولدٌ فأنا أول العابدين } تفسير : [الزخرف: 81]، وبقرينة قوله: {يا رب} وبقرينة أنه قال: {إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} وبقرينة إجابته بقوله: { أية : فاصفح عنهم وقلْ سلام } تفسير : [الزخرف: 89]، والأولى أن يكون ضمير الغائب التفاتاً عن الخطاب في قوله: { أية : ولئن سألتهم من خلقهم }تفسير : [الزخرف: 87]، فإنه بعد ما مضى من المحاجّة ومن حكاية إقرارهم بأن الله الذي خلقهم، ثم إنهم لم يتزحزحوا عن الكفر قيد أنملة، حصل اليأس للرسول من إيمانهم فقال: {يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} التجاء إلى الله فيهم وتفويضاً إليه ليجري حكمه عليهم. وهذا من استعمال الخبر في التحسر أو الشكاية وهو خبر بمعنى الإنشاء مثل قوله تعالى: { أية : وقال الرسول يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً } تفسير : [الفرقان: 30]، أي لم يعملوا به فلم يؤمنوا، ويؤيّد هذا تفريع { أية : فاصفَح عنهم } تفسير : [الزخرف: 89]، ففي ضمير الغيبة التفات لأن الكلام كان جارياً على أسلوب الخطاب من قوله: { أية : ولئن سألتهم من خلقهم } تفسير : [الزخرف: 87] فمقتضى الظاهر: وقولَكَ: يا ربّ الخ. ويحسِّن هذا الالتفات أنه حكاية لشيء في نفس الرّسول فجعل الرسول بمنزلة الغائب لإظهار أن الله لا يهمل نداءه وشكواه على حدّ قوله تعالى: { أية : عبس وتولّى } تفسير : [عبس: 1]. وإضافة القيل إلى ضمير الرسول مشعرة بأنه تكرر منه وعرف به عند ربّه، أي عُرف بهذا وبما في معناه من نحو {يا ربّ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً وقوله: { أية : حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه مَتَى نصر الله } تفسير : [البقرة: 214]. وقرأ الجمهور {وقيلَه} بنصب اللام على اعتبار أنه مصدر نُصب على أنه مفعول مطلق بَدل من فعله. والتقدير: وقال الرسول قيلَه، والجملة معطوفة على جملة { أية : ولئن سألتهم من خلقهم } تفسير : [الزخرف: 87] أو على جملة { أية : فأنىٰ يؤفكون } تفسير : [الزخرف: 87]، أي وقال الرسول حينئذٍ يا ربّ الخ. ونظيره قول كعب بن زهير: شعر : تمشي الوشاة جنابيْها وقيلَهم إنك يا بنَ أبي سُلْمى لمقتول تفسير : على رواية (قيلَهم) ونصبه، أي ويقولون: قيلهم وهي رواية الأصمعي. ويجوز أن يكون النصب على المفعول به لقوله: { أية : لا نَسْمَع } تفسير : [الزخرف: 80]، والتقدير: بلى ونعلم قِيلَه وهذا اختيار الفراء والأخفش، وقال المبرد والزجاج: هو منصوب بفعل مقدر دل عليه قوله: { أية : وعنِده علم الساعة } تفسير : [الزخرف: 85] أي ويعلم قيله. وقرأ عاصم وحمزة بجرّ لام (قيلِه) ويجوز في جرّه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفاً على {الساعة} في قوله: { أية : وعنده علم الساعةِ } تفسير : [الزخرف: 85] أي وعلمُ قيلِ الرسول: يا ربّ، وهو على هذا وعد للرسول بالنصر وتهديد لهم بالانتقام. وثانيهما: أنْ تكون الواو للقسم ويكون جواب القسم جملة {إن هؤلاء قوم لا يؤمنون} على أن الله أقسم بقول الرسول: يا ربّ، تعظيماً للرسول ولقيله الذي هو تفويض للرب وثقة به. ومقول {قيله} هُو {يا رب} فقط، أي أُقسم بندَاء الرسول ربَّه نداءَ مضطر. وذكر ابن هشام في «شرح الكَعبية» عن أبي حاتم السجستاني: أن مَن جرّ فقوله بظن وتخليط، وأنكره عليه ابن هشام لإمكان تخريج الجرّ على وجه صحيح. وقد حذف بعد النداء ما نودي لأجله مما دل عليه مقام من أعيته الحيلة فيهم ففوض أمره إلى ربّه فأقسم الله بتلك الكلمة على أنهم لا يؤمنون ولكن الله سينتقم منهم فلذلك قال: { أية : فسوف يعلمون } تفسير : [الزخرف: 89]. والإشارة بــ{هؤلاء} إلى المشركين من أهل مكة كما هي عادة القرآن غالباً ووصفهم بأنهم قوم لا يؤمنون، أدل على تمكن عدم الإيمان منهم مِن أن يقول: هؤلاء لا يؤمنون.
الشنقيطي
تفسير : قرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، والكسائي (وقيله) بفتح اللام وضم الهاء، وقرأه عاصم وحمزة: (وقيله) بكسر اللام والهاء. قال بعض العلماء إعرابه بأنه عطف محل على الساعة لأن قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ} تفسير : [الزخرف: 85] مصدر مضاف إلى مفعوله. فلفظ الساعة مجرور لفظاً بالإضافة، منصوب محلاً بالمفعولية، وما كان كذلك جاز في تابعه النصب نظراً إلى المحل، والخفض نظراً إلى اللفظ، كما قال في الخلاصة: شعر : وجر ما يتبع ما جر ومن راعى في الاتباع المحل فحسن تفسير : وقال في نظيره في الوصف: شعر : واخفض أو انصب تابع الذي انخفض كمبتغي جاه ومالا من نهض تفسير : وقال بعضهم: هو معطوف على {أية : سِرَّهُمْ} تفسير : [الزخرف: 80]. وعليه فالمعنى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ} الآية. وقال بعضهم: هو منصوب على أنه مفعول مطلق. أي، وقال: قيله وهو بمعنى قوله إلا أن القاف لما كسرت، أبدلت الواو ياء لمجانسة الكسرة. قالوا: ونظير هذا الإعراب قول كعب بن زهير: شعر : تمشي الوشاة جانبيها وقيلهم إنك يا بن أبي سلمى لمقتول تفسير : أي ويقولون: قيلهم. وقال بعضهم: هو منصوب بيعلم محذوفة لأن العطف الذي ذكرنا على قوله: سرهم، والعطف على الساعة يقال فيه إنه يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يصلح لكونه اعتراضاً، وتقدير الناصب إذا دل المقام عليه لا إشكال فيه. كما قال في الخلاصة: شعر : ويحذف الناصبها إن علما وقد يكون حذفه ملتزما تفسير : وأما على قراءة الخفض، فهو معطوف على الساعة، أي وعنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب. واختار الزمخشري أنه مخفوض بالقسم، ولا يخفى بعده كما نبه عليه أبو حيان. والتحقيق أن الضمير في قيله، للنبي صلى الله عليه وسلم. والدليل على ذلك، أن قوله بعد: {أية : فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} تفسير : [الزخرف: 89] خطاب له صلى الله عليه وسلم بلا نزاع، فادعاء أن الضمير في قيله لعيسى لا دليل عليه ولا وجه له. وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من شكواه صلى الله عليه وسلم، إلى ربه عدم إيمان قومه، جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30]، وذكر مثله عن موسى في قوله تعالى في الدخان: {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} تفسير : [الدخان: 22]، وعن نوح قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [نوح: 5-6] إلى آخر الآيات.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰرَبِّ} (88) - وَقَالَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم يَشْكُوا قَوْمَهُ: يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُنْتَظَرُ إِيْمَانُهُمْ. قِيلِهِ - قَوْلِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (قِيلِه) مصدر لقال، نقول: قال قولاً ومقالاً وقيلاً، فمعنى (قيله) يعني قوله، قول مَنْ؟ قول سيدنا رسول الله يخاطب ربه {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} [الزخرف: 88] كفار مكة {قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88]. لاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أُوذِي من هؤلاء القوم في نفسه إيذاءاً وفي معنوياته برميه بما ليس فيه من السحر والشعر، والكهانة والجنون، وفي أهله، ولاقى منهم الأمرَّيْن، ومع ذلك لم يذكر شيئاً عن هذا كله، وكل ما اهتم به هو مسألة إيمان القوم، فلم يقُلْ: يا رب إن قومي آذوني وفعلوا كذا وكذا، إنما قال {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88]. هذا الذي حَزَّ في نفسه وأغضبه صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قطّ ولا غضب لنفسه قط، إنما كانت غَيْرته وغضبه لله وللحق الذي جاء به ودعا الناس إليه. هذا المعنى الذي عبَّر عنه أحمد شوقي في قوله: شعر : فَإذَا غَضبْتَ فَإنما هِيَ غَضْبَةٌ لِلحقِّ لاَ ضِغْنَ ولاَ شَحْنَاء تفسير : ومعنى الواو في أول الآية (وَقِيله) هذه الواو بمعنى القسم، فكأن الحق سبحانه يقسم بقول رسول الله {يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الزخرف: 88] يقول: وبحق هذا القول. وجواب القسم هنا محذوف للعلم به، أي: لأُعذبنهم عذاباً يشفى صدرك منهم، فلا تهتم بعدم إيمانهم ولو شئت لأرغمتهم على الإيمان ولخلقتهم على هيئة الملائكة، وكُلُّ ما عليك يا محمد أنْ تصفح عنهم. {فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ} [الزخرف: 89] لأن الصفح عنهم سيجذبهم إلى ساحة الإيمان بك، وسوف يكون من هؤلاء جند من جنود الإسلام، وبالفعل رأينا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص وغيرهم من صناديد الكفر يصيرون قادةً في صفوف المسلمين. وفي آية أخرى قال سبحانه: {أية : فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} تفسير : [الحجر: 85] لأنك قد تصفح عَمَّنْ أساء إليك، لكن يبقى عندك شيء من الغيظ والغضب أو الحقد عليه، أما الصفح الجميل فهو الصفح الذي يصاحبه تسامح يقتلع كلَّ جذور الغضب والغيظ والحقد. وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصفح عنهم صَفْحاً جميلاً ولا تغضب، لأن غضبك يؤثر فيك ويؤثر في تكوينك ووراءك رَبٌّ يغضب لك فلا تغضب أنت، وهذا أدب عَالٍ يُعلِّمنا إياه الإسلام. معلوم أن الشارع الحكيم لا يحاسبك على خواطر نفسك وخلجات صدرك طالما لم تُترجم إلى عمل ونزوع، وبعد ذلك يسمو بك فيدعوك إلى التخلّص من مجود هذه الخواطر إنْ كانت خواطر شَرٍّ تجاه الآخرين. وهذه مراحل تعلّمناها من قوله تعالى: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134] فالمرحلة الأولى كظم الغيظ، والثانية العفو، وفي هذه المرحلة تتخلص من كلِّ خواطر الشر في نفسك، بحيث تراها صافية ليس فيها بقايا من غيظ أو كُرْه أو حقد. ثم المرحلة الأخيرة وهي أنْ تُحسن لمَنْ أساء إليك، وهذه مرحلة الخواصّ الذين عرفوا سماحة الشرع ونظروا إلى ما عند الله. كثير من الناس يتعجَّبون من مسألة أنْ تُحسن إلى مَنْ أساء إليك، كيف يلزمنا بها الشرع. نقول: هَبْ أن أحد أولادك ضرب الآخر، وجاء المضروب يبكي ويشتكي، فإلى مَنْ تَحِنُّ وعلى مَنْ تعطف؟ على الضارب أم على المضروب، كذلك الحق سبحانه يكون في جانب الضعيف المتسامح الذي يُحسن إلى مَنْ أساء إليه. والحسن البصري رضي الله عنه بلغه أن رجلاً شتمه فأرسل إليه هدية طبقاً من الرُّطَب، فلما سُئِل عن ذلك قال: لأنه أهدى إليَّ حسناته. وقوله: {وَقُلْ سَلاَمٌ} [الزخرف: 89] والتقدير: قُلْ لهم سلام عليكم. ونفهم من هذا أن كلمة (سلام) هكذا بدون (عليك) وحدها تُقال لمَنْ كان بينك وبينه خصومة وتريد أنْ تفارقه، ونجن نقولها في واقع حياتنا حينما تختلف مع شخص آخر ولا تصل معه إلى حَلٍّ تقول له سلام، لذلك سيدنا إبراهيم في جداله مع أبيه قال له: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۤ} تفسير : [مريم: 47] أي: سلام وَدَاع ومفارقة لا سلامَ تحية. وقوله: {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89] يعني: لما تفعل هذا سوف يعلمون عاقبةَ ما قُلته، وسوف يعلمون كيف أُعاقبهم على تكذيبهم لك.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ} [الآية: 88]. قال: يأْثر الله، عز وجل، قول محمد، صلى الله عليه وسلم.
همام الصنعاني
تفسير : 2798- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ}: [الآية: 88]، قال: هُوَ قول النبي: {وَقِيلِهِ يٰرَبِّ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):