٤٤ - ٱلدُّخَان
44 - Ad-Dukhan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
المحلي و السيوطي
تفسير : {رَحْمَةً } رأفة بالمرسل إليهم {مّن رَّبّكَ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لأقوالهم {ٱلْعَلِيمُ } بأَفعالهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَمْراً مِّنْ عِندِنَآ} القرآن نزل من عنده، أو يقضيه في الليلة المباركة من أحوال عباده {كُنَّا مُرْسِلِينَ} الرسل للإنذار، أو منزلين ما قضيناه على العباد، أو {مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} وهي نعمته ببعثه الرسول صلى الله عليه وسلم، أو رأفته بهداية من آمن به {السَّمِيعُ} لقولهم {الْعَلِيمُ} بفعلهم.
الخازن
تفسير : {رحمة من ربك} قال ابن عباس رأفة مني بخلقي ونعمة عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل وقيل أنزلناه في ليلة مباركة رحمة من ربك {إنه هو السميع} أي لأقوالهم {العليم} أي بأحوالهم {رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} أي إن الله رب السموات والأرض وما بينهما {لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين} قوله تعالى: {بل هم في شك} أي من هذا القرآن {يلعبون} أي يهزؤون به لاهون عنه {فارتقب} أي يا محمد {يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم} (ق) عن مسروق قال: كنا جلوساً عند عبد الله بن مسعود وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن إن قاصاً عند باب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منها كهيئة الزكام فقام عبد الله وجلس وهو غضبان فقال يا أيها الناس اتقوا الله من علم منكم شيئاً فليقل به ومن لا يعلم شيئاً فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم "حديث : فإن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم "قل ما أسالكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين"" "حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدباراً قال اللهم سبعاً كسبع يوسف" تفسير : وفي رواية "حديث : لما دعا قريشاً فكذبوه واستعصوا عليه قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف"تفسير : فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع وينظر أحدهم إلى السماء فيرى كهيئة الدخان فأتاه أبو سفيان فقال يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم قال الله عز وجل: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين} إلى قوله {عائدون} قال عبد الله فيكشف عذاب الآخرة يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون فالبطشة يوم بدر وفي رواية للبخاري قالوا: {ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون}.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ {إنه هو السميع العليم} {رب السماوات والأرض} بالخفض.
اسماعيل حقي
تفسير : {رحمة من ربك} مفعول له للارسال اى انا انزلنا القرءآن لان عادتنا ارسال الرسل بالكتب الى العباد لاجل افاضة رحمتنا عليهم فيكون قوله رحمة غاية للارسال متأخرة عنه على ان المراد منها الرحمة الواصلة الى العباد او لاقتضاء رحمتنا السابقة ارسالهم فيكون باعثا متقدما للارسال على ان المراد مبدأها ووضع الرب موضع الضمير للايذان بان ذلك من احكام الربوبية ومقتضياتها واضافته الى ضميره عليه السلام للتشريف. در دو عالم بخشش بخشايش است. خلق را از بخششش اسايش است. خواجه جون در مديح خويش سفت. انما انا رحمة مهداة كفت. كما قال فى التأويلات النجمية انا كنا مرسلين محمدا عليه السلام رحمة مهداة من ربك ليخرج المشتاقين من ظلمات المفارقة الى نور المواصلة وايضا انا كنا مرسلين رحمة لنفوس اوليائنا بالتوفيق ولقلوبهم بالتحقيق {انه هو السميع العليم} يسمع كل شئ من شأنه ان يسمع خصوصا انين المشتاقين ويعلم كل شئ من شانه ان يعلم خصوصا حنين المحبين فلا يخفى عليه شئ من اقوال العباد وافعالهم واحوالهم وهو تحقيق لربوبيته تعالى وانها لا تحق الا لمن هذه نعوته الجليلة
الأعقم
تفسير : {رحمة من ربك} أنزلناه رحمة، وقيل: أرسلناه رحمة {إنه هو السميع العليم} لما يقوله المحق والمبطل {رب السماوات والأرض وما بينهما} يعني خالقهما ومالكهما {إن كنتم موقنين} إن الله ربكم ومحمد رسول الله {لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبائكم الأولين} أي خالق الجميع {بل هم} يعني الكفار {في شك يلعبون} في أحوال الدنيا والقرآن إذا قرئ عليهم {فارتقب} انتظر هؤلاء ومجازاتهم {يوم تأتي السماء بدخان مبين} اختلفوا في الدخان فعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وبه أخذ الحسن: "أنه دخان يأتي من السماء"، قيل: يوم القيامة يدخل في اسماع الكفرة ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كتيت أوقد فيه، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : أول الآيات الدخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة"تفسير : ، وقيل: أن قريشاً لما استعصت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا عليهم وقال: "حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" تفسير : فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهن وكان الرجل منهم يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدث الرجل الرجل يسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشده الله والرحم، وواعده إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا فلما كشف عنهم رجعوا إلى الشرك، بدخان مبين ظاهر حاله لا يشك أحد في أنه دخان، وقيل: إن هذا الدخان يوم القيامة أو يكون من علامات الساعة لأنه تعالى أخبر أن دخان يأتيهم وهو عذاب وفي سنين القحط ما كان هناك دخان {يغشى الناس} يشملهم ويلبسهم {هذا عذاب أليم} {ربنا اكشف عنا العذاب إنَّا مؤمنون} قيل: ان أبا سفيان تضرّع إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى دعا فكشف الله ذلك {أنَّى لهم الذكرى} حين لا تنفعهم التوبة في الآخرة بعد زوال التكليف وأبعد على الدنيا فمعنى لا يتذكرون ولا يتعظون {ثم تولوا عنه} أعرضوا عنه {وقالوا معلّم مجنون} أي يعلمه غيره من أهل الكتاب ووصفوه بالجنون وهو زوال العقل على اعتقاد أن الجن تخالط وتزيل العقل كما يعتقده العوام {إنا كاشفو العذاب قليلاً إنكم عائدون} في العذاب، وقيل: في الضلال فمن ذهب إلى أن الدخان في القيامة قال عائدون في العذاب، ومن ذهب إلى أنه في الدنيا مع بقاء التكليف قال عائدون إلى الشرك {يوم نبطش البطشة الكبرى} أي نأخذ الأخذ الأعظم، قيل: هو يوم القيامة، وقيل: هو يوم بدر، قال في الحاكم: والوجه الأول {إنا منتقمون} أي نعذبهم جزاء أعمالهم {ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون} أي عاملناهم معاملة المختبر، وقيل: عذبناهم، قيل: قوم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وجاءهم رسولٌ كريم} يعني موسى، ومعنى كريم أي شريف {أن أدُّوا إلي عباد الله} أي قال لهم موسى: أدوا إلي عباد الله أي ادفعوا إلي عباد الله وهم بنو إسرائيل {ولا تعذبهم}، وقيل: أدوا إلي عباد الله ما آمركم به، أي أسلموا {إني لكم رسولٌ أمين} أي أنصحكم.
اطفيش
تفسير : {رحْمةً مِن ربك} مقتضى الظاهر رحمه منَّا، لكن جىء بلفظ رب تشريفا له صلى الله عليه وسلم باضافته اليه، مع أنه رب كل أحد، ولأن المربوبية تقتضى الرحمة على المربوبية، والجملة تعليل ليفرق، أو لأمر أو بمعنى ضدم النهى، ورحمة مفعول به لمرسلين، ونكر تفخيما، وهى مطلقة عامة، وقيل: المراد بها النبى صلى الله عليه وسلم، ويأباه كون الجملة تعليلا، ويجوز كون الجملة بدلا من "أية : إنا كنا منذرين"تفسير : [الدخان: 3] فتكون تعليلاً لإِنزال الكتاب إذا جعلنا "أية : إنَّا كنا منذرين"تفسير : [الدخان: 3] تعليلاً له فينصب رحمة على التعليل، فالمعنى أنزلنا القرآن لأن عادتنا ارسال الرسل والكتب الى العباد، لأجل الرحمة عليهم، والنصب على المفعولية أولى، وذلك فى المعنى كقوله تعالى: "أية : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها" تفسير : [فاطر: 2] الخ. والحاصل: أن من عادتنا أن نرسل الرحمة، ومنها فصل كل أمر حكيم، من قسمة الأرزاق، والمقصود بالذات فى ذلك الفصل الرحمة، وقيل إنا أنزلناه فى ليلة مباركة رحمة من ربك {إنه هُو السَّميع العليمُ} لا يخفى أن التأسيس أولى من التأكيد، فالسميع بمعنى العلم بالمسموعات والعليم تعميم بعد تخصيص، وكذا اذا قال: "إنه سميع بصير" تقول: بصير بمعنى علام بما ترى العيون، ولا يفسران بمعنى العلم المطلق، وذلك متضمن لوعيد الكفار، ووعد المؤمنين.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } تعليل ليفرق أو لقوله تعالى: {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } و{رَحْمَةً} مفعول به لمرسلين وتنوينها للتفخيم، والجار والمجرور في موضع الصفة لها، وإيقاع الإرسال عليها هنا كإيقاعه عليها في قوله سبحانه: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } تفسير : [فاطر: 2] والمعنى على ما في «الكشاف» ((يفصل في هذه الليلة كل أمر لأن من عادتنا أن نرسل رحمتنا وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها من باب الرحمة أي إن المقصود الأصلي بالذات من ذلك الرحمة / أو تصدر الأوامر من عندنا لأن من عادتنا ذلك والأوامر الصادرة من جهته تعالى من باب الرحمة أيضاً لأن الغاية لتكليف العباد تعريضهم للمنافع)) وفيه كما قيل إشارة إلى أن جعله تعليلاً لقوله سبحانه: {أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا} إنما هو على تقدير أن يراد بالأمر مقابل النهي وهو يجري على تقديري المصدرية والحالية. وفي «الكشف» أن قوله: يفصل الخ أو تصدر الأوامر الخ تبيين لمعنى التعليل على التفسيرين في {أية : يُفْرَقُ }تفسير : [الدخان: 4] لأنه إما بمعنى الفصل على الحقيقة من قسمة الأرزاق وغيرها أو بمعنى يؤمر والشأن المطلوب يكون مأموراً به لا محالة فحاصله يرجع إلى قوله: أو تصدر الأوامر من عندنا لا لوجهي التعليل من تعلقه بيفرق أو بأمراً فإن تعلقه بأمراً إنما يصح إذا نصب على الاختصاص وإذ ذاك ليس الأمر ما يقابل النهي لأن الأمر إذا كان المقابل فهو إما مصدر وإنما يعلل فعله وإما حال مؤكدة فيكون راجعاً إلى تعليل الإنزال المخصوص وليس المقصود وإنما لم يذكر المعنى على تقدير تعلقه بأمراً لأن المعنى الأول يصلح تفسيراً له أيضاً انتهى. والظاهر كون ذلك تبييناً لوجهي التعليل، وما ذكر في نفيه لا يخلو عن بحث كما يعرف بالتأمل، واعتبار العادة في بيان المعنى جاء من {كُنَّا} فإنه يقال: كان يفعل كذا لما تكرر وقوعه وصار عادة كما صرحوا به في الكتب الحديثية وغيرها ولإفادة ذلك عدل عن إنا مرسلون الأخصر وقوله سبحانه: {مِن رَبّكَ } وضع فيه الظاهر موضع الضمير والأصل منا فجىء بلفظ الرب مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم على وجه تخصيص الخطاب به صلى الله عليه وسلم تشريفاً له عليه الصلاة والسلام ودلالة على أن كونه سبحانه ربك وأنت مبعوث رحمة للعالمين مما يقتضي أن يرسل الرحمة. وقال الطيبـي: خص الخطاب برسوله عليه الصلاة والسلام والمراد العموم، والأصل من ربكم وجىء بلفظ الرب ليؤذن بأن المربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين وليكون تمهيده يبتني عليه التعليل الآتي المتضمن للتعريض بواسطة الحصر بأن آلهتهم لا تسْمع ولا تبصر ولا تغني شيئاً وتعقب بأنه لو أريد العموم لفاتت النكتة المذكورة ولزم أن يدخل المؤمنون في قوله تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } تفسير : [الدخان: 7] وما بعده وليس المعنى عليه وفي القلب منه شيء وفسر بعضهم الرحمة المرسلة بنبينا صلى الله عليه وسلم ولا يخفى أن صحة التعليل تأبـى ذلك. وجوز أن يكون قوله تعالى: {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } بدلاً من قوله سبحانه: {أية : إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ} تفسير : [الدخان: 3] الواقع تعليلاً لإنزال الكتاب بدل كل أو اشتمال باعتبار الإرسال والإنذار، ويكون {رَحْمَةً } حينئذٍ مفعولاً له أي أنزلنا القرآن لأن عادتنا إرسال الرسل والكتب إلى العباد لأجل الرحمة عليهم واختيار كون الرحمة مفعولاً له ليتطابق البدل والمبدل منه إذ معنى المبدل منه فاعلين الإنذار ويطابقه فاعلين الإرسال ولم يجوز كونها كذلك على وجه التعليل بل أوجب كونها مفعولاً به ليصح إذ لو قيل: فيها تفصيل كل شأن حكيم لأنا فاعلون الإرسال لأجل الرحمة لم يفد أن الفصل رحمة ولا أنه سبحانه مرسل فلا يستقيم التعليل قيل وينصر نصب {رَحْمَةً }على المفعول قراءة الحسن وزيد بن علي برفعها لأن الكلام عليه جملة مستأنفة أي هي رحمة تعليلاً للإرسال فيلائم القول بأنها في قراءة النصب مفعول له وليطابق قراءتهما في كون معنى {إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } إنا كنا فاعلين الإرسال. وقال بعض أجلة المحققين: إن القول بأنه تعليل أظهر من القول بأنه بدل ليكون الكلام على نسق في التعليل غب التعليل، ولما ذكر في الحالة المقتضية للإبدال ولوقوع الفصل، وأشار على ما قيل بما ذكر في الحالة المقتضية للإبدال بأن المبدل منه غير مقصود وأنه في حكم السقوط وهٰهنا ليس كذلك، وتعقب هذا بأنه أغلبـي لا مطرد، وقوله: لوقوع الفصل أي بين البدل والمبدل / منه بأن الفاصل غير أجنبـي فلا يضر الفصل به فتدبر. وجوز كون {رَحْمَةً } مصدراً لرحمنا مقدر وكونها حالاً من ضمير {مُرْسِلِينَ } وكونها بدلاً من {أمْراً } فلا تغفل. {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ } لكل مسموع فيسمع أقوال العباد {ٱلْعَلِيمُ } لكل معلوم فيعلم أحوالهم. وتوسيط الضمير مع تعريف الطرفين لإفادة الحصر، والجملة تحقيق لربوبيته عز وجل وأنها لا تحق إلا لمن هذه نعوته، وفي تخصيص {ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } على ما قال الطيبـي إدماج لوعيد الكفار ووعد المؤمنين الذين تلقوا الرحمة بأنواع الشكر.
د. أسعد حومد
تفسير : (6) - وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ إِلَى العِبَادِ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ وَمَا يَنْفَعُهُمْ، وَحَتَّى لاَ تَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ بَعْدَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ، وَهُوَ تَعَالَى السَّميعُ لأَقْوَالِ العِبَادِ، العَلِيمُ بِأَحْوالِهِمْ وَأفْعَالِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي: أن الإرسال رحمة من الله بالعباد، لأنه أمر لنا أنا وأنت من أعلى منا، لا نجد غضاضة في ذلك، فلا أحدَّ منَّا يتعالى على الآخر، لأننا نتلقى أوامرنا من الله، ولذلك الناس البسطاء في الفلاحين يقولون (الأصبع الذي يجرحه الشرع ميخرش دم) لأن الكل يُذعن لأمر الله ويخضع لحكمه ويرضى به. إذن: تستقيم بنا الحياةُ حين نسير على المنهج، لذلك سماه (الصراط المستقيم) وسماه (سواء السبيل) يعني: في الوسط لا يميل هنا ولا هنا، لأنه يريد أنْ يُوفر عليك المجهود ويوفر الوقت، كل هذا ثمرة المنهج والسير على الصراط المستقيم. وهذه رحمة من الله بنا، نعم رحمة بنا ألاَّ يتركنا للتجربة يموج بعضُنا في بعض حتى نصلَ إلى الصواب وإلى الحق وإلى الصراط المستقيم، من رحمته بنا ألاَّ يتركنا نتعاند ونتصادم بعضُنا ببعض، بل جعل لنا قوانين، وجعل لنا منهجاً نسير عليه من بداية الطريق. وفرْق بين أمر يُلجئك إلى أنْ تُعدِّل مسارك وبين أمر معتدل من البداية، من رحمة الله بنا أنْ يجعلنا نسير في اتجاه واحد بحيث تكون كُلُّ الحركات في اتجاه البناء، وكل المجهودات إلى غاية واحدة، يتعاون فيها كل الأفراد، ويتساند فيها كل الأفراد. وإلاَّ لو كانتْ الحركاتُ متصادمة فهي تهدم وتدمر، وما فائدة أنْ تبني وغيرُك يهدم، على حَدِّ قول الشاعر: شعر : مَتَى يبلُغ البُنْيَانُ يَوْماً تَمامَهُ إذَا كُنْتَ تَبْنيه وَغَيْركَ يَهْدِمُ تفسير : وتأمل لفظ القرآن {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الدخان: 6] ولم يقُلْ رحمة من الله، لأن الربّ هَو مُتولِّي التربية والرعاية، وسبق أنْ قلنا إن الألوهية تكليف والربوبية عطاء، فهذه الرحمة رحمة الرب الراعي الرحيم كالأم تربي طفلها الصغير وتحنو عليه وتُقوِّيه. وما دام هو سبحانه ربكم ومُربِّيكم وخالقكم كان يجب عليكم أنْ تطيعوه وألاَّ تخرجوا عن منهجه {إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} [الدخان: 6] السميع لكل آلام الناس وشكاواهم إنْ جهروا بها، وهو (العليم) بأحوالهم وما يختلج في صدورهم إنْ كتموها في أنفسهم، وإنْ كان الخطاب هنا بصيغة المفرد ومُوجهاً إلى سيدنا رسول الله. {رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الدخان: 6] أي: يا محمد. وهذه عناية خاصة من الله برسوله وبيان لمنزلته صلى الله عليه وسلم من الله، فعيْنُ الله تحرسه، وعزيزٌ عليه أنْ يصيبه أذىً أو ألم من قومه، فهو أغلى البشر عنده، لذلك ربَّاه التربيةَ التي تجعله لا مهدياً في نفسه فحسب، إنما وهادياً للناس.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):