Verse. 4424 (AR)

٤٤ - ٱلدُّخَان

44 - Ad-Dukhan (AR)

فَارْتَـقِبْ يَوْمَ تَاْتِي السَّمَاۗءُ بِدُخَانٍ مُّبِيْنٍ۝۱۰ۙ
Fairtaqib yawma tatee alssamao bidukhanin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعالى: «فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين» فأجدبت الأرض واشتد بهم الجوع إلى أن رأوا من شدته كهيئة الدخان بين السماء والأرض.

10

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المراد بقوله {فَٱرْتَقِبْ } انتظر ويقال ذلك في المكروه، والمعنى انتظر يا محمد عذابهم فحذف مفعول الارتقاب لدلالة ما ذكر بعده عليه وهو قوله {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } ويجوز أيضاً أن يكون {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَاءُ } مفعول الارتقاب وقوله {بِدُخَانٍ } فيه قولان: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قومه بمكة لما كذبوه فقال: « حديث : اللهم اجعل سنيهم كسني يوسف » تفسير : فارتفع المطر وأجدبت الأرض وأصابت قريشاً شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف، فكان الرجل لما به من الجوع يرى بينه وبين السماء كالدخان، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات ومقاتل مجاهد واختيار الفراء والزجاج وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه وكان ينكر أن يكون الدخان إلا هذا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظلمة في أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دخاناً، فالحاصل أن هذا الدخان هو الظلمة التي في أبصارهم من شدة الجوع، وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان بهذه الحالة وجهين الأول: أن في سنة القحط يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر ويرتفع المطر ويرتفع الغبار الكثير ويظلم الهواء، وذلك يشبه الدخان ولهذا يقال لسنة المجاعة الغبراء الثاني: أن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان فيقول كان بيننا أمر ارتفع له دخان، والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه فيرى الدنيا كالمملوءة من الدخان. والقول الثاني: في الدخان أنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات القيامة، قالوا فإذا حصلت هذه الحالة حصل لأهل الإيمان منه حالة تشبه الزكام، وحصل لأهل الكفر حالة يصير لأجلها رأسه كرأس الحنيذ، وهذا القول هو المنقول عن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو قول مشهور لابن عباس واحتج القائلون بهذا القول بوجوه الأول: أن قوله {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَاءُ بِدُخَانٍ } يقتضي وجود دخان تأتي به السماء وما ذكرتموه من الظلمة الحاصلة في العين بسبب شدة الجوع فذاك ليس بدخان أتت به السماء فكان حمل لفظ الآية على هذا الوجه عدولاً عن الظاهر لا لدليل منفصل، وإنه لا يجوز الثاني: أنه وصف ذلك الدخان بكونه مبيناً، والحالة التي ذكرتموها ليست كذلك لأنها عارضة تعرض لبعض الناس في أدمغتهم، ومثل هذا لا يوصف بكونها دخاناً مبيناً والثالث: أنه وصف ذلك الدخان بأنه يغشي الناس، وهذا إنما يصدق إذا وصل ذلك الدخان إليهم واتصل بهم والحال التي ذكرتموها لا توصف بأنها تغشي الناس إلا على سبيل المجاز وقد ذكرنا أن العدول من الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا لدليل منفصل الرابع: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم عليهما السلام ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر تفسير : قال حذيفة يا رسول الله وما الدخان فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية وقال حديث : دخان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره » تفسير : رواه صاحب «الكشاف» وروى القاضي عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : باكروا بالأعمال ستاً، وذكز منها طلوع الشمس من مغربها والدجال والدخان والدابة » تفسير : أما القائلون بالقول الأول، فلا شك أن ذلك يقتضي صرف اللفظ عن حقيقته إلى المجاز، وذلك لا يجوز إلا عند قيام دليل يدل على أن حمله على حقيقته ممتنع والقوم لم يذكروا ذلك الدليل فكان المصير إلى ما ذكروه مشكلاً جداً، فإن قالوا الدليل على أن المراد ما ذكرناه، أنه تعالى حكى عنهم أنهم يقولون {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ } وهذا إذا حملناه على القحط الذي وقع بمكة استقام فإنه نقل أن القحط لما اشتد بمكة مشى إليه أبو سفيان وناشده بالله والرحم وأوعده أنه إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البلية أن يؤمنوا به، فلما أزال الله تعالى عنهم ذلك رجعوا إلى شركهم، أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك، لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ } ولم يصح أيضاً أن يقال لهم {إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } والجواب: لم لا يجوز أن يكون ظهور هذه العلامة جارياً مجرى ظهور سائر علامات القيامة في أنه لا يوجب انقطاع التكليف فتحدث هذه الحالة، ثم إن الناس يخافون جداً فيتضرعون، فإذا زالت تلك الواقعة عادوا إلى الكفر والفسق، وإذ كان هذا محتملاً فقد سقط ما قالوه، والله اعلم. ولنرجع إلى التفسير فنقول قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } أي ظاهر الحال لا يشك أحد في أنه دخان يغشي الناس أي يشملهم وهو في محل الجر صفة لقوله {بِدُخَانٍ } وفي قوله {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } قولان الأول: أنه منصوب لمحل بفعل مضمر وهو يقولون ويقولون منصوب على الحال أي قائلين ذلك الثاني: قال الجرجاني صاحب «النظم» هذا إشارة إليه وإخبار عن دنوه واقترابه كما يقال هذا العدو فاستقبله والغرض منه التنبيه على القرب. ثم قال: {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ } فإن قلنا التقدير: يقولون هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنا العذاب فالمعنى ظاهر وإن لم يضمر القول هناك أضمرناه ههنا والعذاب على القول الأول هو القحط الشديد، وعلى القول الثاني الدخان المهلك {إِنَّا مْؤْمِنُونَ } أي بمحمد وبالقرآن، والمراد منه الوعيد بالإيمان إن كشف عنهم العذاب. ثم قال تعالى: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذّكْرَىٰ } يعني كيف يتذكرون وكيف يتعظون بهذه الحالة وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة وهو ما ظهر على رسول الله من المعجزات القاهرة والبينات الباهرة {ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } ولم يلتفتوا إليه {وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ } وذلك لأن كفار مكة كان لهم في ظهور القرآن على محمد عليه الصلاة والسلام قولان منهم من كان يقول إن محمداً يتعلم هذه الكلمات من بعض الناس لقوله { أية : إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ } تفسير : [النحل: 103] وكقوله تعالى: { أية : وأعانه عليه قومٌ آخرون } تفسير : [الفرقان: 4] ومنهم من كان يقول إنه مجنون والجن يلقون عليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغشي. ثم قال تعالى: {إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } أي كما يكشف العذاب عنكم تعودون في الحال إلى ما كنتم عليه من الشرك، والمقصود التنبيه على أنهم لا يوفون بعهدهم وأنهم في حال العجز يتضرعون إلى الله تعالى، فإذا زال الخوف عادوا إلى الكفر والتقليد لمذاهب الأسلاف. ثم قال تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ } قال صاحب «الكشاف» وقرىء نبطش بضم الطاء، وقرأ الحسن نبطش بضم النون كأنه تعالى يأمر الملائكة بأن يبطشوا بهم والبطش الأخذ بشدة، وأكثر ما يكون بوقع الضرب المتتابع ثم صار بحيث يستعمل في إيصال الآلام المتتابعة، وفي المراد بهذا اليوم قولان: القول الأول: أنه يوم بدر وهو قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد ومقاتل وأبي العالية رضي الله تعالى عنهم، قالوا إن كفار مكة لما أزال الله تعالى عنهم القحط والجوع عادوا إلى التكذيب فانتقم الله منهم يوم بدر. والقول الثاني: أنه يوم القيامة روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر، وأنا أقول هي يوم القيامة، وهذا القول أصح لأن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا الوصف العظيم، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة لقوله تعالى: { أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ } تفسير : [غافر: 17] ولأن هذه البطشة لما وصفت بكونها كبرى على الإطلاق وجب أن تكون أعظم أنواع البطش وذلك ليس إلا في القيامة ولفظ الانتقام في حق الله تعالى من المتشابهات كالغضب والحياء والتعجب، والمعنى معلوم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } ٱرتقب معناه ٱنتظر يا محمد بهؤلاء الكفار يوم تأتي السماء بدخان مبين؛ قاله قتادة. وقيل: معناه ٱحفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين؛ ولذلك سُمِّيَ الحافظ رقيباً. وفي الدُّخَان أقوال ثلاثة: الأول أنه من أشراط الساعة لم يجىء بعدُ، وأنه يمكث في الأرض أربعين يوماً يملأ ما بين السماء والأرض؛ فأما المؤمن فيصيبه مثل الزكام، وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم، ويضيق أنفاسهم؛ وهو من آثار جهنم يوم القيامة. وممن قال إن الدخان لم يأت بعدُ: عليّ وٱبن عباس وٱبن عمر وأبو هريرة وزيد بن عليّ والحسن وٱبن أبي مليكة وغيرهم. وروى أبو سعيد الخُدْرِيّ مرفوعاً أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة؛ يأخذ المؤمن منه كالزكمة. وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه؛ ذكره الماوردي. وفي صحيح مسلم عن أبي الطُّفَيل حديث : عن حُذيفة بن أسِيد الغِفَارِيّ قال: ٱطّلع النبيّ صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذكرون»؟ قالوا: نذكر الساعة؛ قال: «إنها لن تقوم حتى تَرَوْا قبلها عشر آيات ـ فذكر ـ الدُّخانَ والدَّجَّالَ والدابةَ وطلوعَ الشمس من مغربها ونزول عيسى ابن مريم وخروج يأجوجَ ومأجوجَ وثلاثةَ خُسُوف خَسْفٌ بالمَشْرِق وخَسْفٌ بالمغرب وخَسْفٌ بجزيرة العرب وآخِرُ ذلك نارٌ تخرج من اليَمَن تَطْرُد الناس إلى مَحْشَرهم»تفسير : . في رواية عن حُذيفة «حديث : إن الساعة لا تكون حتى تكون عشر آيات: خَسْفٌ بالمشرق وخَسْفٌ بالمغرب وخَسْفٌ في جزيرة العرب والدُّخانَ والدَّجالُ ودابَّةُ الأرض ويأجوجُ ومأجوجُ وطلوعُ الشمس من مغربها ونارٌ تخرج من قَعْر عَدَن تُرَحِّلُ الناس»تفسير : . وخرجه الثعلبيّ أيضاً عن حُذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : «أوّل الآيات خروجاً الدَّجالُ ونزولُ عيسى ابن مريم ونارٌ تخرج من قَعْر عَدَن أبْيَنَ تسوق الناس إلى المحشر تبيت معهم حيث باتوا وتَقِيل معهم إذا قالوا وتصبح معهم إذا أصبحوا وتُمْسي معهم إذا أمسوا». قلت: يا نبيّ الله، وما الدخان؟ قال هذه الآية: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة أما المؤمن فيصيبه منه شبه الزكام وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج الدخان من فمه ومنخره وعينيه وأذنيه ودبره»تفسير : . فهذا قول. القول الثاني ـ أن الدخان هو ما أصاب قريشاً من الجوع بدعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم، حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخاناً؛ قاله ابن مسعود. قال: وقد كشفه الله عنهم، ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم. والحديث عنه بهذا في صحيح البخاريّ ومسلم والترمذيّ. قال البخاريّ: حدثني يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مَسْرُوق قال: حديث : قال عبد الله: إنما كان هذا لأن قريشاً لما ٱستعصت على النبيّ صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كَسِنِي يوسف، فأصابهم قَحْطٌ وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد؛ فأنزل الله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ }. قال: فَأُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله، ٱستسق الله لِمُضَر فإنها قد هلكت. قال: «لِمُضَر! إنك لجريء». فٱستسقى فسُقُوا؛ فنزلت: {إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ}تفسير : . فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية؛ فأنزل الله عز وجل: {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ}. قال: يعني يوم بدر. قال أبو عبيدة: والدُّخَان الجَدْب. القُتَبيّ: سُمِّيَ دخاناً ليُبس الأرض منه حين يرتفع منها كالدخان. القول الثالث ـ إنه يوم فتح مكة لما حجبت السماءَ الغبرة؛ قاله عبد الرحمٰن الأعرج. {يَغْشَى ٱلنَّاسَ} في موضع الصفة للدخان، فإن كان قد مضى على ما قال ابن مسعود فهو خاص بالمشركين من أهل مكة، وإن كان من أشراط الساعة فهو عام على ما تقدم. {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي يقول الله لهم: {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}. فمن قال: إن الدخان قد مضى فقوله: «هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ» حكاية حال ماضية، ومن جعله مستقبلاً فهو حكاية حال آتية. وقيل: «هَذَا» بمعنى ذلك. وقيل: أي يقول الناس لذلك الدخان: «هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ». وقيل: هو إخبار عن دنوّ الأمر؛ كما تقول: هذا الشتاء فأعدّ له.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {فَٱرْتَقِبْ } لهم {يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } فأجدبت الأرض واشتدّ بهم الجوع إلى أن رأوا من شدّته كهيئة الدخان بين السماء والأرض.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَارْتَقِبْ} فانتظر للكفار، أو احفظ قولهم حتى تشهد عليهم يوم تأتي السماء ولذلك سمي الحافظ رقيباً {بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} لما دعا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم بسبع كسبع يوسف حتى صار بينهم وبين السماء كهيئة الدخان قال أبو عبيدة الدخان الجدب. قال ابن قتيبة سمي دخاناً ليبس الأرض منه حتى يرتفع منها غبار كالدخان وقيل لسنة الجدب غبراء لكثرة الغبار فيها، أو يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة، أو دخان يهيج بالناس في القيامة فيأخذ المؤمن منه كالزكمة وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ} "يوم" منصوب بارتقب على الظرف، ومفعول الارتقاب محذوف لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله: هذا عذاب أليم، أي ارتقب وعيد الله في ذلك اليوم. ويجوز أن يكن "يوم" هو المفعول المرتقب. فصل اختلفوا في هذا الدخان، فروى الضحاك عن مسروق قال: بينما رجل يُحَدِّث في كِنْدَةَ فقال يجيء دُخَانٌ يوم القيامة فيِأخذ بأسماعهم وأبصارهم ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا فأتينا ابن مسعود، وكان متكئاً فعضب فجلس فقال: من علم فليقل ومن لم يعلم فيلقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: لا أعلم، فإن الله تعالى قال لنبيه: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص:86]. "وإن قريشاً لما اسْتَعْصَتْ عن الإسلام، فدعا عليهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: اللَّهم أعِنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حتى هَلَكُو فيها، وأكلوا الميتة، والعظامَ، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان، فجاءه أبو سفيان فقال يا محمد: جئت كافراً بصلة الرحم، وإن قومك قَدْ هلكوا، فادعُ الله فقرأ: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} إلى قوله "عَابِدُونَ" وهذا قول ابن عباس ومقاتل ومجاهد واختيار الفراءِ والزجاجِ وهو قول ابن مسعود، وكان ينكر أن يكون الدخان إلا الذي أصابهم من شدة الجوع كالظُّلْمَةِ على أبصارهم حتى كانوا كأنهم يرون دُخَاناً. وذكر ابن قتيبة في تفسير الدخان في هذه الحالة وجهين: الأول: أن في سَنَةِ القحط لعِظَم يُبْسِ الأرض بسبب انْقِطَاع المطر يرتفع الغبارُ الكثيرُ، ويُظْلم الهواء وذلك يشبه الدخان، ويقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان ولهذا يقال للسنة المُجْدِبة الغبراء. الثاني: أن العرب يسمون الشيء الغالب بالدخان، والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه أظلمت عيناه، ويرى الدنيا كالمملوءة من الدخان. وقيل: إنه دخان يظهر في العالم وهو إحدى علامات القيامة، وهذا منقول عن علي بن أبي طالب، وعن ابن عباس في المشهور عنه لما روى عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "حديث : أَوَّل الآيَاتِ الدُّخَانُ، ونزولُ عِيِسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَن تَسُوق النَّاسَ إلى المَحْشَرِ. قال حذيفة: يا رسول الله، وما الدخانُ؟ فَتَلاَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية به وكان يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه كالزُّكْمَةِ. وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه، وأذنيه، دبره. ويكون الأرض كلها كبيت أُوقد فيه النار قال ـ عليه الصلاة السلام ـ: "بَاكِرُوا بالأَعْمَالِ""تفسير : ، وذَكَر منها طلوعَ الشمسِ من مَغْرِبَها، والدُّخَانَ والدابةَ، رواه الحسن. واحتج الأولون بأن الله تعالى حكى عنهم أنهم يقولون: ربنا اكشف عنّا العذاب إنا مؤمنون. فإذا حملناه على القحط الذي وقع في مكة استقام فإنه نقل أن الأمر لما اشتد على أهل مكة مَشَى إليه أبو سفيان فناشده الله والرَّحم وواعده إن دعا لهم وأزال الله عنهم تلك البليّة أن يؤمنوا به، فلما أزاله الله عنهم رَجَعُوا إلى شركهم، أما إذا حملناه على أن المراد منه ظهور علامة من علامات القيامة لم يصح ذلك؛ لأن عند ظهور علامات القيامة لا يمكنهم أن يقولوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، ولم يصح أيضاً أن يقال لهم: {كَاشِفُو ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ}. فصل ظاهر الحال أنه دخان يغشى الناس أَيْ يشملهم وهو في محل جر صفة ثانية أي بدُخَان مبينٍ غَاشٍ وقوله: {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} في محل نصب بالقول، وذلك القول حال أي قائلين ذلك. ويجوز أن لا يكون معمولاً لقول ألبتة، بل هو مجرد إخبار. قال الجُرْجَانِي صاحب النظم: هذا إشارة إليه، وإخبار عن دُنُوِّه واقترابه كما يقال: هذا العدو فاستقبله، والغرض منه التنبيه على القرب. قوله: {ربنا اكشف عنا العذاب} إن أضمرنا القول هناك (فالتقدير: يقولون هذا عذاب أليم ربنا اكشف عنّا العذاب، وإن لم يضمر القول هناك) أضمرناه ههنا، و "العذاب" على القول الثاني الدخان المهلك "إنَّا مؤمنون" أي بمحمد وبالقرآن والمراد منه الوعد بالإيمان إن كشف عنهم العذاب. قوله: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ} يجوز أن يكون "إنى" خبراً لذكرى، و "لهم" تبيين، ويجوز أن يكون "أنى" منصوباً على الظرف بالاستقرار في لَهُم، فإن "لهم" وقع خبراً لذكرى. قوله: "وَقَدْ جَاءَهُمْ" حال من "لَهُمْ" والمعنى كيف يتعظون أي من أين لهم التذكرة والاتِّعاظُ وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الطاعة، وهو "رسول مبين" ظاهر الصدق يعني محمداً ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما ظهر عليه من المعجزات، {ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ} أعرضوا عنه، ولم يلتفتوا إليه {وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} وذلك أن كفار مكة منهم من كان يقول: إن محمداً يتعلم هذه الكلمات من بعض الناس، ولقولهم: {أية : إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ}تفسير : [النحل:103] وقوله: {أية : وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ}تفسير : [الفرقان:4] ومنهم من كان يقول: إنه مجنون، والجن يلقون عليه هذه الكلمات حال ما يعرض له الغُشْي. وقرأ زيد بن علي معلم بكسر اللام قوله: {إنا كاشفوا العذاب قليلاً} أي عذاب الجوع: "قليلاً" نعت لزمان، أو المصدر محذوف أي كشفوا قليلاً، أو زماناً قليلاً، يعني يسيراً "إنكم عائدون" أي كما نكشف العذاب عنكم تعودون في الحال إلى ما كنتم عليه من الشرك. قوله: "يَوْمَ نَبْطِشُ" قيل: هو بدل من "يوم تأتي". وقيل: منصوب بإضمار اذكر. وقيل: بـ "منتقمون". وقيل: بما دل عليه: "مُنْتَقِمُونَ" وهو ينتقم. ورُدَّ هذَان بأن ما بعد "لا" لا يعمل فيما قبلها، ولأنه لا يفسر إلا ما يصحّ أن يعمل. وقرأ العامة بفتح نون "نَبْطِشُ" وكسر الطاء أي نبطش بهم. وقرأ الحَسَنُ, وأبو جَعْفَر بضم الطاء وهي لغة في مضارع "بَطَشَ". والحسن أيضاً، وأبو رجاء وطلحة بضم النون وكسر الطاء. وهو منقول من "أبطش" أي نُبِطْشُ بِهِمُ المَلاَئكِة والبطشة على هذا يجوز أن تكون منصوبة بنبطِشُ على حذف الزائد: نحو: {أية : أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً}تفسير : [نوح:17] وأن تنتصب بفعل مقدر أي نبطِشُ بهم الملائكة، فَيَبْطِشُونَ البَطْشَة. والبطش الأخذ بالشدة وأكثر ما يكون يوقع الضرب المتتابع ثم صار بحيث يشتمل في اتصال الآلام المُتَتَابِعَةِ. فصل في المراد بهذا اليوم قولان: الأول: أنه يوم بدر، وهو قول ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، وأبي العالية (وذلك) أن كفار مكة لما أزال الله تعالى عنهم القحط والجوع عادوا إلى التكذيب، فانتقم الله منهم يوم بدر. الثاني: أنه يوم القيامة. قال ابن الخطيب: وهذا القول أصح؛ لأن يوم بدر، لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا الوصف العظيم، ولأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة، لقوله تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَـسَبَتْ}تفسير : [غافر:17].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير، عن قتادة ‏ {‏فارتقب‏}‏ أي فانتظر‏. وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عبيدة، عن ابن مسعود قال‏:‏ آية الدخان قد مضت‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن عبدالله قال‏:‏ الدخان جوع أصاب قريشاً حتى كان أحدهم لا يبصر السماء من الجوع‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق عتبة بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود قال‏:‏ الدخان قد مضى، كان أناس أصابهم مخمصة وجوع شديد حتى كانوا يرون الدخان فيما بينهم وبين السماء‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق أبي وائل، عن عبدالله ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين‏} ‏ قال‏:‏ جوع أصاب الناس بمكة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي العالية قال‏:‏ مضى الدخان والبطشة الكبرى يوم بدر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن محمد بن سيرين قال‏:‏ قال ابن مسعود‏:‏ كل ما وعدنا الله ورسوله، فقد رأيناه غير أربع‏:‏ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، فاما الدخان فقد مضى وكان سني كسني يوسف، وأما القمر فقد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما البطشة الكبرى فيوم بدر‏. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل، عن مسروق قال‏:‏ جاء رجل إلى عبدالله فقال‏:‏ إني تركت رجلاً في المسجد يقول‏:‏ في هذه الآية ‏ {‏يوم تأتي السماء بدخان‏} ‏ ‏ {‏يغشى الناس‏} ‏ يوم القيامة دخان، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام، فغضب وكان متكئاً، فجلس ثم قال‏:‏ من علم منكم علماً فليقل به، ومن لم يكن يعلم، فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم، وسأحدثكم عن الدخان‏:‏ إن قريشاً لما استصعبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطأوا عن الإِسلام قال‏:‏ اللهم أَعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم‏} ‏ فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله‏:‏ استسق الله لمضر، فاستسقى لهم فسقوا، فأنزل الله {‏إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون‏} ‏ أفيكشف عنهم العذاب يوم القيامة‏؟‏ فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم‏.‏ فأنزل الله ‏{‏يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون‏} ‏ فانتقم الله منهم يوم بدر، فقد مضى البطشة والدخان واللزام‏. وأخرج البيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود قال‏:‏ ‏"حديث : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس إدباراً، قال‏:‏ "اللهم سبع كسبع يوسف‏" فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة، فقالوا يا محمد‏:‏ إنك تزعم أنك قد بعثت رحمة، وأن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعاً، فشكا الناس كثرة المطر، فقال‏:‏ "‏اللهم حوالينا ولا علينا‏" فانحدرت السحابة على رأسه، فسقي الناس حولهم‏.‏ قال‏:‏ فقد مضت آية الدخان وهو الجوع الذي أصابهم‏.‏ وهو قوله‏:‏ ‏{‏إنا كاشفوا العذاب قليلاً إنكم عائدون‏}‏ وآية الروم والبطشة الكبرى وانشقاق القمر وذلك كله يوم بدر‏ .‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏يوم تأتي السماء بدخان مبين‏} ‏قال‏: ‏الجدب وإمساك المطر عن كفار قريش‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏يغشى الناس هذا عذاب أليم‏} ‏ قال‏:‏ الأليم الموجع ‏ {‏ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون‏}‏ قال‏:‏ الدخان ‏{‏أنى لهم الذكرى‏}‏ قال‏:‏ أنى لهم التوبة ‏ {‏إنا كاشفوا العذاب قليلاً‏}‏ يعني الدخان ‏ {‏إنكم عائدون‏}‏ إلى عذاب الله يوم القيامة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏ {‏أنى لهم الذكرى‏} ‏ قال‏:‏ بعد وقوع البلاء بهم ‏ {‏وقد تولوا‏} ‏، عن محمد ‏ {‏وقالوا معلم مجنون‏} ‏ ثم كشف عنهم العذاب‏. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن لهيعة، عن عبد الرحمن الأعرج ‏ {‏يوم تأتي السماء بدخان مبين‏}‏ قال‏:‏ كان يوم فتح مكة‏.‏ وأخرج ابن سعد من طريق ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال‏:‏ كان يوم فتح مكة دخان وهو قول الله ‏ {‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين‏} ‏‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن علي قال‏:‏ إن الدخان لم يمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفخ الكافر حتى ينفد‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم بسند صحيح، عن ابن أبي مليكة قال‏:‏ دخلت على ابن عباس رضي الله عنهما فقال‏:‏ لم أنم هذه الليلة، فقلت‏:‏ لم‏؟‏ قال‏:‏ طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يطرق الدخان‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن ابن عمر قال‏:‏ يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكمة، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون كالرأس الحنيذ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن قال‏:‏ بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏إن الدخان إذا جاء نفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع من مسامعه، ويأخذ المؤمن منه كالزكمة‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال‏:‏ الدخان قد بقي وهو أول الآيات‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق الحسن، عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن، فيأخذه كهيئة الزكمة. وأما الكافر، فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً‏ ‏"‏أول الآيات‏:‏ الدجال ونزول عيسى ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان قال‏:‏ حذيفة: يا رسول الله، وما الدخان‏؟‏ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين‏}‏ يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره‏"‏‏. وأخرج ابن جرير والطبراني بسند جيد، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"حديث : ‏إن ربكم أنذركم ثلاثاً الدخان يأخذ المؤمن منه كالزكمة، ويأخذ الكافر فينفخ حتى يخرج من كل مسمع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال‏ ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"حديث : ‏يهيج الدخان بالناس فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن ابن مسعود رضي الله عنه {‏يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون‏}‏ قال‏:‏ يوم بدر‏. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن أبيّ بن كعب ومجاهد والحسن وأبي العالية وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وقتادة وعطية مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ إن يوم البطشة الكبرى يوم القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي العالية قال‏:‏ كنا نتحدث أن قوله‏:‏ ‏{‏يوم نبطش البطشة الكبرى‏} ‏ يوم بدر والدخان قد مضى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير بسند صحيح، عن عكرمة قال‏:‏ قال ابن عباس قال‏:‏ ابن مسعود ‏ {‏البطشة الكبرى‏} ‏ يوم بدر وأنا أقول‏:‏ هي يوم القيامة‏.‏

ابو السعود

تفسير : الفاءُ في قولِه تعالى {فَٱرْتَقِبْ} لترتيبِ الارتقابِ أو الأمرِ به على ما قبلَها فإنَّ كونَهُم في شكَ مما يُوجِبُ ذلكَ حَتْماً أي فانتظرُ لَهُم {يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} أي يومَ شدَّةٍ ومَجَاعةٍ فإنَّ الجائعَ يَرَى بـينَهُ وبـينَ السماءِ كهيئةِ الدُّخانِ إما لضعفِ بصرهِ أو لأنَّ في عامِ القحطِ يُظلمُ الهواءُ لقلةِ الأمطارِ وكثرةِ الغُبارِ أو لأنَّ العربَ تُسمِّي الشرَّ الغالبَ دُخاناً وذلكَ أنَّ قريشاً لمَّا استعصتْ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم دعَا عليهم فقالَ: « حديث : اللهَّم اشدُدْ وطأتَكَ على مضرَ واجعلْها عليهم سنينَ كسِنِي يوسفَ » تفسير : فأخذتْهُم سَنةٌ حتى أكلُوا الجيفَ والعظامَ والعِلْهِزَ وكانَ الرجلُ يَرَى بـينَ السماءِ والأرضِ الدُّخانَ وكان يحدثُ الرجلَ ويسمعُ كلامَهُ ولا يراهُ من الدخانِ وذلكَ قولُه تعالى: {يَغْشَى ٱلنَّاسَ} أي يحيطُ بهم {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي قائلينَ ذلكَ، فمشَى إليه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أبُو سفيانَ ونَفَرٌ معَهُ وناشدُوه الله تعالَى والرحمَ وواعدُوه إنْ دعَا لهم وكشفَ عنُهم أنْ يُؤمنوا، وذلكَ قولُه تعالى {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ} وهَذا قولُ ابنِ عبَّاسِ وابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنُهم وبه أخذَ مجاهدٌ ومقاتلٌ وهو اختيارُ الفَرَّاءِ والزَّجَّاجِ، وقيلَ: هو دُخانٌ يأتِي من السماءِ قبلَ يومِ القيامةِ، فيدخلُ في أسماعِ الكفرةِ حتَّى يكونَ رأسُ الواحدِ كالرأسِ الحنيذِ ويعترِي المؤمنَ منه كهيئةِ الزكامِ وتكونُ الأرضُ كُّلها كبـيتٍ أُوقدَ فيه ليسَ فيه خصاصٌ. وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : أولُ الآياتِ الدُّخانُ ونزولُ عيسى ابنِ مريمَ ونارٌ تخرجُ من قعرِ عدنِ أبْـينَ تسوقُ النَّاسَ إلى المحشرِ، قالَ حذيفةُ: يا رسولَ الله وما الدُّخانُ؟ فتَلا الآيةَ، وقالَ يملأُ ما بـينَ المشرقِ والمغربِ يمكثُ أربعينَ يوماً وليلةً أمَّا المؤمنُ فيصيبُه كهيئةِ الزكمةِ وأما الكافرُ فهو كالسكرانِ يخرجُ من مَنْخِريهِ وأذنيهِ ودبُرهِ »تفسير : . والأولُ هُو الذي يستدعيهِ مساقُ النظمِ الكريمِ قطعاً. فإنَّ قولَه تعالى: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذّكْرَىٰ} إلخ ردٌّ لكلامِهم واستدعائِهم الكشفَ وتكذيبٌ لهم في الوعدِ بالإيمانِ المنبىءِ عن التذكرِ والاتعاظِ بما اعتراهُم من الداهيةِ أي كيفَ يتذكرونَ أو مِنْ أين يتذكرون بذلك ويفُون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذابِ عنهم {وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} أيْ والحالُ أنَّهم شاهُدوا منْ دَوَاعي التذكرِ وموجباتِ الاتعاظِ ما هو أعظمُ منِهُ في إيجابِها حيثُ جاءَهُم رسولٌ عظيمٌ الشأنِ وبـين لهم مناهجَ الحقِّ بإظهار آياتٍ ظاهرةٍ ومعجزاتٍ قاهرةٍ تخِرُّ لها صُمُّ الجبال. {ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ} عن ذلك الرسول وهو هو ريثما شاهدوا منه ما شاهدوه من العظائمِ الموجبةِ للإقبال عليه ولم يقتنعوا بالتولِّي {وَقَالُواْ} في حقِّهِ {مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} أي قالوا تارة يعلمُه غلامٌ أعجميٌّ لبعض ثقيفٍ وأُخرى مجنونٌ، أو يقولُ بعضهم كذَا وآخرونَ كَذا فَهلْ يتوقعُ من قوم هذه صفاتُهم أنْ يتأثرُوا بالعظة والتذكير، وما مثلُهم إلا كمثلِ الكلبِ إذَا جاعَ ضَغَا وإذا شبعَ طَغَى.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}[10] قال: الدخان في الدنيا قسوة القلب والغفلة عن الذكر، ولا عقوبة أعظم في الدنيا من فساد القلب. وقد حكي عن أويس القرني وهرم بن حيان أنهما التقيا يوماً، فقال هرم لأويس: ادعُ الله. فقال: يصلح لك نيتك وقلبك فلن تعالج شيئاً أشد منهما، بينما قلبك مقبل إذ هو مدبر، وبينما هو مدبر إذ هو مقبل، ولا تنظر إلى صغير الخطيئة، وانظر إلى عظمة من عصيت، فإنك إن عظمتها فقد عظمت الله تعالى، وإن صغرتها فقد صغرت الله تعالى.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}. قال: الدخان فى الدنيا قسوة القلب والغفلة عن الذكر.

القشيري

تفسير : هذا من أشراط الساعة؛ إذ يتقدم عليها. وقيامة هؤلاء (يقصد الصوفية) معجَّلة (أي تتم هنا في هذه الدنيا) فيومُهم الذي تأتي السماء فيه بدخان مبين هو يومُ غيبةِ الأحباب، وانسداد ما كان مفتوحاً من الأبواب، أبوابِ الأُنسِ بالأحباب وفي معناه قالوا: شعر : فما جانبُ الدنيا بسَهْلٍ ولا الضُّحــــى بطَلْــــقٍ ولا مــــاءُ الحيـاةِ ببـاردِ

البقلي

تفسير : ظاهر الأية دخان الكفرة من الجوع فى الظاهر ودخان بواطنهم ودخان النفس الامارة والاهواء المختلفة التى تغير سماء قلوبهم بغبار الشهوات وظلمة الغفلات قال سهل الدخان فى الدنيا قسوة القلب والغفلة عن ذكر الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {فارتقب} الارتقاب جشم داشتن يعنى منتظر شدن. والمعنى فانتظر يا محمد لكفار مكة على ان اللام للتعليل وبالفارسية بس تومنتظر باش براى ايشان {يوم تأتى السماء بدخان مبين} ظاهر لا شك فيه ويوم مفعول ارتقب والباء للتعدية يعنى آن روزكه آسمان دودى آرد آشكارا. ويجوز أن يكون ظرفا له والمفعول محذوف اى ارتقب وعد الله فى ذلك اليوم أطلق الدخان على شدة القحط وغلبة الجوع على سبيل الكناية او المجاز المرسل والمعنى فانتظر لهم يوم شدة ومجاعة فان الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان اما لضعف بصره او لأن فى عام القحط يظلم الهوآء لقلة الامطار وكثرة الغبار ولذا يقال لسنة القحط السنة الغبرآء كما قالوا عام الرمادة والظاهر ان السنة الغبراء ما لا تنبت الارض فيها شيئا وكانت الريح اذا هبت ألقت ترابا كالرماد او لان العرب تسمى الشر الغالب دخانا واسناد الاتيان الى السماء لان ذلك يكفها عن الامطار فهو من قبيل اسناد الشئ الى سببه وذلك حديث : ان قريشا لما بالغوا فى الاذية له عليه السلام دعا عليهم فقال "اللهم اشدد وطأتك على مضر" أى عقابك الشديد يعنى خذهم اخذا شديدا "واجعلها عليهم سنينا كسنى يوسف" تفسير : وهى السبع الشداد فاستجاب الله دعاءه فاصابتهم سنة اى قحط حتى اكلوا الجيف والجلود والعظام والعلهز وهو الوبر والدم اى يخلط الدم بأوبار الابل ويشوى على النار كان الرجل يرى بين السماء والارض الدخان من الجوع وكان يحدث الرجل ويسمع كلامه ولا يراه من الدخان وذلك قوله تعالى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فارتقبْ} فنتظر {يوم تأتي السماءُ بدُخان مبين} قال عليّ وابن عباس وابن عمر والحسن رضي الله عنهم: هو دخان يجيء قبل يوم القيامة، يُصيب المؤمن منه مثل الزكام، ويُنضج رؤوسَ المنافقين والكافرين، حتى تكون كأنها مصليَّة حنيذة، وتكون الأرض كلها كبيت أُوقد فيه نار، ليس فيه خِصاص، ويؤيد هذا حديث حذيفة: "أول الآيات الدخان، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن، تسوق الناس إلى الحشر، تقيل معهم إذا قالوا..." الحديث، انظر الثعلبي. وأنكر هذا ابن مسعود، وقال: هذا الدخان قد رأته قريش حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبع كسبع يوسف، فكان الرجل يرى من الجوع دخاناً بينه وبين السماء. ويؤيده ما يأتي بعده. وقوله: {مبين} أي: ظاهر لا يشك أحد أنه دخان، {يغشى الناسَ} أي: يحيط بهم، حتى كان الرجلُ يُحدّث الرجلَ، ويسمع كلامه، ولا يراه من الدخان، أي: انتظر يوم شدة ومجاعة؛ فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، إما لضعف بصره، أو لأن عام القحط يُظلِم الهواء لقلة الأمطار، أو كثرة الغبار، {هذا عذابٌ أليم} أي: قائلين هذا عذاب أليم. ولما اشتد بهم القحط، مشى أبو سفيان، ونفر معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وناشده الله تعالى والرحم، وواعدوه إن دعا لهم، وكشف عنهم، أن يؤمنوا، وذلك قوله تعالى: {ربنا اكشف عنا العذاب إِنا مؤمنون} أي: سنؤمن إن كُشف عنا العذاب، قال تعالى: {أنَّى لهم الذكرَى} أي: كيف يذَّكرون ويتَّعظون ويَفُون بما وعدوه من الإيمان عند كشف العذاب، {وقد جاءهم رسول مبين} أي: والحال أنهم يُشاهدون من دواعي التذكير وموجبات الاتعاظ، ما هو أعظم منه، حيث جاءهم رسول عظيم لشأن، بيِّن البرهان، يُبين لهم مناهج الحق بإظهار آيات ظاهرة، ومعجزات قاهرة، تخرّ لها صُمّ الجبال. {ثم تَولوا عنه} أي: عن ذلك الرسول، بعدما شاهدوا من العظائم ما يوجب الإبال عليه، ولم يقنعوا بالتولِّي، بل اقترفوا ما هو أشنع، {وقالوا} في حقه عليه السلام: {مُعَلَّمٌ مجنون} أي: قالوا تارة مُعَلَّم يُعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف، وتارة مجنون، أو: يقول بعضهم كذا، وبعضهم كذا، وكيف يتوقع من قوم هذه صفتهم أن يتأثروا بالعظة والتذكير؟! قال تعالى: {إِنا كاشفوا العذاب قليلاً} أي: زمناف قليلاً، أو كشفاً قليلاً، {إِنكم عائدون} إلى الكفر، الذي أنتم فيه، أو: إلى العذاب بعد صرف الدخان، على القول الأول، {يوم نبطشِ البطشةَ الكبرى} يوم بدر، أو يوم القيامة، {إِنا منتقمون} أي: ننتقم منهم في ذلك اليوم. وانتصاب {يوم نبطش} باذكر أو بما دلّ عليه {إنا منتقمون}، وهو ننتقم، لا بمنتقمون، لأن ما بعد "إن" لا يعمل فيما قبله. الإشارة: {فارتقب} أيها العارف {يوم تأتي السماء بدخان مبين} أي: يوم يبرز من سماء الغيوب بدخان الحس، وظلمة الأسباب تغشى قلوب الناس، فتحجبهم عن شمس العرفان، هذا عذاب أليم موجع للقلوب، حيث حجبها عن حضرة علاّم الغيوب. وأما العارف فشمسه ضاحية، ونهاره مشرق على الدوام، كما قال شاعرهم: شعر : لَيلِي بوجهكَ مشْرقٌ وظلامُهُ في الناس سَارِ الناسُ في سَدَفِ الظَّلامِ ونحنُ في ضوءِ النَّهارِ تفسير : وقال آخر: شعر : طَلَعتْ شَمْسُ مَن أُحبُّ بِليلٍ فَاسْتَنارَتْ فما تلاها غُروبُ إِن شمسَ النَّهارِ تَغْربُ بِليلٍ وشَمسُ القُلوبِ لَيْسَت تغِيبُ تفسير : قال القَشيري: قيامة هؤلاء - أي الصوفية - مُعَجَّلة لهم، يوم تأتي السماء فيه بدخان، مبين، وهو باب غيبة الأخبار، وانسداد باب ما كان مفتوحاً من الأنس بالأحباب. قلت: وأحسن من عبارته أن تقول: وهو باب غيبة الأنوار، وانسداد نبع الأسرار. ثم قال: وفي معناه قالوا: شعر : فلاَ الشمس شَمْسٌ تستنيرُ ولا الضحى بطَلْقٍ ولا ماءُ الحياة بباردِ تفسير : هـ. وقوله تعالى: {ربنا اكشف عنا العذاب} قال القشيري: وقد يستزيد هؤلاء العذاب على العكس من أحوال الخلق، وفي ذلك أنشدوا: شعر : وكلُّ مآربي قدْ نِلْتُ مِنها سِوى مُلكِ وَدِّ قَلْبي بالعذاب تفسير : فهم يسألون البلاء بدل ما يستكشفه الخلق، وأنشدوا: شعر : أَنْتَ البلاَءُ فكيف أرجو كَشْفه إنَّ البلاء إذا فقدتُ بلائي تفسير : هـ. قلت: وأصرح منه قول الشاعر: شعر : يا مَنْ عَذَابي عذبٌ في مَحَبَّته لاَ أشْتكِي منك لا صَدّاً ولا مَلَلا تفسير : وقول الجيلاني رضي الله عنه: شعر : تَلَذُّ ليَ الآلامُ إِذ كنتَ مُسقِمي وَإن تَخْتبِرني فهي عِنْدي صنَائِعُ تَحكَّمْ بما تَهْواه فيَّ فإنني فَقِيرٌ لِسلطانِ المحبة طائِعُ تفسير : قوله تعالى: {أنَّى لهم الذكرى} أي: كيف يتّعظ مَن تنكَّب عن صحبة الرجال، وملأ قلبه بالخواطر والأشغال؟ وقد جاءهم مَن يدعوهم إلى الكبير المتعال، فأنكروه، وقالوا: مُعَلَّمٌ مجنون، إنا كاشفوا العذاب عن قلوبهم من الشكوك والخواطر قليلاً، حين يتوجهون إلينا، ويفزعون إلى بابنا، أو يسمعون مِن بعض أوليائنا، ثم تكثر عيهم الخواطر، حين تنقشع عنهم سحابة أمطار الواردات من قلوب أوليائنا، إنكم عائدون إلى ما كنتم عليه، {يوم نبطش البطشة الكبرى} هي خطفة الموت، فلا ينفع يفها ندم ولا رجوع، بل يورثهم حزناً طويلاً، فلا يجدون في ظلال انتقامنا مقيلاً، فننتقم ممن أعرض بسريرته عن دوام رؤيتنا. ثم ذكر وبال مَن سلك مسلكهم، فقال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ}.

الجنابذي

تفسير : {فَٱرْتَقِبْ} اى فانتظر مراقباً لهم {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى ٱلنَّاسَ} يحيط الدّخان او اليوم بسبب الدّخان بالنّاس {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما هذا الدّخان؟ - فقال: هذا عذابٌ اليمٌ او حالٌ بتقدير القول من الله، او من الملائكة، او من النّاس. اعلم، انّ وقت الاحتضار يُرى دخان من الباطن بين السّماء والارض ولذلك ورد انّ الدّخان من اشراط السّاعة فانّه روى انّ اوّل آيات السّاعة الدّخان ونزول عيسى (ع) ونار تخرج من قعر عدن ابين تسوق النّاس الى المحشر، قيل: وما الدّخان؟ فتلا رسول الله (ص) هذه الآية وقال: "حديث : يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث اربعين يوماً وليلة، امّا المؤمن فيصيبه كهيئة الزّكام وامّا الكافر فهو كالسّكران يخرج من منخريه واذنيه"تفسير : ، وقيل: انّ رسول الله (ص) دعا على قومه لمّا كذّبوه فاجدبت الارض والمراد بيوم تأتى السّماء بدخانٍ مبينٍ ذلك القحط فانّ الجائع يرى بينه وبين السّماء كهيئة الدّخان من ضعف بصره، او لانّ الهواء يظلم عام القحط لقلّة الامطار وكثرة الغبار، او لانّ العرب يسمّى الشّرّ الغالب دخاناً وكان قحطهم بحيث اكلوا جيف الكلاب وعظامها.

اطفيش

تفسير : {فَارْتَقِبْ} انتظر لهم يا محمد* {يَوْمَ} مفعول ارتقب وهو يوم قبل يوم القيامة* {تَأْتِي السَّمَآءُ} جملة مضاف اليها يوم* {بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} ظاهر يدخل في أسماع الكفرة والمنافقين وتنضج رؤوسهم حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ أي المشوي ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه. قاله ابن عباس وعلي وابن عمر والحسن والحسين وأبو سعيد الخدري وندل له ما رواه حذيفة بن اليمان أول الآيات الدخان ونزول عيسى بن مريم ونار تخرج من قعر عدن تشوق الناس الى المحشر تقيل معهم اذا قالوا. حديث : قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان فتلا صلى الله عليه وسلم الآية وقال يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما فهو كالسكران أن يخرج من منخريه وأذنيه ودبره تفسير : وقال ابن مسعود وغيره معنى الدخان ان الارض أجدبت واشتد الجوع حتى انهم يرون من شدته كهيئة الدخان بين السماء والارض وكان ذلك في قريش في مكة ومن معهم. وعن مسروق كنا جلوساً عند عبدالله بن مسعود وهو مضطجع بيننا فأتاه رجل فقال يا أبا عبد الرحمن ان قاصاً عند باب كندة يقص ويزعم ان الآية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام. وفي رواية انه قص انه يأتي دخان يوم القيامة فيأخذ بأنفاس الخلق فقعد وهو غضبان فقال اتقوا الله أيها الناس من علم منكم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فان من علم الرجل أن يقول فيما لا يعلم الله أعلم ثم قال ألا سأحدثكم ان قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليهم وقال "حديث : اللهم أعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف عليه السلام"تفسير : وفي رواية "حديث : اللهم سبع كسبع يوسف" تفسير : فأصابهم الجهد وماتت أشياؤهم حتى أكلوا الجيف والعظام جيف الكلاب وغيرها فيرى الرجل ما بين السماء كالدخان من ضعف البصر للجوع أو لأن الهواء يظلم أيام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار والعرب تسمى الشر الغالب دخاناً وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان فمشى اليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه الله والرحم وواعدوه ان دعا لهم وكشف أن يؤمنوا فلما كشف رجعوا الى شركهم. وفي رواية قال أبو سفيان انك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وان قومك قد هلكوا فادع الله وذلك انه لما دعا عليهم بالسبع أجابه الله بقوله {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان} أي بقحط. وروي أنه لما حكى لابن مسعود قصة القاض. قال بعد قوله فان من علم الرجل الخ فان الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين }. تفسير : قال خمس مضير اللازم والروم والبطشة والقمر الدخان واسناد الإتيان للسماء لان ذلك يكفها عن الامطار وقيل اليوم يوم الدجال ونزول عيسى ونار عدن وقيل يوم القيامة وقيل الدخان قسوة القلب ولا عقوبة أعظم من فساده

اطفيش

تفسير : {فارتقب} انتظر، وهو تهديد لهم، إذ لم ينتفعوا بما نزل هذا بعدالدعاء بسبع كسنى يوسف، وقبل كونهم كناظر للدخان لشدة الجوع {يَوم تأتي السَّماءُ بدخانٍ مُبينٍ} عند قرب الساعة جدا، يملأ ما بين المشرق والمغرب أربعين يوما كهيئة الزكام للمؤمن، وكالسكر للكافر، يخرج من منخريه وأذنيه وفمه ودبره، ويكون رأسه كالرأس الحنيذ، ويصيب المؤمن مثل الزكام منه، والأرض كلها كبيت أوقد فيه، وخطأ ابن مسعود من قال ذلك: وقال: من سئل عما لا يعلم فليقل الله أعلم، فانه من العلم، وقال: المراد أنهم ردوا جهة السماء كالدخان للجوع. وفى البخارى ومسلم، عن عبد الله بن مسعود: " حديث : خمس قد مضين: اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان" تفسير : قيل أصابهم من الجوع مثل الظلمة فى أبصارهم لتيبس الأرض لانقطاع المطر، وارتفاع الغبار، وظلمة الهواء والجو، وذلك يشبه الدخان وأول الآيات: الدجال، ونزول عيسىعليه السلام، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس الى المحشر، تبيت اذا باتوا، وتقيل اذا قالوا، والدخان يملأ ما بين السماء والأرض الخ ما مر رواه الطبرانى عن حذيفة. وروى عن حذيفة بن اليمان، أول الآيات الدخان، ونزول عيسى بن مريم، ونار تخرج الى آخر ما مر بلفظه، قيل: فيبعث الله عز وجل ريح الجنوب، فتقبض روح كل مؤمن، وقيل: يوم تأتى السماء يوم القيامة، والدخان على حقيقته، أو الشدة والشر على الاستعارة التمثيلية، ولاسماء يومئذ، أو هى جهة العلو، أو الدخان قبل انشقاقها حين يبعثون، أو هو الدخان تستحيل اليه، وترجع الى أصلها كما قال الله تعالى: "أية : ثم استوى إلى السماء وهي دخان" تفسير : [فصلت: 11] وأنكر ابن مسعود ذلك على رجل يعظ به الناس فى باب كندة وقال: إن من العلم أن يقال فيما لا يعلم: الله تعالى أعلم كما مر، وقال: دعا صلى الله عليه وسلم لقريش بسبع حتى يروا كهيئة الدخان لضعف البصر من الجوع، وأكلوا الجلود والعظام والدم والمخلوط فى صوف أو شعر أو وبر، وفى رواية: "حديث : اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" تفسير : وفى لفظ: "حديث : اللهم سبعاً كسبع يوسف" تفسير : وفى لفظ: "حديث : اللهم أعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف" تفسير : فطلب منه أبو سفيان وناس من أهل مكة قبل الهجرة أو بعده أو مرتين الاستقساء وقالوا: إنك تأمر بصلة الرحم، ومكارم الأخلاق، فدعا الله تعالى فسقوا من سحابة انحدرت من فوق رأسه وقال: " اللهم حوالينا لا علينا". ويدل لهذا قوله تعالى: "أية : إنا كاشفوا العذاب"تفسير : [الدخان: 15] الخ إذ لا يناسب أنه دخان الموت، أو دخان بعد الموت، أو عند قرب الساعة، فنزل: {إنا كاشفوا العذاب} الخ، وقيل: الدخان غبار الأرض ليبسها من عدم الماء،ويطلق الدخان على الشر، ومنه الجدب، لأن الدخان مما يتأذى منه، وأسند الاتيان بالدخان الى السماء، لأنه فى جهتها، ولسبب عدم أمطارها، والعلاقة الحلول أو السببية.

الالوسي

تفسير : والفاء في قوله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ } لترتيب الارتقاب أو الأمر به على ما قبلها فإن كونهم في شك يلعبون مما يوجب ذلك حتماً أي فانتظر لهم {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } أي يوم تأتي بجدب ومجاعة فإن الجائع جداً يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان وهي ظلمة تعرض للبصر لضعفه فيتوهم ذلك فإطلاق الدخان على ذلك المرئي باعتبار أن الرائي يتوهمه دخاناً، ولا يأباه وصفه بمبين وإرادة الجدب والمجاعة منه مجاز من باب ذكر المسبب وإرادة السبب أو لأن الهواء يتكدر سنة الجدب بكثرة الغبار لقلة الأمطار المسكنة له فهو كناية عن الجدب وقد فسر أبو عبيدة الدخان به، وقال القتبـي: يسمى دخاناً ليبس الأرض حتى يرتفع منها ما هو كالدخان، وقال بعض العرب: نسمي الشر الغالب دخاناً، ووجه ذلك بأن الدخان مما يتأذى به فأطلق على كل مؤذ يشبهه، وأريد به هنا الجدب ومعناه الحقيقي معروف، وقياس جمعه في القلة أدخنة وفي الكثرة دخنان نحو غراب وأغربة وغربان، وشذوا في جمعه على فواعل فقالوا: دواخن كأنه جمع داخنة تقديراً، وقرينة التجوز فيه هنا حالية كما ستعلمه إن شاء الله تعالى من الخبر. والمراد باليوم مطلق الزمان وهو مفعول به لارتقب أو ظرف له والمفعول محذوف أي ارتقب وعد الله تعالى في ذلك اليوم وبالسماء جهة العلو، وإسناد الإتيان بذلك إليهما من قبيل الإسناد إلى السبب لأنه يحصل بعدم إمطارها ولم يسند إليه عز وجل مع أنه سبحانه الفاعل حقيقة ليكون الكلام مع سابقه المتضمن إسناد ما هو رحمة إليه تعالى شأنه على وزان قوله تعالى: {أية : أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الفاتحة: 7] وتفسير الدخان بما فسرناه به مروي عن قتادة وأبـي العالية والنخعي والضحاك ومجاهد ومقاتل وهو اختيار الفراء والزجاج. وقد روي بطرق كثيرة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أخرج أحمد والبخاري وجماعة عن مسروق قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: إني تركت رجلاً في المسجد يقول في هذه الآية {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ } الخ: يغشى الناس قبل يوم القيامة دخان، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن منه كهيئة الزكام فغضب وكان متكئاً فجلس ثم قال: من علم منكم علماً فليقل به، ومن لم يكن يعلم فليقل الله تعالى أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله تعالى أعلم، وسأحدثكم عن الدخان إن قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبطؤا عن الإسلام قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينه كهيئة الدخان من الجوع، فأنزل الله تعالى: {أية : فَٱرْتَقِبْ}تفسير : [الدخان:11] إِلَى {أية : أَلِيمٌ}تفسير : [الدخان: 11] فأتى النبـي صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله استسق الله تعالى لمضر فاستسقى لهم عليه الصلاة والسلام، فسقوا فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } تفسير : [الدخان: 15] الخبر. وفي رواية أخرى صحيحة أنه قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس إدباراً قال: اللهم سبعاً كسبع يوسف فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سفيان وناس من أهل مكة فقالوا: يا محمد إنك تزعم أنك قد بعثت رحمة وإن قومك قد هلكوا، فادع الله تعالى فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم / فسقوا الغيث فأطبقت عليهم سبعاً فشكا الناس كثرة المطر فقال: اللهم حوالينا ولا علينا فانحدرت السحابة عن رأسه فسقى الناس حولهم قال: فقد مضت آية الدخان وهو الجوع الذي أصابهم الحديث، وظاهره يدل كما في «تاريخ ابن كثير» على أن القصة كانت بمكة فالآية مكية. وفي بعض الروايات أن قصة أبـي سفيان كانت بعد الهجرة فلعلها وقعت مرتين، وقد تقدم ما يتعلق بذلك في سورة المؤمنين. وأخرج ابن أبـي حاتم من طريق أبـي لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج أنه قال في هذا الدخان: كان في يوم فتح مكة وفي «البحر» عنه أنه قال: {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَاء} وهو يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغبرة، وفي رواية ابن سعيد أن الأعرج يروي عن أبـي هريرة أنه قال: كان يوم فتح مكة دخان، وهو قول الله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } ويحسن على هذا القول أن يكون كناية عما حل بأهل مكة في ذلك اليوم من الخوف والذل ونحوهما. وقال علي كرم الله تعالى وجهه وابن عمر وابن عباس وأبو سعيد الخدري وزيد بن علي والحسن: إنه دخان يأتي من السماء قبل يوم القيامة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ ويعتري المؤمن كهيئة الزكام وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص. وأخرج ابن جرير عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً «أول الآيات الدجال ونزول عيسى ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدخان، قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } وقال: يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيكون بمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» فالدخان على ظاهره والمعنى فارتقب يوم ظهور الدخان. وحكى السفاريني في «البحور الزاخرة» عن ابن مسعود أنه كان يقول: هما دخانان مضى واحد والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يصيب المؤمن إلا بالزكمة وأما الكافر فيشق مسامعه فيبعث الله تعالى عند ذلك الريح الجنوب من اليمن فتقبض روح كل مؤمن ويبقى شرار الناس. ولا أظن صحة هذه الرواية عنه. وحمل ما في الآية على ما يعم الدخانين لا يخفى حاله. وقيل: المراد بيوم تأتي السماء الخ يوم القيامة فالدخان يحتمل أن يراد به الشدة والشر مجازاً وأن يراد به حقيقته. وقال الخفاجي: الظاهر عليه أن يكون قوله تعالى: {تَأْتِي ٱلسَّمَاء } إلى آخره استعارة تمثيلية إذ لا سماء لأنه يوم تشقق فيه السماء فمفرداته على حقيقتها، وأنت تعلم أنه لا مانع من القول بأن السماء كما سمعت أولاً بمعنى جهة العلو سلمنا أنها بمعنى الجرم المعروف لكن لا مانع من كون الدخان قبل تشققها بأن يكون حين يخرج الناس من القبور مثلاً بل لا مانع من القول بأن المراد من إتيان السماء بدخان استحالتها إليه بعد تشققها وعودها إلى ما كانت عليه أولاً كما قال سبحانه: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ } تفسير : [فصلت: 11] ويكون فناؤها بعد صيرورتها دخاناً. هذا والأظهر حمل الدخان على ما روي عن ابن مسعود أولاً لأنه أنسب بالسياق لما أنه في كفار قريش وبيان سوء حالهم مع أن في الآيات بعد ما هو أوفق به، فوجه الربط أنه سبحانه لما ذكر من حالهم مقابلتهم الرحمة بالكفران وأنهم لم ينتفعوا بالمنزل والمنزل عليه عقب بقوله تعالى شأنه: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ } الخ، للدلالة على أنهم / أهل العذاب والخذلان لا أهل الإكرام والغفران.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على جملة { أية : بل هم في شك يلعبون } تفسير : [الدخان: 9] قُصد منه وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بانتقام الله من مكذبيه، ووعيد المشركين على جحودهم بدلائل الوحدانية وصدق الرسول وعكوفهم على اللعب، أي الاستهزاء بالقرآن والرسول، وذكر له مخوفات للمشركين لإعدادهم للإيمان وبطشةُ انتقام من أيمتهم تستأصلهم. فالخطاب في {ارتقبْ} للنبيء صلى الله عليه وسلم والأمر مستعمل في التثبيت. والارتقاب: افتعال من رقَبَه، إذا انتظره، وإنما يكون الانتظار عند قرب حصول الشيء المنتظر. وفعل (ارتقب) يقتضي بصريحه أن إتيان السماء بدخان لم يكن حاصلاً في نزول هذه الآية، ويقتضي كنايةً عن اقتراب وقوعه كما يُرتقب الجائي من مكان قريب. و{يوم} اسم زمان منصوب على أنه مفعول به لــ(ارتقب) وليس ظرفاً وذلك كقوله تعالى: { أية : يخافون يوماً } تفسير : [النور: 37]، وهو مضاف إلى الجملة بعده لتمييز اليوم المراد عن بقية الأيام بأنه الذي تأتي فيه السماء بدخان مبين فنصب {يومَ} نصب إعراب ولم ينون لأجل الإضافة. والجملة التي يضاف إليها اسم الزمان تستغني عن الرابط لأن الإضافة مغنية عنه. ولأن الجملة في قوة المصدر. والتقدير: فارتقب يوم إتيان السماء بدخان. وأطلق اليوم على الزمان فإن ظهور الدخان كان في أيامٍ وشهور كثيرة. والدخان: ما يتصاعد عند إيقاد الحَطب، وهو تشبيه بليغ، أي بمثل دخان. والمبين: البين الظاهر، وهو اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بَان. والمعنى: أنه ظاهر لكل أحد لا يُشك في رؤيته. وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: الدخان في الآية هو: الغبار الذي يتصاعد من الأرض من جراء الجفاف وأن الغبار يسمّيه العرب دُخَاناً وهو الغبار الذي تثيره الرياح من الأرض الشديدة الجفاف. وعن الأعرج: أنه الغبار الذي أثارته سنابك الخيل يوم فتح مكة فقد حجبت الغبرة السماء، وإسناد الإتيان به إلى السماء مجاز عقلي لأن السماء مكانه حين يتصاعد في جو السماء أو حين يلوح للأنظار منها. والكلام يؤذن بأن هذا الدخان المرتقب حادث قريب الحصول، فالظاهر أنه حَدث يكون في الحياة الدنيا، وأنه عقاب للمشركين. فالمراد بالنّاس من قوله: {يغشى الناس} هم المشركون كما هو الغالب في إطلاق لفظ الناس في القرآن، وأنه يُكشف زمناً قليلاً عنهم إعذاراً لهم لعلهم يؤمنون، وأنهم يعودون بعد كشفه إلى ما كانوا عليه، وأن الله يعيده عليهم كما يؤذن بذلك قوله: { أية : إنّا كاشفوا العذاب قليلاً } تفسير : [الدخان: 15]. وأما قوله: { أية : يوم نبطش البطشة } تفسير : [الدخان: 16] فهو عذاب آخر. وكل ذلك يؤذن بأن العذاب بالدخان يقع في الدنيا وأنه مستقبل قريب، وإذ قد كانت الآية مكية تعيّن أن هذا الدخان الذي هو عذاب للمشركين لا يصيب المؤمنين لقوله تعالى: { أية : وما كان الله لِيُعذِّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون } تفسير : [الأنفال: 33] فتعيّن أن المؤمنين يوم هذا الدخان غير قاطنين بدار الشرك، فهذا الدخان قد حصل بعد الهجرة لا محالة وتعيّن أنه قد حصل قبل أن يسلم المشركون الذين بمكة وما حولها فيتعيّن أنه حصل قبل فتح مكة أو يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال. والأصح أن هذا الدخان عُني به ما أصاب المشركين من سِنِي القحط بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. والأصح في ذلك حديث عبد الله بن مسعود في «صحيح البخاري» عن مسلم وأبي الضحى عن مسروق قال: دخلتُ على عبد الله بن مسعود فقال: إنَّ قريشاً لما غَلَبوا على النبي صلى الله عليه وسلم واستعصوا عليه قال: اللّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سَنة أكلوا فيها العظام والميتةَ من الجَهْد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: استسقِ لمُضر أن يكشف عنهم العذاب، فدعا فكشف عنهم وقال الله له: إنْ كشفنا عنهم العذاب عَادوا، فعادُوا: فانتقم الله منهم يومَ بدر فذلك قوله تعالى: { أية : فارتقب يوم تأتي السماء بدخانٍ مبينٍ } تفسير : [الدخان: 10]إلى قوله { أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } تفسير : [الدخان: 16] والبطشة الكبرى يوم بدر. وإن عبَد الله قال: مَضى خمس: الدخانُ، والرومُ والقَمَرُ والبطشة واللِّزَام. في حديث أبي هريرة في «صحيح البخاري» في أبواب الاستسقاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من الصبح يقول: « حديث : اللهم أنْج عياش بن أبي ربيعة. اللّهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدُدْ وطْأتَك على مُضَر، اللهم اجعلها عليهم سنينَ كسنينِ يوسُف "تفسير : . وهؤلاء الذين دعا لهم بالنجاة كانوا ممن حبسهم المشركون بعد الهجرة، وكل هذه الروايات يؤذن بأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين بالسنين كان بعد الهجرة لئلا يعذب المسلمون بالجوع وأنه كان قبل وقعة بدر، وفي بعض روايات القنوت أنه دعا في القنوت على بني لحيان وعُصيَّة. والذي يستخلص من الروايات أن هذا الجوع حلّ بقريش بُعيد الهجرة، وذلك هو الجوع الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: « حديث : اللّهم أعِنِّي عليهم بسبَعٍ كسَبْعِ يُوسف » تفسير : ، وفي رواية « حديث : اللّهم اشْدُدْ وَطْأتَك على مُضر، اللهم اجعلها عليهم سِنين كسنينِ يوسف » تفسير : فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له: استسق لِمُضَر وفي رواية عن مسروق عن ابن مسعود في «صحيح البخاري» أن الذي أتى النبي هو أبُو سفيان. وقال المفسرون: إن أبا سفيان أتاه في ناس من أهل مكة يعني أتوا المدينة لمَّا علموا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان دعا عليهم بالقحط، فقالوا: إن قومك قد هلَكُوا فادع الله أن يسقيهم فدعا. وعلى هذه الرواية يكون قوله تعالى: {يوم تأتي السماء بدخان مبين} تمثيلاً لهيئة ما يراه الجائعون من شبه الغِشاوة على أبصارهم حين ينظرون في الجوّ بهيئة الدخان النازل من الأفق، فالمجاز في التركيب. وأما مفردات التركيب فهي مستعملة في حقائقها لأن من معاني السماء في كلام العرب قُبة الجو، وتكون جملة {يغشى الناس} ترشيحاً للتمثيلية لأن الذي يغشاهم هو الظلمة التي في أبصارهم من الجوع، وليس الدخانَ هو الذي يغشاهم. وبعض الروايات ركب على هذه الآية حديثَ الاستسقاء الذي في «الصحيح» أن رجلاً جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال: يا رسول الله هلك الزرع والضرع فادعُ الله أن يسقينا فرفع يديه وقال: اللّهم اسقنَا ثلاثاً، وما يُرَى في السماء قَزَعَةُ سحاب، فتلبدت السماء بالسحاب وأمطروا من الجمعة إلى الجمعة حتى سالت الأودية وسال وادي قَنَاة شهراً، فأتاه آت في الجمعة القابلة هو الأول أو غيره، فقال: يا رسول الله تقطعت السبل فادع الله أن يمسك المطر عنا، فقال: اللّهم حَوَالَينا ولا علينا، فتفرقت السحب حتى صارت المدينة في شبه الإكليل من السحاب. والجمع بين الروايتين ظاهر. ويظهر أن هذا القحط وقع بعد يوم بدر فهو قحط آخر غير قحط قريش الذي ذكر في هذه الآية. ومعنى {يغشى الناس} أنه يحيط بهم ويعمّهم كما تحيط الغَاشية بالجسد، أي لا ينجو منه أحد من أولئك الناس وهم المشركون. فإن كان المراد من الدخان ما أصاب أبصارهم من رؤية مثل الغبرة من الجوع فالغشيان مجاز، وإن كان المراد منه غبار الحرب يوم الفتح فالغشيان حقيقة أو مجاز مشهور. ويجوز أن يكون غباراً متصاعداً في الجو من شدة الجفاف. وقوله: {هذا عذاب أليم} قال ابن عطية يجوز أن يكون إخباراً من جانب الله تعالى تعجيباً منه كما في قوله تعالى في قصة الذبيح { أية : إنَّ هذا لهوَ البلاء المبين } تفسير : [الصافات: 106]. ويحتمل أن يكون ذلك من قول الناس الذين يغشاهم العذاب بتقدير: يقولون: هذا عذاب أليم. والإشارة في {هذا عذاب أليم} إلى الدخان المذكور آنفاً، عُدل عن استحضاره بالإضمار وأن يقال: هو عذاب أليم، إلى استحضاره بالإشارة، لتنزيله منزلة الحاضر المشاهد تهويلاً لأمره كما تقول: هذا الشتاء قادم فأعدَّ له. وقريب منه الأمر بالنظر في قوله تعالى: { أية : انظر كيف كذبوا على أنفسهم } تفسير : [الأنعام: 24] فإن المحكي مما يحصل في الآخرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: فارتقب: أي انتظر. بدخان مبين: أي هو ما كان يراه الرجل من قريش لشدة الجوع بين السماء والأرض من دخان. يغشى الناس: أي يغشى أبصارهم من شدة الجهد الناتج عن الجوع الشديد. ربنا اكشف عنا العذاب: أي يا ربنا إن كشفت عنا العذاب آمنا بك وبرسولك. أنى لهم الذكرى: أي من أي وجه يكون لهم التذكر والحال أنه قد جاءهم رسول مبين فتولوا عنه وقالوا معلم مجنون. معلم مجنون: أي أنه يعلمه القرآن بشر مجنون أي مختلط عليه أمره غير مدرك لما يقول. إنكم عائدون: أي إلى الكفر والجحود. البطشة الكبرى: أي الآخذة القوية التي أخذناهم بها يوم بدر حيث قتلوا وأسروا. معنى الآيات: قوله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ} الآية نزلت بعد أن دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قريش يوم كثر استهزاؤهم به وسخريتهم منه وبما جاء به من الدين الحق فقال اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف أي سبع سنين من القحط والجدب فأمره ربه أن ينتظر ذلك فقال له فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب آليم، واستجاب تعالى لرسوله وأصاب قريشاً بقحط وجدب ماتت فيه مواشيهم وأصابهم جوع أكلوا فيه العهن وشربوا فيه الدم، وكان الرجل يرفع رأسه إلى السماء فلا يرى إلا دخانا يغشى بصره من شدة الجوع، حتى ضرعوا إلى الله وبعثوا إلى الرسول يطلبون منه أن يدعو الله تعالى أن يرفع عنهم هذا العذاب وهو معنى قوله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ} أي برسولك وبما جاء به من الهدى والدين الحق. وقوله تعالى: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} أي ومن أين يأتيهم التذكر فينيبوا إلى ربهم ويسلموا له، والحال أنه قد جاء رسول مبين للحق مظهر له فعرفوه أنه رسول حق وصدق ثم تولوا عنه أي أعرضوا عنه وعما جاء به وقالوا معلم أي هو رجل يعلمه غيره الذي يقوله ولم يكن رسولا وقالوا مجنون فلذا تذكرهم وتوبتهم مستبعدة جداً، وقوله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} وفعلاً كشف الله عنهم عذاب المخمصة ونزل الغيث بديارهم وسعدت بلادهم بعد شقاء دام سبع سنوات، وعادوا إلى الشرك وحرب الإسلام والمسلمين. وقوله تعالى: {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} أي وارتقب يا رسولنا {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ}، وكان ذلك ببدر حيث انتقم الله منهم فقتل رجالهم بل صناديدهم وأسر من أسر منهم، وكانت بطشة لم تعرفها قريش قط. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- صدق وعد الله لرسوله واستجابة دعائه صلى الله عليه وسلم. 2- الإيمان عند معاينة العذاب لا يجدي ولا ينفع. 3- بيان ما قابلت به قريش دعوة الإسلام من جحود وكفران. 4- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك آية أنه وحي الله وكلامه تعالى.

القطان

تفسير : فارتقب: فانتظر. الدخان: الدخان المعروف الناشئ عن النار. يغشى الناسَ: يحيط بهم. اكشفْ عنا: ارفع عنا. أنّى لهم الذكرى: كيف يتذكرون ويتعظون. وقالوا معلَّم: يعلمه بعض الناس. البطش: الأخذ الشديد. فتنّا: بلونا، وامتحنا. أدوا اليَّ عباد الله: اعطوني عباد الله وأطلقوهم. لا تعلوا على الله: لا تستكبروا. بسلطان مبين: بحجة واضحة. عُذت بربي وربكم: التجأت اليه وتوكّلتُ عليه. انتظِر ايها الرسولُ يومَ القيامة حين تأتي السماءُ بدخانٍ واضحٍ يعمُّ الناسَ ويغطّيهم، فيقولون: ربنا اكشِف عنا العذابَ قد آمنا بدِينك. إن إيمانَهم لن ينفعَهم في ذلك اليوم، وقد جاءهم رسولُ الله بالرسالة الواضحة الصادقة، فكفروا به، وقالوا إنه مجنونٌ يعلّمه بعضُ الناس القرآنَ الذي يتلوه علينا. وهنا يردّ الله تعالى عليهم: إنا سنرفعُ عنكم العذاب، وإنكم تعيشون الآن فرصةً قبل يوم القيامة فآمِنوا، إنكم ستعودون الى كُفركم وما كنتم عليه بعد سماعكم الآيات. فاذكر ايها الرسولُ يومَ تأخذهم الأخْذَةُ الكُبرى بعنف وقوة، {إِنَّا مُنتَقِمُونَ} منهم في ذلك اليوم الرهيب. ولقد امتحنا قبل كفارِ مكة قومَ فرعونَ بالنعمةِ والسلطان واسباب الرخاء {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} فكفروا به عناداً. لقد طلب رسولنا من فرعون وقومه أن يؤْمنوا ويتركوا عباد الله ويُطلقوهم حتى يؤمنوا ويعبدوا الله وقال لهم: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} مأمونٌ على ما أبلّغكم غير متَّهم فيه، فلا تتكبروا على الله بتكذيب رسوله، لأني آتيكم بحجّة واضحة على حقيقة ما ادعوكم اليه. {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} اني ألتجئ الى الله ربي وربكم ان لا تصِلوا اليَّ بسوءٍ من قول أو عمل. وان لم تصدّقوني فيما جئتكم به من عند الله {فَٱعْتَزِلُونِ} وخلُّوا سبيلي ولا ترجموني، ودعوا الأمرَ بيني وبينكم مسالمةً الى ان يقضيَ الله بيننا.

د. أسعد حومد

تفسير : (10) - قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ قُرَيشاً لَمَّا أَبْطَأَتْ عَنِ الإِسلامِ، وَاستَعْصَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، دَعا اللهَ أَنْ يُنزِلَ بِهِمْ سِنين كَسِنِّي يُوسُفَ، فَأَصَابَهُمْ جُوعٌ، وَجَهْدٌ عَظِيمَانِ، حَتَّى أَكَلُوا العِظَامَ وَالميتَةَ، وَجَعَلُوا يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ إِلَى السَّماءِ فَلاَ يَرَوْنَ إِلاَّ الدُّخَانَ، فَأَتى بَعْضُهُمْ إِلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتَسْقِ الله لِمُضَرَ فَإِنَّها قَدْ هَلَكَتْ، فَاسْتَسْقَى لَهُم فَسُقوا، فَلَمَّا كَشَفَ الله تَعَالَى عَنْهُمُ العَذَابَ عَادُوا إِلى حَالِهم الأَوَّلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه يُبيِّن أنه لن يترك هؤلاء الشَّاكِّينَ المكذِّبين لرسوله، اللاهين اللاعبين وأن لهم يوماً يقتصّ فيه منهم، فيقول صلى الله عليه وسلم {فَٱرْتَقِبْ} [الدخان: 10] انتظر {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 10] أي: دخان ظاهر وكثيف. والدخان: غازات تتداخل وتملأ الجو مثل الشبورة التي نراها في الصباح، ولكثافتها تؤدي إلى حَجْب الرؤية، لأن تداخلَ الذرات يسُد الفجوات التي ينفذ منها البصر، ثم تُسبب ضيقاً في الهواء وفي التنفس، فإذا جمعتَ عدم الرؤية مع ضيق التنفس تجد أن الكرْبَ عظيم لا يتحمله الإنسان. قالوا: إن الدخانَ هنا دلالةٌ على الجدب الذي أصابهم والقحط الذي نزل بهم، لأنهم لما بالغوا في تكذيب رسول الله واشتدُّوا في إيذائه وإيذاء أصحابه دعا عليهم وقال "حديث : اللهم اشْدُدْ وطأتَكَ على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسِني يوسف ". تفسير : فأصابهم القحط والجدب حتى أكلوا الجِيفَ والكلاب الميتة، حتى أكلوا العلهز وهو الصوف أو الوبر المخلوط بالدم الجاف. إلى أنْ ضجُّوا وذهبوا إلى رسول الله يطلبون منه أنْ يدعوَ الله لهم أنْ يكشف عنهم ما نزل بهم. وقد بيَّنَ الله لرسوله كذبهم، فلو كشفنا عنهم العذابَ فلسوف يعودون إلى ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب. ومعنى {يَغْشَى ٱلنَّاسَ} [الدخان: 11] يعني: يحيط بهم ويُغطيهم {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 11] لأنه يمنع عنهم الرؤية ويُضيق التنفس فيجأرون {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ} [الدخان: 12] والله يعلم أنهم كاذبون في هذه المقولة. لذلك يقول بعدها: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [الآية: 10]. يعني: الجدب وإِمساك المطر عن كفار قريش. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ} [الآية: 13]. يعني: التوبة بعد وقوع البلاءِ. وقد تولوا عن محمد، صلى الله عليه وسلم، {وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} [الآية: 14]. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} [الآية: 16]. يعني: يوم بدر. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} [الآية: 18]. يقول: أَرسلوا معي بني إِسرائيل. قال: هذا قول موسى، عليه السلام.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} معناه فانتظرْ يومَ تأتي السَّماءُ بِدُخانٍ مُّبينٍ.

الجيلاني

تفسير : {فَٱرْتَقِبْ} يا أكمل الرسل وانتظر لهم مترقباً بإلمام البلاء عليهم، بعدما أصروا على كفرهم وشركهم {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ} مظلم {مُّبِينٍ * يَغْشَى ٱلنَّاسَ} [الدخان: 10-11] يحيط بهم وينزل عليهم، فيتيقنوا أن {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان: 11] مؤلم ألم بهم. فيتضرعون حينئذ نحو الحق صارخين قائلين: {رَّبَّنَا ٱكْشِفْ} بفضلك وجودك {عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا} بعدما كشف عنا {مْؤْمِنُونَ} [الدخان: 12] موقنون بوحدانيتك، مصدقون بكتابك ورسولك، وذلك أن قريشاً لما بالغوا في استهزاء الرسول صلى الله عليه وسلم التهكم معه ومع ضعفاء المؤمنين، دعا عليهم صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : اللهم أعني عليهم بالسبع الشداد كسبع يوسف عليه السلام"تفسير : فأجاب الله دعاءه، فأخذه بالقحط، فأكلوا الميتة والجيفة، وهلك كثير منهم، فيغشاهم حينئذ دخان عظيم، يسمع كل منهم كلام صاحبه ولا يراه من ظلمة الدخان، وقالوا صارخين متضرعين: {هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا ٱكْشِفْ عَنَّا ٱلْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ} وكانوا عليه حتى جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنك قدئ جئت بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا من الجهد، فدعا لهم، فكشف الله عنهم جهدهم، ومع ذلك لم يوفوا بعهدهم الذي عهدوا، ولذلك رد الله عليهم بقوله: {أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكْرَىٰ} أي: من أين يتأتى منهم التذكر والاتعاض {وَقَدْ جَآءَهُمْ} لتكميلهم وإرشادهم {رَسُولٌ مُّبِينٌ} [الدخان: 13] ظاهر الفضل والعظمة أكمل من كل الرسل. {ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ} مدبرين وأعرضوا عن دعوته ودينه، مصرين على ما هم عليه {وَ} لم يقتصروا على مجرد التولي والإعراض، بل {قَالُواْ} في شأنه كلاماً يليق بعلو مكانه، حيث قال بعضهم أنه: {مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} [الدخان: 14] يعلمه بعض الأعجمين مع أنه أمي، وقال البعض الآخر: أنه مجنون مخبط مختل العقل يتكلم بكلام المجانين، مع أنه أعقل الناس وأرشدهم. ثم قال سبحانه على سبيل الإخبار والتنبيه لحبيبه صلى الله عليه وسلم بعدما دعا لهم بالكشف: {إِنَّا} من مقام عظيم جودنا معك يا أكمل الرسل {كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ} المحيط بهم بدعائك زمانا {قَلِيلاً} في دار الاختبار، إلا أنهم لم يوفوا بعهدهم الذي عهدوا معك لعراقتهم وانهماكهم في الكفر، ثم خاطبهم سبحانه مخبراً بما سيصدر عنهم فقال: {إِنَّكُمْ} وإن كشفنا العذاب عنكم أيها الضالون المكذبون {عَآئِدُونَ} [الدخان: 15] راجعون إلى كفركم وضلالكم غب الكشف والفرج، مبادرون على ما كنتم عليه. اذكر لهم يا أكمل الرسل {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ} أي: يوم نأخذهم وننتقم عن جرائهم وآثامهم في يوم القيامة والطامة الكبرى، كيف ينقذون أنفسهم من عذابنا الذي لا مرد له حينئذ {إِنَّا مُنتَقِمُونَ} [الدخان: 16] منهم ألبتة يومئذ.

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الدخان قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} [10] 501 - أخبرنا محمدُ بن العلاءِ، قال: حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن مسروق، قال عبد الله: إن قُريشاً لما استعصت ... على رسول الله صلى الله عليه وسلم، دعا عليهم بسنين كَسنّي يوسف، فأصابهم قحطٌ وجهدٌ، حتى أكلوا العِظام، وجعل (- يعني) الرجل ينظرُ إلى السماءِ، فيرى بينه وبينها كهيئة الدُخان من الجهد. فأنزل اللهُ (- عزَّ وجلَّ -): {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [10-11]. فأُتي رسول الله، فقيل: يا رسول الله، استسقِ الله لهم؛ فإنهم قد هلكوا، فاستسقى الله، فسقوا. فأنزل اللهُ (تعالى) {إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} [15] فعادوا إلى حالتهم التي كانوا عليها حين أصابتهم الرفاهيةُ، فأنزل اللهُ (تعالى): {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ} [16]. قال: يوم بدرٍ. 502 - أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدَّثنا خالدٌ - يعني: ابن الحارث، قال: حدَّثنا عبد الرحمن، قال: حدَّثنا فُراتٌ القزَّازُ، عن أبي الطُفيل، عن حُذيفة بن أسيدٍ، قال: حديث : اطَّلعنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "إن الساعة لا تقوم حتى تكون عشرٌ: الدُّخانُ، والدَّجَّالُ، وطلوعُ الشمسِ من مغربها، والدابةُ، وثلاثةُ خُسوفٍ - خسفٌ بالمشرقِ، وخسفٌ بالمغربِ، وخسفٌ في جزيرة العربِ -، ونُزُولُ عيسى بن مريم، وفتحُ يأجوج ومأجوج، ونارٌ تخرجُ من قعرةِ عدنٍ - تسوقُ الناسَ إلى المحشرِ ". تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ} [15] 503 - أخبرنا محمود بن غيلان، قال: حدثنا النضر بن شُميلٍ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن منصورٍ، وسليمان، عن أبي الضُّحي، عن مسروقٍ، أن عبد الله، قال:حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمَّا استعصت عليه قُريشٌ، قال: "اللَّهُمَّ أعني بسبعٍ كسبع يوسف"تفسير : ، فأخذتهم سنةٌ، فحصت كلَّ شيءٍ/ فأكلوا الجلود والميتة - وقال الآخرُ: الجلود والعظم - فجعل يخرجُ من الأرض كهيئة الدُخان. حديث : فجاء أبو سُفيان، فقال: إن قومك قد هلكوا، فادعُ الله لهمُ. فقال: "إن تعودوا نعد"تفسير : . فذلك قوله: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى ٱلنَّاسَ هَـٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [10-11]. (قال عبد الله: فهل يُكشفُ عذاب الآخرة؟) ثم قال عبد الله: إن الدُّخان قد مضى. 504 - أخبرنا أبو داود، قال: حدَّثنا أبو النُّعمان، قال: حدَّثنا ثابتٌ، قال: حدَّثنا هلالٌ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ - وقال أبو جهلٍ: أيُخوفنا محمدٌ بشجرةِ الزقُّوم؟! هاتوا تمراً وزُبداً، فتزقَّمُوا.

همام الصنعاني

تفسير : 2803- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن أبي الضّحى، عن مَسْرُوق في قوله: {يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}: [الآية: 10]، قال مسروق: كُنَّا جُلُوساً عند عَبْدِ الله بن معسود، فجاء رجل فقال: سَمِعْتُ رجُلاً آنفاً عند أبواب كندة يقول: إنَّهُ سيأتي على النَّاسِ دُخَانٌ يأخذ بأنْفاس الكفارِ، ويكون على المؤمنين كهيئة الزكمة فغضب ابن مَسْعُودٍ، فقال: يا أيها الناسُ، مَنْ عَلِمَ منكم شيئاً فَلْيَقُل ما يَعْلَمُ، ومَنْ لَمْ يَعْلم، فَلْيَقُلْ اللهُ أَعْلَمُ، فإنَّ اللهَ قالَ لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ ٱلْمُتَكَلِّفِينَ}تفسير : [ص: 86] إنَّ قريشاً لما آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وكَذَّبوه، دَعا عليهم فقال: الله خذهُمْ بسنين كَسِني يُوسُفَ، فأخذتهم سنة أهلكت كلَّ شيءٍ حَتَّى أصَابَهُمْ جوع شَديدٌ، وجُهْدٌ حتى أكلوا الميتة، فأكلوا القَضَب، وحتى جَعَلَ أحَدُهُمْ يُخَيَّلُ إليه أنه يرى ما بينه وبين السَّمَاء دُخَاناً، فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد، إنك بُعِثْتَ بالرحمة والعافية والخير، وإنَّ قَوْمَكِ قد هَلَكُّوا، ثم تلا ابن مسْعُود: {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} حتى بلغ: {كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ قَلِيلاً} [الآيات: 10-15]، قال: أَفَيْكْشَفُ عذاب الآخِرَةِ، ثم قرأ: {يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ}: [الآية: 16]، قال: هذا يَوْمُ بدْرٍ، واللزم: القتل يوم بدر، وقَدْ مَضَى هذا كله ، وآية الرُّومُ قَدْ مَضَتْ. 2804- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا إسرائيل بن يُونُس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: آية الدخان لم تمضِ بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينتفخ الكافِرَ حَتَّى ينفد. 2805- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أو سمعته يَقُولُ: دَخَلْتُ علَى ابن عبَّاسٍ يَوْماً فقال لي: لَمْ أنَمْ البَارِحَةَ حتَّى أصْبَحْت، فقلت: لِمَ؟ فَقَالَ: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب (فَخَشِيْتُ) الدخان قد طرق، فوالله ما نِمْتُ حَتَّى أصبحْتُ. 2806- حدثنا عبد الرزاق، عن معْمر، عن قَتَادة، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بادِروا بالأَعْمال سِتّاً: طلوع الشمس، من مَغْرِبِها، والدَّجَّال، والدُّخان، ودابّة الأرض، و(خُوَيْصَة) أحدكم، وأمر العامة يوم القيامة ". تفسير : 2807- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ}:" [الآية: 15]، قال: عائدنَ إلى (عذاب الله).