Verse. 4431 (AR)

٤٤ - ٱلدُّخَان

44 - Ad-Dukhan (AR)

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَہُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ جَاۗءَہُمْ رَسُوْلٌ كَرِيْمٌ۝۱۷ۙ
Walaqad fatanna qablahum qawma firAAawna wajaahum rasoolun kareemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد فتنا» بلونا «قبلهم قوم فرعون» معه «وجاءهم رسول» هو موسى عليه السلام «كريم» على الله تعالى.

17

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أن كفار مكة مصرون على كفرهم، بين أن كثيراً من المتقدمين أيضاً كانوا كذلك، فبين حصول هذه الصفة في أكثر قوم فرعون، قال صاحب «الكشاف» قرىء، {وَلَقَدْ فَتَنَّا } بالتشديد للتأكيد قال ابن عباس ابتلينا، وقال الزجاج بلونا، والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم {وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } وهو موسى واختلفوا في معنى الكريم ههنا فقال الكلبي كريم على ربه يعني أنه استحق على ربه أنواعاً كثيرة من الإكرام، وقال مقاتل حسن الخلق وقال الفراء يقال فلان كريم قومه لأنه قل ما بعث رسول ألا من أشراف قومه وكرامهم. ثم قال: {أَنْ أَدُّواْ إِلَي عِبَاد ٱللَّهِ } وفي أن قولان الأول: أنها أن المفسرة وذلك لأن مجيء الرسول إلى من بعث إليهم متضمن لمعنى القول لأنه لا يجيئهم إلا مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله الثاني: أنها المخففة من الثقيلة ومعناه وجاءهم بأن الشأن والحديث أدواء، وعباد الله مفعول به وهم بنو إسرائيل يقول أدوهم إلي وأرسلوهم معي وهو كقوله { أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ وَلاَ تُعَذّبْهُمْ } تفسير : [طه: 47] ويجوز أيضاً أن يكون نداء لهم والتقدير: أدوا إلى عباد الله ما هو واجب عليكم من الإيمان، وقبول دعوتي، وأتباع سبيلي، وعلل ذلك بأنه {رَسُولٌ أَمِينٌ } قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته وأن لا تعلوا أن هذه مثل الأول في وجهيها أي لا تتكبروا على الله بإهانة وحيه ورسوله {إني آتيكم بسلطان مبين } بحجة بينة يعترف بصحتها كل عاقل {وَإِنّي عُذْتُ بِرَبّي وَرَبّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ } قيل المراد أن تقتلون وقيل {أَن تَرْجُمُونِ } بالقول فتقولوا ساحر كذاب {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي } أي إن لم تصدقوني ولم تؤمنوا بالله لأجل ما أتيتكم به من الحجة، فاللام في لي لام الأجل {فَٱعْتَزِلُونِ } أي اخلوا سبيلي لا لي ولا علي. قل مصنف الكتاب رحمه الله تعالى: إن المعتزلة يتصلفون ويقولون إن لفظ الاعتزال أينما جاء في القرآن كان المراد منه الاعتزال عن الباطل لا عن الحق، فاتفق حضوري في بعض المحافل، وذكر بعضهم هذا الكلام فأوردت عليه هذه الآية، وقلت المراد الاعتزال في هذه الآية الاعتزال عن دين موسى عليه السلام وطريقته وذلك لا شك أنه اعتزال عن الحق فانقطع الرجل. ثم قال تعالى: {فَدَعَا رَبَّهُ } الفاء في فدعا تدل على أنه متصل بمحذوف قبله التأويل أنهم كفروا ولم يؤمنوا فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قوم مجرمون، فإن قالوا الكفر أعظم حال من الجرم، فما السبب في أن جعل صفة الكفار كونهم مجرمين حال ما أراد المبالغة في ذمهم؟ قلت لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه وقد يكون مجرماً في دينه وقد يكون فاسقاً في دينه فيكون أخس الناس، قال صاحب «الكشاف» قرىء (إن هؤلاء) بالكسر على إضمار القول أي فدعا ربه فقال: إن هؤلاء قوم مجرمون. ثم قال: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً } قرأ بن كثير ونافع {فَأَسْرِ } موصولة بالألف والباقون مقطوعة لألف سرى وأسرى لغتان أي أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون، أي يتبعكم فرعون وقومه ذلك سبباً لهلاكهم {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً } وفي الرهو قولان أحدهما: أنه الساكن يقال عيش راه إذا كان خافضاً وادعاً، وافعل ذلك سهواً رهواً أي ساكناً بغير تشدد، أراد موسى عليه السلام لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق كما كان فأمره الله تعالى بأن يتركه ساكناً على هيئته قاراً على حاله في انفلاق الماء وبقاء الطريق يبساً حتى تدخله القبط فإذا حصلوا فيه أطبقه الله عليهم والثاني: أن الرهو هو الفرجة الواسعة، والمعنى ذا رهو أي ذا فرجة يعني الطريق الذي أظهره الله فيما بين لبحر أنهم جند مغرقون، يعني اترك الطريق كما كان يدخلوا فيغرقوا، وإنما أخبره الله تعالى بذلك حتى يبقى فارغ القلب عن شرهم وإيذائهم. ثم قال تعالى: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } دلت هذه الآية على أنه تعالى أغرقهم، ثم قال بعد غرقهم هذا الكلام، وبيّـن تعالى أنهم تركوا هذه الأشياء الخمسة، وهي الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم والمراد بالمقام الكريم ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة، وقيل المنابر التي كانوا يمدحون فرعون عليها {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـٰكِهِينَ } قال علماء اللغة نعمة العيش، بفتح النون حسنه ونضارته، ونعمة الله إحسانه وعطاؤه، قال صاحب «الكشاف» النعمة بالفتح من التنعم وبالكسر من الإنعام، وقرىء فاكهين وفكهين كذلك الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها وأورثناها أو في موضع الرفع على تقدير أن الأمر {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ } ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين ولا ولاء، وهم بنو إسرائيل كانوا مستعبدين في أيديهم فأهلكهم الله على أيديهم وأورثهم ملكهم وديارهم. ثم قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ } وفيه وجوه: الأول: قال الواحدي في «البسيط» روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل فيه عمله، فإذا مات فقداه وبكيا عليه » تفسير : وتلا هذه الآية، قال وذلك لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً فتبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء كلام طيب ولا عمل صالح فتبكي عليهم، وهذا قول أكثر المفسرين. القول الثاني: التقدير: فما بكت عليهم أهل السماء وأهل الأرض، فحذف المضاف والمعنى ما بكت عليهم الملائكة ولا المؤمنون، بل كانوا بهلاكهم مسرورين. والقول الثالث: أن عادة الناس جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأن: إنه أظلمت له الدنيا، وكسفت الشمس والقمر لأجله وبكت الريح والسماء والأرض، ويريدون المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكذب. ونقل صاحب «الكشاف»: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : ما من مؤمن مات في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض ». تفسير : وقال جرير: شعر : الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا تفسير : وفيه ما يشبه السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم، وكانوا يعتقدون في أنفسهم أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض، فما كانوا في هذا الحد، بل كانوا دون ذلك، وهذا إنما يذكر على سبيل التهكم. ثم قال: {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } أي لما جاء وقت هلاكهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبة وتدارك وتقصير.

القرطبي

تفسير : أي ٱبتليناهم. ومعنى هذه الفتنة والابتلاء الأمر بالطاعة. والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعثة موسى إليهم فكذبوا فأهلكوا؛ فهكذا أفعل بأعدائك يا محمد إن لم يؤمنوا. وقيل: فتنّاهم عذبناهم بالغرق. وفي الكلام تقديم وتأخير؛ والتقدير: ولقد جاء آلَ فرعون رسول كريم وفتنّاهم، أي أغرقناهم؛ لأن الفتنة كانت بعد مجيء الرسل. والواو لا ترتّب. ومعنى {كَرِيمٌ } أي كريم في قومه. وقيل: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح. وقال الفرّاء: كريم على ربّه إذ ٱختصه بالنبوّة وإسماع الكلام.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون، وهم قبط مصر، {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} يعني: موسى كليمه عليه الصلاة والسلام {أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} كقوله عز وجل: {أية : فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [طه: 47]. وقوله جل وعلا: { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: مأمون على ما أبلغكموه. وقوله تعالى: {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: لا تستكبروا عن اتباع آياته، والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه؛ كقوله عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَٰخِرِينَ} تفسير : [فاطر: 60]. {إِنِّىۤ ءَاتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجة ظاهرة واضحة، وهي ما أرسله الله تعالى به من الآيات البينات والأدلة القاطعات. { وَإِنِّى عُذْتُ بِرَبِّى وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} قال ابن عباس رضي الله عنهما وأبو صالح: هو الرجم باللسان، وهو الشتم. وقال قتادة: الرجم بالحجارة، أي: أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم من أن تصلوا إلي بسوء من قول أو فعل، { وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ} أي: فلا تتعرضوا لي، ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا. فلما طال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، وأقام حجج الله تعالى عليهم، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفراً وعناداً، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَٰلِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فَٱسْتَقِيمَا} تفسير : [يونس: 88 ــــ 89] وهكذا قال ههنا: { فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه، ولهذا قال جل جلاله: { فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 77]. وقوله عز وجل ههنا: { وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلاً بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم، فأمره الله تعالى أن يتركه على حاله ساكناً، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه، وأنه لا يخاف دركاً ولا يخشى، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً} كهيئته وامضه، وقال مجاهد: رهواً: طريقاً يبساً كهيئته. يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يرجع آخرهم، وكذا قال عكرمة والربيع بن أنس والضحاك وقتادة وابن زيد، وكعب الأحبار وسماك بن حرب وغير واحد. ثم قال تعالى: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ} وهي البساتين { وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ} والمراد بها الأنهار والآبار {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} وهي المساكن الأنيقة والأماكن الحسنة، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} المنابر، وقال ابن لهيعة عن وهب بن عبد الله المعافري عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله تعالى له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلله له، فإذا أراد الله عز وجل أن يجري نيل مصر، أمر كل نهر أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله تبارك وتعالى له الأرض عيوناً، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله جل وعلا، أوحى الله تعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره، وقال في قول الله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ}تفسير : [الشعراء: 57] { وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـٰكِهِينَ } قال: كانت الجنان بحافتي نهر النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعاً، ما بين أسوان إلى رشيد، وكان له تسعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى، متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزرع ما بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعاً لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها. { وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـٰكِهِينَ} أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها، فيأكلون ما شاؤوا، ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، وفارقوا الدنيا، وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} تفسير : [الشعراء: 59]. وقال في هذه الآية الأخرى {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىۤ إِسْرءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ} تفسير : [الأعراف: 137]. وقال عز وجل ههنا: { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ} وهم بنو إسرائيل كما تقدم. وقوله سبحانه وتعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله تعالى فيها ففقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا؛ لكفرهم وإجرامهم وعتوهم وعنادهم. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني يزيد الرقاشي، حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات، فقداه وبكيا عليه»تفسير : . وتلا هذه الآية: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملاً صالحاً يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب، ولا عمل صالح، فتفقدهم فتبكي عليهم، ورواه ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي، وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن طلحة، حدثني عيسى بن يونس عن صفوان بن عمرو عن شريح بن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ. ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض» تفسير : ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} ثم قال: «حديث : إنهما لا يبكيان على الكافر»تفسير : وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد، يعني: الزبيري، حدثنا العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل علياً رضي الله عنه: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من قبلك، إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض، ومصعد عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في السماء، ثم قرأ علي رضي الله عنه { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ}. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غنام عن زائدة عن منصور عن منهال عن سعيد بن جبير قال: أتى ابن عباس رضي الله عنهما رجل فقال: يا أبا العباس أرأيت قول الله تعالى: { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال رضي الله عنه: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء، منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن، فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، ففقده، بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله عز وجل فيها، بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله عز وجل منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض، وروى العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما نحو هذا. وقال سفيان الثوري عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحاً، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد، وقال مجاهد أيضاً: ما مات مؤمن، إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، قال: فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟ وقال قتادة: كانوا أهون على الله عز وجل من أن تبكي عليهم السماء والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد السلام بن عاصم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا المستورد بن سابق عن عبيد المكتب عن إبراهيم قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين، قلت لعبيد: أَليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه حيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء السماء! قلت: لا. قال: تحمر وتصير وردة كالدهان، إن يحيى بن زكريا عليه الصلاة والسلام لما قتل، احمرت السماء، وقطرت دماً، وإن الحسين بن علي رضي الله عنهما لما قتل، احمرت السماء. وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو زنيج، حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، احمرت آفاق السماء أربعة أشهر، قال يزيد: واحمرارها بكاؤها، وهكذا قال السدي في الكبير، وقال عطاء الخراساني: بكاؤها أن تحمر أطرافها. وذكروا أيضاً في مقتل الحسين رضي الله عنه أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط، وأنه كسفت الشمس، واحمر الأفق، وسقطت حجارة، وفي كل من ذلك نظر، والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم، ليعظموا الأمر، ولا شك أنه عظيم، ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه، وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين رضي الله عنه، ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو أفضل منه بالإجماع، ولم يقع شيء من ذلك، وعثمان ابن عفان رضي الله عنه قتل محصوراً مظلوماً، ولم يكن شيء من ذلك. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة، يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم خسفت الشمس فقال الناس: خسفت لموت إبراهيم فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، وخطبهم، وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته. وقوله تبارك وتعالى: { وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ } يمتن عليهم تعالى بذلك حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله لهم، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة. وقوله تعالى: {مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً} أي: مستكبراً جباراً عنيداً؛ كقوله عز وجل: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 4] وقوله جلت عظمته: {أية : فَٱسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً عَـالِينَ} تفسير : [المؤمنون: 46]: من المسرفين، أي: مسرف في أمره، سخيف الرأي على نفسه. وقوله جل جلاله: { وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال مجاهد: {ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} على من هم بين ظهريه. وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك، وكان يقال: إن لكل زمان عالماً، وهذا كقوله تعالى: {أية : قَالَ يَٰمُوسَىٰ إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأعراف: 144] أي: أهل زمانه ذلك؛ كقوله عز وجل لمريم عليها السلام: {أية : وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 42] أي: في زمنها؛ فإن خديجة رضي الله عنها إما أفضل منها، أو مساوية لها في الفضل، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وفضل عائشة رضي الله عنها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. وقوله جل جلاله: {وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلأَيَـٰتِ} أي: الحجج والبراهين وخوارق العادات {مَا فِيهِ بَلَٰؤٌاْ مُّبِينٌ} أي: اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا } بلونا {قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ } معه {وَجَاءهُمْ رَسُولٌ } هو موسى عليه السلام {كَرِيمٌ } على الله تعالى.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ } أي: ابتليناهم، ومعنى الفتنة هنا: أن الله سبحانه أرسل إليهم رسله، وأمروهم بما شرعه لهم، فكذبوهم، أو وسع عليهم الأرزاق، فطغوا وبغوا. قال الزجاج: بلوناهم، والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسل إليهم، وقرىء (فتنا) بالتشديد {وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } أي: كريم على الله كريم في قومه، وقال مقاتل: حسن الخلق بالتجاوز، والصفح. وقال الفراء: كريم على ربه إذا اختصه بالنبوّة {أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ } "أن" هذه هي المفسرة لتقدّم ما هو بمعنى القول، ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، والمعنى: أن الشأن، والحديث أدّوا إليّ عباد الله، ويجوز أن تكون مصدرية، أي: بأن أدّوا؛ والمعنى: أنه طلب منهم أن يسلموا إليه بني إسرائيل. قال مجاهد: المعنى: أرسلوا معي عباد الله، وأطلقوهم من العذاب، فعباد الله على هذا مفعول به. وقيل المعنى: أدّوا إليّ عباد الله ما وجب عليكم من حقوق الله، فيكون منصوباً على أنه منادى مضاف. وقيل: أدّوا إليّ سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربكم. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } هو: تعليل لما تقدّم، أي: {رسول} من الله إليكم {أمين} على الرسالة غير متهم {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ } أي: لا تتجبروا، وتتكبروا عليه، بترفعكم عن طاعته، ومتابعة رسله، وقيل: لا تبغوا على الله، وقيل: لا تفتروا عليه، والأوّل أولى. وبه قال ابن جريج، ويحيـى بن سلام، وجملة {إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} تعليل لما قبله من النهي، أي: بحجة واضحة لا سبيل إلى إنكارها. وقال قتادة: بعذر بين. والأوّل أولى، وبه قال يحيـى بن سلام. قرأ الجمهور بكسر همزة {إِنّى }، وقرىء بالفتح بتقدير اللام {وَإِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ } استعاذ بالله سبحانه لما توعدوه بالقتل، والمعنى: من أن ترجمون. قال قتادة: ترجموني بالحجارة، وقيل: تشتمون، وقيل: تقتلون {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ } أي: إن لم تصدّقوني، وتقرّوا بنبوّتي، فاتركوني، ولا تتعرّضوا لي بأذى. قال مقاتل: دعوني كفافاً لا عليّ، ولا لي. وقيل: كونوا بمعزل عني، وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا، وقيل: فخلوا سبيلي، والمعنى متقارب. ثم لما لم يصدّقوه، ولم يجيبوا دعوته، رجع إلى ربه بالدعاء كما حكى الله عنه بقوله: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـؤُلاَء قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ } قرأ الجمهور بفتح الهمزة على إضمار حرف الجرّ، أي: دعاه بأن هؤلاء، وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى بن عمر بكسرها على إضمار القول، وفي الكلام حذف، أي: فكفروا فدعا ربه، والمجرمون: الكافرون، وسماه دعاء مع أنه لم يذكر إلا مجرّد كونهم مجرمين، لأنهم قد استحقوا بذلك الدعاء عليهم {فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً } أجاب الله سبحانه دعاءه، فأمره أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، يقال: سرى وأسرى لغتان، قرأ الجمهور: {فأسر} بالقطع. وقرأ أهل الحجاز بالوصل، ووافقهم ابن كثير، فالقراءة الأولى من أسرى، والثانية من سرى، والجملة بتقدير القول، أي: فقال الله لموسى أسر بعبادي {إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } أي: يتبعكم فرعون، وجنوده، وقد تقدّم في غير موضع خروج فرعون بعدهم {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً } أي: ساكناً، يقال: رها يرهو رهواً: إذا سكن لا يتحرّك. قال الجوهري: يقال: افعل ذلك رهواً، أي: ساكناً على هيئتك، وعيش راه، أي: ساكن، ورها البحر سكن، وكذا قال الهروي، وغيره، وهو المعروف في اللغة، ومنه قول الشاعر:شعر : والخيل تمرح رهوا في أعنتها كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد تفسير : أي: والخيل تمرح في أعنتها ساكنة، والمعنى: اترك البحر ساكناً على صفته بعد أن ضربته بعصاك، ولا تأمره أن يرجع كما كان ليدخله آل فرعون بعدك، وبعد بني إسرائيل، فينطبق عليهم، فيغرقون. وقال أبو عبيدة: رها بين رجليه يرهو رهواً، أي: فتح.. قال: ومنه قوله: {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً }، والمعنى: اتركه منفرجاً كما كان بعد دخولكم فيه، وكذا قال أبو عبيد: وبه قال مجاهد، وغيره. قال ابن عرفة: وهما يرجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف لفظاهما، لأن البحر إذا سكن جريه انفرج. قال الهروي: ويجوز أن يكون {رهواً} نعتاً لموسى، أي: سر ساكناً على هيئتك. وقال كعب، والحسن: {رهواً}: طريقاً. وقال الضحاك، والربيع: سهلاً. وقال عكرمة: يبساً كقوله: {أية : فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً } تفسير : [طه: 77] وعلى كل تقدير، فالمعنى: اتركه ذا رهو، أو اتركه رهواً على المبالغة في الوصف بالمصدر {إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } أي: إن فرعون، وقومه مغرقون. أخبر سبحانه موسى بذلك ليسكن قلبه، ويطمئن جأشه. قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف لقصد الإخبار بذلك، وقرىء بالفتح على تقدير لأنهم. {كَمْ } هي الخبرية المفيدة للتكثير، وقد مضى الكلام في معنى الآية في سورة الشعراء. قرأ الجمهور: {وَمَقَامٍ } بفتح الميم على أنه اسم مكان للقيام، وقرأ ابن هرمز، وقتادة، وابن السميفع، وروى عن نافع بضمها اسم مكان الإقامة {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـٰكِهِينَ } النعمة بالفتح: التنعم يقال: نعمه الله، وناعمه، فتنعم، وبالكسر: المنة، وما أنعم به عليك، وفلان واسع النعمة، أي: واسع المال ذكر معنى هذا الجوهري. قرأ الجمهور: {فاكهين} بالألف. وقرأ أبو رجاء، والحسن، وأبو الأشهب، والأعرج، وأبو جعفر، وشيبة: (فكهين) بغير ألف، والمعنى على القراءة الأولى: متنعمين طيبة أنفسهم، وعلى القراءة الثانية: أشرين بطرين. قال الجوهري: فكه الرجل بالكسر، فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحاً، والفكه أيضاً: الأشر البطر. قال: {وفاكهين} أي: ناعمين. وقال الثعلبي: هما لغتان كالحاذر، والحذر، والفاره والفره. وقيل: إن الفاكهة هو: المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الرجل بأنواع الفاكهة. {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً ءاخَرِينَ } الكاف في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف. قال الزجاج: أي: الأمر كذلك، ويجوز أن تكون في محل نصب، والإشارة إلى مصدر فعل يدلّ عليه تركوا، أي: مثل ذلك السلب سلبناهم إياها، وقيل: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، وقيل: مثل ذلك الإهلاك أهلكناهم. فعلى الوجه الأوّل يكون قوله: {وَأَوْرَثْنَـٰهَا } معطوفاً على {تَرَكُواْ }، وعلى الوجوه الآخرة يكون معطوفاً على الفعل المقدّر. والمراد بالقوم الآخرين: بنو إسرائيل، فإن الله سبحانه ملكهم أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصاروا لها وارثين، أي: أنها وصلت إليهم كما يصل الميراث إلى الوارث، ومثل هذا قوله: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا } تفسير : [الأعراف: 137] {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضُ } هذا بيان لعدم الاكتراث بهلاكهم. قال المفسرون: أي: إنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم به، ولم يصعد لهم إلى السماء عمل طيب يبكي عليهم به، والمعنى: أنه لم يصب بفقدهم وهلاكهم أحد من أهل السماء، ولا من أهل الأرض، وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء، والأرض، أي: عمت مصيبته، ومن ذلك قول جرير:شعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : ومنه قول النابغة:شعر : بكى حارث الحولان من فقد ربه وحوران منه خاشع متضائل تفسير : وقال الحسن: في الكلام مضاف محذوف، أي: ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة والناس. وقال مجاهد: إن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحاً، وقيل: إنه يبكي على المؤمن مواضع صلاته، ومصاعد عمله {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } أي: ممهلين إلى وقت آخر بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم، وشدّة عنادهم {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } أي: خلصناهم بإهلاك عدوّهم مما كانوا فيه من الاستعباد، وقتل الأبناء واستحياء النساء، وتكليفهم للأعمال الشاقة، وقوله: {مِن فِرْعَوْنَ } بدل من العذاب إما على حذف مضاف، أي: من عذاب فرعون، وإما على المبالغة كأنه نفس العذاب، فأبدل منه، أو على أنه حال من العذاب تقديره: صادراً من فرعون، وقرأ ابن عباس: (من فرعون)؟ بفتح الميم على الاستفهام التحقيري كما يقال لمن افتخر بحسبه، أو نسبه: من أنت؟ ثم بيّن سبحانه حاله، فقال: {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ } أي: عالياً في التكبر والتجبر من المسرفين في الكفر بالله، وارتكاب معاصيه كما في قوله: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [القصص: 4]. ولما بيّن سبحانه كيفية دفعه للضر عن بني إسرائيل بيّن ما أكرمهم به، فقال: {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي: اختارهم الله على عالمي زمانهم على علم منه باستحقاقهم لذلك، وليس المراد: أنه اختارهم على جميع العالمين بدليل قوله في هذه الأمة: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 110] وقيل: على كل العالمين لكثرة الأنبياء فيهم، ومحل {على علم} النصب على الحال من فاعل {اخترناهم} أي: حال كون اختيارنا لهم على علم منا، و{على العالمين} متعلق باخترناهم {وَءاتَيْنَـٰهُم مِنَ ٱلآيَـٰتِ } أي: معجزات موسى {مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ } أي: اختبار ظاهر، وامتحان واضح لننظر كيف يعملون. وقال قتادة: الآيات إنجاؤهم من الغرق، وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المنّ والسلوى لهم. وقال ابن زيد: الآيات هي: الشرّ الذي كفهم عنه، والخير الذي أمرهم به. وقال الحسن، وقتادة: البلاء المبين: النعمة الظاهرة كما في قوله: {أية : وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } تفسير : [الأنفال: 17]، ومنه قول زهير:شعر : فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو تفسير : والإشارة بقوله: {إِنَّ هَـؤُلآء } إلى كفار قريش، لأن الكلام فيهم، وقصة فرعون مسوقة للدلالة على استوائهم في الإصرار على الكفر {لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأوْلَىٰ } أي: ما هي إلا موتتنا الأولى التي نموتها في الدنيا، ولا حياة بعدها، ولا بعث، وهو معنى قوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } أي: بمبعوثين، وليس في الكلام قصد إلى إثبات موتة أخرى، بل المراد: ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية، قال الرازي: المعنى: أنه لا يأتينا من الأحوال الشديدة إلا الموتة الأولى، ثم أوردوا على من وعدهم بالبعث ما ظنوه دليلاً، وهو: حجة داحضة، فقالوا: {فَأْتُواْ بِـئَابَائِنَا } أي: ارجعوهم بعد موتهم إلى الدنيا {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فيما تقولونه، وتختبرونا به من البعث. ثم ردّ الله سبحانه عليهم بقوله: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } أي: أهم خير في القوّة والمنعة، أم قوم تبع الحميري الذي دار في الدنيا بجيوشه، وغلب أهلها، وقهرهم، وفيه وعيد شديد. وقيل: المراد بقوم تبع: جميع أتباعه لا واحد بعينه. وقال الفراء: الخطاب في قوله: {فَأْتُواْ بِـئَابَائِنَا } لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده كقوله: {أية : رَبّ ٱرْجِعُونِ } تفسير : [المؤمنون: 99]، والأولى أنه خطاب له، ولأتباعه من المسلمين والمراد بـ {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } عاد، وثمود، ونحوهم، وقوله: {أَهْلَكْنَـٰهُمْ } جملة مستأنفة لبيان حالهم، وعاقبة أمرهم، وجملة {إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } تعليل لإهلاكهم، والمعنى: أن الله سبحانه قد أهلك هؤلاء بسبب كونهم مجرمين، فإهلاكه لمن هو دونهم بسبب كونه مجرماً مع ضعفه، وقصور قدرته بالأولى. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَلَقَدْ فَتَنَّا } قال: ابتلينا {قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } قال: هو: موسى {أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ } أرسلوا معي بني إسرائيل {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ } قال: لا تعثوا {إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِين} قال: بعذر مبين {وَإِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ } قال: بالحجارة {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ } أي: خلوا سبيلي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله: {أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ ٱللَّهِ } قال: يقول: اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق، وفي قوله: {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ } قال: لا تفتروا وفي قوله: {أَن تَرْجُمُونِ } قال: تشتمون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله: {رَهْواً } قال: سمتا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً {رَهْواً } قال: كهيئة، وامضه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه أيضاً: أنه سأل كعباً عن قوله: {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً } قال: طريقاً. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس أيضاً قال: الرّهو: أن يترك كما كان. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أيضاً في قوله: {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } قال: المنابر. وأخرج ابن مردويه، عن جابر مثله. وأخرج الترمذي، وابن أبي الدنيا، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والخطيب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من عبد إلاّ وله بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات، فقداه، وبكيا عليه» تفسير : ، وتلا هذه الآية {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ } وذكر أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام صالح، فتفقدهم، فتبكي عليهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب نحوه من قول ابن عباس. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: يقال: الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، عن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، إلا بكت عليه السماء والأرض» تفسير : ، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ } ثم قال: حديث : إنهما لا يبكيان على كافر»تفسير : . وأخرج ابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر من طريق المسيب بن رافع، عن عليّ بن أبي طالب قال: إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض، ومصعد عمله من السماء، ثم تلا الآية. وأخرج ابن المبارك، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: إن الأرض لتبكي على ابن آدم أربعين صباحاً، ثم قرأ الآية. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم»تفسير : . وأخرجه أحمد، والطبراني، وابن ماجه، وابن مردويه عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله، وروي نحو هذا عن غيرهما من الصحابة، والتابعين.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَوْمَ فِرْعَوْنَ} أي ابتليناهم. {وَجَآءَهُمْ رَسُولُ كَرِيمٌ} وهو موسى بن عمران عليه السلام. وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: كريم على ربه، قاله الفراء. الثاني: كريم في قومه. الثالث: كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح. قوله عز وجل: {أَنْ أَدُّواْ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أي أرسلوا معي بني إسرائيل ولا تستعبدوهم، قاله مجاهد. الثاني: أجيبوا عباد الله خيراً، قاله أبو صالح. الثالث: أدوا إليَّ يا عباد الله ما وجب عليكم من حقوق الله، وهذا محتمل. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: أمين على أن أؤديه لكم فلا أتزيد فيه. الثاني: أمين على ما أستأديه منكم فلا أخون فيه. قوله عز وجل: {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى اللَّهِ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: لا تبغوا على الله، قاله قتادة. الثاني: لا تفتروا على الله، قاله ابن عباس، والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل، والافتراء بالقول. الثالث: لا تعظموا على الله، قاله ابن جريج. الرابع: لا تستكبروا على عباد الله، قاله يحيى. والفرق بين التعظيم والاستكبار أن التعظيم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر. {إِنِّي ءَاتِيكُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} فيه وجهان: أحدهما: بعذر مبين، قاله قتادة. الثالث: بحجة بينة، قاله يحيى. قوله عز وجل: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: لجأت إلى ربي وربكم. الثاني: استغثت. والفرق بينهما أن الملتجىء مستدفع والمستغيث مستنصر. قوله: {بَرَبِّي وَرَبِّكُمْ} أي ربي الذي هو ربكم. {أَن تَرْجُمُونِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بالحجارة، قاله قتادة. الثاني: أن تقتلوني، قاله السدي. الثالث: أن تشتموني بأن تقولوا ساحر أو كاهن أو شاعر، قاله أبو صالح. {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَاعْتَزِلُونِ} أي إن لم تؤمنوا بي وتصدقوا قولي فخلوا سبيلي وكفوا عن أذاي. قوله عز وجل: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً} فيه سبعة تأويلات: أحدها: سمتاً، قاله ابن عباس. الثاني: يابساً، قاله ابن أبي نجيح. الثالث: سهلاً، قاله الربيع. الرابع: طريقاً، قاله كعب والحسن. الخامس: منفرجاً، قاله مجاهد. السادس: غرقاً، قاله عكرمة. السابع: ساكناً، قاله الكلبي والأخفش وقطرب. قال القطامي: شعر : يمشين رهواً فلا الأعجاز خاذلةٌ ولا الصدور على الأعجاز تتكل تفسير : قال قتادة: لما نجا بنو إسرائيل من البحر وأراد آل فرعون أن يدخلوه خشي نبي الله موسى عليه السلام أن يدركوه فأراد أن يضرب البحر حتى يعود كما كان فقال الله تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً} أي طريقاً يابساً حتى يدخلوه. {إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} قال مقاتل: هو النيل، وكان عرضه يومئذٍ فرسخين، قال الضحاك: كان غرقهم بالقلزم وهو بلد بين مصر والحجاز. فإن قيل فليست هذه الأحوال في البحر من فعل موسى ولا إليه. قيل يشبه أن يكون الله تعالى قد أعلمه أنه إنْ ضرب البحر بعصاه ثانية تغيرت أحواله، فأمره أن يكف عن ضربه حتى ينفذ الله قضاءه في فرعون وقومه. وتأويل سهل بن عبد الله {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ} أي اجعل القلب ساكناً في تدبيري {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُّغْرَقُونَ} أي إن المخالفين قد غرقوا في التدبير. قوله عز وجل: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} الجنات البساتين. وفي العيون قولان: أحدهما: عيون الماء، وهو قول الجمهور. الثاني: عيون الذهب، قاله ابن جبير. {وَزُرُوعٍ} قيل إنهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أول مصر إلى آخرها، وكانت مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعاً لما دبروه وقدروه من قناطر وجسور. {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها المنابر، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد. الثاني: المساكن، قاله أبو عمرو والسدي، لمقام أهلها فيها. الثالث: مجالس الملوك لقيام الناس فيها. ويحتمل رابعاً: أنه مرابط الخيل لأنها أكرم مذخور لعدة وزينة. وفي الكريم ثلاثة أوجه: أحدها: هو الحسن، قاله سعيد بن جبير. الثاني: هو المعطي لديه كما يعطي الرجل الكريم صلته، قاله ابن عيسى. الثالث: أنه كريم لكرم من فيه، قاله ابن بحر. قوله عز وجل: {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} في النعمة هنا أربعة أوجه: أحدها: نيل مصر، قاله ابن عمر. الثاني: الفيّوم، قاله ابن لهيعة. الثالث: أرض مصر لكثرة خيرها، قاله ابن زياد. الرابع: ما كانوا فيه من السعة والدعة. وقد يقال نعمة ونِعمة بفتح النون وكسرها، وفي الفرق بينهما وجهان: أحدهما: أنها بكسر النون في الملك، وبفتحها في البدن والدين؛ قاله النضر بن شميل. الثاني: أنها بالكسر من المنة وهو الإفضال والعطية، وبالفتح من التنعم وهو سعة العيش والراحة، قاله ابن زياد. وفي {فاكهين} ثلاثة أوجه: أحدها: فرحين، قاله السدي. الثاني: ناعمين، قاله قتادة. الثالث: أن الفاكه هو المتمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الآكل بأنواع الفاكهة، قاله ابن عيسى. وقرأ يزيد بن القعقاع {فَكِهِينَ} ومعناه معجبين. قوله عز وجل {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ} يعني بني إسرائيل ملكهم الله أرض مصر بعد أن كانوا فيها مستعبدين، فصروا لها وارثين لوصول ذلك إليهم كوصول الميراث. قوله عز وجل: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِم السَّمَآءُ وَالأَرْضُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: يعني أهل السماء وأهل الأرض، قاله الحسن. الثاني: أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحاً؛ قاله مجاهد. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله، فقال أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟ الثالث: أنه يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، قاله علي كرم الله وجهه. وتقديره فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وهو معنى قول سعيد بن جبير. الرابع: ما رواه يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إلا وله في السماء بابان، باب ينزل منه رزقه، وباب يدخل منه كلامه وعمله، فإذا مات فقداه فبكيا عليه" تفسير : ثم تلا هذه الآية. وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها: أنه كالمعروف من بكاء الحيوان ويشبه أن يكون قول مجاهد. الثاني: أنه حمرة أطرافها، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعطاء. وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي رضي الله عنهما احمر له آفاق السماء أربعة أشهر، واحمرارها بكاؤها. الثالث: أنها أمارة تظهر منها تدل على حزن وأسف. كقول الشاعر: شعر : والشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا تفسير : {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} فيه وجهان: أحدهما: مؤخرين بالغرق، قاله الكلبي. الثاني: لم ينظروا بعد الآيات التسع حتى أغرقوا، قاله مقاتل. قوله عز وجل: {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ} معناه على علم منا بهم. وفي اختياره لهم ثلاثة أوجه: أحدها: باصطفائهم لرسالته، والدعاء إلى طاعته. الثاني: باختيارهم لدينه وتصديق رسله. الثالث: بإنجائهم من فرعون وقومه. وفي قوله: {عَلَى الْعَالَمِينَ} قولان: أحدهما: على عالمي زمانهم، لأن لكل زمان عالماً، قاله قتادة. الثاني: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصة لهم وليس لغيرهم، حكاه ابن عيسى. قوله عز وجل: {وءَاتَيْنَاهُمْ مِّنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينٌ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أنجاهم من عدوهم وفلق البحر لهم وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، قاله قتادة. ويكون هذا الخطاب متوجهاً إلى بني إسرائيل. الثاني: أنها العصا ويده البيضاء، ويشبه أن يكون قول الفراء. ويكون الخطاب متوجهاً إلى قوم فرعون. الثالث: أنه الشر الذي كفهم عنه والخير الذي أمرهم به، قاله عبد الرحمن بن زيد. ويكون الخطاب متوجهاً إلى الفريقين معاً من قوم فرعون وبني إسرائيل. وفي قوله {مَا فِيهِ بَلآءٌ مُّبِينٌ} ثلاثة تأويلات: أحدها: نعمة ظاهرة، قاله الحسن وقتادة كما قال تعالى {وَليُبْلَي الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً حَسَناً} وقال زهير: شعر : فأبلاه خير البلاء الذي يبلو تفسير : الثاني: عذاب شديد، قاله الفراء. الثالث: اختيار بيِّن يتميز به المؤمن من الكافر، قاله عبد الرحمن بن زيد.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَتَنَّا} ابتلينا {رَسُولٌ} موسى {كَرِيمٌ} على ربه أو في قومه، أو كريم الأخلاق بالتجاوز والصفح.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولقد فتنا قبلهم} أي قبل هؤلاء {قوم فرعون وجاءهم رسول كريم} يعني على الله وهو موسى بن عمران عليه السلام {أن أدوا إليّ عباد الله} يعني أطلقوا إلي بني إسرائيل ولا تعذبوهم {إني لكم رسول أمين} يعني على الوحي {وأن لا تعلوا على الله} يعني لا تتجبروا عليه بترك طاعته {إني آتيكم بسلطان مبين} يعني ببرهان بيِّن على صدق قولي فلما قال ذلك توعده بالقتل فقال {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون} أن تقتلون وقال ابن عباس: تشتمون وتقولوا هو ساحر وقيل ترجموني بالحجارة {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} أي فاتركون لا معي ولا عليّ، وقال ابن عباس: اعتزلوا أذاي باليد واللسان فلم يؤمنوا {فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون} أي مشركون {فأسر بعبادي ليلاً} أي أجاب الله دعاءه وأمره أن يسري ببني إسرائيل بالليل {إنكم متبعون} أي يتبعكم فرعون وقومه {واترك البحر} أي إذا قطعته أنت وأصحابك {رهواً} أي ساكناً والمعنى لا تأمره أن يرجع بل اتركه على حالته حتى يدخله فرعون وقومه، وقيل اتركه طريقاً يابساً وذلك أنه لما قطع موسى البحر رجع ليضربه بعصاه ليلتئم وخاف أن يتبعه فرعون بجنوده فقيل لموسى اترك البحر كما هو {إنهم جند مغرقون} يعني أخبر موسى بإغراقهم ليطمئن قلبه في تركه البحر كما هو {كم تركوا} أي بعد الغرق {من جنات وعيون وزروع ومقام كريم} أي مجلس شريف حسن {ونعمة} أي وعيش لين رغد {كانوا فيها} أي في تلك النعمة {فاكهين} أي ناعمين وقرىء فكهين أي أشرين بطرين.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ...} لما بين أن كفار مكة يُصِرُّونَ على كفرهم بين أن كثيراً من المتقدمين أيضاً كانوا كذلك، وبين حصول هذه الصفة في أكثر قوم فرعون. قوله: "وَلَقَدْ فَتَنَّا" بالتشديد على المبالغة، أو التكثير لكثرة متعلّقه. "وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ" يحتمل الاستئناف والحال. فصل قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ: ابتلينا. وقال الزجاج: بلونا والمعنى: عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسول إليهم {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} أي موسى بن عمران. قال الكلبي: كريم على ربه بمعنى أنه استحق على ربه أنواعاً كثيرة من الإكرام. قوله تعالى: {أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} يجوز أن تكون المفسرة، لتقدم ما هو بمعنى القول، وأن تكون المخففة، ومعناه: وجاءهم بأَنَّ الشأنَ والحَدِيثَ: أَدّوا إِلي عِبَادَ اللهِ، وأن تكون الناصبة للمضارع وهي توصل بالأمر وفي جعلها مخففة إشكال تقدم، وهو أن الخبر في هذا الباب لا يقع طلباً وعلى جعلها مصدرية تكون على حذف حرف الجر، أي جَاءَهُمْ بأَنْ أدَّوا و"عِباد الله" يحتمل أن يكون مفعولاً به وبذلك أنه طلب منهم أن يؤدوا إليه بني إسرائيل، بدليل قوله: {أية : فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الأعراف:105] وأن يكون منادّى، والمفعول محذوف أي أعطوني الطاعة يا عباد الله. وعلل بأنه رسول أمين قد ائتمنه اله على وحيه ورسالته. قوله: "وأَن لا تعلوا" عطلف على "أَنِ" الأولى، والمعنى لا تتكبّروا على الله بإهانة وحيه ورسولِهِ {إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} بحجة بينة يعرف بصحتها كُلُّ عاقل. والعامة على كسر الهمزة من قوله "إنِّي آتِيكُمْ" على الاستئناف. وقرىء بالفتح على تقدير اللام أي وأَنْ لاَ تَعْلُوا لأنِّي آتيكم. قوله: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} وقوله: "إنِّي عُذْتُ" مستأنف. وأدْغم الذال في التاء أبو عمرٍو والأَخَوَانِ. وقد مضى توجيهه في "طه" عند قوله: "فَنَبَذْتُهَا". فصل قيل: إنه لما قال: {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى ٱللَّهِ...} توعدوه بالقتل، فقال: وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون أي تقتلوني، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن ترجموني بالقول وهم الشتم وتقولوا: هو ساحر. وقال قتادة: "تَرْجُمُونِي بالحِجَارة". وإن لم تؤمنوا لي أي تصدقوني ولم تؤمنوا بالله، لأجل ما آتيتكم به من الحجة، فاللام في "لِي" لام الأجل "فَاعْتَزِلُون" أي اتركوني، لا مَعِي، ولا عَلَيَّ. وقال ابن عباس (رضي الله عنهما): فاعْتَزِلُوا أذايَ باليد واللسان. قوه: "فَدَعَا رَبَّهُ" الفاء في "فدعا" تدل على أنه متصل بمحذوف قبله، وتأويله أنَّهُمْ كفروا ولم يؤمنوا فدعا موسى ربه بأن هؤلاء قَوْمٌ مُجْرِمُونَ. فإن قيل: الكفر أعظم حالاً من الجرم فما السبب في أن جعل الكفار مجرمين حال ما أراد المبالغة في ذمهم؟. فالجواب: أن الكافر قد يكون عدلاً في دينه (وقد يكون فاسقاً في دينه) والفاسق في دينه أَخسُّ الناس. قوله: "أَنَّ هَؤلاَءِ" العامة على الفتح، بإضمار حرف الجر، أي دَعَاهُ بأنَّ هؤلاء. وابن أبي أسحاق وعيسى، والحسن، بالكسر، على إضمار القول عند البصريين وعلى إجراء "دعى" مجرى القول عند الكوفيين. قوله: "فَأَسْرِ بِعبَادِي" قد تقدم قراءتا الوَصْلِ والقَطْع. وقال الزمخشري فيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء. أي فقال: أَسْرِ بِعبَادِي، أو جواب شرط مقدر كأنه قال: إن الأمر كما تقول فَأَسْرِ بِعِبَادِي. قال أبو حيان: كثيراً ما يدعي حذف الشرط، ولا يجوز إلا لدليل واضح كأن يتقدمه الأمر وما أشْبَهَهُ. فصل يقال: سَرَى، وأَسْرَى لغتان، لما قال موسى: إنَّ هؤلاء قَوْمٌ مُجْرِمُونَ أجاب الله تعالى دعاءه وأمره أن يسري فقال: "فَأسْرِ بِعِبَادِي" أي بني إسرائيل {لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون وقومه وذلك بسبب هلاكهم. قوله: {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً} يجوز أن يكون "رهواً" مفعولاً ثانياً، على أن ترك بمعنى صَيَّر وأن يكون حالاً على أنها ليست بمعناها. والرهو: قيل: السكون، فالمعنى اتْرُكْهُ سَاكناً، يقال رَهَا، يَرْهُو، رَهْواً، ومنه: جَاءَت الخَيْلُ رَهْواً. قال النابغة: شعر : 4424ـ وَالخَيْلُ تَمْرَحُ رَهْواً فِي أَعِنَّتِهَا كَالطَّيْرِ يَنْجُو مِنَ الشُؤْبُوبِ ذي البَرَدِ تفسير : وَرَهَا يَرْهُو في سَيْرهِ أي رَفَقَ، قال القطامِيُّ: شعر : 4425ـ يَمْشِينَ رَهْواً فَلاَ الأَعْجَازُ خَازِلَةٌ وَلاَ الصُّدُورُ عَلَى الأَعْجَازِ تَتَّكِــلُ تفسير : وعن أبي عبيدة: رهواً أي اتركه منفتحاً فُرَجاً على ما تركته. روي أنه لما انفلق البحر لموسى، وطلع منه خاف أن يتبعه فرعون فأراد أن يضربه ليعود حتى لا يلحقوه، فأمر أن يتركه فرجاً. وأصله من قولهم: رَهَا الرَّجُلُ يَرْهُو رَهْواً فتح ما بين رجليه (قال مقاتل: اترك البحر رهواً أي راهياً يعني ساكناً. فأصل الرهو السكون، فسمي بالمصدر أي ذا رهو. وقال كعب: اترك طريقاً يابساً). والرَّهْوُ والرَّهوَةُ المكان المرتفع أو المنخفض يجتمع فيه الماء فهو من الأضداد. والرهوة المرأة الواسعة الهن. والرهو طائر يقال له الكُرْكِيَّ. وقد تقدم الكلام في الشعراء على نظير: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ}. قوله: "وَمَقَامٍ" العامة على فتح الميم، وهو اسم مكان القيام. وابن هُرْمُز، وقتادةُ، وابنُ السمقيع ونافع في رواية خارجة: بضمها اسم مكان الإقامة. والنَّعْمَة ـ بالفتح نَضَارة العَيْشِ ولَذَاذَتُهُ. (قال الزمخشري: النعمة بالفتح من التَّنعُّم، والنِّعمة بالكسر الإنعام. وقيل: النَّعمة بالفتح هي المال والزينة كهذه الآية، ومثله: {أية : وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ}تفسير : [المزمل:11]. وقوله {أية : وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَـٰذَا لِي}تفسير : [فصلت:50] أي مالاً بعد فَقْرٍ). والجمهور على جرها. ونصبها أبو رجاء عطفاً على "كَمْ" أي تركوا كثيراً من كذا، وتركوا نَعْمَةً. قوله: "فَاكِهِينَ" العامة على الألف أي طيّبي الأنْفُسِ، أو أصحاب فاكهة كَلاَبنٍ وتَامِرٍ وقيل: فاكهين: لاهِينَ. وقرأ الحسن وأبو رجاء: فَكِهينَ، أي مستخفين مستهزئين بنعمة الله. قال الجوهري: يقال: فَكِهَ الرَّجُلُ ـ بالكسر ـ فَهُوَ فَكِهٌ، إذا كان مَزَّاحاً. والفكه أيضاً الأشر البَطِر. قوله: "كذلك" يجوز أن تكون الكاف مرفوعة المحل, خبراً لمبتدأ مضمرٍ، أي الأمر كذلك. وإليه نحا الزجاج، ويجوز أن تكون منصوبة المحلّ، فقدرها الحَوْفِيُّ أهْلَكْنَا إهلاكاً، وانتقمنا انتقاماً كذلك. وقال الكلبي: كذلك أفعَل بمن عصا. وقيل: تقديره: يَفْعَلُ فِعْلاً كَذَلِكَ. وقال أبو البقاء: تَرْكاً كذلك، فجعله نعتاً للتَّرْك المحذوف، وعلى هذه الأوجه كلها يوقف على "كذلك"، ويبتدأ: "وَأَوْرَثْنَاهَا" (قَوْماً آخَرِينَ). (وقال الزمخشري: الكاف منصوبة على معنى مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، وأورثنا قَوْماً آخرين)، ليسوا منها يعني بني إسرائيل، فعلى هذا يكون: "وَأَوْرَثْنَاهَا" معطوفاً على تلك الجملة الناصبة للكاف فلا يجوز الوقف على "كَذَلِكَ" حِينئِذٍ. قوله: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ} يجوز أن يكون استعارة، كقول الفرزدق: شعر : 4426ـ وَالشَّمْسُ طَالِعةٌ لَيْسَتْ بكَاسِفَةٍ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالقَمَرَا تفسير : وقال جرير: شعر : 4427ـ لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ سُور المَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الخُشَّعُ تفسير : وقال النابغة: شعر : 4428ـ بَكَى حَارِثُ الجَوْلاَنِ مِنْ فَقْدِ رَبِّهِ وَحَوْرَان مِنْهُ خَاشِعٌ مُتَضَائِلُِ تفسير : فصل روى أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "حديث : مَا مِنْ عَبْدٍ إلاَّ وَلَهُ فِي السَّمَاءِ بَابَانِ، بابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِزْقَُه، وبَابٌ يَدْخُلُ مِنْهُ عَمَلُهُ. فَإذَا مَاتَ وَفَقَدَاهُ بَكَيَا عَلَيْهِ"تفسير : ، وتَلاَ هذه الآية، وذلك لأنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً فتبكي عليه، ولم يكن يصعد لهم إلى السماء كلامٌ طيب، ولا عمل صالح فتبكي عليهم. وقيل: التقدير: فما بكت عليهم أهْلُ السماء والأرض، فحذف المضاف والمعنى: فما بكت عليه الملائكة، ولا المؤمنون بل كانوا لهلاكهم مسرورين. وقيل: إن العادة جرت بأن يقولوا في هلاك الرجل العظيم الشأنِ إنه أظلمت له الدنيا، وكسفت الشمس والقمر لأجله، وبكت السماء والريح والأرض. يريدُونَ المبالغة في تعظيم تلك المصيبة لا نفس هذا الكتاب. وقال الزمخشري: ذكر هذا على سبيل السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض، ولم يكونوا بهذا الحَدِّ، بل كانوا دون ذلك، فذكر هذا تهكماً بهم. وقال عطاء: بكاء السماء حُمْرَةُ أطرافِهَا. وقال السدي: لما قتل الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ بكت عليه السماء وبكاؤها حُمْرَتُها {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} أي لما جاء وقت هلاكِهم لم ينظروا إلى وقت آخر لتوبةِ وتدارك تقصيرٍ. قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} وهو قتل الأبناء واستحياء النساء والتعب في العمل. واعلم أن رفع الضرر مقدم على إيصال النفع، فبدأ تعالى ببيان رفع الضرر عنهم فقال: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}. قوله: "من فرعون" فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من "العذاب"، إمَّا على حذف مضاف، أي من عَذَابِ فِرْعَوْنَ، وإما على المبالغة جعل نفس العذاب، فأبدله منه. والثاني: أنه حال من العذاب تقديره: صادراً مِنْ فِرْعَوْنَ. وقرأ عبد الله: مِنْ عَذَاب المُهِينِ، وهي من إضافة الموصوف لصفته، إذ الأصل: العذاب المهين كالقراءة المشهورة. وقرأ ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ مَنْ فِرْعَوْنُ؟ بفتح الميم "من" ورفع فرعون على الابتداء والخَبَر، وهو استفهام تحقير، كقولك: مَنْ أَنْتَ وَزَيْداً؟ ثم بين حالة بالجملة بعد قوله: {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ}. والتقدير: هل تعرفون من هو في عُتُوه وشَيْطَنَته؟ ثم عرف حاله بقوله: {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي كان عالي الدرجة في طبقة المسرفين، ويجوز أن يكون المراد إنه كان عالياً كقوله: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص:4] وكان أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه كان على حقارته وخسته ادَّعى الإلهية. ولما بين الله تعالى (أنه) كيف دفع عن بني إسرائيل الضرر، بين أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} والمراد اخترنا مؤمني بني إسرائيل على عالَمِي زمانهم. قوله: "على علم" متعلقة بمحذوف، لأنها حال من الفاعل في "اخترناهم" و "على العالمين"، متعلقة باخترناهم. وفي عبارة أبي حيان: أنه لما اختلف مدلولهما جاز تعلقهما باخترنا، وأنشد على ذلك (الشاعر) (رحمةُ اللهِ عَلَيْهِ): شعر : 4429ـ وَيَوْماً عَلَى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تُحَلَّلِ تفسير : ثم قال: فـ "على علم" حال إما من الفاعل، أو من المفعول، و "على ظهر" حال من الفاعل في "تعذرت" والعامل في الحال هو العامل في صاحبها. (وفيه نظر، لأن قوله أولاً: ولذلك تعلقا بفعل واحد لما اختلف المدلول ينافي جعل الأولى حالاً، لأنها لم تتعلق به، وقوله: والعامل في الحال هو العامل في صاحبها) لا ينفع في ذلك. فصل قيل: هذه الآية تدل على كونهم أفضل من كل العَالَمِينَ. وأجيب: بأن المراد على عَالَمِي زَمَانِهِمْ وقيل: هذا عام دخله التخصيص. كقوله: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران:110]. قوله: {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ} مثل فَلْق البحر، وتَظْلِيلِ الغمام وإنزال المَنِّ والسَّلوَى، والنِّعم التي أنعمها عليهم. وقال ابن زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً}تفسير : [الأنبياء:35]؛ لأنه تعالى كما يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضاً بالنعمة، ليتميز به الصديق على الزِّنديق. وههنا آخر الكلام على قصة موسى عليه الصلا ة والسلام.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ‏ {‏ولقد فتنا‏} ‏ قال‏:‏ بلونا‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏ولقد فتنا‏} ‏ قال‏:‏ ابتلينا ‏ {‏قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم‏}‏ قال‏:‏ هو موسى ‏ {‏أن أدوا إليَّ عباد الله‏} ‏ قال‏:‏ يعني أرسلوا بني إسرائيل ‏{‏وأن لا تعلوا على الله‏} ‏ قال‏:‏ لا تعثوا ‏ {‏إني آتيكم بسلطان مبين‏} ‏ قال‏:‏ بعذر مبين ‏ {‏وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون‏}‏ قال‏:‏ بالحجارة ‏ {‏وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون‏} ‏ أي خلوا سبيلي‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏{‏أن أدوا إليَّ عباد الله‏}‏ قال‏:‏ يقول اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق، وفي قوله ‏{‏وأن لا تعلوا‏} ‏ قال‏:‏ لا تفتروا، وفي قوله ‏{‏أن ترجمون‏} ‏ قال‏:‏ تشتمون‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عبد الحكم في فتوح مصر، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏رهواً‏} ‏ قال‏:‏ سمتا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏واترك البحر رهواً‏}‏ قال‏:‏ كهيئته وامضه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن عبدالله بن الحارث الهاشمي أن ابن عباس، سأل كعباً، عن قوله ‏{‏واترك البحر رهوا‏ً}‏ قال‏:‏ طريقاً‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في كتاب الأضداد، عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏واترك البحر رهواً‏} ‏ قال‏:‏ طريقاً يبسا‏ً.‏ وأخرج ابن الأنباري، عن قتادة رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏واترك البحر رهوا‏ً} ‏ قال‏:‏ ساكنا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير، عن الربيع ‏{‏واترك البحر رهوا‏ً} ‏ قال‏:‏ سهلاً‏. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏واترك البحر رهوا‏ً} ‏ قال‏:‏ الرهو أن يترك كما كان، فإنهم لن يخلصوا من ورائه‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس ‏{‏واترك البحر رهواً‏} ‏ قال‏:‏ دمثاً‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن عكرمة رضي الله عنه ‏{‏واترك البحر رهوا‏ً} ‏ قال‏:‏ جددا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏واترك البحر رهوا‏ً}‏ قال‏:‏ طريقاً يابساً كهيئته يوم ضربه يقول‏:‏ لا تأمره أن يرجع بل اتركه حتى يدخل آخرهم‏. وأخرج ابن عبد الحكم، عن الحسن رضي الله عنه ‏ {‏رهواً‏} ‏ قال‏:‏ سهلاً دمثا‏ً.‏ وأخرج محمد بن كعب القرظي ‏ {‏رهوا‏ً} ‏ قال‏:‏ طريقاً مفتوحا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏ {‏رهوا‏ً} ‏ قال‏:‏ طريقاً منفرجا‏ً.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ لما قطع موسى البحر عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم‏:‏ وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له ‏ {‏واترك البحر رهوا‏ً} ‏ يقول‏:‏ كما هو طريقاً يابساً ‏{‏إنهم جند مغرقون‏}‏‏ . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله‏:‏ ‏ {‏ومقام كريم‏} ‏ قال‏:‏ المنابر‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن جابر مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏ {‏ومقام كريم‏} ‏ قال‏:‏ مقام حسن ‏{‏ونعمة كانوا فيها فاكهين‏} قال‏:‏ ناعمين أخرجه الله من جناته وعيونه وزروعه حتى أورطه في البحر كذلك ‏{‏وأورثناها قوماً آخرين‏}‏ يعني بني إسرائيل والله أعلم‏.

القشيري

تفسير : فتَنَهم بعد ما أصَرُّوا على جحودهم ولم يرجعوا إلى طريق الرشد من نفرة عنودهم. {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ}: يطالبهم بإزالة الظلم عن بني إسرائيل، وأن يستبصروا، واستنفرهم لله، وأظهر الحُجَّةَ من قِبَلِ الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد فتنا قبلهم} بيش از كفارمكه {قوم فرعون} اى القبط والمعنى امتحناهم اى فعلنا بهم فعل الممتحن بارسال موسى عليه السلام اليه ليؤمنوا ويظهر منهم ما كان مستورا فاختاروا الكفر على الايمان فالفعل حقيقة او اوقعناهم فى الفتنة بالامهال وتوسيع الرزق عليهم فهو مجاز عقلى من اسناد الفعل الى سببه لان المراد بالفتنة حينئذ ارتكاب المعاصى وهو تعالى كان سببا لارتكابها بالامهال والتوسيع المذكورين {وجاءهم رسول كريم} على الله تعالى وهو موسى عليه السلام بمعنى انه استحق على ربه انواعا كثيرة من الاكرام او كريم على المؤمنين او فى نفسه لان الله تعالى لم يبعث نبيا الا من كان افضل نسبا وأشرف حسبا على ان الكرم بمعنى الخصلة المحمودة وقال بعضهم لمكالمته مع الله واستماع كلامه من غير واسطة وفى الآية اشارة الى انه تعالى جعل فرعون وقومه فيما فتنهم فدآء امة محمد عليه السلام لتعتبر هذه الامة بهم فلا يصرون على جحودهم كما اصروا ويرجعوا الى طريق الرشد ويقبلو دعوه نبيهم ويؤمنوا بما جاء به لئلا يصيبهم ما اصابهم بعد أن جاءهم رسول كريم

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد فتنا قبلهم} قبل هؤلاء المشركين، {قومَ فرعون} أي: امتحانهم بإرسال موسى عليه السلام، أو: أوقعناهم في الفتنة بالإمهال وتوسيع الأرزاق، أو فعلنا بهم فعل المختبِر؛ ليظهر ما كان باطناً، {وجاءهم رسولٌ كريمٌ} موسى عليه السلام، أي: كريم على الله، أو على المؤمنين، أو في نفسه حسيب نسيب، لأن الله تعالى لم يبعث نبيّاً إلا من سادات قومه: {أنْ أدُّوا إِليَّ عبادَ الله} أي: بان أدُّوا إليّ، أي: ادفعوا عبادَ الله، وهم بنو إسرائيل، بأن ترسلوهم معي، فكانت دعوة موسى لفرعون بعد الإقرار بالتوحيد إرسال بني إسرائيل من يده، أو: بأن أدُّوا إليّ يا عباد الله ما يجب عليكم من الإيمان، وقبول الدعوة، فالعباد على هذا عام. فـ"إن" مفسرة؛ لأن مجيء الرسل لا يكون إلا بدعوة، وهي تتضمن القول، أو مخففة، أي: جاءهم بأن الشأن أدوا إليّ، و"عبادُ الله" على الأول: مفعول به، وعلى الثاني: منادى، {إِني لكم رسولٌ أمين} تعليل للأمر، أو لوجوب المأمور، أي: رسول غير ظنين، قد ائتمنني الله على وحيه، وصدّقني بالمعجزات القاهرة. {وأن لا تعلوا على الله} أي: لا تتكبّروا على الله بالاستهانة بوحيه وبرسوله أو: لا تتكبروا على نبيّ الله، {إِني آتيكم} من جهته تعالى {بسلطانٍ مبين} بحجة واضحة، لا سبيل إلى إنكارها، تدل على نبوتي، وفي إيراد الأداء مع الأمين، والسلطان مع العلو، من الجزالة ما لا يخفى، {وإِني عُذْتُ بربي وربكم} أي: التجأت إليه، وتوكلتُ عليه، {أن ترجمون} من أن ترجمون، أي: تؤذونني ضرباً وشتماً، أو تقتلوني رجماً. قيل: لما قال: {وأن لا تعلوا على الله} توعّدوه بالرجم، فتوكّل على الله، واعتصم به، ولم يُبال بما توعّدوه. {وإِن لم تؤمنوا لي فاعتزلونِ} أي: وإن كابرتم ولم تُذعنوا لي، فلا مولاة بيني وبين مَن لا يؤمن، فتنحُّوا عني، أو: فخلُّوني كفافاً لا لي ولا عليّ، ولا تتعرضوا لي بشرِّكم وأذاكم، فليس ذلك جزاء مَن دعاكم إلى ما فيه فلا حُكم، قال أبو السعود: وحَمْلُه على قطع الوصلة وعدم الموالاة بينه وبينهم، يأباه المقام. {فدعا ربَّه} بعدما تمادوا على تكذيبه، شاكياً إلى ربه: {أَنَّ هؤلاء} أي: بأن هؤلاء، {قوم مجرمون} وهو تعريض بالدعاء عليهم، بذكر ما استوجبوه، ولذلك سمي دعاء، وقيل: كان دعاؤه،: اللهم عجِّل لهم ما يستوجبونه بإجرامهم، وقيل: هو قوله:{أية : أَنِّى مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}تفسير : [القمر: 10] وقيل: قوله:{أية : لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}تفسير : [يونس: 85] وقُرئ بالكسر على إضمار القول. قال تعالى له بعدُ: {فأَسْرِ بعبادي ليلاً} والفاء تؤذن بشرط محذوف، أي: إن كان الأمر كما تقول {فأسْرِ بعبادي} بني إسرائيل {ليلاً إِنكُم مُتَّبعون} أي: دبّر الله أن تتقدموا، ويتبعكم فرعون وجنوده، فننجّي المتقدمين، ونغرف الباقين، {واترك البحر رَهْواً} ساكناً على حالته بعدما جاوزته، ولا تضربه بعصاك لينطبق، ولا تُغيره عن حاله ليدخله القبط، أراد موسى عليه السلام لمّا جاوزه أن يضربه بعصا لينطبق، فأمره أن يتركه ساكناً على هيئته، قاراً على حالته، من انتصاب الماء كالطود العظيم، وكون الطريق يبساً لا يُغير منه شيئاً، ليدخله القبط، فإذا دخلوا فيه أطبقه الله عليهم، فالرهو في كلام العرب: السكون، قال الشاعر: شعر : طَيرٌ رَأَتْ بازياً نَضحَ الدُّعاءُ به وأُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْواً إلى عيدِ تفسير : أي: ساكنة، وقيل: الرهو: الفرجة الواسعة، أي: اتركه مفتوحاً على حاله منفرجاً، {إنهم جند مُغْرَقون} بعد خروجكم من البحر. وقرئ بالفتح، أي: لأنهم. الإشارة: كل زمان له فراعين، يحبسون الناسَ عن طريق الله، وعن خدمته، فيبعث الله إليهم مَن يُذكَّرهم، ويأمرهم بتخلية سبيلهم، أو بأداء الحقوق الواجبة عليهم، فإذا كُذّب الداعي، قال: وإن لم تؤمنوا فاعتزلون، فإذا أيِس من إقبالهم دعا عليهم، فيغرقون في بحر الهوى، ويهلكون في أودية الخواطر. وبالله التوفيق. ثم حضَّ على الاعتبار، فقال: {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}.

الطوسي

تفسير : أقسم تعالى انه فتن قبلهم يعني قبل كفار قوم النبي صلى الله عليه وآله {قوم فرعون} أى اختبرناهم، وشددنا عليهم بأن كلفناهم، لأن الفتنة شدة التعبد فى الأخذ بالسرّاء والضرّاء، وأصلها الاحراق بالنار لخلاص الذهب من الغش، فهذه الشدة كشدة الاحراق للخلاص. وقيل: الفتنة معاملة المختبر ليجازى بما يظهر دون ما يعلم مما لم يعلم {وجاءهم رسول كريم} أى حقيق بالتكرم فى الدعاء إلى الله والبرهان الواضح والدليل القاهر حتى يسلكوا طريق الهدى المؤدي إلى ثواب الجنة ويعدلوا عن طريق الردى المؤدي إلى العقاب. وقيل: معناه كريم عند الله بما استحق بطاعته من الاكرام والاجلال. وقوله {أن أدوا إلي عباد الله} قال الحسن: هو مثل قوله {أية : أن أرسل معنا بني إسرائيل} تفسير : فـ {عباد الله} منصوب بـ {أدوا} وقيل: هو منصوب على النداء. أي يا عباد الله أدوا ما أمركم به، فى قول الفراء {إني لكم رسول أمين} على ما اؤديه اليكم وادعوكم اليه، {وأن لا تعلوا على الله} قال ابن عباس: معناه أن لا تطغوا عليه بافتراء الكذب عليه. وقال قتادة: معناه ان لا تبغوا عليه بكفر نعمه، وقيل معناه أن لا تتكبروا على الله بترك طاعته وإتباع أمره. وقيل: معناه أن لا تبغوا على أولياء الله بالبغي عليهم. وقال الحسن: معناه لا تستكبروا عليه بترك طاعته {إني آتيكم بسلطان مبين} أي بحجة واضحة لأن السلطان الحجة والمبين الظاهر الذي مع ظهوره يظهر الحق، فكأنه اظهره. ثم قال لهم {وإني عذت بربي} الذي خلقني {وربكم} الذي خلقكم {أن ترجمون} قال ابن عباس وابو صالح: الرجم الذي استعاذ منه موسى هو الشتم، كقولهم: هو ساحر كذاب ونحوه، وقال قتادة: هو الرجم بالحجارة. ثم قال لهم {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون} أي لم تؤمنوا بي، فاللام بمعنى الباء ومعناه وإن لم تصدقوني فى أني رسول الله اليكم وأن ما ادعوكم اليه حق يجب عليكم العمل به فلا أقل من أن تعتزلون بصرف أذاكم عني، لانكم إن لا تجاوزا الاحسان بالاحسان، فلا اساءة. وإنما دعاهم إلى ترك ملابسته بسوء إن اصروا على الكفر ولم يقبلوا إلى الايمان لان هذا أمر يدعو اليه العقل ببديهته ولا يحتاج إلى برهان.

الهواري

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} قال الحسن: ابتليناهم بالدين. كقوله: (أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) تفسير : [المؤمنون:30] أي: لمختبرين. قال الله عز وجل: {وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} أي: على الله، يعني موسى. {أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ} أي: ارسلوا معي بني إسرائيل {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} أي: على ما أتاني من الله، لا أزيد شيئاً ولا أنقص منه شيئاً {وَأَنْ لاَّ تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ} أي: لا تستكبروا على عبادة الله {إِنِّي آتِيكُم} أي: قد أتيتكم {بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} أي: بحجة بينة. {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} يعني القتل بالحجارة {وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} أي تصدقوني {فَاعْتَزِلُونِ} حتى يحكم الله بيني وبينكم.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا} بلونا* {قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} بارسال موسى اليهم وفتنا فرعون معهم وأوقعناهم في الفتنة بالامهال وتوسيع الرزق فكان ذلك سبباً في المعاصي وتكذيب موسى وقرئ بتشديد التاء للتأكيد* {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} على الله جلّ وعلا أو على المؤمنين أو في نفسه لشرف نسبه وفضل حسبه ولم يبعث الله نبياً الا من أشراف قومه والتنكير للتعظيم وألطف لتفسير الفتنة والمراد بالرسول سيدنا موسى عليه السلام

اطفيش

تفسير : {ولقَد فتنَّا قبْلهم قوم فرعَون} عاملنا معاملة المختبر بارسال موسىاليهم، ليظهر حالهم لغيرهم، كما تعرض الفضة على النار لتظهر جودتها، أو خستها، أو أوقعنا فيما يفتنون به، أى يصرفون به عما به صلاحهم من مال وعز وولد، وامهال يغترون عن الانابة الى الله عز وجل بها، قال الله عز وجل: "أية : إنما أموالكم وأولادكم فتنة"تفسير : [التغابن: 15] {وجاءهُم رسولٌ كريمٌ} موسى عليه السلام، وكرمه عند الله وعند المؤمنين وفى ذاته، بالصفات والأفعال المحمودة، والحسب والنسب، قيل: ولا يوصف الانسان بالكرم حتى تنشر منه الأخلاق الحميدة فى الناس من سائر المنافع، روى يحيى بن أبى كثير، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكرم التقوى، والشرف التواضع، واليقين الغنى"تفسير : قال ابو هريرة قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كرم أصله وطاب مولده حسن محضره ".

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ } أي امتحناهم بإرسال موسى عليه السلام إليهم، على أنه من فتن الفضة عرضها على النار فيكون بمعنى الامتحان وهو استعارة والمراد عاملناهم معاملة الممتحن ليظهر حالهم لغيرهم، أو أوقعناهم في الفتنة على أنه بمعناه المعروف والمراد بالفتنة حينئذٍ ما يفتن به الشخص أي يغتر ويغفل عما فيه صلاحه كما في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَمْوٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ } تفسير : [التغابن: 15] وفسرت هنا بالإمهال وتوسيع الرزق. وفسر بعضهم الفتنة بالعذاب ثم تجوز به عن المعاصي التي هي سبب وهو تكلف ما لا داعي له. وقرىء {فتنا} بتشديد التاء إما لتأكيد معناه المصدري أو لتكثير المفعول أو الفعل. {وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } أي مكرم معظم عند الله عز وجل أو عند المؤمنين أو عنده تعالى وعندهم أو كريم في نفسه متصف بالخصال الحميدة والصفات الجليلة حسباً ونسباً. وقال الراغب: ((الكرم إذا وصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه، ونقل عن بعض العلماء أن الكرم كالحرية إلا أن الحرية قد تقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة والكرم لا يقال إلا في المحاسن الكبيرة)). وقال الخفاجي أصل معنى الكريم جامع المحامد والمنافع وادعى لذلك أن تفسيره به أحسن من تفسيره بالتفسيرين السابقين.

ابن عاشور

تفسير : جعل الله قصة قوم فرعون مع موسى عليه السلام وبني إسرائيل مثلاً لحال المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به، وجعل ما حلّ بهم إنذاراً بما سيحلّ بالمشركين من القحط والبطشة مع تقريب حصول ذلك وإمكانه ويُسره وإن كانوا في حالة قوة فإن الله قادر عليهم، كما قال تعالى: { أية : فأهلكنا أشدّ منهم بطشاً } تفسير : [الزخرف: 8] فذكرها هنا تأييد للنبي ووَعدٌ له بالنصر وحسنِ العاقبة، وتهديدٌ للمشركين. وهذا المثل وإن كان تشبيهاً لمجْمُوعِ الحالة بالحالة فهو قابل للتوزيع بأن يشبَّه أبو جهل بفرعون، ويشبه أتباعه بملإِ فرعون وقومِه أو يشبه محمد صلى الله عليه وسلم بموسى عليه السلام، ويشبه المسلمون ببني إسرائيل. وقبولُ المثل لتوزيع التشبيه من محاسنه. وموقع جملة {ولقد فتنا} يجوز أن يكون موقع الحال فتكون الواوُ للحال وهي حال من ضمير { أية : إنا منتقمون } تفسير : [الدخان: 16]. ويجوز أن تكون معطوفة على جملة { أية : إنا منتقمون } تفسير : [الدخان: 16]، أي منتقمون منهم في المستقبل وانتقمنا من قومِ فرعون فيما مضى. وأشعر قولَه {قبلَهم} أن أهل مكة سيُفتنون كما فُتِن قوم فرعون، فكان هذا الظرف مؤذناً بجملة محذوفة على طريقة الإيجاز، والتقدير: إنا منتقمون ففاتنوهم فقد فتنا قبلهم قوم فرعون، ومؤذناً بأن المذكور كالدليل على توقع ذلك وإمكانه وهو إيجاز آخر. والمقصود تشبيه الحالة بالحالة ولكن عدل عن صَوغ الكلام بصيغة التشبيه والتمثيل إلى صوغه بصيغة الإخبار اهتماماً بالقصة وإظهاراً بأنها في ذاتها مما يهم العلمُ به، وأنها تذكير مستقل وأنها غير تابعة غيرها. ولأن جملة {وجاءهم رسول كريم} عطفت على جملة {فتنا} أي ولقد جاءهم رسول كريم، عطفَ مفصل على مجمل، وإنما جاء معطوفاً إذ المذكور فيه أكثرُ من معنى الفتنة، فلا تكون جملة {وجاءهم رسول كريم} بياناً لجملة {فتنا} بل هي تفصيل لقصة بعثة موسى عليه السلام. والفَتن: الإيقاع في اختلال الأحوال، وتقدم في قوله تعالى: { أية : والفتنة أشدّ من القتل } تفسير : في سورة البقرة (191). والرسول الكريم: موسى، والكريم: النفيس الفائق في صنفه، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : إِنَيَ أُلْقِيَ إليّ كتابٌ كريمٌ } تفسير : في سورة النمل (29)، أي رسول من خِيرة الرسل أو من خِيرة الناس. و{أن أدوا إلي عباد الله} تفسير لما تضمنه وصف {رَسول} وفعل {جاءهم} من معنى الرسالة والتبليغ ففيهما معنى القول. ومعنى {أدوا إلي} أرْجعوا إلي وأعطوا قال تعالى: { أية : وَمِنْهُمْ من إن تأمَنْه بدينار لا يُؤدِه إليك } تفسير : [آل عمران: 75]، يقال: أدَّى الشيء أوصله وأبلغه. وهمزة الفعل أصلية وهو مضاعف العين ولم يسمع منه فِعل سالم غير مضاعف، جَعل بني إسرائيل كالأمانة عند فرعون على طريقة الاستعارة المكنية. وخطاب الجمع لقوم فرعون. والمرادُ: فرعون ومن حضر من ملئه لعلهم يشيرون على فرعون بالحق، ولعله إنما خاطب مجموع الملإ لمّا رأى من فرعون صلفاً وتكبراً من الامتثال، فخطاب أهل مشورته لعل فيهم من يتبصر الحق. و{عباد الله} يجوز أن يكون مفعول {أدوا} مراداً به بنو إسرائيل، أجري وصفهم {عباد الله} تذكيراً لفرعون بموجب رفع الاستعباد عنهم، وجاء في سورة الشعراء (17) { أية : أن أرسل معنا بني إسرائيل } تفسير : فحصل أنّه وصفهم بالوصفين، فوصف {عباد الله} مبطل لحسبان القبط إياهم عَبيداً كما قال: { أية : وقومُهُما لنا عابدون } تفسير : [المؤمنون: 47] وإنما هم عباد الله، أي أحرار فعباد الله كناية عن الحرية كقول بشار يخاطب نفسه: شعر : أصبحتَ مولى ذي الجلال وبعضُهم مولَى العَبيد فلُذْ بفضلك وافخَر تفسير : ويجوز أن يكون مفعول فعل {أدوا} محذوفاً يدل عليه المقام، أي أدّوا إليَّ الطاعةَ ويكون {عباد الله} منادى بحذف حرف النداء. قال ابن عطية: الظاهر من شرع موسى أنه بعث إلى دعاء فرعون للإيمان وأن يرسل بني إسرائيل، فلما أبى فرعون أن يؤمن ثبتت المكافحة في أن يرسل بني إسرائيل، قال: ويدل عليه قوله بعد {وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون}. وقوله: {إني لكم رسول أمين} علة للأمر بتسليم بني إسرائيل إليه، أي لأني مرسل إليكم بهذا، وأنا أمين، أي مؤتمن على أني رسول لكم. وتقديم {لكم} على {رسول} للاهتمام بتعلق الإرسال بأنه لهم ابتداءً بأن يعطوه بني إسرائيل لأن ذلك وسيلة للمقصود من إرساله لتحرير أمة إسرائيل والتشريعِ لها، وليس قوله: {لكم} خطاباً لبني إسرائيل فإن موسى قد أبلغ إلى بني إسرائيل رسالتَه مع التبليغ إلى فرعون قال تعالى: { أية : فما آمن لموسى إلا ذريةٌ من قومه على خوفٍ من فرعون وملائهم أن يفتنهم } تفسير : [يونس: 83]، وليكون امتناع فرعون من تسريح بني إسرائيل مبرراً لانسلاخ بني إسرائيل عن طاعة فرعون وفرارهم من بلاده. وعطف على طلب تسليم بني إسرائيل نهياً عن الاستكبار عن إجابة أمر الله أنَفَة من الحطّ من عظمته في أنظار قومهم فقال: {وأن لا تعلوا على الله} أي لا تَعْلُوا على أمره أو على رسوله فلما كان الاعتلاء على أمر الله وأمر رسوله ترفيعاً لأنفسهم على واجب امتثال ربهم جعلوا في ذلك كأنهم يتعالون على الله. و{أن لا تعلوا} عطف على {أن أدوا إلي}. وأعيد حرف {أنْ} التفسيرية لزيادة تأكيد التفسير لمدلول الرسالة. و{لا} ناهية، وفعل {تعلوا} مجزوم بــ {لا} الناهية. وجملة {إني آتيكم بسلطان مبين} علة جديرة بالعود إلى الجمل الثلاث المتقدمة وهي {أدوا إلي عباد الله}، {إني لكم رسول أمين}، {وأن لا تعلوا على الله} لأن المعجزة تدل على تحقق مضامين تلك الجمل مَعلولِها وعلتها. والسلطان من أسماء الحجة قال تعالى: { أية : إن عندكم من سلطانٍ بهذا }تفسير : [يونس: 68] فالحجة تلجىء المحوج على الإقرار لمن يحاجّه فهي كالمتسلط على نفسه. والمعجزة: حجة عظيمة ولذلك وصف السلطان بــ {مبين}، أي وَاضح الدلالة لا ريب فيه. وهذه المعجزة هي انقلاب عصاه ثعباناً مبيناً. و{آتيكم} مضارع أو اسم فاعل (أتى). وعلى الاحتمالين فهو مقتض للإتيان بالحجّة في الحال. وجملة {وإني عذت بربي} عطف على جملة {أدوا إلي عباد الله}، فإن مضمون هذه الجملة مما شمله كلامه حين تبليغ رسالته فكان داخلاً في مجمل معنى {وجاءهم رسول كريم} المفسرُ بما بعد {أنْ} التفسيرية. ومعناه: تحذيرهم من أن يرجموه لأن معنى {عذت بربي} جعلتُ ربي عوذاً، أي مَلْجَأ. والكلام على الاستعارة بتشبيه التذكير بخوف الله الذي يمنعهم من الاعتداء عليه بالالتجاء إلى حصن أو معقل بجامع السلامة من الاعتداء. ومثل هذا التركيب ممّا جرى مجرى المثل، ومنه قوله في سورة مريم (18) { أية : قالت إنّي أعوذ بالرحمان منك إن كنتَ تقياً }، تفسير : وقال أحَدُ رُجّاز العرب: شعر : قالت وفيها حَيْدة وذُعْر عَوْذ بربي منكمُ وحِجْر تفسير : والتعبير عن الله تعالى بوصف {ربي وربكم} لأنه أدخل في ارعوائهم من رجمه حين يتذكرون أنه استعصم بالله الذي يشتركون في مربوبيته وأنهم لا يخرجون عن قدرته. والرجم: الرمي بالحجارة تباعاً حتى يموت المرمِي أو يثخنه الجراح. والقصد منه تحقير المقتول لأنهم كانوا يرمون بالحجارة من يطردونه، قال: { أية : فاخرُج منها فإنك رجيمٌ } تفسير : [الحجر: 34]. وإنّما استعاذ موسى منه لأنه علم أن عادتهم عقاب من يخالف دينهم بالقتل رمياً بالحجارة. وجاء في سورة القصص (33) { أية : فأخاف أن يقْتلون }. تفسير : ومعنى ذلك إن لم تؤمنوا بما جئت به فلا تقتلوني، كما دل عليه تعقيبه بقوله: {وإن لم تؤمنوا لي}. والمعنى: إن لم تؤمنوا بالمعجزة التي آتيكم بها فلا ترجموني فإني أعوذ بالله من أن ترجموني ولكن اعتزلوني فكونوا غير موالين لي وأكون مع قومي بني إسرائيل، فالتقدير: فاعتزلوني وأعتزلكم لأن الاعتزال لا يتحقق إلا من جانبين. وجيء في شرط {إن لم تؤمنوا لي} بحرف {إنْ} التي شأنها أن تستعمل في الشرط غير المتيقّن لأن عدم الإيمان به بعد دلالة المعجزة على صدقه من شأنه أن يكون غير واقع فيفرضَ عدمُه كما يُفرض المحال. ولعله قال ذلك قبل أن يعلمه الله بإخراج بني إسرائيل من مصر، أو أراد: فاعتزلوني زمناً، يعني إلى أن يعيّن له الله زمن الخروج. وعدّي {تؤمنوا} باللام لأنه يقال: آمَن به وآمن لَه، قال تعالى: { أية : فآمن له لوطٌ } تفسير : [العنكبوت: 26]، وأصل هذه اللام لام العلة على تضمين فعل الإيمان معنى الركون. وقد جاء ترتيب فواصل هذا الخطاب على مراعاة ما يبدو من فرعون وقومه عند إلقاء موسى دعوته عليهم إذْ ابتدأ بإبلاغ ما أرسل به إليهم فآنس منهم التعجب والتردد فقال: {إني لكم رسول أمين}، فرأى منهم الصلف والأنفة فقال: {وأن لا تعلوا على الله} فلم يرعُووا فقال: {إني آتيكم بسلطان مبين}، فلاحت عليهم علامات إضمار السوء له فقال: {وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون}، فكان هذا الترتيب بين الجُملِ مغنياً عن ذكر ما أجابوا به على أبدع إيجاز.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ}. الرسول الكريم هو موسى، والآيات الدالة على أن موسى هو الذي أرسل لفرعون وقومه كثيرة ومعروفة. وقوله: {أَدُّوۤاْ إِلَيَّ} أي سلموا إلى عباد الله يعني بني إسرائيل، وأرسلوهم معي. فقوله {عِبَادَ ٱللَّهِ} مفعول به لقوله: {أَدُّوۤاْ}. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن موسى طلب فرعون أن يسلم له بني إسرائيل ويرسلهم معه جاء موضحاً في آيات أخر، مصرح فيها بأن عباد الله بنو إسرائيل، كقوله تعالى في طه:{أية : فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ}تفسير : [طه: 47] وقوله تعالى في الشعراء{أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الشعراء: 16-17] الآية. والتحقيق أنَّ أنْ في قوله {أَنْ أَدُّوۤاْ} هي المفسرة، لأن مجيء الرسول يتضمن معنى القول لا المخففة من الثقيلة، وأن قوله: {عِبَادَ ٱللَّهِ} مفعول به كما ذكرنا وكما أوضحته آية طه والشعراء لا منادى مضاف.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون: أي ولقد اختبرنا قبلهم أي قبل كفار قريش قوم فرعون من الأقباط. وجاءهم رسول كريم: أي موسى بن عمران صلوات الله عليه وسلامه. أن أدوا إلي عباد الله: أي ادفعوا إلي عباد الله بني إسرائيل وأرسلوهم معي. إني لكم رسول أمين: أي إني رسول الله إليكم أمين على وحيه ورسالته. وأن لا تعلوا على الله: أي وبأن لا تطغوا على الله فتكفروا به وتعصوه. إني آتيكم بسلطان مبين: أي بحجة واضحة تدل على صدقي في رسالتي وما أطالبكم به. وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون: أى وإني قد اعتصمت بربي وربكم واستجرت به أن ترجموني. وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون: أي إن لم تصدقوني فيما جئتكم به فخلوا سبيلي واتركوني. فدعا ربه: أي فلما كذبه فرعون وقومه وهموا بقتله نادى ربه يا رب. إن هؤلاء قوم مجرمون: أي إن هؤلاء قوم مجرمون بالكفر والظلم. فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون: أي فأجابه ربه بأن قال له فأسر بعبادي أي بني إسرائيل ليلاً إن فرعون وجنده متبعوكم ليردوكم. وأترك البحر رهواً: أي وإذا اجتزت أنت وقومك البحر فاتركه رهواً ساكناً كما هو حين دخلته مع بني إسرائيل. إنهم جند مغرقون: أي إن فرعون وقومَه جندٌ واللّهُ مغرقُهم في البحر. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا} هذا شروع في قصة موسى مع فرعون لوجود تشابه بين أكابر مجرمي قريش وبين فرعون في ظلمه وعلِّوه، والقصد تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، وتخفيف ألمه النفسي من جَرَّاءِ ما يلاقي من أكابر مجرمي قريش في مكة فقال تعالى: {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ} أي قبل كفار قريش قوم فرعون من القبط جاءهم رسول كريم أي على ربه وعلى قومه من بني إسرائيل هو موسى بن عمران عليه السلام، أن أدوا أي بأن أدوا أي ادفعوا إلى عباد الله بني إسرائيل وأرسلوهم معي إني لكم رسول أمين على رسالتي صادق في قولي، وبأن لا تعلوا على الله أي بأن لا تطغوا على الله فتكفروا به وتعصوه فيما يأمركم به وينهاكم عنه. إني آتيكم بسلطان مبين أي بحجة بينة واضحة على صحة ما أطالبكم به. وإني عذت بربي وربكم أي استجرت وتحصنت أن ترجمون بأقوالكم أو أعمالكم، وإن لم تؤمنوا أي لم تصدقوا بما جئتكم به فاعتزلون ولما أبوا إلا أذاه وأرادوا قتله دعا ربه قائلاً رب إن هؤلاء قوم مجرمون كفرة ظلمة يعني فرعون وملأه فأوحى إليه ربه تعالى فأسر بعبادي أي بني إسرائيل إذ هم المؤمنون وغيرهم من القبط كافرون ليلا في آخر الليل وأعلمه أن فرعون وجنوده متبعون لهم ليردوهم وينكلوا بهم. وقوله تعالى: {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} إنه لما ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق فلقتين ودخل بنو إسرائيل البحر فاجتازوه أراد موسى أن يضرب البحر ليلتئم كما كان حتى لا يدخله فرعون وجنده فيدركوهم فقال له ربه تعالى أترك البحر رهواً أي ساكنا كما كان حين دخلتموه حتى إذا دخل فرعون وجنوده أطبقناه عليهم إنهم جند مغرقون وهذا الذي حصل فنجى الله موسى وبني إسرائيل وأغرق فرعون وجنوده أجمعين. الدّخان. هداية الآيات من هداية الآيات 1- وجود تشابه كبير بين فرعون وكفار قريش في العلو والصلف والكفر والظلم. 2- مشروعية الاعتبار بما سلف من أحداث في الكون والائتساء بالصالحين. 3- وجوب الاستعاذة بالله تعالى والاستجارة به إذ لا مجير على الحقيقة إلا وهو ولا واقي سواه. 4- مشروعية دعاء الله تعالى على الظالمين وسؤاله النصر عليهم والنجاة منهم.

د. أسعد حومد

تفسير : (17) - وَلَقَدْ اخْتَبَرَ اللهُ تَعَالَى، قَبْلَ مُشْرِكي قَومِكَ يَا مُحَمَّدُ، القِبْطَ مِنْ قومِ فِرْعَونَ، إِذْ أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى إِليهِمْ مُوسَى عَليهِ السَّلامُ، وَهُوَ رَسُولٌ كَريمٌ، فَكَفَروا بِما جَاءَهُمْ بِهِ، وَسَخِروا مِنهُ عِنَاداً واسْتِكْباراً.

الثعلبي

تفسير : {وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} على الله وهو موسى بن عمران (عليه السلام)، وقيل: شريف وبسيط في قومه. {أَنْ أَدُّوۤاْ} أن إدفعوا. {إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} يعني بني إسرائيل فلا يعذبهم. {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} على الوحي. {وَأَن لاَّ تَعْلُواْ} تطغوا وتبغوا. {عَلَى ٱللَّهِ} فتعصوه وتخالفوا أمره. {إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} برهان مبين فتوعدوه بالقتل. فقال: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} يقتلون، وقال قتادة: ترجمون بالحجارة. ابن عباس: يشتمون ويقولون هو ساحر. { وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فَٱعْتَزِلُونِ} فخلوا سبيلي غير مرجوم باللسان ولا باليد. { فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} مشركون، فقال سبحانه: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي} بني إسرائيل. {لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} يتبعكم فرعون وقومه. {وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً} إذا قطعته أنت وأصحابك رهواً ساكناً على حالته وهيئته الّتي كان عليها حين دخلته. {إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ}. واختلفت عبارات المفسرين عن معنى الرهو فروى الوالبي عن ابن عباس رهواً، قال: سمتاً. العوفي عنه: هو أن يترك كما كان. كعب: طريقاً. ربيع: سهلاً. ضحاك: دمثاً. عكرمة: يابساً جزراً، وقيل جذاذاً. قتادة: طريقاً يابساً، وأصل الرهو في كلام العرب السكون. قال الشاعر: شعر : كإنما أهل حجر ينظرون متى يرونني خارجاً طيراً يناديد طيراً رأت بازياً نضح الدماء به وأمه خرجت رهواً إلى عيد تفسير : يعني عليها سكون. {كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ} مجلس {كَرِيمٍ} شريف وإنّما سماه كريماً لأنّه مجلس الملوك، قاله مجاهد وسعيد بن جبير، وقالا: هي المنابر، وقال قتادة: الكريم الحسن. {وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} ناعمين فاكهين أشرين بطرين معجبين. { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} بني إسرائيل. نظيره قوله: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ}تفسير : [الأعراف: 137] الآية. {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} وذلك إن المؤمن إذا مات بكت عليه السّماء والأرض أربعين صباحاً، وقال عطاء: في هذه الآية بكاءها حمرة أطرافها، وقال السدي: لما قتل الحسين بن علي "رضي الله عنهما" بكت عليه السّماء، وبكاؤها حمرتها. حدثنا خالد بن خداش، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد بن سيرين. قال: أخبرونا إنّ الحمرة الّتي مع الشفق لم تكن، حتّى قتل الحسين رضي الله عنه. أخبرنا ابن بكر الخوارزمي، حدثنا أبو العياض الدعولي، حدثنا أبي بكر بن أبي خثيمة، وبه عن أبي خثيمة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سليم القاضي، قال: مطرنا دماً أيام قتل الحسين. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو علي المُقري، حدثنا أبو بكر الموصلي، حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الرمدني، أخبرني يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم إنّه قال: "حديث : ما من عبد إلاّ له في السّماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} "تفسير : ، وذلك إنّهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم، ولم يصعد إلى السّماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي. أخبرنا عقيل بن محمد: إنّ المعافا بن زكريا أخبره، عن محمد بن جرير،حدثنا يحيى بن طلحة، حدثنا عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمر، عن شريح بن عبيد الحضرمي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" حديث : إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، ألاّ لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، إلاّ بكت عليه السّماء والأرض". ثمّ قرأ رسول الله (عليه السلام): {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ}، ثمّ قال: "إنّهما لا تبكيان على الكافر ". تفسير : {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ * وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} قتل الأبناء واستحياء النساء. {مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ} يعني مؤمني بني إسرائيل. {عَلَىٰ عِلْمٍ} منّا لهم. {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} يعني عالمي زمانهم {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} قال قتادة: نعمة بيّنة حين فلق لهم البحر وظلّل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسّلوى. وقال ابن زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ: {وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}. {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} يعني مشركي مكّة. {لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} بمبعوثين بعد موتنا. {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا} الّذين ماتوا. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} إِنَّا نُبعث أحياء بعد الموت. {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} قال قتادة: هو تبّع الحميري، وكان سار بالجيوش حتّى حيّر الحيرة، وبنى سمرقند، وكان إذا كتب، كَتب باسم الّذي يملك براً وبحراً وضحاً وريحاً. وذكر لنا إنّ كعباً يقول: ذمّ الله قومهُ ولم يذمّهُ، وكانت عائشة «رضي الله عنها» تقول: لا تسبوا تُبّعاً فإنه كان رجلاً صالحاً، وقال سعيد بن جبير: هو الّذي كسا البيت. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن محمد القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعه، حدثنا أبو زرعة عمرو بن جابر، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي (عليه السلام) يقول: «حديث : لا تسبوا تُبّعاً، فإنّه قد كان أسلم ». تفسير : أخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا محمد بن علي سالم الهمذاني، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن أبي ذيب، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أدري تُبّع نبياً كان أم غير نبي ". تفسير : {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم الخالية الكافرة. {أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأنه يقول لهم: لسْتم بدعاً في ذلك، فقد سبقكم أمم كذَّبوا الرسول فنزل بهم مثلُ ما نزل بكم، كلمة {فَتَنَّا} [الدخان: 17] يعني: ابتلينا واختبرنا، والفتنة لا تُذمُّ لذاتها، وإنما تُذم لنتيجتها مثل الامتحان لا يُمدح ولا يُذم لذاته، إنما حسْب ما يترتب وما ينتج عنه. وتعرفون قصة قوم فرعون {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ} [الدخان: 17] هو سيدنا موسى عليه السلام، فهو كريم على الله الذي أرسله، ومن كرامته جعله كليماً يُكلِّمه من وراء حجاب، ذلك لأنه سيتعرَّض لا لفساد خُلُقي ولا لفساد اجتماعي، إنما لفساد عَقَديّ. وكأنَّ الله تعالى يُعد للقائه مع رأس الكفر، وهو فرعون الذي وصل به الضلال إلى أنْ يدَّعي الألوهية، ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى. ومن هنا كانت مهمة موسى عليه السلام مهمة صعبة وشاقة، لذلك درَّبه ربه عز وجل على استخدام الآيات والمعجزات قبل أنْ يُظهرها أمام فرعون. اقرأ: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ * قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 17-20]. فالحق سبحانه عرَّف موسى مهمة العصا في المعركة العقدية التي سيخوضها مع فرعون ودربه على التعامل معها، حتى إذا واجه فرعون واجهه بثقة وثبات واطمئنان إلى نصر الله وتأييده له، لذلك قلنا: إن المستشرقين تصيَّدوا هذه القصة، واتهموا القرآن بالتكرار. وهذا يدل على عدم فهمهم للآيات في سياقها، فقصة العصا فعلاً وردتْ ثلاث مرات، مرة بين موسى وربه عز وجل كتدريب ومران على هذه المسألة، والمرة الثانية كانت أمام فرعون، والمرَّة الثالثة كانت أمام سحرة فرعون. إذن: كان لكلِّ مرحلة حكمة، والمسألة ليستْ فيها تكرار، إنما هي مواقف مختلفة، كلٌّ في موعدها. وقوله سبحانه: {أَنْ أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} [الدخان: 18] ساعة تسمع {أَدُّوۤاْ إِلَيَّ} [الدخان: 18] تعرف أن هناك أمانة يجب تأديتها، فما الأمانة التي يطلب موسى من قومه أنْ يؤدوها إليه؟ قالوا: الحق الذي طالب به موسى قوم فرعون هو أنْ يأخذ بني إسرائيل، وأنْ يخرجهم من العذاب المهين الذي يُلاقونه من قوم فرعون وهذه هي مهمة موسى الأولى، أما دعوته لفرعون فكانت على هامش المهمة الأساسية، وكلامه مع فرعون زائد على مهمته وعن التشريع الذي أتى به بني إسرائيل. وسبب اضطهاد قوم فرعون لبني إسرائيل أن الهكسوس لما دخلوا مصر عاثوا فيها فساداً، وكان بنو إسرائيل يعاونون الهكسوس ويساعدونهم، فلما خرج الهكسوس من مصر لم يَعُدْ لهم عدو إلا بني إسرائيل لذلك اضطهدوهم. وكما حكى القرآن: {أية : يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} تفسير : [البقرة: 49] فجاء سيدنا موسى أصلاً لإنقاذ بني إسرائيل من العذاب وليُخرجهم من مصر. فالحق سبحانه وتعالى لطف ببني إسرائيل لأنهم كانوا هم المؤمنين في هذا الوقت وكان الآخرون وثنيين. إذن معنى: {أَدُّوۤاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} [الدخان: 18] يعني: اعطوني بني إسرائيل الذين تُعذِّبونهم واتركُوني وشأني. ومن إعجاز القرآن أنه لما تكلَّم عن حاكم مصر سمَّاه فرعون، إلا في فترة سيدنا يوسف عليه السلام سماه الملك: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ} تفسير : [يوسف: 43]. وقد ثبت أن الهكسوس أثناء وجودهم في مصر غيَّروا اسم الفرعون وقالوا (الملك) وكان وجودهم في مصر أيام سيدنا يوسف عليه السلام. وقوله: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ} [الدخان: 18] يعني: مؤتمن على رسالتي من الله أؤديها كما يجب أن يكون الأداء.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه تسلية لحيبيه صلى الله عليه وسلم وتسكيناً لقلبه بما أهمه من استهزاء قومه معه واستخفافهم عليه: {وَ} كما امتحنا قريشاً بإرسالك إليهم مع إنا نعلم منهم أنهم لم يؤمنوا لك ولم يهتدوا بهدايتك، وأوقعناهم في فتنة عظيمة وبلية فظيعة {لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} بإرسال أخيك موسى الكليم إياهم {وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ} مرسل من لدينا {كَرِيمٌ} [الدخان: 17] مكرم بأنواع الكرامات، مريد بالمعجزات، مبلغ لهم على مقتضى الوحي الإلهي {أَنْ أَدُّوۤاْ} أي: بأن أدوا {إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ} حق الله، وأرسلوا معي عباده بني إسرائيل {إِنِّي لَكُمْ} من قبل ربى {رَسُولٌ أَمِينٌ} [الدخان: 18] مأمون مصون عن الكذب والافتراء، غير متهم به؛ لدلالة ما عندي من المعجزات على صدق دعوتي ورسالتي. {وَ} عليكم {أَن لاَّ تَعْلُواْ} ولا تتكبروا {عَلَى ٱللَّهِ} وعلى قبول وحيه وتصديق رسوله {إِنِّيۤ آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} [الدخان: 19] حجة واضحة دالة على صدقي في دعواي {وَ} مع وضوح الحجة وسطوع البرهان أن تظهروا علي بالعناد والمكابرة اتكالاً على شوكتكم وكثرتكم، فإنا لا نبالي بكم وبشوكتكم واستيلائكم، بل {إِنِّي عُذْتُ} التجأت ووثقت {بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] وتقتلون أو تضربوني بالحجارة أو تشتموني باللسان. {وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي} ولم تقبلوا قولي ودعوتي {فَٱعْتَزِلُونِ} [الدخان: 21] لا علي ولا لي، وبعدما كذبوه وقصدوا قتله ومقته: {فَدَعَا رَبَّهُ} وتضرع نحوه بقوله: {أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ} المسرفون {قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ} [الدخان: 22] منهمكون في الغي والضلال، لا ينفعهم نصحي، ولا يؤثر فيهم قولي ودعوتي. وبعدما أيس عن إيمانهم، بل خاف عن مكرهم وطغيانهم، قلنا له: إن كان الأمر كذلك {فَأَسْرِ بِعِبَادِي} أي: سر معهم {لَيْلاً} وبعدما علموا خروجك {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} [الدخان: 23] أي: يتبعكم فرعون وجنوده ليلحقوكم ويستأصلوكم. وبعدما وصلتم غدوة، وهم على أثركم مدركون بكم، فاضرب حينئذ بعصاك البحر، فانفلق وتفرق من كمال قدرتنا، وادخل أنت ومن معك بلا خوفٍ من الغرق، فاعبروا سالمين {وَ} بعد عبوركم {ٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً} ذا فجوة وانفلاق ولا تقصد إلى اجتماعه خوفاً من عبورهم، ولا تضرب بالعصا ليجتمع {إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} [الدخان: 24] بعد دخولهم ألبتة، لا تخف منهم ومن إدراكهم، ففعل موسى عليه السلام كذلك، فعبروا سالمين، وترك البحر على هيئته، فاقتحمه فرعون وجنوده بأجمعهم اغتراراً بعبورهم بافتراق البحر وانفلاقه، فلما دخلوا اتصل البحر فغرقوا بالكلية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ } إلى آخر القصة. لما ذكر تعالى تكذيب من كذب الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم ذكر أن لهم سلفا من المكذبين، فذكر قصتهم مع موسى وما أحل الله بهم ليرتدع هؤلاء المكذبون عن ما هم عليه فقال: { وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ } أي: ابتليناهم واختبرناهم بإرسال رسولنا موسى بن عمران إليهم الرسول الكريم الذي فيه من الكرم ومكارم الأخلاق ما ليس في غيره. { أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ } أي: قال لفرعون وملئه: أدوا إلي عباد الله، يعني بهم: بني إسرائيل أي: أرسلوهم وأطلقوهم من عذابكم وسومكم إياهم سوء العذاب فإنهم عشيرتي وأفضل العالمين في زمانهم. وأنتم قد ظلمتموهم واستعبدتموهم بغير حق فأرسلوهم ليعبدوا ربهم، { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } أي: رسول من رب العالمين أمين على ما أرسلني به لا أكتمكم منه شيئا ولا أزيد فيه ولا أنقص وهذا يوجب تمام الانقياد له. { وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ } بالاستكبار عن عبادته والعلو على عباد الله، { إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } أي: بحجة بينة ظاهرة وهو ما أتى به من المعجزات الباهرات والأدلة القاهرات، فكذبوه وهموا بقتله فلجأ بالله من شرهم فقال: { وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ } أي: تقتلوني أشر القتلات بالرجم بالحجارة. { وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ } أي: لكم ثلاث مراتب: الإيمان بي وهو مقصودي منكم فإن لم تحصل منكم هذه المرتبة فاعتزلوني لا علي ولا لي، فاكفوني شركم. فلم تحصل منهم المرتبة الأولى ولا الثانية بل لم يزالوا متمردين عاتين على الله محاربين لنبيه موسى عليه السلام غير ممكنين له من قومه بني إسرائيل. { فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ } أي: قد أجرموا جرما يوجب تعجيل العقوبة. فأخبر عليه السلام بحالهم وهذا دعاء بالحال التي هي أبلغ من المقال، كما قال عن نفسه عليه السلام {أية : رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ } تفسير : فأمره الله أن يسري بعباده ليلا وأخبره أن فرعون وقومه سيتبعونه. { وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا } أي: بحاله وذلك أنه لما سرى موسى ببني إسرائيل كما أمره الله ثم تبعهم فرعون فأمر الله موسى أن يضرب البحر فضربه فصار اثنى عشر طريقا وصار الماء من بين تلك الطرق كالجبال العظيمة فسلكه موسى وقومه. فلما خرجوا منه أمره الله أن يتركه رهوا أي: بحاله ليسلكه فرعون وجنوده { إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ } فلما تكامل قوم موسى خارجين منه وقوم فرعون داخلين فيه أمره الله تعالى أن يلتطم عليهم فغرقوا عن آخرهم وتركوا ما متعوا به من الحياة الدنيا وأورثه الله بني إسرائيل الذين كانوا مستعبدين لهم ولهذا قال: { كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا } أي هذه النعمة المذكورة { قَوْمًا آخَرِينَ } وفي الآية الأخرى {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ }. تفسير : { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ } أي لما أتلفهم الله وأهلكهم لم تبك عليهم السماء والأرض أي لم يحزن عليهم ولم يؤس على فراقهم بل كل استبشر بهلاكهم وتلفهم حتى السماء والأرض لأنهم ما خلفوا من آثارهم إلا ما يسود وجوههم ويوجب عليهم اللعنة والمقت من العالمين. { وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ } أي ممهلين عن العقوبة بل اصطلمتهم في الحال ثم امتن تعالى على بني إسرائيل فقال { وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ } الذي كانوا فيه { مِنْ فِرْعَوْنَ } إذ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. { إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا } أي مستكبرا في الأرض بغير الحق { مِنَ الْمُسْرِفِينَ } المتجاوزين لحدود الله المتجرئين على محارمه. { وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ } أي اصطفيناهم وانتقيناهم { عَلَى عِلْمٍ } منا بهم وباستحقاقهم لذلك الفضل { عَلَى الْعَالَمِينَ } أي عالمي زمانهم ومن قبلهم وبعدهم حتى أتى الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم ففضلوا العالمين كلهم وجعلهم الله خير أمة أخرجت للناس وامتن عليهم بما لم يمتن به على غيرهم. { وَآتَيْنَاهُمْ } أي بني إسرائيل { مِنَ الآيَاتِ } الباهرة والمعجزات الظاهرة { مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ } أي إحسان كثير ظاهر منا عليهم وحجة عليهم على صحة ما جاءهم به نبيهم موسى عليه السلام.

همام الصنعاني

تفسير : 2808- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {رَسُولٌ كَرِيمٌ}: [الآية: 17]، قال: هُوَ مُوسى.