٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
151
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره، فإنه تعالى ذكر وجوها كثيرة في الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار، ومن جملتها ما ذكر في هذه الآية أنه تعالى يلقي الخوف في قلوب الكفار، ولا شك أن ذلك مما يوجب استيلاء المسلمين عليهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد، أو هو عام في جميع الأوقات؟ قال كثير من المفسرين: إنه مختص بهذا اليوم، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين: الأول: أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل، وقال: أين ابن أبي كبشة، وأين ابن أبي قحافة، وأين ابن الخطاب، فأجابه عمر، ودارت بينهما كلمات، وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل والذهاب إليهم، والثاني: أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة، فلما كانوا في بعض الطريق قالوا: ما صنعنا شيئاً، قتلنا الأكثرين منهم، ثم تركناهم ونحن قاهرون، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم. والقول الثاني: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد، بل هو عام. قال القفال رحمه الله: كأنه قيل إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار، ويظهر دينكم على سائر الأديان. وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهراً لجميع الأديان والملل، ونظير هذه الآية قوله عليه السلام «حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر». تفسير : المسألة الثانية: قرأ ابن عامر والكسائي {ٱلرُّعْبَ } بضم العين، والباقون بتخفيفها في كل القرآن، قال الواحدي: هما لغتان، يقال: رعبته رعبا ورعبا وهو مرعوب، ويجوز أن يكون الرعب مصدرا، والرعب اسم منه. المسألة الثالثة: الرعب: الخوف الذي يحصل في القلب، وأصل الرعب الملء، يقال سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار، وإنما سمي الفزع رعبا لأنه يملأ القلب خوفا. المسألة الرابعة: ظاهر قوله: {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } يقتضي وقوع الرعب في جميع الكفار، فذهب بعض العلماء إلى اجراء هذا العموم على ظاهره، لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه ضرب من الرعب من المسلمين، إما في الحرب، وإما عند المحاجة. وقوله تعالى: {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } لا يقتضي وقوع جميع أنواع الرعب في قلوب الكفار، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض الوجوه، وذهب جمع من المفسرين إلى أنه مخصوص بأولئك الكفار. أما قوله: {بِمَا أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ } فاعلم أن «ما» مصدرية، والمعنى: بسبب إشراكهم بالله. واعلم أن تقدير هذا بالوجه المعقول هو أن الدعاء إنما يصير في محل الاجابة عند الاضطرار كما قال: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ } تفسير : [النحل: 62] ومن اعتقد أن لله شريكا لم يحصل له الاضطرار، لأنه يقول: إن كان هذا المعبود لا ينصرني، فذاك الآخر ينصرني، وإن لم يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل الاجابة ولا النصرة، وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعب والخوف في قلبه، فثبت أن الاشراك بالله يوجب الرعب. أما قوله: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } ففيه مسائل: المسألة الأولى: السلطان ههنا هو الحجة والبرهان، وفي اشتقاقه وجوه: الأول: قال الزجاج: إنه من السليط وهو الذي يضاء به السراج، وقيل للأمراء سلاطين لأنهم الذين بهم يتوصل الناس إلى تحصيل الحقوق. الثاني: أن السلطان في اللغة هو الحجة، وإنما قيل للأمير سلطان، لأن معناه أنه ذو الحجة. الثالث: قال الليث: السلطان القدرة، لأن أصل بنائه من التسليط وعلى هذا سلطان الملك: قوته وقدرته، ويسمى البرهان سلطاناً لقوته على دفع الباطل. الرابع: قال ابن دريد: سلطان كل شيء حدته، وهو مأخوذ من اللسان السليط، والسلاطة بمعنى الحدة. المسألة الثانية: قوله: {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً } يوهم أن فيه سلطانا إلا أن الله تعالى ما أنزله وما أظهره، إلا أن الجواب عنه أنه لو كان لأنزل الله به سلطانا، فلما لم ينزل به سلطاناً وجب عدمه، وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون: أن هذا مما لا دليل عليه فلم يجز إثباته، ومنهم من يبالغ فيقول: لا دليل عليه فيجب نفيه، ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع، فقال: لا سبيل إلى اثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات اليه، ويكفي في دفع هذه الحاجة اثبات الصانع الواحد، فما زاد عليه لا سبيل إلى اثباته فلم يجز اثباته. المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على فساد التقليد، وذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه، فوجب أن يكون القول به باطلا، وهذا إنما يصح إذا كان القول باثبات ما لا دليل على ثبوته يكون باطلا، فيلزم فساد القول بالتقليد. ثم قال تعالى: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ }. واعلم أنه تعالى بين أن أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم، وبين أحوالهم في الآخرة، وهي أن مأواهم ومسكنهم النار. ثم قال: {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـٰلِمِينَ } المثوى: المكان الذي يكون مقر الانسان ومأواه، من قولهم: ثوى يثوي ثويا، وجمع المثوى مثاوي.
القرطبي
تفسير : نظيره {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ}. وقرأ ابن عامر والكسائي «الرُّعُب» بضم العين؛ وهما لغتان. والرُّعْب: الخوف؛ يُقال: رَعَبْتُه رُعْباً ورُعُباً، فهو مَرْعُوب. ويجوز أن يكون الرعْب مصدراً، والرُّعُب الاسم. وأصله من المَلْء؛ يُقال: سَيْل راعب يملأ الوادي. ورعبت الحوض ملأته. والمعنى: سَنَمْلأ قلوب المشركين خوفاً وفزعاً. وقرأ السّخْتياني «سَيُلْقِي» بالياء، والباقون بنون العظمة. قال السّدّي وغيره: لما ٱرتحل أبو سفيان والمشركون يوم أُحُد متوجِّهين إلى مكة انطلقوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعناٰ قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلاَّ الشّرِيد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم؛ فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرّعب حتى رجعوا عما هَمُّوا به. والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام؛ قال الله تعالى: {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} تفسير : [الأعراف: 150] {أية : فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ} تفسير : [الشعراء: 44] {أية : فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ} تفسير : [الشعراء: 45]. قال الشاعر:شعر : فألقَـتْ عصاهـا وٱستْقَـرّ بها النَّـوَى تفسير : ثم قد يستعمل مجازاً كما في هذه الآية، وقوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي}. وألقى عليك مسألة. قوله تعالىٰ: {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ} تعليل؛ أي كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم إشراكهم؛ فما للمصدر. ويُقال: أشرك به أي عَدَل به غيرَه ليجعله شريكاً. قوله تعالىٰ: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} حجّةً وبياناً، وعُذْراً وبرهاناً؛ ومن هذا قيل للوالي سلطان؛ لأنه حجة الله عزّ وجلّ في الأرض. ويُقال: إنه مأخوذ من السَّلِيط وهو ما يُضاء به السِّراج، وهو دُهْنُ السّمْسِم؛ قال ٱمرؤ القيس:شعر : أَمَـالَ السَّلِيـطَ بالذُّبَـالِ المُفَتَّـلِ تفسير : فالسلطان يُستضاء به في إظهار الحق وقمع الباطل. وقيل السَّلِيط الحديد. والسَّلاطَة الحدّة. والسلاطة من التسليط وهو القهر؛ والسلطان من ذلك، فالنون زائدة. فأصل السلطان القوّة، فإنّه يُقهر بها كما يُقهر بالسلطان. والسَّلِيطَة المرأة الصَّخَّابَةِ. والسَّلِيط الرجل الفصيح اللسان. ومعنى هذا أنه لم تثبت عبادة الأوثان في شيء من المِلَل، ولم يَدلّ عقلٌ على جواز ذلك. ثم أخبر تعالىٰ عن مصيرهم ومرجعهم فقال: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ} ثم ذمّه فقال: {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} وَالمَثْوَى: المكان الذي يُقام فيه؛ يُقال: ثَوَىٰ يَثْوِي ثَوَاءً. والمأوى: كل مكان يرجع إليه شيءٌ ليلاً أو نهاراً.
البيضاوي
تفسير : {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب، ونادى أبو سفيان يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن شاء الله»تفسير : وقيل لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم. وقرأ ابن عامر والكسائي ويعقوب بالضم على الأصل في كل القرآن {بِمَا أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ} بسبب إشراكهم به. {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَـٰناً} أي آلهة ليس على إشراكها حجة ولم ينزل عليهم به سلطاناً وهو كقوله:شعر : وَلاَ تَرَى الضُّبَّ بِهَا يَنْجَحرُ تفسير : وأصل السلطنة القوة ومنه السليط لقوة اشتعاله والسلاطة لحدة اللسان. {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي مثواهم، فوضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ والتعليل.
المحلي و السيوطي
تفسير : {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } بسكون العين وضمها: الخوف، وقد عزموا بعد ارتحالهم من أحد على العود واستئصال المسلمين فرَعِبُوا ولم يرجعوا {بِمَآ أَشْرَكُواْ } بسبب إشراكهم {بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَٰناً } حجة على عبادته وهو الأصنام {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ } مأوى {ٱلْظَّٰلِمِينَ } الكافرين هي.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {الرعب} بضمتين حيث كان: ابن عامر وعلي ويزيد وسهل ويعقوب. الباقون: يسكون العين - {ومأواهم} وبابه بغير همز: أبو عمرو غير شجاع ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف. {ولقد صدقكم} وبابه بإدغام الدال في الصاد: حمزة وعلي وخلف وأبو عمرو وهشام وسهل {وتغشى} بتاء فوقانية وبالإمالة: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بياء الغيبة {كله} بالرفع: أبو عمرو وسهل ويعقوب. الباقون: بالنصب {يعملون بصير} بياء الغيبة: ابن كثير وعباس وعلي وخلف وحمزة. الباقون: بالخطاب {متم} و {متنا} بكسر الميم من مات يمات حيث كان: نافع وعلي وحمزة وخلف وافق حفصاً إلاههنا لجوار {قتلتم} الباقون: بضم الميم من مات يموت. {يجمعون} بياء الغيبة: حفص والمفضل وسائر القراء بتاء الخطاب. / الوقوف: {سلطاناً} ج لعطف المختلفتين {النار} ط {الظالمين} ه {بإذنه} ج لأن "حتى" تحتمل انتهاء الحس، ووجه الابتداء أظهر لاقتران "إذا" مع حذف الجواب أي إذا فعلتم وفعلتم انقلب الأمر ويمنعكم نصره. والوقف على {تحبون} ظاهر في الوجهين. {الآخرة} ج لأن "ثم" لترتيب الإخبار وقيل لعطف {صرفكم} على الجواب المحذوف. {ليبتليكم} ج {عفا عنكم} ط {المؤمنين} ه {أصابكم} ط {تعملون} ه {طائفة منكم} (لا) لأن الواو للحال. {الجاهلية} ط {من شيء} ط {لله} ط {يبدو لك} ط {ههنا} ط {مضاجعهم} ج لأن الواو مقحمة أو عاطفة على محذوف أي لينفذ الحكم فيكم. {وليبتلي} {ما في قلوبكم} ط {الصدور} ه {الجمعان} (لا) لأن إنما خبر إن {كسبوا} ج لاحتمال الواو حالاً واستئنافاً {عنهم} ط {حليم} ه {وما قتلوا} ج لأن لام {يجعل} قد يتعلق بقوله: {وقالوا لإخوانهم} أو بمحذوف أي ذلك ليجعل {في قلوبهم} ط {ويميت} ط {بصير} ه {تجمعون} ه {تحشرون} ه {لنت لهم} ج لأن الواو للعطف و"لو" للشرط {من حولك} ص والوصل أولى ليعطف الأمر بالرحمة على النهي عن الغلظة تعريضاً {الأمر} ج لفاء التعقيب مع "إذا" الشرطية {على الله} ط {المتوكلين} ه {لكم} ج لابتداء شرط آخر مع الواو {من بعده} ط {المؤمنون} ه. التفسير: إنه تعالى يذكر في هذه الآيات وجوهاً كثيرة في باب الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار. من جملتها الوعد بإلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا شك أن هذا من معاظم أسباب الاستيلاء، ثم إن هذا الوعد مخصوص بيوم أحد أو هو عام في جميع الأوقات. الأظهر الثاني كأنه قيل: إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أنا سنتلقي الرعب في قلوب الكفار بعد ذلك حتى يظهر هذا الدين على سائر الأديان، ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر "تفسير : وذهب كثير من المفسرين إلى أنه مختص بيوم أحد لوروده في مساق تلك القصة. قال السدي: حديث : لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق. ثم إنهم ندموا وقالوا بئسما صنعنا. قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم. فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا عما هموا به ففي ذلك نزلت الآيةتفسير : . وقيل: إن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم فتركوهم وفروا منهم من غير سبب حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل من الخوف وقال: أين ابن أبي كبشة - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فأجابه عمر وجرى بينهم من الكلمات ما جرى. والرعب الخوف الذي يملأ القلب فزعاً ومنه سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار. وإلقاء الرعب في قلوبهم لا يقتضي إلقاء جميع أنواعه فيها وإنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة فيها من بعض الوجوه. ولكن ظاهر قوله:{في قلوب الذين كفروا} يقتضي وقوع الرعب في قلوب جميع الكفرة وهكذا هو في الواقع لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه خوف المسلمين وهيبتهم. إما في الحرب وإما في المحاجة. وقيل: إنه مخصوص بأولئك الكفار. {بما أشركوا} أي بسبب إشراكهم بالله. وفيه وجه معقول وهو أن الدعاء إنما يصير في محل الإجابة عند الاضطرار كما قال: {أية : أمن يجيب المضطر إذا دعاه} تفسير : [النمل:62] ومن اعتقد أن لله شريكاً لم يحصل له الاضطرار لأنه يقول: إذا كان هذا المعبود لا ينصرني فذاك الآخر ينصرني فلا يحصل له الإجابة.فيلزم الرعب والخوف هذا على تقدير أن معبوديهم يصح منهم الإجابة. كيف وإنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً؟ {ما لم ينزل به سلطاناً} الهة لم ينزل الله بإشراكها حجة. والتركيب يدل على القدرة والشدة والحدة ومنه يقال للوالي سلطان، ومنه سلاطة اللسان، والسليط الزيت كأنه استخراج بالقهر. قال الجوهري: السلطان بمعنى الحجة والبرهان لا يجمع لأن مجراه مجرى المصدر. وليس المراد أن هناك حجة إلا أنها لم تنزل لأن الشرك لن يقوم عليه حجة، ولكن المراد نفي الحجة ونزولها جميعاً كقوله: شعر : ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : قال المتكلمون: التقليد باطل لأن كل ما لا دليل عليه لم يجز إثباته. ومنهم من يبالغ فيقول: ما لا دليل عليه فيجب نفيه. ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع فقال لا سبيل إلى إثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات إليه. ويكفي في رفع هذه الحاجة إثبات الصانع الواحد فما زاد لا سبيل إلى إثباته فلم يجز إثباته. أقول: هذا إذا استدللنا بعدم الدليل على وجود الشريك على نفيه، أما إذا استدللنا بوجود الدليل على نفيه فلا شريك لأجل الدليل، ولا دليل على الاشتراك لوجود الدليل على نفي الشريك. ولما ذكر حال الكفرة في الدنيا وهو استيلاء الرعب عليهم أتبعه حالهم في الآخرة فقال: {ومأواهم} أي والمكان الذي يأوون إليه {النار وبئس مثوى الظالمين} مقام المشركين من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام به ثم أكد وعد إلقاء الرعب بقوله: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم} / تستأصلونهم قتلاً. قال أصحاب الاشتقاق: حَسَّه أي قتله لأنه أبطل حسه بالقتل كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه إذا أصاب رأسه. {بإذنه} بعلمه. وقيل: المراد بهذا الوعد أنه صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كبشاً فصدق الله رؤياه بقتل طلحة صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل تسعة نفر بعده على اللواء. وقيل: هو ما ذكره من قوله {أية : إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم} تفسير : [آل عمران:125] إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط هو الصبر والتقوى. وقيل: المراد هو حديث : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للرماة: لا تبرحوا هذا المكان فإنا لا نزال غالبين مادمتم فيه. فلما أقبل المشركون جعل الرماة: يرشقون خليهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم. وقيل: لما رجعوا إلى المدينة قال ناس من المؤمنين: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر فنزلت {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم} تفسير : قال بعض العلماء: هذا ليس بشرط فلهذا لم يقتض الجواب. والمعنى قد نصركم الله إلى حين كان منكم الفشل لأن وعدهم بالنصر كان مشروطاً بالصبر. وقال آخرون: إنه للمجازاة. ثم اختلفوا في الجزاء على وجوه: أحدها قال البصريون: إنه محذوف كما مر في الوقوف وذلك لدلالة سياق الكلام عليه. وثانيها قال الكوفيون: جوابه وعصيتم، والواو زائدة. والمراد بالعصيان خروجهم من ذلك المكان فإن الفشل والتنازع أخرجهم من المكان الذي وقفهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وثالثها قال أبو مسلم: جوابه ثم صرفكم. و "ثم" ههنا كالساقطة. وقيل: جوابه ما يدل عليه قوله: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} والتقدير: حتى إذا فشلتم صرتم فريقين. والمراد بالفشل الجبن والخور، وبالتنازع أن الرماة لما هزم المشركون ونساؤهم يصعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخلهن قالوا: الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير أمير الرماة: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نبرح هذا المكان. فأبوا عليه وذهبوا إلى طلب الغنيمة، وبقي عبد الله مع طائفة دون العشرة إلى أن قتلهم المشركون. وقوله:{في الأمر} إما أن يكون بمعنى الشأن والقصة أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن، أو بمعنى الأمر الذي يضاد النهي أي تنازعتم فيما أمركم الرسول به وعصيتم بترك ملازمة ذلك المكان. وإنما قدم ذكر الفشل على التنازع والمعصية كأنهم فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعاً في الغنيمة، ثم تنازعوا من طريق القول في أنا هل نذهب في طلب الغنيمة أم لا، ثم اشتغل بعضهم بطلب الغنيمة وإنما ورد الخطاب عاماً وإن كانت المعصية بمفارقة ذلك الموضع خاصة بالبعض اعتماداً على المخصص بعده وهو قوله {ومنكم من يريد الآخرة} وفائدة قوله: {من بعد ما أراكم ما تحبون} التنبيه على عظم شأن المعصية لأنهم لما شاهدوا أن الله أكرمهم بإنجاز الوعد كان / من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها سلبهم الله ذلك الإكرام وأذاقهم وبال أمرهم. قوله: {ثم صرفكم عنهم} قالت الأشاعرة: معنى هذا الصرف أنه تعالى رد المسلمين عن الكفار وحالت الريح دبوراً وكانت صباًَ حتى وقعت الهزيمة على المسلمين وقتل منهم من قتل واستولى الكفرة. ولا يتوجه عليهم إشكال أن من مذهبهم أن الخير والشر بإرادة الله وتخليقه. وأما المعتزلة فلم يرضوا بهذا التفسير وقالوا: كيف يضيف الصرف بهذا المعنى إلى نفسه والصرف عن الكفار معصية وقد أضافها إلى الشيطان في قوله {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} وأيضاً إنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه كما لا يجوز المعاتبة على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم؟ فعند ذلك ذكروا في تأويل الآية وجوهاً. قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين: بعضهم فارقوا المكان أوّلاً لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك إلى أن أحاط بهم العدو، وعلموا أنهم لو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو. ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه فتحصنوا به، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافة الله إلى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وبإذنه. ثم قال {ليبتليكم} والمراد أنه تعالى لما صرفهم إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين. ولا شك أن الإقدام على الجهاد بعد الانهزام وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقاربهم وأحبائهم، من أعظم أنواع الابتلاء، فإذن الآية مشتلمة على المعذورين، في الانصراف وعلى غير المعذورين. فقوله: {ثم صرفكم عنهم} يرجع إلى المعذورين، وقوله {ولقد عفا عنكم} يرجع إلى غير المعذورين. وسبب العفو ما علم من ندمهم على ما فرط منهم من عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الكعبي: {ثم صرفكم عنهم} بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم {ليبتليكم} بكثرة الأنعام عليكم والتخفيف عنكم. وقال أبو مسلم الأصفهاني: المعنى من الصرف أنه تعالى أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة لهم على عصيانهم وفشلهم، ومعنى الابتلاء أنه جعل ذلك الصرف محنة عليهم ليتوبوا عما خالفوا فيه أمره، ثم أعلمهم أنه قد عفا عنهم. قال القاضي: ظاهر قوله: {ولقد عفا عنكم} يقتضي تقدم ذنب منهم. فإن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بالعفو عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو. وقالت الأشاعرة: لا شك أن ذلك الذنب كان من الكبائر لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك / المخالفة سبباً لانهزام عسكر الإسلام ولقتل جم غفير من الصحابة. ثم إن ظاهر الآية دل على أنه تعالى قد عفا عنهم من غير توبة لأنها غير مذكورة فصارت الآية دليلاً على أنه قد يعفو عن أصحاب الكبائر. {والله ذو فضل على المؤمنين} يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال، سواء كانت الدولة لهم أو عليهم، لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة, وقد يستدل بالآية على أن صاحب الكبيرة مؤمن لأنه سماهم مؤمنين خلاف ما يقوله المعتزلة من أنه لا مؤمن ولا كافر. قوله سبحانه: {إذ تصعدون} إما مستأنف بإضمار "واذكر" وإما أن يتعلق بما قبله أي عفا عنكم إذ تصعدون، لأن ما صدر عنهم من فارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين ذنب اقترفوه. أو المعنى ليبتليكم إذ تصعدون، أو ثم صرفكم حين إصعادكم، والإصعاد الذهاب في الأرض والإبعاد فيها. قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى كالوادي والنهر والأزقة فيقال فيه أصعد إذا أخذ من أسفله إلى اعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم والحبل فإنه يقال صعد {ولا تلوون على أحد} لا تلتفتون إليه، وأصله أن المعرّج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته. {والرسول يدعوكم} كان يقول: إليّ عباد الله، أنا رسول الله من كَرَّ فله الجنة. فيحتمل أنه كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده ولا يتفرقوا، ويحتمل أنه كان يدعوهم إلى محاربة العدو. {في أخراكم} في سابقتكم وجماعتكم الأخرى، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه صلى الله عليه وسلم وبقي هو في الجماعة المتأخرة. يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول في أوّلهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى. {فأثابكم} قال في الكشاف: إنه عطف على صرفكم. وأقول: لا يبعد أن يعطف على {تصعدون} لأنه بمعنى أصعدتم بدليل أن يقال: ثاب إليه أي رجع. والمرأة تسمى ثيباً لأن واطئها عائداً إليها. فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله خيراً كان أو شراً إلا أن العرف خصه بالخير. فإن حملنا لفظ الآية على أصل اللغة استقام بلا تأويل، وإن حملناه على مقتضى العرف كان وارداً على سبيل التهكم كقولهم: عتابك السيف وتحيتك الضرب. أي جعل مكان ما يرجون من الثواب الغم وهو في الأصل التغطية ومنه الغمام، فكأن الغم يستر وجه اللذة والسرور. والباء في {بغم} يحتمل أن تكون بمعنى المعاوضة نحو: بعت هذا بذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى المصاحبة. أما الاحتمال الأول ففيه وجوه: قال الزجاج: إنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب عصيان أمره، أذاقكم الله غم الانهزام. وقيل: المجازاة والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم. وقال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين. وفي الكشاف: يجوز أن يكون الضمير في {فأثابكم} / للرسول أي فآساكم في الاغتنام. فكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته وشج وجهه وقتل عمه وغيره، غمه ما نزل بكم من قتل الأعزة ومن الانضمام في سلك العصاة لطلب الغنيمة ثم الحرمان عنها. وأما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: أحدهما أن يكون هناك غمان: الأوّل ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والثاني ما حصل عند الهزيمة. أو الأول غم فوت الغنائم، والثاني أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيماً. أو الأول هذا والثاني خوفهم من رجوع المشركين واستئصال المسلمين. أو الأول ما أصابهم في أنفسهم وأموالهم، والثاني غم الإرجاف بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم. أو الأول خوف عقاب المعصية، والثاني غم التوبة فإنها لا تتم إلا بالعود إلى المحاربة، وإذا أمر بالمعاودة بعد القلة والذلة فإن فعل غلب على ظنه القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر وعقوبة الآخرة. وثانيهما أن يراد بغم مع مواصلة الغموم وتتابعها وكثرتها، فيشمل جميع الغموم المعدودة وما ينخرط في سلكها. ثم اللام في قوله: {لكيلا تحزنوا} يحتمل أن يتعلق بقوله: {ولقد عفا عنكم} لأن في عفوه تعالى ما يزيل كل هم وحزن، وإما أن يتعلق بقوله: {فأثابكم} فيكون المعنى على قول الزجاج: إنه عاقبهم بغم الهزيمة ليتمرنوا على تجرع الغموم واحتمال الشدائد فلا يحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار، وليصير ذلك زاجراً لهم عن الإقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله. وعلى قول الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلهم مغمومين يوم بدر لكيلا تحزنوا بإدبار الدنيا ومصائبها، ولا تفرحوا بإقبالها وعوائده. قالت الأشاعرة: معنى إثابة الغم من الله تعالى خلق الغم فيهم ولا يقبح منه شيء. وأما المعتزلة فإنهم يقولون: الغم فعل العبد لكنه أسند إليه تعالى لأنه طبع العباد طبعاً يغتمون بالمصائب وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون. وإن سلم أنه بخلق الله فلرعاية المصالح، وليس الغرض تسليط الكفار على المسلمين فإن ذلك كفر ومعصية، ولكن الغرض أن لا يبقى في قلوب المؤمنين اشتغال بغير الله، ولا يحزنوا بالإدبار ولا يفرحوا بالإقبال. وإن جعل الإثابة مسنداً إلى الرسول فإنما فعل ذلك ليسليهم وينفس عنهم لئلا يحزنوا على ما فاتهم من نصر الله ولا على ما أصابهم من غلبة العدوّ. وإن جعلت الباء بمعنى "مع" فالمعنى كما في قول الزجاج: أو المراد أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا وقعنا في غم فوت الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في غموم أخر كل واحد منها أعظم من ذلك، فيصير هذا مانعاً لهم من أن يحزنوا على فوات الغنيمة في وقعة أخرى. ثم كما زجرهم على تلك المعصية بزاجر دنيوي زجرهم بزاجر أخروي فقال: {والله خبير بما تعملون} عالم بجميع / أعمالكم وقصودكم ودواعيكم فيجازيكم بحسب ذلك. ثم أخبر أن الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان: أحدهما الجازمون بحقية هذا الدين وأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال لإخبار الصادق أن هذا الدين سيظهر على سائر لأديان، فخاطب الجماعة بقوله: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً} وأراد هؤلاء بقوله: {يغشى طائفة منكم} والأمنة مصدر كالأمن ومثله من المصادر العظمة والغلبة. والنعاس فتور في أوائل النوم. وانتصاب {أمنة} على أنها حال متقدمة من {نعاساً} مثل: رأيت راكباً رجلاً، أو مفعول له بمعنى نعستم أمنة، أو على أنه حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبارّ وبررة، أو على أنه مفعول {أنزل} و {نعاساً} بدل منه. قال أبو طلحة: غشانا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه وما أحد إلاّ ويميل تحت حجفته. وعن الزبير: كنت مع الرسول صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف فأرسل الله علينا النوم. والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: {ولو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان. وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله. وكان في ذلك النعاس فوائد منها: أن شموله للمؤمنين كلهم لا في الوقت المعتاد معجزة ظاهره جديدة له صلى الله عليه وسلم موجبة لزيادة وثوقهم بأن الله ينجز وعده وينصرهم، فيزداد جدهم واجتهادهم في الجهاد. ومنها أن الأرق والسهر يوجبان الفتور والكلال، والنعاس يجدد القوة والنشاط. ومنها شغلهم عن مشاهدة قتل الأعزة والأحبة. ومنها أن الأعداء كانوا حراصاً متهالكين في قتلهم. فبقاؤهم سالمين في تلك المعركة وهم في النوم من أدل الدلائل على أن حفظ الله ولكلاءته معهم. ومن الناس من زعم أن ذكر النعاس ههنا كناية عن غاية الأمن وهذا صرف للفظ عن ظاهره من غير ضرورة مع أن فيه إبطال الفوائد والحكم المذكورة. واعلم أن من قرأ {تغشى} بالتاء فللعود إلى الأمنة ويؤيده أن الأمنة مقصودة بالذات، والنعاس مقصود بالعرض، ولأنها متبوع وأنه تابع. ومن قرأ بالياء فللعود إلى النعاس، وينصره كونه أقرب، وكون المبدل منه في حكم النحي، وموافقته لقوله في قصة بدر {أية : إذ يغشيكم النعاس} تفسير : [الأنفال:11] ولأن العرب تقول: غشية النعاس، وقلما يقولون غشية الأمن، ولأن النعاس والأمنة لما كانا شيئاً واحداً كان التذكر أولى. وأما الفريق الثاني فهم المنافقون الذين كانوا في شك من نبوته صلى الله عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمة كعبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ونظرائهم، فأخبر عنهم بقوله: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} ما بهم إلا هَمُّ أنفسهم لا همَّ الدين ولا همَّ النبي ولا المسلمين. والهمّ / الأمر الشديد. ويقال: أهمه ذلك الأمر أي أقلقه وأحزنه. فالمعنى أوقعتهم أنفسهم وما حل بهم في الهموم والأشجان منهم بسبب التشكك وعدم الثبات. والتحقيق فيه أن الإنسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحب الأشياء عندهم هو النفس، وكانت أسباب الخوف على النفس هناك موجودة والدافع لذلك وهو الوثوق بنصر الله ووعده غير حاصل لهم فلم يكن لهم هناك إلا هَمُّ أنفسهم. {يظنون بالله غير الحق} وهو في حكم المصدر أي غير الظن الحق الذي يحب أن يظن به. و {ظن الجاهلية} بدل منه. والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق أديان كثيرة، وأرداها مقالات أهل الجاهلية فذكر أولاً أنهم يظنون بالله ظناً باطلاً، ثم بين أنهم اختاروا من الأديان أرذلها كما يقال: فلان دينه ليس بحق دينه دين الملاحدة. أو {ظن الجاهلية} مصدر و{غير الحق} تأكيد لـ{يظنون} كقولك: هذا القول غير ما تقول. و{ظن الجاهلية} كقولك: حاتم الجود ورجل صدق. مما أضيق للملابسة أي الظن المختص بالملة الجاهلية وهي زمان الفترة قبل الإسلام. أو أريد ظن أهل الجاهلية وهم أهل الشرك الجاهلون بالله. فالجاهلية مصدر كالعالمية القادرية. قيل: إن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون الإله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والمعاد، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله يقوّيهم وينصرهم. وقيل: الظن هو أنهم كانوا يقولون: لو كان محمد نبياً حقاً لم يسلط الله الكفار عليه، وهذا ظن فاسد. أما عند أهل السنة فلأنه تعالى فاعل لما يشاء ولا اعتراض لأحد عليه، وإذا شرف المولى عبده بخلقة لم يجب أن يشرفه بأخرى. وأما عند من يعتبر المصالح في أفعاله وأحكامه فلا يبعد أن يكون في التخلية بين الكافر والمسلم وغير ذلك من المصائب حكم خفية. ولو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال المصائب عنه اضطر الناس إلى معرفة الحق، وكان ينافي التكاليف واستحقاق الثواب والعقاب. وإنما يعرف كون الإنسان محقاً بالدلائل والبينات، ولا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة والمال والجاه على حقية صاحبها والله أعلم. {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} حكاية شبهة تمسك بها أهل النفاق فاستفهموا عنها على سبيل الإنكار. وإنما يحتمل وجوها: أحدها هل لنا من التدبير من شيء يعنون رأي عبد الله بن أبي وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل قوله حين أمره أن يسكن في المدينة ولا يخرج منها. ونظيره ما حكى عنه {أية : لو أطاعونا ما قتلوا} تفسير : [آل عمران: 168] وثانيها من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لأحد قالوا له الأمر، وإذا كانت لعدوّه قالوا عليه الأمر. أي هل لنا من الأمر الذي كان يعدنا به محمد وهو النصر والقدرة شيء؟ وثالثها أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء؟ والغرض منه تعيير المسلمين على التسديد في / الجهاد، فأمره الله تعالى أن يجيب عنها بقوله: {قل إن الأمر كله لله} والحوادث بأسرها مستندة إلى قضائه وقدره. فإذا كان قدر الخروج إلى الكفار واختصاص جمع من الصحابة بالشهادة فلا مفر من ذلك، وإذا أراد إعلاء كلمة الإسلام وإظهار هذا الدين على الأديان وقع لا محالة. {يخفون في أنفسهم} في ضمائرهم أو فيما بينهم {ما لا يبدون لك} وذلك المخفي قولهم: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} أي لو كان هذا الدين حقاً لما سلط الله الكفار على من يذب عنه، ولما قتل من المسلمين من قتل في هذه المعركة، فأمر الله تعالى نبيه أن يجيبهم بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} وهي مصارعهم التي قتلوا فيها، لأن ما كتب الله في اللوح لم يكن بد من وجوده. فلو قعدتم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم أن يقتلوا في المصارع المعلومة حتى يوجد ما علم الله وجوده. وقيل: معناه لو تخلفتم أيها المنافقون عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كتب الله عليهم قتال الكفار إلى مصارعهم ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم، على أن البروز إلى هذه المصارع لا يخلو عن الفوائد وذلك قوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} خص الابتلاء بما في الصدور والتمحيص بما في القلوب إما لاختلاف العبارة، وإما لأن الابتلاء محله القلب الذي في الصدر. والتمحيص مورده الهيئات والعقائد التي في القلب. واعلم أن نسق هذه الآية أنيق ونظمه عجيب. أما نسقه فقوله: {وطائفة} مبتدأ و {أهمتهم} صفته و {يظنون} خبره. ويحتمل أن يكون خبره محذوفاً أي وثمة، أو ومنهم طائفة أهمتهم، و {يظنون} صفة أخرى، أو حال بمعنى أهمتهم أنفسهم ظانين، أو استئناف على وجه اليبان للجملة قبلها، و{يقولون} بدل من {يظنون} أو بيان له. وإنما صح وقوع القول الذي مقوله إنشاء بدلاً من الإخبار بالظن لأن سؤالهم كان صادراً عن الظن و {يخفون} حال من {يقولون} و{قل إن الأمر كله لله} اعتراض بين الحال وذي الحال، فمن قرأ {كله} بالرفع فلأنه مبتدأ و{لله} خبره، والجملة خبر "إن". ومن قرأ بالنصب فلكونه تأكيداً للأمر و{لله} خبر "إن" كما لو قلت: إن الإمر أجمع لله. وقوله: {يقولون} استئناف، وقوله: و {وليبتلي} تقدم ذكره في الوقوف. وأما نظمه فإنه لما أخبر عن هذه الطائفة بأنهم يظنون ظن الجاهلية، فسر ذلك الظن بأنهم يقولون هل لنا من الأمر من شيء، لأن هذا القول لا يصدر إلا عمن كان ظاناً بل شاكاً في حقية هذا الدين وفي المبدأ والمعاد وفي القضاء والقدر، فأزال ذلك الظن بقوله: {قل إن الأمر كله لله} بيده الإماتة والإحياء والفقر والإغناء والسراء والضراء. ثم لما كان سؤالهم ذلك مظنة أن يكون سؤال المؤمنين المسترشدين لا المعاندين المنكرين، أراد أن يشكف عن حالهم ويبين مقالهم كيلا يغتر به المؤمنون فقال: {يخفون في أنفسهم ما لا / يبدون لك} أي ذلك القول إنما صدر عنهم في هذه الحالة، فكان لسائل أن يسأل ما الذي يخفونه في أنفسهم؟ فقيل {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} وقد مر تفسيره. ويحتمل أن يراد: لو كان لنا رأي مطاع لم نخرج من المدينة فلم نقتل ههنا؟ فيكون كالطعن في قوله: {قل إن الأمر كله لله} قال في التفسير الكبير: هذا بعينه هو المناظرة الدائرة بين السني والمعتزلي. فذاك يقول: الطاعة والعصيان والكفر والإيمان من الله. وهذا يقول: الإنسان مختار مستقل إن شاء آمن وإن شاء كفر. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب عن هذا الاعتقاد بأن ما قضى الله فهو كائن، والحذر لايرد القدر، والتدبير لا يبطل التقدير. وإن شئتم المصالح ففائدته الابتلاء وهو أن يتميز الموافق عن المنافق ما في المثل: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين وتطهير القلوب عن وساوس الشبهات وتبعات المعاصي والسيئات. ثم قال: {والله عليم بذات الصدور} صاحبتها وهي الأسرار والضمائر ليعلم أن ابتلاءه ليس لأنه لا يخفى عليه شيء، وإنما ذلك لمحض الإلهية أو للاستصلاح. قوله عز من قائل: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} يعني يوم أحد، وذكر محمد بن إسحق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا. ومن المنهزمين من ورد المدينة وكان أولهم سعد بن عثمان أخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل. ثم بعده رجال ودخلوا على نسائهم وجعل النساء يقلن: أعن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرون؟ وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل أغزل. وقال بعض الرواة: إن المسلمين لم يعدوا الجبل. قال القفال: الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولوا وأبعدوا، فمنهم يبعد، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم أيضاً عثمان انهزم هو مع رجلين من الأنصار - يقال لهما سعد وعقبة - انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً، ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لقد ذهبتم فيها عريضة. وأما الذين ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا أربعة عشر رجلاً. سبعة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، وأبو عبيدة بن الجراح، والزبير بن العوّام. وسبعة من الأنصار: الحباب بن المنذر، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابت، والحرث بن الصمة، وسهل بن حنيف، وأسيد بن حضير، وسعد بن معاذ. وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير. وخمسة من الأنصار: أبو دجانة، والحرث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، وسهل بن / حنيف. ثم لم يقتل منهم أحد, وروى ابن عيينة أنه أصيب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء وعليك السلام غير مودع {إنما استزلهم الشيطان} تقول: زللت يا فلان تزل زليلاً إذا زل في طين أو منطق. والاسم الزلة، واستزله غيره كأنه طلب منه الزلة ودعاه إليها. والباء في {ببعض ما كسبوا} للاستعانة مثلها في: كتبت بالقلم. والمعنى أنه كان قد صدر عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم في التولي. وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: قال الزجاج: إنهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوباً كانت لهم فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها وإلا بعد الإخلاص في التوبة. فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطيئن فيه, وقيل: إنهم لما أذنبوا بسبب مفارقة المركز، أوقعهم الشيطان بشؤم تلك المعصية في الهزيمة. وقيل: كانت لهم ذنوب قد تقدمت، فبشؤمها قدر الشيطان على دعائهم إلى التولي لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة وتكون لطفاً فيها. وإنما قال: {ببعض ما كسبوا} لأن الكسب قد يكون خيراً كقوله: {أية : لها ما كسبت} تفسير : [البقرة: 134، 141، 286] أو لأن جميع الذنوب لا يؤاخذ بها الله تعالى كقوله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى:30] وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة. ويحتمل أن تكون الباء بمعنى "في" أي السبب في توليهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان في بعض الأعمال. إما قبل هذه الغزوة وإما فيها كالفشل والتنازع والتحول عن المركز وطلب الغنيمة، فاقترفوا ذنوباً فلذلك منعتهم التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا. وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل المسند إلى استزلال الشيطان فيه هو التولي، وإنما يكون أعمالاً أخر إما في هذه الغزوة أو قبلها. {ولقد عفا الله عنهم} فيه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم لأن العفو عن الكفر لا يجوز. بقي البحث في أنه أي ذنب هو؟ والظاهر أنه التولي لأن التوبيخ وقع عليه والآية سيقت لأجله. ثم إنه من الصغائر أو من الكبائر؟ قالت المعتزلة: كلاهما محتمل. لكنه إن كان من الصغائر فلا حاجة إلى إضمار التوبة، وإن كان من الكبائر فلا بد من إضمار توبتهم وإن كانت غير مذكورة في الآية. قال القاضي: الأقرب أنه من الصغائر لأنه لا يكاد يقال في الكبائر إنها زلة، ولأنهم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق في ثباتهم حاجة، فلا جرم تحولوا لطلب الغنيمة، والخطأ في الاجتهاد ليس من الكبائر. قالت الأشاعرة: إنه من الكبائر لأنهم خالفوا النص. وحيث عفا عنه من غير ذكر التوبة - والأصل عدم الإضمار - غلب على الظن أن العفو عن الكبائر واقع من غير شرط. / ثم ندب إلى المؤمنين ما يزيد رغبتهم في الجهاد فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} قيل: إنه عام. وقيل: يعني المنافقين. وقيل: منافقي يوم أحد كعبد الله بن أبيّ وأصحابه. وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان كما يقوله الكرامية وإلا لم يسم المنافق كافراً {وقالوا لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم مثل {أية : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه} تفسير : [الأحقاف:11] وذلك أنهم قالوا: {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} والميت والمقتول لا يكلم. وعلى تقدير فرض التكلم كان المناسب أن لو قيل: لو كنتم عندنا ما متم وما قتلتم. ومعنى الأخوة اشتراك النسب. فلعل المقتولين كانوا أقارب المنافقين وإن كانوا مسلمين. أو اتفاق الجنس فلعل بعض المنافقين صار مقتولاً في بعض الغزوات. والضرب في الأرض الإبعاد فيها للتجارة وغيرها. والغزو قصد محاربة العدو قريباً كان أو بعيداً. والفاعل غاز والجمع غُزَّىً مثل: سابق وسبق، وراكع وركع، وإنما قال: {إذا ضربوا} دون "إذ ضربوا" أو "حين ضربوا" ليشاكل في المعنى قوله: {وقالوا} لأنه أراد حكاية الحال الماضية. والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض. فالكافرون يقولون: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد أن يقول: "قالوا" ويجوز أن يكون {قالوا} في تقدير "يقولون" لكنه وقع التعبير عنه بلفظ الماضي لأنه لازم الحصول في المستقبل مثل {أية : أتى أمر الله} تفسير : [النحل:1] وفيه دلالة على أن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة قد بلغ الغاية، فكأن هذا المستقبل كالكائن الواقع. ويمكن أن يقال: عبر عن المستقبل بلفظ الماضي ليعلم أن المقصود الإخبار عن جدّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة. وقال قطرب: كلمة "إذ" و "إذا" يجوز إقامة كل منهما مقام الأخرى، وهذا وإن لم يوجد له في كلام العرب نظير، لكن القرآن أولى ما يستشهد به وهو حجة على غيره وليس غير حجة عليه، قال الواحدي: في الكلام محذوف والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. وأما اللام في قوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} ففي متعلقه وجهان: الأول أنه {قالوا} أي قالوا ذلك الكلام واعتقدوه ليجعل الله ذلك الكلام حسرة فتكون لام العاقبة كقوله تعالى: {أية : فلتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [القصص:8] وكيف استعقب ذلك القول حصول الحسرة؟ فيه وجوه: فقيل: لأن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام تخيلوا أنهم لو بالغوا في منعه عن ذلك السفر أو الغزو لم يمت أو لم يقتل فازدادت حسرتهم وتلهفهم بسبب أنهم قصروا في منعه، بخلاف المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكونان إلا بتقدير الله فإنه لا يحصل له شيء من هذا النوع من الأسف. وقيل: / لأنهم إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم تثبطوا عن الجهاد، فإذا نال المسلمون في الجهاد غنيمة بقي أولئك المتخلفون في الخيبة والندامة. وقيل: المراد حسرتهم يوم القيامة إذا رأوا ثواب المجاهدين. وقيل: المقصود خيبتهم عن ترويج شبهتهم بعد ما أعلم الله المؤمنين بطلانها. وقيل: الغرض أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات يقسي قلوبهم ويضيق صدورهم فيقعون لذلك في الحيرة والحسرة. الوجه الثاني: أن متعلق اللام قوله: {لا تكونوا} وذلك إشارة إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله ذلك الانتفاء انتفاء كونكم مثلهم حسرة، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمهم ويغيظهم {والله يحيي ويميت} رد لجهالتهم وجواب عن مقالتهم أي الأمر بيده والخلق له. فقد يحيي المسافر والغازي، ويميت المقيم والقاعد. فعلى المكلف أن يتلقى أوامره بالامتثال، فالله أعلم بحقيقة الأحوال ولا يجري الأمور إلا على وفق إمضائه وأحكامه ونقضه وإبرامه وكل ميسر لما خلق له. عن خالد بن الوليد أنه قال عند موته: ما فيّ موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة وها أناذا أموت كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء. وفي أمثالهم "الشجاع موقى والجبان ملقى". وكان عليّ يقول: إن لم تقتلوا تموتوا والذين نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش، ويجوز أن يكون المراد: والله يحيي قلوب أوليائه بنور اليقين والعرفان، ويميت قلوب أعدائه بظلمة الشك والخذلان {والله بما تعملون بصير} فلا تكونوا مثلهم. ومن قرأ على الغيبة فالضمير للذين كفروا ويكون وعيداً لهم. ثم إنه لما كذب الكافرين في قولهم: {لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} ونهى المؤمنين عن كونهم مثلهم لأنه يسبب التقاعد عن الجهاد وينفر الطبع عنه رغبهم فيه بقوله: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة} شيء من مغفرته ورحمته {خير مما يجمعون} فاللام الأولى هي الموطئة، والثانية لام جواب القسم المقدر، وكذا في الآية الأخرى. والمعنى أن القتل والموت في السفر غير لازم الحصول لأن ذلك منوط بالقدر لا بالسفر. ولئن سلم أنه لازم فإنه يستعقب المغفرة ويستجلب الرحمة من الله. وإن ذلك خير مما تجمعون من الدنيا وما فيها لو لم تموتوا. وعن ابن عباس: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء. ومن قرأ بالياء فالضمير للكفار لأن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيراً، أو ورد على حسب معتقدهم أن أموالهم خيرات لهم. وإنما كانت المغفرة والرحمة خيراً من المال لأن المال الذي يجمع لأجل الغد قد يموت صاحبه قبل الغد، وإن لم يمت فلعل المال لا يبقى في الغد، فكم من أمير أصبح أسيراً. وعلى تقدير بقاء المال وبقاء صاحبه إلى الغد فلعل مانعاً من مرض أو خوف يمنعه عن الانتفاع به، / وبتقدير عدم المانع فلذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وبتقدير صفائها عن الشوائب فلا بد لها من الزوال والانقطاع، ومنافع الآخرة أصفى وأضفى وأبقى وأنقى ولا سيما منافعها العقلية، وأي نسبة لانتفاع الحمار بلذة قبقبه؟ فذبذبه إلى ابتهاج الملائكة المقربين بشروق أنوار العزة عليهم، ثم رغبهم بنوع آخر فقال: {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} كأنه قيل: إن تركتم الجهاد وتم لكم الاحتراز عن الموت أو القتل بقيتم أياماً قلائل في الدنيا مع اللذات الخسيسة الحسية والخيالية فتركتموها لا محالة فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، ولو أعرضتم عن اللذات الفانية وبذلتم النفس والمال في دين الله وصلتم إلى أعلى الدرجات وهي مقام العندية. وإنما قدم القتل على الموت في الآية الأولى وعكس في الثانية ليقع الابتداء والختم على ما هو أفضل، أو لأن الآية الأولى سيقت لبيان فضل الجهاد والقتل في سبيله، فقدم ما هو الأغلب من حال المجاهدين الذين يفارقون الدنيا وهو القتل، الثانية سيقت لبيان أن حشر الخلائق كلهم إليه بأي وجه يفارقون الدنيا. ولا شك أن الغالب على أحوال الخلق كلهم الموت، ولهذا السر أطلق القتل إطلاقاً ليعم أنواع القتل كلها. وفي قوله: {لإلى الله تحشرون} لطائف منها: تقديم الجار على الفعل لإفادة الحصر، وأنهم لا يحشرون إلى غيره، وأنه لا حكم لأحد في ذلك اليوم إلا له، ومنها تخصيص اسم الله بالذكر ليدل على كمال اللطف والقهر، فهو لدلالته على كمال اللطف أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد. ومنها إدخال لام التوكيد القسمي في الحرف المتصل باسم الله تنبيهاً على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر لحكمة المجازاة. ومنها بناء {تحشرون} على المفعول تعويلاَ على ما هو مركوز في العقول من أنه هو الذي يبدىء ويعيد، لا قدرة على الإعادة لأحد غيره. ومنها أنه أضاف حشره إلى غيرهم ليعلم أنهم أحياء كانوا أو أمواتاً لا يخرجون عن قبضته. ومنها أنه خاطب الكل ليعلم أن القاتل والمقتول والظالم والمظلوم والقاعد والمجاهد كلهم في بساط العدل وفضاء القضاء موقوفون. واعلم أنه تعالى ذكر في الآيتين المغفرة والرحمة والحشر إليه. فالأول إشارة إلى من يعبده خوفاً من عقابه، والثاني إشارة إلى من يعبد طمعاً في ثوابه والثالث إشارة إلى من يعبده لأنه يستحق العبادة. فهم أهل الحشر إلى الله لا إلى ثوابه ولا إلى إزالة عقابه، وما أحسن هذا النسق! يروى أن عيسى عليه السلام مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم سيما الطاعة فقال: ماذا تطلبون؟ فقالوا: نخشى عذاب الله. فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه. ثم مر بآخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا: نطلب الجنة والرحمة. فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته. ثم مر بقوم ثالث ورأى عليهم سمات / العبودية أكثر فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا ونحن عبيده لا لرهبة ولا لرغبة. فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحققون. قال القاضي: في الآية دليل على أن المقتول ليس بميت وإلا كان قوله: {ولئن متم أو قتلتم} عطفاً للشيء على نفسه. قلت: لا، ولكنه عطف الأخص على الأعم. ثم إنه سبحانه لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وكان من جملة ذلك ان عفا عنهم، زاد في الفضل والإحسان بأن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حين عفا عنهم وترك التغليظ عليهم في انهزامهم. روي حديث : أن امرأة عثمان دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم - وكان النبي صلى الله عليه وسلم وعلي يغسلان السلاح - فقالت: ما فعل عثمان؟ أما والله لا تجدونه أمام القوم. فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الذمار اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهتفسير : . وروي أنه قال حينئذٍ: حديث : أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا. تفسير : ولما دخل عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: لقد ذهبتم فيها عريضة. وعنه أنه قال:"حديث : إنما أنا لكم مثل الوالد لولده، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حلم أحب إلى الله من حلم إمام ورفقة، ولا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقة"تفسير : فلما كان صلى الله عليه وسلم إمام العالمين وجب أن يكون أكثرهم حلماً وأحسنهم خلقاً لأن الغرض من البعثة - وهو التزام التكاليف - لا يتم إلا إذا مالت قلوب الأمة إليه، وسكنت نفوسهم لديه، ورأوا فيه آثار الشفقة وأمارات النصيحة. وعن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الإحسان. كنا مشركين فلو جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الدين جملة وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا فما كنا ندخل في الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الإيمان قبلنا ما وراءها، كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم هذا الدين وكملت هذه الشريعة. واعلم أن من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب، فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية كلها مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب له لم يغضب، وإذا حصل له مطلوب لم يأنس به لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً في هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على شيء بسبب فوات شيء من مطالبها، فيكون حسن الخلق طيب العشرة مع الخلق. ولما كان صلى الله عليه وسلم أكمل البشر في القوتين النظرية والعملية وقد بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وجب أن يكون أكمل الناس خلقاً وذلك من فضل الله ورحمته على الناس / كما قال: {فبما رحمة من الله لنت لهم} و "ما" مزيدة للتوكيد. أما الحكم بزيادتها فللنظر إلى أصل المعنى. وعمل حرف الجر فيما بعدها فكأنه قال: فبرحمة. وأما إفادتها التوكيد فلاستحالة زيادة حرف لا فائدة فيه أصلاً. وجوز بعضهم أن تكون استفهامية للتعجب والتقدير: فبأي رحمة. وإنما كان لينه ورفقه رحمة من الله لأن الدواعي والقصود والإرادات كلها بفعل الله تعالى. فلا رحمة بالحقيقة إلا له. ولا رحيم إلا هو، لأن كل رحيم سواه فإنه يستفيد برحمته عوضاً كالخوف من العقاب، أو الطمع في الثواب، أو الثناء، أو يحمله على ذلك رقة طبع أو حمية أو عصبية إلى غير ذلك من الإعراض. وأيضاً رحمة المخلوق على غيره لن تتم ولن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السماوية من سلامة الأعضاء وغيرها. فلا رحمة إلا بإعانة الله وتوفيقه بربطه على جأش الراحم وضبطه حال المرحوم. ثم بيّن أن الحكمة في لين جانبه ما هي فقال: {ولو كنت فظاً} سيء الخلق وأصله فظظ كحذر. فظظت يا رجل بالكسر فظاظة {غليظ القلب} قاسية بحيث لا يتأثر عن شيء يوجب الرقة والعطف {لانفضوا من حولك} لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد والتركيب يدل على التفريق ومنه "فض الختام". ويقال: لا يفضض الله فاك أي أسنانك. ومنهم من حمل الآية على واقعة أحد فقال: {فبما رحمة من الله لنت لهم} يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام {ولو كنت فظاً غليظ القلب} تشافههم بالملامة على ذلك {لانفضوا من حولك} هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم فكان ذلك مما يطمع العدو فيك وفيهم. وههنا دقيقة هي أن اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض إلى إهمال حق من حقوق الله ولهذا أمر بالغلظة في قوله: {أية : يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} تفسير : [التحريم:9] وقال في إقامة حد الزنا: {أية : ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} تفسير : [النور:2] ومثله {أية : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} تفسير : [المائدة: 54] {أية : أشداء على الكفار رحماء بينهم} تفسير : [الفتح:29] فيعلم من المدح على اللين في موضع ومن الأمر بالغلظة في موضع آخر أن الفضيلة في الوسط وهو استعمال كل شيء في موضعه، وأن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، ومنه المثل "لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى". واحتجت الأشاعرة بالآية في مسألة القضاء والقدر. وذلك أن حسن خلقه مع الخلق إنما كان بسبب رحمة الله، وهي عند المعتزلة عامة في حق جميع المكلفين. فكل ما فعله مع محمد صلى الله عليه وسلم من الهداية والدعوة والبيان والإرشاد فقد فعل مثل ذلك مع فرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب. فلطف الله ورحمته مشترك بين أصفى الأصفياء وبين أشقى الأشقياء. فلا يكون اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، / وهذا خلاف نص الآية، فإذن جميع أفعال العباد بقضاء الله وقدره. والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف، واستبعده الأشاعرة لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف فقد فعله في حق كل المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف فذاك بالحقيقة كسب نفسه، ويجب عندهم إيصاله إليه فلا يكون برحمة من الله. ثم قال: {فاعف عنهم} فيما يختص بك {واستغفر لهم{ فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم. قيل: في فاء التعقيب دلالة على أنه أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال كما أنه تعالى قد عفا عنهم كأنه قيل: اعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، واستغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، وهذا من كمال رحمة الله بهذه الأمة. ثم قال: {وشاورهم في الأمر} والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أي اجتنيتها واستخرجتها من موضعها. وقيل: من شرت الدابة شوراً عرضتها على البيع، أقبلت بها وأدبرت. والمكان الذي تعرض فيه الدواب يسمى مشواراً. يقال: إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار. وتركيبه يدل على الإظهار والكشف، فبالمشاورة يظهر خير الأمور وحسن الآراء. وقد ذكر العلماء لأمر الرسول بالمشاورة مع أنه أعلم الناس وأعقلهم فوائد منها: أنها توجب علو شأنهم ورفعة قدرهم وزيادة إخلاصهم ومحبتهم، وفي ترك ذلك نوع من الإهانة والفظاظة، وكان سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم. ومنها أن علوم الإنسان متناهية فلا يبعد أن يخطر ببال أحد ما لم يخطر بباله ولا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا. ومنها قال الحسن وسفيان بن عبيينة: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده، ومنها أنه شاورهم في وقعة أحد فأخطؤا فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان مظنة أنه قد بقي في قلبه أثر من تلك الواقعة. ومنها أن يظهر له مقادير عقولهم فينزلهم على قدر منازلهم. ومنها أن تصير النفوس الطاهرة متطابقة على تحصيل أصلح الوجوه فيكون أعون على الظفر بالمقصود ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " تفسير : وهذا هو السر في الجماعات والجمعات. ومنها أنه تعالى ما أمر رسوله بالمشاورة قبل تلك الواقعة وأمره بها بعدها مع صدور المعصية عنهم ليعلم أنهم الآن أعظم حالاً مما كانوا، وأن عفوه أعظم من كل ذنب، وأن الاعتماد على فضله وكرمه لا على العمل والطاعة. ثم إن العلماء اتفقوا على أن كل ما نزل به وحي لم يجز للرسول أن يشاور الأمة فيه، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر عيسى, وفيما وراء ذلك هل تجوز المشاورة في كلها أم لا؟ قال الكلبي وكثير من العلماء: إن الأمر بها مخصوص بالحرب لأن اللام في لفظ {الأمر} ليس للاستغراق لخروج ما نزل فيه الوحي بالاتفاق، فهو إذن لمعهود سابق وليس / ذلك إلا ما جرى من أمر الحرب في قصة أحد. وقد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل منه، وأشار عليه السعدان - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا فقبل منهما وخرق الصحيفة. ومنهم من قال: اللفظ عام خص منه ما نزل فيه وحي فيبقى حجة في الباقي، وكيف لا وإنه كان مأموراً بالاجتهاد فيما لم ينزل فيه وحي لعموم {أية : فاعتبروا يا أولي الأبصار} تفسير : [الحشر:2] والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة, وقد شاورهم يوم بدر في الأسارى وكان من أمور الدين، وقد عد المشاورة من جملة ما خص النبي صلى الله عليه وسلم بالوجوب عليه لأن ظاهر الأمر للوجوب. وقد يروى عن الشافعي أنه حمله على الندب قال: وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم:" حديث : البكر تستأمر في نفسها " تفسير : ولو أكرهها الأب على النكاح جاز لكن الأولى ذلك تطييباً لنفسها فكذا ههنا. {فإذا عزمت} أي قطعت الرأي على شيء بعد الشورى {فتوكل على الله} لأن الاعتماد في جميع الأمور عليه لا على الفكر والتدبير والرأي الحسن. عن جابر بن زيد أنه قرأ {فإذا عزمت} بالضم إذا أرشدتك إلى شيء وألزمته إياك فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحداً. {إن ينصركم الله} عن ابن عباس: إن ينصركم كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد {وإن يخذلكم} كما خذلكم يوم أحد {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} أي من بعد خذلالنه لدلالة الفعل عليه، أو هو من قولك "ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان" تريد إذا جاوزته. وقيل: إن ينصركم بجذبات العناية فلا غالب لكم من الصفات البشرية، وإن يخذلكم بترك الجذبات فمن ينصركم بعده من الأنبياء والأولياء؟ فإنه القادر على الإخراج عن هذا الوجود كما أنه هو القادر على الأدخال فيه. {وعلى الله} وليخص المؤمنون إياه بالتوكل لما علم أن الأمر كله له ولا رادّ لقضائه ولا دافع لبلائه، ولأن الإيمان يوجب ذلك ويقتضيه. وليس المراد بالتوكل أن يهمل الإنسان حال نفسه بالكلية ويرفض الوسائط والأسباب كما يتصور الجهال وإلا كان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، وإنما التوكل هو أن يراعي الأسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعوّل على عصمة الحق وتأييده وتوفيقه وتسديده. التأويل: {ولقد صدقكم الله} أيها الطلاب {وعده} ألا من طلبني وحدني إذ تقتلون جنود الصفات البشرية بأمره لا على وفق الطبع حتى إذا تركتم قتال النفس وخالفتم في أمر / الطلب وعصيتم الدليل المربي {من بعد ما أراكم} الدليل بالتربية {ما تحبون} من دلالة الطريق، وإنما عصيتم الدليل إذ دلكم على الله لأن منكم من كان همته زخارف الدنيا، ومنكم من كان همته طلب نعيم الآخرة. قرئت هذه الآية عند الشبلي فصاح صيحة وقال: ما كان من أحد يقال له ومنكم من يريد الله ثم صرفكم عن جهاد النفس وقتل صفاتها باستيلائها عليكم ليمتحنكم بالستر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، وبالفطام بعد ما أرضعكم بألبان الملاطفات {ولقد عفا عنكم} يعني بعد ابتلائكم عفا عن التفاتاتكم إلى الدنيا والآخرة بالعناية الأزلية {والله ذو فضل على المؤمنين} في الأزل إذ تصعدون في طريق الحق طالبين بعد ما كنتم هاربين ولا تلتفتون إلى أحد من الأمرين الدنيا والآخرة، ورسول الوارد من الحق يدعوكم إليّ عبادي إليّ عبادي، فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة غم طلب الحق لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من زخارف الدنيا ولا لما أصابكم من نعيم الآخرة {والله خبير بما تعملون} من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه فلا يخيب رجاءكم ويوفي جزاءكم. ثم أخبر عن إنزال حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة. فأنزل الأمن في صورة النعاس على الصحابة، وأخرج جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب والمكاشفات من معدن النعاس فإن أكثرها يقع بين النوم واليقظة. وطائفة من أرباب النفوس ومدعي الإسلام لا هم لهم إلا هم أنفسهم من استيفاء حظوظها واستيفاء لذاتها {ظن الجاهلية} وهو أن الأمور إلى الخلق لا إلى الله ولا بقضائه وقدره. هل لنا من أمر النصرة والظفر من شيء؟ {ما قتلنا ههنا} بالباطل على أيدي حزب الشيطان {وليبتلي الله ما في صدوركم} أيها المنافقون لأن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان {أية : ونزعنا ما في صدورهم من غل} تفسير : [الأعراف:43] {أية : يوسوس في صدور الناس} تفسير : [الناس:5] {وليمحص ما في قلوبكم} أيها المؤمنون لأن القلوب محل الإيمان والاطمئنان {أية : كتب في قلوبهم الإيمان} تفسير : [المجادلة:22] {أية : ألا بذكر الله تطمئن القلوب} تفسير : [الرعد:28] ونسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} الشيطان خلق من نار فلهذا استخرج من معدن الإنسان حديد ما كسبوا من التولي ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم. {ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم} ليعلم أن الله تعالى في كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يعلمها إلا هو. ومن هنا قال:"حديث : لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم " تفسير : إذا / ضربوا في الأرض سافروا في البلاد مستفيدين من العباد، أو سلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد، أو كانوا غزى مجاهدين مع كفار النفس والهوى والشيطان. لو كان موافقين معنا ما ماتوا بمقاساة الرياضة، وما قتلوا بسيف المجاهدة، ليجعل الله ذلك القول حسرة في قلوب الصديقين، والله يحيي قلوب أهل المجاهدة بأنوار المشاهدة فلا يحسرون على ما يقاسون، ويميت قلوب المنكرين بظلمة الإنكار وغلبة صفات النفس فيحسبون أنهم يحسنون. وباقي الحقائق قد مرت في التفسير. وقد سنح عند تحرير هذا الموضع أن قوله: {فبما رحمة من الله لنت لهم} يمكن أن يفهم منه الخطاب مع الروح الإنساني أنه لان برحمة الله لصفات النفس وقواها الشهوية والغضبية حتى يستوفي كل منها حظها ويرتبط بذلك بقاء النسل وصلاح المعاش، ولولا ذلك لاضمحلت تلك الوقى وانفضت من الجوانب وتلاشت، واختلت حكمة التمدن، وفقدت الكمالات التي خلق الإنسان لأجلها. ثم الكلام في أن هذا اللين لا بد له من الغلظة حتى لا يتجاوز عن الوسط ولا يخرج عن قانون الشرع والعقل كما تقدم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن السدي قال: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة، انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق. ثم إنهم ندموا فقالوا: بئسما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى لم يبق إلا الشريد، تركتموهم...؟ إرجعوا فاستأصلوا. فقذف الله في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا أعرابياً فجعلوا له جعلاً فقالوا له: إن لقيت محمداً فأخبرهم بما قد جمعنا لهم. فأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد. فأنزل الله في ذلك، فذكر أبا سفيان حين أراد أن يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وما قذف في قلبه من الرعب فقال {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في هذه الآية قال "حديث : قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفاً، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب ". تفسير : وأخرج مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نصرت بالرعب على العدوّ ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أبي امامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : فضلت على الأنبياء بأربع: أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما رجل أدركه من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره، ونُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأحل لنا الغنائم ".
القشيري
تفسير : إن الله سبحانه خصّ نبيّنا - صلى الله عليه وسلم - بإلقاءِ الرعبِ منه في قلوب أعدائه، قال عليه السلام: "حديث : نُصِرْتُ بالرعب"تفسير : . فكذلك أجرى هذه السُّنّة مع أوليائه؛ يطرح الهيبة منهم في القلوب، فلا يكاد يكون محق إلا ومنه - على المبطلين وأصحاب الدعوى والتمويه - هيبةٌ في القلوب وقهرٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {سنلقى فى قلوب الذين كفروا الرعب} وهو ما قذف فى قلوبهم من الخوف يوم احد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب ولهم القوة والغلبة. والرعب خوف يملأ القلب {بما اشركوا بالله} اى بسبب اشراكهم به تعالى فانه من موجبات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم {ما لم ينزل به} اى باشراكه {سلطانا} اى حجة وبرهانا وما مفعول بوقوع اشركوا عليه اى آلهة ليس على اشراكها حجة ولم ينزل عليهم به سلطانا واصل السلطان القوة فسلطان الملك قوته وسلطان المدعى حجته وبها يقوى على دفع المبطل. وفيه ايذان بان المتبع فى الباب هو البرهان السماوى دون الآراء والاهواء الباطلة {ومأواهم} اى ما يأوون اليه فى الآخرة {النار} لا ملجأ لهم غيرها {وبئس مثوى الظالمين} والمخصوص بالذم محذوف اى النار وفى جعلها مثواهم بعد جعلها مأواهم نوع رمز الى خلودهم فيها فان المثوى مكان الاقامة المنبئة عن المكث واما المأوى فهو المكان الذى يأوى اليه الانسان. والاشارة ان الله تعالى هو الذى يلقى الرعب والامن والرغبة والرهبة وغير ذلك فى قلوب العباد كما قال عليه السلام "حديث : قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف يشاء ". تفسير : وقال "حديث : ما من قلب الا بين اصبعين من اصابع الرحمن ان شاء اقامه وان شاء ازاغه " .تفسير : فعلى العبد ان يتضرع الى الله ويسأل منه الغلبة على النفوس الكافرة خصوصا النفس الامارة فانه ان اتبع هواها واطاعها فى مشتهاها ترده الى اسفل سافلين البشرية فينقلب خاسرا شعر : نمى تازد اين نفس سركش جنان كه عقلش تواند كرفتن عنان كه بانفس وشيطان بر آيد بزور مصاف بلنكان نيايد زمور تفسير : قال الشيخ ابو على الروذبادى قدس سره دخلت الآفة من ثلاثة. سقم الطبيعة. وملازمة العادة. وفساد الصحبة. فقيل له ما سقم الطبيعة قال اكل الحرام. فقيل وما ملازمة العادة قال النظر والاستماع بالحرام والغيبة. فقيل فما فساد الصحية قال كلما هاج فى النفس شهوة تتبعها ومن لم يصحبه فى هذا الباب توفيق من ربه كان متروكا فى ظلمة نفسه ألا ترى الى قوله تعالى {أية : بل الله مولاكم} تفسير : [آل عمران: 150]. اى يخرجكم من ظلمات البشرية الى انوار الربوبية فمن اتبع هواه وجعله مولى لنفسه فكيف يصاحبه الخروج من الظلمات وانما سببه ان ينقطع العبد الى مولاه الحقيقى ولا يعبد الا اياه ـ حكى ـ عن الاصمعى انه قال ان فتى جميلا خرج فى سفر له فوقع فى فلاة من الارض وصاحبته امرأة فعشقته فقالت ايها الفتى هل تحسن شيأ من الشعر قال نعم قالت قل فانشد شعر : ولست من النساء ولسن منى ولا ابغى الفجور الى الممات فلا لا تطمعى فيما لدينا ولو قد طال سير فى الفلاة فان الله يبصر فوق عرش ويغضب للفعال الموبقات تفسير : قالت دعنا من شعرك هل تقرأ شيأ من القرآن قال نعم قالت قل فقرأ قول الله تعالى {أية : الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} تفسير : [النور: 2]. قالت دعنى من قراءتك هذه فرجعت وهى خائبة فانظر الى حال الفتى وتوقيه عن شهوته كيف صبر عن المعصية والله يحب الصابرين شعر : جوان جست مى بايدكه از شهوت بيرهيزد كه بيرسست رغبت را خود آلت برنمى خيزد تفسير : ولذلك قال بعض المشايخ من لم يكن فى بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة وذلك لان الزهد بعد الاربعين بارد لا يثمر نفعا كثيرا ولا يغرنك هذا الخبر ويحملك على التكاسل فان المرء لا يصل الى حيث يسقط عنه الامر والنهى والغرض هو العبادة الى ان يأتى اليقين فالشبان والشيوخ فى باب التكليف متساوون وربما يتدارك فى الشيخوخة ما لا يتدارك فى الشباب: قال الحافظ الشيرازى شعر : اى دل شباب رفت ونجيدى كلى زعمر بيرانه سربكن هنرى ننك ونام را
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {الرعب}: الخوف، وفيه الضم والسكون، وهكذا كل ثلاثي ساكن الوسط، كالقدس والعسر واليسر، وشبه ذلك، و {بما أشركوا}: مصدرية. يقول الحقّ جلّ جلاله: سنقذف {في قلوب الذين كفروا} كأبي سفيان وأصحابه، {الرعب} والخوف، حتى يرجعوا عنكم بلا سبب، بسبب شركهم بالله {ما لم ينزل به سلطاناً} ولا حجة على استحقاق العبادة، {ومأواهم النار} أي: هي مقامهم، {وبئس مثوى الظالمين} أي: قبح مقامهم. ووضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ في العلة. الإشارة: فيها تسلية للفقراء، فإنَّ كل من هم بإذايتهم ألقى الله في قلبه الرعب، حتى لا يقدر أن يتوصل إليهم بشيء مما أمَّل فيهم، وقد رأيتهم هموا بقتلهم وضربهم وحبسهم، وسعوا في ذلك جهدهم، وعملوا في ذلك بينات على زعمهم، تُوجب قتلهم، فكفاهم الله أمرهم، وألقى الرعب في قلوبهم، فانقلبوا خائبين وماتوا ظالمين، والله ولي المتقين.
الطوسي
تفسير : ذكر ابن اسحاق أنه لما نال المسلمين ما نالهم يوم أحد بمخالفة الرماة أمر نبيهم (صلى الله عليه وسلم) وكان من ظهور المشركين عليهم ما كان عرفهم الله عز وجل الحال في ذلك ثم وعدهم بالنصر لهم، والخذلان، لأعدائهم بالرعب. وذكر السدي: أن أبا سفيان وأصحابه هموا بالرجوع بعد أحد لاستئصال المسلمين عند أنفسهم، فالقى الله الرعب في قلوبهم حتى انقلبو خائبين عقوبة على شركهم {بالله ما لم ينزل به سلطاناً} يعني برهاناً. اللغة، والحجة: فالسلطان معناه ها هنا الحجة، والبرهان، وأصله القوة، فسلطان الملك قوته. والسلطان: البرهان لقوته على دفع الباطل. والسلطان: التوكيل على المطالبة بالحق، لأنه تقوية عليه، والتسليط على الشيء: التقوية عليه مع الاغراء به. والسلاطة: حدة اللسان مع شدة الصخب للقوة على ذلك مع إثبات فعله: والسليط: الزيت لقوة اشتعاله بحدته. والالقاء حقيقته في الاعيان، كقوله:{أية : وألقى الألواح }تفسير : واستعمل في الرعب مجازاً، ومثل قوله: {أية : وألقيت عليك محبة مني}، تفسير : وقوله: {ومأواهم النار} أي مستقرهم وفي الآية دلالة على فساد التقليد، لأنه لا برهان مع صاحبه على صحة مذهبه، فكل من قال بمذهب لا برهان عليه، فمبطل بدلالة الآية. وقوله: {وبئس مثوى الظالمين} فالمثوى: المنزل، وأصله الثواء، وهو طول الاقامة ثوى يثوي ثواء: إذا طال مقامه وأثواني فلان مثوى أي أنزلني منزلا وربة البيت: أم مثواه. والثوي: الضيف لأنه مقيم مع القوم. وانما قيل لجهنم {بئس مثوى الظالمين} وبئس للذم، كما أن نعم للحمد لامرين: أحدهما - إن الضرر تنفر منه النفس كما ينفر العقل من القبح فجرى التشبيه على وجه المجاز - هذا قول أبي علي -. وقال البلخي: لأن الذم يجري على النقص كما يجري على القبح حقيقة فيهما، نحو قولهم: الاخلاق المحمودة والاخلاق المذمومة وروي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر" تفسير : وقد رعبته رعباً أي أفزعته، والاسم الرعب ورعبت الأناء إذا ملأته، فهو مرعوب.
الجنابذي
تفسير : {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} بعد ما تلطّف بهم وقوّاهم بكونه مولاهم وناصرهم وعدهم الرّعب فى قلوب اعدائهم استتماماً للنّصرة واستكمالاً للتّقوية وقد انجز وعده بعد هزيمة المسلمين فى احدٍ بنصرتهم على اعدائهم والقاء الخوف فى قلوبهم بحيث انهزموا وما وقفوا الى مكّة من خوف تعاقب المسلمين {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ} باشراكهم فى الطّاعة وفى الوجود {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} الباء فى به ظرفيّة او سببيّة او للالصاق والمعنى بما اشركوا بالله شريكاً لم ينزّل بسببه من حيث شركته برهاناً وحجّة دالّة على جواز الاشراك به فى الطّاعة وعلى جواز التوجّه والنّظر اليه. تحقيق الاشراك بالله باذنه وبرهانه اعلم انّ الانسان سوى المعصومين من اوّل الصّبا كافر محض حالاً واعتقاداً الى اوان المراهقة والبلوغ فان ساعده التّوفيق وانجذب الى الانقياد لنبىّ وقته والاعتقاد بالتّوحيد صار مسلماً موحّداً اعتقاداً وكان كافرا حالاً لانّه حينئذٍ فى دار الكثرة ومقام النّفس الّتى لا ترى الاّ الكثرات ولا تتذكّر فى الفاعلين فاعلاً وحدانيّاً بل لا تعتقد فاعلاً وحدانيّاً فان ساعده التّوفيق وانجذب من دار الكثرة الى دار الوحدة الّتى هى دار القلب ودار الايمان فان بايع البيعة الخاصّة الولويّة ودخل الايمان فى قلبه وهاجر من دار الحرب الّتى هى دار النّفس ودار الكفر الى مدينة القلب الّتى هى دار الامن والامان والايمان فهو قد يجد وجداناً وحالاً الهيّاً فى الفاعلين فيخرج من الكفر الحالىّ الى الشّرك الحالىّ ثمّ الشّهودىّ ثمّ العيانىّ حتّى يخرج من دار الشّرك الى دار التّوحيد بحيث لا يرى فى الوجود الاّ الله وحصّل معنى لا حول ولا قوّة الاّ بالله، ثمّ معنى لا اله الاّ الله، وهنا لك يخرج من الشّرك ويصير موحّداً فالانسان ما دام فى دار الكفر والشّرك لا يخرج من الاشراك بالله فى الوجود ولا فى الطّاعة لانّه ان لم يطع انساناً يطع هواه وشيطاناً فان كان ما اشرك به لله انزل الله تعالى حجّة وبرهاناً فى صحّة اشراكه كان المشرك موحّداً من طريق الاشراك وكان اشراكه مأذوناً فيه ومأجوراً فيه، وان لم ينزّل فى اشراكه برهاناً وسلطاناً كان اشراكه كفراً ومنهيّاً عنه ومورثاً لعقوبة الآخرة فقوله تعالى: {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} يفيد بمفهوم مخالفته انّه ان اشرك بالله من نزّل الله به سلطاناً لم يكن مذموماً وقد فسّر الاشراك فى الاخبار بالاشراك بالولاية وبالاشراك بعلىّ (ع) وذلك لظهور الآلهة بالولاية وظهور الله بعلىّ (ع) {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} النّار وفى وضع الظّاهر موضع المضمر اظهار لذمٍّ آخر واشعارٌ بعلّة الحكم.
اطفيش
تفسير : {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ}: الخوف الشديد لفظ الآية عام، وكذا معناها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر، ولو كان سبب النزل خاصاً"تفسير : وقيل: نزلت فى أبى سفيان ومن معه من المشركين حين ارتحلوا عن أحد إلى مكة، فبلغوا بعض الطريق فندموا، وقالوا: بئس ما صنعنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد، فتركناهم! ارجعوا إليهم واستأصلوهم. ولما عزموا على ذلك، ألقى الله عز وجل الرعب فى قلوبهم، حتى رجعوا عما عزموا عليه، وروى فى سبب هذا الرعب: أن معبد بن أبى معبد الخزاعى قد جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: والله يا محمد لقد ساءنا ما أصابك وكانت خزاعة، تميل إلى النبى صلى الله عليه وسلم، ثم ركب معبد حتى لحق بأبى سفيان، فلما رأى أبو سفيان معبداً، قال: ما وراك يا معبد، قال محمد فى أصحابه، يطلبكم فى جمع لم أر مثله، يتحرقون عليكم، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه، وندموا على ما صنعوا، قالوا: ويلكما، يقول: قال: والله ما أراك أن ترحل حتى نرى نواصى الخيل، قال: فوالله لقد عزمنا أن نكر إليهم، قال: فإنى أنهاك عن ذلك والله لقد حملنى ما رأيت على أن قلت فيهم شعراً. قال: وما قلت. قال: قلت: شعر : كادت تهد من الأصوات راحلتى إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردى بأسد كرام لا تنايله عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت أعدو وأظن الأرض مائلة لما سموا برئيس غير مخذول تفسير : إلى آخر أبياته، فألقى الله الرعب فى قلوب الكفار، وقال صفوان: لا تراجعوا فإنى أرى أنه سيكون للقوم قتال غير الذى كان، فنزلت الآية فى ذلك، ولا أحد بخالف دين الإسلام إلا وفى قلبه خوف شديد، أما عند الحرب أو عند المحاجة أو عند إلى يوم القيامة، وألقى الله الرعب أيضاً فى قلوبهم حين فرغوا من القتال فصعد أبو سفيان الجبل، فقال: أين محمد؟ وقيل قال: أين ابن أبى كبشه؟ يعنى رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وقال أيضاً: أين ابن أبى قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فأجابه عند تكريره عمر: هذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر؛ فلم يتجاسر أن يرجع إليهم. وألقى الله الرغب فى قلوبهم، أول الواقعة فقتل منهم المؤمنون كثيراً حتى زال الرماة عن موضعهم، وفسر بعضهم إلقاء الرعب بهذا الإلقاء الآخر، وقرأ ابن عامر والكسائى ويعقوب: {الرعب} بضم الراء والعين، وهو لغة أخرى، وقيل السكون تخفيف منه، وكذا القراءتان فى جميع القرآن. {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ}: الباء الأولى للسببية، والثانية للإلصاق المجازى، لأن الله جل وعلا، لا يجد ولا يحس، وما مصدرية، أى بإشراكهم بالله. {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً}: وهو الأصنام إذ لا حجة عقلية تقتضى أن تعبد، ولا شرعية ينزلها الله فى عبادتها، فإنه لا حجة لها أصلا، فضلا عن أن تنزل كقوله "ولا ترى الضَّب ينجحر" أى ليس فيها ضب فضلا عن أن يكون فيها حجر، وقوله تعالى: {أية : بغير عمد ترونها}تفسير : أى لاعمد رأساً، فضلا عن أن ترونها. وأصل السلطنة القوة منه السليط لقوة اشتعاله، والسلاطة لحدة اللسان، فتسمى الحجة سلطاناً لقوتها فى دفع الخصم، و{ما} الثانية: مفعول لأشركوا أى سووا الأصنام به، تعالى وتقدس. {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}: أى المكان الذى يصيرون إليه، كما يصير الرجل إلى داره، هو النار لا غيرها. {وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ}: أى مهلكهم أى هلاكهم بالنار، أو موضع هلاكهم، وهو النار، أو بئس مقامهم، أى موضع إقامتهم، وهو النار، و{الظالمين}: هم هؤلاء المشركون، ومقتضى الظاهر بئس مثواهم فوضع الظاهر موضع المضمر، ليذكرهم باسم قبيح، وهو الظلم، وليذكر أن العلة فى العذاب ظلمهم وهو الشرك، والإضرار بالمسلمين، وسائر معاصيهم، والمخصوص بالذم محذوف، أى بئس هلاك الظالمين هلاك بالنار، أو بئس إقامتهم إقامة بالنار، أو بئس موضعهم النار.
اطفيش
تفسير : {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} الخوف بعد أحد كما علا أبو سفيان أحدا، فقال، أبن ابن أبى كبشة، يعنى رسول صلى الله عليه وسلم، أبن ابن الخطاب، فأجابه ابن الخطاب، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أبو بكر وأنا عمر، ولم ينزل مع كثرة قومه إليهم مع قلتهم خوفا، بل قال، يوم بيوم، والأيام دول، والحرب سجال، أُعل هُبَل، فأجابه عمر، الله هو العلى الأجل، فى كلمات دارت بينهم، ورجع أبو سفيان إلى مكة من غير سبب غير الخوف، وقال، حديث : يا محمد، موعدكم موسم بدر، من قابل، فقال صلى الله عليه وسلم نعم: إن شاء اللهتفسير : ، وكما روى أنهم ساروا ما شاء الله عز وجل، وقيل وصلوا هاد كجبل قريبا من المدينة وندموا، وقالوا، ما صنعنا شيئا لم يبق إلا أقلهم فتركناهم وفيهم رؤساء يجمعون إليكم، ارجعوا إليهم نستأصلهم، فخافوا ولم يرجعوا، وأرسلوا بعض الأعراب، أن يبلغه صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان يجمع لكم، وقال قائلهم الغلبة لكم، فلعلكم إن رجعتم تكونوا مغلوبين فيفسد أمركم، وذلك الإلقاء بعد الوقعة كما ألقى أولا قبل ترك المركز، وحمل الآية عليه يحتاج إلى دعوى تقدم نزول سنلقى الآية على الآيات قبله، ولو تكلفناه لشمل هذا الرعب والرعبين المذكورين الواقعين بعد الوقعة، وتبعهم النبى صلى الله عليه وسلم بعد رجوعهم فى ستمائة وثلاثين ممن شهد أحدا، حتى وصلوا حمراء الأسد على ثمانية أميال من المدينة، ولم يدرك منهم أحدا، وقيل الآية نزلت فى الأحزاب {بِمَآ أَشْرَكُوا} بإشراكهم {بِأللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ} الأصنام والشياطين، وروعى لفظ ما، أو المراد العبادة كذلك، أو الإشراك، أى بعبادته أو إشراكه {سُلْطَاناً} حجة لعدمها، فضلا عن أن ينزلها، والسالبة تصدق بنفى الموضوع، سميت سلطانا لقوتها ووضوحها وحدتها ونفوذها، والنون زائدة لا وجه لأصالته {وَمَأْوَاهُمُ} مرجعهم {النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَالِمِينَ} مقامهم أبدا، وذلك ترتيب بحسب الوجود، فإن الذهاب لى موضع سابق على الإقامة فيه والظالمون عام، ومنهم هؤلاء، والظلم عام، وأعظمه الشرك، والمخصوص مقدر، أى هى، ولما رجح رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحد إلى المدينة قال بعض الصحابة من أين اصابنا هذا وقد وعدنا بالنصر، فنزل قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ} وَفىَّ لكم وعده بالنصر المذكور فى قوله تعالى، بلى إن تصبروا وتتقوا...الآية {إِذْ تَحُسُّونَهُم} أى تبطلون حسهم بالقتل، أو تصيبون حواسهم بالسوء، كقولك، كبدته، أصبت كبده، وركبته، أُصبت ركبته كما أطلقته فى شرح لامية أبن مالك، قال صحابى: شعر : ومنا الذى لاقى بسيف محمد فحس به الأعداء عرض العساكر تفسير : {بِإِذْنِهِ} بإرادته أو قدرته كما وعدكم بالنصر لما أقبل المشركون، جعل رماتكم يرشقونهم بالنبل، وباقوكم يضربونهم بالسيف والرمح حتى انهزموا وأنتم بإثرهم، فهذا وفاء بالوعد حتى تركتم الشرط وهو الصبر والاتقاء بانقسامكم قسمين، بسبب ميل قسم إلى الغنيمة، فالمائل إليها معرض عن القتال، ضعيف فيه، وغير المائل منكسر القلب ضعيفه بالانفراد عن الآخر، ولا سيما أن غير المائل قليل، وحتى للابتداء، وجواب إذا يقدر بعد قوله، ما تحبون، هكذا منكم نصره أو انهزمتم أو امتحنكم أو جبنتم، واعترض تقدير امتحنكم يجعل الابتلاء غاية للصرف المترتب على منع النصر، ويضعف تقديره بأن لكم أمركم، أو انقسم قسمين لقلة فائدة ذلك، ولأنه يغنى عنه قوله عز وجل، منكم من يريد الخ، وإن أخرجناها عن الشرط وجررناها بحتى كان المعنى تحسونهم إلى وقت فشلكم، أو صدقكم وعده إلى وقت فشلكم، أو دام ذلك إلى وقت فشلكم، وتعلق بتحس أو صوتكم {وَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ} أمر الحرب، أو أمره صلى الله عليه وسلم، فمن قائلين، ما مقامنا هنا وقد انهزم المشركون، هلموا نغنم، وهم الأكثر، ومن قائلين، لا تخالف موضعاً أمرنا صلى الله عليه وسلم به، وهم أمير المركز، عبد الله بن جبير ونفر دون العشرة، قتلوا رضى الله عنهم، والباقون الأكثر عصوا، وهم المراد بقوله {وَعصَيْتُم} فالمراد فيه المجموع لا الجميع، لأن من لزم المركز مطيع، وإنما عصى من انتقل عنه، وهو سفح الجبل، أمر الجميع بلزومه والرمى منه معاونة لأصحاب السيف {مِّنْ بَعدِ مَآ أَرَٰكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} من الظفر والغنم وانهزام العدو، وروى أحمد وغيره عن ابن عباس ما نصر الله عز وجل نبيه فى موطن كما نصره فى أحد، فأنكروا ذلك، فاحتج عليهم بقوله تعالى، ولقد صدقكم الله وعده، {إذ تحسونهم}، قال مجاهد، نصر الله تعالى المؤمنين، حتى ركبت نساء المشركين على كل صعب وذلول، وقد قال صلى الله عليه وسلم للرماة، "حديث : لا تفارقوا موضعكم ولو رأيتم الطير تأكلنا"تفسير : ، ففارقوه وجاءهم خالد وعكرمة بن أبى جهل فأرسل إليهم صلى الله عليه وسلم الزبير فهزمهما ومن معهما، فدخل الرماة العسكر ودخل خالد ومن معه موضعهم، وقتل بعض المسلمين بعضا التباسا {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدَّنْيَا} وهم من تحولوا عن المركز للغنيمة {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الأَخِرَةَ} وهم الملازمون للمركز حتى قتلوا {ثُمَّ صَرَفَكُمْ} عطف على جواب إذا، والمعنى كفكم {عَنْهُمْ} بالانهزام، وغلبوكم {لِيَبْتَلِيَكُمْ} يعاملكم معاملة المختبر ليظهر إخلاصكم وثباتكم على الإيمان وعدمها، وفى ذلك استعارة مركبة تمثيلية، والآية دليل على أن كل فعل لمخلوق فعل الله، بمعنى أنه خلقه، ولو معصية، إذا أسند الصرف إلى نفسه، مع أن الانهزام كبيرة ومخالفة لأمره صلى الله عليه وسلم بلزوم المركز {وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ} لعلمه بتوبتكم عن المخالفة، فلا ضمان دية ولا عتاب، فهذا تفضل، فلا دليل فى الآية على تصور العفو بلا توبة، نعم يتصور فى ناسى ذنبه الذى لم يصر عليه، ولا سيما من يستغفر من الذنوب عموما وخصوصا فيدخل ذنبه فى العموم، وهو تعميم واجب عَلَى المكلف، وقيل: عفا عنكم بمحض فضله، عفا عن الاستئصال، وقيل عن من لم يعص بانصرافه {وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنيِنَ} يعفو عنهم ويرحمهم، غُلبوا أو غَلبوا، والمراد المخاطبون، أو عموم المؤمنين، فيدخلون أولا.
الالوسي
تفسير : {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } كالبيان لما قبل، وعبر بنون العظمة على طريق الالتفات جرياً على سنن الكبرياء لتربية المهابة، والسين لتأكيد الإلقاء، و (الرعب) بسكون العين الخوف والفزع أي سنقذف ذلك في قلوبهم، والمراد من الموصول أبو سفيان وأصحابه، فقد أخرج ابن جرير عن السدي قال: «لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد / تركتموهم ارجعوا فاستأصلوا فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا اعرابياً فجعلوا له جُعْلاً فقالوا له إن لقيت محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخبرهم بما قد جمعنا لهم فأخبر الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد فأنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية يذكر فيها أمر أبـي سفيان وأصحابه، وقيل: إن الآية نزلت في يوم الأحزاب، وفي «صحيح مسلم» عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نصرت بالرعب على العدو»تفسير : ، وأخرج أحمد وغيره من حديث أبـي أمامة «حديث : نصرت بالرعب مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي»تفسير : ، وقرىء {سيلقى} بالياء، وقرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي {ٱلرُّعُبَ } بضم العين وهي لغة فيه، وقيل: الضم هو الأصل والسكون للتخفيف، وقيل: الأصل السكون والضم للاتباع. {بِمَا أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ } أي بسبب إشراكهم بالذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال ولإشعار هذا الاسم بالعظمة المنافية للشركة أتى به، والجار الأول متعلق، بـ {سَنُلْقِى} دون {ٱلرُّعْبَ} ولا يمنع من ذلك تعلق في به لاختلاف المعنى والثاني متعلق بما عنده وكان الاشراك سبباً لالقاء الرعب لأنه من موجبات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم وكلاهما من دواعي الرعب {مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ } أي بإشراكه، وقيل: بعبادته، وما نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية {سُلْطَـٰناً } أي حجة، والإتيان بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة، وسميت بذلك لأنه بها يتقوى على الخصم ويتسلط عليه، والنون زائدة، وقيل: أصلية، وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم أي لا حجة حتى ينزلها، فهو على حد قوله في وصف مفازة:شعر : لا يفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر تفسير : إذ المراد لا ضبَّ بها حتى ينجحر فالمراد نفيهما جميعاً وهذا كقولهم: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، وما ذكرنا من استحالة تحقق الحجة على الاشراك يكاد يكون معلوماً من الدين بالضرورة أما في الاشراك بالربوبية فظاهر إذ كيف يأمر الله سبحانه باعتقاد أن خالق العالم اثنان مشتركان في وجوب الوجود والاتصاف بكل كمال، وأما الاشراك في الألوهية الذي عليه أكثر المشركين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأنه يفضي إلى الأمر باعتقاد أشياء خلاف الواقع مما كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وقد ردّه عليهم، فقول عصام الملة: ونحن نقول الحجة على الاشراك تحت قدرته تعالى لو شاء أنزلها إذ لو أمر بإشراك الأصنام به في العبادة لوجبت العبادة لا أراه إلا حلا لعصام الدين لأن لا إله إلا الله المخاطب بها الثنوية والوثنية تأبـى إمكان ذلك كما لا يخفى على من اطلع على معنى هذه الكلمة الطيبة رزقنا الله تعالى الموت عليها ولا جعلنا ممن أشركوا بالله تعالى ما لم ينزل به سلطاناً. {وَمَأْوَاهُمُ } أي ما يأوون إليه في الآخرة {ٱلنَّارُ } لا مأوى لهم غيرها. {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي مثواهم وإنما وضع الظاهر موضع الضمير للتغليظ والتعليل والإشعار بأنهم في إشراكهم ظالمون واضعون للشيء في غير موضعه، والمثوى مكان الإقامة على وزن مفعل من ثويت ولامه ياء والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثواهم النار، ولم يعبر بالمأوى للإيذان بالخلود إذ الإقامة مأخوذة في المثوى دونه.
ابن عاشور
تفسير : رجوع إلى تسلية المؤمنين، وتطْمينهم، ووعدهم بالنَّصر على العدوّ. والإلقاءُ حقيقته رمي شيء على الأرض {أية : فألقوا حبالهم وعصيّهم}تفسير : [الشعراء: 44]، أو في الماء {أية : فألقِيه في اليمّ}تفسير : [القصص: 7] ويطلق على الإفضاء بالكلام {أية : يُلقُون السمع}تفسير : [الشعراء: 223] وعلى حصول الشيء في النفس كأنّ ملقياً ألقاه أي من غير سبق تهيّؤ {أية : وألقينا بينهم العداوة والبغضاء}تفسير : [المائدة: 64] وهو هنا مجاز في الجعل والتَّكوين كقوله: {أية : وقذف في قلوبهم الرعب}تفسير : [الأحزاب: 26]. والرعب: الفزع من شدّة خوف، وفيه لغتان الرعْب ـــ بسكون العين ـــ والرعُب ـــ بضم العين ـــ وقرأه الجمهور ـــ بسكون العين ـــ وقرأه ابن عامر، والكسائي ـــ بضم العين ـــ. والبَاء في قوله: {بما أشركوا بالله} للعِوض وتسمّى باء المقابلة مثل قولهم: هذه بتلك، وقوله تعالى: {أية : جزاء بما كسبا}تفسير : [المائدة: 38]، وهذا جزاء دنيوي رتّبهُ الله تعالى على الإشراك به، ومن حكمته تعالى أن رتّب على الأمور الخبيثة آثاراً خبيثة، فإنّ الشرك لمّا كان اعتقاد تأثير من لا تأثير له، وكان ذلك الاعتقاد يرتكز في نفوس معتقديه على غير دليل، كان من شأن معتقده أن يكون مضطرِب النَّفس متحيّراً في العاقبة في تغلّب بعض الآلهة على بعض، فيكون لكلّ قوم صَنم هم أخصّ به، وهم في تلك الحالة يعتقدون أنّ لغيره من الأصنام مثل ما له من القدرة والغيرة. فلا تزال آلهتهم في مغالبة ومنافرة. كمَا لا يزال أتباعهم كذلك، والَّذين حالهم كما وصفنا لا يستقرّ لهم قرار في الثِّقة بالنَّصر في حروبهم، إذ هم لا يدرون هل الربح مع آلهتهم أم مع أضدادها، وعليه فقوله: {ما لم ينزل به سلطاناً} صلة أجريت على المشرك به ليس القصد بها تعريف الشركاء، ولكن قصد بها الإيماء إلى أنَّه من أسبابِ إلقاء الرعب في قلوبهم، إذ هم على غير يَقين فيما أشركوا واعتقدوا، فقلوبهم وَجِلة متزلزلة، إذ قد علم كلّ أحد أن الشركاء يَستحيل أن ينزل بهم سلطان. فإن قلتَ: ما ذكرتَه يقتضي أنّ الشرك سبب في إلقاء الرعب في قلوب أهله، فيتعيّن أن يكون الرعب نازلاً في قلوبهم من قبل هذه الوقعة، والله يقول {سنلقي} أي في المستقبل، قلت: هو كذلك إلاّ أنّ هذه الصّفات تستكنّ في النفوس حتَّى يدعو داعي ظهورها، فالرعب والشجاعة صفتان لا تظهران إلا عند القتال، وتقويان وتضعفان، فالشجاع تزيد شجاعته بتكرّر الانتصار، وقد ينزوي قليلاً إذا انهزم ثُمّ تعود له صفته سرعَى. كما وصفه عمرو بن الإطْنابَةِ في قوله: شعر : وقَوْلي كُلَّمَا جَشَأتْ وجَاشَتْ مَكَانَكِ تُحْمَدِي أوْ تَسْتَرِيحِي تفسير : وقول الحُصَيْنِ بن الحُمَام: شعر : تَأخَّرْتُ أسْتَبْقِي الحياة فلم أجدْ لِنَفْسِي حَيَاة مثلَ أنْ أتَقدّمَا تفسير : وكذلك الرعب والجبن قد يضعف عند حصول بارقة انتصار، فالمشركون لما انهزموا بادِىء الأمر يومَ أُحُد، فُلَّت عزيمتهم، ثُمّ لمّا ابتلَى الله المؤمنين بالهزيمة راجعَهم شيء من الشجاعة والازدهاء، ولكنّهم بعد انصرافِهم عَاوَدَتْهم صفاتهم، (وتأبَى الطِبَاعُ عَلى الناقل). فقوله: {سنُلقي} أي إلقاءَ إعادةِ الصفة إلى النُّفوس، ولك أن تجعل السين فيه لمجرّد التَّأكيد أي ألقينا ونُلقي، ويندفع الإشكال. وكثير من المفسِّرين ذكروا أنّ هذا الرعب كانت له مظاهر: منها أنّ المشركين لمَّا انتصروا على المسلمين كان في مكنتهم أن يوغلوا في استيصالهم إلاّ أنّ الرعب صدّهم عن ذلك، لأنَّهم خافوا أن تعود عليهم الهزيمة، وتدور عليهم الدائرة، ومنها أنَّهم لمَّا انصرفوا قاصدين الرجوع إلى مكَّة عنّ لهم في الطريق ندم، وقالوا: لو رجعنا فاقتفينا آثار محمد وأصحابه، فإنّا قتلناهم ولم يبق إلاّ الفَلّ والطَّريد، فلْنرجع إليهم حتَّى نستأصلهم، وبلغ ذلك النَّبيء صلى الله عليه وسلم فندب المسلمين إلى لقائهم، فانتدبوا، وكانوا في غاية الضعف ومثقّلين بالجراحة، حتَّى قيل: إنّ الواحد منهم كان يحمل الآخر ثمّ ينزل المحمول فيحمل الَّذي كان حامله، فقيّض الله مَعْبَد بنَ أبي مَعْبَد الخُزَاعي وهو كافر فجاء إلى رسول الله فقال: «إنّ خزاعة قد ساءها ما أصابك ولوَدِدْنا أنَّك لم تُرزأ في أصحابك» ثُمّ لحق معبد بقريش فأدركهم بالرّوْحَاء قد أجمعوا الرجعة إلى قتال المسلمين فقال له أبو سفيان: ما وراءَك يا معبد، قال: محمد وأصحابه قد خرجوا يطلبونكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرّقون عليكم، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه، فقال: ويلك، ما تقول؟ قال: ما أرى أنَّك ترتحلُ حتَّى ترى نواصي الخيل ولقد حملني ما رأيت منه على أن قلتُ فيه: شعر : كَادَت تُهَدّ من الأصوات راحلتي إذْ سالت الأرض بالجُرْد الأبابيلِ تَرْدِي بأسْدٍ كرامٍ لا تَنابِلَةٍ عند اللِّقاء ولا مِيلٍ مَعَازِيلِ فَظَلْتُ أعْدُو وأظُنّ الأرض مائلة لمّا سَمَوا برَئيس غير مخذولِ تفسير : فوقع الرّعب في قلوب المشركين وقال صفوان بن أميَّة: لا ترجعوا فإنِّي أرى أنَّه سيكون للقوم قتال غير الَّذي كان. وقوله: {ما لم ينزل به سلطانا} أي ما لاسلطان له. والسلطان: الحجّة والبرهان لأنَّه يتسلّط على النّفس، ونُفي تنزيله وأريد نَفْيُ وجوده، لأنّه لو كان لنَزْل أي لأوْحى الله به إلى النَّاس، لأنّ الله لم يكتم النَّاسَ الإرشادَ إلى ما يجب عليهم من اعتقاد على ألْسنةِ الرسل، فالتنزيل إمَّا بمعنى الوحي، وإمَّا بمعنى نصب الأدلَّة عليهم كقولهم: «نزلت الحكمة على ألْسنة العرب وعقول الفرس وأيدي الصّين» ولمَّا كان الحقّ لا يعدو هذين الحالين: لأنَّه إمَّا أن يعلم بالوحي، أو بالأمارات، كان نفي تنزيل السلطان على الإشراك كناية عن نفي السلطان نفسه، كقول الشاعر الّذي لا يعرف اسمه: شعر : لا تُفْزع الأرْنَبَ أهوالُهَا ولا تَرَى الضبّ بها يَنْجَحِرْ تفسير : وقوله: {ومأواهم النار} ذِكر عقابهم في الآخرة. والمأوى مَفعل من أوى إلى كذا إذا ذهب إليه، والمَثْوَى مَفعل من ثَوَى إذا أقام؛ فالنَّار مصيرهم ومقرّهم والمرادُ المشركون.
الواحدي
تفسير : {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرُّعب} الخوف حتى لا يرجعوا إليكم {بما أشركوا} أيْ: بإشراكهم بالله {ما لم ينزل به سلطاناً} حجَّةً وبرهاناً، أيْ: الأصنام التي يَعبدونها مع الله بغير حجَّة {ومأواهم النار} أَيْ: مرجعهم النَّار {وبئس مثوى الظالمين} مقامهم. {ولقد صدقكم الله وعده} بالنَّصر والظَّفر {إذْ تحسُّونهم} تقتلون المشركين يوم أُحدٍ في أوَّل الأمر {بإذنه} بعلم الله وإرادته {حتى إذا فشلتم} جَبنْتُم عن عدوِّكم {وتنازعتم} اختلفتم في الأمر. يعني: قول بعضهم: ما مقامنا وقد انهزم القوم الكافرون، وقول بعضهم: لا نجاوز أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الاختلاف كان بين الرُّماة الذين كانوا عند المركز {وعصيتم} الرَّسول بترك المركز {من بعد ما أراكم ما تحبُّون} من الظَّفر والنَّصر على أعدائكم {منكم مَنْ يريد الدنيا} وهم الذين تركوا المركز، وأقبلوا إلى الذَّهب {ومنكم مَن يريد الآخرة} أَيْ: الذين ثبتوا في المركز {ثمَّ صرفكم} ردَّكم بالهزيمة {عنهم} عن الكفَّار {ليبتليكم} ليختبركم بما جعل عليكم من الدَّبرة، فيتبيَّن الصَّابر من الجازع، والمخلص من المنافق {ولقد عفا عنكم} ذنبَكم بعصيان النبيِّ صلى الله عليه وسلم والهزيمة {والله ذو فضلٍ على المؤمنين} بالمغفرة.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 151- ولا يضعفكم ما أصابكم يوم أُحد، فسنقذف الخوف والفزع فى قلوب أعدائكم، لإشراكهم بالله آلهة لم ينزل الله بعبادتها حُجة، لأنها لا تنفع ولا تضر، ومستقرهم النار فى الآخرة وبئس هذا المكان للظالمين مقاماً. 152- وإن نصر الله محقق واقع، ولقد صدقكم الله الوعد بالنصر حين قتلتم كثيرين منهم أول الأمر بإرادته، حتى إذا ضعف رأيكم فى القتال، واختلفتم فى فهم أمر النبى إياكم بالمقام فى مراكزكم، فرأى بعضكم ترك موقعه حيث ظهر النصر، ورأى البعض البقاء حتى النهاية، وعصى فريق منكم أمر الرسول فمضى لطلب الغنيمة من بعد ما أراكم ما تحبون من النصر، وصرتم فريقين منكم من يريد متاع الدنيا، ومنكم من يريد ثواب الآخرة، لما كان ذلك، منعكم نصره ثم ردكم بالهزيمة عن أعدائكم، ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره. ولقد تجاوز عنكم لما ندمتم. والله ذو الفضل عليكم بالعفو وقبول التوبة. 153- اذكروا - أيها المؤمنون - حالكم وقت أن كنتم تبعدون فى الأرض هاربين، ولا تلتفتون لأحد من شدة الهرب، والرسول يناديكم من ورائكم لترجعوا، فجازاكم الله حزناً غامراً كالغمة، توالى على نفوسكم لكى لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة وما أصابكم من الهزيمة، والله عليم بمقاصدكم وأعمالكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُلْطَاناً} {وَمَأْوَاهُمُ} {ٱلظَّالِمِينَ} (151) - يُبَشِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأنَّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أعْدَائِهِم الرُّعْبَ لأنَّهُمْ كَفَرُوا وَأشْرَكُوا بِاللهِ، وَهَذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ، قَدْ جَعَلَ نُفُوسَ المُشْرِكِينَ مُضْطَرِبَةً، وَقُلُوبَهُمْ مُمْتَلِئَةً رُعْباً وَهَلَعاً مِنَ المُؤْمِنينَ، حِينَما يَلْتَقُونَ بِهِمْ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَأنَّهُ سَيَدَّخِرُ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابَ النَّارِ وَنَكَالَها. وَالنَّارُ بِئْسَ المَثْوَى وَالنِّهَايَةُ لِلظَّالِمِينَ الكَافِرِينَ. المَثْوَى - المَقَرُّ وَالمَأوَى. سُلْطاناً - حُجَّةً وَبُرْهَاناً. مَثْوَى الظَّالِمِينَ - مَأوَاهُمْ وَمُقَامُهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وألقى الحق في قلوبهم الرعب بالفعل. فساعة قالوا لأبي سفيان: إن محمداً قادم إليك بجيش كثيف من المدينة، وانضم له مقاتلون لم يحاربوا من قبل، وقادم إليكم في حمراء الأسد. ماذا صنع أبو سفيان وقومه؟ ألقى الله الرعب في قلوبهم وفروا. وكلمة "سنلقي" مأخوذة من "الإلقاء" وهو لا يكون إلا لمادة وعين. ويبين لنا القرآن هذا الأمر حين يقول: "فألقى الألواح"، هذه حاجة مادية. قال تعالى: {أية : وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي ..}تفسير : [الأعراف: 150]. إنه أمر مادي .. ونحن نقول: ألقى الحجر. والحق سبحانه يقول: {أية : فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الشعراء: 44]. إنها حبال، أي أمر مادي. وسبحانه وتعالى يقول عن الوحي لأم موسى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [القصص: 7]. فالإلقاء أمر مادي، كأن الله يريد أن يجعل المعنى وهو الرعب شائعاً، فقال: أنا سأجمع الرعب وأضعه في القلب، ويكون عمله ماديًّا. فإذا ما استقر الرعب في القلب جاء الخَور، وإذا سكن الخور القلب نضح على جميع الجوارح تخاذلاً، فيقول: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} [آل عمران: 151] فكأنه مثل لنا الرعب، والرعب أمر معنوي وهو التخوف من كل شيء، فأوضح: بأنه سيأتيهم بالرعب ويلقيه في القلب، فيبقى به ليصنع الخور والخذلان. {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} [آل عمران: 151] انظروا إلى التعابير الصادرة عن الله إنه هنا يأتي بـ "نون العظمة"، "سنلقي" ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى ساعة يتكلم عن أمر يحتاج إلى فعل فهو سبحانه يأتي بـ "نون العظمة" كقوله: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر: 9]. ولأن إنزال الذكر عملية عظيمة، فنأتي بـ "نون العظمة". لأننا سننزله بقدرة وسننزله بحكمة، وننزله بعلم وننزله بسمع، وننزله ببصر، وننزله بقيومية، وننزله بقبض, وننزله ببسط، فقوله: "إنا نحن" فكأن نون العظمة تأتي هنا، لكن ساعة يتكلم سبحانه عن الذات العلية فهو يقول: "إنني أنا الله". لم يقل إننا، ولكن في الإنزال يقول: {أية : إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ}تفسير : [القدر: 1]. لأن هذه عملية عظيمة جليلة؛ فـ "نون العظمة" تأتي فيما يكون من شأنه حدث يُفعل؛ وهذا الحدث الذي يُفعل يحتاج لصفات كثيرة، ولذلك قلنا ساعة تبتدئ أيَّ عمل تقول: "بسم الله الرحمن الرحيم" لماذا؟ لأن العمل الذي ستعمله يحتاج إلى قدرة علية، ويحتاج إلى علم قبل أن تعمله، ويحتاج إلى حكمة، أي أنه يحتاج إلى صفات كثيرة، فأنت تدخل على العمل باسم القادر الذي يُقْدِرُك؛ وباسم العليم الذي يعلمك، وباسم الحكيم الذي يحكمك. وكل هذه الصفات ستتكاتف في إبراز العمل كي يرحمك حتى في الاستعانة، فلا يقول لك: هات الصفات كلها التي يحتاج إليها فعلك؛ لأن هناك صفات أنت لا تعرفها، فيقول لك: هات الاسم الجامع لكل صفات الكمال. قال: "باسم الله"، وهي تضم كل صفات الكمال. إذن فأنت تلاحظ أنك إذا رأيت "نون العظمة" التي نسميها "نون الجمع" نجد أننا نقول: "نحن" للجماعة. أو للمتكلم الواحد حين يعظم نفسه، ولذلك نلاحظها حتى في قانون البشر، ألم يقولوا في الملكية: "نحن الملك"، وهذه النون بالنسبة لله ليست نون الجماعة. إنما هي "نون العظمة"، العظمة الجامعة لكل صفات الكمال التي يتطلبها أي فعل من الأفعال، لذلك قال سبحانه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} [آل عمران: 151] فكل قلب به كفر يحتاج إلى إلقاء الرعب فيه. إذن فتأتي نون العظمة لتستوعب كل هذه القلوب الكافرة. وهو سبحانه لا يتجنى عليهم بإلقاء الرعب، ولكن هم الذين استحقوا أن يلقى في قلوبهم الرعب، لماذا؟ "بما أشركوا". إن الإشراك بالله هو الذي جاء لهم بالرعب؛ لأن الله يفعل، والشركاء لا يفعلون. ولو أن شركاءهم حق لما تخلوا عنهم. فلماذا لم يأتوا بشركائهم لينصروهم؟ لقد جاءهم الرعب لأنهم ليس لهم مولى، ولو كان لهم آلهة قادرة - كما يدعون - لقالوا لتلك الآلهة: رب محمد يعمل معنا هكذا فلماذا لا تقفون له يا أربابنا؟ لكنهم أشركوا بالله ما لا يضر ولا ينفع، بل ضره أقرب من نفعه. {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} [آل عمران: 151] والسلطان هو القوة والحجة والبرهان مأخوذة من مادة "السين واللام والطاء" ونقول: فلان تسلط على فلان، أي أرغمه بقدرته عليه. ويقولون: فلان سليط اللسان، أي قادر أن يسب، إذن فالسلطة هي: القهر، والقوة التي ترغم على الفعل، وفي المعنويات هي الحجة والبرهان، والمؤمنون دائماً ذوو سلطان من الله؛ لأنهم إن انتصروا مادياً فذلك سلطان القهر، وإن انهزموا مادياً فعندهم سلطان الحق والدليل؛ ولذلك قلنا سابقاً: إن إبليس يأتي يوم القيامة ويقول: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..}تفسير : [إبراهيم: 22]. وقلنا إن السلطان نوعان: إما قوة تقهرنا على أن نفعل المعصية، وإما برهان ودليل يجعلنا نفعل المعصية. والفرق بين القوة القاهرة وبين سلطان الدليل هو أن القوة القاهرة تجعلك تفعل وأنت مرغم غير راض عن الفعل. أما سلطان الدليل فيقنعك بأن تفعل؛ فتكون قد فعلت برضاك، فمرة يأتي السلطان بمعنى: قوة تقهرك على أن تفعل الفعل وأنت مرغم. إنما قوة الدليل تقنعك أن تفعل، فيأتي الشيطان ليقر على نفسه في الآخرة ويقول: "وما كان لي عليكم من سلطان" أي ليس معي قوة تقهركم على المعصية وليس معي دليل يقنعكم حتى تفعلوا المعصية، لا هذا ولا ذاك، فما الحكاية إذن؟ قال: "وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي". أي إنكم أطعتموني واستجبتم لدعوتي بلا سلطان قوة أقهركم به على شيء، ولا سلطان دليل أقنعكم به. ويذيل الحق الآية بقوله: {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151] أي أن المرجع الذي يأوون إليه هو النار، والمأوى؛ هو الموضع الذي ترجع أنت إليه. وكأن في هذا المرجع ذاتية من الكافر تلقيه على النار فهو - أي الكافر - مأواه ومثواه الذي يرجع إليه. ولذلك يجب أن نفطن إلى قوله الحق في بعض الأساليب: "وإليه تَرجَعون" وقوله: "وإليه تُرجَعون". {وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151] .. أي مثوى لا مفر بعده أبداً، فكل مثوى من الجائز أننا نرحل عنه، لكن المثوى الذي سيبقى خلوداً للظالمين هو النار وهو بئس المثوى. وبعد ذلك يقول الحق: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ ...}.
الأندلسي
تفسير : {سَنُلْقِي} أتى بالسين التي هي أقرب في الاستقبال من سوف، وقرىء الرعب بسكون العين وضمها والباء في بما للسبب وما مصدرية أي بإِشراكهم بالله. وقرىء سيلقي بالياء وهو ضمير الله تعالى. {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} يريد إلهاً أو معبوداً لم ينزل به سلطاناً وليس المعنى أن ثم سلطاناً لم ينزل الله وإنما المعنى على نفي السلطان فينتفي الإِنزال كما قال الشاعر: شعر : على لاحب لا يهتدي بمناره تفسير : أي لا منار له فيهتدي به فانتفى السلطان والانزال كما انتفى المنار والهداية به. {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} هذا جواب لمن رجع إلى المدينة من المؤمنين، قالوا: وعدنا الله بالنصر والامداد بالملائكة فمن أي وجه آتينا فنزلت اعلاماً أنه تعالى صدقهم الوعد ونصرهم على أعدائهم أولاً وكان الامداد مشروطاً بالصبر والتقوى فاتفق من بعضهم من المخالفة ما نص الله تعالى في كتابه وجاءت المخاطبة بجمع ضمير المؤمنين في هذه الآيات وإن كانوا لم يصدر ما يعاتب عليه من جميعهم وذلك على طريقة العرب في نسبة ما يقع من بعضهم للجميع على سبيل التجوز، وفي ذلك إبقاء على من فعل وستر إذ لم يعين وزجر لمن لم يفعل أن يفعل وصدق الوعد هو أنهم هزموا المشركين أولاً، وكان لعلي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب والزبير وأبي دجانة وعاصم بن أبي الأفلح رضي الله عنهم في ذلك اليوم بلاء عظيم وهو مذكور في السير وكان المشركون في ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس والمسلمون في سبعمائة رجل وتعدت صدق هنا إلى اثنين ويجوز أن تتعدى إلى الثاني بحرف جر تقول: صدقت زيداً الحديث وصدقت زيداً في الحديث وذكرها بعض النحويين في باب ما يتعدى إلى اثنين وأصلها أن يكون الثاني بحرف الجر فيكون من باب استغفر واختار والعامل في إذ صدقكم ومعنى تحسونهم تقتلونهم وكانوا قتلوا من المشركين اثنين وعشرين رجلاً وقرأ أبو عبيد بن عمير تحسونهم رباعياً من الاحساس أي تذهبون حسهم بالقتل وغيا القتل بوقت الفشل وهو الجبن والضعف والتنازع هو التجاذب في الأمر التنازع صدر من الرماة حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رتب الرماة على فم الوادي وقال: أثبتوا مكانكم وإن رأيتمونا هزمنا فأنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم وعدهم بالنصر إن ثبتوا أو انتهوا إلى أمره تفسير : ، فلما انهزم المشركون قال بعض الرماة: قد انهزموا فما موقفنا هنا الغنيمة الغنيمة الحقوا بنا بالمسلمين، وقال بعضهم: بل نثبت مكاننا كما أمرنا: وقيل: التنازع هو ما صدر من المسلمين في الاختلاف حين صيح ان محمداً قد قتل والعصيان هو ذهاب من ذهب من الرماة عن مكانه طلباً للنهب والغنيمة وكان خالد بن الوليد حين رأى قلة الرماة صاح في خيله وحمل على من بقي من الرماة فقتلهم وحمل في عسكر المسلمين فتراجع المشركون فأصيب من المسلمين يومئذٍ سبعون رجلاً وإذا بعد حتى في موضع جر بحتى مزالاً عنها معنى الشرطة، قال الأخفش وغيره. وقيل: تدخل حتى على إذا الشرطية وجواب إذا المختار أنه محذوف لا عصيتم على زيادة الواو ولا على زيادة ثم، وقدره ابن عطية: انهزمتهم، والزمخشري: منعكم نصره، وغيرهما: امتُحنتم. ويظهر لي أن الجواب المحذوف غير ما قدروه وهو انقسمتم إلى قسمين ويدل عليه ما بعده وهو نظير فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد التقدير انقسموا قسمين فمنهم مقتصد. لا يقال: كيف، يقال: انقسموا فيمن قتل وتنازع وعصى، لأن هذه الأفعال لم تصدر من كلهم بل من بعضهم كما ذكرناه في أول الكلام على هذه الآية. {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} قال ابن عباس: هي الغنيمة كالرماة الذين خالفوا أمر الرسول عليه السلام في الثبات في مكانهم ومنكم من يرد الآخرة، أي ثواب الآخرة كالرماة الذين ثبتوا في مكانهم. وقاتلوا حتى قتلوا في نفر دون العشرة منهم أنس بن النضر. {إِذْ تُصْعِدُونَ} قرىء رباعياً من أصعد، والاصعاد ابتداء السفر. وقرىء تصعدون مضارع صعد الجبل أي ارتقى فيه. وقرىء تصّعّدون بشد الصاد وأصله تتصعدون وماضيه تصعّد أي ارتقى في السلم وقرأ الحسن. {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} وخرجوها على قراءة همزة الواو ونقل الحركة إلى اللام وحذف الهمزة ويحتمل أن يكون مضارع ولي وعدى بعلى على التضمين أي ولا تعطفون على احد، قال ابن عطية: وحذفت إحدى الواوين الساكنتين وكان قد قال في هذه القراءة وهي قراءة متركبة على لغة من همز الواو المضمومة ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام. انتهى. وهذا الكلام عجيب تخيل هذا الرجل أنه نقلت الحركة إلى اللام فاجتمع واوان ساكنتان احداهما الواو التي هي عين الكلمة والأخرى واو الضمير وحذفت إحدى الواوين لأنهما ساكنتان، وهذا قول من لم يمعن النظر في صناعة النحو لأنها إذا كانت متركبة على لغة من همز الواو ثم نقل حركتها إلى اللام فإِن الهمزة إذ ذاك تحذف ولا يلتقي واوان ساكنتان، ولو قال: استثقلت الضمة على الواو لأن الضمة كأنها واو فصار ذلك كأنه جمع بين ثلاث واوات فنقلت الضمة إلى اللام فالتقى ساكنان فحذفت الأولى منهما ولم يبهم في قوله: إحدى الواوين لأمكن ذلك في توجيه هذه القراءة الشاذة اما أن يبني ذلك على لغة من همز على زعمه فلا يتصور ذلك. {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} أي يقول إليّ عباد الله. {فَأَثَـٰبَكُمْ} كني به عن المعاقبة على فرارهم عن الرسول عليه السلام كما قال: تحية بينهم وجميع. {غَمّاًً بِغَمٍّ} أي ملتبساً بغم ويريد بذلك كثرة الغم الذي حصل لهم. وقال ابن عباس: هما غمان الأول هو ما أصابهم من الهزيمة والقتل، والثاني إشراف خالد بخيل المشركين عليهم. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون الضمير في فأثابكم للرسول أي فأساءكم في الاغتمام وكما غمكم ما نزل به من كسر الرباعية والشجة وغيرهما غمّه ما نزل بكم فأثابكم غما اغتمه لأجلكم بسبب غم اغتممتموه لأجله ولم يتبكم على عصيانكم ومخالفتكم وإنما فعل ذلك ليسليكم وينفس عنكم. {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} من نصر الله. {وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ} من غلبة العدو. انتهى. هذا خلاف الظاهر لأن المسند إليه الأفعال السابقة هو الله تعالى وذلك في قوله: ولقد صدقكم الله وعده. وقوله: ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم. فيكون قوله: فأثابكم، مسنداً إلى الله تعالى. وذكر الرسول إنما جاء في جملة حالية نعي عليهم فرارهم مع كون من اهتدوا على يديه يدعوهم فلم يجيىء مقصود الآن يحدّث عنه إنما الجملة التي ذكر فيها في تقدير المفرد إذ هي حال. قال الزمخشري: فأثابكم عطف على صرفكم. انتهى. وفيه بعد لطول الفصل بين المتعاطفين والذي يظهر أنه معطوف على تصعدون ولا تلوون لأنه مضارع في معنى الماضي لأن إذ تصرف المضارع إلى الماضي إذ هي ظرف لما مضى، والمعنى: إذ صعد ثم وما لويتم على أحد فأثابكم لكيلا تحزنوا ليست لا زائدة وتقديره لكي تحزنوا كما ذهب إليه أبو البقاء. وقيل: لا باقية على النفي. فقال الزمخشري: لكيلا تحزنوا لتتمرّنوا على تجرع الغموم وتضروا باحتمال الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على فائت من المنافع ولا على مصيب من المضار. انتهى. فجعل العلة في الحقيقة تبوتية وهي التمرن على تجرع الغموم والاعتياد لاحتمال الشدائد ورتب على ذلك انتفاء الحزن وجعل ظرف الحزن هو مستقبل لا تعلق له بقصة أحد بل لينتفي الحزن عنكم بعد هذه القصة. وقال ابن عطية المعنى لتعلموا أن ما وقع بكم هو بجنايتكم فأنتم آذيتم أنفسكم وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة وأكثر قلق المعاقب وحزنه إنما هو مع ظنه البراءة بنفسه. "انتهى". والذي يظهر أن الغم الكثير الذي عاقبهم الله به غلب على قلوبهم حتى لم يقع منهم حزن على ما فاتهم ولا ما أصابهم فشغلهم الغم عن ذلك.
الجيلاني
تفسير : وحين استرجعتم إلينا، واستغنيتم بنا مخلصين {سَنُلْقِي} بقهرنا وغضبنا {فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بتوحيدنا {ٱلرُّعْبَ} والمخافة مع كونكم مستضعفين، وإنما نلقيهم الرعب {بِمَآ أَشْرَكُواْ بِٱللَّهِ} المنزه عن الأشياء والأنداد {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ} أي: أصناماً وآلهة ما لم ينزل الله بسببها عليهم {سُلْطَاناً} حجة تلجئهم إلى عبادتها وإطاعتها، بل ما اتخذوها آلهة إلا من تلقاء أنفسهم؛ ظلماً وعدواناً، تعالى عما يقول الظالمون {وَ} ليس {مَأْوَاهُمُ} في النشأة الاخرى إلا {ٱلنَّارُ} الموعود لمن أظلم على الله، واتبع هواه {وَبِئْسَ} المثوى والمأوى {مَثْوَىٰ ٱلظَّالِمِينَ} [آل عمران: 151] الخارجين عن حدود الله وشعائر توحيده. {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ} أيها المؤمنون {وَعْدَهُ} الذي وعده لكم من النصر والظفر وقت {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} أي: العدو، ويحفظ كلاً منكم المكان الذي عينه رسول الله صلى الله عليه وسلم {بِإِذْنِهِ} أي: بإذن الله ووحيه بلا ميل إلى الغنيمة والنهب {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} ملتم إلى الغنيمة، وخالفتم حكم الله ورسوله {وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي: أمر التبادر والتسابق إلى الغنيمة {وَعَصَيْتُمْ} تركتم إطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ} أمارات {مَّا تُحِبُّونَ} وتطلبون، وتوعدونه من النصر والظفر المشروط بالتقرر والتمكن، وبعد رؤيتكم أنفسكم قسمين: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ} حطام {الدُّنْيَا} فترك المركز وخالف الأمر {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} فثبت على المركز وحفظ الأمر، ولم يضطرب عن مكانه. {ثُمَّ} لما غيرتم ما في نفوسكم من عقد الله ورسوله {صَرَفَكُمْ} أي: بعدكم {عَنْهُمْ} وعن أموالهم خائنين، فارين {لِيَبْتَلِيَكُمْ} ويختبركم ببلاء الهزيمة، هل تستقرون وتثبتون على الإيمان وتصبرون على المصائب الحادثة في حفظه أم لا؟ {وَ} بعدما خالفتم أمر الله وأمر رسوله، وملتم إلى الغنائم بعدما ورد النهي عن الله ورسوله {لَقَدْ عَفَا} الله {عَنْكُمْ} ذنوبكم بعد ندامتكم واستغفاركم؛ تفضلاً عليكم وإن كان مقتضى جريمتكم استئصالكم بالمرة {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده {ذُو فَضْلٍ} عظيم {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] تجاوز عن سيئاتكم، وإن عظمت بعدما تابوا واستغفروا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):