٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
152
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها من وجوه: الأول: أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم بأحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر! فأنزل الله تعالى هذه الآية. الثاني: قال بعضهم كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كبشا فصدق الله رؤياه بقتل طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين يوم أحد، وقتل بعده تسعة نفر على اللواء فذاك قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } يريد تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم. الثالث: يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى: {أية : بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ } تفسير : [آل عمران: 125] إلا أن هذا كان مشروطاً بشرط الصبر والتقوى. والرابع: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: {أية : وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } تفسير : [الحج: 40] إلا أن هذا أيضاً مشروط بشرط. والخامس: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: {أية : سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } تفسير : [آل عمران: 151] والسادس: قيل: الوعد هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرماة: «حديث : لا تبرحوا من هذا المكان، فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان» تفسير : السابع: قال أبو مسلم: لما وعدهم الله في الآية المتقدمة إلقاء الرعب في قلوبهم أكد ذلك بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعد بالنصر في واقعة أحد، فإنه لما وعدهم بالنصرة بشرط أن يتقوا ويصبروا فحين أتوا بذلك الشرط لا جرم، وفى الله تعالى بالمشروط وأعطاهم النصرة، فلما تركوا الشرط لا جرم فاتهم المشروط. إذا عرفت وجه النظم ففي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: الصدق يتعدى إلى مفعولين، تقول: صدقته الوعد والوعيد. المسألة الثانية: قد ذكرنا في قصة أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وأقام الرماة عند الجبل، وأمرهم أن يثبتوا هناك ولا يبرحوا، سواء كانت النصرة للمسلمين أو عليهم، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا، والمسلمون على آثارهم يحسونهم، قال الليث: الحس: القتل الذريع، تحسونهم: أي تقتلونهم قتلا كثيرا، قال أبو عبيد، والزجاج، وابن قتيبة: الحس: الاستئصال بالقتل، يقال: جراد محسوس. إذا قتله البرد. وسنة حسوس: إذا أتت على كل شيء، ومعنى «تحسونهم» أي تستأصلونهم قتلا، قال أصحاب الاشتقاق: «حسه» إذا قتله لأنه أبطل حسه بالقتل، كما يقال: بطنه إذا أصاب بطنه، ورأسه، إذا أصاب رأسه، وقوله: {بِإِذْنِهِ } أي بعلمه، ومعنى الكلام أنه تعالى لما وعدكم النصر بشرط التقوى والصبر على الطاعة فما دمتم وافين بهذا الشرط أنجز وعده ونصركم على أعدائكم، فلما تركتم الشرط وعصيتم أمر ربكم لا جرم زالت تلك النصرة. أما قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدَمَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: لقائل أن يقول ظاهر قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } بمنزلة الشرط، ولا بد له من الجواب فأين جوابه؟ واعلم أن للعلماء ههنا طريقين: الأول: أن هذا ليس بشرط، بل المعنى، ولقد صدقكم الله وعده حتى إذا فشلتم، أي قد نصركم إلى أن كان منكم الفشل والتنازع، لأنه تعالى كان إنما وعدهم بالنصرة بشرط التقوى والصبر على الطاعة، فلما فشلوا وعصوا انتهى النصر، وعلى هذا القول تكون كلمة «حتى» غاية بمعنى «إلى» فيكون معنى قوله: {حَتَّىٰ إِذَا } إلى أن، أو إلى حين. الطريق الثاني: أن يساعد على أن قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } شرط، وعلى هذا القول اختلفوا في الجواب على وجوه: الأول: وهو قول البصريين أن جوابه محذوف، والتقدير: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منعكم الله نصره، وإنما حسن حذف هذا الجواب لدلالة قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } عليه، ونظائره في القرآن كثيرة، قال تعالى: {أية : فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَمَاً في ٱلسَمَاء فتأتيهم بِآية } تفسير : [الأنعام: 35] والتقدير: فافعل، ثم أسقط هذا الجواب لدلالة هذا الكلام عليه، وقال: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءَانَاء ٱلَّيْلِ } تفسير : [الزمر: 9] والتقدير: أم من هو قانت كمن لا يكون كذلك؟ الوجه الثاني: وهو مذهب الكوفيين واختيار الفراء: أن جوابه هو قوله: {وَعَصَيْتُمْ } والواو زائدة كما قال: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَـٰدَيْنَـٰهُ } تفسير : [الصافات: 103 ـ 104] والمعنى ناديناه، كذا ههنا، الفشل والتنازع صار موجباً للعصيان، فكان التقدير حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر عصيتم، فالواو زائدة، وبعض من نصر هذا القول زعم أن من مذهب العرب إدخال الواو في جواب «حتى إذا» بدليل قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوٰبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } تفسير : [الزمر: 71] والتقدير حتى إذا جاؤها فتحت لهم أبوابها. فان قيل: إن فشلتم وتنازعتم معصية، فلو جعلنا الفشل والتنازع علة للمعصية لزم كون الشيء علة لنفسه وذلك فاسد. قلنا: المراد من العصيان ههنا خروجهم عن ذلك المكان، ولا شك أن الفشل والتنازع هو الذي أوجب خروجهم عن ذلك المكان، فلم يلزم تعليل الشيء بنفسه. واعلم أن البصريين إنما لم يقبلوا هذا الجواب لأن مذهبهم أنه لا يجوز جعل الواو زائدة. الوجه الثالث في الجواب: أن يقال تقدير الآية: حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون، صرتم فريقين، منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة. فالجواب: هو قوله: صرتم فريقين، إلا أنه أسقط لأن قوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلاْخِرَةَ } يفيد فائدته ويؤدي معناه، لأن كلمة «من» للتبعيض فهي تفيد هذا الانقسام، وهذا احتمال خطر ببالي. الوجه الرابع: قال أبو مسلم: جواب قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } هو قوله: {صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } والتقدير حتى إذا فشلتم وكذا وكذا صرفكم عنهم ليبتليكم وكلمة «ثم» ههنا كالساقطة وهذا الوجه في غاية البعد. والله أعلم. المسألة الثانية: أنه تعالى ذكر أمورا ثلاثة: أولها: الفشل وهو الضعف، وقيل الفشل هو الجبن، وهذا باطل بدليل قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ } تفسير : [الأنفال: 46] أي فتضعفوا، لأنه لا يليق به أن يكون المعنى فتجبنوا. ثانيها: التنازع في الأمر وفيه بحثان. البحث الأول: المراد من التنازع انه عليه الصلاة والسلام أمر الرماة بأن لا يبرحوا عن مكانهم ألبتة، وجعل أميرهم عبدالله بن جبير؛ فلما ظهر المشركون أقبل الرماة عليهم بالرمي الكثير حتى انهزم المشركون، ثم ان الرماة رأوا نساء المشركين صعدن الجبل وكشفن عن سوقهن بحيث بدت خلاخيلهن، فقالوا الغنيمة الغنيمة، فقال عبدالله: عهد الرسول إلينا أن لا نبرح عن هذا المكان فأبوا عليه وذهبوا الى طلب الغنيمة، وبقي عبدالله مع طائفة قليلة دون العشرة الى أن قتلهم المشركون فهذا هو التنازع. البحث الثاني: قوله: {فِى ٱلأَمْرِ } فيه وجهان: الأول: أن الأمر ههنا بمعنى الشأن والقصة، أي تنازعتم فيما كنتم فيه من الشأن. والثاني: أنه الأمر الذي يضاده النهي. والمعنى: وتنازعتم فيما أمركم الرسول به من ملازمة ذلك المكان. وثالثها: وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، والمراد عصيتم بترك ملازمة ذلك المكان. بقي في هذه الآية سؤالات: الأول: لم قدم ذكر الفشل على ذكر التنازع والمعصية؟ والجواب: ان القوم لما رأوا هزيمة الكفار وطمعوا في الغنيمة فشلوا في أنفسهم عن الثبات طمعا في الغنيمة، ثم تنازعوا بطريق القول في أنا: هل نذهب لطلب الغنيمة أم لا؟ ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة. السؤال الثاني: لما كانت المعصية بمفارقة تلك المواضع خاصة بالبعض فلم جاء هذا العتاب باللفظ العام؟ والجواب: هذا اللفظ وان كان عاماً إلا أنه جاء المخصص بعده، وهو قوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلاْخِرَةَ }. السؤال الثالث: ما الفائدة في قوله: {مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ }. والجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية، لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بانجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الاكرام وأذاقهم وبال أمرهم. ثم قال تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } وقد اختلف قول أصحابنا وقول المعتزلة في تفسير هذه الآية، وذلك لأن صرفهم عن الكفار معصية، فكيف أضافه الى نفسه؟ أما أصحابنا فهذا الاشكال غير وارد عليهم، لأن مذهبهم أن الخير والشر بارادة الله وتخليقه، فعلى هذا قالوا معنى هذا الصرف أن الله تعالى رد المسلمين عن الكفار، وألقى الهزيمة عليهم وسلط الكفار عليهم، وهذا قول جمهور المفسرين. قالت المعتزلة: هذا التأويل غير جائز ويدل عليه القرآن والعقل، أما القرآن فهو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ }تفسير : [آل عمران: 155] فأضاف ما كان منهم الى فعل الشيطان، فكيف يضيفه بعد هذا الى نفسه؟ وأما المعقول فهو أنه تعالى عاتبهم على ذلك الانصراف، ولو كان ذلك بفعل الله لم يجز معاتبة القوم عليه، كما لا يجوز معاتبتهم على طولهم وقصرهم وصحتهم ومرضهم، ثم عند هذا ذكروا وجوها من التأويل: الأول: قال الجبائي: إن الرماة كانوا فريقين، بعضهم فارقوا المكان أولا لطلب الغنائم، وبعضهم بقوا هناك، ثم هؤلاء الذين بقوا أحاط بهم العدو، فلو استمروا على المكث هناك لقتلهم العدو من غير فائدة أصلا، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك الموضع الى موضع يتحرزون فيه عن العدو، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب الى الجبل في جماعة من أصحابه وتحصنوا به ولم يكونوا عصاة بذلك، فلما كان ذلك الانصراف جائزا أضافه الى نفسه بمعنى أنه كان بأمره وإذنه، ثم قال: {لِيَبْتَلِيَكُمْ } والمراد أنه تعالى لما صرفهم الى ذلك المكان وتحصنوا به أمرهم هناك بالجهاد والذب عن بقية المسلمين، ولا شك أن الاقدام على الجهاد بعد الانهزام، وبعد أن شاهدوا في تلك المعركة قتل أقربائهم وأحبائهم هو من أعظم أنواع الابتلاء. فان قيل: فعلى هذا التأويل هؤلاء الذين صرفهم الله عن الكفار ما كانوا مذنبين، فلم قال: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ }. قلنا: الآية مشتملة على ذكر من كان معذورا في الانصراف ومن لم يكن، وهم الذين بدؤا بالهزيمة فمضوا وعصوا فقوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } راجع الى المعذورين، لأن الآية لما اشتملت على قسمين وعلى حكمين رجع كل حكم الى القسم الذي يليق به، ونظيره قوله تعالى: {أية : ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } تفسير : [التوبة: 40] والمراد الذي قال له: {لاَ تَحْزَنْ } وهو أبو بكر، لأنه كان خائفاً قبل هذا القول، فلما سمع هذا سكن، ثم قال: {أية : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } تفسير : [التوبة: 40] وعنى بذلك الرسول دون أبي بكر، لأنه كان قد جرى ذكرهما جميعا، فهذا جملة ما ذكره الجبائي في هذا المقام. والوجه الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو ان المراد من قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أنه تعالى أزال ما كان في قلوب الكفار من الرعب من المسلمين عقوبة منه على عصيانهم وفشلهم، ثم قال: {لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي ليجعل ذلك الصرف محنة عليكم لتتوبوا الى الله وترجعوا اليه وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره وملتم فيه إلى الغنيمة، ثم أعلمهم أنه تعالى قد عفا عنهم. والوجه الثالث: قال الكعبي: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم {لِيَبْتَلِيَكُمْ } بكثرة الانعام عليكم والتخفيف عنكم، فهذا ما قيل في هذا الموضع، والله أعلم. ثم قال: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } فظاهره يقتضي تقدم ذنب منهم. قال القاضي: إن كان ذلك الذنب من الصغائر صح أن يصف نفسه بأنه عفا عنهم من غير توبة، وإن كان من باب الكبائر، فلا بد من إضمار توبتهم لقيام الدلالة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب لم يكن من أهل العفو والمغفرة. واعلم أن الذنب لا شك أنه كان كبيرة، لأنهم خالفوا صريح نص الرسول، وصارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمين، وقتل جمع عظيم من أكابرهم، ومعلوم أن كل ذلك من باب الكبائر وأيضا: ظاهر قوله تعالى: {أية : وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } تفسير : [الأنفال: 16] يدل على كونه كبيرة، وقول من قال: إنه خاص في بدر ضعيف، لأن اللفظ عام، ولا تفاوت في المقصود، فكان التخصيص ممتنعا، ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أنه تعالى عفا عنهم من غير توبة، لأن التوبة غير مذكورة، فصار هذا دليلا على أنه تعالى قد يعفو عن أصحاب الكبائر، وأما دليل المعتزلة في المنع عن ذلك، فقد تقدم الجواب عنه في سورة البقرة. ثم قال: {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } وهو راجع إلى ما تقدم من ذكر نعمه سبحانه وتعالى بالنصر أولا، ثم بالعفو عن المذنبين ثانياً. وهذه الآية دالة على أن صاحب الكبيرة مؤمن، لأنا بيّنا أن هذا الذنب كان من الكبائر، ثم إنه تعالى سماهم المؤمنين، فهذا يقتضي أن صاحب الكبيرة مؤمن بخلاف ما تقوله المعتزلة، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحُد وقد أصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر! فنزلت هذه الآية. وذلك أنهم قتلوا صاحبَ لِوَاء المشركين وسبعةَ نفر منهم بعدَه على اللواء، وكان الظفر ابتداءً للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعضُ الرّماة أيضاً مركزَهم طلباً للغنيمة فكان ذلك سبب الهزيمة. روى البخاري حديث : عن البَرَاء بن عازب قال: لما كان يوم أحُدٍ ولقينا المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناساً من الرُّماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لا تبرحوا من مكانكم (إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا) وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تُعينونا عليهم»تفسير : قال: فلمّا التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يَشّتَدِدْن في الجبل، وقد رفعن عن سُوقِهن قد بدت خلاخِلُهن فجعلوا يقولون: الغنيمةَ الغنيمةَ. فقال لهم عبد الله: أمهلواٰ أما عَهِد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ تبرحوا، فٱنطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقُتِل من المسلمين سبعون رجلاً. ثم إنّ أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نَشَزٍ فقال: أفي القوم محمدٌ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُجيبوه» حتى قالها ثلاثاً. ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاثاً، فقال النبيّ؛ «لا تُجيبوه» ثم قال: أفي القوم عمر (بن الخطاب)؟ ثلاثاً، فقال النبيّ: «لا تُجيبوه» ثم التفت إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتِلوا. فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال: كذبتَ يا عدوّ اللهٰ قد أبقى الله لك من يُخزِيك به. فقال: أُعْلُ هُبَل؛ مرتين. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه» فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال «قولوا اللَّهُ أعْلَىٰ وأجَلّ». قال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزّى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجيبوه». ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا «الله مولانا ولا مَوْلَى لكم». قال أبو سفيان: يومٌ بِيَوْم بَدْرٍ، والحرب سِجَال، أمَا إنكم ستجدون في القوم مُثْلة لم آمر بها ولم تسؤْني. وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاصٍ قال: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحُد رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ القتال. وفي رواية عن سعد: عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ. يعني جِبريل ومِيكائيل. وفي رواية أخرى: يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدّ القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده. وعن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة معهم يومئذ، ولا قبله ولا بعده إلاَّ يوم بدر. قال البيهقُي؛ إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أُحُد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به. وعن عروة بن الزبير قال: وكان الله عزّ وجلّ وعدهم على الصبر والتقوى أن يُمِدَّهم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسوّمين: وكان قد فعل: فلما عَصَوْا أمر الرسول وتركوا مَصَافَّهُم وترك الرماةُ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألاّ يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رُفع عنهم مددُ الملائكة، وأنزل الله تعالىٰ: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عَصَوْا أعقبهم البلاء. وعن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحُد انكشفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعْدٌ يَرِمي بين يديه، وفَتًى يُنَبِّل له، كلما ذهبت نَبْلَةٌ أتاه بها. قال: «ارْمِ أبا إسحاق». فلما فرغوا نظروا مَن الشابّ؟ فلم يروه ولم يعرفوه. وقال محمد بن كعب: ولما قُتِل صاحب لواءِ المشركين وسقط لواؤهم، رفعته عَمْرَة بنت علقمة الحارِثية؛ وفي ذلك يقول حَسّان:شعر : فَلولاَ لِواءُ الحارِثِية أصبحوا يباعُون في الأسواق بَيْعَ الجلائب تفسير : و {تَحُسُّونَهُمْ} معناه تقتلونهم وتستأصلونهم؛ قال الشاعر:شعر : حَسَسْناهم بالسّيْف حَسّاً فأصبحتْ بقِيّتُهم قد شُرِّدُوا وَتَبَدَّدُوا تفسير : وقـال جرير:شعر : تَحُسُّهُمُ السّيُوفُ كما تَسامَى حَرِيقُ النَّارِ في الأَجمِ الحَصِيدِ تفسير : قال أبو عبيد: الحَسُّ الاستئصال بالقتل؛ يقال: جراد محسوس إذا قتله البرْدُ. والبر مَحَسَّةٌ للنبت. أي مُحْرِقَةٌ له ذاهبة به. وسَنَةٌ حَسُوس أي جدبة تأكل كل شيء؛ قال رؤبة:شعر : إذا شَكَوْنا سَنَةً حَسُوسَا تأكل بعدَ الأخْضَر اليَبِيسَا تفسير : أصله من الحِسّ الذي هو الإدراك بالحاسة. فمعنى حَسّه أذهب حِسّ بالقتل. {بِإِذْنِهِ} بعلمه، أو بقضائه وأمره. {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} أي جَبُنتم وضَعفُتم. يُقال: فَشِل يَفْشَل فهو فَشِل وفَشْل. وجواب «حتى» محذوف، أي حتى إذا فشِلتم امْتُحِنتم. ومثل هذا جائز كقوله: {أية : فَإِن ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي ٱلأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنعام: 35] فافعل. وقال الفرّاء: جواب «حَتَّىٰ»، «وَتَنَازَعْتُمْ» والواو مقْحَمة زائدة؛ كقوله «فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينَ. وَنَادَيْنَاهُ» أي ناديناه. وقال ٱمرؤ القيس:شعر : فَلَمّـا أجَزْنـا ساحَـةَ الحَـيِّ وَٱنْتَحَـى تفسير : أي انتحى. وعند هؤلاء يجوز إقحام الواو من «وَعَصَيْتُمْ». أي حتى إذا فشلتم وتنازعتم عصيتم. وعلى هذا فيه تقديم وتأخير، أي حتى إذا تنازعتم وعصيتم فشِلتم. وقال أبو علي: يجوز أن يكون الجواب «صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ»، و «ثُمَّ» زائدة، والتقدير حتى إذا فشِلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم. وقد أنشد بعض النحويين في زيادتها قول الشاعر:شعر : أرانِي إِذا ما بِتُّ بِتّ على هَوًى فثُمّ إذا أصبحتُ أصبحتُ عادِيا تفسير : وجوز الأخفش أن تكون زائدة؛ كما في قوله تعالىٰ: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 118]. وقيل: «حتى» بمعنى «إلى» وحينئذ لا جواب له؛ أي صدقكم الله وعده إلى أن فشلتم، أي كان ذلك الوعد بشرط الثبات. ومعنى {وَتَنَازَعْتُمْ} اختلفتم؛ يعني الرماة حين قال بعضهم لبعض: نلحق الغنائم. وقال بعضهم: بل نثبت في مكاننا الذي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه. {وَعَصَيْتُمْ} أي خالفتم أمر الرسول في الثبوت. {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} يعني من الغلبة التي كانت للمسلمين يوم أحُد أوّل أمرهم؛ وذلك حين صُرِع صاحب لواء المشركين على ما تقدّم، وذلك أنه لما صُرع انتشر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصاروا كتائب متفرّقة فَحاسُوا العدوّ ضرباً حتى أجْهَضُوهُم عن أثقالهم. وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مرّات كل ذلك تُنْضَح بالنَّبْل فترجع مغلوبةً، وحمل المسلمون فَنَهَكُوهُم قتلاً. فلما أبصر الرماةُ الخمسون أن الله عزّ وجلّ قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس ههنا لشيء، قد أهلك الله العدوّ وإخواننا في عسكر المشركين. وقال طوائف منهم؛ عَلامَ نقفُ وقد هزم الله العدوّ؟ فتركوا منازلهم التي عهِد إليهم النبيّ صلى الله عليه وسلم ألاّ يتركوها، وتنازعوا وفشِلوا وعصوا الرسول فأوْجَفَت الخيل فيهم قتلاً. وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادىء النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهِزام. ثم بيّن سبب التنازع فقال: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني الغنيمة. قال ٱبن مسعود: ما شعرنا أن أحداً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أُحُد. {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} وهم الذين ثبتوا في مركزهم، ولم يخالفوا أمر نبيهم صلى الله عليه وسلم مع أميرهم عبدِ الله ابن جبير؛ فحمل خالد بن الوليد وعِكرمة بن أبي جهل عليه، وكانا يومئذ كافرين فقتلوه مع من بقي، رحمهم الله. والعِتاب مع مَن ٱنهزم لا مع مَن ثبت، فإن من ثبت فاز بالثواب، وهذا كما أنه إذا حل بقوم عقوبة عامة فأهل الصلاح والصبيان يهلكون؛ ولكن لا يكون ماحل بهم عقوبة، بل هو سبب المثوبة، والله أعلم. قوله تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} أي بعد أن استوليتم عليهم ردّكم عنهم بالانهزام. ودَلّ هذا على أن المعصية مخلوقة لله تعالى. وقالت المعتزلة: المعنى ثم انصرفتم؛ فإضافته إلى الله تعالىٰ بإخراجه الرّعب من قلوب الكافرين من المسلمين إبتلاءً لهم. قال القشيرِي: وهذا لا يغنيهم؛ لأن إخراج الرّعب من قلوب الكافرين حتى يستخفّوا بالمسلمين قبيحٌ ولا يجوز عندهم، أن يقع من الله قبيحٌ، فلا يبقى لقوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} معنًى. وقيل: معنى {صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أي لم يكلفكم طلبهم. قوله تعالىٰ: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة. والخطاب قيل هو للجميع. وقيل: هو للرماة الذين خالفوا ما أُمروا به، واختاره النحاس. وقال أكثر المفسرين: ونظير هذه الآية قوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ}. {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} بالعفو والمغفرة. وعن ابن عباس قال: ما نُصِر النبيّ صلى الله عليه وسلم في موطن كما نُصِر يوم أُحُد، قال: وأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجلّ، إن الله عزّ وجلّ يقول في يوم أُحُد: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} ـ يقول ابن عباس: والحَسّ القتل {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} وإنما عنى بهذا الرماة. وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: «حديث : احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وإن رأيتمونا قد غنِمنا فلا تشركونا»تفسير : . فلما غنمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماةُ جميعاً فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهم هكذا ـ وشبّك أصابع يديه ـ وٱلتبسوا. فلما أخَل الرماةُ تلك الخَلّة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه أوّلُ النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، إنما كانوا تحت المِهراس وصاح الشيطان: قتل محمد. فلم يُشَك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتِل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السَعْدَيْن، نعرفه بتكفّئِهِ إذا مشى. قال: ففرحنا حتى كأنّا لم يصبنا ما أصابنا. قال: فرقى نحونا وهو يقول: «حديث : اشتدّ غضب الله على قوم دَمَّوا وجهَ نَبِيهم»تفسير : . وقال كعب بن مالك: أنا كنت أوّل من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين؛ عرفته بعينيه من تحت المِغْفَر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين! ابشِروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل: فأشار إليّ أن أسكت.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} أي وعده إياكم بالنصر بشرط التقوى والصبر، وكان كذلك حتى خالف الرماة فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماة يرشقونهم بالنبل والباقون يضربونهم بالسيف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم. {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } تقتلونهم، من حسه إذا أبطل حسه. {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} جبنتم وضعف رأيكم، أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف العقل. {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} يعني اختلاف الرماة حين انهزم المشركون فقال بعضهم فما موقفنا ها هنا، وقال آخرون لا نخالف أمر الرسول فثبت مكانه أميرهم في نفر دون العشرة ونفر الباقون للنهب وهو المعني بقوله: {وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من الظفر والغنيمة وانهزام العدو، وجواب إذا محذوف وهو امتحنكم، {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} وهم التاركون المركز للغنيمة. {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} وهم الثابتون محافظة على أمر الرسول عليه السلام. {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} ثم كفكم عنهم حتى حالت الحال فغلبوكم. {لِيَبْتَلِيَكُمْ} على المصائب ويمتحن ثباتكم على الإِيمان عندها. {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} تفضلاً ولما علم من ندمكم على المخالفة. {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} يتفضل عليهم بالعفو، أو في الأحوال كلها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضاً رحمة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } إياكم بالنصر {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } تقتلونهم {بِإِذْنِهِ } بإرادته {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } جبنتم عن القتال {وَتَنَٰزَعْتُمْ } اختلفتم {فِى ٱلأَمْرِ } أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمقام في سفح الجبل للرمي فقال بعضكم: نذهب فقد نُصر أصحابنا بعضكم: لا نخالف أمر النبي صلى الله عليه وسلم {وَعَصَيْتُمْ } أمره فتركتم المركز لطلب الغنيمة {مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ } الله {مَّا تُحِبُّونَ } من النصر، وجواب (إذا) دل عليه ما قبله أي منعكم نصره {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } فترك المركز للغنيمة {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ } فثبت به حتى قُتِلَ كعبد الله بن جبير وأصحابه {ثُمَّ صَرَفَكُمْ } عطف على جواب (إذا) المقدر ردّكم للهزيمة {عَنْهُمْ } أي الكفار {لِيَبْتَلِيَكُمْ } ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } ما ارتكبتموه {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالعفو.
ابن عطية
تفسير : جاءت المخاطبة في هذه الآيات بجمع ضمير المؤمنين، وإن كانت الأمور التي عاتبهم الله تعالى عليها لم يقع فيها جميعهم، ولذلك وجوه من الفصاحة: منها وعظ الجميع وزجره، إذ من لم يفعل معد أن يفعل إن لم يزجر، ومنها الستر والإبقاء على من فعل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعد المؤمنين النصر يؤمئذ على خبر الله تعالى -إن صبروا وجدوا- فصدق الله الوعد أولاً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاف المسلمين يومئذ ورتب الرماة على ما قد ذكرناه في صدر تفسير هذه الآيات في قصة أُحد، فبارز علي بن أبي طالب أبا سعد بن أبي طلحة وهو صاحب لواء المشركين، وحمل الزبير وأبو دجانة فهزّا عسكر المشركين، ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فأبلى حمزة بن عبد المطلب وعاصم بن ابي الأقلح، وانهزم المشركون وقتل منهم اثنان وعشرون رجلاً فهذا معنى قوله تعالى: {إذ تحسونهم بإذنه} والحس: القتل الذريع، يقال حسهم إذا استأصلهم قتلاً، وحس البرد النبات وقال رؤبة: [الرجز] شعر : إذا تَشَكَّوْا سُنَّةً حَسُوسا تَأْكُلُ بَعْدَ الأَخْضَرِ الْيَبِيسا تفسير : قال بعض الناس: هو مأخوذ من الحاسة، والمعنى في حس: أفسد الحواس. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، و"الإذن": التمكين مع العلم بالممكن منه، وقوله تعالى: {حتى إذا فشلتم} يحتمل أن تكون {حتى} غاية مجردة، كأنه قال: إلى أن فشلتم، ويقوي هذا أن {إذا} بمعنى "إذ" لأن الأمر قد كان تقضى، وإنما هي حكاية حال، فتستغني {إذا} على هذا النظر عن جواب، والأظهر الأقوى أن {إذا} على بابها تحتاج إلى الجواب، وتكون حتى كأنها حرف ابتداء على نحو دخولها على الجمل، واختلف النحاة في جواب {إذا} فذهبت فرقة إلى أن الجواب قوله {تنازعتم}، والواو زائدة، وحكى المهدوي عن أبي علي أنه قال: الجواب قوله: {صرفكم} و {ثم} زائدة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يشبه نظر أبي علي وسيبويه، والخليل وفرسان الصناعة، إن الجواب محذوف مقدر، يدل عليه المعنى، تقديره: انهزمتم ونحوه، و"الفشل" - استشعار العجز وترك الجد، وهذا مما فعله يومئذ قوم، و"التنازع" هو الذي وقع بين الرماة، فقال بعضهم: الغنيمة الغنيمة، الحق بنا بالمسلمين، وقال بعضهم: بل نثبت كما أمرنا {وعصيتم} عبارة عن ذهاب من ذهب من الرماة حتى تمكن خالد بن الوليد من غرة المسلمين، وقوله تعالى: {من بعد ما أراكم ما تحبون} يعني من هزم القوم، قال الزبير بن العوام: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هاربات ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، وقوله تعالى: {منكم من يريد الدنيا} إخبار عن الذين حرصوا على الغنيمة وكان المال همهم، قاله ابن عباس وسائر المفسرين، وقال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد {منكم من يريد الدنيا} وقوله تعالى: {ومنكم من يريد الآخرة} إخبار عن ثبوت من الرماة مع عبد الله بن جبير امتثالاً للأمر حتى قتلوا، ويدخل في هذا أنس بن النضر وكل من جد ولم يضطرب من المؤمنين، وقوله تعالى: {ليبتليكم} معناه: لينزل بكم ذلك البلاء من القتل والتمحيص، وقوله تعالى: {ولقد عفا عنكم} إعلام بأن الذنب كان يستحق أكثر مما نزل، وهذا تحذير، والمعنى "ولقد عفا عنكم" بأن لم يستأصلوكم، فهو بمنزلة: ولقد أبقى عليكم، ويحتمل أن يكون إخباراً بأنه عفا عن ذنوبهم في قصة أحد، فيكون بمنزلة العفو المذكور بعد، وبالتفسير الأول قال ابن جريج وابن إسحاق وجماعة من المفسرين، وقال الحسن بن أبي الحسن: قتل منهم سبعون، وقتل عم النبي عليه السلام وشج في وجهه وكسرت رباعيته وإنما العفو أن لم يستأصلهم، هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم، فأفسق الفاسقين اليوم يجترم كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم.
ابن عبد السلام
تفسير : {تَحُسُّونَهُم} تقتلونهم اتفاقاً، حسه يحسه حساً، قتله لأنه أبطل حسه. {بِإِذْنِهِ} بلطفه، أو بمعونته.
ابن عادل
تفسير : صَدَقَ يتعدى لاثنين، أحدهما بنفسه، والآخر بالحرفِ، وقد يُحْذَف، كهذه الآية. والتقدير: صدقكم في وعده، كقولهم: صَدقتُه في الحديث وصدقته الحديث و {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} معمول لِـ "صَدَقَكُمْ" أي: صدقكم في ذلك الوقتِ، وهو وقتُ حَسِّهِم، أي: قَتْلهم. وأجاز أبو البقاء أن يكون معمولاً للوعد في قوله: "وَعْدَه" - وفيه نظرٌ؛ لأن الوعد متقدِّمٌ على هذا الوقت. يقال: حَسَسْتُه، أحَسُّه، وقرأ عُبَيْد بن عُمَير: تُحِسُّونَهُم - رباعياً - أي: أذهبتم حِسَّهم بالقتل. قال أبو عبيدةَ، والزَّجَّاجُ: الحَسُّ: الاستئصال بالقَتْل. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1658- حَسَسْنَاهُمُ بِالسَّيْفِ حَسًّا فأصْبَحَتْ بَقِيَّتُهُمْ قَدْ شُرِّدُوا وَتَبَدَّدُوا تفسير : وقال جرير: [الوافر] شعر : 1659- تَحُسُّهُمُ السُّيُوفُ كَمَا تَسَامَى حَرِيقُ النَّارِ فِي الأجَم الْحَصِيدِ تفسير : ويقال: جراد محسوس - إذ قتله البردُ - والبرد محسة للنبت: - أي: محرقة له، ذاهبته. وسنة حَسُوسٌ: أي: جدبة، تأكل كلَّ شيءٍ. تفسير : قال رؤية: [الرجز] شعر : 1660- إذَا شَكَوْنَا سَنَةً حَسُوسَا تَأكُلُ بَعْدَ الأخْضَرِ الْيَبِيسَا تفسير : وأصله من الحِسّ - الذي هو الإدراك بالحاسة -. قال أبو عبيدٍ: الحَسُّ: الاستئصال بالقتل واشتقاقه من الحِسّ، حَسَّه - إذا قتله - لأنه يُبْطل حِسَّه بالقتل، كما يقال: بَطَنَهُ - إذا أصاب بطنه، وَرَأسَهُ، إذا أصاب رأسه. و "بإذْنِهِ" متعلق بمحذوف؛ لأنه حالٌ من فاعل "تَحُسُّونَهُمْ"، أي: تقتلونهم مأذوناً لكم في ذلك. قال القرطبيُّ: "ومعنى قوله: "بإذْنه" أي: بعلمه، أو بقضائه وأمره". فصل وجه النظم: قال محمدُ بن كَعْب القُرَظيّ: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه إلى المدينة من أحدٍ - وقد أصابهم ما أصابهم - قال ناسٌ من أصحابه: من أين أصابنا هذا، وقد وعدنا اللهُ بالنصرِ؟ فأنزلَ اللهُ هذه الآية؛ لأنَّ النصرَ كان للمسلمين في الابتداءِ. وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يذبح كَبْشاً، فَصَدَقَ اللهُ رُؤيَاهُ بِقَتْلِ طَلْحَةَ بن عثمان - صاحب لواء المشركين يوم أُحُدٍ - وقُتِل بعده تسعةُ نفر على اللواء، فذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} يريد: تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم. وقيل: يجوز أن يكون هذا الوعد ما ذكره في قوله تعالى: {أية : إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ} تفسير : [آل عمران: 125] إلا أن هذا مشروطاً بشرط الصبرِ والتقوى. وقيل: يجوز أن يكون هذا الوعد هو قوله: {أية : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ}تفسير : [آل عمران: 151]. وقيل: الوعد هو قول النبي صلى الله عليه وسلم للرُّماة: لا تبرحوا عن هذا المكانَ؛ فإنا لا نزال غالبين ما دُمْتم في هذا المكان. قال أبو مسلم: لما وعَدهم اللهُ - تعالى - في الآية المتقدمة - بإلقاء الرعب في قلوب الكفارِ، أكد ذلك بأن ذكرهم ما أنجزهم من الوعدِ بالصبر في واقعة أُحُدٍ، فإنه لما وعدهم بالنصر - بشرط أن يتقوا ويصبروا فحين أتَوْا بذلك الشرطِ، وفى الله تعالى لهم بالمشروطِ. فصل وقد تقدم في قصة أُحُد - أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أُحُداً خَلْفَ ظَهْره، واستقبل المدينة، وأقام الرماةَ عند الجبلِ، وأمرهم أن يثبتوا هناك، ولا يبرحوا - سواء كانت النُّصْرَة للمسلمين أو عليهم - فلما أقبل المشركونَ جعل الرُّمَاة يَرْشُقُون خيلها، والباقون يضربونهم بالسيوفِ، حتّى انهزموا، والمسلمون على آثارهم يحسونهم، أي: يقتلونهم قتلاً كثيراً. وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} في "حَتَّى" قولان: أحدهما: أنها حرف جر بمعنى "إلى" وفي متعلقها - حينئذ - ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أنها متعلقة بـ "تَحسُّونَهُمْ" اي: تقتلونهم إلى هذا الوقت. الثاني: أنها متعلقة بـ "صَدَقَكُمْ" وهو ظاهر قول الزمخشريّ، قال: "ويجوز أن يكونَ المعنى: صدقكم اللهُ وَعْدَه إلى وقت فَشَلِكم". الثالث: أنّها متعلقة بمحذوف، دَلَّ عليه السياقُ. قال أبو البقاء: "تقديره: دام لكم ذلك إلى وقتِ فَشَلِكُم". القول الثاني: أنَّها حرف ابتداءٍ داخلة على الجملة الشرطية، و "إذَا" على بابها - من كونها شرطية - وفي جوابها - حينئذٍ - ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: قال الفرّاء: جوابها "وَتَنَازَعْتُمْ" وتكون الواو زائدة، كقوله: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ} تفسير : [الصافات: 103-104] والمعنى ناديناه، كذا - هنا - الفشل والتنازع صار موجباً للعصيان، فكأنَّ التقدير: حتى إذا فَشِلْتُم، وتنازعتم في الأمر عصيتم. قال: ومذهب العرب إدخال الواو في جواب "حَتَّى" كقوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} تفسير : {الزمر: 73] فإن قيل: قوله: {فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ} معصية، فلو جعلنا الفشل والتنازُع علةً للمعصية لزم كونُ الشيء علةً لنفسه، وذلك فاسدٌ. فالجواب: أن المراد من العصيان - هنا - خروجهم عن ذلك المكانِ، فلم يلزم تعليلُ الشيء بنفسه. ولم يَقْبَل البصريون هذا الجوابَ؛ لأن مذهَبهمْ أنه لا يجوزُ جَعْلَ الواو زائدة. قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ} و "ثم" زائدة. قال أبو علي: ويجوز أن يكون الجواب {صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} و "ثُمَّ" زائدة، والتقدير: حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم صرفكم عنهم. وقد أنشد بعضُ النحويين في زيادتها قول الشاعر: [الطويل] شعر : 1661- أرَانِي إذَا مَا بِتُّ بِتُّ عَلَى هَوًى فَثُمَّ إذَا أصْبَحْتُ أصْبَحْتُ غَادِيَا تفسير : وجوز الأخفشُ أن تكون زائدةً في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوۤاْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 118] وهذان القولان ضعيفانِ جداً. والثالث - وهو الصحيحُ - أنه محذوف، واختلفت عبارتهم في تقديره، فقدَّرَه ابنُ عطيةَ: انهزمتم وقدَّره الزمخشريُّ: منعكم نصرَه. وقدَّره ابو البقاء: بأن أمركم. ودلّ على ذلك قوله تعالى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} [آل عمران: 152]. وقدره غيره: امتحنتم. وقيل فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، وتقديره: حتّى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم. وقدَّره أبو حيان: انقسمتم إلى قسمَيْن، ويدلُّ عليه ما بعده، وهو نظيرُ قوله: {أية : فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ} تفسير : [لقمان: 32] قال أبو حيان: لا يقال: كيف يقالُ: انقسمتم إلى مريدِ الدُّنْيَا، وإلى مريدِ الآخرةِ فيمن فشل وتنازع وعصى؛ لأن هذه الأفعالَ لم تصدر من كُلِّهم، بل من بعضِهِمْ. واختلفوا في "إذا" - هذه - هل هي على بابها أم بمعنى "إذْ"؟ والصحيح الأول، سواء قلنا إنها شرطية أم لا. فصل الفشلُ: هو الضعف. وقيل: الفشل: الجُبْن، وليس بصحيح؛ لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ} تفسير : [الأنفال: 46] أي: فتضعفوا، ولا يليق أن يكونَ المعنى فتجبنوا. والمراد من التنازُع اختلاف الرُّماةِ حين انهزم المشركون، فقال بعضُهم لبعض: انهزم القومُ، فما مقامنا؟ وأقبلوا على الغنيمة. وقال بعضهم: لا نتجاوز أمر رسولِ اللهِ وثبت عبد الله بن جبير في نَفَرٍ يسير من أصحابه دون العَشَرة - فلما رآهم خالد بن الوليد وعكرمةُ بن أبي جهلٍ حملوا على الرُّمَاة فقتلوهم، وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريحُ، فصارت دبوراً بعد أن كانت صَباً، وانتقضت صفوف المسلمين، واختلطوا فجعلوا يقتتلون على غير شِعَارٍ، يَضْرِبُ بعضهم بعضاً ما يَشْعرون من الدهش، ونادى إبليسُ: إن محمداً قد قُتِل، فكان ذلك سبب هزيمة المسلمينَ. قوله: {وَعَصَيْتُمْ} يعني: أمر الرسول صلى الله عليه وسلم اي خالفتم أمره بملازمة ذلك المكان {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} من الظفر والغنيمة. فإن قيل: لِمَ قدم ذِكْرَ الفشل على التنازع والمعصية؟ فالجوابُ: أن القوم لما رأوا هزيمة الكفارِ، وطمعوا في الغنيمة، فشلوا في أنفسهم عن الثبات، طمعاً من الغنيمةِ، ثم تنازعوا - بطريق القولِ في أنَّا هل نذهب لطلب الغنيمة، أم لا؟ ثم اشتغلوا بطلب الغنيمة. فإن قيل: إنما عصى البعض بمفارقة ذلك المكانِ، فلِمَ جاء العقابُ عاماً؟ فالجوابُ: أنَّ اللفظَ - وإن كان عاماً - قد جاء المخصِّص بعده، وهو قوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}. قوله: {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} المقصودُ منه التنبيهُ على عِظَمِ المعصية؛ لأنهم لمَّا شاهدوا أن الله - تعالى - أكرمهم بإنجاز الوَعْد كان من حَقِّهم أن يمتنعوا عن المعصية. فلما أقدموا عليها، سلبهم اللهُ ذلك الإكرام، وأذاقهم وبالَ أمْرِهم. قوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني: الذين تركوا المركز، وأقبلوا على النهبِ {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} يعني: الذين ثبتوا مع عبد الله بن جُبَيْرٍ، حتى قُتِلوا. قال عبدُ الله بن مسعودٍ: وما شعرت أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا، حتى كان يومُ أحدٍ، ونزلت هذه الآية. قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ} عطفٌ على ما قبله، والجملتان من قوله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} اعتراض بين المتعاطفين، وقال أبو البقاء: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ} معطوف على الفعل المحذوف. يعني الذي قدره جواباً للشرط، ولا حاجة إليه، و "لِيَبْتَلِيَكُمْ" متعلق بـ "صَرَفَكُمْ" و "أن" مضمرة بعد اللام. فصل اختلفوا في تفسير هذه الآية؛ وذلك لأن صَرْفَهم عن الكفار معصية، فكيف أضافه إلى نفسه؟ فقال جمهورُ المفسّرينَ: الخيرُ والشر بإرادة اللهِ تَعَالَى وتخليقه، ومعنى هذا الصَّرْفِ أنَّ اللهَ تعالى رَدَّ المسلمينَ عن الكفارِ وألقى الهزيمةَ عليهم، وسلَّط الكفارَ عليهم. وقالت المعتزلةُ: هذا التأويل غير جائز؛ للقرآن والعقل، أم القرآنُ فقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} تفسير : [آل عمران: 155] فأضاف ما كان منهم إلى فعل الشيطان فكيف يُضيفه بعد هذا إلى نفسه؟ وأما المعقولُ فإن اللهَ تعالى عاتَبَهم على ذلك الانصراف، ولو كان ذلك بفعل اللهِ لم تَجزْ مُعَاتَبَتَهُم عليه، كما لا يجوز معاتبتهم على طُولِهِمْ وقِصَرِهم، ثم ذكروا وجوهاً من التأويل: أحدها: قال الجبائيُّ: إنَّ الرُّماةَ افترقوا فِرْقَتَيْن، فبعضهم فارق المكان لطلب الغنائم، وبعضهم بقي هناك، فالذين بَقُوا أحاط بهم العَدُوُّ، فلو استمروا هناك لقتلهم العدُوُّ من غير فائدةٍ أصْلاً، فلهذا السبب جاز لهم أن يتنحوا عن ذلك إلى موضع يتحرزون فيه عن العدو - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين ذهب إلى الجبل في جماعة من أصحابه - ولم يكونوا عُصَاةً بذلك، فلما كان ذلك الانصراف جائزاً أضافه إلى نفسه، بمعنى أنه كان بأمره وإذنه، ثم قال: {لِيَبْتَلِيَكُمْ} والمرادُ: أنه - تعالى - لما صرفهم إلى ذلك المكانِ، وتحصَّنُوا به، أمرهم - هناك - بالجهادِ، والذَّبِّ عن بقية المسلمينَ، ولا شك أن الإقدامَ على الجهادِ بعد الانهزامِ، وبعد أن شاهدوا قَتْل أقاربهم وأحِبَّائهم من أعظم أنواع الابتلاء. فإن قيل: فعلى هذا التأويل، هؤلاء الذين صرفهم الله عن الكفار ما كانوا مُذْنِبِين، فلم قال: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}. قلنا: الآية مشتملة على ذِكْر مَنْ كان معذوراً في الانصرافِ، ومَنْ لم يكن معذوراً، أو هم الذين بدءوا بالهزيمة، فقوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} راجعٌ إلى المعذورينَ؛ لأنَّ الآية لما اشتملتْ على قسمينِ، وعلى حُكمين، رَجَعَ كلُّ حكم إلى القسم الذي يليق به، ونظيره: {أية : ثَانِيَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ} تفسير : [التوبة: 40] والمرادُ الذي قال له: لا تحزن إن اللهَ مَعَنَا - وهو أبو بكر - لأنه كان خائفاً قبل هذا القولِ، فلما سَمِعَ هذا القولَ سَكَنَ، ثم قال: {أية : وَأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} تفسير : [التوبة: 40] وعنى بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم دون أبي بكرٍ؛ لأنه قد جرى ذكرهما جميعاً، هذا قول الجبائي. الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني: وهو أنَّ المرادَ من قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} أنه - تعالى - أزال ما كان في قلوب الكفارِ من الرُّعْبِ من المسلمينَ؛ عقوبةً منه على عصيانهم وفَشَلِهم، ثم قال: {لِيَبْتَلِيَكُمْ} أي: ليجعل ذلك الصَّرْف محنةً عليكم؛ لتتوبوا إلى اللهِ، وترجعوا إليه، وتستغفروه من مخالفة أمرِ النبي صلى الله عليه وسلم ومَيْلكم إلى الغنيمةِ، ثم أعلمهم أنهُ - تعالى - قد عفا عَنْهُم. الثالثُ: قال الكَعْبي: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} بأن لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم {لِيَبْتَلِيَكُمْ} بكثرة الإنعام عليكم. قوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} ظاهره يقتضي تقدُّم ذَنْب منهم. قال القاضي إنْ كان ذلك الذنبُ من الصغائر صحَّ أن يصف نفسه بأنّه عفا عنهم من غير توبة، فإن كان من الكبائرِ، فلا بد من إضمار توبتهم؛ [لإقامة] الدلالةِ على أن أصحاب الكبائر إذا لم يتوبوا لم يكونوا من أهل العفو والمغفرةِ. وأجيب بأنَّ هذا الذنبَ لا شك أنه كان كبيرة، لأنهم خالفوا صريحَ نَصَّ الرسول صلى الله عليه وسلم وصارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمينَ، وقُتِلَ جَمْعٌ كبيرٌ من أكابرهم، ومن المعلوم أن ذلك كله من باب الكبائرِ. وأيضاً ظاهر قوله تعالى: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}تفسير : [الأنفال: 16] يدل على كونه كبيرة، ويضعف قول من قال: إنه خاص في بَدْر؛ لأن اللفظَ عامٌّ، ولا تفاوت في المقصودِ، فكان التخصيصُ ممتنعاً، ثم إن ظاهرَ هذه الآية يدل على أنه - تعَالَى - عفا عنهم من غير توبةٍ؛ لأنه لم يذكر التوبة، فدلَّ على أنه - تعَالَى - قد يعفو عن أصحاب الكبائرِ، ثم قال: {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهو راجعٌ إلى ما تَقَدَّمَ من ذكر النعم؛ فإنه نصرهم - أولاً - ثم عفا عنهم - ثانياً - وهذا يدل على أن صَاحِبَ الكبيرةِ مُؤمِنٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج البيهقي في الدلائل عن عروة قال: كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وكان قد فعل، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم، وتركت الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولقد صدقكم الله وعده...} الآية. قال "حديث : إن أبا سفيان أقبل في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحداً، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الناس، فاجتمعوا وأمر على الخيل الزبير بن العوّام، ومعه يومئذ المقداد بن الأسود الكندي، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء رجلاً من قريش يقال له مصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطلب بالجيش، وبعث حمزة بين يديه، وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير وقال: استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك، وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر فقال: لا تبرحوا حتى أوذنكم، وأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزى، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه ومن معه فقال {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} . وأن الله وعد المؤمنين أن ينصرهم وأنه معهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعضاً من الناس فكانوا من ورائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كونوا ههنا، فَرُدّوا وجه من نَدَّ مِنَّّا، وكونوا حرساً لنا من قبل ظهورنا. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هزم القوم هو وأصحابه الذين كانوا، جعلوا من ورائهم فقال بعضهم لبعض لما رأوا النساء مصعدات في الجبل، ورأوا الغنائم: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوا الغنيمة قبل أن تستبقوا إليها وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنثبت مكاننا، فذلك قوله {منكم من يريد الدنيا} للذين أرادوا الغنيمة {ومنكم من يريد الآخرة} للذين قالوا: نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونثبت مكاننا. فاتوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان فشلاً حين تنازعوا بينهم يقول {وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} كانوا قد رأوا الفتح والغنيمة ". تفسير : وأخرج أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنه قال "ما نصر الله نبيه في موطن كما نصر يوم أحد فانكروا". فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أحد {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} يقول ابن عباس: "والحس". القتل. {حتى إذا فشلتم} إلى قوله {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين} وإنما عنى هذا الرماة، وذلك حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا. فلما غنم النبي صلى الله عليه وسلم، وأباحوا عسكر المشركين انكفأت الرماة جميعاً فدخلوا في العسكر ينتهيون، والتفت صفوف المسلمين فهم هكذا ـ وشبك بين يديه ـ والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخل الخيل من ذلك الموضع على الصحابة، فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغاب. إنما كانوا تحت المهراس، وصاح الشيطان قتل محمد فلم يشك فيه أنه حق. فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع بين السعدين نعرفه بتكفؤه إذا مشى، ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصبنا فَرَقِيَ نحونا وهو يقول: اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم، ويقول مرة أخرى. اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل أعل هبل. أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: ألا أجيبة يا رسول الله؟ قال: بلى. فلما قال: أعل هبل. قال عمر: الله أعلى وأجل. فعاد فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ فقال عمر: هذا رسول الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال: يوم بيوم بدر، الأيام دول والحرب سجال فقال عمر: لا سواء... قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا إذن وخسرنا. ثم أدركته حمية الجاهلية فقال: أما انه كان ذلك ولم نكرهه . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن المنذر عن ابن مسعود قال "حديث : إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرَّ أنه ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} فلما خالف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا ما أمروا به، أفرد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسعة. سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش. وهو عاشر، فلما رهقوه قال: رحم الله رجلاً ردهم عنا. فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه أيضاً قال: رحم الله رجلاً ردهم عنا، فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا. فجاء أبو سفيان فقال: أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا الله أعلى وأجل. فقالوا: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا اللهم مولانا والكافرون لا مولى لهم. ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة وفلان بفلان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا سواء. أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون. قال أبو سفيان: قد كان في القوم مثلة وإن كانت على غير توجيه منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني. قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكلت شيئاً؟ قالوا: لا. قال: ما كان الله ليدخل شيئاً من حمزة النار. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة، ثم جيء بآخر فوضعه إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعون صلاة ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن البراء بن عازب قال "حديث : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة يوم أحد ـ وكانوا خمسين رجلاً ـ عبد الله بن جبير ووضعهم موضعاً وقال: ان رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تَبْرَحُوا حتى أرسل إليكم، فهزموهم قال: فأنا ـ والله ـ رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن. فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة أي قوم الغنيمة... ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبدالله بن جبير: أفنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: إنا والله لَنَاْتِيَنَّ الناس فَلْنصِيبَنَّ من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فاقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً. فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة. سبعين أسيراً، وسبعين قتيلاً. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد ثلاثاً؟ فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة مرتين؟ أفي القوم ابن الخطاب مرتين؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم. فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت ـ والله ـ يا عدو الله، إن الذين عددت أحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوءك. قال: يوم بيوم بدر والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز: أعل هبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال قولوا: الله أعلى وأجل. قال: إن لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله وما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل عن جابر قال "حديث : انهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلاً من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: الا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة: أنا يا رسول الله فقال: كما أنت يا طلحة فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله فقاتل عنه وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه فقال: ألا رجل لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله وأصحابه يصعدون، ثم قتل. فلحقوه فلم يزل يقول مثل قوله الأول، ويقول طلحة أنا يا رسول الله فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من لهؤلاء؟ فقال طلحة: أنا. فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال: حس. فقال. لو قلت بسم الله، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك في جوّ السماء، ثم صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم مجتمعون ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عبد الرحمن بن عوف في قوله {إذ تحسُّونهم بإذنه} قال: "الحس" القتل. وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس. مثله. وأخرج ابن جرير من طريق علي عن ابن عباس {إذ تحسونهم} قال: تقتلونهم. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {إذ تحسُّونهم} قال: تقتلونهم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول الشاعر: شعر : ومنا الذي لاقى بسيف محمد فحس به الأعداء عرض العساكر تفسير : وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله {إذ تحسونهم بإذنه} قال: تقتلونهم قال: وهل كانت العرب تعرف ذلك قبل أن ينزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. أما سعمت قول عتبة الليثي: شعر : نحسهم بالبيض حتى كأننا نفلق منهم بالجماجم حنظلا تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {حتى إذا فشلتم} قال: الفشل الجبن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع {حتى إذا فشلتم} يقول: جبنتم عن عدوكم {وتنازعتم في الأمر} يقول اختلفتم وعصيتم {من بعد ما أراكم ما تحبون} وذلك يوم أُحُد قال لهم: إنكم ستظهرون فلا أعرِفَنَّ ما أصبتم من غنائمهم شيئاً حتى تفرغوا. فتركوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وعصوا، ووقعوا في الغنائم، ونسوا عهدَه الذي عهده إليهم، وخالفوا إلى غير ما أمرهم به فنصر عليهم عدوّهم من بعد ما أراهم فيهم ما يحبون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن عبد الرحمن بن ابزى في قوله {حتى إذا فشلتم} قال: كان وضع خمسين رجلاً من أصحابه عليهم عبيد الله بن خوات، فجعلهم بإزاء خالد بن الوليد على خيل المشركين، فلما هزم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس قال نصف أولئك: نذهب حتى نلحق بالناس ولا تفوتنا الغنائم، وقال بعضهم: قد عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نريم حتى يحدث إلينا. فلما رأى خالد بن الوليد رقتهم حمل عليهم، فقاتلوا خالداً حتى ماتوا ربضة، فأنزل الله فيهم {ولقد صدقكم الله وعده} إلى قوله {وعصيتم} فجعل أولئك الذين انصرفوا عصاة. وأخرج ابن المنذر عن البراء بن عازب {من بعد ما أراكم ما تحبون} الغنائم، وهزيمة القوم. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد {من بعد ما أراكم ما تحبون} قال: نصر الله المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول، ثم أديل عليهم المشركون بعصيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم أحد طائفة من المسلمين فقال: كونوا مسلحة للناس بمنزلة أمرهم أن يثبتوا بها، وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم حتى يأذن لهم. فلما لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبا سفيان ومن معه من المشركين، هزمهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المسلحة أن الله هزم المشركين انطلق بعضهم يتنادون الغنية الغنيمة... لا تفتكم، وثبت بعضهم مكانهم وقالوا لا نريم موضعنا حتى يأذن لنا نبي الله صلى الله عليه وسلم. ففي ذلك نزل {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} فكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد. وأخرج ابن جرير من طريق ابن جريج عن ابن عباس قال: لما هزم الله المشركين يوم أحد قال الرماة: أدركوا الناس ونبي الله صلى الله عليه وسلم لا يسبقونا إلى الغنائم فتكون لهم دونكم. وقال بعضهم: لا نريم حتى يأذن لنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} قال ابن جريج: قال ابن مسعود: ما علمنا أن أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والبيهقي بسند صحيح عن ابن مسعود قال: ما كنت أرى أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى نزلت فينا يوم أحد {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة}. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {ثم صرفكم عنهم} قال: صرف القوم عنهم، فقتل من المسلمين بعدة من أسروا يوم بدر، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه فقالوا: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدنا النصر؟ فأنزل الله {ولقد صدقكم الله وعده} إلى قوله {ولقد عفا عنكم}. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {ولقد عفا عنكم} قال: يقول الله: قد عفوت عنكم إذ عصيتموني أن لا أكون استأصلتكم، ثم يقول الحسن: هؤلاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي سبيل الله، غضاب لله يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فوالله ما تركوا حتى غموا بهذا الغم، قتل منهم سبعون، وقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وشج في وجهه، فأفسق الفاسقين اليوم يتجرأ على كل كبيرة، ويركب كل داهية، ويسحب عليها ثيابه، ويزعم أن لا بأس عليه فسوف يعلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله {ولقد عفا عنكم} قال: إذ لم يستأصلكم. وأخرج البخاري عن عثمان بن موهب قال: حديث : جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني أنشدك بحرمة هذا البيت. أتعلم أن عثمان بن عفان فر يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر فقال ابن عمر: تعال لأخبرك، ولأبين لك عما سألتني عنه. أما فراره يوم أحد فاشهد أن الله عفا عنه. وأما تغيبه عن بدر فإنه كانَ تحته بنت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لك أجر رجل وسهمه". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى، فضرب بها على يده فقال "هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك" .
التستري
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}[152] يعني الفئة المنهزمة يوم أحد حين لم يستأصلهم جميعاً. {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}[152] بالعفو عنهم وقبول التوبة منهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} [الآية: 152]. قيل: قرئت هذه الآية بين يدى الشبلى فقال: أوَّاه قَطعَ طريق الخلق إليه ورَدَّ الأشباح إلى قيمها. قال محمد بن على: منكم من يريد الدنيا للآخرة ومنكم يريد الآخرة لله تعالى. قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية: ما دمتم بكم وبأوصافكم كانت هممكم الحوادث والدارين، فإذا توليتكم وأجليتكم من صفاتكم وأكوانكم، علوتم بهممكم إلىَّ فأنفتم من النظر إلى الأكوان وإرادتها وقمتم بالحق مع الحق. وقال: متى ما طالعهم بأسرارهم محقهم عن إثارتهم ودهشتهم فى مناديهم، أى: ينظرون إلى ما صنع إليهم بدءًا فى منع أحوالهم لا إلى حركاتهم. قال النُّورىُ: العامة فى قميص العبودية والخاص فى قميص الربوبية، فلا يلاحظون العبودية وأهل الصفوة حَدَّ بهم الحق ومحاهم عن نفوسهم. قال الشبلى - تغمده الله برحمته -: منكم من يريد الدنيا للطاعة، ومنكم من يريد الآخرة للجنة فأين مريد الله تعالى؟ ومريد الله تعالى من إذا قال قال لله، وإذا سكت فليس لسوى الله تعالى. قال سهل بن عبد الله: دنياك نفسك فإذا قتلتها فلا نفس لك. قال بعضهم فى قوله تعالى: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} قال: صرف المريدين له عما دونه وسواه. قال الشبلى - رحمة الله عليه - فى هذه الآية: أسقط العطفتين وقد وصلت، قيل: وما العطفتان؟ قال: الكونين بما فيهما.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}. (إنه سبحانه يجازيك على استنصارك به، ويقال كل من استنصرت به احتجت إلى أن تعطيه شيئاً من كرائمك ثم قد ينصرك وقد لا ينصرك، فإذا استنصرته - سبحانه - يعطيك كل لطيفة، ولا يرضى بألا ينصرك). الإشارة من هذه الآية إلى أن الحق سبحانه أقام أولياءه بحق حقه، وأقعدهم عن تحصيل حظوظهم، وقام سبحانه بكفايتهم بكل وجه، فمن لازم طريق الاستقامة، ولم يزغ عن حدِّه ولم يُزغْ في عهده، فإنه سبحانه يصدق وعده له بجميل الكفاية ودوامها، ومن ضلّ عن الاستقامة - ولو خطوة - عثر في مشيته، واضطربت عليه - بمقدار جُرْمه - حاله وكفايته، فمن زَادَ زِيدَ له، ومن نَقَصَ نُقِصَ له. قوله جلّ ذكره: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. قيمة كل أحدٍ إرادته؛ فَمَنْ كانت همتُه الدنيا فقيمتُه خسيسةٌ حقيرة كالدنيا، ومن كانت همتُه الآخرة فشريفٌ خطره، ومن كانت همتُه ربانية فهو سيد وقته. ويقال مَنْ صفا عن إرادته وصل إليه، ومن وصل إليه أقبل - بلطفه - عليه، وأزلفه بمحل الخصوصية لديه. قوله: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ}: الإشارة منه أنه صرف قوماً عنه فشغلهم بغيره عنه، وآخرون صرفهم عن كل غير فأفردهم له؛ فالزاهدون صرفهم عن الدنيا، والعابدون صرفهم عن اتباع الهوى، والمريدون صرفهم عن المنى، والموحِّدون صرفهم عما هو غيرٌ وسوى.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} اى منكم من وقع فى بحر غنى القدم واتصف به ويخرج منه بنعت التمكين وروية النعم فى شرك المنعم كسليمان عليه السلام ومنكم من وقع فى بحر التنزيه وتقديس الازلية فغلب عليه القدس والطهارة فيخرج بنعت الفقر تجيرد التوحيد وافرد قدمه من الحدوث كمحمد صلى الله عليه وسلم حيث قال الفقر فخرى وايضا منكم من يريد الدنيا للفناء ومنكم من يريد الاخرة للبقاء وايضا منم من يريد مشاهدة الله فى الدنيا كموسى عليه السلام ومنكم من يريد مشاهدة الله على نعت السرمد ولا يكون الا فى الاخرة وعده قوله تعالى اى رب الدنيا كقوله {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : اى اهل القرية قال ابو سعيد الخراز مادمتم بكم واوصافكم كانت همتكم الحوادث والدارين واذا توليتم واخليتم من صافتكم واكوانكم وعلوت بهمكم الى --- من النظر الى الاكوان وارادتها وافيتكم بالحق مع الحق وقال متى ما كالعهم باسرارهم بحقهم عن اثارهم ودهشتهم فى مباديهم قال النورى العامة فى قميص العبودية والخاصة فى قميص الربوبية فلا يلاحظون العبودية واهل اصفوة جذبهم الحق ومحاهم عن نفوسهم قال الشبلى منكم من يريد الدنيا للقناعة ومنكم من يريد الاخرة للجنة وابن مريد الله ومريد الله من اذا قال قال الله واذا سكنت فليس بوى الله وقال سهل بن عبد الله دنياك نفسك فاذا افنيتها فلا دنيا لك قيل قرئ هذه الأية بين يد الشبلى فقال اول من قطع طريق الخلق اليه ورد الاشباح الى قيمتها قال محمد بن على منكم من يريد الدنيا للاخرة ومنكم من يريد الاخرة لله.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد صدقكم الله وعده} نصب على انه مفعول ثان لصدق صريحا او بنزع الجار اى فى وعده. نزلت حين قال ناس من المؤمنين عند رجوعهم الى المدينة من اين اصابنا هذا وقد وعدنا الله بالنصر وهو ما وعدهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من النصر حيث قال للرماة لا تبرحوا مكانكم فانا لا نزال غالبين ما دمتم فى هذا المكان وقد كان كذلك فان المشركين لما اقبلوا جعل الرماة يرشقون نبلهم والباقون يضربون بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم يقتلونهم قتلا ذريعا وذلك قوله تعالى {اذ تحسونهم} اى تقتلونهم قتلا كثيرا فاشيا من حسه اذا ابطل حسه وذلك يكون بالقتل وهو ظرف لصدقكم {بإذنه} ملتبسين بمشيئته وتيسيره وتوفيقه حال من فاعل تحسونهم {حتى} ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية {اذا فشلتم} اى جبنتم وضعف رأيكم او ملتم الى الغنيمة فان الحرص من ضعف القلب {وتنازعتم فى الامر} اى فى امر الرسول صلى الله عليه وسلم فقال بعض الرماة حين انهزم المشركون وولوا هاربين والمسلمون على اعقابهم قتلا وضربا فما موقفنا هذا وقال رئيسهم عبد الله بن جبير لا نخالف امر الرسول عليه الصلاة والسلام فثبت مكانه فى نفر دون العشرة من اصحابه ونفر الباقون للنهب وذلك قوله تعالى {وعصيتم من بعد ما اراكم ما تحبون} اى من الظفر والغنيمة وانهزام العدو فلما رأى المشركون ذلك حملوا عليهم من قبل الشعب وقتلوا امير الرماة ومن معه من اصحابه وقد سبق وقيد العصيان بما بعده تنبيها على عظم المعصية لانهم لما شاهدوا ان الله تعالى اكرمهم بانجاز الوعد كان من حقهم ان يمتنعوا عن المعصية وجواب اذا محذوف وهو منعكم نصره {منكم من يريد الدنيا} وهم الذى تركوا المركز واقبلوا على النهب قال ابن مسعود رضى الله عنه ما علمت ان احدا منا يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية {ومنكم من يريد الآخرة} وهم الذى ثبتوا مكانهم حتى نالوا شرف الشهادة {ثم صرفكم عنهم} عطف على الجواب المحذوف كما اشير اليه اى ردكم عن الكفار وكفكم بالهزيمة بعد ان اظفركم عليهم فحالت الريح دبورا بعدما كانت صبا {ليبتليكم} اى يعاملكم معاملة من يمتحنكم ليظهر ثباتكم على الايمان عندها {ولقد عفا عنكم} تفضلاً او لما علم من ندمكم على المخالفة {والله ذو فضل على المؤمنين} اى شأنه ان يتفضل عليهم بالعفو أو هو متفضل عليهم فى جميع الاحوال اديل لهم او اديل عليهم اذ الابتلاء ايضا رحمة بحسب اقتضاء احوالهم ذلك.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: حسَّه: إذا قتله وأبطل حسه، وجواب {إذا}: محذوف، أي: حتى إذا فشلتم وتنازعتم وعصيتم امتحناكم بالهزيمة، والواو لا ترتب، والتقدير: حتى إذا تنازعتم وعصيتم وفشلتم سلبنا النصر عنكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد صدقكم الله} ما وعدكم من النصر لو صبرتم واتقيتم، وذلك حين كنتم {تحسونهم} بالسيف، وتقتلونهم حتى انهزموا هاربين، بإذنه تعالى وإرادته، {حتى إذا فشلتم} أي: جبنتم وضعف رأيكم وملتم إلى الغنيمة، {وتنازعتم} في الثبات مع الرماة حين انهزم المشركون، فقلتم: الغنيمةَ الغنيمةَ، فما وقوفكم هنا! وقال آخرون: لا تخالفوا أمر الرسول، ثم تركتم المركز، {وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبون} من النصر والغنيمة، امتحناكم حينئذ بالهزيمة. فمنكم {من يريد الدنيا} ليصرفها في الآخرة، وهم الذين خالفوا المركز وذهبوا للغنيمة، {ومنكم من يريد الآخرة} صِرفاً، وهم الثابتون مع عبد الله بن جبير، محافظةً على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، {ثم صرفكم عنهم} حين خالفتم أمر الرسول، {ليبتليكم} أي: ليختبركم، فيتبين الصابر من الجازع، والمخلص من المنافق، {ولقد عفا عنكم} فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، لاستحقاقكم ذلك، أو تجاوز عن ذنبكم وتفضل بالتوبة والمغفرة، {والله ذو فضل} عظيم {على المؤمنين}؛ يتفضل عليهم بالمغفرة في الأحوال كلها، سواء أديل عليهم أو لهم، فإن الابتلاء أيضاً رحمة وتطهير. والله تعالى أعلم. الإشارة: يقول للفقراء الذين استشرفوا على بلاد الخصوصية، ثم فشلوا ورجعوا إلى بلاد العمومية: ولقد صدقكم الله وعده في إدراك الخصوصية لو صبرتم، فإنكم حين كنتم تجاهدون نفوسكم وتحسونها بسيوف المخالفة، لمعت لكم أنوار المشاهدة، حتى إذا فشلتم وتفرقت قلوبكم، وعصيتم شيوخكم قلَّت أمدادكم، وأظلمت قلوبكم، من بعد ما رأيتم ما تحبون من مبادئ المشاهدة، فملتم إلى الدنيا الفانية، فمنكم يا معشر المنتسبين من يريد الدنيا، فصحب العارفين على حرف، وهو الذي رجع وفشل، ومنكم من يريد الآخرة وقطع يأسه من الرجوع إلى الدنيا، وهو الذي ثبت حتى ظفر، ثم صرفكم عن حصبة العارفين، يا من أراد الدنيا من المنتسبين، ليبتليكم، هل صحبتموهم لله أو لغيره، ولقد عفا عنكم وجعلكم من عوام المسلمين، ولم يسلب عنكم الإيمان عقوبة لترك صحبة العارفين. أو لقد عفا عنكم إن رجعتم إلى صحبتهم والأدب معهم، فإن الله {ذو فضل على المؤمنين} حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. وبالله التوفيق. وقال الورتجبي: قوله: {منكم من يريد الدنيا}، أي: منكم من وقع في بحر غني القدم، واتصف به بنعت التمكين ورؤية النعم في شكر المنعم، كسليمان عليه السلام. ومنكم من وقع في بحر التنزيه وتقديس الأزلية، فغلب عليه القدس والطهارة، فخرج بنعت الفقر؛ تجريداً لتوحيده وإفرادِ قدمه من الحدث، كمحمدٍ صلى الله عليه وسلم حيث قال:"حديث : الفقر فخري ".
الطوسي
تفسير : المعنى، والقصة: ذكر ابن عباس، والبراء بن عازب، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وابن اسحاق: أن الوعد المذكور كان يوم أحد، لأن المسلمين كانوا يقتلون المشركين قتلا ذريعاً حتى أخل الرماة بمكانهم الذي أمرهم النبي (صلى الله عليه وسلم) بملازمته، فحينئذ حمل خالد بن الوليد من وراء المسلمين، وتراجع المشركون، وقتل من المسلمين سبعون رجلا ثم هزموا، وقد نادى مناد قتل محمد ثم من الله على المسلمين، فرجعوا وقويت نفوسهم، ونزل الخذلان بعدوهم، حتى ولوا عنهم، ومعنى {تحسونهم} تقتلونهم. اللغة: والحس هو القتل على وجه الاستئصال قال جرير: شعر : تحسهم السيوف كما تسامى حريق النار في أجم الحصيد تفسير : وأصله الاحساس. ومنه قوله: {أية : هل تحس منهم من أحد }تفسير : وقوله:{أية : فلما أحس عيسى منهم الكفر }تفسير : أي وجده من جهة الحاسة، وحسه يحسه: إذا قتله، لأنه أبطل حسه بالقتل، والتحسس طلب الاخبار. وفي التنزيل: {أية : يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه } تفسير : وذلك لأنه طلب لهما بحاسة السمع. والمحسة التي ينفض بها التراب عن الدابة، لأنه يحس بها من جهة حكها لجلدها. وقوله: {باذنه} معناه بعلمه. ويجوز أن يكون المراد بلطفه، لان أصل الاذن الاطلاق في الفعل، فاللطف تيسر له، كما أن الاذن كذلك إلا أن اللطف تدبير يقع معه الفعل لا محالة اختياراً كما يقع في أصل الاذن اختياراً. المعنى: قال أبوعلي قوله: {إذ تحسونهم} يعني يوم بدر {حتى إذا فشلتم} يوم أحد {من بعد ما أراكم ما تحبون} يوم بدر. والأولى أن يكون هذا حكاية عن يوم أحد على ما بيناه. وقوله: {حتى إذا فشلتم} معناه جبنتم عن عدوكم وكعتم {وتنازعتم} في الأمر يعني اختلفتم {من بعد ما أراكم ما تحبون} معناه أنهم أعطوا النصر، فخالفوا في ما قيل لهم من لزوم فم الشعب. واختلفوا، فعوقبوا بأن ديل عليهم في قول الحسن. وقوله: {منكم من يريد الدنيا} أي منكم من قصده الغنيمة في حربكم {ومنكم من يريد الآخرة} أي بثبوته في موضعه بقصده بجهاده إلى ما عند الله في قول ابن مسعود، وابن عباس، والربيع. الاعراب. والمعنى: فان قيل أين جواب "حتى إذا"؟ قلنا: فيه قولان: أحدهما - إنه محذوف، وتقديره امتحنتم. والآخر - على زيادة الواو والتقديم والتأخير، وتقديره حتى إذا تنازعتم في الأمر، فشلتم - في قول الفراء -، كما قال {أية : فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم} تفسير : ومعناه ناديناه، والواو زائدة. ومثله {أية : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج... واقترب} تفسير : ومعناه اقترب. ومثله قوله: {أية : حتى إذا جاؤها وفتحت} تفسير : وأنشد: شعر : حتى إذا قملت بطونكم ورأيتم ابناءكم شبوا قلبتم ظهر المجن لنا ان اللئيم العاجز الخب تفسير : والبصريون لايجيزون زيادة الواو ويتأولون جميع ما استشهد به على الحذف لأنه أبلغ في الكلام، وأحسن من جهة الايجاز. وقوله: {ثم صرفكم عنهم} قيل في إضافة انصرافهم إلى الله مع أنه معصية قولان: أحدهما - إنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه، ومنهم من لم يعص، لأنهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة، فانصرفوا باذن الله بأن التجأوا إلى أحد، لأن الله إنما أوجب ثبات المائة للمئتين فادا نقصوا، لايجب عليهم ذلك. وجاز أن يذكر الفريقين في الجملة بأنه صرفهم، وبأنهم عفا عنهم، ويكون على ما بيناه في التفصيل هذا قول أبي علي. وقال البلخي {ثم صرفكم عنهم} معناه لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم {ليبتليكم} بالمظاهرة في الانعام عليكم، والتخفيف عنكم. وقوله {ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين. إذ تصعدون} فاذ تصعدون متعلق بقوله: {ولقد عفا} في قول الزجاج. وقال الجبائي قوله: {ولقد عفا عنكم} خاص لمن لم يعص بانصرافه، والأولى أن يكون عاماً في جميعهم، لأنه لا يمتنع أن يكون الله عفا لهم عن هذه المعصية. وقال البلخي: معناه {ولقد عفا عنكم} بتتبعهم بعد أن كان أمرهم بالتتبع لهم، فلما بلغوا حمراء الاسد أعفاهم من ذلك، ولايجوز أن يكون، صرفهم فعل الله، لأنه قبيح والله تعالى لايفعل القبيح.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} ايّاكم بقوله {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ} او بقوله {وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ} وبقوله {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّاصِرِينَ} تعريضاً او بقوله {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} او بقول نبيّه (ص) لاصحاب عبد الله بن جبير "حديث : لا تبرحوا من هذا المكان فانّا لا نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم"تفسير : ولقد تحقّق صدق وعده حين كنتم غالبين ما كنتم غير مخالفين لامر الرّسول بثبات اصحاب عبد الله بن جبير فى مراكزهم {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} تقتلونهم من الحسّ بمعنى القتل او الحيلة او الاستئصَال {بِإِذْنِهِ} بترخيصه واباحته تكويناً وتكليفاً على لسان نبيّه (ص) {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} ضعفتم عن القتال والثّبات فى مراكزكم {وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} بان قال بعضكم: غنم اصحابنا، وقال بعضكم: لا نبرح من أمكنتنا فانّ الرّسول (ص) قدّم الينا ان لا نبرح {وَعَصَيْتُمْ} امر الرّسول (ص) بان لا تبرحوا عن امكنتكم سواء انهزم المسلمون او هزموا {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ} الله {مَّا تُحِبُّونَ} من الظّفر والغنيمة وجواب اذا محذوف وهو امتحنكم او منعكم انجاز وعده لمنعكم شرط وعده وهو الصّبر والتّقوى والثّبات فى المراكز {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل لما يقع النّزاع منّا؟ - فقال: لانّ منكم من يريد الدّنيا وهم الّذين تركوا مراكزهم من اصحاب عبد الله بن جبير للحرص على الغنيمة وارادة عرض الدّنيا {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} وهم الّذين ثبتوا حتّى قتلوا {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} اى عن مقاتلتهم بالجبن والفرار حتّى غلبوكم {لِيَبْتَلِيَكُمْ} يمتحنكم بالبلايا فيخلصكم من الهوى وارادة الدّنيا {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} بعد ما ندمتم على مخالفتكم تفضّلاً منه عليكم فادالكم عليهم ثانياً بحيث غلبتموهم وارعبتموهم حتّى لم يمكثوا الى مكّة وكانوا مسرعين خائفين {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} فلا ينظر الى اعمالهم واستحقاقهم بل يريد استكمالهم فى الاحوال كلّها سواء ابتلاهم او انعم عليهم.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده} وعدكم النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله تعالى: {أية : أن تصبروا وتتَّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم} تفسير : [آل عمران: 125] والآية نزلت في يوم أُحد وذلك أنه لما رجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أصابه ما أصاب قال أناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا ولقد وعدنا النصر فنزلت وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل أُحد خلفه وأقام الرماة عند الجبل وأمرهم أن يثبتوا مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم والباقون يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا والمسلمون على أثرهم {إذ تحسونهم} أي تقتلونهم قتلاً ذريعاً {حتى إذا فشلتم وتنازعتم} والفشل الجبن وضعف الرأي وتنازعوا فقال بعضهم: قد انهزم المشركون فما وقفتنا هذا، وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فما ثبت مكانه غير عبد الله بن جبير أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله تعالى: {ومنكم من يريد الآخرة} ونفراً أرادوا الدنيا هم الذين نزلوا من الرماة فكرَّ المشركون على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأقبلوا على المسلمين حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا، وروي أنه قتل يوم أُحُد حمزة بن عبد المطلب ومعه سبعون رجلاً وهو قوله تعالى: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} أي ليمتحن صبركم {ولقد عفا عنكم} لما علِمَ من ندمكم، قوله تعالى: {إذ تصعدون} يعني الجبل {والرسول يدعوكم في أُخراكم} يقول: "إليَّ عباد الله من كرَّ فله الجنة الاخرة المتأخرة" يعني جماعتكم الأخرى، قوله تعالى: {فأثابكم} أي جزاكم {غماً بغم} حين صرفكم عنهم وابتلاكم بسبب غم أذقتموه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو غماً مضاعفاً بعد غم {لكيلا تحزنوا} لئلا تحزنوا {على ما فاتكم} من نصرة الله ولا على ما أصابكم من غلبة العدو، وأنزل الله الأمن على المؤمنين، وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم، قوله تعالى: {نعاساً يغشى طائفة منكم} هم أهل الصدق واليقين {وطائفة} وهم المنافقون {قد أهمَّتهم أنفسهم} ما بهم إلاَّ همّ أنفسهم لا همّ الدين ولا همّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين {يظنون بالله غير الحق} في حكم المصدر معناه يظنون بالله غير ظن الحق الذي يجب ألا يظن به مثل ذلك و{ظن الجاهلية} بدل منه ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية ظن أهل الشرك الجاهلين بالله، قوله تعالى: {يقولون} لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {هل لنا من الأمر من شيء} معناه هل لنا معاشر المسلمين من أمر الله من نصيب قط يعنون النصر والإِظهار على العدو، قوله تعالى: {قل انَّ الأمر كله لله} ولأوليائه المؤمنين المسترشدين وهم أهل النصر والغلبة {كتب الله لأغلبن أنا ورسلي} وأن جندنا لهم الغالبون {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} معناه يقولون لك فيما يظهرون {هل لنا من الأمر من شيء} سؤال المؤمنين وهم فيما يظنون على النفاق يقولون في أنفسهم أو بعضهم لبعضٍ منكرين لقولك لهم: {انَّ الأمر كله لله} {لو كان لنا من الأمر شيءٌ} أي لو كان الأمر كما قال محمد: "أن الأمر كله لله ولأوليائه وأنهم الغالبون"، لما غلبنا قط ولما قتل من المسلمين قتل في هذه المعركة، {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين} يعني في علم الله أن يقتل ويصرع في هذه المصارع وكتب ذلك في اللوح المحفوظ لم يكن بدَّ من وجوده، قوله تعالى: {كتب عليهم القتل} الذي علم الله أنهم يقتلون {إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدروكم} أي صدور المؤمنين {وليمحص ما في قلوبكم} من وسواس الشيطان.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ} أي إذ تقتلونهم بإذنه في تفسير الحسن ومجاهد وغيره. {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ}. قال بعضهم: جبنتم {وَتَنَازَعْتُمْ} أي اختلفتم {فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ}. ذلك يوم أحد؛ عهد إليهم نبي الله عهداً، وأمرهم بأمر، فنسوا العهد. يعني قول النبي لهم: فإن هزمتموهم فلا تتبعوا المدبرين. وقال بعضهم: خالفوا إلى غير ما أمرهم به فصرف عنهم عدوهم بعد ما أراهم ما يحبون فيهم. وقال مجاهد: نصر الله المؤمنين يومئذ على عدوهم من المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول، بادية سوقهن، ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم النبي حتى خطبهم على بغلته الشهباء وقال: ربّ اكفنيهم بما شئت. قوله: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ}... الآية. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رأيت البارحة كأن علي درعاً حصينة فأوّلتها المدينة، فاكمنوا للمشركين في أزقتها حتى يدخلوا عليكم في أزقتها فتقتلوهم. فأبت الأنصار من ذلك فقالوا: يا رسول الله، منعنا مدينتنا من تبّع والجنود، فنخلي بين هؤلاء المشركين وبينها يدخلونها. فلبس رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاحه. فلما خرجوا من عنده أقبل بعضهم على بعض فقالوا: ما صنعنا؟ أشار علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرددنا رأيه. فأتوه فقالوا: يا رسول الله، نحن نكمن لهم في أزقتها حتى يدخلوها فنقتلهم فيها؛ فقال: إنه ليس لنبي لبس لامته، أي سلاحه، أن يضعها حتى يقاتل. قال: فبات رسول الله دونهم بليلة، فرأى رؤيا، فأصبح فقال: إني رأيت البارحة كأن بقراً منحّراً، فقلت بقر والله خير؛ وإنها كائنة فيكم مصيبة، وإنكم ستلقونهم غداً وتهزمونهم، فإذا هزمتموهم فلا تتبعوا المدبرين. ففعلوا؛ فلقوهم فهزموهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاتبعوهم على وجهين؛ أما بعضهم فقالوا: مشركون وقد أمكننا الله من أدبارهم فنقتلهم، فقتلوهم على وجه الحِسبة. وأما بعضهم فقتلوهم لطلب الغنيمة. فرجع المشركون عليهم فهزموهم حتى صعدوا أحداًتفسير : . وهي قوله: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ} لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنكم ستلقونهم فتهزمونهم فلا تتبعوا المدبرين . تفسير : قال: حتى إذا فشلتم أي: ضعفتم في أمر رسول الله، وتنازعتم أي: اختلفتم فصرتم فريقين تقاتلونهم على وجهين، وعصيتم الرسول من بعد ما أراكم ما تحبّون من النصر على عدوّكم. قال: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} قد فسّرناه قبل هذا ونرجع فيه؛ يقول: من يريد الدنيا فهي الغنيمة. {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ} الجنة والثواب {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ} إذ لم يستأصلكم {وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ} الجبل. أي أُحُداً {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} جعل يقول: إليّ عباد الله! حتى خصَّ الأنصار فقال: يا أنصار الله! إلي، أنا رسول الله. فتراجعت الأنصار والمؤمنين. قال: {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} بما قتلوا من إخوانكم من فوق الجبل بالغم الذي أصابهم يوم بدر. قال الكلبي: هو إشراف خالد بن الوليد عليهم من فوق الجبل. وقال بعضهم: إِذْ تُصْعِدُونَ: صعدوا في الوادي فرأوا نبي الله يدعوهم: إلي عباد الله، إلي عباد الله. [كانوا تحدثوا يومئذ أن نبي الله أصيب]. وكان الهمّ الآخر قتل أصحابهم والجراحات التي فيها. قال: وذكر لنا أنه قتل يومئذ سبعون رجلاً: ستة وستون من الأنصار، وأربعة من المهاجرين. قوله: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الغنيمة {وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ} من قتل إخوانكم، إنما همّ كل رجل منكم بقتله في تفسير الحسن. وقال غيره: وما أصابكم في أنفسكم من القتل والجراح. قال: {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.
اطفيش
تفسير : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ}: إياكم بالنصر إذ وفيتم بشرطه، وهو التقوى والصبر، كما مر فى الآية، بل إن تصبروا وتتقوا. {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}: تقتلون المشركين بمشيئته، وقدره وعلمه، قتلا كبيراً، وهو من قولك: حسه إذا بطل حسه، فذلك قتل. كما يقال: بطنه ورأسه، أى أصاب بطنه ورأسه، والباء للآلة المجازية متعلقة بتحس، أو للمصاحبة متعلقة به، أو بمحذوف والمحذوف حال من الواو، أى ملتبسين بإذنه. روى أنه كان أشد القتال يومئذ بحمزة، وعلى، وأبى دجانة وعاصم بن الأفلج، وغيرهم وداموا يقتلون الرماة يرشقون خيل المشركين بالنبل، والباقون يضربونهم بالسيف، فانهزموا وقتلوا كثيراً، قد مر بيانه، حتى خالفوا الشرط بانتقال الرماة، عن موضعهم، كما قال: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ}: تكاسلتم عمداً عن القتال، ميلا إلى الغنيمة، لما رأيتم المشركين منهزمين، ونساءهم يهربن باديات السوق، يركبن على ذلول وصعب، أو حتى إذا ضعف رأيكم فملتم إلى الغنيمة، والحرص من ضعف الفعل، أو حتى إذا حرصتم فإن الحرص مسبب عن ضعف العقل وأصل الفشل: الضعف. {وَتَنَازَعْتُمْ فِى الأَمْرِ}: إذ قال بعض الرماة: من مقامنا عن الغنم، وقد انهزم المشركون، وقال أميرهم نثبت، ولا نخالف أمره صلى الله عليه وسلم، فثبت أميرهم ونفر معه دون العشرة، فقتل المشركون من تبت إذ نفر الأكثر للنهب، كما قال: {وَعَصَيْتُمْ}: إذ نفرتم للنهب وخالفتم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبوت. {مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}: من الظفر بالمشركين وانهزاهم فكان الدولة بعد فشلكم، وتنازعكم وعصيانكم للمشركين، فتحولت الريح دبورا، بعد ما كانت صباء، فرجعوا على المسلمين يقتلونهم لما رأوا اشتغالهم بالنهب، فانهزم المسلمون. قال محمد بن كعب القرظى: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أحد إلى المدينة قال ناس من الصحابة: كيف أصابنا هذا؟ وقد وعدنا الله بالنصر؟ فأنزل الله جل وعلا: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ}.. الآية. وقيل: انتقضت صفوف المسلمين فجعل بعضهم يضرب بعضاً، وما يشعرون بذلك من الدهش، وإنما صدر الفشل والعصيان والنزاع الذى لا يجوز من بعضهم فقط، مع هذا خوطبوا به عموماً سترا على من فعل ذلك، وزجراً لمن لم يفعل، عن أن يفعل وعن أن يسكت عن النهى والضبط. قيل حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ على بغلته الشهباء، يدعو الله "اللهم اكفنا بما شئت"تفسير : وقد ظهر لك معنى الآية مع إبقائها على ظاهرها، وجواب إذا محذوف، والتقدير: انهزمتم، أو امتحنتم، أو منعكم نصره، وحكى عن الفراء: فيها تقديماً وتأخيراً تقديره: حتى إذا تنازعتم فى الأمر وعصيتم فشلتم، ولا يصح ذلك لأن جواب إذا لا يتقدم على شرطها، فيكون بينها وبين شرطها، ولأن الواو تمنع تنازعهم أن يكون شرطاً، ولعله إن صح هذا عنه، فإنما أراد أن الأصل أن يقال ذلك، وعدل عن ذلك لحكمة، أو قدر تأخير فشلتم مقروناً بالواو، فيكون أشار على أن العطف على فشلتم عطف سابق على لاحق، وما الأولى مصدرية، أى من بعد إرادته إياكم. {مِنْكُم مَّنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا}: وهم الذين انتقلوا من الرماة إلى النهب {وَمِنْكُم مَّنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ}: كمن لم ينتقل منهم كعبد الله بن جبير أميرهم ومن ثبت معه حتى قتلوا، ومن لم يضطرب من غير الرماة، كأنس ابن النضر رحمه الله، فإنهم لما انتقلوا صار القتال وجهين، وجه الله وهو قتال غير الرماة، وقتال للنهب، وهو قتال الرماة الذين انتقلوا، قال ابن مسعود ما شعرت أن أحداً من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يريد الدنيا، حتى كان يوم أحد نزلت الآية وفى رواية حتى نزل فينا يوم أحد {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} وذلك من حب الدنيا. قال الزبير: والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند ابنة عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة إلى العسكر حتى كشفنا القوم عنه، يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأوتينا من أدبارنا وصرخ صارخ، ألا إن محمداً قد قتل. وانكفأ علينا القوم، قال صلى الله عليه وسلم"حديث : لا تفتح الدنيا على قوم إلا ألقت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة". حديث : قال صلى الله عليه وسلم: للأنصار لما تعرضوا له لما سمعوا بقدوم أبى عبيدة مال البحرين: "أبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكنى أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم، فتتنافسوا كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم"تفسير : . قال ابن المبارك: أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثنى سعد ابن أبى سعد، حديث : أن رجلا قال يا رسول الله: كيف لى أن أعلم كيف أنا؟ قال: "إذا رأيت كلما طلبت شيئاً من أمر الآخرة وابتغيته يسر لك، وإذا رأيت شيئاً من أمر الدنيا وابتغيته عسر عليك، فأنت على حال حسنة، وإذا رأيت كلما طلبت شيئاً من أمر الآخرة وابتغيته عسر عليك وإذا رأيت شيئاً من أمر الدنيا وابتغيته يسر لك فأنت على حال قبيحة" تفسير : {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ}: كفكم عن الكفار وغلبهم عليكم فانهزمتم والعطف على صدقكم الله وعده، وقال أبو البقاء: العطف على جواب إذا المقدرة. {لِيَبْتَلِيَكُمْ}: بالمصائب بأن يقتلوا ويجرحوا منكم، فيظهر هل تصيرون عندها على الإيمان، ولا تجزعون؟ أو المعنى لينعم عليكم بالثواب على الصبر، أو أريد ذلك كله عند مجيز استعمال المشترك فى معانيه أو معنييه. {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}: غفر ذنوبكم وهو مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لندمكم عنها والندم توبة، وقد صح أنهم ندموا فلا دليل فيه للأشعرية على جواز غفران الكبيرة، بلا توبة ومتى كانت تباعة انضم إلى الندم قضاؤها، وتفسير العفو بغفران الذنب، أظهر من أن يفسر بعدم استئصالهم. {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}: بتفضل عليهم بقبول توبتهم، كما قيل عن هؤلاء الذين خالفوا أمره، صلى الله عليه وسلم، توبتهم، فلا دليل فيه، على أن غير التائب، يسمى مؤمناً، ويجوز أن يكون بالمعنى، إنه يتفضل على المؤمنين بالجنة، أو بزيادة الدرجات، فعد العفو عما أتوه، وتابوا عنه وبنعم الدنيا وإثابتهم على ما أصابهم.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } أخرج الواحدي عن محمد بن كعب قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم / إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله تعالى النصر؟ فأنزل الله تعالى الآية، و {وَعْدَهُ } مفعول ثان لصدق صريحاً فإنه يتعدى إلى مفعولين في مثل هذا النحو، وقد يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، فيقال: صدقت زيداً في الحديث، ومن هنا جوز بعضهم أن يكون نصباً بنزع الخافض؛ والمراد بهذا الوعد ما وعدهم سبحانه من النصر بقوله عز اسمه: {أية : إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ }تفسير : [آل عمران: 125] الخ وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم حيث قال للرماة: «حديث : لا تبرحوا مكانكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم»تفسير : . وفي رواية أخرى: «حديث : لا تبرحوا عن هذا المكان فإنا لا نزال غالبين ما دمتم في هذا المكان» تفسير : وأيد الأول بما أخرجه البيهقي في «الدلائل» عن عروة قال: كان الله تعالى وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وكان قد فعل فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا مصافهم وتركت الرماة عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم أن لا يبرحوا منازلهم وأرادوا الدنيا رفع الله تعالى مدد الملائكة، واختار مولانا شيخ الإسلام الثاني، وقد تقدم لك ما ينفعك هنا. والقول بأن المراد ما وعده جل شأنه بقوله سبحانه: {أية : سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } تفسير : [آل عمران: 151] ليس بشيء كما لا يخفى، وأخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما نصر الله تعالى نبيه في موطن كما نصره يوم أحد فأنكروا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله تعالى إن الله تعالى يقول يوم أحد: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } أي تقتلونهم وهو التفسير المأثور، واستشهد عليه الحبر بقوله عتبة الليثي:شعر : (نحسهم) بالبيض حتى كأننا نفلق منهم بالجماجم حنظلا تفسير : وبقوله:شعر : ومنا الذي لاقى بسيف محمد (فحس) به الأعداء عرض العساكر تفسير : وأصل معنى حسه أصاب حاسته بآفة فأبطلها مثل كبده ولذا عبر به عن القتل، ومنه جراد محسوس وهو الذي قتله البرد، وقيل: هو الذي مسته النار، وكثيراً ما يستعمل الحس بالقتل على سبيل الاستئصال، والظرف متعلق بـ {صَدَقَكُمُ} وجوز أبو البقاء أن يكون ظرفاً للوعد {بِإِذْنِهِ } أي بتيسيره وتوفيقه، والتقييد به لتحقيق أن قتلهم بما وعدهم الله تعالى من النصر. {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } أي فزعتم وجبنتم عن عدوكم. {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَمْرِ } أي أمر الحرب أو أمره صلى الله عليه وسلم لكم في سدّ ذلك الثغر على ما تقدم تفسيره {وَعَصَيْتُمْ } إذ لم تثبتوا هناك وملتم إلى الغنيمة {مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من انهزام المشركين وغلبتكم عليهم. قال مجاهد: نصر الله تعالى المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وذلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبـي صلى الله عليه وسلم، وروي أن خالد بن الوليد أقبل بخيل المشركين ومعه عكرمة بن أبـي جهل، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير رضي الله تعالى عنه أن احمل عليه فحمل عليه فهزمه ومن معه فلما رأى الرماة ذلك انكفأوا إلا قليلاً ودخلوا العسكر وخالفوا الأمر وأخلوا الخلة التي كانوا فيها فدخلت خيول المشركين من ذلك الموضع على الصحابة رضي الله تعالى عنهم فضرب بعضهم بعضاً والتبسوا وقتل من المسلمين أناس كثير بسبب ذلك. {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } وهم الرماة الذين طمعوا في النهب وفارقوا المركز له {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَْخِرَةَ } كعبد الله بن جبير أمير الرماة ومن ثبت معه ممتثلاً أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي كفكم عنهم حتى تحولت الحال من الغلبة إلى ضدها {لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ليبين أمركم وثباتكم على الإيمان ففي الكلام استعارة تمثيلية، وإلا فالامتحان محال على الله تعالى، وفي ـ حتى ـ هنا قولان، أحدهما: أنها حرف جر بمنزلة إلى ومتعلقها {تَحُسُّونَهُمْ } أو {صَدَقَكُمُ } أو محذوف تقديره دام لكم ذلك، وثانيهما: أنها حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية من إذا وما بعدها وجواب {إِذَا } قيل: {تَنَازَعْتُمْ }، والواو زائدة واختاره الفراء، وقيل: {صَرَفَكُمْ } و {ثُمَّ } زائدة وهو ضعيف جداً والصحيح أنه محذوف وعليه البصريون، وقدره أبو البقاء: بأن أمركم، وأبو حيان: انقسمتم إلى قسمين بدليل ما بعده، والزمخشري: منعكم نصره، وابن عطية: انهزمتم ولكل وجهة، وبعض المتأخرين امتحنكم، وردّ بجعل الابتداء غاية للصرف المترتب على منع النصر، وعلى كل تقدير يكون {صَرَفَكُمْ } معطوفاً على ذلك المحذوف، وقيل: إن {إِذَا } اسم كما في قولهم: إذا يقوم زيد إذا يقوم عمرو؛ و {حَتَّىٰ } حرف جر بمعنى إلى متعلقة بـ {صَدَقَكُمُ } باعتبار تضمنه معنى النصر كأنه قيل: لقد نصركم الله تعالى إلى وقت فشلكم وتنازعكم الخ، و {ثُمَّ صَرَفَكُمْ } حينئذ عطف على ذلك، وهاتان الجملتان الظرفيتان اعتراض بين المتعاطفين. {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } بمحض التفضل أو لما علم من عظيم ندمكم على المخالفة، وقيل: والمراد بذلك العفو عن الذنب وهو عام لسائر المنصرفين. ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري عن عثمان بن موهب قال: حديث : جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني به أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم فكبر فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال النبـي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى وضرب بها على يده فقال: هذه يد عثمان اذهب بها الآن معكتفسير : ، وقال البلخي: إنه عفو عن الاستئصال، وروي ذلك عن ابن جريج، وزعم أبو علي الجبائي أنه خاص بمن لم يعص الله تعالى بانصرافه والكل خلاف الظاهر. وقد يقال: الداعي لقول البلخي: إن العفو عن الذنب سيأتي ما يدل عليه بأصرح وجه، والتأسيس خير من التأكيد، وكلام ابن عمر رضي الله تعالى عنه ليس فيه أكثر من أن الله تعالى عفا عن ذنب الفارّين وهو صريح الآية الآتية، وأما أنه يفهم منه ولو بالإشعار أن المراد من العفو هنا العفو عن الذنب فلا أظن منصفاً يدعيه. {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } تذييل مقرر لمضمون ما قبله وفيه إيذان بأن ذلك العفو ولو كان بعد التوبة بطريق التفضل لا الوجوب أي شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو أو في جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم إذ الابتلاء أيضاً رحمة، والتنوين للتفخيم، والمراد بالمؤمنين إما المخاطبون، والإظهار في مقام الإضمار للتشريف والإشعار بعلة الحكم، وإما الجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً ولعل التعميم هنا وفيما قبله أولى من التخصيص، وتخصيص الفضل بالعفو أولى من تخصيصه بعدم الاستئصال كما زعمه البعض.
ابن عاشور
تفسير : {ولقد صدقكم} عطف على قوله: {أية : سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب}تفسير : [آل عمران: 151] وهذا عود إلى التَّسلية على ما أصابهم، وإظهار لاستمرار عناية الله تعالى بالمؤمنين، ورمز إلى الثقة بوعدهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وتبيين لسبب هزيمة المسلمين: تطميناً لهم بذكر نظيره ومماثله السابقِ، فإنّ لذلك موقعاً عظيماً في الكلام على حدّ قولهم (التَّاريخ يعيد نفسه) وليتوسّل بذلك إلى إلقاء تَبِعة الهزيمة عليهم، وأنّ الله لم يُخلفهم وعده، ولكن سوء صنيعهم أوقعهم في المصيبة كقوله: {أية : وما أصابك من سيئة فمن نفسك}تفسير : [النساء: 79]. وصِدق الوعد: تحقيقُه والوفاءُ به، لأنّ معنى الصدق مطابقة الخبر للواقع، وقد عدّي صدق هنا إلى مفعولين، وحقّه أن لا يتعدّى إلا إلى مفعول واحد. قال الزمخشري في قوله تعالى ـــ في سورة [الأحزاب: 23] ـــ: {أية : من المؤمنين رجال صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه}تفسير : يقال: صدقني أخوك وكذَبني إذا قال لك الصدق والكذب، وأمَّا المثَل (صَدَقَنِي سِنّ بَكْرِه) فمعناه صدقني في سنّ بَكره بطرح الجارّ وإيصال الفعل. فنصب وعدَه} هنا على الحذف والإيصال، وأصل الكلام صدقَكم في وعده، أو على تضمين صَدَق معنى أعطى. والوعد هنا وعد النصر الواقعُ بمثل قوله: {أية : يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم}تفسير : [محمد: 7] أو بخبر خاصّ في يوم أحُد. وإذْن الله بمعنى التقدير وتيسير الأسباب. و (إذ) في قوله: {إذ تحسونهم} نصب على الظرفية لقوله: {صدقكم} أي: صدقكم الله الوعد حين كنتم تحسّونهم بإذنه فإنّ ذلك الحسّ تحقيق لوعد الله إيّاهم بالنَّصر، و (إذْ) فيه للمضيّ، وأتى بعدها بالمضارع لإفادة التجدّد أي لحكاية تجدّد الحسّ في الماضِي. والحَسّ ـــ بفتح الحاء ـــ القَتل أطلقه أكثر اللغويين، وقَيّده في «الكشاف» بالقتل الذريع، وهو أصوب. وقوله: {حتى إذا فشلتم} (حتَّى) حرف انتهاء وغاية، يفيد أنّ مضمون الجملة الَّتي بعدها غاية لمضمون الجملة الَّتي قبلها، فالمعنى: إذ تقتلونهم بتيسير الله، واستمرّ قتلكم إيّاهم إلى حصول الفشل لكم والتنازع بينكم. و(حتَّى) هنا جارّة و(إذا) مجرور بها. و(إذا) اسم زمان، وهو في الغالب للزمان المستقبل وقد يخرج عنه إلى الزمان مطلقاً كما هنا، ولعلّ نكتة ذلك أنَّه أريد استحضار الحالة العجيبة تبعاً لقوله: {تحسونهم}. و(إذا) هنا مجرّدة عن معنى الشرط لأنَّها إذا صارت للمضيّ انسلخت عن الصلاحية للشرطية، إذ الشرط لا يكون ماضياً إلاّ بتأويل لذلك فهي غير محتاجة لجواب فلا فائدة في تكلّف تقديره: انقسمتم، ولا إلى جعل الكلام بعدها دليلاً عليه وهو قوله: {منكم من يريد الدنيا} إلى آخرها. والفشل: الوهن والإعياء، والتنازع: التخالف، والمُراد بالعصيان هنا عصيان أمر الرسول، وقد رتّبت الأفعال الثلاثة في الآية على حسب ترتيبها في الحصول، إذ كان الفشل، وهو ضجر بعض الرماة من ملازمة موقفهم للطمع في الغنيمة، قد حصل أولاً فنشأ عنه التنازع بينهم في ملازمة الموقف وفي اللحاق بالجيش للغنيمة، ونشأ عن التنازع تصميم معظمهم على مفارقة الموقف الَّذي أمرهم الرسول ـــ عليه الصلاة والسّلام ـــ بملازمته وعدم الانصراف منه، وهذا هو الأصل في ترتيب الأخبار في صناعة الإنشاء ما لم يقتض الحال العدول عنه. والتعريف في قوله: {في الأمر} عوض عن المضاف إليه أي في أمركم أي شأنكم. ومعنى {من بعد ما أراكم ما تحبون} أراد به النَّصر إذ كانت الريح أوّل يوم أُحُد للمسلمين، فهزموا المشركين، وولوا الأدبار، حتَّى شوهدت نساؤهم مشمّرات عن سوقهنّ في أعلى الجبل هاربات من الأسر، وفيهنّ هند بنت عتبة بن ربيعة امرأة أبي سفيان، فلمَّا رأى الرماة الَّذين أمرهم الرسول أن يثبتوا لحماية ظهور المسلمين، الغنيمة، التحقوا بالغزاة، فرأى خالد بن الوليد، وهو قائد خيل المشركين يومئذ، غرّة من المسلمين فأتاهم من ورائهم فانكشفوا واضطرب بعضهم في بعض وبادروا الفرار وانهزموا، فذلك قوله تعالى: {من بعد ما أراكم ما تحبون} فيكون المجرور متعلّقاً بفشلهم. والكلام على هذا تشديد في الملام والتنديم. والأظهر عندي أن يكون معنى ما تحبّون هو الغنيمة فإنّ المال محبوب، فيكون المجرور يتنازعه كُلّ من (فشلتم، وتنازعتم، وعصيتم)، وعدل عن ذكر الغنيمة باسمها، إلى الموصول تنبيهاً على أنَّهم عجّلوا في طلب المَال المحبوب، والكلام على هذا تمهيد لبساط المعذرة إذ كان فشلهم وتنازعهم وعصيانهم عن سبب من أغراض الحرب وهو المعبّر عنه بـ (إحدى الحسنيين) ولم يكن ذلك عن جبن، ولا عن ضعف إيمان، أو قصد خذلان المسلمين، وكلّه تمهيد لما يأتي من قوله: {ولقد عفا عنكم}. وقوله: {منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة} تفصيل لتنازعتم، وتبيين لـ(عصيتم)، وتخصيص له بأنّ العاصين بعض المخاطبين المتنازعين، إذ الَّذين أرادوا الآخرة ليسوا بعاصين، ولذلك أخّرت هاته الجملة إلى بعد الفعلين، وكان مقتضى الظاهر أن يعقب بها قوله: {وتنازعتم في الأمر} وفي هذا الموضع للجملة ما أغنى عن ذكر ثلاث جمل وهذا من أبدع وجوه الإعجاز، والقرينة واضحة. والمراد بقوله: {منكم من يريد الدنيا} إرادة نعمة الدنيا وخيرها، وهي الغنيمة، لأنّ من أراد الغنيمة لم يحرص على ثواب الامتثال لأمر الرسول بدون تأويل، وليس هو مفرّطاً في الآخرة مطلقاً، ولا حاسباً تحصيل خير الدنيا في فعله ذلك مفيتاً عليه ثواب الآخرة في غير ذلك الفعل، فليس في هذا الكلام ما يدلّ على أنّ الفريق الَّذين أرادوا ثواب الدنيا قد ارتدّوا عن الإيمان حينئذ، إذ ليس الحرص على تحصيل فائدة دنيوية من فعل من الأفعال، مع عدم الحرص على تحصيل ثواب الآخرة من ذلك الفعل بِدالَ على استخفاف بالآخرة، وإنكار لها، كما هو بيّن، ولا حاجة إلى تقدير: منكم من يريد الدنيا، فقط. وإنَّما سمّيت مخالفة من خالف أمر الرسول عصياناً، مع أن تلك المخالفة كانت عن اجتهاد لا عن استخفاف، إذ كانوا قالوا: إنّ رسول الله أمرنا بالثبات هنا لحماية ظهور المسلمين، فلمَّا نصر الله المسلمين فما لنا وللوقوف هنا حتَّى تفوتنا الغنائم، فكانوا متأوَّلين، فإنَّما سمّيت هنا عصياناً لأنّ المقام ليس مقام اجتهاد، فإنّ شأن الحرب الطاعة للقائد من دون تأويل، أو لأنّ التأويل كان بعيداً فلم يعذروا فيه، أو لأنَّه كان تأويلاً لإرضاء حبّ المال، فلم يكن مكافئاً لدليل وجوب طاعة الرّسول. وإنَّما قال: {ثم صرفكم عنهم ليبتليكم} ليدلّ على أنّ ذلك الصرف بإذن الله وتقديره، كما كان القتل بإذن الله وأنّ حكمته الابتلاء، ليظهر للرسول وللنَّاس مَن ثبت على الإيمان من غيره، ولأنّ في الابتلاء أسراراً عظيمة في المحاسبة بين العبد وربِّه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيبيّنه. وعُقب هذا الملام بقوله: {ولقد عفا عنكم} تسكيناً لخواطرهم، وفي ذلك تلطّف معهم على عادة القرآن في تقريع المؤمنين، وأعظم من ذلك تقديم العفو على الملام في ملام الرسول ـــ عليه السلام ـــ في قوله تعالى: {أية : عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم}تفسير : [التوبة: 43]، فتلك رتبة أشرف من رتبة تعقيب الملام بذكر العفو، وفيه أيضاً دلالة على صدق إيمانهم إذ عجل لهم الإعلام بالعفو لكيلا تطير نفوسهم رهبة وخوفاً من غضب الله تعالى. وفي تذييله بقوله: {والله ذو فضل على المؤمنين} تأكيد ما اقتضاه قوله: {ولقد عفا عنكم} والظاهر أنَّه عفو لأجل التأويل، فلا يحتاج إلى التَّوبة، ويجوز أن يكون عفواً بعدما ظهر منهم من الندم والتَّوبة، ولأجل هذا الاحتمال لم تكن الآية صالحة للاستدلال على الخوارج والمعتزلة القائلين بأنّ المعصية تسلب الإيمان.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: صدقكم الله وعده: أنجزكم ما وعدكم على لسان رسوله بقوله للرماة اثبتوا أماكنكم فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم. تحسونهم: تقتلونهم إذ الحس القتل يقال حسه إذا قتله فابطل حسّه. بإذنه: بإذنه لكم في قتالهم وبإعانته لكم على ذلك. فشلتم: ضعفتم وجبنتم عن القتال. تصعدون: تذهبون في الأرض فارين من المعركة يقال أصعد إذا ذهب في صعيد الأرض. ولا تلوون على أحد: لا تلوون رؤوسكم على أحد تلتفتون إليه. والرسول يدعوكم في أخراكم: أي يناديكم من خلفكم إليّ عباد الله ارجعوا إليّ عباد الله ارجعوا. فأثابكم غما بغم: جزاكم على معصيتكم وفراركم غماً على غم. والغم ألم النفس وضيق الصدر. ما فاتكم: من الغنائم. ولا ما أصابكم: من الموت والجراحات والآلام والأتعاب. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث أحد فقد تقدم في السياق قريبا نهى الله تعالى المؤمنين عن طاعة الكافرين في كل ما يقترحون، ويشيرون به عليهم. ووعدهم بأنه سليقي الرعب في قلوب الكافرين وقد فعل فله الحمد حيث عزم أبو سفيان على أن يرجع إلى المدينة ليقتل من بها ويستأصل شأفتهم فأنزل الله تعالى في قلبه وقلوب أتباعه الرعب فعدلوا عن غزو المدينة مرة ثانية وذهبوا إلى مكة. ورجع الرسول والمؤمنون من حمراء الأسد ولم يلقوا أبا سفيان وجيشه. وفي هاتين الآيتين يخبرهم تعالى بمنته عليهم حيث أنجزهم ما وعدهم من النصر فقال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بوأ الرماة مقاعدهم. وكانوا ثلاثين رامياً وجعل عليهم عبد الله بن جبير أمرهم بأن لا يبرحوا أماكنهم كيفما كانت الحال وقال لهم: حديث : إنا لا نزال غالبين ما بقيتم في أماكنكم ترمون العدو فتحمون ظهورنا بذلكتفسير : ، وفعلاً دارت المعركة وأنجز الله تعالى لهم وعده ففر المشركون أمامهم تاركين كل شيء هاربين بأنفسهم والمؤمنون يحسونهم حسَّاً أي يقتلونهم قتلا بإذن الله وتأييده لهم ولما رأى الرماة هزيمة المشركين والمؤمنون يجمعون الغنائم قالوا: ما قيمة بقائنا هنا والناس يغنمون فهَيَّا بنا ننزل إلى ساحة المعركة لنغنم، فذكرهم عبد الله بن جبير قائدهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأولوه ونزلوا إلى ساحة المعركة يطلبون الغنائم، وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد فلما رأى الرماة أَخْلَوْا مراكزهم إلا قليلا منهم كرَّ بخيله عليهم فاحتل أماكنهم وقتل من بقي فيها، ورمى المسلمين من ظهورهم فتضعضوا لذلك فعاد المشركون إليهم ووقعوا بين الرماة الناقمين والمقاتلين الهائجين فوقعت الكارثة فقتل سبعون من المؤمنين ومن بينهم حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم وجرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وكسرت رباعيته وصاح الشيطان قائلا أن محمداً قد مات وفر المؤمنون من ميدان المعركة إلا قليلا منهم وفي هذا يقول تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ}، يريد تنازع الرماة مع قائدهم عبد الله بن جبير حيث نهاهم عن ترك مقاعدهم وذكرهم بأمر رسول الله فنازعوه في فهمه وخالفوا الأمر ونزلوا، وكان ذلك بعد أن رأوا إخوانهم قد انتصروا وأعداءهم قد انهزموا، وهو معنى قوله تعالى: {وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} أي من النصر {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا} وهم الذين نزلوا إلى الميدان يجمعون الغنائم، {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} وهم عبد الله بن جبير والذين صبروا معه في مراكزهم حتى استشهدوا فيها وقوله تعالى {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} وذلك إخبار عن ترك القتال لما أصابهم من الضعف حينما رأوا أنفسهم محصورين بين رماة المشركين ومقاتليهم فأصعدوا في الوادي هاربين بأنفسهم، وحصل هذا بعلم الله تعالى وتدبيره، والحكمة فيه أشار إليها تعالى بقوله: {لِيَبْتَلِيَكُمْ} أي يختبركم فيرى المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، والصابر من الجزع، وقوله تعالى {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} يريد أنه لو شاء يؤاخذهم بمعصيتهم أمر رسولهم فسلط عليهم المشركين فقتلوهم أجمعين ولم يُبقوا منهم أحداً إذ تمكنوا منهم تماما ولكن الله سلم. هذا معنى {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} هذا ما تضمنته الآية الأولى [152] أما الآية الثانية [153] فهي تصور الحال التي كان عليها المؤمنون بعد حصول الانكسار والهزيمة فيقول تعالى {إِذْ تُصْعِدُونَ} أى عفا عنكم في الوقت الذي فررتم مصعدين في الأودية هاربين من المعركة والرسول يدعوكم من ورائكم إليّ عباد الله ارجعوا، وأنتم فارون لا تلوون على أحد، أي لا تلتفتوا إليه. وقوله تعالى: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ} يريد جزاكم على معصيتكم غماّ والغم ألم النفس لضيق الصدر وصعوبة الحال. وقوله بغم أي على غم، وسبب الغم الأول فوات النصر والغنيمة والثاني القتل والجراحات وخاصة جراحات نبيّهم، وإذاعة قتله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ} أي ما أصابكم بالغم الثاني الذي هو خبر قتل الرسول صلى الله عليه وسلم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر والغنيمة، ولا على ما أصابكم من القتل والجراحات فأنساكم الغم الثاني ما غمكم به الغم الأول الذي هو فوات النصر والغنيمة. وقوله {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يخبرهم تعالى أنه بكل ما حصل منهم من معصية وتنازع وفرار، وترك للنبي صلى الله عليه وسلم في المعركة وحده وانهزامهم وحزنهم خبير مطلع عليه عليم به وسيجزي به المحسن بإحسانه والمسيىء بإساءته أو يعفو عنه، والله عفو كريم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- مخالفة القيادة الرشيدة والتنازع في حال الحرب يسبب الهزيمة المنكرة. 2- معصية الله ورسوله والإختلافات بين أفراد الأمة تعقب آثاراً سيئة أخفها عقوبة الدنيا بالهزائم وذهاب الدولة والسلطان. 3- ما من مصيبة تصيب العبد إلاّ وعند الله ما هو أعظم منها فلذا يجب حمد الله تعالى على أنها لم تكن أعظم. 4- ظاهر هزيمة أحد النقمة وباطنها النعمة، وبيان ذلك أَنْ عَلِمَ المؤمنون أن النصر والهزيمة يتمان حسب سنن إلهية فما أصبحوا بعد هذه الحادثة المؤلمة يغفلون تلك السنن أو يهملونها. 5- بيان حقيقة كبرى وهي أن معصية الرسول صلى الله عليه وسلم مرة واحدة وفي شيء واحد ترتب عليها آلام وجراحات وقتل وهزائم وفوات خير كبير وكثير فكيف بالذين يعصون رسول الله طوال حياتهم وفي كل أوامره ونواهيه وهم يضحكون ولا يبكون، وآمنون غير خائفين.
القطان
تفسير : تحُسونهم: تستأصلونهم بالقتل. فشلتم: ضعفتم. ليبتليكم: ليختبركم. في هذه الآية الكريمة والتي بعدها تصوير للمعركة، وعرض كامل لمشهدها، ولتداول النصر والهزيمة فيها، ثم ما تبعها من فرار. ومع ذلك التصوير توجيهات قرآنية، وتربية وتعليم بأسلوب قرآني حكيم. "{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}. ما زال الكلام والخطاب مع الأصحاب الذين كانوا في أُحد.. وكان (صلى الله عليه وسلم) قد وعدهم النصر يومئذ ان امتثلوا أمره. وقد وفى الله لهم بما قاله على لسان نبيه، ذلك ان الرسول (صلى الله عليه وسلم) أقام الرماة عند الجبل صيانة لمؤخرة المسلمين، وأوصاهم ان لا يبرحوا مكانهم، حتى ولو رأوا العدو تتخطفه الطير، ووعدهم النصر بهذا الشرط. وكان الرماة خمسين رجلاً. ولما ابتدأت المعركة شرع الرماة يرشقون المشركين، وبقية الأصحاب يضربونهم بالسيوف، وقتلوهم قتلاً ذريعاً، حتى انهزموا، وهذا معنى {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ}، أي تقتلونهم بأمر الله. وفي تفسير ابن جرير الطبري والمراغي وغيرهما ان طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين المعروف بكبش الكتيبة قام فقال: يا معشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون ان الله يعجّلنا بسيوفكم الى النار، ويعجلكم بسيوفنا الى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي الى الجنة، أو يعجلني بسيفه الى النار؟. فقام اليه علي بن أبي طالب (ع) وضربه فقطع رِجله. وسقط، فانكشفت عورته، فقال طلحة لعلي: انشدك الله والرحم يا ابن عم.. فتركه علي (ع) وكبّر رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وقال لعلي أصحابُه: ما منعك أن تجهز عليه؟. قال: ناشدني الله والرحم.. هذا هو عليٌّ في خلقه، يفيض قلبه بالحنان والرحمة، حتى على أعدى اعدائه الذي برز له شاهراً السيف في وجهه مصمماً على قتاله وقتله. {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}. بعد أن ولى المشركون الدبر ـ وكانوا ثلاثة آلاف مشرك ـ امتلأ الوادي بما خلفوه من الغنائم. وحين رآها الرماة، وإخوانهم المسلمون ينتهبونها دونهم عصَف بهم ريح الطمع، واختلفوا فيما بينهم، وقال بعضهم: ما بقاؤنا هنا؟ وتجاهلوا وصية النبي وتشديده عليهم بالبقاء. فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير: امكثوا ولا تخالفوا أمر الرسول (صلى الله عليه وسلم).. ولكن أكثرهم غادروا مواقعهم هابطين الى انتهاب الأسلاب والأموال، وتركوا أميرهم عبد الله في نفر دون العشرة، والى هذا التنازع والعصيان يشير قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ}. أما قوله: {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} فيشير الى انهزام المشركين وغنائمهم. وكان خالد بن الوليد يحارب النبي (صلى الله عليه وسلم) مع أبي سفيان، وحين رأى مؤخرة المسلمين مكشوفة بعد أن أخلاها الرماة اغتنم الفرصة، وانقضّ مع جماعة من المشركين على البقية الباقية من الرماة، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة، حتى استشهدوا جميعاً، وخلا ظهر المسلمين، ورجع المشركون الى الميدان، وأحاطوا بالمسلمين من الخلف والأمام، وأكثروا فيهم القتل والجراح، ودارت الدائرة عليهم بعد ان كانت لهم.. وهذه هي النتيجة الحتمية للتنازع والتخاصم. {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا}. وهم الرماة الذين تركوا مقاعدهم طمعاً بالغنيمة. {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ}. وهم الذين ثبتوا مكانهم مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى نالوا الشهادة. {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ}. أي ردكم عن الكفار بعد أن نصركم عليهم بسبب تنازعكم وعصيانكم. {لِيَبْتَلِيَكُمْ}. أي عاملكم معاملة من يمتحنكم ليظهر ثباتكم على الايمان، وصبركم على الشدائد، ويميز بين المخلصين والمنافقين. {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وكثيراً ما يخطىء الإنسان عن طيش، ثم يؤوب الى رشده، فيعفو الله عما سلف منه، أما من عاد فينتقم الله منه.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَتَنَازَعْتُمْ} {أَرَاكُمْ} {ٱلآخِرَةَ} (152) - لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَالمُسْلِمُونَ إلَى المَدِينَةِ بَعْدَ مَعْرَكَةِ أحُدٍ قَالَ أنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ: مِنْ أيْنََ أصَابَنَا هَذا وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ تَعَالَى النَّصْرَ؟ فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ وَفِيها يَقُولُ لِلْمُؤْمِنينَ: إنَّهُ صَدَقَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ نَصْر، فَكُنْتُمْ تَقْتُلُونَهُمْ قَتْلاً ذَرِيعاً بِإِذْنِ اللهِ، وَسَلَّطَكُمْ عَلَيهِمْ، حَتَّى إذا أَصَابَكُمُ الضَّعْفُ وَالفَشَلُ، وَعَصَيْتُمْ أمْرَ الرَّسُولِ، وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ، (وَهُوَ مَا وَقَع لِلرُّمَاةِ الذِينَ أَمَرَهُمُ الرَّسُولُ أنْ يَلْزَمُوا مَوَاقِعَهُمْ فَتَخَلَّوا عَنْهَا)، وَكَانَ اللهُ قَدْ أَرَاكُمُ الظَّفَرَ، وَهُوَ مَا تُحِبُّونَهُ، فَكَانَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنيا، وَيَطْمعُ فِي المَغْنَمِ، حِينَ رَأوْا هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ، فَتَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ عَلَى الجَبَلِ، وَمِنْكُمْ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الآخِرَةَ فِي قِتَالِهِ المُشْرِكِينَ لاَ يَلْتَفِتُ إلى المَغْنَمِ، فَثَبَتَ مَكَانَهُ وَقَاتَلَ، ثُمَّ أدَالَ اللهُ المُشْرِكِينَ عَلَيكُمْ، وَجَعَلَ لَهُمُ الغَلَبَةَ عَلَيْكُمْ لِيَخْتَبِرَكُمْ، وَيَمْتَحِنَ ثَبَاتَكُمْ عَلَى الإِيمَانِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكُمْ ذَلِكَ الفِعْلَ، وَهُوَ عِصْيَانُ أمْرِ الرَّسُولِ، وَالهَرَبُ مِنَ المَعْرَكَةِ، وَمَحَا أثَرَهُ مِنْ نُفُوسِكُمْ، حِينَمَا أَظْهَرْتُمُ النَّدَمَ، وَرَجَعْتُمْ إلى اللهِ، حَتَّى صِرْتُمْ وَكَأَنَّكُمْ لَمْ تَفْشَلُوا. وَلَمْ يَسْمَحِ اللهُ باسْتِئْصَالِكُمْ لأَِنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنينَ. تَحُسُّونَهُمْ - تَقْتُلُونَهُمْ، وَمِنَها سَنَةٌ حَسُوسٌ إذَا أتَتْ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. الفَشَلُ - عَدَمُ النَّجَاحِ - وَهُوَ الضَّعْفُ. صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ - كَفَّكُمْ عَنْهُمْ. لِيَبْتَلِيَكم - لِيَخْتَبِرَكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونعرف أن في {صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} [آل عمران: 152] مفعولين: الأول هو ضمير المخاطبين في قوله: "صدقكم"، والثاني هو قوله "وَعْد" المضاف إليه الضمير العائد على لفظ الجلالة "الله" فهو - سبحانه - قد أحدث وعداً، والواقع جاء على وفق ما وعد. لقد قال الحق: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}تفسير : [محمد: 7]. وقال سبحانه: {أية : وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ}تفسير : [الصافات: 173]. والآيتان تؤكدان قضية وعدية، بعد ذلك جاء التطبيق العملي .. فهل وقع الوعد أو لم يقع؟ لقد وقع، ومتى؟ فهل يشير الحق في هذه الآية إلى موقعة بدر؟ {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152]. و"تحسونهم" أي تُذهبون الحس منهم، والحس: هو الحواس الخمس، ومعنى أذهبت حسه يعني أفقدته تلك الحواس. "إذ تحسونهم" وقد حدث، وتمكنتم منهم؛ تقتلونهم وتأسرونهم، أو الحس: هو الصوت الذي يخرج من الإنسان، وما دام فقد الحس يعني انتهى، {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152] فحينما صدقتم لقاءكم لعدوكم على منهج الله صدق الله وعده؛ هذا في بدر. أما هنا في أُحد فقد جاء فيكم قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} [آل عمران: 152] أي جبنتم. {وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ} [آل عمران: 152] أمر الرسول {مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152] وهي الغنائم، {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} [آل عمران: 152]. كأنه سبحانه يعطينا العبرة من معركتين: معركة فيها صدق وعد الله، وفعلاً انتصرتم، وأيضاً صدق وعد الله حينما تخليتم عن أمر الرسول فحدث لكم ما حدث. إذن فالمسألة مبسوطة أمامكم بالتجربة الواقعية، ليس بالكلام النظري وليس بالآيات فقط، بل بالواقع. أو أن الأمر كله دائر في أُحد، نقول فرضاً: هو يدور في أُحد ودع بدراً هذه، حينما دخلتم أيها المسلمون أول الأمر انتصرتم أم لم تنتصروا؟ لقد انتصرتم، وطلحة بن أبي طلحة الذي كان يحمل الراية للكفر قتل هو وبضعة وعشرون، الراية الكافرة قد سقطت في أول المعركة، وحامل الراية يقتل وهذا ما وضحه قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} [آل عمران: 152] فجماعة تقول: لنبق في أرض المعركة، وجماعة تقول: ننسحب. ورأيتم الغنائم فحدث منكم كذا وكذا. فتأتي النكسة، ولو لم يحدث ما حدث لكان من حقكم أن تتشككوا في هذا الدين، إذن فما حدث دليل على صدق هذا الدين، وأنكم إن تخليتم عن منهج من مناهج الله فلا بد أن يكون مآلكم الفشل والخيبة والهزيمة. {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} [آل عمران: 152]، فجماعة قالوا: نظل كما أمرنا الرسول، وجماعة قالوا: نذهب إلى الغنائم {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} [آل عمران: 152] .. وما دمتم قد تنازعتم وقالت جماعة: لنتمسك بمواقعنا، وقالت جماعة أخرى: لنذهب إلى الغنائم، إذن فالذي أراد مواصلة القتال إنما يريد الآخرة ولم تلهه الغنائم، والقسم الذي أراد الدنيا قال: لنذهب إلى الغنائم. وفي هذه المسألة قال ابن مسعود رضي الله عنه: والله ما كنت أعلم أن أحداً من صحابة رسول الله يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أُحد. أي أنه لم يكن يتصور أن من بين الصحابة من يريد الدنيا، بل كان يظن أنهم جميعاً يريدون الآخرة، فلما نزل قول الله: {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} [آل عمران: 152] عرف ابن مسعود أن من الصحابة من تتقلب به الأغيار. وذلك لا يقدح فيهم؛ لأنهم رأوا النصر، فظنوا أن المسألة انتهت؛ لقد سقطت راية الكفر، وقتل المؤمنون عدداً من صناديد قريش. ولقد عفا الله عن المؤمنين وغفر لهم ما بدر منهم من مخالفة لأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -. {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} [آل عمران: 152] نعم لأنكم كنتم مشغولين بقتالهم قبل أن تنظروا إلى الغنائم، فلما نظرتم إلى الغنائم اتجه نظركم إلى مطلوب دنياكم، فانصرفتم عنهم، ولم تجهزوا عليهم ولم تتم لكم هزيمتهم وقهرهم، {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} [آل عمران: 152] وابتلاؤكم في هذه الغزوة إنما هو رياضة وتدريب على المنهج، كأنهم غزوة مقصودة للابتلاء، فترون منها كل ما حدث. وبعد ذلك نجحت التجربة، فبعد هذه المعركة لم ينهزم المسلمون في معركة قط. ولذلك يقولون: الدرس الذي يعلم النصر في الكثير لا يعتبر هزيمة في القليل. والمثال على ذلك: لنفرض أن ولداً من الأولاد رسب سنة، ثم حمل ذلة الرسوب، نجده ينال بسبب ذلك مرتبة متميزة بعد ذلك بين العشرة الأوائل، إذن فالرسوب الأول له كان خيراً. {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} [آل عمران: 152] لأنه كان لكم وجهة نظر أيضاً عندما تصورتم أن المعركة انتهت بسقوط راية الكفر ومقتل طلحة بن أبي طلحة ومقتل بعض من الصناديد في معسكر الكفر، فظننتم أن المسألة انتهت، لكن كان يجب أن تذكروا أن الرسول قال لكم: اثبتوا في مراكزكم وأماكنكم حتى لو رأيتمونا نتبع القوم إلى مكة، ولو رأيتموهم يدخلون المدينة. أيوجد تحذير أكثر من ذلك!؟ {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] وسبحانه جل وعلا لم يخرجهم من الحظيرة الإيمانية بهذا القول الحكيم. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} معناهُ تَقتُلُونَهُمْ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن الهزيمة أنها من طلب الغنيمة بقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} [آل عمران: 152]، والإشارة في الآيتين: إن الله تعالى صدقكم أيها الطلاب وعده، وهو قوله: "حديث : ألا من طلبني وجدني"تفسير : ، {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ} [آل عمران: 152]؛ أي: تقتلون وتميتون الصفات البشرية {بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152]، على وفق أمره على وفق الطبع، {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ} [آل عمران: 152]؛ أي: حسبتم وتركتم قتال النفس وصفاتها، {وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ} [آل عمران: 152]؛ أي: خالفتم أمر الطلب {وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152]؛ أي: عصيتم أمر الدليل المؤدي من بعد ما أريكم الدليل بالتربية ما تحبون من دلائل الطريق التوبة من التسليك، وإرشاد الخروج من محاب الدنيا والآخرة، {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} [آل عمران: 152]؛ يعني: إنما عصيتم أمر الدليل إذ دلكم على الله، لأن منكم من كان همته في طلب الدنيا وزخارفها، ومنكم من كان همته في طلب الجنة ونعيمها، {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ} [آل عمران: 152]؛ أي: مجاهدة النفس وقصد صفاتها باستيلائها عليكم، {لِيَبْتَلِيَكُمْ} [آل عمران: 152]؛ أي: ليمتحنكم بالسر بعد ما تجلى لكم أنوار المشاهدات، وبالصحو بعد ما أسكركم بأقداح الواردات، أو بالفطام بعد ما أرضعكم بلبان الطلاطفات، {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} [آل عمران: 152]، بعد ابتلائكم عفا عن التفاتكم في الدنيا والآخرة، فإنه علم ضعف الإنسان وعجز بشريته في طلب الحق وأدركتكم العناية الأزلية التي بها قدر لكم الإيمان وجعلكم مؤمنين، {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] من الأزل. {إِذْ تُصْعِدُونَ} [آل عمران: 153]؛ يعني: بفضل الله وعنايته تصعدون، {إِذْ تُصْعِدُونَ} [آل عمران: 153] طريق الحق بعد ما كنتم هاربين، {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} [آل عمران: 153]؛ أي: لا تلتفتون إلى أحد من الأمرين طلب الدنيا والآخرة، {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ} [آل عمران: 153]؛ يعني: رسول الوارد من الحق يدعوكم إلى عبادتي إليَّ، {فَأَثَـٰبَكُمْ} [آل عمران: 153]، فجازاكم بفضله {غَمّاًً بِغَمٍّ} [آل عمران: 153]؛ أي بدل غم الدنيا والآخرة بغم طلب الحق والوصول إليه، {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} [آل عمران: 153] من الدنيا وزخارفها، {وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ} [آل عمران: 153] من نعيم الجنة الباقية، فإن لذة غم طلب الحق يزيد على لذة نعيم الدنيا والآخرة، فضلاً من لذة الوجدان وسرور الوصول ونعيم الشهود، {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153]، من ترك نعيم الدنيا والآخرة في طلب وجدانه، ويجيب رجاكم ويوفي جزاءكم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { ولقد صدقكم الله وعده } بالنصر، فنصركم عليهم، حتى ولوكم أكتافهم، وطفقتم فيهم قتلا حتى صرتم سببا لأنفسكم، وعونا لأعدائكم عليكم، فلما حصل منكم الفشل وهو الضعف والخور { وتنازعتم في الأمر } الذي فيه ترك أمر الله بالائتلاف وعدم الاختلاف، فاختلفتم، فمن قائل نقيم في مركزنا الذي جعلنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قائل: ما مقامنا فيه وقد انهزم العدو، ولم يبق محذور، فعصيتم الرسول، وتركتم أمره من بعد ما أراكم الله ما تحبون وهو انخذال أعدائكم؛ لأن الواجب على من أنعم الله عليه بما أحب، أعظم من غيره. فالواجب في هذه الحال خصوصًا، وفي غيرها عموما، امتثال أمر الله ورسوله. { منكم من يريد الدنيا } وهم الذين أوجب لهم ذلك ما أوجب، { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الذين لزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبتوا حيث أمروا. { ثم صرفكم عنهم } أي: بعدما وجدت هذه الأمور منكم، صرف الله وجوهكم عنهم، فصار الوجه لعدوكم، ابتلاء من الله لكم وامتحانا، ليتبين المؤمن من الكافر، والطائع من العاصي، وليكفر الله عنكم بهذه المصيبة ما صدر منكم، فلهذا قال: { ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين } أي: ذو فضل عظيم عليهم، حيث منَّ عليهم بالإسلام، وهداهم لشرائعه، وعفا عنهم سيئاتهم، وأثابهم على مصيباتهم. ومن فضله على المؤمنين أنه لا يقدّر عليهم خيرا ولا مصيبة، إلا كان خيرا لهم. إن أصابتهم سراء فشكروا جازاهم جزاء الشاكرين، وإن أصابتهم ضراء فصبروا، جازاهم جزاء الصابرين.
همام الصنعاني
تفسير : 470- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر عن قتادة في قوله تعالى: {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ}: [الآية: 152]، يقول: إذ تقتلونهم. 471- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ}: [الآية: 152] حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أُحُد حين غزا أبو سفيان، وكفار قريش: إني رأيت كأني لبست درعاً حصيناً فأولتها المدينة فاجلسوا في صفكم وقاتلوا من ورائه، وكانت المدينة قرشت بالبنيان، فهي كالحصن، فقال رجل ممن لم يشهد بدراً: يا رسو لالله اخرج بنا إليهم فلنقاتلهم، وقال عبد الله بن أُبي بن سلول: نعم ما رأيت يا رسول الله، إنّا والله ما نزل بنا عدوٌ قطّ، فخرجنا إليه إلاَّ أصاب فينا،، ولا ثبتنا في المدينة وقاتلنا من ورائها إلاَّ هَزَمَنَا عدوّنا، فكلَّمه ناسٌ من المسلمين فقالوا: يا رسول الله، اخرج بنا إليهم، فدعا بالأمته فلبسها، ثم قال: ما أظن الصرعى إلاَّ ستكثر منكم ومنهم، إنِّي أرى في النوم بقرة منحورةً. فأقول بقر، والله خير، فقال رجل: يا رسول الله بأبي وأمي: فاجْلِس بنا، قال: إنَّه لا ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يلقى البأس، فقال: فهل من رجل يدلنا بالطريق، فيُخرجنا على القوم من كثب، فانطلقت به الأدلاء بين يديه، حتى إذا كان بالواسط من الجبانة انخذل عبد الله بن أُبيّ بن سلول بثلث الجيش أو قريب من ثلث الجيش، فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم حين لقيهم بأُحُد، وصافوهم، فعهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه إن هم هزموهم ألا يدخلوا لهم عسكراً ولا يتبعوهم، فلما التقوا هزموهم وعصوا النبي صلى الله عليه وسلم وتنازعوا واختلفوا ثم هزمهم الله ليبتليهم كما قال وأقبل المشركون على خيلهم خالد بن الوليد بن المغيرة، فقتل من المسلمين سبعون رجلاً، وأصابتهم جراح شديدة، وكُسِرَت رُباعية النبي صلى الله عليه وسلم ووُثِئ بعض وجهه حتى صاح الشيطان بأعلى صوته: قُتلَ محمد، قال كعب بن مالك: فكنت أول من عرف النبي صلى الله عليه وسلم عَرَفْتُ عينيه من تحت المِغْفَرِ، فناديت بصوتي الأعلى هذا رسول الله، فأشار إليَّ أن أسكت، ثم كفَّ الله المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقوفٌ فنادى أبو سفيان بعدما مُثِّلَ ببعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وجدعوا، ومنهم من بُقِرَ بطنه، فقال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم بعض المثل، وإنَّ ذلك لم يكن عن ذوي رأينا ولا ساداتنا، ثم قال أبو سفيان: أَعْلُ هُبَل، فقال عمر بن الخطاب: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: أنعمت فَعَالِِ عنها، قتلى بقتلى بقدر، فقال عمر: لا يستوي القتل: قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان، لقد خِبْنا إذاً، ثم انصرفوا راجعين، وندب ا لنبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلبهم بعد ما أصابهم القرح فطلوبهم حتى بلغوا قريباً من حمراء الأسد، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم،تفسير : قال معمر، وقال قتادة: وكان فيمن طلبهم عبد الله بن مسعود وذلك حين يقول الله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ}تفسير : : [الآية: 173].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):