٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
153
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق بما قبله، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه: أحدها: كأنه قال وعفا عنكم اذ تصعدون، لأن عفوه عنهم لا بد وان يتعلق بأمر اقترفوه، وذلك الأمر هو ما بينه بقوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ } والمراد به ما صدر عنهم من مفارقة ذلك المكان والأخذ في الوادي كالمنهزمين لا يلوون على أحد وثانيها: التقدير: ثم صرفكم عنهم إذ تصعدون. وثالثها: التقدير: ليبتليكم اذ تصعدون. والقول الثاني: أنه ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله، والتقدير: اذكر اذ تصعدون وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب «الكشاف»: قرأ الحسن {إِذْ تُصْعِدُونَ فِى الْجَبَلِ }، وقرأ أبي {إِذْ تُصْعِدُونَ فِى ٱلْوَادِى } وقرأ أبو حيوة {إِذْ تُصْعِدُونَ } بفتح التاء وتشديد العين، من تصعد في السلم. المسألة الثانية: الإصعاد: الذهاب في الأرض والأبعاد فيه، يقال صعد في الجبل، وأصعد في الأرض، ويقال أصعدنا من مكة إلى المدينة، قال أبو معاذ النحوي: كل شيء له أسفل وأعلى مثل الوادي والنهر والأزقة، فإنك تقول: صعد فلان يصعد في الوادي إذا أخذ من أسفله الى أعلاه، وأما ما ارتفع كالسلم فإنه يقال صعدت. المسألة الثالثة: ولا تلوون على أحد: أي لا تلتفتون إلى أحد من شدة الهرب، وأصله أن المعرج على الشيء يلوي إليه عنقه أو عنان دابته، فاذا مضى ولم يعرج قيل لم يلوه، ثم استعمل اللي في ترك التعريج على الشيء وترك الالتفات الى الشيء، يقال: فلان لا يلوي على شيء، أي لا يعطف عليه ولا يبالي به. ثم قال تعالى: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ } كان يقول: «حديث : إليَّ عباد الله أنا رسول الله من كر فله الجنة»تفسير : فيحتمل أن يكون المراد أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم إلى نفسه حتى يجتمعوا عنده، ولا يتفرقوا، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يدعوهم إلى المحاربة مع العدو. ثم قال: {فِى أُخْرَاكُمْ } أي آخركم، يقال: جئت في آخر الناس وأخراهم، كما يقال: في أولهم وأولاهم، ويقال: جاء فلان في أخريات الناس، أي آخرهم، والمعنى أنه عليه الصلاة والسلام كان يدعوهم وهو واقف في آخرهم، لأن القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه. ثم قال: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، ويجوز أيضا استعماله في الشر، لأنه مأخوذ من قولهم: ثاب إليه عقله، أي رجع اليه، قال تعالى: {أية : وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لّلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 125] والمرأة تسمى ثيباً لأن الواطىء عائد اليها، وأصل الثواب كل ما يعود الى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيراً أو شراً، الا أنه بحسب العرف اختص لفظ الثواب بالخير، فان حملنا لفظ الثواب ههنا على أصل اللغة استقام الكلام، وإن حملناه على مقتضى العرف كان ذلك وارداً على سبيل التهكم، كما يقال: تحيتك الضرب، وعتابك السيف، أي جعل الغم مكان ما يرجون من الثواب قال تعالى: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [التوبة: 34]. المسألة الثانية: الباء في قوله: {غَمّاً بِغَمّ } يحتمل أن تكون بمعنى المعارضة، كما يقال: هذا بهذا أي هذا عوض عن ذاك، ويحتمل أن تكون بمعنى «مع» والتقدير: أثابهم غماً مع غم، أما على التقدير الأول ففيه وجوه: الأول: وهو قول الزجاج أنكم لما أذقتم الرسول غماً بسبب أن عصيتم أمره، فالله تعالى أذاقكم هذا الغم، وهو الغم الذي حصل لهم بسبب الانهزام وقتل الأحباب، والمعنى جازاكم من ذلك الغم بهذا الغم. الثاني: قال الحسن: يريد غم يوم أحد للمسلمين بغم يوم بدر للمشركين، والمقصود منه أن لا يبقى في قلبكم إلتفات إلى الدنيا، فلا تفرحوا بإقبالها ولا تحزنوا بإدبارها، وهو المعنى بقوله: {لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } في واقعة أحد {أية : وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءَاتَـٰكُمْ } تفسير : [الحديد: 23] في واقعة بدر، طعن القاضي في هذا الوجه وقال: إن غمهم يوم أحد إنما كان من جهة استيلاء الكفار، وذلك كفر ومعصية، فكيف يضيفه الله إلى نفسه؟ ويمكن أن يجاب عنه بأنه لا يبعد أن يعلم الله تعالى أن في تسليط الكفار على المسلمين نوع مصلحة، وهو أن لا يفرحوا بإقبال الدنيا ولا يحزنوا بإدبارها، فلا يبقى في قلوبهم اشتغال بغير الله. الثالث: يجوز أن يكون الضمير في قوله {فَأَثَـٰبَكُمْ } يعود للرسول، والمعنى أن الصحابة لما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم شج وجهه وكسرت رباعيته وقتل عمه، اغتموا لأجله، والرسول عليه السلام لما رأى أنهم عصوا ربهم لطلب الغنيمة ثم بقوا محرومين من الغنيمة، وقتل أقاربهم اغتم لأجلهم، فكان المراد من قوله {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } هو هذا، أما على التقدير الثاني وهو أن تكون الباء في قوله: {غَمّاً بِغَمّ } بمعنى «مع» أي غما مع غم، أو غما على غم، فهذا جائز لأن حروف الجر يقام بعضها مقام بعض، تقول: ما زلت به حتى فعل، وما زلت معه حتى فعل، وتقول: نزلت ببني فلان، وعلى بني فلان. واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة: فأحدها: غمهم بما نالهم من العدو في الأنفس والأموال. وثانيها: غمهم بما لحق سائر المؤمنين من ذلك، وثالثها: غمهم بما وصل إلى الرسول من الشجة وكسر الرباعية، ورابعها: ما أرجف به من قتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وخامسها: بما وقع منهم من المعصية وما يخافون من عقابها، وسادسها: غمهم بسبب التوبة التي صارت واجبة عليهم، وذلك لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بترك الهزيمة والعود إلى المحاربة بعد الانهزام، وذلك من أشق الأشياء، لأن الانسان بعد صيرورته منهزما يصير ضعيف القلب جباناً، فاذا أمر بالمعاودة، فان فعل خاف القتل، وإن لم يفعل خاف الكفر أو عقاب الآخرة، وهذا الغم لا شك أنه أعظم الغموم والأحزان، وإذا عرفت هذه الجملة فكل واحد من المفسرين فسر هذه الآية بواحد من هذه الوجوه ونحن نعدها: الوجه الأول: أن الغم الأول ما أصابهم عند الفشل والتنازع، والغم الثاني ما حصل عند الهزيمة. الوجه الثاني: ان الغم الأول ما حصل بسبب فوت الغنائم، والغم الثاني ما حصل بسبب أن أبا سفيان وخالد بن الوليد اطلعا على المسلمين فحملوا عليهم وقتلوا منهم جمعاً عظيما. الوجه الثالث: أن الغم الأول ما كان عند توجه أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم بالقتل والغم الثاني هو أن المشركين لما رجعوا خاف الباقون من المسلمين من أنهم لو رجعوا لقتلوا الكل فصار هذا الغم بحيث أذهلهم عن الغم الأول. والوجه الرابع: أن الغم الأول ما وصل اليهم بسبب أنفسهم وأموالهم، والغم الثاني ما وصل اليهم بسبب الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الآية قول ثالث اختاره القفال رحمه الله تعالى قال: وعندنا أن الله تعالى ما أراد بقوله: {غَمّاً بِغَمّ } اثنين، وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها، أي ان الله عاقبكم بغموم كثيرة، مثل قتل إخوانكم وأقاربكم، ونزول المشركين من فوق الجبل عليكم بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم، ومثل إقدامكم على المعصية، فكأنه تعالى قال: أثابكم هذه الغموم المتعاقبة ليصير ذلك زاجرا لكم عن الاقدام على المعصية والاشتغال بما يخالف أمر الله تعالى. المسألة الثالثة: معنى أن الله أثابهم غم بغم: أنه خلق الغم فيهم، وأما المعتزلة فهذا لا يليق بأصولهم، فذكروا في علة هذه الإضافة وجوها: الأول: قال الكعبي: إن المنافقين لما أرجفوا أن محمداً عليه الصلاة والسلام قد قتل ولم يبين الله تعالى كذب ذلك القائل، صار كأنه تعالى هو الذي فعل ذلك الغم، وهذا كالرجل الذي يبلغه الخبر الذي يغمه ويكون معه من يعلم أن ذلك الخبر كذب، فاذا لم يكشفه له سريعا وتركه يتفكر فيه ثم أعلمه فإنه يقول له: لقد غممتني وأطلت حزني وهو لم يفعل شيئاً من ذلك، بل سكت وكف عن إعلامه، فكذا ههنا. الثاني: أن الغم وان كان من فعل البعد فسببه فعل الله تعالى، لأن الله طبع العباد طبعا يغتمون بالمصائب التي تنالهم وهم لا يحمدون على ذلك ولا يذمون. الثالث: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى الغم في قلب بعض المكلفين لرعاية بعض المصالح. ثم قال تعالى: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ } وفيه وجهان: الاول: أنها متصلة بقوله: {أية : وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ }تفسير : [آل عمران: 152] كأنه قال: ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا، لان في عفوه تعالى ما يزيل كل غم وحزن، والثاني: أن اللام متصلة بقوله: {فَأَثَـٰبَكُمْ } ثم على هذا القول ذكروا وجوها: الأول: قال الزجاج: المعنى أثابكم غم الهزيمة من غمكم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب مخالفته، ليكون غمكم بأن خالفتموه فقط، لا بأن فاتتكم الغنيمة وأصابتكم الهزيمة، وذلك لان الغم الحاصل بسبب الإقدام على المعصية ينسي الغم الحاصل بسبب مصائب الدنيا. الثاني: قال الحسن: جعلكم مغمومين يوم أحد في مقابلة ما جعلتموهم مغمومين يوم بدر، لأجل أن يسهل أمر الدنيا في أعينكم فلا تحزنوا بفواتها ولا تفرحوا باقبالها، وهذان الوجهان مفرعان على قولنا الباء في قوله: {غَمّاً بِغَمّ } للمجازاة، أما اذا قلنا انها بمعنى «مع» فالمعنى أنكم قلتم لو بقينا في هذا المكان وامتثلنا أمر الرسول لوقعنا في غم فوات الغنيمة، فاعلموا أنكم لما خالفتم أمر الرسول وطلبتم الغنيمة وقعتم في هذه الغموم العظيمة التي كل واحد منها أعظم من ذلك الغم أضعافا مضاعفة، والعاقل اذا تعارض عنده الضرران، وجب أن يخص أعظمهما بالدفع، فصارت إثابة الغم على الغم مانعاً لكم من أن تحزنوا بسبب فوات الغنيمة، وزاجراً لكم عن ذلك، ثم كما زجرهم عن تلك المعصية بهذا الزجر الحاصل في الدنيا، زجرهم عنها بسبب الزواجر الموجودة في الغنيمة فقال: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } أي هو عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم، قادر على مجازاتها، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وذلك من أعظم الزواجر للعبد عن الاقدام على المعصية، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : «إذ» متعلق بقوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ}. وقراءة العامة «تُصْعِدُونَ» بضم التاء وكسر العين. وقرأ أبو رجاء العطارِدِيّ وأبو عبد الرّحمن السلمي والحسن وقتادة بفتح التاء والعين، يعني تصعدون الجبل. وقرأ ابن مُحَيْصِن وشِبْل «إذ يصعدون ولا يلوون» بالياء فيهما. وقرأ الحسن «تَلُون» بواو واحدة. وروي أبو بكر بن عيّاش عن عصام «وَلاَ تلوون» بضم التاء؛ وهي لغة شاذة ذكرها النحاس. وقال أبو حاتم: أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعِدت إذا ٱرتقيت في جبل أو غيره. فالإصعاد: السير في مستوٍ من الأرض وبطون الأودية والشِّعاب. والصعود: الارتفاع على الجبال والسطوح والسَّلالِيم والدَّرَج. فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في الوادي؛ فيصح المعنى على قراءة «تُصْعِدون» و «تَصْعَدون». قال قتادة والربيع: أصعدوا يوم أحُد في الوادي. وقراءة أُبَيّ «إذ تُصعِدون في الوادي». قال ابن عباس: صعِدوا في أحُد فراراً. فكلتا القراءتين صواب: كان يومئذ من المنهزمين مُصْعد وصاعد، والله أعلم. قال القُتَبِيّ والمبرد: أصعد إذا أبعدَ في الذهاب وأمعن فيه؛ فكأن الإصعاد إبعاد في الأرض كإبعاد الارتفاع؛ قال الشاعر:شعر : ألا أيهذا السائلي أيْن أصْعدتْ فإنّ لها من بطن يثْرِبَ موعِداً تفسير : وقال الفرّاء: الإصعاد الابتداء في السفر، والإنحدار الرجوع منه؛ يُقال: أصعدنا من بغداد إلى مكة وإلى خُراسان وأشباه ذلك إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر، وانحدرنا إذا رجعنا. وأنشد أبو عبيدة:شعر : قد كنتِ تبكين على الإصعاد فاليوم سُرِّحْتِ وصاح الحادِي تفسير : وقال المفضل: صَعِد وأصْعَد وَصَعَّد بمعنى واحد. ومعنى «تَلْوُونَ» تعرّجون وتقيمون، أي لا يلتفت بعضكم إلى بعض هَرَبا؛ فإن المُعرِّج على الشيء يلوي إليه عُنقه أو عنان دابته. {عَلَىٰ أحَدٍ} يريد محمداً صلى الله عليه وسلم؛ قاله الكلبي. {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} أي في آخركم؛ يُقال: جاء فلان في آخر الناس وأُخْرَة الناس وأُخْرَى الناس وأُخريَات الناس. وفي البخاري «أُخْرَاكُمْ» تأنيث آخركم: حدّثنا عمرو بن خالد حدّثنا زهير حدّثنا أبو إسحاق قال سمعت البراء بن عازب قال: جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم على الرجّالة يوم أُحُد عبد الله بن جبير وأقبلوا منهزمين فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم. ولم يبق مع النبيّ صلى الله عليه وسلم غير ٱثني عشر رجلاً. قال ابن عباس وغيره: كان دعاء النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ «حديث : أي عباد الله ارجعوا»تفسير : . وكان دعاءه تغييرا للمنكر، ومحال أن يرى عليه السَّلام المنكر وهو الانهزام ثم لا ينهى عنه. قلت: هذا على أن يكون الانهزام معصية وليس كذلك، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قوله تعالىٰ: {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ} الغم في اللغة: التغطية. غممت الشيء غطيته. ويوم غَمٌّ وليلة غَمّةٌ إذا كانا مظلمين. ومنه غمّ الهلال إذا لم ير، وغمّنِي الأمر يَغمُّنِي. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: الغَمّ الأوّل القتل والجراح، والغم الثاني الإرجاف بقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ إذ صاح به الشيطان. وقيل: الغم الأوّل ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني ما أصابهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغَمَّ الأوّل الهزيمة، والثاني إشراف أبي سفيان وخالدٍ عليهم في الجبل؛ فلما نظر إليهم المسلمون غمهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم؛ فعند ذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللَّهُمَّ لا يَعْلُنّ علينا»تفسير : كما تقدّم. والباء في «بِغَمٍّ» على هذا بمعنى على. وقيل: هي على بابها، والمعنى أنهم غموا النبيّ صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه، فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم. وقال الحسن: {فَأَثَابَكُمْ غُمّاً} يوم أُحُد «بِغَمٍّ» يوم بدر للمشركين. وسُمي الغم ثواباً كما سمي جزاء الذنب ذنباً. وقيل: وقفهم الله على ذنبهم فشغلوا بذلك عما أصابهم. قوله تعالى: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} اللام متعلقة بقوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} وقيل: هي متعلقة بقوله: {فَأَثَابَكُمْ غَماً بِغَمٍّ} أي كان هذا الغم بعد الغم لكيلا تحزنوا على ما فات من الغنيمة، ولا ما أصابكم من الهزيمة. والأول أحسن. و«ما» في قوله: «مَا أصَابَكُمْ» في موضع خفض. وقيل: «لا» صلةَ. أي لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبةً على مخالفتكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو مثل قوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12] أي أن تسجد. وقوله {أية : لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الحديد: 29] أي ليعلم، وهذا قول المفَضَّل. وقيل: أراد بقوله {فَأَثَابَكُمْ غَماً بِغَمٍّ} أي توالت عليكم الغموم، لكيلا تشتغلوا بعد هذا بالغنائم. {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فيه معنى التحذير والوعيد.
البيضاوي
تفسير : {إِذْ تُصْعِدُونَ} متعلق بصرفكم، أو ليبتليكم أو بمقدر كاذكروا. والإِصعاد الذهاب والإِبعاد في الأرض يقال: أصعدنا من مكة إلى المدينة. {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ } لا يقف أحد لأحد ولا ينتظره. {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} كان يقول إليَّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة. {فِي أُخْرَاكُمْ} في ساقتكم أو جماعتكم الأخرى {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ} عطف على صرفكم، والمعنى فجازاكم الله عن فشلكم وعصيانكم غماً متصلاً بغم، من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والإِرجاف بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، أو فجازاكم غماً بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له. {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ} لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت ولا ضر لاحق. وقيل {لا} مزيدة والمعنى لتأسفوا على ما فاتكم من الظفر والغنيمة وعلى ما أصابكم من الجرح والهزيمة عقوبة لكم. وقيل الضمير في فأثابكم للرسول صلى الله عليه وسلم أي فآساكم في الاغتمام فاغتم بما نزل عليكم، كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثر بكم على عصيانكم تسلية لكم كيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر ولا على ما أصابكم من الهزيمة {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها.
المحلي و السيوطي
تفسير : اذكروا {إِذْ تُصْعِدُونَ } تبعدون في الأرض هاربين {وَلاَ تَلْوُونَ } تُعَرِّجُون {عَلَىٰ أحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ } أي من ورائكم يقول:«إليَّ عباد الله إليَّ عباد الله» {فَأَثَٰبَكُمْ } فجازاكم {غَمّاً } بالهزيمة {بِغَمّ } بسبب غمكم للرسول بالمخالفة وقيل الباء بمعنى (على)، أي مضاعفاً على غم فوت الغنيمة {لّكَيْلاَ } متعلق بـ(عفا) أو بـ (أثابكم) ف «لا» زائدة {تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من الغنيمة {وَلاَ مَا أَصَٰبَكُمْ } من القتل والهزيمة {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }.
ابن عطية
تفسير : {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} العامل في {إذ} قوله: {أية : عفا} تفسير : [آل عمران: 152] وقرأ جمهور الناس بضم التاء وكسر العين من "أصعد" ومعناه: ذهب في الأرض، وفي قراءة أبي بن كعب، "إذ تصعدون في الوادي". قال القاضي أبو محمد: والصعيد وجه الأرض، وصعدة اسم من أسماء الأرض، فأصعد معناه: دخل في الصعيد، كما أصبح دخل في الصباح إلى غير ذلك، والعرب تقول أصعدنا من مكة وغيرها، إذا استقبلوا سفراً بعيداً وأنشد أبو عبيدة لحادي الإبل: [الرجز] شعر : قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ على الإصْعادِ فَالآنَ صرَّحَتِ وَصَاحَ الحادِي تفسير : وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو عبد الرحمن واليزيد ومجاهد وقتادة "إذ تَصعَدون" بفتح التاء والعين، من صعد إذا علا، والمعنى بهذا صعود من صعد في الجبل والقراءة الأولى أكثر، وقوله تعالى {ولا تلوون} مبالغة في صفة الانهزام وهو كما قال دريد: شعر : وهل يرد المنهزم شيء؟ تفسير : وهذا أشد من قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : أخو الْجَهْدِ لاَ يلْوي على من تَعَذَّرا تفسير : وقرأ ابن محيصن وابن كثير في رواية شبل "إذ يصعدون ولا يلوون" بالياء فيهما على ذكر الغيب، وقرأ بعض القراء" ولا تلؤون" بهمز الواو المضمومة، وهذه لغة، وقرأ بعضهم "ولا تلون" بضم اللام وواو واحدة، وهي قراءة متركبة على لغة من همز الواو المضمومة، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام وحذفت إحدى الواوين الساكنتين، وقرأ الأعمش وعاصم في رواية أبي بكر "تُلوون" بضم التاء من ألوى وهي لغة، وقرأ حميد بن قيس "على أُحُد" بضم الألف والحاء، يريد الجبل، والمعنى بذلك رسول الله عليه السلام، لأنه كان على الجبل، والقراءة الشهيرة أقوى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن علىالجبل إلا بعد ما فر الناس عنه، وهذه الحال من إصعادهم إنما كانت وهو يدعوهم، وروي أنه كان ينادي: إليَّ عباد الله، والناس يفرون. وفي قوله تعالى: {في أخراكم} مدح للنبي عليه السلام فإن ذلك هو موقف الابطال في أعقاب الناس، ومنه قول الزبير بن باطا ما فعل مقدمتنا إذ حملنا وحاميتنا إذ فررنا، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، ومنه قول سلمة بن الأكوع كنا إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: {فأثابكم} معناه: جازاكم على صنيعكم، وسمي الغم ثواباً على معنى أنه القائم في هذه النازلة مقام الثواب، وهذا كقوله: [الوافر] شعر : تَحِيَّةُ بَيْنهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ تفسير : وكقول الآخر: [الفرزدق]: [الطويل] شعر : أخَافُ زِياداً أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ أَدَاهِمَ سوداً أَوْ مُحَدْرَجَةً سُمْرا تفسير : فجعل القيود والسياط عطاء، ومحدرجة: بمعنى مدحرجة، واختلف الناس في معنى قوله تعالى: {غماً بغم} فقال قوم: المعنى "أثابكم غماً" بسبب الغم الذي أدخلتموه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر المؤمنين، بفشلكم وتنازعكم وعصيانكم. قال القاضي أبو محمد: فالباء على هذا باء السبب، وقال قوم: {أَثابكم غماً بغم}، الذي أوقع على أيديكم بالكفار يوم بدر. قال القاضي أبو محمد: فالباء باء معادلة، كما قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وقالت جماعة كبيرة من المتأولين: المعنى أثابكم غماً على غم، أو غماً مع غم، وهذه باء الجر المجرد، واختلفوا في ترتيب هذين الغمين فقال قتادة ومجاهد: الغم الأول أن سمعوا: ألا إن محمداً قد قتل، والثاني، القتل والجراح الواقعة فيهم، وقال الربيع وقتادة أيضاً بعكس هذا الترتيب، وقال السدي ومجاهد أيضاً وغيرهما: بل الغم الأول هو قتلهم وجراحهم وكل ما جرى في ذلك المأزق، والغم الثاني هو إشراف أبي سفيان على النبي ومن كان معه، ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى قوم من أصحابه قد علوا صخرة في سفح الجبل فمشى نحوهم فأهوى إليه رجل بسهم ليرميه، فقال: أنا رسول الله، ففرحوا بذلك، وفرح هو عليه السلام إذ رأى من أصحابه الامتناع، ثم أخذوا يتأسفون على ما فاتهم من الظفر، وعلى من مات من أصحابهم فبينما هم كذلك إذ أشرف عليهم أبو سفيان من علو في خيل كثيرة، فنسوا ما نزل بهم أولاً، وأهمهم أمر أبي سفيان، فقال رسول الله عليه السلام: ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد، ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة، وأغنى هنالك عمر بن الخطاب حتى أنزلوهم. واختلفت الروايات في هذه القصة من هزيمة -أحد - اختلافاً كثيراً، وذلك أن الأمر هول، فكل أحد وصف ما رأى وسمع، قال كعب بن مالك: أول من ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، رأيت عينيه تزهران تحت المغفر، وروي أن الخيل المستعلية إنما كانت حملة خالد بن الوليد، وأن أبا سفيان إنما دنا، والنبي عليه السلام في عرعرة الجبل، ولأبي سفيان في ذلك الموقف قول كثير، ولعمر معه مراجعة محفوظة اختصرتها إذ لا تخص الآية، وقوله تعالى: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} معناه: من الغنيمة و {ما أصابكم} معناه: من القتل والجرح وذل الانهزام وما نيل من نبيكم. قال القاضي أبو محمد: واللام من قوله: {لكيلا} متعلقة بأثابكم، المعنى: لتعلموا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة، وأكثر قلق المعاقب وحزنه إنما هو مع ظنه البراءة بنفسه وفي قوله تعالى: {والله خبير بما تعملون} توعد. ثم ذكر الله تعالى أمر النعاس الذي أمن به المؤمنين، فغشي أهل الإخلاص، وذلك أنه لما ارتحل أبو سفيان من موضع الحرب، قال النبي عليه السلام لعلي بحضرة أصحابه المتحيزين في تلك الساعة إليه: اذهب فانظر إلى القوم، فإن جنبوا الخيل فهم ناهضون إلى مكة، وإن كانوا على خيلهم فهم عامدون إلى المدينة، فاتقوا الله واصبروا، ووطنهم على القتال، فمضى علي ثم رجع، فأخبر أنهم جنبوا الخيل وقعدوا على أثقالهم عجالاً، فآمن الموقنون المصدقون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألقى الله عليهم النعاس، وبقي المنافقون والذين في قلوبهم مرض لا يصدقون، بل كان ظنهم أن أبا سفيان يؤم المدينة ولا بد، فلم يقع على أحد منهم نوم، وإنما كان همهم في أحوالهم الدنيوية، قال أبو طلحة: لقد نمت في ذلك اليوم حتى سقط سيفي من يدي مراراً، وقال الزبير بن عوام: لقد رفعت رأسي يوم أحد من النوم فجعلت أنظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فما منهم أحد إلا وهو يميل تحت جحفته، وقال ابن مسعود: نعسنا يوم -أحد- والنعاس في الحرب أمنة من الله، والنعاس في الصلاة من الشيطان، وقرأ جمهور الناس "أمَنة" بفتح الميم، وقرأ ابن محيصن والنخعي "أمْنة" بسكون الميم، وهما بمعنى الأمن، وفتح الميم أفصح، وقوله: {نعاساً} بدل، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر "يغشي" بالياء حملاً على لفظ النعاس بإسناد الفعل إلى ضمير البدل، وقرأ حمزة والكسائي "تغشى" بالتاء حملاً على لفظ - الأمنة - بإسناد الفعل إلى ضمير المبدل منه، والواو في قوله تعالى: {وطائفة قد أهمتهم} هي واو الحال كما تقول: جئت وزيد قائم، قاله سيبويه وغيره قال الزجاج: وجائز أن يكون خبر قوله {وطائفة} قوله - يظنون - ويكون قد أهمتهم صفة للطائفة، وقوله تعالى: {قد أهمتهم أنفسهم} ذهب أكثر المفسرين قتادة والربيع وابن إسحاق وغيرهم: إلى أن اللفظة من الهم الذي هو بمعنى الغم والحزن، والمعنى: أن نفوسهم المريضة وظنونهم السيئة، قد جلبت إليهم الهم خوف القتل وذهاب الأموال، تقول العرب: أهمني الشيء إذا جلب الهم، وذكر بعض المفسرين: أن اللفظة من قولك: هم بالشيء يهم إذا أراد فعله. قال القاضي أبو محمد: أهمتهم أنفسهم المكاشفة: ونبذ الدين، وهذا قول من قال: قد قتل محمد، فلنرجع إلى ديننا الأول ونحو هذا من الأقوال. قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِى أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قَلْ لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدوُرِ} قوله تعالى: {غير الحق} معناه: يظنون أن الإسلام ليس بحق وأن أمر محمد عليه السلام يضمحل ويذهب، وقوله: {ظن الجاهلية} ذهب جمهور الناس إلى أن المراد مدة الجاهلية القديمة قبل الإسلام، وهذا كما قال: {أية : حمية الجاهلية} تفسير : [الفتح: 26] و {أية : تبرج الجاهلية} تفسير : [الأحزاب: 33]، وكما تقول شعر الجاهلية، وكما قال ابن عباس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأساً دهاقاً، وذهب بعض المفسرين إلى أنه أراد في هذه الآية ظن الفرقة الجاهلية، والإشارة إلى أبي سفيان ومن معه، والأمر محتمل، وقد نحا هذا المنحى قتادة والطبري، وقوله تعالى: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} حكاية كلام قالوه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أبي ابن سلول: قتل بنو الخزرج فقال: "وهل لنا من الأمر من شيء"؟ يريد أن الرأي ليس لنا، ولو كان لنا منه شيء لسمع من رأينا فلم يخرج فلم يقتل أحد منا، وهذا منهم قول بأجلين، وكان كلامهم يحتمل الكفر والنفاق، على معنى: ليس لنا من أمر الله شيء، ولا نحن على حق في اتباع محمد، ذكره المهدوي وابن فورك، لكن يضعف ذلك أن الرد عليهم إنما جاء على أن كلامهم في معنى سوء الرأي في الخروج، وأنه لو لم يخرج لم يقتل أحد، وقوله تعالى: {قل إن الأمر كله لله} اعتراض أثناء الكلام فصيح، وقرأ جمهور القراء "كلَّه"- بالنصب على تأكيد الأمر، لأن "كله" بمعنى أجمع، وقرأ أبو عمرو بن العلاء "كلُّه لله" برفع كل على الابتداء والخبر، ورجح الناس قراءة الجمهور لأن التأكيد أملك بلفظة "كل"، وقوله تعالى: {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} يحتمل أن يكون إخباراً عن تسترهم بمثل هذه الأقوال التي ليست بمحض كفر، بل هي جهالة، ويحتمل أن يكون إخباراً عما يخفونه من الكفر الذي لا يقدرون أن يظهروا منه أكثر من هذه النزعات، وأخبر تعالى عنهم على الجملة دون تعيين، وهذه كانت سنته في المنافقين، لا إله إلا هو، وقوله تعالى: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} هي مقالة سمعت من معتب بن قشير المغموص عليه بالنفاق، وقال الزبير بن العوام فيما أسند الطبري عنه: والله لكأني أسمع قول معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف، والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}. قال القاضي أبو محمد: وكلام معتب يحتمل من المعنى ما احتمل كلام عبد الله بن أبي، ومعتب هذا ممن شهد بدراً، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، وقال ابن عبد البر: إنه شهد العقبة، وذلك وهم، والصحيح أنه لم يشهد عقبة، وقوله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم} الآية رد على الأقوال، وإعلام بأن أجل كل امرىء إنما هو واحد، فمن لم يقتل فهو يموت لذلك الأجل على الوجه الذي قدر الله تعالى، وإذا قتل فذلك هو الذي كان في سابق الأزل، وقرأ جمهور الناس "في بُيوتكم" بضم الباء، وقرأ بعض القراء وهي بعض طرق السبعة "في بِيوتكم"، بكسر الباء، وقرأ جمهور الناس "لَبَرَز" بفتح الراء والباء على معنى: صاروا في البراز من الأرض، وقرأ أبو حيوة "لبُرِّز" بضم الباء وكسر الراء وشدها، وقرأ جمهور الناس: "عليهم القَتل" أي كتب عليهم في قضاء الله وتقديره، وقرأ الحسن والزهري: "عليهم القتال" وتحتمل هذه القراءة معنى الاستغناء عن المنافقين، أي لو تخلفتم أنتم لبرز المؤمنون الموقنون المطيعون في القتال المكتوب عليهم، وقوله تعالى: {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم} الآية، اللام في قوله تعالى: {وليبتلي} متعلقة بفعل متأخر تقديره وليبتلي وليمحص فعل هذه الأمور الواقعة والابتلاء هنا هو الاختبار، والتمحيص: تخليص الشيء من غيره، والمعنى ليختبره فيعلمه علماً مساوقاً لوجوده وقد كان متقرراً قبل وجود الابتلاء أزلاً، و {ذات الصدور} ما تنطوي عليه من المعتقدات، هذا هو المراد في هذه الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {تُصْعِدُونَ} الإصعاد يكون في مستوىً من الأرض، والصعود في ارتفاع، وروي عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أنهم صعدوا إلى الجبل فراراً. {يَدْعُوكُمْ} يقول يا عباد الله ارجعوا. {غَمَّا بِغَمٍ} على غم، أو مع غم، الغم الأول: القتل والجرح، والثاني: الإرجاف بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم أو غم يوم أُحد بغم يوم بدر. {مَا فَاتَكُمْ} من الغنيمة وما أصابكم من الهزيمة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إذ تصعدون} قيل هو متعلق بما قبله والتقدير ولقد عفا عنكم إذ تصعدون لأن عفوه عنهم لا بد وأن يتعلق بأمر اقترفوه وذلك الأمر هو ما بينه بقوله إذ تصعدون يعني هاربين في الجبل. وقيل هو ابتداء كلام لا تعلق له بما قبله والمعنى اذكروا إذ تصعدون قراءة الجمهور بضم التاء وكسر العين من الإصعاد وهو الذهاب في الأرض والإبعاد فيها وقرأ الحسن تصعدون بفتح التاء من الصعود وهو الارتقاء من أسفل إلى أعلى كالصعود على الجبل وعلى السلم ونحوه، وللمفسرين في معنى الآية قولان أحدهما أنه صعودهم في الجبل عند الهزيمة والثاني أنه الإبعاد في الأرض في حال الهزيمة ووقت الهرب {ولا تلوون على أحد} أي لا تعرجون ولا تقيمون على أحد ولا يلتفت بعضكم إلى بعض من شدة الهرب {والرسول يدعوكم في أخراكم} أي في آخركم ومن ورائكم يقول إليَّ عباد الله أنا رسول الله مَنْ كَرّ أَيْ رَجِعَ فله الجنة {فأثابكم غماً بغم} يعني فجزاكم بفراركم عن نبيكم صلى الله عليه وسلم وفشلكم عن عدوكم غماً بغم فسمى العقوبة التي عاقبهم بها ثواباً على سبيل المجاز لأن لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلاّ في الخير وقد يجوز استعماله في الشر لأنه مأخوذ من ثاب إذا رجع فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيراً أو شراً فمتى حملنا الثواب على أصل اللغة كان الكلام صحيحاً ومتى حملناه على الأغلب كان على سبيل المجاز فهو كقول الشاعر: شعر : أخاف زياداً أن يكون عطاؤه أداهم سوداً أو محدرجة سمرا تفسير : فجعل العطاء مكان العقاب لأن الأداهم السود هي القيود الثقال والمحدرجة هي السياط والباء في قوله غماً بغم بمعنى مع أو بمعنى على لأن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. وقيل الباء على بابها والمعنى غماً متصلاً بغم واختلفوا في معنى الغمين فقيل الغم الأول هو ما فاتهم من الظفر والغنيمة والغم الثاني هو ما نالهم من القتل والهزيمة وقيل الغم الأول ما أصابهم من القتل والجراح والغم الثاني هو ما سمعوا بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل فأنساهم غمهم. وقيل الغم الأول هو أنهم غموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره فجزاهم الله بذلك الغم القتل والهزيمة. وقيل إن غمهم الأول بسبب إشراف خالد بن الوليد مع خيل المشركين عليهم والغم الثاني حين أشرف أبو سفيان عليهم. وذلك أن أبا سفيان وأصحابه وقفوا بباب الشعب فلما نظر المسلمون إليهم غمهم ذلك وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأغمهم ذلك. قوله تعالى: {لكيلا} في لفظة لا قولان: أحدهما أنها باقية على أصلها ومعناها النفي هذا يكون الكلام متصلاً بقوله ولقد عفا عنكم والمعنى ولقد عفا عنكم لكيلا {تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم} لأن عفوه يذهب كل هم وحزن وقيل معناه فأثابكم غماً أنساكم الحزن على ما فاتكم ولا ما أصابكم وقد روي أنهم لما سمعوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل نسوا ما أصابهم وما فاتهم والقول الثاني أن لفظة لا صلة ومعنى الكلام لكي تحزنوا على ما فاتكم وأصابكم عقوبة لكم على مخالفتكم. قال ابن عباس: الذي فاتهم الغنيمة والذي أصابهم القتل والهزيمة {والله خبير بما تعملون} أي هو عالم بجميع أعمالكم خيرها وشرها فيجازيكم عليها.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} العامل في إذ قوله «عفا», وقراءة الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين)؛ من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، فـ «أَصْعَدَ»: معناه: دَخَلَ في الصَّعيد؛ كما أنَّ «أَصْبَحَ»: دخل في الصَّبَاحِ. وقوله سبحانه: {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: «عَلَىٰ أُحُدٍ» (بضم الألف والحاء)، يريد الجَبَلَ، والمَعنِيُّ بذلك نبيُّ اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوَىٰ؛ لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ»تفسير : ، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: {فِي أُخْرَاكُمْ}: مدْح له صلى الله عليه وسلم؛ فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس؛ ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا: ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا؛ وكذلك كَانَ صلى الله عليه وسلم أشْجَعَ الناسِ؛ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: كِنَّا إذا ٱحْمَرَّ البَأْسُ، ٱتَّقَيْنَاهُ برَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {فَأَثَـٰبَكُمْ}: معناه: جازاكُمْ علَىٰ صنيعكم، واختلف في معنَىٰ قوله تعالى: {غَمّاً بِغَمٍّ}، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه علَىٰ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم. قال قتادة، ومجاهد: الغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، والثاني: القَتْلُ والجِرَح. وقوله تعالى: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ}، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الٱِنهزامِ، واللامُ من قوله: «لكَيْ لاَ» متعلِّقة بـــ «أثَابَكُمْ»، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي «صحيح البخاريِّ»، عن أنسٍ؛ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ، ونحْوه عن الزُّبَيْر، وابنِ مسْعود، «والواوُ» في قوله: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن. وقوله سبحانه: {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ}: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمَّد صلى الله عليه وسلم يضمحلُّ. قلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي «صحيح مُسْلِم»، وغيره، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه: «حديث : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي...»تفسير : الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنَسِ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» تفسير : اهـــ. وقوله: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ}: ذهب الجمهورُ إلَىٰ أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: {أية : حَمِيَّةَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} تفسير : [الفتح:26] و {أية : تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} تفسير : [الأحزاب:33] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابْنُ جُرَيْج: قيل لعبد اللَّه ابْن أُبَيٍّ ٱبْنِ سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا. وقوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ...} الآية: أخبر تعالَىٰ عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو. وقوله سبحانه: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا} هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن. وقوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ}: اللام في «ليبتلي» متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا الاختبار. وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} قال عُمَرُ (رضي اللَّه عنه): المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولَّىٰ ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ. وقيل: نزلَتْ في الذين فَرُّوا إلى المدينةِ. قال ابنُ زَيْد: فلا أدْري، هل عُفِيَ عن هذه الطائفةِ خاصَّة، أمْ عن المؤمنين جميعاً. وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}: ظاهره عند جمهور المفسِّرين: أنه كانَتْ لهم ذنوبٌ عاقبهم اللَّه علَيْها بتَمْكين الشيطان من ٱستزْلاَلِهِمْ بوسوسَتِهِ وتخويفِهِ، والفَرَارُ مِنَ الزَّحْفِ من الكبائر؛ بإجماعٍ فيما عَلِمْتُ، وقَدْ عده صلى الله عليه وسلم في السَّبْعِ المُوبِقَاتِ.
ابن عادل
تفسير : العامل في "إذْ" قيل: مُضْمَر، أي: اذكروا. وقال الزمخشريُّ: "صَرَفَكُمْ" أوْ "لِيَبْتَلِيَكُمْ". وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون ظرفاً لِـ "عَصَيْتُمْ" أوْ "تَنَازَعْتُمْ" أو فَشِلْتُمْ. وقيل: هو ظرف لِـ "عَفَا عَنْكُمْ" أي: عفا عنكم إذْ تُصْعِدُون هاربين. وكل هذه الوجوهِ سائغةٌ، وكونه ظرفاً لِـ "صَرَفَكُمْ" جيدٌ من جهةِ المعنى، ولِـ "عَفَا" جيدٌ من جهة القُرْبِ، وعلى بعض هذه الأقوالِ تكون المسألةُ من باب التنازعِ، ويكون على إعمال الأخيرِ منها، لعدم الإضمارِ في الأول، ويكون التنازعُ في أكثرِ من عاملينِ. والجمهور على {تُصْعِدُونَ} - بضم التاء وكسر العين - من: أصْعَدَ في الأرض، إذا ذهب فيها. والهمزةُ فيه للدخول، نحو أصبح زيدٌ، أي: دخل في الصباح، فالمعنى: إذ تدخلون في الصعود، ويُبيِّن ذلك قراءة أبيٍّ "تصعدون في الوادي". وقرأ الحسنُ، والسُّلمي، وقتادةُ: "تَصْعَدُونَ" بفتح التاء والعين - من: صعد في الجبل، أي: رقي، والجمع بين القراءتين أنهم - أولاً - أصعدوا في الوادي، ثم لما هزمهم العدو - صعدوا في الجبل، وهذا على رَأى مَنْ يُفَرِّق بين صعد وأصْعد، وقرأ أبو حَيْوَةَ: "تَصَعَّدُون" بالتشديد - وأصله: تَتَصَعَّدُونَ، حذفت إحدى التاءين، إما تاء المضارعة، أو تاء "تَفَعَّل" والجمع بين قراءتِهِ وقراءة غيره كما تقدم. والجمهورُ {تُصْعِدُونَ} بتاء الخطاب، وابن مُحَيْصن - ويُرْوَى عن ابن كثيرٍ - بياء الغيبة، على الالتفاتِ، وهو حسنٌ. ويجوز أن يعودَ الضمير على المؤمنين، أي: {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ} فالعاملُ في "إذْ" "فَضْلٍ" ويقال: أصْعَدَ: أبعد في الذهاب، قال القُتَبِيُّ أصعد: إذا أبْعَد في الذهاب، وأمعن فيه، فكأن الإصعادَ إبعادٌ في الأرض كإبعاد الارتفاعِ. قال الشاعرُ: [الطويل] شعر : 1662- ألاَ أيُّهَذَا السَّائِلِي، أيْنَ أصْعَدَتْ؟ فَإنَّ لَهَا مِنْ بَطْنِ يَثْرِبَ مِوْعِدا تفسير : وقال آخرُ: [الرجز] شعر : 1663- قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ عَلَى الإصْعَادِ فَالْيَوْمَ سُرِّحْتِ، وَصَاحَ الْحَادِي تفسير : وقال الفرَّاءُ وأبو حاتم: الإصعاد: في ابتداء السفر والمخارج، والصعود: مصدر صَعَدَ: رقي من سُفْلٍ إلى عُلُو، ففرَّق هؤلاء بين صَعَد وأصْعَد. وقال المفضَّلُ: صعد وأصعد بمعنًى واحدٍ، والصعيد: وجْهُ الأرضِ. قال بعضُ المفسّرين: "وكلتا القراءتين صوابٌ، فقد كان يومئذ من المنهزمين مُصْعِد وصاعد". قوله: {وَلاَ تَلْوُونَ} الجمهور على {تَلْوُونَ} - بواوين - وقُرِئَ بإبدال الأولى همزة؛ كراهية اجتماع واوين، وليس بقياسٍ؛ لكون الضمة عارضة، والواو المضمومة تُبْدَل همزة بشروط تقدمت في "البقرة". منها: ألا تكون الضمة عارضة، كهذه، وأن لا تكون مزيدة، نحو ترهوك. وألا يمكن تخفيفها، نحو سُور ونور - جمع سوار ونوار - لأنه يمكن تسكينُها فتقول: سور ونور، فيخف اللفظ بها. وألا يُدْغم فيها، نحو تعوَّذ - مصدر تعوذ. ومعنى {وَلاَ تَلْوُونَ} ولا ترجعون، يقال: لَوَى به: ذهب به، ولَوَى عليه: عطف. قَالَ الشاعرُ: [الطويل] شعر : 1664-..................... أخُو الْجَهْدِ لا يَلْوِي عَلَى مَنْ تَعَذَّرَا تفسير : وأصله أن المعرِّجَ على الشيءِ يلوي عليه عنقه، أو عنان دابته، فإذا مضى - ولم يعرِّج - قيل: لن يلوي، ثم استعمل في ترك التعريجِ على الشيء وترك الالتفاتِ إليه، يقال: فلانٌ لا يلوي على كذا أي: لا يلتف إليه، وأصل {تَلْوُونَ} تلويون، فَأعِلَّ بحذفِ اللام، وقد تقدم في قوله: {أية : يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ} تفسير : [آل عمران: 78] وقرأ الأعمشُ، وأبو بكر بنُ عَيَّاشٍ - ورويت عن عاصم "تُلوون" بضم التاء - من ألوى وهي لغةٌ في لوى. وقرأ الحسن "تَلُون" - بواو واحدة - وخرجوها على أنه أبدل الواو همزةً، ثم نقل حركة الهمزة على اللام، ثم حذف الهمزة، على القاعدة، فلم يبق من الكلمة إلا الفاء - وهي اللام - وقال ابنُ عطيةَ: "وحذفت إحدى الواوين للساكنين، وكان قد تقدم أن هذه القراءة هي قراءة مركبةٌ على لغة من يهمز الواوَ، وينقل الحركة". وهذا عجيبٌ، بعد أن يجعلها من باب نقل حركةِ الهمزةِ، كيف يعودُ ويقول: حذفت إحدى الواوين للساكنين؟ ويُمكن تخريجُ هذه القراءة على وجهين آخرينِ: أحدهما: أن يقالَ: استُثقلت الضمةُ على الواو؛ لأنها أختها، فكأنه اجتمع ثلاثُ واواتٍ، فنُقِلت الضمةُ إلى اللامِ، فالتقى ساكنانِ - الواو التي هي عينُ الكلمةِ، والواو التي هي ضميرٌ - فحُذفت الأولى؛ لالتقاء الساكنين، ولو قال ابن عطيةَ هكذا لكان أولى. الثاني: أن يكون "تَلُونَ" مضارع وَلِي - من الولاية - وإنما عُدِّي بـ "على" لأنه ضُمِّن معنى العطف. وقرأ حُميد بن قيس: "على أُحُدٍ" - بضمتين - يريد الجَبَل، والمعنى: ولا تلوون على مَنْ فِي جبل أُحُد، وهو النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عطية: والقراءة الشهيرة أقْوى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على الجبل إلا بعدما فَرَّ الناسُ عنه، وهذه الحالُ - من إصعادهم - إنما كانت وهو يدعوهم. ومعنى الآيةِ: تعرجون، ولا يلتفت بعضٌ إلى بعضٍ. قوله: "والرسول يدعوكم"، مبتدأ وخبر في محل نصب على الحالِ، العامل فيها "تلوون". أي: والرسول يدعوكم في أخراكم ومن ورائكم، يقول: "حديث : إليَّ عِبَاد َالله؛ فأنا رسولُ اللهِ، من يكر فله الجنَّةُ ". تفسير : ويحتمل أنه كان يدعوكم إلى نفسه، حتى تجتمعوا عنده، ولا تتفرقوا. و "أخراهم" آخر الناس كما يقال في أولهم، ويقال: جاء فلانٌ في أخريات الناس. قوله: {فَأَثَابَكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على "تصعدون" و "تلوون"، ولا يضر كونهما مضارعين؛ لأنهما ماضيان في المعنى؛ لأن "إذ" المضافة إليهما صيرتهما ماضيين، فكأن المعنى إذا صعدتم، وألويتم. الثاني: أنه معطوفٌ على "صرفكم". قال الزمخشريُّ {فَأَثَابَكُمْ} عطف على صرفكم، وفيه بُعْدٌ؛ لطول الفصل وفي فاعله قولان: أحدهما: أنه الباري تعالى. والثاني: أنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: ويجوز أن يكون الضمير في {فَأَثَابَكُمْ} للرسول أي: فآساكم من الاغتمام، وكما غمكم ما نزل به من كسر رباعيته غمه ما نزل بكم من فوت الغنيمة. و "غماً" مفعول ثانٍ. وقوله: {فَأَثَابَكُمْ} هل هو حقيقة أو مجاز فقيل: مجاز كأنه جعل الغم قائماً مقام الثواب الَّذِي كان يحصل لولا الفرارُ فهو كقوله: [الطويل] شعر : 1665- أخَافُ زِيَاداً أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ أدَاهِم سُوداً أوْ مُحَدْرَجَة سُمْرَا تفسير : وقول الآخر: شعر : 1666- تحية بينهم ضرب وجميع تفسير : جعل القيود والسياط بمنزلة العطاء، والضرب بمنزلة التحية. وقال الفرّاءُ: "الإثابة - هاهنا - بمعنى المعاقبة" وهو يرجع إلى المجاز؛ لأن الإثابة أصلها في الحسنات. قوله: {بِغَمٍّ} يجوز في الباء أوجهٌ: أحدها: أن تكون للسببيةِ، على معنى أن متعلِّق الغَمْ الأول الصحابة، ومتعلق الغَمِّ الثاني قيل المشركين يوم بدرٍ. قال الحَسَنُ: يريد غَم يوم أحدٍ للمسلمين بغمّ يوم بدرٍ للمشركينَ، والمعنى: فأثابكم غماً بالغم الذي أوقعه على أيديكم بالكفار يوم بدرٍ. وقيل متعلَّق الغَمِّ الرسول، والمعنى: أذاقكم الله غمًّا بسبب الغَمِّ الذي أدخلتموه على الرسول والمؤمنين بفشلكم ومخالفتكم أمره، أو فأثابكم الرسول غماً بسبب غم اغتممتموه لأجله، والمعنى أن الصحابة لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم شُجَّ وَجهه وكُسِرت رَبَاعِيَتُه، وقُتِل عَمه، اغتممتموه لأجله، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم لما رآهم قَد عَصَوْا رَبَّهُم لأجل الغنيمة - ثم بَقَوْا محرومينَ من الغنيمةِ - وقتِلَ أقاربُهم، اغتم لأجلهم. الثاني: أن تكون الباء للمصاحبة، أي: غماً مصاحِباً لغم، ويكون الغمَّان للصحابة، بمعنى غَمًّا مع غم أو غماً على غم، فالغم الأولُ: الهزيمة والقتل، والثاني إشراف خالد بخيل الكفار، أو بإرجافهم: قتل الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى الأول تتعلق الباء بـ {فَأَثَابَكُمْ}. قال أبو البقاء وقيل: المعنى بسبب غم، فيكون مفعولاً به. وعلى الثاني يتعلقُ بمحذوفٍ؛ لأنه صفة لِـ "غَمّ" أي: غماً مصاحباً لغم، أو ملتبساً بغَمٍّ، وأجاز أبو البقاء أن تكون الباءُ بمعنى "بعد" أو بمعنى "بدل" وجعلها - في هذين الوجهين - صفة لـ "غماً". وكونها بمعنى "بعد" و "بدل" بعيدٌ، وكأنه يريدُ تفسير المعنى، وكذا قَالَ الزمخشريُّ غماً بَعْدَ غَمٍّ. واعلم أن الغموم هناك كانت كثيرة: أولاً: غَمُّهم بما نالهم من العدوِّ في الأنفس والأموال. ثانياً: غمُّهم بما لَحِق المسلمين من ذلك. ثالثاً: غمُّهم بما وصل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. رابعاً: غمُّهم بما وقع منهم من المعصية وخوف عقابها. خامساً: غمُّهم بسبب التوبة التي صارت واجبةً عليهم؛ لأنهم إذا تابوا عن تلك المعصية لم تتم توبتهم إلا بتركِ الهزيمةِ والعَوْدِ إلى المحاربة بعد الانهزامِ، وذلك من أشق الأشياء؛ لأن الإنسانَ بعد انهزامه - يَضعُف قلبُه ويجبن، فإذا أمِرَ بالمعاودةِ، فإن فعل خاف القتلَ، وإنْ لم يفعلُ خافَ الكُفْرَ وعِقَابَ الآخِرَةِ - وهذا الغَمُّ أعظمها. سادسها: غمُّهم حين سمعوا أن محمداً قُتِلَ. سابعها: غمُّهم حين أشرف خالد بن الوليد عليهم بخَيْل المشركين. ثامنها: غمُّهم حين أشرف أبو سفيان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق يومئذٍ يدعو الناسَ حتى انتهى إلى أصحاب الصخرةِ، فلما رَأوْهُ وضع رجلٌ سَهْماً في قوسه، وأراد أن يَرْمِيَه، فقال: أنا رسولُ اللهِ، ففرحوا حين وجدوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى مَنْ يمتنع به، فأقبلوا على المشركين، يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قُتِلوا، فأقبل أبو سفيان وأصحابه، حتى وقفوا بباب الشِّعْب، فلما نظر المسلمون إليهم همَّهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون عليهم، فيقتلونهم، فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم أن يَعْلونا، اللهم إن تُقْتَل هذه العصابةُ لا تُعْبَد في الأرض، ثم بدأ أصحابه، فرمَوْهم بالحجارة حتَّى أنزلوهم. وإذا عرفت هذا فكلُّ واحدٍ من المفسّرين فسَّر هذين الغمين بغمين من هذه الغموم وقال القفّال: وعندنا أن الله - تعالى - ما أراد بقوله: {غُمّاً بِغَمٍّ} اثنين، وإنما أراد مواصلة الغموم وطولها، أي: أن اللهَ عاقبكم بغموم كثيرة، مثل قتل إخوانكم وأقاربكم، ونزول المشركين من فوق الجبلِ عليكم، بحيث لم تأمنوا أن يهلك أكثركم، ومثل إقدامكم على المعصيةِ، فكأنه - تعالى - قال: أثابكم هذه الغمومَ المتعاقبةَ؛ ليصير ذلك زاجراً لكم عن الإقدام على المعصية، والاشتغال بما يخالف أمرَ الله تعالى. والغَمّ: التغطية، يقال: يوم غَمٌّ، وليلة غَمَّةٌ - إذا كانا مُظْلِمَيْن - ومنه: غُمَّ الهلال - إذا لَمْ يُرَ، وغَمَّ الأمرُ، يَغْمَى - إذا لم يُتَبَيَّنُ. قوله: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ} هذه لام "كي" وهي لام جرٍّ، والنصب - هنا - بـ "كي" لئلاَّ يلزم دخول حرفِ جرٍّ على مثله، وفي متعلَّق هذه اللام قولانِ: أحدهما: أنه {فَأَثَابَكُمْ} وفي "لا" على هذا وجهانِ: الأول: أنها زائدةٌ؛ لأنه لا يترتب على الاغتمام انتفاء الحُزْن، والمعنى: أنه غمهم ليُحْزِنهم؛ عقوبةً لهم على تركهم مواقفهم، قاله أبو البقاء. الثاني: أنها ليست زائدة، فقال الزمخشريُّ: معنى {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ} لتتمرَّنوا على تجرُّع الغمومِ، وتتضرروا باحتمال الشدائد، فلا تحزنوا فيما بعدُ على فائتٍ من المنافع، ولا على مُصِيبٍ من المضارّ. وقال ابن عطية: "المعنى: لتعلَمُوا أن ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم ورَّطتم أنفسكم، وعادة البشر أن جاني الذنب يصبر للعقوبة، وأكثر قلق المعاقب وحزنه إذا ظن البراءة من نفسه". ثانيهما: أن اللام تتعلق بـ "عَفَا" لأن عَفْوه يُذْهِب كُلَّ حُزْن، وفيه بُعْدٌ؛ لطول الفَصْلِ. ثم قال: {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: عالم بجميع أعمالكم وقصودكم ودواعيكم، قادرٌ على مجازاتها، وهذا زَجْرٌ للبُعْدِ عَنِ الإقْدَامِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوّره فقال: {إذ} أي صرفكم وعفا عنكم حين {تصعدون} أي تزيلون الصعود فتنحدرون نحو المدينة، أو تذهبون في الأرض لتبعدوا عن محل الوقعة خوفاً من القتل {ولا تلوون} أي تعطفون {على أحد} أي من قريب ولا بعيد {والرسول} أي الذي أرسل إليكم لتجيبوه إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية {يدعوكم في أخراكم} أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى، وأنتم مدبرون وهو ثابت في مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفساً على اختلاف الروايات - وثوقاً بوعد الله ومراقبة له, يقول كلما مرت عليه جماعة منهزمة: "حديث : إليّ عباد الله! أنا رسول الله! إليّ إليّ عباد الله" تفسير : كما هو اللائق بمنصبه الشريف من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو عدماً؛ وإنما قلت: إن معنى ذلك الانهزام، لأن الدعاء يراد منه الإقبال على الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى، فعلم بذلك أنهم مولون عن المقصود وهو القتال، وفي التفسير من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلاً. ولما تسبب عن العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى: {فأثابكم} أي جعل لكم ربكم ثواباً {غماً} أي باعتقادكم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان اعتقاداً كاذباً مُلتئم به رعباً {بغم} أي كان حصل لكم من القتل والجراح والهزيمة، وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سبباً للسرور حين تبين أنه خبر كاذب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم سالم حتى كأنهم - كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة، فهو من الدواء بالداء، ثم علله بقوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} أي من النصر والغنيمة {ولا ما أصابكم} أي من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك بالسرور بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم. ولما قص سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهراً وما قصدوه باطناً وما داواهم به قال - عاطفاً على ما تقديره: فالله سبحانه وتعالى خبير بما يصلح أعمالكم ويبرىء أدواءكم -: {والله} أي المحيط علماً وقدرة {خبير بما تعملون *} أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها، وبما يصلح من جزائه ودوائه، فتارة يداوي الداء بالداء وتارة بالدواء، لأنه الفاعل القادر المختار. ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيداً، ولا سيما بكونه بالنعاس الذي هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله: {ثم أنزل عليكم} ولما أفاد بأداة الاستعلاء عظمة الأمن، وكان متصلاً بالغم ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال: {من بعد الغم} أي المذكور وأنتم في نحر العدو {أمنة} أي أمناً عظيماً، ثم ابدل منها تنبيهاً على ما فيها من الغرابة قوله: {نعاساً} دليلاً قطعياً, فإنه لا يكون إلا من أمن؛ روي البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه أن أبا طلحة رضي الله عنه قال: " حديث : غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه"تفسير : . ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله: {يغشى طائفة منكم} وهم المؤمنون، وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله: {وطائفة} أي أخرى من المنافقين {قد أهمتهم أنفسهم} لا المدافعة عن الدين فهم إنما يطلبون خلاصها، ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلاً لاتصال رعبهم وشدة جزعهم، فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور، ثم فسر همهم فقال: {يظنون بالله} المحيط بصفات الكمال {غير الحق} أي من أن نصره بعده هذا لا يمكن، أو أنهم لو قعدوا في المدينة لم يقتل أحد، ونحو ذلك من سفساف الكلام وفاسد الظنون التي فتحتها لو والأوهام {ظن الجاهلية} أي الذين لا يعلمون - من عظمة الله سبحانه وتعالى بأن ما أراده كان ولا يكون غيره - ما يعلم أتباع الرسل. ثم فسر الظن بقوله: {يقولون} أي منكرين لأنه لم يجعل الرأي رايهم ويعمل بمقتضاه غشباً وتاسفاً على خروجهم في هذا الوجه وعدم رجوعهم مع ابن أبيّ بعد أن خرجوا {هل لنا من الأمر} أي المسموع، ولكون الاستفهام بمعنى النفي ثبتت أداة الاستغراق في قوله: {من شيء} فكأنه قيل: فماذا يقال لهم؟ فقيل: {قل} أي لهم رداً عليهم احتقاراً بهم {إن الأمر} أي الحكم الذي لا يكون سواه {كله لله} أي الذي لا كفوء له، وليس لكم ولا لغيركم منه شيء، شئتم أو أبيتم، غزوتم أو قعدتم، ثبتم أو فررتم. ولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب، وبين لهم شيئاً من فوائد ما فعل بهم بقوله: {أية : إن يمسسكم قرح}تفسير : [آل عمران: 140] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه الوقعة في اتهامهم الله ورسوله، حتى وصل إلى هنا، وكان قولهم هذا غير صريح في الاتهام لإمكان حمله على مساق الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى بتدليسهم بقوله: {يخفون} أي يقولون ذلك مخفين {في أنفسهم ما لا يبدون لك} لكونه لا يرضاه اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله فقال: {يقولون لو كان لنا من الأمر} أي المسموع {شيء ما قتلنا ههنا} لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو. ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بما أخفوه جهلاً منهم ظناً أن الحذر يغني من القدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم} أي بعد أن أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم أحد {لبرز الذين كتب عليهم القتل} أي في هذه الغزوة {إلى مضاجعهم} أي التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها، لأن ما قدرناه لا يمكن أحداً دفعه بوجه من الوجوه، ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله: {ليبتلي} أي لبرز المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر: إن فاديتم الأسارة ولم تقتلوهم قتل منكم في العام المقبل مثلهم {وليبتلي الله} أي المحيط بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري {ما في صدوركم} أي من الإيمان والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل المختبر كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية {وليمحص ما في قلوبكم} اي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة الدنيا من الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها. وختم بقوله: {والله} أي الذي له الإحاطة بكل شيء {عليم بذات الصدور *} مرغباً ومرهباً ودافعاً لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا. ولما كانوا في هذه الغزوة قد حصل لهم ضرر عظيم، لكنه كان بما وقع من بعضهم من الخلل الظاهر فأدبهم بذلك، عفا عنهم سبحانه وتعالى بعد ذلك التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم بهذه الآية بما فيها من التأمين صريحاً، وبما فيها من الإشارة بجمع جميع حروف المعجم فيها تلويحاً إلى أن أمرهم لا بد أن يتم كما تمت الحروف في هذه الآية. لكنه افتتحها بأداة التراخي إشارة إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة مديدة حتى تصقل مرائي الصدور التي ختمها بها بخلاف ما في الآية الأخرى الجامعة للحروف في آخر سورة الفتح التي نزلت في الحديبية التي ساءهم رجوعهم منها دون وصولهم إلى قصدهم - كما يأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جريرعن الحسن البصري أنه قرأ {تصعدون} بفتح التاء والعين. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ {تصعدون} برفع التاء وكسر العين. وأخرج ابن جرير عن هرون قال: في قراءة أبي بن كعب "إذ تصعدون في الوادي". وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس {إذ تصعدون} قال: صعدوا في أحد فراراً يدعوهم في اخراهم "إليّ عباد الله ارجعوا، إليّ عباد الله ارجعوا". وأخرج ابن المنذر عن عطية العوفي قال: لما كان يوم أحد وانهزم الناس، صعدوا في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم فقال الله {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم}. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله {إذ تصعدون...} الآية. قال: فروا منهزمين في شعب شديد لا يلوون على أحد، والرسول يدعوهم في أخراهم "إليّ عباد الله، إليّ عباد الله. ولا يلوي عليه أحد". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {إذ تصعدون} الآية. قال: ذاكم يوم أحد صعدوا في الوادي فراراً ونبي الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم في أخراهم "إليّ عباد الله، إليّ عباد الله". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس "حديث : {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} فرجعوا وقالوا: والله لنأتينهم ثم لنقتلنهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلاً فإنما أصابكم الذي أصابكم من أجل أنكم عصيتموني"تفسير : فبينما هم كذلك إذ أتاهم القوم وقد أيسوا، وقد اخترطوا سيوفهم {فأثابكم غماً بغمٍّ} فكان غمُّ الهزيمة، وغمُّهم حين أتوهم {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من الغنيمة {ما أصابكم} من القتل والجراحة. وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف {فأثابكم غماً بغم} قال: الغم الأول بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل قتل محمد. وكان ذلك عندهم أعظم من الهزيمة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فأثابكم غماً بغم} قال: فرة بعد الفرة الأولى حين سمعوا الصوت أن محمداً قد قتل، فرجع الكفار فضربوهم مدبرين حتى قتلوا منهم سبعين رجلاً، ثم انحازوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجعلوا يصعدون في الجبل والرسول يدعوهم في أخراهم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {فأثابكم غماً بغم} قال: الغم الأوّل الجراح والقتل، والغم الآخر حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل. فأنساهم الغم الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل، وما كانوا يرجون من الغنيمة. وذلك قوله {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم}. وأخرج ابن جرير عن الربيع. مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: حديث : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهماً في قوسه فأراد أن يرميه فقال: أنا رسول الله. ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً، وفرح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أن في أصحابه من يمتنع. فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان حتى أشرف عليهم، فلما نظروا إليه نسوا ذلك الذي كانوا عليه، وهمهم أبو سفيان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد. ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم"تفسير : فذلك قوله {فأثابكم غماً بغم} الغم الأوّل ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والغم الثاني اشراف العدوّ عليهم {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من الغنيمة {ولا ما أصابكم} من القتل حين تذكرون فشغلهم أبو سفيان. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: أصاب الناس حزن وغم على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا، فلما تولجوا في الشعب وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب، فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليه فيقتلونهم أيضاً، فأصابهم حزن من ذلك أنساهم حزنهم في أصحابهم. فذلك قوله سبحانه {فأثابكم غماً بغم} .
ابو السعود
تفسير : {إِذْ تُصْعِدُونَ} متعلق بصَرَفكم أو بقوله تعالى: {أية : لِيَبْتَلِيَكُمْ} تفسير : [آل عمران، الآية: 152] أو بمقدّر كما ذكروا. والإصعادُ الذهابُ والإبعادُ في الأرض، وقرىء بثلاثي أي في الجبل، وقرىء تَصَعَّدون من التفعل بطرح إحدى التاءين وقرىء تصعدون من يصعدون بالالتفات إلى الغيبة {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} أي لا تلتفتون إلى ما وراءكم ولا يقف واحدٌ منكم لواحد، وقرىء تلْوُنَ بواو واحدة بقلب الواوِ المضمومةِ همزةً وحذفِها تخفيفاً، وقرىء يلوون كيصعدون {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ} كان عليه الصلاة والسلام يدعوهم: «حديث : إليَّ عبادَ الله أنا رسولُ الله من يكُرُّ فله الجنةُ» تفسير : وإيرادُه عليه السلام بعنوان الرسالة للإيذان بأن دعوتَه عليه السلام كانت بطريق الرسالةِ من جهته سبحانه إشباعاً في توبـيخ المنهزمين {فِى أُخْرَاكُمْ} في ساقتكم وجماعتِكم الأخرى {فَأَثَـٰبَكُمْ} عطفٌ على صرفَكم أي فجازاكم الله تعالى بما صنعتم {غَمّاً} موصولاً {بِغَمّ} من الاغتمام بالقتل والجرْحِ وظَفَرِ المشركين والإرجافِ بقتل الرسولِ صلى الله عليه وسلم وفوْتِ الغنيمة، فالتنكيرُ للتكثير أو غماً بمقابلة غمٍّ أذَقْتموه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعِصيانكم له {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ} أي لتتمرَّنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزَنوا على نفعٍ فاتَ أو ضُرٍّ آتٍ، وقيل: لا زائدة والمعنى لتتأسفوا على ما فاتكم من الظفَر والغنيمةِ وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمةِ عقوبةً لكم. وقيل: الضميرُ في أثابكم للرسول صلى الله عليه وسلم أي واساكم في الاغتنام فاغتمّ بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه، ولم يُثرِّبْكم على عِصيانكم تسليةً لكم وتنفيساً لكم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر وما أصابكم من الجراح وغيرِ ذلك {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي عالمٌ بأعمالكم وبما أردتم بها. {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ} عطفٌ على قوله تعالى: {فَأَثَـٰبَكُمْ} [آل عمران، الآية: 153]، والخطابُ للمؤمنين حقاً {مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ} أي الغمِّ المذكور، والتصريحُ بتأخُّر الإنزالِ عنه مع دَلالة {ثُمَّ} عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البـيانِ وتذكيرِ عِظَم النعمةِ كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ } تفسير : [النحل، الآية 119] الآية، {ءامِنَةً} أي أمناً نُصب على المفعولية، وقوله تعالى: {نُّعَاساً} بدلٌ منها أو عطفُ بـيانٍ وقيل: مفعولٌ له أو هو المفعول وأمنةً حالٌ منه متقدمةٌ عليه أو مفعول له حالٌ من المخاطبـين على تقدير مضافٍ أي ذو أمنةٍ أو على أنه جمعُ آمن كبارّ وبرَرَة وقرىء بسكون الميم كأنها مرّةٌ من الأمنِ، وتقديمُ الظرفين على المفعول الصريحِ لِمَا مر غيرَ مرةٍ من الاعتناء بشأن المقدّمِ والتشويقِ إلى المؤخر، وتخصيصُ الخوفِ من بـين فنونِ الغمِّ بالإزالة لأنه المهمُّ عندهم حينئذ لما أن المشركين لما انصرفوا كانوا يتوّعدون المسلمين بالرجوع فلم يأمنوا كرَّتَهم وكانوا تحت الحَجَفِ متأهّبـين للقتال فأنزل الله تعالى عليهم الأمنةَ فأخذهم النعاسُ. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمنَّهم يومئذ بنعاس تغشّاهم بعد خوفٍ وإنما ينعَسُ من أمِنَ، والخائفُ لا ينام. وقال الزبـير رضي الله عنه: كنت مع النبـي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوفُ فأنزل الله علينا النومَ والله إني أسمع قولَ مُعتبِ بنِ قشير والنعاسُ يغشاني ما أسمعه إلا كالحُلُم يقول: لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قُتلنا هٰهنا. وقال أبو طلحةَ رضي الله عنه: «رفعتُ رأسي يومَ أحُدٍ فجعلتُ لا أرى أحداً من القوم إلا وهو يَميدُ تحت حَجَفَتِه من النعاس». قال: «وكنتُ ممن أُلقِيَ عليه النعاسُ يومئذ فكان السيفُ يسقُط من يدي فآخذُه ثم يسقُط السَّوْطُ من يدي فآخُذه»، وفيه دِلالةٌ على أن من المؤمنين من لم يُلْقَ عليه النعاسُ كما ينبىء عنه قوله عز وجل: {يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ} قال ابن عباس: هم المهاجرون وعامةُ الأنصار ولا يقدَح ذلك في عموم الإنزالِ للكل، والجملةُ في محل النصب على أنها صفةٌ لنعاساً، وقرىء بالتاء على أنها صفة لأمَنةً، وفيه أن الصفةَ حقُّها أن تتقدم على البدل وعطفِ البـيان وأن لا يُفصل بـينها وبـين الموصوفِ بالمفعول له، وأن المعهودَ أن يحدُث عن البدل دون المُبدلِ منه {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي أوقعتهم في الهموم والأحزانِ، أو ما بهم إلا همُّ أنفسِهم وقصدُ خلاصِها، من قولهم: همّني الشيءُ أي كان من هِمّتي وقصدي، والقصرُ مستفادٌ بمعونة المقامِ، {وَطَائِفَةٌ} مبتدأٌ وما بعدها إما خبرُها، وإنما جاز ذلك مع كونها نكرةً لاعتمادها على واو الحال كما في قوله: [الطويل] شعر : سرينا ونجمٌ قد أضاء فمذ بدا محياكِ أخفى ضوؤُه كلَّ شارقِ تفسير : أو لوقوعها في موضع التفصيل كما في قوله: [الطويل] شعر : إذا ما بكى من خلفها انصرَفَتْ له بشِقٍّ وشقُّ عندنا لم يُحَوَّلِ تفسير : وإما صفتُها والخبرُ محذوفٌ أي ومعكم طائفةٌ أو وهناك طائفةٌ، وقيل: تقديره ومنكم طائفةٌ، وفيه أنه يقتضي دخولَ المنافقين في الخطاب بإنزال الأمنةِ وأياً ما كان فالجملةُ إما حاليةٌ مبـيِّنةٌ لفظاعة الهولِ مؤكِّدةٌ لعِظَم النعمةِ في الخلاص عنه كما في قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } تفسير : [العنكبوت، الآية 67] وإما مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبـيان حالِ المنافقين وقوله عز وجل: {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ} حال من ضمير أهمتْهم أو من طائفةٌ لتخصصها بالصفة، أو صفةٌ أخرى لها أو خبرٌ بعد خبرٍ أو استئنافٌ مبـينٌ لما قبله وقوله تعالى: {غَيْرَ ٱلْحَقّ} في حُكم المصدرِ أي يظنون به تعالى غيرَ الظنِّ الحقِّ الذي يجب أن يُظنَّ به سبحانه، وقوله تعالى: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} بدلٌ منه وهو الظنُّ المختصُّ بالملة الجاهليةِ والإضافة كما في حاتم الجودِ ورجلِ صِدْقٍ وقوله تعالى: {يَقُولُونَ} بدلٌ من يظنون لما أن مسألتَهم كانت صادرةً عن الظن أي يقولون لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ} أي من أمر الله ووعدِه من النصر والظفَرِ {مِن شَىْء} أي من نصيب قط أو هل لنا من التدبـير من شيء؟ وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} أي إن الغلبةَ بالآخرة لله تعالى ولأوليائه فإن حزبَ الله هم الغالبون أو إن االتدبـيرَ كلَّه لله فإنه تعالى قد دبر الأمرَ كما جرى في سابق قضائِه فلا مردَّ له وقرىء كلُّه بالرفع على الابتداء وقوله تعالى: {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم} أي يُضمرون فيها أو يقولون فيما بـينهم بطريق الخُفية {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} استئنافٌ أو حال من ضمير يقولون وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ} الخ، اعتراضٌ بـين الحال وصاحبِها أي يقولون ما يقولون مُظْهِرين أنهم مسترشِدون طالبون للنصر مُبْطنين الإنكارَ والتكذيبَ، وقوله تعالى: {يَقُولُونَ} استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: أيَّ شيء يخفون؟ فقيل: يحدثون أنفسَهم أو يقول بعضُهم لبعض فيما بـينهم خُفيةً: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء} كما وعد محمد عليه الصلاة والسلام من أن الغلبةَ لله تعالى ولأوليائه وأن الأمرَ كلَّه لله أو لو كان لنا من التدبـير والرأيِّ شيءٌ {مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا} أي ما غُلبنا أو ما قُتل مَنْ قُتل منا في هذه المعركةِ على أن النفيَ راجعٌ إلى نفس القتلِ لا إلا وقوعه فيها فقط، ولما برحنا من منازلنا كما رآه ابنُ أُبـي ويؤيده تعيـينُ مكانِ القتلِ وكذا قوله تعالى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ} أي لو لم تخرُجوا إلى أُحُد وقعدتم بالمدينة كما تقولون {لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ} أي في اللوح المحفوظِ بسبب من الأسباب الداعيةِ إلى البروز {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} إلى مصارعهم التي قدَّر الله تعالى قتلَهم فيها وقُتلوا هنالك البتةَ ولم تنفَعِ العزيمةُ على الإقامة بالمدينة قطعاً، فإن قضاءَ الله تعالى لا يُرَدّ وحكمُه لا يُعقَّب، وفيه مبالغةٌ في رد مقالتِهم الباطلةِ حيث لم يُقتَصرْ على تحقيق نفسِ القتلِ كما في قوله عز وجل: {أية : أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ } تفسير : [النساء، الآية 78] بل عُيِّن مكانُه أيضاً، ولا ريب في تعيُّن زمانِه أيضاً لقوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} تفسير : [الأعراف، الآية 34] رُوي أن ملك الموتِ حضر مجلسَ سليمانَ عليه الصلاة والسلام فنظر إلى رجل من أهل المجلسِ نَظرةً هائلة فلما قام قال الرجلُ: من هذا؟ فقال سليمانُ عليه السلام: ملكُ الموتِ، قال: أرسِلْني مع الريح إلى عالم آخَرَ فإني رأيتُ منه مرأىً هائلاً فأمرها عليه السلام فألقتْه في قُطر سحيقٍ من أقطار العالم فما لبث أن عاد ملكُ الموتِ إلى سليمانَ عليه السلام فقال: كنت أُمِرْتُ بقبض روحِ ذلك الرجلِ في هذه الساعةِ في أرض كذا فلما وجدتُه في مجلسك قلت: متى يصِلُ هذا إليها وقد أرسلتَه بالريح إلى ذلك المكانِ فوجدتُه هناك فقُضي أمرُ الله عز وجل في زمانه ومكانِه من غير إخلالٍ بشيء من ذلك، وقرىء كَتَبَ على البناء للفاعل ونصبِ القتلُ، وقرىء كُتب عليهم القتالُ وقرىء لبُرِّز بالتشديد على البناء للمفعول {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ} أي ليعاملَكم معاملةَ مَنْ يبتلي ما في صدوركم من الإخلاص والنفاقِ ويُظهرَ ما فيها من السرائر، وهو علةٌ لفعل مقدرٍ قبلها معطوفةٌ على علل لها أخرى مطويةٍ للإيذان بكثرتها، كأنه قيل: فعلَ ما فعل لمصالحَ جمةٍ وليبتليَ الخ، وجعلُها عِللاً لبَرَز يأباه الذوقُ السليمُ فإن مقتضى المقامِ بـيانُ حكمةِ ما وقع يومئذ من الشدة والهولِ لا بـيانُ حِكمةِ البروزِ المفروضِ، أو لفعلٍ مقدرٍ بعدها أي وللابتلاء المذكورِ فعلَ ما فعل، لا لعدم العنايةِ بأمر المؤمنين ونحو ذلك، وتقديرُ الفعل مقدماً خالٍ عن هذه المزية. {وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ} من مخفيات الأمورِ ويكشِفَها أو يُخلِّصَها من الوساوس {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي السرائر والضمائرِ الخفيةِ التي لا تكاد تفارقُ الصدورَ بل تلازمها وتصاحبُها، والجملةُ إما اعتراضٌ للتنبـيه على أن الله تعالى غنيٌ عن الابتلاء، وإنما يُبرِز صورةَ الابتلاءِ لتمرين المؤمنين وإظهارِ حالِ المنافقين، أو حالٌ من متعلَّق الفعلين أي فَعل ما فَعل للابتلاء والتمحيصِ والحال أنه تعالى غنيٌ عنهما مُحيطٌ بخفيات الأمورِ، وفيه وعدٌ ووعيد.
القشيري
تفسير : قوله: {إِذْ تُصْعِدُونَ} الإشارة من هذه الآية لأقوام تقع لهم فترة، ودواعي الحق سبحانه - من أنفسهم، ومن جميع الأقطار حتى كأنّ الأحجارَ من الشوارع واللَّبِنَ من الجدران - تناديه: لا تفعل يا عبد الله! وهو مُصِرٌّ في ليِّه، مقيمٌ على غيِّه، جاحد لِمَا يعلم أنه هو الأحقُّ والأولى من حاله، فإذا قضى وطره واستوفى بهمته، فلا محالة يمسك من إرسال عنانه، ويقف عن ركضه في ميدانه، فلا يحصل إلا على أنفاس متصاعدة، وحسراتٍ متواترة؛ فأورثه الحقُّ - سبحانه - وحشةً على وحشة. حتى إذا طال في التحسُّر مقامه تداركه الحق - سبحانه - بجميل لطفه، وأقبل عليه بحسن عطفه، وأنقذه من ضيق أسره، ونقله إلى سعة عفوه وفضله، وكثيرٌ مِنْ هؤلاء يصلون إلى محل الأكابر ثم يقفون بالله لله (....) ويقومون بالله لله بلا انتظار تقريب ولا ملاحظة ترحيب. قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ}: فأهل التحقيق والتوحيد يصلون بعد فتراتهم إلى القول بتَرْكِ أنفسهم، وغَسلِ أيديهم منهم، ورفع قلوبهم عنهم فيعيشون بالله لله، بلا ملاحظة طمع وطلبة، بل على عقيدة اليأس عن كل شيء. عليه أكّدُوا العهد، وبدَّلُوا اللحظ، وتركوا كل نصيب وحظ، وهذه صفة مَنْ أنزل عليه الأمَنةَ. فأمَّا الطائفة التي أهمتهم أنفسهم - فبقوا في وحشة نفوسهم، ومِنْ عاجل عقوبتهم سوءُ عقيدتهم في الطريقة بعد إيمانهم بها؛ قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام: 110]. والإشارة في قوله تعالى: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} لهؤلاء أنهم يتحيَّرون في أمرهم فلا إقبال لهم على الصواب بالحقيقة، ولا إعراض بالكلية، يحيلون فترتهم على سوء اختيارهم، ويضيفون صفوة - لو كانت لقلوبهم - إلى اجتهادهم، وينسَوْن ربَّهم في الحالين، فلا يبصرون تقدير الحق سبحانه. قال تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ}: فَمَنْ عَرَفَ أن المنشئ الله انسلخ عن اختياره وأحواله كانسلاخ الشَّعْرِ عن العجين، وسَلَّمَ أموره إلى الله بالكلية. وأمارة مَنْ تحقق بذلك أن يستريح من كدِّ تدبيره، ويعيش في سعة شهود تقديره. وقوله: {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ}: لم يُخْلِصُوا في عقائدهم، وأضمروا خلاف ما أظهروا وأعلنوا غير ما ستروا، وأحالوا الكائنات على أسبابٍ توهموها. قال تعالى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ}. أخبر أن التقدير لا يُزَاحَم، والقَدَر لا يُكابَرَ، وأن الكائناتِ محتومة، وأن الله غالب على أمره. وقوله: {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ}: فأمّا أهل الحقائق فإنه تعالى ينتزع من قلوبهم كل آفةٍ وحجبة، ويستخلص أسرارهم بالإقبال والزلفة، فتصبح قلوبهم خالصةً من الشوائب، صافيةً عن العلائق، منفردةً للحق، مجرَّدَةً عن الخلق، مُحَرَّرة عن الحظِّ والنَّفْس، ظاهرةً عليها آثارُ الإقبال، غالباً عليها حُسْنُ التَوَلِّي، باديةً فيها أنوارُ التجلي.
اسماعيل حقي
تفسير : {اذ تصعدون} متعلق بصرفكم. والاصعاد الذهاب والابعاد فى الارض {ولا تلوون على احد} اى لا تلتفتون الى ما وراءكم ولا يقف واحد منك لواحد {والرسول يدعوكم} كان صلى الله عليه وسلم يدعوهم الىّ عباد الله انا رسول الله من يكرّ فله الجنة امرا بالمعروف ونهيا عن المنكر وهو الانهزام وترك قتال الكفار لا استعانة بهم {فى اخراكم} فى ساقتكم وجماعتكم الاخرى والمعنى انه عليه السلام كان يدعوهم وهو واقف فى آخرهم لان القوم بسبب الهزيمة قد تقدموه {فاثابكم} عطف على صرفكم اى فجازاكم الله بما صنعتم {غما} موصولا {بغم} من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والارجاف بقتل النبى صلى الله تعالى عليه وسلم او غما بمقابلة غم اذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما اصابكم} اى لتتمرنوا على الصبر فى الشدائد وتعتادوا تجرع الغموم فلا تحزنوا على نفع فات او ضرّ آت {والله خبير بما تعملون} اى عالم باعمالكم وبما قصدتم بها. واعلم ان الصبر واليقين والتوكل على الله والاتقاء عن ميل الدنيا وزخارفها ومخالفة الرسول مستلزم لامداد النصر والظفر والفشل والتنازع والميل الى الدنيا وعصيان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم موجب للابتلاء والصرف عن العدو فمن اراد النصرة على الاعداء الظاهرة والباطنة لا يسلك طريقا غير ما عينه الشارع ويرضى بالابتلاء ولا يغتم لآخرته بل يجد غم طلب الحق ألذ من نعيم الدنيا والآخرة ويصبر على مقاساة الشدائد فى باب الدين شعر : صبر آرد آرزورانى شتاب صبر كن والله اعلم بالصواب تفسير : قال ذو النون قدس سره العزيز ان أدنى منازل المريد أن الله تعالى لو ادخله النار واحاط به عذابه مع هذه الارادة لم يزدد قلبه الا حبا له وانسا به وشوقا اليه وكانت الجنة عنده اصغر فى جنب ارادته من خردلة بين السماء والارض فعلى السالك ان يذيق نفسه مرارة الطاعة ويدخلها فى باب التسليم ليكون عند الله مما له قدر وسبق ـ حكى ـ عن على كرم الله وجهه انه قال قلت لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابى بكر الصديق رضى الله عنه يا خليفة رسول الله بم بلغت هذه المنزلة حتى سبقتنا سبقا فقال بخمسة اشياء. اولها وجدت الناس صنفين مريد الدنيا ومريد العقبى فكنت انا مريد المولى. والثانى مذ دخلت فى الاسلام ما شبعت من طعام الدنيا لان لذة معرفة الله شغلتنى عن لذائذ طعام الدنيا. والثالث مذ دخلت فى الاسلام ما رويت من شراب الدنيا لان محبة الله شغلتنى عن شراب الدنيا. والرابع كلما استقبلنى عملان عمل الدنيا وعمل الآخرة اخترت عمل الآخرة على عمل الدنيا. والخامس صحبت النبى صلى الله عليه وسلم فاحسنت صحبته اقول ولذلك لم ينفك عن ملازمة صحبته ساعة حتى دخل معه فى الغار وقاسى ولم يهم بمخالفته اصلا كما وقع ذلك من بعض الصحابة كما فى المنهزمين شعر : كيست دانى صوفىء صافى زرنك تفرقه آنكه دارد روبيك رنكى درين كاخ دورنك نكسلد سررشته سرش زجانان كربفرض روبرو كيرد زيك سوشير وديكر سوبلنك تفسير : اوحى الله الى ابراهيم عليه السلام ان يا ابراهيم انت خليلى وانا خليلك فانظر فى ان لا تشغل سرك بغيرى وانا انظر فى سرك فأراه مشتغلا بغيرى فتقطع خلتى منك لان الصادق فى دعوى خلتى من لو احرق بالنار لم يجعل سره الى غيرى اجلالا لحرمتى لان كل سر انفصل ساعة عن مشاهدتى لا يصلح لمحادثتى ونظرى ثم قال له اسلم قال اسلمت لرب العالمين ثم ابتلاه حين رمى بالمنجنيق فى النار ولم يجزع على ما اصابه بل فوض امره الى الله حتى شرفه الله بالخلة وجعل النار له بردا وسلاما فحسن الرضى على ما جاء من عند الله يوصل العبد الى المقامات العلية والحالات السنية والعمدة هو التوحيد وبه تسهل قوة اليقين والوصول الى مقام الولاية. وسئل يحيى بن معاذ عن صفة الولى فقال الصبر شعاره والشكر دثاره والقرآن معينه والحكمه علمه والتوكل صابونه والفقر منيته والتقوى مطيته والغربة ملازمته والحزن رفيقه والذكر جليسه والله تعالى انيسه شعر : قوت روح اوليا ذكر حقست بيشه ايشان شكر مطلقست كرخبردارى زاسرار خدا روبراه ذكر وطاعت حقيا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إذْ}: ظرف لعفا، أو اذكر. وأصعد: أبعد في الأرض، وصعد: في الجبل، فالإصعاد: الذهاب في الأرض المستوية، والصعود: الارتقاء في العلو. وقرئ بهما معاً؛ لأنهما وقعا معاً، فمنهم من فرّ ذاهباً في الأرض، ومنهم من صعد إلى الجبل. و {لكيلا}: متعلق بأثابكم. يقول الحقّ جلّ جلاله: ولقد عفا عنكم حين كنتم {تُصْعِدُون} عن نبيه - عليه الصلاة والسلام -، منهزمين عنه، تبعدون عنه، {ولا تلوون على أحد} أي: لا يلتفت بعضكم إلى بعض، ولا ينتظر بعضكم بعضاً، {والرسول} محمد صلى الله عليه وسلم {يدعوكم في أخراكم} أي: في ساقتكم، يقول:"حديث : إليَّ عباد الله، أنا رسول الله، من يكرُّ فله الجنة"تفسير : ، وفيه مدح للرسول صلى الله عليه وسلم بالشجاعة والثبات، حيث وقف في آخر المنهزمين، فإن الآخر هو موقف الأبطال، والفرار في حقه صلى الله عليه وسلم محال. {فأثابكم} أي: فجازاكم على ذلك الفرار، {غمّاً}؛ وهو ظهور المشركين عليكم وقتل إخوانكم، بسبب غم أوصلتموه للنبيّ صلى الله عليه وسلم بعصيانه والفرار عنه، وقدَّر ذلك {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من الغنيمة، {ولا} على {ما أصابكم} من الجرح والهزيمة، لأن من استحق العقوبة والأدب لا يحزن على ما فاته ولا على ما أصابه؛ إذ جريمته تستحق أكثر من ذلك، يرى ما نزل به بعض ما يستحقه، فيهون عليه أمر ما نزل به أو ما فاته من الخير. أو يقول: {فأثابكم غمّاً} متصلاً {بغم}؛ فالغم الأول: ما فاتهم من الظفر والغينمة، والثاني: ما نالهم من القتل والهزيمة، أو الأول: ما أصابهم من القتل والجراح، والثاني: ما سمعوا من الإرجاف بقتل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذلك ليتمرنوا على المحن والشدائد حتى لا يجزعوا من شيء، وبذلك وصفهم كعب بن زهير في لاميته، حيث قال: شعر : لاَ يَفْرَحُونَ إِذا نَالَتْ رِماحُهُمْ وَلَيْسُوا مجازيعاً إذا نِيلُوا تفسير : فإن المتمرّن على المصائب المتعوّد عليها يهون عليها أمرها، فلا يحزن على ما أصابه ولا ما فاته، {والله خبير بما تعملون} وبما قصدتم، فيجازيكم على ذلك. الإشارة: ما زال الدعاة إلى الله من أهل التربية النبوية يدعون الناس إلى الله، ويعرفونهم بالطريق إلى الله، يبنون لهم الطريق إلى عين التحقيق، والناس يبعدون عنهم ويفرّون منهم، وهم في أخراهم يقولون بلسان الحال أو المقال: يا عباد الله، هلم إلينا نعرفُكم بالله، وندلكم على الله، فلا يلوي إليهم أحد ولا يلتفت إليهم بشر، إلا من سبقت له العناية، وأراد الحق تعالى أن يوصله إلى درجة الولاية، "سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه"، فأثابهم على الفرار غم الحجاب، متصلاً بغم الأسباب، فلا يحزنوا على ما فاتهم من المعرفة؛ إذ لم يعرفوا قدرها، ولا على ما أصابهم من الغفلة والبطالة، إذ لم يتفطنوا لها {والله خبير بما تعملون} يا معشر العباد، من التودد أو العناد. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : القراءة، والحجة، واللغة، والمعنى: التقدير اذكروا {إذ تصعدون} ويجوز أن يكون متعلقاً بقوله: {ولقد عفا عنكم.. إذ تصعدون}، والقراء كلهم على ضم التاء من الاصعاد. وقرأ الحسن بفتح التاء والعين من الصعود، وقيل: الاصعاد في مستوى الارض، والصعود في ارتفاع يقال أصعدنا من مكة إذا ابتدأنا السفر منها وكذلك أصعدنا من الكوفة إلى خراسان على قول الفراء، والمبرد، والزجاج. ووجه ذلك أن الاصعاد إبعاد في الارض كالابعاد في الارتفاع، وعلى ذلك تأويل {تصعدون} أي أصعدوا في الوادي يوم أحد عن قتادة، والربيع. وقال ابن عباس والحسن انهم صعدوا في أحد في الجبل فراراً، فيجوز أن يكون ذلك بعد أن أصعدوا في الوادي. وقوله {ولا تلوون على أحد} معناه لا تعرجون على أحد. وقوله: {والرسول يدعوكم في أخراكم} قال ابن عباس والسدي، والربيع: إن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يدعوهم، فيقول: ارجعوا أي عباد الله ارجعوا أنا رسول الله. وقوله: {فأثابكم غماً بغم} في معناه قولان: أحدهما - إنه إنما قيل في الغم ثواب، لأن أصله ما يرجع من الجزاء على الفعل طاعة كان أو معصية ثم كثر في جزاء الطاعة كما قال الشاعر: شعر : واراني طرباً في إثرهم طرب الواله أو كالمختبل تفسير : فعلى هذا يكون الغم عقوبة لهم على فعلهم، وهزيمتهم. والثاني - أن يكون وضع الشيء مكان غيره كما قال {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : أي ضعه موضع البشارة، كما قال الشاعر: شعر : أخاف زياداً أن يكون عطاؤه اداهم سودا او محدرجة سمرا تفسير : أراد بقوله سودا قيودا. وقيل في معنى قوله: {غماً بغم} قولان: أحدهما - غماً على غم، كما يقال: نزلت ببني فلان وعلى بني فلان. وقال قتادة، والربيع: الغم الأول: القتل والجراح. والثاني: الارجاف بقتل محمد (صلى الله عليه وسلم). والقول الثاني - غماً بغم أي مع غم كما يقال: ما زلت بزيد حتى فعل أي مع زيد. وقال الحسن غما يوم أحد بعد غم يعني يوم بدر. أي كله للاستصلاح وان احتلف الحال. وقال الحسين بن علي المغربي: معنى {غماً بغم} يعني غم المشركين بما ظهر من قوة المسلمين على طلبهم على حمراء الاسد، فجعل هذا الغم عوض غم المسلمين بما نيل منهم. وقوله: {لكيلا تحزنوا على مافاتكم} معناه ما فاتكم من الغنيمة {ولا ما أصابكم} من الهزيمة في قول ابن زيد. واللام في قوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله: {عفا عنكم} {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} ويحتمل أن يتعلق ب {أثابكم غماً بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} من الغنيمة ولا ما أصابكم من الشدة في طاعة الله، لأن ذلك يؤديكم إلى مضاعفة الغم عليكم. وقوله: {والله خبير بما تعملون} فيه تجديد تحذير بأنه لا يخفى عليه شئ من أعمال العباد.
الجنابذي
تفسير : {إِذْ تُصْعِدُونَ} على الجبل فى فراركم او فى وجه الارض فانّ الاصعاد الذّهاب فى الصعيد وهو وجه الارض والصعود بمعنى الارتقاء والظّرف متعلّق بصرفكم او بيبتليكم او مفعول لذكرهم مقدّراً منقطعاً عمّا قبله {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} لا تنظرون على اعقابكم فى فراركم لشدّة خوفكم {وَٱلرَّسُولُ} والحال انّ الرّسول {يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} فى جماعتكم المتأخّرة اى فى اعقابكم كان يقول: الىّ عباد الله الىّ عباد الله انا رسول الله {فَأَثَابَكُمْ} اى جازاكم الرّسول او الله {غَمّاً} هو القتل موصولاً {بِغَمٍّ} هو المغلوبيّة والفرار او غمّاً هو الفرار والقتل موصولاً بغمّ هو الارجاف بقتل الرّسول (ص) او غموماً متتالية هى القتل والهزيمة والارجاف والجرح فانّ هذه الكلمة قد تستعمل فى الكثرة المتتالية، او اثابكم غمّاً هو الهزيمة والارجاف والقتل بدل غمٍّ او بسبب غمٍّ اصاب الرّسول (ص) حين خلافكم قوله (ص) وعدم ثباتكم فى مراكزكم {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} بعد ذلك يعنى انّ اثابة الغمّ على ترك امر الرّسول (ص) واذاقة مرارة الهزيمة والقتل ليكون ذلك فى ذكركم فلا تخالفوا بعد ذلك امر الرّسول (ص) لعرض الدّنيا ولا تحزنوا على ما تصوّرتم فواته من الغنيمة {وَلاَ} على {مَآ أَصَابَكُمْ} من الشّدائد فى سبيل الله فانّ البليّة اذا كانت فى طاعة الله وطاعة رسوله لم تؤثّر اثراً بل تلذّ لبعض، او المعنى اثابكم غمّاً بغمٍّ ليستكملكم بذلك فلا تحزنوا بعد الاستكمال على ما فاتكم، او المعنى ليشغلكم حزنكم على مخالفة امر النّبىّ (ص) عن الحزن على ما فاتكم {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} فيجازيكم على اعمالكم على حسب مصالحكم، وفيه ترغيب فى الطّاعة وترهيب عن المعصية.
فرات الكوفي
تفسير : {إذْ تُصْعِدون وَلا تَلْوون عَلى أحَدٍ والرسول يدعوكم153} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد [ر،خ: أحمد] بن يوسف معنعناً: عن الحسن قال: سمعت عبد الله بن عباس رضي الله عنه يقول: حديث : حين انجفل عنه يوم أحد في قوله [تعالى. ر]: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم} فلم يبق معه من الناس غير علي بن أبي طالب عليه السلام ورجل من الأنصار فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي قد صنع الناس ما ترى! فقال: لا والله يا رسول الله لا أسأل عنك [ر، أ: أسألك] الخبر من وراء فقال له النبي [أ، ب: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما [لا. ر] فاحمل على هذه الكتيبة، فحمل عليها ففضها، فقال جبرئيل عليه السلام يا رسول الله إن هذه لهي المواساة فقال رسول الله [ر: النبي] [صلى الله عليه وآله وسلم. أ]: إني منه وهو مني. فقال جبرئيل [عليه السلام. ر]: وأنا منكما . تفسير : ثم أقبل وقال: ما صنعت ما حدثت بهذا الحديث منذ سمعته عن ابن عباس رضي الله عنه مع حديث آخر سمعته في علي بن أبي طالب عليه السلام، وما حدثت بهذين الحديثين منذ سمعتهما وما أخبر [ب: أقر. ر: اقبر] لأحدٍ من الناس أن يكون أشد حباً لعلي مني ولا أعرف بفضله مني ولكني أكره أن يسمع هذا مني هؤلاء الذين يغلون [ر، أ: يعلمون] ويفرطون فيزدادوا شراً. فلم أزل به أنا وأبو خليفة صاحب منزلة يطلب إليه حتى أخذ علينا أن لا نحدث به ما دام حياً فأقبل فقال: حدثني عبد الله بن عباس رضي الله عنه إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا علياً فقال: حديث : يا علي احفظ عليّ الباب فلا يدخلنّ أحد اليوم فإن ملائكة من ملائكة الله استأذنوا ربهم أن يتحدثوا إليّ [أ: لي] اليوم إلى الليل فاقعد. تفسير : فقعد علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] على الباب فجاء عمر بن الخطاب فردّه ثم جاء وسط النهار فرده ثم جاء عند العصر فردّه وأخبره أنه قد استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستون وثلاثمائة ملك!. فلما أصبح عمر غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بما قال علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [علياً. أ] فقال: حديث : "وما علمك [ب: أعلمك] أنه قد استأذن علي ثلاثمائة وستون ملك؟ فقال: والذي بعثك بالحق ما منهم [ب: من] ملك استأذن عليك إلا وأنا أسمع صوته بأذني واعقد بيدي حتى عقدت ثلاثمائة وستون [أ، ب: ستين وثلاثمائة. قال: صدقت يرحمك الله". حتى أعادها رسول الله ثلاثاً [ر: ثلاث (مرات)] .
اطفيش
تفسير : {إِذْ تُصْعِدُونَ}: تبعدون بالذهاب، فى الصعيد وهو ما على وجه الأرض من تراب أو حجارة، أو جبل يقال أصعد من مكة إلى المدينة، وإذ متعلق بصرفكم، أو بيبتليكم، أو بعفا وهو أقرب لفظاً، قيل: أو بعصيتم أو تنازعتم، أو فشلتم وفيه بعد اللفظ، وما بينه وبين متعلقه معترض أو مفعول فبأى اذكره، وإذ تصعدون، أو متعلق بمحذوف، والمحذوف مفعول، أى اذكروا الحادث إذ تصعدون. وقرأ الحسن: تصعدون بفتح التاء والعين، من صعد على الجبل ونحوه إذا رقا، وذلك أنهم لما انهزموا رقوا على أحد هرباً فى قول بعض، ويدل لقراءة الجمهور قراءة أبى: إذ تصعدون فى الوادى، كما قرأ ولكن زاد فى الوادى فبان أن المراد ذهبوا فى الأرض، وبعدوا وذلك هرب عند الهزيمة، وقرأ أبو حياة: تصعدون بفتح التاء، والصاد وتشديد العين مفتوحة، على أن الأصل تتصعدون، فحذفت أحد التاءين وهو من الصعود، فى الجبل والسلم، ونحو ذلك، والمراد هنا الجبل، ويجمع بين القراءة بأن بعضاً رقى الجبل وبعضاً فر فى الأرض، قال أبو معاذ النحوى: كل شىء له أعلى وأسفل مثل الوادى يقال فيه أصعد إذا انحدر من أعلاه إلى أسفله، وإذا ارتفع كالمرتقى على السلم يقال فيه صعد. {وَلاَ تَلْوُونَ}: عطف أو حال من واو تصعدون. {عَلَى أحَدٍ}: أى لا تلوون أجسادكم لأجل أحد، من قوله: لويت الشىء إذا عطفته، وعلى التعليل أى لا ترجعون إلى عدوتكم، ولا إلى مسلم تتعدونه، ولا يلتفت بعضكم إلى بعض، وذلك كله لشدة الهرب أو هو من قولك لوى على الشىء بمعنى أقام عليه، وقرأ حميد بن قيس على أحد بضم الهمزة والحاء وهو الجبل يريد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على الجبل المسمى بأحد، ولم يلووا عليه، ولم أعرف أنه صعد جبل أحد يومئذ، فكيف يصعده فى ذلك الوقت؟ وقيل أنه صعده بعد ما فر الناس. وقرأ: يصعدون ولا يلوون بالياء التحتية فيهما بضم الياء فى الأول وكسر العين على معنى أن الله تفضل على المؤمنين بالنصر إذ ذهب الكفار وبعدوا، أى فى الأرض منهزمين لا يرجعون إليكم ولا إلى من خلفوه من رجالهم، ونسائهم، وأموالهم وذلك أول أمر قتال أحد قبل انتقال الرماة، وعلى هذا قالوا: وفيهما للمشركين، وإذ تتعلق بفضل وعلى هذا يكون قوله: الرسول يدعوكم حالا، من كاف صرفكم، وقراءة الجمهور أولى، وقرأ الحسن: تلون بواو واحدة. {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَاكُمْ}: حال من واو تصعدون، أو واو تلوون فى قراءة الجمهور، أى يدعوكم حال كونه فى أخراكم، أى فى جماعتكم الأخيرة التى من ورائكم، أو متعلق بيدعو، ثم رأيت القاضى قال: فى ساقتكم، أو جماعتكم الأخرى، يعنى الأخيرة وذلك أن الناس هربوا وبقى وراءهم يدعوهم ليرجعوا للقتال، وليعلموا أنه لم يمت ويقول إلىّ عباد الله، إلى عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة، وكرر ذلك حتى خص الأنصار، فقال: يا أنصار الله أنا رسول الله، فتراجعت الأنصار والمؤمنون، ولعله لم يرد خصوص الأوس والخزرج المؤمنين، بل أرادهم والمهاجرين وسائر المؤمنين، إذ هم أنصار الله، وفى قوله تعالى: {فى أخراكم} مدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن ذلك موقف الأبطال إذ فر الناس قال سلمه بن الأكوع والعباس وغيرهما، كنا إذا احمر البأس اتقيناه برسول الله، صلى الله عليه وسلم. {فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ}: أى الله أى جازاكم على فشلكم، وتنازعكم وعصيانكم، غما مع غم أو مقروناً بغم، فإن الجزاء والثواب فى الخير والشر ولو اختصا فى العرف بالخير، ويجوز أن يكون ذلك تهكماً بهم، إذ خالفوا فهزموا والعطف على صرفكم، والباء بمعنى مع أو للإلصاق المجازى، أى مقروناً بغم، وتعلق بمحذوف نعت {لغما} المراد غموم كثيرة، لا غمان، وهى غم القتل، وغم الجرح، وغم ظفر المشركين، وغم الإرجاف بموت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وغم فوت الغنيمة، وغم فوت الظفر. وقيل: الباء للسببية، تتعلق بأثاب أن المعنى أثابكم بما ذكر كله بسبب غم، أذقتموه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بعصيانكم له وكذا أذقتموه من لم يفشل، ولم يعص ولم ينازع بباطل من المؤمنين، وقيل: الباء بمعنى مع أو للإلصاق المجازى، لكن غمان فقط، قال الكلبى: الأول إشراف خالد مع خيل المشركين عليهم، والثانى أنهم اغتموا حين نظروا أبا سفيان وأصحابه مجتمعين بباب الشعب بعد الفراغ من القتال، خافوا أن يميل عليهم أبو سفيان، وقيل: الأول فوت الظفر والغم، والثانى القتل والهزيمة، وقال مجاهد وقتادة: الأول أنهم سمعوا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم قتل، والثانى القتل والجرح، وقيل: بالعكس، فأنساهم موته الغم الأول وقيل الضمير المستكن فى أثاب عائد إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمعنى سلواكم فى الاغتمام، لأنه اغتم بعصيانهم بالمخالفة مع حرمانهم من الغنيمة، وبقتل أقاربهم وجرحهم، واغتموا بما سمعوا من موته، وموت عمه حمزة وشجه، وكسر رباعيته. {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ}: بعد من نفع كغنيمة ونصر. {وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ}: من ضر بعد كقتل وجرح وذل، وقيل: على ما فاتكم أو أصابكم فى تلك الواقعة، وقد مر أن سماعهم بموته، صلى الله عليه وسلم، أنساهم غيره، مما اغتموا به، واللام متعلق بقوله {أثابكم غما بغم} ووجه كو إثابة الغم بالغم علة لزوال الحزن أنهم يعتادوا لذلك، وقيل: متعلق بعفا، فإن عفو الله يزيل كل غم، وقيل: لا صلة للتأكيد فى الموضعين واللام متعلق بأثاب أى لتحزنوا على ما فاتكم من الظفر والغم، وما أصابكم من جرح وهزيمة عقاباً لكم. {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}: بعملكم أو بما تعملونه، وبقصدكم فيجازيكم بذلك.
اطفيش
تفسير : {إذْ تُصْعِدُونَ} اذكر إذ تصعدون، أو عصيتم إذ تصعدون، أو تنازعتم إذ تعصدون، أو فشلتم إذ تصعدون، أو لقد عفا عنكم إذ تصعدون، أو ذو فضل عَلَى المؤمنين إذ تصعدون، أنا خصصنا المؤمنين بالمنهزمين، والاصعاد الإبعاد فى الأرض والذهاب فيها هاربين، كقولك أعرق بمعنى دخل العراق، أو إذ تصعدون الجبل حين ضايقكم العدو، لا مانع من خطابين بلا عطف، لأن الخطاب فى تصعدون شامل له أيضا، كقولك: إذكر يا زيد وقت جئت أنت وعمرو فأكرمتكما ولا مخالفة للظاهر، وذلك كقوله تعالى: {أية : يا أيها النبى إذا طلقتم النساء} تفسير : [الطلاق: 1]، أى طلقت أنت وأصحابك {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ} لا تقيمون لأحد من أصحابكم ليلتحق بكم، أو لتردوا عنه، ولو فى هذا المعنى لا يستعمل إلا فى النفى {وَالرَّسُولُ} قبل أن يعرفه كعب بن مالك، ونادى هذا رسول الله، وقال له اسكت، وقد مر {يَدْعُوكُم} لتجتمعوا عنده ولا تفرقوا ولتجاهدوا {فِى أُخْرَاكُمْ} من ورائكم، إلىَّ عباد الله، إلىَّ عباد الله، من يكر فله الجنة، من صبروا احتسب فله الجنة، أى من آخركم، أو فى جماعتكم الأخرى أى الآخرة {فَأَثَابَكُمْ} جازاكم والثواب فى اللغة الجزاء ولو بشر، ولو خص فى العرف بخير، حتى قيل إنه هنا تهكم {غَمَّا} بالهزيمة والجراح والقتل، وفوت الغنيمة والإرجاف بموت النبى صلى الله عليه وسلم، وهو غم كثير متكرر {بِغَمٍّ} بسبب غمكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل وقف عليهم بباب الشعب أبو سفيان، فخافوا أن يقتلهم خوفاً أنساهم قتل من قتل من قبل، قيل: بمخالفة المركز والتفرق عنه، أو غما مع غم أى متكرراً كثيراً لا غمين فقط {لِكَيْلاَ تحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من الغنيمة والغلبة {وَلآ مَآ أصَابَكُمْ} ولا على ما أصابكم من القتل فى أقاربكم وأصحابكم والهزم، والمعنى لتمهدوا أنفسكم بعد على الصبر فى الشدائد، من فوت نفع، أو لخوف ضر وعلى أن الدنيا دول، كما فرحتم ببدر وحزنتم باحد، ولا دليل على زيادة لا فى الموضعين هكذا لتحزنوا على ما فاتكم، وعلى ما أصابكم، ولا دليل على أن ضمير أثاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أى اقتدى بكم فى الإغمام بما نزل عليكم، كما أغتممتم بما نزل عليه ولم يعاتبكم على مخالفة المركز تسلية لكم، كى لا تحزنوا على ما فاتكم ولا على ما أصابكم، وذلك بأنهم لما رأوه مشجوجا مكسور الرباعية مقتول العم اغتموا لأجله، ورآهم عصوا بالمخالفة وحرموا من الغنيمة وقتلت أقاربهم وأصحابهم وهزموا اغتم {وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من نية وقصد قول وعمل الجوارح، والجزاء على ذلك، قال ابن عمر: فر عثمان يوم أحد وعفا الله عنه وعن من فر معه ولم يحضر بدراً لأمره صلى الله عليه وسلم بأن يقيم مع زوجه لمرضها، وهى بنته صلى الله عليه وسلم، وقال: لك أجر من شهد وسهمه، ولم يحضر بيعة الرضوان لوقوعها بعد ما أرسله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، وقد ضرب بيمناه بدلا عن بيعة عثمان.
الالوسي
تفسير : {إِذْ تُصْعِدُونَ } متعلق بصرفكم أو بيبتليكم وتعلقه ـ بعفا ـ كما قال الطبرسي: ليس بشيء، ومثله تعلقه كما قال أبو البقاء، بعصيتم؛ / أو تنازعتم أو فشلتم، وقيل: متعلق بمقدر كاذكر، واستشكل بأنه يصير المعنى اذكر يا محمد إذ تصعدون وفيه خطابان بدون عطف، فالصواب اذكروا. وأجيب بأن المراد ـ باذكر ـ جنس هذا الفعل فيقدر ـ اذكروا ـ لا أذكر، ويحتمل أنه من قبيل {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنّسَاءَ } تفسير : [الطلاق: 1] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، وأجاب الشهاب بأن أذكر متضمن لمعنى القول، والمعنى قل لهم يا محمد حين يصعدون الخ ومثله لا منع فيه كما تقول لزيد: أتقول كذا فإن الخطاب المحكي مقصود لفظه فلا ينافي القاعدة المذكورة وهم غفلوا عنه فتأمل، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر أيضاً، والإصعاد الذهاب والإبعاد في الأرض، وفرق بعضهم بين الإصعاد والصعود بأن الإصعاد في مستوى الأرض والصعود في ارتفاع، وقيل: لا فرق بين أصعد وصعد سوى أن الهمزة في الأول للدخول نحو أصبح إذا دخل في الصباح والأكثرون على الأول، وقرأ الحسن فيما أخرجه ابن جرير عنه {تُصْعِدُونَ } بفتح التاء والعين، وحمله بعضهم على صعود الجبل، وقرأ أبو حيوة {تُصْعِدُونَ } بفتح التاء وتشديد العين وهو إما من تصعد في السلم إذا رقى أو من صعد في الوادي تصعيداً إذا انحدر فيه، فقد قال الأخفش: أصعد في الأرض إذا مضى وسار وأصعد في الوادي وصعد فيه إذا انحدر، وأنشد:شعر : فإما تريني اليوم مزجي ظعينتي (أصعد) طوراً في البلاد وأفرع تفسير : وقال الشماخ:شعر : فإن كرهت هجائي فاجتنب سخطي لا يدهمنك إفراعي (وتصعيدي) تفسير : وورد عن غير واحد أن القوم لما امتحنوا ذهبوا فراراً في وادي أحد، وقال أبو زيد: يقال: صعد في السلم صعوداً وصعد في الجبل أو على الجبل تصعيداً ولم يعرفوا فيه صعد، وقرأ أبـيّ {إِذْ تُصْعِدُونَ } في الوادي وهي تؤيد قول من قال: إن الإصعاد الذهاب في مستوى الأرض دون الارتفاع، وقرىء ـ يصعدون ـ بالياء التحتية وأمر تعلق إذ باذكر عليه ظاهر. {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ } أي لا تقيمون على أحد ولا تعرجون وهو من لوى بمعنى عطف وكثيراً ما يستعمل بمعنى وقف وانتظر لأن من شأن المنتظر أن يلوي عنقه، وفسر أيضاً بلا ترجعون وهو قريب من ذلك، وذكر الطبرسي أن هذا الفعل لا يذكر إلا في النفي فلا يقال لويت على كذا، وقرأ الحسن (تلون) بواو واحدة بقلب الواو المضمومة همزة وحذفها تخفيفاً. وقرىء {تَلْوُونَ } بضم التاء على أنه من ألوى لغة في لوى، ويلوون بالياء كيصعدون، قال أبو البقاء ويقرأ {عَلَىٰ أَحَدٍ } بضمتين ـ وهو الجبل ـ والتوبيخ عليه غير ظاهر، ووجهه بعضهم بأن المراد أصحاب أحد أو مكان الوقعة، وفيه إشارة إلى إبعادهم في استشعار الخوف وجدهم في الهزيمة حتى لا يلتفتون إلى نفس المكان. {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِى أُخْرَٰكُمْ} أي يناديكم في ساقتكم أو جماعتكم الأخرى أو يدعوكم من ورائكم فإنه يقال: جاء فلان في آخر الناس وأخرتهم وأخراهم إذا جاء خلفهم، وإيراده عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة للإيذان بأن دعوته صلى الله عليه وسلم كانت بطريق الرسالة من جهته تعالى مبالغة في توبيخ المنهزمين، روي أنه صلى الله عليه وسلم كان ينادي حديث : إليّ عباد الله إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة تفسير : وكان ذلك حين انهزم القوم وجدوا في الفرار قبل أن يصلوا إلى مدى لا يسمع فيه الصوت فلا ينافي ما تقدم عن كعب بن مالك أنه لما عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ونادى بأعلى صوته يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم / أشار إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام أن أنصت لأن ذلك كان آخر الأمر حيث أبعد المنهزمون، والجملة في موضع الحال. { فَأَثَـٰبَكُمْ } عطف على {أية : صَرَفَكُمْ}تفسير : [آل عمران: 152] والضمير المستتر عائد على الله تعالى، والتعبير بالإثابة من باب التهكم على حد قوله:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : أو أنها مجاز عن المجازاة أي فجازاكم الله تعالى بما عصيتم {غَمّاً بِغَمّ } أي كرباً بكرب والأكثرون على أنه لا فرق بين الغم والحزن، والباء إما للمصاحبة والظرف مستقر أي جازاكم غماً متصلاً بغم؛ والغم الأول: ما حصل لهم من القتل والجرح وغلبة المشركين عليهم، والغم الثاني: ما حصل لهم من الإرجاف بقتل النبـي صلى الله عليه وسلم وفوت الغنيمة، وإلى هذا ذهب قتادة والربيع. وقيل: الغم الثاني إشراف أبـي سفيان وأصحابه عليهم وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصخرة وحكي ذلك عن السدي، وقيل: المراد مجرد التكثير أي جازاكم بغموم كثيرة متصل بعضها ببعض، وإما للسببية والظرف متعلق ـ بأثابكم ـ والغم الأول للصحابة رضي الله تعالى عنهم بالقتل نحوه، والغم الثاني للرسول صلى الله عليه وسلم بمخالفة أمره أي أثابكم غماً بسبب غم أذقتموه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعصيانكم له ومخالفتكم أمره، وقال الحسن بن علي المغربـي: الغم الأول للمشركين بما رأوا من قوة المسلمين على طلبهم وخروجهم إلى حمراء الأسد، والغم الثاني للمؤمنين بما نيل منهم أي فجازاكم بغم أعدائكم المشركين بسبب غم أذاقوه إياكم، وقيل: الباء على هذا للبدل وكلا القولين بعيد، والعطف عليه غير ظاهر وأبعد من ذلك ما روي عن الحسن أن الغم الأول للمؤمنين بما أصابهم يوم أحد، والغم الثاني للمشركين بما نالهم يوم بدر، والمعنى فجازاكم غماً يوم أحد بالقتل والجرح بسبب غمّ أذقتموه المشركين يوم بدر كذلك، واعترض عليه بأن ما لحق المشركين يوم بدر من جهة المسلمين إنما يوجب المجازاة بالكرامة دون الغم، وقيل الضمير المستكن في أثابكم للرسول صلى الله عليه وسلم، وأثابكم بمعنى آساكم أي جعلكم أسوة له متساويين في الحزن فاغتم صلى الله عليه وسلم بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثربكم على عصيانكم تسلية لكم وتنفيساً عنكم، واعترض عليه بأنه خلاف الظاهر للزوم التفكيك على تقدير أن يكون العطف على {أية : صَرَفَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 152] وعدم ظهور الترتب إلا بتكلف إن كان العطف على {يَدْعُوكُمْ } نعم التعليل عليه بقوله تعالى: {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَـٰبَكُمْ } ظاهر إذ المعنى آساكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر ولا ما أصابكم من الشدائد، وكذا على ما ذهب إليه المغربـي، وأما على الأوجه الأخر فالمعنى لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع ما فات أو ضر آت، وإنما احتيج إلى هذا التأويل لأن المجازاة بالغم إنما تكون سبباً للحزن لا لعدمه. وقيل: (لا) زائدة والمعنى لكي تأسفوا على ما فاتكم من الظفر والغنيمة وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمة عقوبة لكم، فالتعليل حينئذ ظاهر ولا يخفى أن تأكيد (لا) وتكريرها يبعد القول بزيادتها، وقيل: التعليل على ظاهره و (لا) ليست زائدة والكلام متعلق بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } تفسير : [آل عمران: 152] أي ولقد عفا الله تعالى عنكم لئلا تحزنوا الخ فإن عفو الله تعالى يذهب كل حزن، ولا يخفى ما فيه، وربما يقال: إن أمر التعليل ظاهر أيضاً على ما حكي عن السدي من غير حاجة إلى التأويل ولا القول بزيادة ـ لا ـ ويوضح ذلك ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: أصاب الناس غم وحزن على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا فلما اجتمعوا في الشعب وقف أبو سفيان وأصحابه / بباب الشعب فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم أيضاً فأصابهم حزن أنساهم حزنهم في أصحابهم فذلك قوله تعالى: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } الخ، وحديث إن المجازاة بالغم إنما تكون سبباً للحزن لا لعدمه غير مسلم على الإطلاق، وأي مانع من أن يكون غم مخصوص سبباً لزوال غم آخر مخصوص أيضاً بأن يعظم الثاني فينسى الأول فتدبر. {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها، وفي «المقصد الأسني» ـ الخبير ـ بمعنى العليم لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيراً، وفي ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية.
ابن عاشور
تفسير : {إذ تصعدون} متعلّق بقوله: {أية : ثم صرفكم عنهم}تفسير : [آل عمران: 152] أي دفعكم عن المشركين حين أنتم مصعدون. والإصْعاد: الذهاب في الأرض لأنّ الأرض تسمّى صعيداً، قال جعفر بن عُلْبة: شعر : هَوَاي مَع الرَكْب اليَمَانِينَ مُصْعِد تفسير : والإصعاد أيضاً السَّير في الوادي، قال قتادة والربيع: أصعدوا يوم أحُد في الوادي. والمعنى: تفرّون مصعدين، كأنَّه قيل: تذهبون في الأرض أي فراراً، فـ إذ) ظرف للزمان الَّذي عقب صرف الله إيّاهم وكان من آثاره. {ولا تلون على أحد} أي في هذه الحالة. واللَّيُّ مجاز بمعنى الرّحمة والرفق مثل العطف في حقيقته ومجازه، فالمعنى ولا يلوي أحد عن أحد فأوجز بالحذف، والمراد على أحد منكم، يعني: فررتم لا يرحم أحد أحداً ولا يرفق به، وهذا تمثيل للجدّ في الهروب حتَّى إنّ الواحد ليدوس الآخر لو تعرّض في طريقه. وجملة {والرسول يدعوكم في أُخراكم} حال، والأخرى آخر الجيش أي من ورائكم. ودعاء الرسول دعاؤه إيّاهم للثبات والرجوع عن الهزيمة، وهذا هو دعاء الرسول النَّاس بقوله: «حديث : إليّ عباد الله من يَكُر فله الجنَّة»تفسير : . وقوله: {فأثابكم غما} إن كان ضمير {فأثابكم} ضميرَ اسم الجلالةَ، وهو الأظهر والموافق لقوله بعده: {أية : ثم أنزل عليكم من بعد الغم}تفسير : [آل عمران: 154] فهو عطف على {أية : صَرَفكم}تفسير : [آل عمران: 152] أي ترتّب على الصرف إثابتكم. وأصلُ الإثابة إعطاء الثَّواب وهو شيء يكون جزاء على عطاء أو فعل. والغمّ ليس بخير، فيكونُ أثابكم إمّا استعارة تهكمية كقول عمرو بن كلثوم: شعر : قَرَينَاكُم فَعَجَّلْنَا قِراكم قبيلَ الصبح مِرداة طحونا تفسير : أي جازاكم الله على ذلك الإصعاد المقارن للصرف أن أثابكم غمّاً أي قلقَا لكم في نفوسكم، والمراد أن عاقبكم بغمّ كقوله: {أية : فبشّرهم بعذاب أليم}تفسير : [آل عمران: 21] وفي هذا الوجه بعد: لأنّ المقام مقام ملام لا توبيخ، ومقام لا تنديم. وإمّا مشاكلةً تقديرية لأنَّهم لما خرجوا للحرب خرجوا طالبين الثَّواب، فسلكوا مسالك باءوا معها بعقاب فيكون كقول الفرزدق: شعر : أخاف زياداً أن يكون عطاؤُه أدَاهِم سوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمرا تفسير : وقول الآخر: قلتُ: اطبُخوا لي جُبَّةً وقميصاً. ونكتة هذه المشاكلة أن يتوصّل بها إلى الكلام على ما نشأ عن هذا الغمّ من عبرة، ومن توجّه عناية الله تعالى إليهم بعده. والباء في قوله: {بغمّ} للمصاحبة أي غمّاً مع غمّ، وهو جملة الغموم الَّتي دخلت عليهم من خيبة الأمل في النَّصر بعد ظهور بَوارقه، ومن الانهزام، ومن قتل من قُتل، وجرح من جرح، ويجوز كون الباء للعوض، أي: جازاكم الله غمّاً في نفوسكم عوضاً عن الغمّ الَّذي نسبتم فيه للرسول وإن كان الضّمير في قوله: {فأثابكم} عائداً إلى الرسول في قوله: {والرسول يدعوكم}، وفيه بعد، فالإثابة مجاز في مقابلة فعل الجميل بمثله أي جازاكم بغمّ. والباء في قوله: {بغمّ} باء العوض. والغمّ الأوّل غمّ نفس الرسول، والغمّ الثَّاني غمّ المسلمين، والمعنى أنّ الرسول اغتمّ وحزن لما أصابكم، كما اغتممتم لما شاع من قتله فكان غمّه لأجلكم جزاءاً على غمّكم لأجله. وقوله: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} تعليل أوّل لـ(أثابكم) أي ألهاكم بذلك الغمّ لئلاّ تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة، وما أصابكم من القتل والجراح، فهو أنساهم بمصيبة صغيرة مصيبة كبيرة، وقيل: (لا) زائدة والمعنى: لتحزنوا، فيكون زيادة في التوبيخ والتنديم إن كان قوله: {أثابكم} تهكّماً أو المعنى فأثابكم الرسول غمّاً لكيلا تحزنوا على ما فاتكم: أي سكت عن تثريبكم، ولم يظهر لكم إلاّ الاغتمام لأجلكم، لكيلا يذكّركم بالتثريب حزناً على ما فاتكم، فأعرض عن ذكره جَبراً لخواطركم. وقيل: المعنى أصابكم بالغمّ الَّذي نشأ عن الهزيمة لتعتادوا نزول المصائب، فيذهب عنكم الهلع والجزع عند النوائب. وفي الجمع بين {ما فاتكم} و{ما أصابكم} طباق يؤذن بطباق آخر مقدّر، لأنّ ما فات هو النافع وما أصاب هو من الضّار.
الواحدي
تفسير : {إذْ تصعدون} تَبعدون في الهزيمة {ولا تلوون} لا تقيمون {على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم} من خلفكم يقول: إليَّ عبادَ الله [إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله]، وأنتم لا تلتفتون إليه {فأثابكم} أَيْ: جعل مكان ما ترجعون من الثَّواب {غمَّاً} وهو غمُّ الهزيمة وظفر المشركين {بغمٍّ} أَيْ: بغمِّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ عصيتموه {لكيلا تحزنوا} أَيْ: عفا عنكم لكيلا تحزنوا {على ما فاتكم} من الغنيمة {ولا ما أصابكم} من القتل والجراح. {ثمَّ أنزل عليكم من بعد الغمِّ أمةً نعاساً} وذلك أنَّهم خافوا كرَّة المشركين عليهم، وكانوا تحت الحَجَف مُتأهِّبين للقتال، فأمَّنهم الله تعالى أمناً ينامون معه، وكان ذلك خاصَّاً للمؤمنين، وهو قوله: {يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمَّتهم} وهم المنافقون. كان همَّهم خلاص أنفسهم {يظنون بالله غير الحق} أَيْ: يظنون أن أمر محمد عليه السَّلام مضحملٌّ، وأنه لا ينصر {ظنّ الجاهلية} أَيْ: كظنِّ أهل الجاهليَّة، وهم الكفَّار {يقولون: هل لنا من الأمر من شيء} ليس لنا من النصر والظَّفَر شيء كما وُعدنا. يقولون ذلك على جهة التكذيب. فقال الله تعالى: {إنَّ الأمر كلّه لله} أَيْ: النصر والشهادة، والقدر والقضاء {يخفون في أنفسهم} من الشك والنفاق {ما لا يُبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء} أَيْ: لو كان الاختيار إلينا {ما قتلنا هَهُنَا} يعنون: أنَّهم أخرجوا كُرهاً، ولو كان الأمر بيدهم ما خرجوا، وهذا تكذيبٌ منهم بالقدر، فردَّ الله عليهم بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} مصارعهم، ولم يكن لِيُنجيهم قعودُهم {وليبتلي الله ما في صدوركم} أيُّها المنافقون، فعلَ الله ما فعلَ يوم أُحدٍ {وليمحِّص} ليظهر ويكشف {ما في قلوبكم} أيُّها المؤمنون من الرِّضا بقضاء الله {والله عليمٌ بذات الصدور} بضمائرها. {إنَّ الذين توَّلوا منكم} أيُّها المؤمنون {يوم التقى الجمعان} أَيْ: الذين انهزموا يوم أحد {إنما استزلَّهم الشيطان} حملهم على الزَّلَّة {ببعض ما كسبوا} يعني: معصيتهم للنبيّ صلى الله عليه وسلم بترك المركز {ولقد عفا الله عنهم} تلك الخطيئة. {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} أَيْ: المنافقين {وقالوا لإِخوانهم} أَيْ: في شأن إخوانهم في النَّسب {إذا ضربوا في الأرض} أَيْ: سافروا فماتوا وهلكوا {أو كانوا غُزَّىً} جمع غازٍ، فقتلوا {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} تكذيباً منهم بالقضاء والقدر {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} أَيْ: ليجعل ظنَّهم أنَّهم لو لم يحضروا الحرب لاندفع عنهم القتل {حسرة في قلوبهم} ينهى المؤمنين أن يكونوا كهؤلاءِ الكفَّار في هذا القول منهم، ليجعل اللَّهُ ذلك حسرةً في قلوبهم دون قلوب المؤمنين {واللَّهُ يحيي ويميت} فليس يمنع الإِنسان تحرُّزه من إتيان أجله.
القطان
تفسير : اذكروا ايها المؤمنون حالكم في تلك اللحظات الرهيبة حين ذهبتم منهزمين لا تلتفتون لأحد من شدة الهرب، والرسول يناديكم ويقول: هلم اليّ عباد الله، أنا رسول الله، من يَكُرَّ فله الجنة.. وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون. ولقد جازاكم الله غمّاً متصلاً بغمٍّ من الإرجاف بقتل رسول الله بعد الجرح، والقتلِ الذي حصل فيكم اذ قُتل منكم سبعون رجلا، وظَفَرِ المشركين حتى صرتم من الدهش يضرب بعضكم بعضا. ولقد فاتتكم الغنيمة التي طمعتم بها، لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة وما اصابكم من الهزيمة، والله خبير بما تعلمون يعلم مقاصدكم وقادر على مجازاتكم.
د. أسعد حومد
تفسير : {تَلْوُونَ} {ۤ أُخْرَاكُمْ} {فَأَثَابَكُمْ} {أَصَابَكُمْ} (153) - فَقَدْ صَرَفَكُمُ اللهُ عَنِ المُشْرِكِينَ فَأخَذْتُمْ فِي الهَرَبِ مِنْ أَعْدَائِكُمْ فِي الجِبَالِ، لاَ تَلْتَفِتُونَ إلى أحَدٍ مِنَ الدَهَشِ وَالخَوْفِ، وَقَدْ خَلَّفْتُمُ الرَّسُولَ وَرَاءَكُمْ وَهُوَ يَدْعُوكُمْ إلَى العَوْدَةِ إلى القِتَالِ، وَيَقُولُ: هَلُمَّ عِبَادَ اللهِ أنَا رَسُولُ اللهِ، مَنْ يَكِرُّ فَلَهُ الجَنَّةُ، فَجَزَاكُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ الغَمِّ وَالضِّيقِ وَالشِّدَّةِ التِي تَرَكْتُمُوهَا فِي نَفْسِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِفِرَارِكُمْ، بِغَمٍّ يَمْلأُ نُفُوسَكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ، وَعَلَى تَرْكِكُمْ رَسُولَ اللهِ يُصِيبُهُ مَا أصَابَهُ، وَهُوَ ثَابِتٌ دُونَكُمْ، وَذَلِكَ لِكَيْلاَ تَهْتَمُّوا وَتَحْفِلُوا بِشَيءٍ فَاتَكُمْ، وَلا بِأذًى أصَابَكُمْ، وَلِتَمْرُنُوا عَلَى تَجَرُّعِ الغُمُومِ، وَاحْتِمَالِ الشَّدَائِدِ، إذْ كَانَ مَا أصَابَ النَّبِيَّ، وَمَا لَحِقَ بِنُفُوسِكُمْ مِنَ النَّدَمَ، وَهُوَ أَكْبَرُ عِنْدَكُمْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ: أَكْبَرُ مِنَ الجِرَاحِ وَالقَتْلِ وَضَيَاعِ المَغْنَمِ. وَاللهُ خَبِيرٌ بِأَعْمَالِكُمْ وَمَقَاصِدِكُمْ، وَقَادِرٌ عَلَى مُجَازَاتِكُمْ عَلَيْهَا. تُصْعِدُونَ - تَذْهَبُونَ فِي الأرْضِ، تَبْتَعِدُونَ. لاَ تَلْوُونَ - لاَ تَلْتَفِتُونَ إلَى شَيءٍ مِنْ شِدَّةِ الخَوْفِ وَالهَلَعِ. فِي أُخْرَاكُمْ - فِي آخِرِكُمْ وَمُؤَخَّرَتِكُمْ. أَثَابَكُمْ - جَازَاكُمْ وَعَاقَبَكُمْ. الغَمُّ - الضِّيقُ مِمَّا يُحسُّ بِهِ الإِنْسَانُ. غَمّاً بِغَمٍّ - غَمّاً مُتّصِلاً بِغَمٍّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} [آل عمران: 153] هنا جاء لهم بلقطة من المعركة، حتى إذا سمع كل واحد منهم هذا الكلام يستحضر الصورة المخزية التي ما كان يصح أن تحدث، "إذ تصعدون"، فيه "تَصْعَد"، وفيه "تُصعِد" وهنا "تُصْعِدون" من "أَصْعَد"، و"أَصْعَد" أي ذهب في الصعيد، والصعيد الأرض المستوية حتى تعينه على سرعة الفِرار. إنما "صَعِدَ" تحتاج إلى أن يكون هناك مكان عالٍ يصعدون إليه. وهم ساعة أرادوا أن يفروا جَرَوْا إلى الأرض السهلة ومَشَوْا، فكل منهم لا يريد أن يتعثر هنا أو هناك، إذن فالمناسب لها {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} [آل عمران: 153] والفَار لا ينظر هنا أو هناك؛ ليس أمامه إلا الأرض السهلة. {وَلاَ تَلْوُونَ عَلَىٰ أحَدٍ} [آل عمران: 153] أي لا تعرجون على شيء، والأهم من ذلك أن هناك تنبيهاً من القائد الأعظم وهو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يدعوكم "والرسول يدعوكم في أخراكم" أي يناديكم من مؤخرتكم طالباً منكم العودة إلى ميدان القتال "فأثابكم غما بغم". أنتم غَمَمْتُم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنكم خالفتم أوامره، فوقفكم الله هذا الموقف. كلمة {فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ} [آل عمران: 153] كأنه يقول: عاقبكم. ولكنه سبحانه يأتي بها مغلفة بحنان الألوهية "فأثابكم". إذن فهي ثواب .. أي أن الحق سبحانه وتعالى بربوبيته وبألوهيته؛ يعلم أن هؤلاء مؤمنون فلم يَقْسُ عليهم، قال: {فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ} [آل عمران: 153] فكأن ما حدث لكم تخليص حق. {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} [آل عمران: 153] ولو لم تحدث مسألة الحزن والخزي والذلة لشغلتكم مسألة أنكم فاتتكم الغنائم والنصر، ولظل بالكم في الغنائم؛ لأنها هي السبب في هذا. كأن الغم الذي حدث إنما جاء ليخرج من قلبكم لقطة سيل اللعاب على الغنيمة. وما أصابكم من القتل والهزيمة، {فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَابَكُمْ وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] أي أنه سبحانه يقدر ما الذي استولى عليكم، لأن من الجائز {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَاكُمْ} [آل عمران: 153] أنهم لم يسمعوا النداء من هول المعركة، {وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] وهو سبحانه خبير بكل فعل وإحساس. ويقول الحق من بعد ذلك: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ} معناهُ تُباعِدُونَ فِي الأَرضِ. تفسير : وقوله تعالى: {فِيۤ أُخْرَٰكُمْ} معناهُ فِي أَخِرِكُم. تفسير : وقوله تعالى: {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ} فالغَمُّ الأَولُ: الجُرحُ والقَتْلُ. والغَمُّ الأَخِيرُ: حِينَ سَمِعُوا بِقَتْلِ النَّبي صلى الله عليه وسلم. ويُقالُ ما كَانوا يَرجُونَ مِنَ الغَنِيمةِ.
الجيلاني
تفسير : واذكر أيها المؤمنون قبح صنيعكم، وستحيوا من الله، وتندموا عما صدر منكم وقت {إِذْ تُصْعِدُونَ} تذهبون إلى الأباعد؛ خوفاً من العدو، فارين من الزحف، متخالفين لرسول الله {وَ} عند ذهابكم وفراركم {لاَ تَلْوُونَ} تلتفتون على أعقابكم، ولا تنتظرون {عَلَىٰ أحَدٍ} من إخوانكم {وَٱلرَّسُولُ} صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة {يَدْعُوكُمْ} ويناديكم صارخاً: إليَّ عباد الله، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم {فِيۤ أُخْرَٰكُمْ} ساقتكم وعصيانكم، ولم يلتفت أحد منكم إلى عقبه لإجابة دعائه صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك لم تنجوا سالمين {فَأَثَـٰبَكُمْ} أورثكم الله، المصلح لأحوالكم؛ تأديباً لكم، متصلاً {غَمّاًً بِغَمٍّ} آخر، حيث أحاطت بكم الغموم من القتل والجرح والإرجاف بقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل بكم ما فعل {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ} من النهب والغنيمة {وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ} من الفرار والهزيمة، ولتتمكنوا أو تتمرنوا في مقام الرضا والتسليم، ولا تخالفوا أمر الله ورسوله {وَٱللَّهُ} المدبر لأمروكم {خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] بمقتضى تسويلات نفوسكم الأمَّارة بالسوء، فيجازيكم بها؛ لكي تتنبهوا وتسلموا أموركم إلى الله وتتحققوا بالتوحيد الذاتي. {ثُمَّ} لما تبتم ورجعتم إلى الله، وندمتم عمَّا فعلتم {أَنزَلَ عَلَيْكُمْ} امتناناً لكم وتفضلاً {مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ} المفرط {أَمَنَةً} طمأنينة ووقاراً، حيث تورث {نُّعَاساً} رقدة ونوماً {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} وهم المتحقوون بمقام العبودية، الراضون بما جرى عليهم من القضاء، لا يشوشهم السراء والضراء {وَطَآئِفَةٌ} من منافقيكم {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي: أوقعتهم نفوسهم وأمانيتهم في الهموم والغموم المبعدة عن مقام التفويض والتسليم إلى حيث {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ} ظناً باطلاً {غَيْرَ} ظن {ٱلْحَقِّ} بل {ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ} حيث {يَقُولُونَ} لرسول الله استكشافاً ظاهراً، أو استنكافاً خفيةً: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ} أي: أمر الله الذي وعدتنا والنصر والظفر {مِن شَيْءٍ} أم الأمر للعدو دائماً، واليد له مستمراً؟ {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {إِنَّ ٱلأَمْرَ} أي: أمر جميع ما كان وما يكون {كُلَّهُ للَّهِ} اولاً، وبالذات بلا رؤية الوسائط والوسائل في البين، وهم من غاية عماهم {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم} من البُغض والنفاق {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} بل يبدون لإخوانهم، إذا خلا بعضهم بعضاً حتى {يَقُولُونَ} متهكمين، مستهزئين: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا} مهانين، مظلومين {قُل} لهم يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة: لا مرد لقضاء الله، ولا معقب لحكمه، بل يجري في ملكه ما ثبت في علمه. واعلموا أنكم {لَّوْ كُنتُمْ} متمكنين {فِي بُيُوتِكُمْ} غير خارجين منها للقتال {لَبَرَزَ} لظهر وخرج البتة {ٱلَّذِينَ كُتِبَ} قدر وفرض في الأزل {عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ} في هذه المعركة، مسرعين {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} ومقاتلهم في الوقت الذي قدر بلا تأخير ولا تقديم {وَ} إنما فعل بكم ما فعل {لِيَبْتَلِيَ} ويختببر ويمتحن {ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} أهو من الرضا والإخلاص؟ أم من الشقاق والنفاق؟ {وَلِيُمَحِّصَ} يطهر ويصفي {مَا فِي قُلُوبِكُمْ} من الإيمان والتوحيد عن الكفر والنفاق { وَٱللَّهُ} المطلع لسرائركم وضمائركم {عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 154] أي: الأمور المكنونة فيها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يذكرهم تعالى حالهم في وقت انهزامهم عن القتال، ويعاتبهم على ذلك، فقال: { إذ تصعدون } أي: تجدون في الهرب { ولا تلوون على أحد } أي: لا يلوي أحد منكم على أحد، ولا ينظر إليه، بل ليس لكم هم إلا الفرار والنجاء عن القتال. والحال أنه ليس عليكم خطر كبير، إذ لستم آخر الناس مما يلي الأعداء، ويباشر الهيجاء، بل { الرسول يدعوكم في أخراكم } أي: مما يلي القوم يقول: "إليَّ عباد الله" فلم تلتفتوا إليه، ولا عرجتم عليه، فالفرار نفسه موجب للوم، ودعوة الرسول الموجبة لتقديمه على النفس، أعظم لَوْمًا بتخلفكم عنها، { فأثابكم } أي: جازاكم على فعلكم { غما بغم } أي: غما يتبع غما، غم بفوات النصر وفوات الغنيمة، وغم بانهزامكم، وغم أنساكم كل غم، وهو سماعكم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل. ولكن الله -بلطفه وحسن نظره لعباده- جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرا لهم، فقال: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } من النصر والظفر، { ولا ما أصابكم } من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي عن كل مصيبة ومحنة، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم، وكل هذا صادر عن علمه وكمال خبرته بأعمالكم، وظواهركم وبواطنكم، ولهذا قال: { والله خبير بما تعملون } . ويحتمل أن معنى قوله: { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم } يعني: أنه قدَّر ذلك الغم والمصيبة عليكم، لكي تتوطن نفوسكم، وتمرنوا على الصبر على المصيبات، ويخف عليكم تحمل المشقات: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم } الذي أصابكم { أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم } . ولا شك أن هذا رحمة بهم، وإحسان وتثبيت لقلوبهم، وزيادة طمأنينة؛ لأن الخائف لا يأتيه النعاس لما في قلبه من الخوف، فإذا زال الخوف عن القلب أمكن أن يأتيه النعاس. وهذه الطائفة التي أنعم الله عليها بالنعاس هم المؤمنون الذين ليس لهم هم إلا إقامة دين الله، ورضا الله ورسوله، ومصلحة إخوانهم المسلمين. وأما الطائفة الأخرى الذين { قد أهمتهم أنفسهم } فليس لهم هم في غيرها، لنفاقهم أو ضعف إيمانهم، فلهذا لم يصبهم من النعاس ما أصاب غيرهم، { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } وهذا استفهام إنكاري، أي: ما لنا من الأمر -أي: النصر والظهور- شيء، فأساءوا الظن بربهم وبدينه ونبيه، وظنوا أن الله لا يتم أمر رسوله، وأن هذه الهزيمة هي الفيصلة والقاضية على دين الله، قال الله في جوابهم: { قل إن الأمر كله لله } الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي، فجميع الأشياء بقضاء الله وقدره، وعاقبة النصر والظفر لأوليائه وأهل طاعته، وإن جرى عليهم ما جرى. { يخفون } يعني المنافقين { في أنفسهم ما لا يبدون لك } ثم بين الأمر الذي يخفونه، فقال: { يقولون لو كان لنا من الأمر شيء } أي: لو كان لنا في هذه الواقعة رأي ومشورة { ما قتلنا هاهنا } وهذا إنكار منهم وتكذيب بقدر الله، وتسفيه منهم لرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي أصحابه، وتزكية منهم لأنفسهم، فرد الله عليهم بقوله: { قل لو كنتم في بيوتكم } التي هي أبعد شيء عن مظان القتل { لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } فالأسباب -وإن عظمت- إنما تنفع إذا لم يعارضها القدر والقضاء، فإذا عارضها القدر لم تنفع شيئا، بل لا بد أن يمضي الله ما كتب في اللوح المحفوظ من الموت والحياة، { وليبتلي الله ما في صدوركم } أي: يختبر ما فيها من نفاق وإيمان وضعف إيمان، { وليمحص ما في قلوبكم } من وساوس الشيطان، وما تأثر عنها من الصفات غير الحميدة. { والله عليم بذات الصدور } أي: بما فيها وما أكنته، فاقتضى علمه وحكمته أن قدر من الأسباب، ما به تظهر مخبآت الصدور وسرائر الأمور.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِيۤ أُخْرَٰكُمْ} [153] 99- أخبرني هلال بن العلاء، نا حسين بن عياش، نا زهير، نا أبو إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يحدث قال: حديث : جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرُّماة يوم أُحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير، قال: ووضعهم مكانا، وقال لهم: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، فإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى إُرسل إليكم". قال: وسار رسول الله صلى الله غليه وسلم ومن معه، قال: فهزموهم، قال: فأما / والله رأيت النساء يشتددن على الجبل بدت خلاخلهن وأسوقهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جُبير: الغنيمة، أي قوم الغنيمة، قد ظهر أصحابكم فماذا تنتظرون، قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا والله لنأتين الناس فلنُصيبَنَّ من الغنيمة، فلما أتوهم، صُرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذاك حين يدعوهم الرسول في أخراهم فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة؛ سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قُحافة؟ ثلاث مرات قال: أفي القوم ابن الخطاب ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتلوا، فما ملك عمر نفسه: فقال: كذبت يا عدو الله، إن الذي عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحروب سِجال، إنكم سترون في القوم مُثْلة لم آمر بها ولم تسؤني، ثم أخذ يرتجز: أُعْلُ هُبَل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبوه؟" فقالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجل" قال: إن (لنا) عُزَّى ولا عُزَّى لكم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا تجيبوه؟" قالوا يا رسول الله، ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم ".
همام الصنعاني
تفسير : 472- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {غَمّاً بِغَمٍّ}: [الآية: 153]، قال: الغم الأول: الجراح والقتل، والغم الآخر: حين سَمِعوا أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد قُتِل. فأنساهُم الغمّ الآخر ما أصابهم من الجراح والقتل وما كانوا يَرْجُون من الغنيمة، وذلك حين يقول: {لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـٰبَكُمْ}: [الآية. 153].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):