Verse. 447 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

ثُمَّ اَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْۢ بَعْدِ الْغَمِّ اَمَنَۃً نُّعَاسًا يَّغْشٰى طَاۗىِٕفَۃً مِّنْكُمْ۝۰ۙ وَطَاۗىِٕفَۃٌ قَدْ اَہَمَّـتْھُمْ اَنْفُسُھُمْ يَظُنُّوْنَ بِاللہِ غَيْرَ الْحَـقِّ ظَنَّ الْجَاہِلِيَّۃِ۝۰ۭ يَقُوْلُوْنَ ھَلْ لَّنَا مِنَ الْاَمْرِ مِنْ شَيْءٍ۝۰ۭ قُلْ اِنَّ الْاَمْرَ كُلَّہٗ لِلہِ۝۰ۭ يُخْفُوْنَ فِيْۗ اَنْفُسِھِمْ مَّا لَا يُبْدُوْنَ لَكَ۝۰ۭ يَقُوْلُوْنَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْاَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا ھٰہُنَا۝۰ۭ قُلْ لَّوْ كُنْتُمْ فِيْ بُيُوْتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِيْنَ كُتِبَ عَلَيْہِمُ الْقَتْلُ اِلٰى مَضَاجِعِھِمْ۝۰ۚ وَلِــيَـبْتَلِيَ اللہُ مَا فِيْ صُدُوْرِكُمْ وَلِـيُمَحِّصَ مَا فِيْ قُلُوْبِكُمْ۝۰ۭ وَاللہُ عَلِيْمٌۢ بِذَاتِ الصُّدُوْرِ۝۱۵۴
Thumma anzala AAalaykum min baAAdi alghammi amanatan nuAAasan yaghsha taifatan minkum wataifatun qad ahammathum anfusuhum yathunnoona biAllahi ghayra alhaqqi thanna aljahiliyyati yaqooloona hal lana mina alamri min shayin qul inna alamra kullahu lillahi yukhfoona fee anfusihim ma la yubdoona laka yaqooloona law kana lana mina alamri shayon ma qutilna hahuna qul law kuntum fee buyootikum labaraza allatheena kutiba AAalayhimu alqatlu ila madajiAAihim waliyabtaliya Allahu ma fee sudoorikum waliyumahhisa ma fee quloobikum waAllahu AAaleemun bithati alssudoori

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة» أمنا «نعاسا» بدل «يغشى» بالياء والتاء «طائفة منكم» وهم المؤمنون فكانوا يميدون تحت الحجف وتسقط السيوف منهم «وطائفة قد أهمتهم أنفسهم» أي حملتهم على الهم فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي وأصحابه فلم يناموا وهم المنافقون «يظنون بالله» ظنا «غير» الظن «الحق ظَنَّ» أي كظن «الجاهلية» حيث اعتقدوا أن النبي قتل أولا ينصر «يقولون هل» ما «لنا من الأمر» أي النصر الذي وُعدناه «من شيء قل» لهم «إن الأمر كله» بالنصب توكيدا والرفع مبتدأ وخبره «لله» أي القضاء له بفعل ما يشاء «يخفون في أنفسهم ما لا يبدون» يظهرون «لك يقولون» بيان لما قبله «لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا» أي لو كان الاختبار إلينا لم نخرج فلم نقتل لكن أخرجنا كرها «قل» لهم «لو كنتم في بيوتكم» وفيكم من كتب الله عليه القتل «لبرز» خرج «الذين كتب» قضي «عليهم القتل» منكم «إلى مضاجعهم» مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم وقعودهم لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة «و» فعل ما فعل بأخذ «ليبتلي» يختبر «الله ما في صدوركم» قلوبكم من الإخلاص والنفاق «وليمحص» يميز «ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور» بما في القلوب لا يخفى عليه شيء وإنما يبتلي ليظهر للناس.

154

Tafseer

الرازي

تفسير : في كيفية النظم وجهان: الأول: أنه تعالى لما وعد نصر المؤمنين على الكافرين، وهذا النصر لا بد وأن يكون مسبوقا بازالة الخوف عن المؤمنين، بين في هذه الآية أنه تعالى أزال الخوف عنهم ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى ينجز وعده في نصر المؤمنين. الثاني: أنه تعالى بين أنه نصر المؤمنين أولا، فلما عصى بعضهم سلط الخوف عليهم، ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلب من كان صادقا في إيمانه مستقرا على دينه بحيث غلب النعاس عليه. واعلم أن الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فريقان: أحدهما: الذين كانوا جازمين بأن محمداً عليه الصلاة والسلام نبي حق من عند الله وأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وكانوا قد سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ينصر هذا الدين ويظهره على سائر الأديان، فكانوا قاطعين بأن هذه الواقعة لا تؤدي إلى الاستئصال، فلا جرم كانوا آمنين، وبلغ ذلك الأمن إلى حيث غشيهم النعاس، فان النوم لا يجيء مع الخوف، فمجيء النوم يدل على زوال الخوف بالكلية، فقال ههنا في قصة أحد في هؤلاء {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً } وقال في قصة بدر {أية : إِذْ يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مّنْهُ } تفسير : [الأنفال: 11] ففي قصة أحد قدم الأمنة على النعاس، وفي قصة بدر قدم النعاس على الأمنة، وأما الطائفة الثانية وهم المنافقون الذين كانوا شاكين في نبوته عليه الصلاة والسلام، وما حضروا إلا لطلب الغنيمة، فهؤلاء اشتد جزعهم وعظم خوفهم، ثم إنه تعالى وصف حال كل واحدة من هاتين الطائفتين، فقال في صفة المؤمنين: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي: «الأمنة» مصدر كالأمن، ومثله من المصادر: العظمة والغلبة، وقال الجبائي: يقال: أمن فلان يأمن أمناً وأماناً. المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: قرىء (أمنة) بسكون الميم، لأنها المرة من الأمن. المسألة الثالثة: في قوله تعالى: {نُّعَاساً } وجهان: أحدهما: أن يكون بدلا من أمنة، والثاني: إن يكون مفعولا، وعلى هذا التقدير ففي قوله: {أمنة } وجوه: أحدها: أن تكون حالا منه مقدمة عليه، كقولك: رأيت راكباً رجلا، وثانيها: أن يكون مفعولا له بمعنى نعستم أمنة، وثالثها: أن يكون حالا من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة. ثم قال تعالى: {يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قد ذكرنا أن هذه الطائفة هم المؤمنون الذين كانوا على البصيرة في إيمانهم قال أبو طلحة، غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه. ثم يسقط فيأخذه، وعن الزبير قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف، فأرسل الله علينا النوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير: والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. وقال عبد الرحمن بن عوف: ألقى النوم علينا يوم أحد، وعن ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، وذلك لأنه في القتال لا يكون إلا من غاية الوثوق بالله والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصلاة إلا من غاية البعد عن الله. واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد: أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده، وثانيها: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة، وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم، ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى، ومن الناس من قال: ذكر النعاس في هذا الموضع كناية عن غاية الامن، وهذا ضعيف لأن صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز لا يجوز إلا عند قيام الدليل المعارض، فكيف يجوز ترك حقيقة اللفظ مع اشتمالها على هذه الفوائد والحكم. المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي {تغشى} بالتاء رداً إلى الأمنة، والباقون بالياء رداً، إلى النعاس، وهو اختيار أبي حاتم وخلف وأبي عبيد. واعلم أن الأمنة والنعاس كل واحد منهما يدل على الآخر، فلا جرم يحسن رد الكناية إلى أيهما شئت، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ * كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ } تفسير : [الدخان: 43 ـ 45] وتغلي، إذا عرفت جوازهما فنقول: مما يقوي القراءة بالتاء أن الأصل الأمنة، والنعاس بدل، ورد الكناية إلى الأصل أحسن، وأيضاً الأمنة هي المقصود، وإذا حصلت الأمنة حصل النعاس لأنها سببه، فان الخائف لا يكاد ينعس، وأما من قرأ بالياء فحجته أن النعاس هو الغاشي، فان العرب يقولون غشينا النعاس، وقلما يقولون غشيني من النعاس أمنة، وأيضاً فان النعاس مذكور بالغشيان في قوله: {أية : إِذْ يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مّنْهُ } تفسير : [الأنفال: 11] وأيضاً: النعاس يلي الفعل، وهو أقرب في اللفظ إلى ذكر الغشيان من الأمنة فالتذكير أولى. ثم قال تعالى: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } وفيه مسألتان. المسألة الأولى: هؤلاء هم المنافقون عبدالله بن أبي ومعتب بن قشير وأصحابهما، كان همهم خلاص أنفسهم، يقال: همني الشيء أي كان من همي وقصدي، قال أبو مسلم: من عادة العرب أن يقولوا لمن خاف، قد أهمته نفسه، فهؤلاء المنافقون لشدة خوفهم من القتل طار النوم عنهم، وقيل المؤمنون، كان همهم النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانهم من المؤمنين، والمنافقون كان همهم أنفسهم وتحقيق القول فيه: أن الانسان إذا اشتد اشتغاله بالشيء واستغراقه فيه، صار غافلا عما سواه، فلما كان أحب الأشياء إلى الانسان نفسه، فعند الخوف على النفس يصير ذاهلا عن كل ما سواها، فهذا هو المراد من قوله: {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } وذلك لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة والدافع لذلك وهو الوثوق بوعد الله ووعد رسوله ما كان معتبراً عندهم، لأنهم كانوا مكذبين بالرسول في قلوبهم، فلا جرم عظم الخوف في قلوبهم. المسألة الثانية: «طائفة» رفع بالابتداء وخبره «يظنون» وقيل خبره «أهمتهم أنفسهم» ثم إنه تعالى وصف هذه الطائفة بأنواع من الصفات. الصفة الأولى: من صفاتهم قوله تعالى: {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذا الظن احتمالان: أحدهما: وهو الأظهر: هو أن ذلك الظن أنهم كانوا يقولون في أنفسهم لو كان محمد محقا في دعواه لما سلط الكفار عليه وهذا ظن فاسد، أما على قول أهل السنة والجماعة، فلأنه سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه، فإن النبوة خلعة من الله سبحانه يشرف عبده بها، وليس يجب في العقل أن المولى إذا شرف عبده بخلعة أن يشرفه بخلعة أخرى، بل له الأمر والنهي كيف شاء بحكم الالهية، وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال الله وأحكامه، فلا يبعد أن يكون لله تعالى في التخلية بين الكافر والمسلم، بحيث يقهر الكافر المسلم، حكم خفية وألطاف مرعية، فان الدنيا دار الامتحان والابتلاء، ووجوه المصالح مستورة عن العقول، فربما كانت المصلحة في التخلية بين الكافر والمؤمن حتى يقهر الكافر المؤمن، وربما كانت المصلحة في تسليط الفقر والزمانة على المؤمنين. قال القفال: لو كان كون المؤمن محقاً يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناس إلى معرفة المحق بالجبر، وذلك ينافي التكليف واستحقاق الثواب والعقاب، بل الانسان إنما يعرف كونه محقاً بما معه من الدلائل والبينات، فأما القهر فقد يكون من المبطل للمحق، ومن المحق للمبطل، وهذه جملة كافية في بيان أنه لا يجوز الاستدلال بالدولة والشوكة ووفور القوة على أن صاحبها على الحق. الثاني: أن ذلك الظن هو أنهم كانوا ينكرون إله العالم بكل المعلومات القادر على كل المقدورات، وينكرون النبوة والبعث، فلا جرم ما وثقوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله يقويهم وينصرهم. المسألة الثانية: {غَيْرِ الحق} في حكم المصدر، ومعناه: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يجب أن يظن به (وظن الجاهلية) بدل منه، والفائدة في هذا الترتيب أن غير الحق: أديان كثيرة، وأقبحها مقالات أهل الجاهلية، فذكر أولا أنهم يظنون بالله غير الظن الحق، ثم بين أنهم اختاروا من أقسام الأديان التي غير حقة أركها وأكثرها بطلانا، وهو ظن أهل الجاهلية، كما يقال: فلان دينه ليس بحق، دينه دين الملاحدة. المسألة الثالثة: في قوله: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } قولان: أحدهما: أنه كقولك: حاتم الجود، وعمر العدل، يريد الظن المختص بالملة الجاهلية، والثاني: المراد ظن أهل الجاهلية. الصفة الثانية: من الصفات التي ذكرها الله تعالى لهؤلاء المنافقين قوله تعالى: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْء قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ }. واعلم أن قوله) {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْء } حكاية للشبهة التي تمسك أهل النفاق بها، وهو يحتمل وجوها: الأول: أن عبدالله بن أبي لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم، فغضب عبدالله بن أبي من ذلك، فقال عصاني وأطاع الولدان، ثم لما كثر القتل في بني الخزرج ورجع عبدالله بن أبي قيل له: قتل بنو الخزرج، فقال: هل لنا من الأمر من شيء، يعني أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرته بأن يسكن في المدينة ولا يخرج منها، ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا: {أية : لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } تفسير : [آل عمران: 168] والمعنى: هل لنا من أمر يطاع وهو استفهام على سبيل الانكار. الوجه الثاني في التأويل: أن من عادة العرب أنه إذا كانت الدولة لعدوه قالوا: عليه الأمر، فقوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْء } أي هل لنا من الشيء الذي كان يعدنا به محمد، وهو النصرة والقوة شيء وهذا استفهام على سبيل الانكار، وكان غرضهم منه الاستدلال بذلك على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كاذباً في ادعاء النصرة والعصمة من الله تعالى لأمته، وهذا استفهام على سبيل الانكار. الثالث: أن يكون التقدير: أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء، والغرض منه تصبير المسلمين في التشديد في الجهاد والحرب مع الكفار، ثم إن الله سبحانه أجاب عن هذه الشبهة بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو (كله) برفع اللام، والباقون بالنصب، أما وجه الرفع فهو أن قوله: (كله) مبتدأ وقوله: (لله) خبره، ثم صارت هذه الجملة خبراً لإن، وأما النصب فلأن لفظة «كل» للتأكيد، فكانت كلفظة أجمع، ولو قيل: إن الأمر أجمع، لم يكن إلا النصب، فكذا إذا قال «كله». المسألة الثانية: الوجه في تقرير هذا الجواب ما بينا: أنا إذا قلنا بمذهب أهل السنة لم يكن على الله اعتراض في شيء من أفعاله في الإماتة والإحياء، والفقر والإغناء والسراء والضراء، وإن قلنا بمذهب القائلين برعاية المصالح، فوجوه المصالح مخفية لا يعلمها إلا الله تعالى، فربما كانت المصلحة في إيصال السرور واللذة، وربما كانت في تسليط الأحزان والآلام، فقد اندفعت شبهة المنافقين من هذا الوجه. المسألة الثالثة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن جميع المحدثات بقضاء الله وقدره، وذلك لأن المنافقين قالوا: إن محمدا لو قبل منا رأينا ونصحنا، لما وقع في هذه المحنة، فأجاب الله عنه بأن الأمر كله لله، وهذا الجواب: إنما ينتظم لو كانت أفعال العباد بقضاء الله وقدره ومشيئته إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعا لشبهة المنافقين، فثبت أن هذه الآية دالة على ما ذكرنا. وأيضا فظاهر هذه الآية مطابق للبرهان العقلي، وذلك لأن الموجود، إما واجب لذاته أو ممكن لذاته، والممكن لذاته لا يترجح وجوده على عدمه إلا عند الانتهاء الى الواجب لذاته، فثبت أن كل ما سوى الله تعالى مستند إلى إيجاده وتكوينه، وهذه القاعدة لا اختصاص لها بمحدث دون محدث، أو ممكن دون ممكن، فتدخل فيه أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم، وذلك هو المراد بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } وهذا كلام في غاية الظهور لمن وفقه الله للانصاف. ثم انه تعالى قال: {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ }. واعلم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: {هل لنا من الأمر من شيء}، وهذا الكلام محتمل، فلعل قائله كان من المؤمنين المحقين، وكان غرضه منه إظهار الشفقة، وانه متى يكون الفرج؟ ومن أين تحصل النصرة؟ ولعله كان من المنافقين، وإنما قاله طعنا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام فبين تعالى في هذه الآية أن غرض هؤلاء من هذا الكلام هذا القسم الثاني، والفائدة في هذا التنبيه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم متحرزا عن مكرهم وكيدهم. النوع الثالث: من الأشياء التي حكى الله عن المنافقين، قولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. وفيه إشكال، وهو أن لقائل أن يقول: ما الفرق بين هذا الكلام وبين ما تقدم من قوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْء } ويمكن أن يجاب عنه من وجهين: الأول: أنه تعالى لما حكى عنهم قولهم: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْء } فأجاب عنه بقوله: {ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } واحتج المنافقون على الطعن في هذا الجواب بقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء لما خرجنا من المدينة وما قتلنا ههنا، فهذا يدل على أنه ليس الأمر كما قلتم من أن الأمر كله لله، وهذا هو بعينه المناظرة الدائرة بين أهل السنة وأهل الاعتزال فإن السني يقول: الأمر كله في الطاعة والمعصية والإيمان والكفر بيد الله، فيقول المعتزلي: ليس الأمر كذلك، فإن الإنسان مختار مستقل بالفعل، إن شاء آمن، وإن شاء كفر، فعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جوابا عن الشبهة الأولى. والوجه الثاني: أن يكون المراد من قوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْء } هو أنه هل لنا من النصرة التي وعدنا بها محمد شيء، ويكون المراد من قوله: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } هو ما كان يقوله عبدالله بن أبي من أن محمدا لو أطاعني وما خرج من المدينة ما قتلنا ههنا. واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من ثلاثة أوجه: الوجه الأول من الجواب: قوله: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } والمعنى أن الحذر لا يدفع القدر، والتدبير لا يقاوم التقدير، فالذين قدر الله عليهم القتل لا بد وأن يقتلوا على جميع التقديرات، لأن الله تعالى لما أخبر أنه يقتل، فلو لم يقتل لانقلب علمه جهلا؛ وقد بينا أيضا أنه ممكن فلا بد من انتهائه الى إيجاد الله تعالى، فلو لم يجد لانقلبت قدرته عجزا، وكل ذلك محال، ومما يدل على تحقيق الوجوب كما قررنا قوله: {ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ } وهذه الكلمة تفيد الوجوب، فان هذه الكلمة في قوله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ }تفسير : [البقرة: 183] {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ } تفسير : [البقرة: 178] تفيد وجوب الفعل، وها هنا لا يمكن حملها على وجوب الفعل، فوجب حملها على وجوب الوجود وهذا كلام في غاية الظهور لمن أيده الله بالتوفيق. ثم نقول للمفسرين: فيه قولان: الأول: لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم من كتب الله عليهم القتل الى مضاجعهم ومصارعهم حتى يوجد ما علم الله أنه يوجد، والثاني: كأنه قيل للمنافقين لو جلستم في بيوتكم وتخلفتم عن الجهاد لخرج المؤمنون الذين كتب عليهم قتال الكفار الى مضاجعهم، ولم يتخلفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلفكم. الوجه الثاني في الجواب عن تلك الشبهة: قوله: {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } وذلك لأن القوم زعموا أن الخروج إلى تلك المقاتلة كان مفسدة، ولو كان الأمر اليهم لما خرجوا اليها، فقال تعالى: بل هذه المقاتلة مشتملة على نوعين من المصلحة: أن يتميز الموافق من المنافق، وفي المثل المشهور: لا تكرهوا الفتن فإنها حصاد المنافقين، ومعنى الابتلاء في حق الله تعالى قد مر تفسيره مرارا كثيرة. فان قيل: لم ذكر الابتلاء وقد سبق ذكره في قوله: {أية : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 152]. قلنا: لما طال الكلام أعاد ذكره، وقيل الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين، والثاني سائر الأحوال. والوجه الثالث في الجواب: قوله: {وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } وفيه وجهان: أحدهما: أن هذه الواقعة تمحص قلوبكم عن الوساوس والشبهات، والثاني: أنها تصير كفارة لذنوبكم فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيآت، وذكر في الابتلاء الصدور، وفي التمحيص القلوب، وفيه بحث ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }. واعلم أن ذات الصدور هي الأشياء الموجودة في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي ذات الصدور، لأنها حالة فيها مصاحبة لها، وصاحب الشيء ذوه وصاحبته ذاته، وإنما ذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يخفي عليه ما في الصدور، أو غير ذلك، لأنه عالم بجميع المعلومات وإنما ابتلاهم إما لمحض الإلهية، أو للاستصلاح.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} الأمَنَة والأمن سواءٌ. وقيل: الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع عدمه. وهي منصوبة بـ «أَنْزَلَ،» و «نعاسا» بدلٌ منها. وقيل: نصب على المفعول له؛ كأنه قال: أنزل عليكم للأمنة نعاسا. وقرأ ابن مُحَيْصن «أمْنَةً» بسكون الميم. تفضل الله تعالى على المؤمنين بعد هذه الغموم في يوم أُحُد بالنعاس حتى نام أكثرهم؛ وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام. روى البخاري عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مَصافِّنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. {يَغْشَىٰ} قرىء بالياء والتاء. الياء للنعاس والتاء للأمنة. والطائفة تطلق على الواحد والجماعة. {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} يعني المنافقين. مُعَتِّب بن قُشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وخوف المؤمنين فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسّفون على الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى {قَدْ أَهَمَّتَهُمْ أَنْفُسُهُم} حملتهم على الهمّ، والهمّ ما هممت به؛ يقال: أهمّني الشيء أي كان من همي. وأمرٌ مُهِمٌ: شديد. وأهمّني الأمر أقلقني، وهمني أذابني. والواو في قوله «وطائفةٌ» واو الحال بمعنى إذْ، أي إذ طائفة يَظُنُّون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا يُنصر. {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} أي ظنّ أهْلِ الْجَاهِلِيَّة، فحذف. {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} لفظه استفهام ومعناه الجحد، أي ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرها؛ يدّل عليه قوله تعالى أخبارا عنهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا}. قال الزبير: أرسِل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول مُعَتِّب بن قُشير والنعاسُ يغشاني يقول: لو كان لنا من الأَمر شيء ما قُتلنا ها هنا. وقيل: المعنى يقول ليس لنا من الظَّفَر الذي وَعَدَنا به محمد شيءٌ، والله أعلم. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} قرأ أبو عمرو ويعقوب «كُلَّه» بالرفع على الابتداء، وخبره «لِلَّه» والجملة خبر «إن». وهو كقوله: {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ}. والباقون بالنصب؛ كما تقول: إن الأمر أجمع لله فهو توكيد، وهو بمعنى أجمع في الإحاطة والعموم، وأجمع لا يكون إلا توكيدًا. وقيل: نعت للأمر. وقال الأخفش: بدل؛ أي النصر بيد الله ينصر من يشاء ويخذل من يشاء. وقال جُويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} يعني التكذيب بالقَدَر. وذلك أنهم تكّلموا فيه، فقال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} يعني القَدَر خيره وشره من الله. {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم} أي من الشِّرك والكفر والتكذيب. {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} يظهرون لك. {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} أي ما قُتِل عشائرنا. فقيل: إن المنافقين قالوا لوكان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة، ولَمَا قُتِل رؤساؤنا. فردّ الله عليهم فقال: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ} أي لخرج. {ٱلَّذِينَ كُتِبَ} أي فرض. {عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ} يعني في اللوح المحفوظ. {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} أي مصارعهم. وقيل: {كُتِبَ عَلَيْهُم الْقَتْلُ} أي فرض عليهم القتال، فعبّر عنه بالقتل؛ لأنه قد يؤول إليه. وقرأ أبو حَيْوَة «لبُرِّزَ» بضم الياء وشد الراء؛ بمعنى يُجعل يَخرج. وقيل: لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تُصرعون فيه حتى يَبتلي الله ما في الصدور ويُظهره للمؤمنين. والواو في قوله {وَلِيَبْتَلِيَ} مقحمة كقوله: {وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} أي ليكون، وحذف الفعل الذي مع لام كي. والتقدير {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} فرض الله عليكم القتال والحرب ولم ينصركم يوم أحُد ليختَبر صبركم وليْمحِّص عنكم سيئاتكم إن تبتم وأخلصتم وقيل: معنى «ليبتلي» ليعاملكم معاملة المختبر. وقيل: ليقع منكم مشاهدة ما علمه غَيْباً. وقيل: هو على حذف مضاف، والتقدير ليبتلى أولياء الله تعالى. وقد تقدّم معنى التمحيص. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي ما فيها من خير وشر. وقيل: ذات الصدور هي الصدور؛ لأن ذات الشيء نفسه.

البيضاوي

تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً} أنزل الله عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس، وعن أبي طلحة غشينا النعاس في المصاف حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه. والأمنة الأمن نصب على المفعول ونعاساً بدل منها أو هو المفعول، و {أَمَنَةً} حال منه متقدمة أو مفعول له أو حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة. وقرىء {أَمَنَةً}بسكون الميم كأنها المرة في الإمر {يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ }أي النعاس وقرأ حمزة والكسائي بالتاء ردا على الأمنة والطائفة المؤمنون حقاً. {وَطَائِفَةٌ } هم المنافقون. {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } أوقعتهم أنفسهم في الهموم، أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها. {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } صفة أخرى لطائفة أو حال أو استئناف على وجه البيان لما قبله، وغير الحق نصب على المصدر أي: يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق أن يظن به، و {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } بدله وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها. {يَقُولُونَ } أي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بدل من يظنون. {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْء} هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط. وقيل: أخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك، والمعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا، فلم يبق لنا من الأمر شيء أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} أي الغلبة الحقيقية لله تعالى ولأوليائه فإن حزب الله هم الغالبون، أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو اعتراض. وقرأ أبو عمرو ويعقوب كله بالرفع على الابتداء. {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} حال من الضمير يقولون أي يقولون مظهرين إنهم مسترشدون طالبون النصر مبطلين الإِنكار والتكذيب. {يَقُولُونَ} أي في أنفسهم وإذا خلا بعضهم إلى بعض، وهو بدل من يخفون أو استئناف على وجه البيان له. {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْء} كما وعد محمد أو زعم أن الأمر كله لله ولأوليائه، أو لو كان لنا اختيار وتدبير ولم نبرح كما كان ابن أبي وغيره. {مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } لما غلبنا، أو لما قتل من قتل منا في هذه المعركة. {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتبه في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم ولم تنفعهم الإِقامة بالمدينة ولم ينج منهم أحد، فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه. {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} وليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإِخلاص والنفاق، وهو علة فعل محذوف أي وفعل ذلك ليبتلي أو عطف على محذوف أي لبرز لنفاذ القضاء أو لمصالح جمة وللابتلاء، أو على لكيلا تحزنوا. {وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} بخفياتها قبل إظهارها، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ممتناً على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة وهو النعاس الذي غشيهم، وهم مُسْتَلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} الآية. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم ووكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود، قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان. وقال البخاري: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا سعيد عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مراراً، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه. وهكذا رواه في المغازي معلقاً، ورواه في كتاب التفسير مسنداً عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت حجفته من النعاس، لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح. ورواه النسائي أيضاً، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن أبي قتيبة، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس، الحديث. وهكذا رُوِي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف. وقال البيهقي: حدثنا أبوعبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك: أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إِلا أنفسهم أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} أي: إِنما هم كَذَبة، أهل شك وريب في الله عز وجل. هكذا رواه بهذه الزيادة، وكأنها من كلام قتادة رحمه الله، وهو كما قال؛ فإن الله عز وجل يقول: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله عز وجل سينصر رسوله، وينجز له مأموله، ولهذا قال: {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} يعني: لا يغشاهم النعاس؛ من القلق والجزع والخوف {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ} كما قال في الآية الأخرى: {أية : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ إِلَىٰ أَهْلِيهِمْ أَبَداً}تفسير : [الفتح: 12] إلى آخر الآية، وهكذا هؤلاء، اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك، إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة، تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم: {يَقُولُونَ} في تلك الحال: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَىْءٍ} فقال تعالى: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِىۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا} أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن إِسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فو الله إني لأسمع قول معتب ابن قشير، ما أسمعه إلا كالحلم يقول: {لو كان لنا من الأَمر شيء ما قتلنا ههنا}، فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا} لقول معتب، رواه ابن أبي حاتم. قال الله تعالى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} أي: هذا قدر قدره الله عز وجل، وحكم حتم لا محيد عنه، ولا مناص منه. وقوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ} أي: يختبركم بما جرى عليكم؛ ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر، ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} أي: ببعض ذنوبهم السابقة؛ كما قال بعض السلف: إِن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإِن من جزاء السيئة السيئة بعدها، ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} أي: عما كان منهم من الفرار {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي: يغفر الذنب، ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان وتوليه يوم أحد، وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله: {وَلَقَدْ عَفَا} ومناسب ذكره ههنا، قال الإِمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين، قال عاصم: يقول: يوم أحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فأخبر بذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله: إِني لم أفر يوم حنين، فكيف يعيرني بذنب قد عفا الله عنه، فقال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإِني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم، ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم فقد شهد، وأما قوله: إِني تركت سنة عمر، فإِني لا أطيقها، ولا هو، فأته فحدثه بذلك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً } أمناً{نُّعَاساً } بدل {يَغْشَىٰ } بالياء والتاء {طَائِفَةً مّنكُمْ } وهم المؤمنون فكانوا يميدون تحت الحَجَفِ وتسقط السيوف منهم {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } أي حملتهم على الهم فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي وأصحابه فلم يناموا وهم المنافقون {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ } ظناً {غَيْرِ } الظن {ٱلْحَقّ ظَنَّ } أي كظن {ٱلْجَٰهِلِيَّةِ } حيث اعتقدوا أن النبي قتل أو لا ينصر {يَقُولُونَ هَلْ } ما {لَّنَا مِنَ ٱلأّمْرِ } أي النصر الذي وعدناه {مِنْ } {شَىْءٍ قُلْ } لهم {إِنَّ ٱلاْمْرَ كُلَّهُ } بالنصب توكيد والرفع مبتدأ خبره {لِلَّهِ } أي القضاء له يفعل ما يشاء {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ } يظهرون {لَكَ يَقُولُونَ } بيان لما قبله {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا } أي لو كان الاختيار إلينا لم نخرج فلم نقتل لكن أخرجنا كرهاً {قُلْ } لهم {لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ } وفيكم من كتب الله عليه القتل {لَبَرَزَ } خرج {ٱلَّذِينَ كُتِبَ } قضى{عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ } منكم {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم لأن قضاءه تعالى كائن لا محالة {وَ} فعل ما فعل بأحد {لِيَبْتَلِيَ} يختبر {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } قلوبكم من الإخلاص والنفاق {وَلِيُمَحّصَ } يميز {مَا فِى قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } بما في القلوب لا يخفى عليه شيء وإنما يبتلي ليظهر للناس.

الشوكاني

تفسير : الأمنة، والأمن سواء، وقيل: الأمنة إنما تكون مع أسباب الخوف، والأمن مع عدمه، وهي منصوبة بأنزل. و{نعاساً} بدل منها، أو عطف بيان، أو مفعول له، وأما ما قيل: من أن {أمنة} حال من {نعاساً} مقدّمة عليه، أو حال من المخاطبين، أو مفعول له، فبعيد. وقرأ ابن محيصن: «أمنه» بسكون الميم. قوله: {يَغْشَىٰ } قريء بالتحتية على أن الضمير للنعاس، وبالفوقية على أن الضمير لأمنة، والطائفة: تطلق على الواحد، والجماعة، والطائفة الأولى: هم المؤمنون الذين خرجوا للقتال طلباً للأجر، والطائفة الأخرى هم: مُعَتِّب بن قشير، وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعاً في الغنيمة، وجعلوا يناشدون على الحضور، ويقولون الأقاويل. ومعنى: {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } حملتهم على الهمّ، أهمني الأمر: أقلقني، والواو في قوله: {وَطَائِفَةٌ } للحال، وجاز الابتداء بالنكرة لاعتمادها على واو الحال، وقيل: إن معنى {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } صارت همهم لا همّ لهم غيرها. {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } هذه الجملة في محل نصب على الحال، أي: يظنون بالله غير الحق الذي يجب أن يظن به، وظنّ الجاهلية بدل منه. وهو: الظنّ المختص بملة الجاهلية، أو ظن أهل الجاهلية، وهو ظنهم أن أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا ينصر، ولا يتمّ ما دعا إليه من دين الحق. وقوله: {يَقُولُونَ } بدل من «يظنون»، أي: يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأمْرِ مِن شَىْء } أي: هل لنا من أمر الله نصيب، وهذا الاستفهام معناه الجحد، أي: ما لنا شيء من الأمر. وهو النصر والاستظهار على العدوّ، وقيل: هو الخروج، أي: إنما خرجنا مكرهين، فردّ الله سبحانه ذلك عليهم بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } وليس لكم، ولا لعدوّكم منه شيء، فالنصر بيده، والظفر منه. وقوله: {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم } أي: يضمرون في أنفسهم النفاق، ولا يبدون لك ذلك، بل يسألونك سؤال المسترشدين. وقوله: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } استئناف، كأنه قيل: ما هو الأمر الذي يخفون في أنفسهم؟ فقيل: يقولون فيما بينهم، أو في أنفسهم {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } أي: ما قتل من قتل منا في هذه المعركة، فردّ الله سبحانه ذلك عليهم بقوله: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } أي: لو كنتم قاعدين في بيوتكم لم يكن بدّ من خروج من كتب عليه القتل إلى هذه المصارع التي صرعوا فيها، فإن قضاء الله لا يردّ. وقوله: {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل له أخرى مطوية للإيذان بكثرتها، كأنه قيل: فعل ما فعل لمصالح جمة {وَلِيَبْتَلِىَ } الخ، وقيل: إنه معطوف على علة مطوية لبرز، والمعنى: ليمتحن ما في صدوركم من الإخلاص، وليمحص ما في قلوبكم من وساوس الشيطان. قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } أي: انهزموا يوم أحد، وقيل: المعنى: إن الذين تولوا المشركين يوم أحد: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } استدعى زللهم بسبب بعض ما كسبوا من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } لتوبتهم، واعتذارهم. وقد أخرج ابن جرير، عن ابن عباس في الآية قال: أمنهم الله يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن. وقد ثبت في صحيح البخاري، وغيره أن أبا طلحة قال: غشينا، ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه، فذلك قوله: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً...} الآية. وأخرج الترمذي وصححه، وابن جرير، وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل، عن الزبير بن العوّام؛ قال: رفعت رأسي يوم أحد، فجعلت انظر، وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت جحفته من النعاس، وتلا هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن جريج قال: إن المنافقين قالوا لعبد الله بن أبيّ، وكان سيد المنافقين: قتل اليوم بنو الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر شيء؟ أما، والله لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ. وأخرج ابن جرير، عن قتادة والربيع في قوله: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } قال: ظنّ أهل الشرك. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: معتب هو الذي قال يوم أحد: لو كان لنا من الأمر شيء. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن أن الذي قال ذلك عبد الله بن أبيّ. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن عوف في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } قال: هم ثلاثة: واحد من المهاجرين، واثنان من الأنصار. وأخرج ابن منده، وابن عساكر، عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في عثمان ورافع بن المعلى، وخارجة بن زيد. وقد روى في تعيين: «من» في الآية روايات كثيرة.

الماوردي

تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيكُم مِنْ بَعدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ، وطَآئِفَةً قَدْ أَهَمَّتُهُمْ أَنفُسُهُمْ} وسبب ذلك أن المشركين يوم أُحد توعدوا المؤمنين بالرجوع، فكان من أخذته الأمَنَةُ من المؤمنين متأهبين للقتال، وهم أبو طلحة، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وغيرهم فنامواْ حتى أخذتهم الأمَنَةُ. {وطآئِفَةٌ قَدْ أَهَم‍َّتْهُمْ أَنفسُهُمْ} من الخوف وهم من المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، ومن معهما أخذهم الخوف فلم يناموا لسوء الظن. {يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} يعني في التكذيب بوعده. {يَقُولُونَ لَو كَانَ لَنَا مِنَ الأَمرِ شَيءٌ ما قُتِلْنَا هَا هُنَا} فيه قولان: أحدهما: أناّ أخرجنا كرهاً ولو كان الأمر إلينا ما خرجنا، وهذا قول الحسن. والثاني: أي ليس لنا من الظفر شيء، كما وعدنا، على جهة التكذيب لذلك. {قُلْ لَّو كُنتُم فِي بُيُوتِكُم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم} فيه قولان: أحدهما: يعني لو تخلفتم لخرج منكم المؤمنون ولم يتخلفوا بتخلفكم. والثاني: لو تخلفتم لخرج منكم الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، ولم ينجهم قعودهم. {وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُم} فيه تأويلان: أحدهما: ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر. والثاني: معناه ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم فأضاف الابتلاء إليه تفخيماً لشأنه. {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّواْ مِنكُم يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} فيهم تأويلان: أحدهما: هم كل من ولّى الدبر من المشركين بأحد وهذا قول عمر، وقتادة، والربيع. والثاني: أنهم من هرب إلى المدينة وقت الهزيمة، وهذا قول السدي. {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} فيه قولان: أحدهما: أنه محبتهم للغنيمة وحرصهم على الحياة. والثاني: استذلَّهم بذكر خطايا سلفت لهم، وكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة منها والخروج من المظلمة فيها، وهذا قول الزجاج. {وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنهُم} فيه قولان: أحدهما: حلم عنهم إذ لم يعاجلهم بالعقوبة، وهذا قول ابن جريح وابن زيد. والثاني: غفر لهم الخطيئة ليدل على أنهم قد أخلصواْ التوبة. وقيل: إن الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم ينهزموا ثلاثة عشر رجلاً، منهم خمسة من المهاجرين: أبو بكر، وعلي، وطلحة، وعبد الرحمن، وعبد الرحمن، وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الأنصار.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَمَنَةً نُعَاسًا} لما توعد الكفار المؤمنين يوم أُحُد بالرجوع تأهب للقتال أبو طلحة، والزبير، وعبدالرحمن بن عوف، وغيرهم، تحت حُجَفهم فناموا حتى أخذتهم الأَمنة. {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُم} بالخوف فلم يناموا، لظنهم {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} في التكذيب بوعد الله. {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ} ما خرجنا أي أُخرجنا كَرْهاً، أو الأمر: النصر أي ليس لنا من الظفر شيء كما وعدنا تكذيباً منهم بذلك. {لَبَرَزَ} لخرج {الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} منكم ولم ينجهم قعودهم، أو لو تخلفتم لخرج المؤمنون ولم يتخلفوا بتخلفكم. {وَلِيَبْتَلِىَ اللهُ} يعاملكم معاملة المبتلي، أو ليبتلي أولياؤه فأضافه إليه تفخيماً.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ثم أنزل عليكم} يا معشر المسلمين {من بعد الغم} الذي أصابكم {أمنة نعاساً} يعني أمناً والأمنة والأمن واحد وقيل الأمن يكون مع زوال الخوف والأمنة مع بقاء سبب الخوف. وكان سبب الخوف يعد باقياً، والنعاس أخف من النوم والمعنى أعقبكم بما نالكم من الخوف والرعب أن أمنكم أمناً تنامون معه لأن الخائف لا يكاد ينام فأمّنهم بعد خوفهم {يغشى طائفة منكم} قال ابن عباس: أمّنهم يومئذٍ بنعاس يغشاهم وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام (خ) عن أنس عن أبي طلحة قال: كنت فيمن يغشاهم النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً يسقط وآخذه ويسقط فآخذه. وأخرجه الترمذي عنه قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد وذكر نحو رواية البخاري وزاد والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعبه وأخذ له للحق. وفي رواية أخرى له قال رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أراهم وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس فذلك قوله تعالى ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً. وقال الزبير بن العوام لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل الله تعالى علينا النوم والله إني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم يقول لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلناها هنا فقوله تعالى: {يغشى طائفة منكم} يعني المؤمنين {وطائفة قد أهمّتهم أنفسهم} يعني المنافقين أراد الله يميز المؤمنين فأوقع النعاس على المؤمنين حتى أمنوا ولم يوقع النعاس على المنافقين فبقوا في الخوف. وفي إلقاء النعاس على المؤمنين دون المنافقين آية عظيمة ومعجزة باهرة لأن النعاس كان سبب أمن المؤمنين وعدم النعاس كان سبب خوفهم وهو قوله تعالى: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} يعني حملتهم أنفسهم على الهم لأن أسباب الخوف وهي قصد الأعداء كانت حاصلة عندهم {يظنون بالله غير الحق} يعني يظنون أن الله لا ينصر محمداً وأصحابه وقيل إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل وإن أمره يضمحل والمعنى يظنون بالله غير الظن الحق الذي أن يظن به {ظن الجاهلية} أي كظن أهل الجاهلية {يقولون} يعني المنافقين {هل لنا} أي مالنا {من الأمر شيء} وذلك أنه لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبيّ ابن سلول رأس المنافقين في هذه الواقعة وأشار عليه أن لا يخرج من المدينة فلما خالفه النبي صلى الله عليه وسلم وخرج وقتل من قتل قيل لعبدالله بن أبيّ قد قتل بنو الخزرج قال هل لنا من الأمر شيء وهو استفهام على سبيل الإنكار أي ما لنا أمر يطاع. وقيل المراد بالأمر النصر والظفر يعني ما لنا من هذا الذي يعدنا محمد به من النصر والظفر من شيء إنما هو للمشركين {قل} يا محمد لهؤلاء المنافقين {إن الأمر كله لله} يعني النصر والظفر والقضاء والقدر كله لله وبيده يصرفه كيف يشاء ويدبره كيف أحب {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} يعني من الكفر والشك في وعد الله عز وجل وقيل يخفون الندم على خروجهم مع المسلمين وقيل الذي أخفوه وهو قوله تعالى حكاية عنهم: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولم تقتل رؤساؤنا. وقيل كانوا يقولون لو كنا على الحق ما قتلنا هاهنا. وعن ابن عباس في قوله تعالى: {يظنون بالله غير الحق} يعني التكذيب بالقدر وهو قولهم: "لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا" قيل إن الذي قال هل لنا من الأمر من شيء هو عبدالله بن أبيّ ابن سلول المنافق والذي قال لو كان لنا من الأمر شيء هو معتب بن قشير {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء المنافقين {لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل} أي قضى عليهم القتل وقدر عليهم {إلى مضاجعهم} يعني مصارعهم التي يصرعون بها وقت القتل ومعنى الآية أن الحذر لا ينفع مع القدر والتدبير لا يقاوم. التقدير فالذين قدر عليهم القتل وقضاه وحكم به عليهم لا بد وأن يقتلوا والمعنى لو جلستم في بيوتكم لخرج منها ولظهر الذين قضى الله عليهم بالقتل وقضاه وحكم به عليهم لا بد وأن يقتلوا والمعنى لو جلستم في بيوتكم لخرج منها ولظهر الذين قضى الله عليهم بالقتل وقضاه إلى حيث يقتلون فيه {وليبتلي الله ما في صدوركم} أي وليختبر ما في صدوركم ليعلّمه مشاهدةً، كما علمه غيباً لأن المجازاة إنما تقع على ما علمه مشاهدة وقيل معناه ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر لكم وقيل معناه ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم فأضاف الابتلاء إليه تعظيماً لشأن أوليائه المؤمنين {وليمحص الله ما في قلوبكم} قال قتادة أي يطهرها من الشك والارتياب بما يريكم من عجائب صنعه في إلقاء الأمنة وصرف العدو وإظهار سرائر المنافقين فعلى هذا يكون الخطاب للمؤمنين خاصة. وقيل معناه وليبين ويظهر ما في قلوبكم يعني من الاعتقاد لله ولرسوله وللمؤمنين من العداوة فعلى هذا يكون الخطاب للمنافقين خاصة {والله عليم بذات الصدور} يعني بالأشياء الموجودة في الصدور وهي الأسرار والضمائر لأنه عالم بجميع المعلومات.

ابن عادل

تفسير : في نصب "أمَنَةً" أربعة أوجهٍ: الأول: أنها مفعول "أنْزَلَ". الثاني: أنها حال من "نُعَاساً" لأنها في الأصل - صفةٌ، فلما قُدِّمَتْ نُصِبت حالاً. الثالث: أنها مفعولٌ من أجْله، وهو فاسدٌ؛ لاختلال شَرْطِهِ - وهو اتحادُ الفاعلِ - فإنّ فاعل "أنْزَلَ" غير فاعلِ الأمَنَةِ. الرابع: أنه حالٌ من المخاطبين في "عَلَيْكُمْ" وفيه حينئذٍ - تأويلانِ: إما على حَذْف مضافٍ - أي ذوي أمَنَةٍ - وإما أن يكون "أمَنَةً" جمع آمن، نحو بار وبَرَرَة، وكافر وكَفَرَة. وألأما "نُعَاساً" فإن أعْرَبْنا "أمَنَةً" مفعولاً به كان بدلاً، وهو بدل اشتمالٍ؛ لأن كُلاًّ من الأمَنَةِ والنُّعَاسِ يشتملُ على الآخر، أو عطف بيان عند غير الجمهورِ؛ فإنهم لا يشترطون جريانه في المعارِفِ، أو مفعولاً من أجلِهِ، وهو فاسدٌ؛ لما تقدم وإن أعربنا "أمَنَةً" حالاً، كان "نُعَاساً" مفعولاً بـ "أنزَلَ" و "أنْزَلَ" عطف على "فأثَابَكُمْ" وفاعله ضمير اللهِ تَعَالى، و "أل" في "الْغَمِّ" للعهد؛ لتقدُّم ذِكْره ورد أبو حيان على الزمخشريِّ كون "أمَنَةً" مفعولاً به بما تقدم، وفيه نظرٌ، فإن الزمخشريَّ قال أو مفعولاً له بمعنى نعستم أمنة. فقدر له عاملاً يتحد فاعله مع فاعل "أمَنَةً" فكأنه استشعر السؤال، فلذلك قدرَ عاملاً على أنه قد يُقال: إن الأمَنَةَ من اللهِ تَعَالَى، بمعنى أنهُ أوقعها بهم، كأنه قيل: أنزلَ عليكم النعاس ليُؤمِّنَكُمْ به. و "أمَنَةً" كما يكون مصدراً لمن وقع به الأمن يكون مصدراً لمن أُوقِع به. وقرأ الجمهور: أمَنَةً - بفتح الميم - إما مصدراً بمعنى الأمن، أو جمع آمن، على ما تقدم تفصيله. والنَّخَعِيُّ وابن محيصن - بسكون الميم وهو مصدرٌ فقط، والأمْن والأمَنة بمعنًى واحدٍ، وقيل الأمْنُ يكون مع زوالِ سببِ الخَوفِ، والأمَنة مع بقاء سببِ الخوفِ. فصل في بيان كيفية النظم في كيفية النَّظْمِ وَجْهَانِ: أحدهما: أنه لما وعد المؤمنين بالنصر، فالنصر لا بدّ وأن يُسبق بإزالة الخوف عنهم؛ ليصير ذلك كالدلالة على أنه تعالى منجزٌ وَعْدَهُ في نَصْر المؤمنينَ. الثاني: أنه - تعالى - بيَّن نَصْرَ المؤمنين - أولاً - فلما عصى بعضهم سلط عليهم الخوفَ. ثم ذكر أنه أزال ذلك الخوف عن قلوب مَنْ كان صادقاً في إيمانه، مستقِرًّا على دينه بحيث غلب النعاس عنه. واعلم أن الذين كانُوا مع رسولِ الله يوم أُحُدٍ فريقانِ: أحدهما: الجازمونَ بنبوَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم فهؤلاء كانوا قاطعينَ بأنَّ اللهَ يَنْصُرُ هذا الدينَ، وأن هذه الواقعةَ لا تؤدي إلى الاستئصالِ، فلا جَرَمَ كانوا مؤمنين، وبلغ ذلك الأمن إلى حيثُ غشيَهم النُّعَاسُ فإن النوم لا يجيء مع الخوفِ، فقال - هاهنا - في قصة أُحُدٍ: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} وقال في قصة بدرٍ: {أية : إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} تفسير : [الأنفال: 11]. وأما الفريقُ الثاّنِي فهم المنافقونَ، فكانوا شاكِّين في نبوتِهِ صلى الله عليه وسلم وما حضروا إلا لطلب الغنيمةِ، فهؤلاء اشتد جزعُهُمْ، وعظم خوفُهُمْ. فإن قيل: لم قدم ذكر الأمَنَة على النُّعَاسِ في قصة أُحُدٍ، وأخرها في قصة بدرٍ؟ فالجوابُ: أنه لما وعدهم بالنصر، فالأمن وزوال الخوف إشارةٌ ودليلٌ على إنجاز الوَعْدِ. قوله: {يَغْشَىٰ} قراءة حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء؛ ردًّا إلى النُّعَاسِ، وخرَّجوا قراءة حمزة والكسائي على أنها صفة لـ "امَنَةً"؛ مراعاة لها، ولا بُدّ من تفصيل، وهو إن أعربوا "نُعَاساً" بدلاً، أو عَطْفَ بيانٍ، أشكل قولهم من وَجْهَيْن: الأول: أن النُّحاة نَصُّوا على أنه إذا اجتمع الصفةُ والبدلُ أو عَطْفُ البيانِ، قدِّمت الصفة، وأخر غيرها، وهنا قد قدَّموا البدلَ، أو عطف البيانِ عليها. الثاني: أن المعروفَ في لغة العرب أن يُحَدَّث عن البدل، لا عن المبدَل منه، تقول: هِنْد حُسْنُها فاتِنٌ، ولا يجوز فاتنة - إلا قليلاً - فَجَعْلُهم "نُعَاساً" بدلاً من "أمَنَةً" يضعف لهذا. فإن قيل: قد جاء مراعاة المبدَل منه في قول الشاعر: [الكامل] شعر : 1667- وَكَأنَّهُ لَهِقُ السَّرَاةِ كَأَنَّهُ مَا حَاجِبَيْنهِ مُعَيَّنٌ بِسَوَادِ تفسير : فقال: "مُعَيَّنٌ"؛ مراعاة للهاء في "كأنه" ولم يُرَاعِ البدل - حاجبيه - ومثله قول الآخر: [الكامل] شعر : 1668- إنَّ السُّيُوفَ غُدُوَّها وَرَواحَهَا تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأعضَبِ تفسير : فقال: تركت؛ مراعاة للسيوف، ولو راعَى البدل لقال: تركا. فالجوابُ: أنَّ هذا - وإن كان قد قَالَ به بعضُ النحويينَ؛ مستنداً إلى هذين البيتين - مُؤوَّلٌ بأن "معين" خبر لِـ "حاجبيه" لجريانهما مَجْرَى الشيء الواحدِ في كلام الْعَرَبِ، وأنَّ نصب "غُدُوَّهَا وَرَوَاحَهَا" على الظرف، لا على البدل. وقد تقدم شيء من هذا عند قوله: {أية : عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ}تفسير : [البقرة: 102]. وإن اعربوا "نُعَاساً" مفعولاً من أجله لزم الفصلُ بين الصفة والموصوف بالمفعول لَهُ, وكذا إن أعربوا "نُعاساً" مفعولاً به و "أمَنَةً" حالٌ يلزم الفصل - أيضاً - وفي جوازه نظر، والأحسنُ - حينئذٍ - أن تكون هذه جملة استئنافية جواباً لسؤال مقدَّر، كأنه قيل: ما حكم هذه الأمَنَة؟ فأخبر بقوله: "تغشى". ومن قرأ بالياء أعاد الضمير على "نُعَاساً" وتكون الجملة صفة له، و "مِنْكُمْ" متعلق بمحذوف، صفة لِـ "طَائِفَةً". فصل قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافِّنا يوم أُحُدٍ، فكان السيفُ يسقط من أحَدِنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، وقال ثابتٌ: عن أنسٍ عن أبي طلحةَ قال: رفعت رأسي يومَ أُحُدٍ، فجعلت ما أرى أحداً من القوم إلا وهو يميل تحت جحفته من النُّعاس. وقال الزبيرُ: كنت مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حين اشتدَّ الخوفُ، فأنزلَ اللهُ علينا النومَ، واللهِ إنِّ لأسمع قول مُعَتِّب بن قُشَيْر - ما أسمعه إلاّ كالحلم - يقول: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شيءٌ مَا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا}. فصل قال ابنُ مسعودٍ: النُّعَاسُ في القتال أمنة، والنعاس في الصلاة من الشَّيْطَانِ، وذلك أنه في القتال لا يكون إلا من الوثوق باللهِ، والفراغ عن الدنيا، ولا يكون في الصَّلاة إلا من غاية البعد عن اللهِ تعَالَى. واعلم أنّ ذلك النعاسَ فيه فوائدٌ: الأولى: أنه وَقَعَ على كافة المؤمنين - لا على الحد المعتاد - فكان معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ولا شكَّ أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزةَ الجديدة ازدادوا إيماناً مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد أحدهم في محاربة العدو. الثانية: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوةِ والنشاطِ، واشتدادَ القوةِ والقدرةِ. الثالثة: أنَّ الكفارَ لما اشتغلوا بقَتْل المسلمين ألقى اللهُ النومَ على عين من بقي منهم؛ لئلاّ يشاهدوا قتل أعزتهم فيشتد الخوفُ والجُبْنُ في قلوبِهمْ. الرابعةُ: أن الأعداءَ كانوا في غاية الحرصِ على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السَّلامةِ في مثل تلك المعركةِ - من أدلِّ الدَّلائِلِ على أنَّ حِفْظ اللهِ وعصمته معهم، وذلك مما يُزِيل الخوفَ عن قلوبهم، ويورثهم مزيدَ الوثوق بوعد الله تعالى. قوله: {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} في هذه الواو ثلاثة أوجهٍ: الأول: أنها واو الحالِ، وما بعدها في محل نَصْبٍ على الحال، والعامل فيها "يَغْشَى". الثاني: أنها واو الاستئناف، وهي التي عبر عنها مَكيٌّ بواو الابتداء. الثالث: أنها بمعنى "إذْ" ذكره مَكي، وأبو البقاءِ، وهو ضعيفٌ. و "طائفة" مبتدأ، والخبر {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} وجاز الابتداء بالنكرة لأحدِ شيئين: إما للاعتمادِ على واو الحالِ، وقد عده بعضهم مسوغاً - وإن كان الأكثرُ لم يذكره -. وأنشدوا: [الطويل] شعر : 1669- سَرَيْنَا وَنَجْمٌ قَدْ أضَاءَ فَمُذْ بَدَا مُحَيَّاكِ أخْفَى ضَوْءهُ كُلَّ شَارِقِ تفسير : وإما لأن الموضعَ تفصيلٌ؛ فإن المعنى: يغشى طائفةً، وطائفة لم يغشهم. فهو كقوله: شعر : 1670- إذَا مَا بَكَى مِنْ خَلْفِهَا انْصَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وَشِقٌّ عِنْدَنَا لَمْ يُحَولِ تفسير : ولو قُرِئ بنصب "طَائِفَة" - على أن تكون المسألةُ من باب الاشتغالِ - لم يكن ممتنعاً إلا من جهة النقلِ؛ فإنه لم يُحْفظ قراءة، وفي خبر هذا المبتدأ أربعة أوجهٍ: أحدها: أنه {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} كما تقدم. الثاني: أنه "يَظُنُّونَ" والجملة قبله صفة لِـ "طَائِفَة". الثالث: أنه محذوفٌ، أي: ومنكم طائفة وهذا يُقَوِّي أنَّ معناه التفصيل، والجملتان صفة لِـ "طَائِفَةٌ" أو يكون "يَظُنُّونَ" حالاً من مفعول "أهَمَّتْهُمْ" أو من "طَائِفَةٌ" لتخصُّصه بالوَصْف، أو خبراً بعد خبر إن قلنا: {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ} خبر أول. وفيه من الخلاف ما تقدم. الرابع: أن الخبر {يَقُولُونَ} والجملتان قبله على ما تقدّم من كونهما صفتين، أو خبرين، أو إحداهما خبر، والأخْرَى حالٌ. ويجوز أن يكون {يَقُولُونَ} صفة أو حالاً - أيضاً - إن قلنا: إن الخبرَ هو الجملة التي قبله، أو قلنا: إن الخبر مُضْمَرٌ. قوله: {يَظُنُّونَ} له مفعولان، فقال أبو البقاءِ: {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} المفعولُ الأولُ، أي أمراً غير الحق، و "باللهِ" هو المفعول الثاني. وقال الزمخشريُّ: {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} في حكم المصدر، ومعناه: يظنون باللهِ غير الظن الحق الذي يجب أي يُظَنَّ به. و {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} بدل منه. ويجوز أن يكون المعنى: يظنون بالله ظن الجاهلية و {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} تأكيداً لِـ {يَظُنُّونَ} كقولك: هذا القول غير ما يقول. فعلى ما قال لا يتعدى "ظن" إلى مفعولين، بل تكون الباء ظرفية، كقولك: ظننت بزيد، أي: جعلته مكان ظني، وعلى هذا المعنى حمل النحويون قولَ الشاعر: [الطويل] شعر : 1671- فَقُلْتُ لَهُمْ: ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسَرَّدِ تفسير : أي قلتُ لهم: اجعلوا ظنكم في الفي مُدَجَّجٍ. ويحصل في نصب {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} وجهان: أحدهما: أنه مفعول أول لِـ "يَظُنُّونَ". والثاني: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ للجملة التي قبله بالمعنيين اللذين ذكرهما الزمخشريُّ. وفي نصب {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} وجهان - أيضاً -: البدل من {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} أو أنه مصدر مؤكِّد لِـ {يَظُنُّونَ}. و "بالله" إما متعلِّق بمحذوف على جَعله مفعولاً ثانياً، وإما بفعل الظنِّ - على ما تقدم - وإضافة الظنِّ إلى الجاهلية، قال الزمخشريُّ: "كقولك: حاتم الجود، ورجل صدقٍ، يريد: الظنَّ المختص بالملة الجاهلية، ويجوز أن يراد ظن أهل الجاهلية". وقال غيره: المعنى: المدة الجاهلية، أي: القديمة قبل الإسلامِ، نحو {أية : حَمِيَّةَ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} تفسير : [الفتح: 26] فصل هؤلاء هم المنافقونَ - عبد الله بن أبيٍّ، ومُعَتب بن قُشَيْرٍ، وأصحابهما - كان همتهم خلاص أنفسهم، يقال: همني الشيء - إذا كان من همي وقصدي - وذلك أن الإنسان إذا اشتدَّ انشغاله بالشيء صار غافلاً عما سواه، فلما كان أحَبُّ الأشياء إلى الإنسان نفسَه، فعند الخوفِ على النفس يصير ذاهلاً عن كل ما سواها، فهذا هو المرادُ من قوله: {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}، وفي هذا الظنِّ احتمالانِ: أحدهما - وهو الأظهرُ -: أنهم كانوا يقولون في أنفسهم: لو كان محمدٌ مُحِقًّا في دعواه لما سُلِّطَ الكفار عليه - وهذا ظنٌّ فاسدٌ، أما على قول أهلِ السُّنَّةِ فلأنه - تعالى - يفعل ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريدُ، لا اعتراض عليه. وأما على قول من يعتبر المصالح في أفعال اللهِ وأحكامِهِ، فلا يبعد أن يكون لِلَّهِ حكمٌ خفيَّةٌ، وألطافٌ مَرْعِيَّةٌ في تخلية الكافر بحيثُ يقهر المسلم، فإنَّ الدنيا دارُ امتحانٍ وابتلاء، ووجوه المصالحِ مستورةٌ عن العقول. قال القفال: لو كان كون المؤمنِ محقاً يوجب زوال هذه المعاني لوجب أن يضطر الناسُ إلى معرفة كون المُحِقّ مُحِقًّا، وذلك ينافي التكليفَ، واستحقاق الثوابِ والعقابِ، والمُحِقُّ إنما يُعْرَف بما معه من الدَّلائل والبيِّنات، فأمّا القَهْرُ فقد يكونُ من المُبْطِل للمحقِّ ومن المحِقِّ للمُبْطِلِ. الاحتمالُ الثاني: أن ذلكَ الظنَّ هو أنهم كانوا يُنكِرون إلَه الْعَالَمِ، وينكرون النبوةَ والبعثَ - فلا جَرَمَ - ما وثقوا بقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم في أنَّ اللهَ تعَالى يُقَوِّيهم وَيَنْصُرُهُمْ. وقيل: ظنوا أن محمداً قد قُتِل. و {ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} بدل من قوله: {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} وفائدة هذا الترتيب أنَّ غَيْرَ الحقِّ أديانٌ كثيرةٌ، وأقبحُهَا مقالة أهل الجاهلية، فذكر أنهم يظنون بالله غير الحق ثم بيَّن أنهم اختاروا من أقسامِ الأديانِ التي هي غيرُ حَقَّةٍ أقبحها وأكثرها بطلاناً، وهو ظنُّ أهل الجاهلية. قوله: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} "من" - في {مِن شَيْءٍ} - زائدة في المبتدأ، وفي الخبر وجهانِ: أحدهما - وهو الأصحُّ -: أنه "لَنَا" فيكون {مِنَ ٱلأَمْرِ} في محل نصبٍ على الحالِ من "شَيءٍ" لأنه نعتُ نكرة، قدم عليها، فنصب حالاً، وتعلق بمحذوفٍ. الثاني: - أجازه أبو البقاء - أن يكون {مِنَ ٱلأَمْرِ} هو الخبر، و "لنا" تبيين، وبه تتم الفائدةُ كقوله: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 4]. وهذا ليس بشيء؛ لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذٍ يتعلق بمحذوفٍ، وإذا كان كذلك فيصير "لَنَا" من جملة أخرى، فتبقى الجملةُ من المبتدأ والخبر غير مستقلةٍ بالفائدةِ، وليس نظيراً لقوله: {أية : وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 4] فإن "لَهُ" فيها متعلق بنفس "كُفُواً" لا بمحذوفٍ، وهو نظيرُ قولكَ: لم يكن أحدٌ قاتلاً لبكرٍ. فـ "لبكر" متعلق بنفس الخبر. وهل هنا الاستفهام عن حقيقته، أم لا؟ فيه وجهانِ: أظهرهما: نَعَمْ، ويعنون بالأمر: النصر والغلبة. والثاني: أنه بمعنى النفي، كأنهم قالوا: ليس لنا من الأمر - أي النصر - شيء، وإليه ذَهَبَ قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ. ولكن يضعف هذا بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} فإن من نَفَى عن نفسه شيئاً لا يجاب بأنه ثبت لغيره؛ لأنه يُقِرُّ بذلك، اللهم إلاَّ أن يقدر جملة أخرى ثبوتية مع هذه الجملة، فكأنَّهم قالوا: ليس لنا من الأمر شيءٌ، بَلْ لمن أكرهنا على الخروج وحَمَلَنا عليه، فحينئذ يحْسُن الجوابُ بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} لقولهم هذا، وهذه الجملةُ الجوابيةُ اعتراض بين الجُمَل التي جاءت بعد قوله: "وطائفة" فإن قوله: {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم} وكذا {يَقُولُونَ} - الثانية - إما خبر عن "طَائِفَةٌ" أو حال مما قبلها. فصل اعلم أنَّ قولَهُ: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} حكايةٌ للشبهة التي تمسَّك بها المنافقون، وهي تحتمل وجوهاً: الأول: أنَّ عبد الله بن أبيٍّ لما شاوره النبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعةِ أشار عليه بأن لا يخرج من المدينةِ، ثُمَّ إنَّ الصحابةَ ألَحُّوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم، فغضب عبد اللهِ بنُ أبي من ذلك، فقال: عصاني وأطاع الوِلْدان، فلما كثر القتل في بني الخزرج، ورجع عبدُ الله بن أبي قيل له: قُتِل بنو الخَزرج!! فقال: "هل لنا من الأمر من شيء"؟ يعني: أن محمداً لم يقبل قولي حين أمرتُه بأن لا يخرج من "المدينة". والمعنى: هل لنا أمرٌ يُطاع؟ وهو استفهام على سبيل الإنكار. الثاني: ما تقدم في الإعرابِ أنَّ معناه النفي، أي: هل لنا من الشيء الذي كان يَعِدُنا به محمد صلى الله عليه وسلم وهو النصر والقوة - شيء؟ وهذا استفهامٌ على سبيل الإنكار. الثالث: أن التقدير: أنطمع أن تكون لنا الغلبة على هؤلاء؟ ويكون المراد منه الطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكونَ قائلُهُ من المؤمنين، ويكون المرادُ منه إظهار الشَّفَقَة، أنه متى يكون الفرجُ والنُّصرة؟ وهو المرادُ - أيضاً - بقوله: {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ}. وقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} قرأ أبو عمرو "كُلُّهُ" - رفعاً - وفيه وجهان: الأول: - وهو الأشهر - أنه رفع بالابتداء، و "لله" خبره والجملة خبر "إنَّ" نحو: إن مال زيد كله عنده. الثاني: أنه توكيد على المحل، فإن اسمها - في الأصل - مرفوعٌ بالابتداء، وهذا مذهبُ الزَّجَّاجِ والجَرْمي، يُجْرُون التوابعَ كلَّها مُجْرَى عطف النسق، فيكون "للهِ" خبراً لِـ "إنَّ" أيضاً. وقرأ الباقون بالنصب، فيكون تأكيداً لاسم "إنَّ" وحَكَى مكي عن الأخفش أنه بدل منه - وليس بواضح - و "للهِ" خبر "إنَّ". وقيل على النعت؛ لأنَّ لفظة "كُلّ" للتأكيد، فكانت كلفظة "أجمع". فصل هذه الآية تدل على أن جميع المحدثات خلق لله تعالى بقضائه وقدره؛ لأن المنافقين قالوا: إن محمداً لو قبل مِنَّا رَأيَنَا ونُصْحَنا، لما وقع في هذه المِحْنةِ، فأجابهم اللهُ تَعَالَى بأن الأمرَ كُلَّه للهِ، وهذا [الجواب] إنما ينتظم إذا كانت أفعالُ العبادِ بقضاء اللهِ وقدَرِهِ؛ إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب دافعاً لشبهة المنافقين. قوله: {يُخْفُونَ} إما خبر لِـ {طَآئِفَةً} وإما حال مما قبله - كما تقدم - وقوله: {يَقُولُونَ} يحتمل هذينِ الوجهينِ، ويحتمل أن يكون تفسيراً لقوله: {يُخْفُونَ} فلا محلَّ له حينئذٍ. قوله: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} كقوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} وقد عرف الصحيح من الوجهين. وقوله: {ما قُتِلْنا هَـٰهُنا} جواب "لَوْ" وجاء على الأفصح، فإن جوابها إذا كان منفياً بـ "ما" فالأكثر عدم اللام، وفي الإيجاب بالعكس، وقد أعرب الزمخشريُّ هذه الجُمَلَ الواقعة بعد قوله: "وطائفة" إعراباً أفْضى إلى خروج المبتدأ بلا خبر فقال: "فإن قُلتَ: كيف مواقعُ هذه الجُمَلِ الواقعة بعد قوله: "وطائفة". قُلْتُ:{قَدْ أَهَمَّتْهُمْ} صفة لـ {َطَآئِفَةٌ} و {يَظُنُّونَ} صفة أخرى، أو حالٌ، بمعنى: قد أهمتهم أنفسهم ظَانِّين، أو استئنافٌ على وجه البيانِ للجملة قبلها و {يَقُولُونَ} بدلٌ من {يَظُنُّونَ}. فإن قلتَ: كيف صَحَّ أن يقع ما هو مسألة عن الأمر بدلاً من الإخبار بالظنِّ؟ قلتُ: كانت مسألتهم صادرة عن الظن، فلذلك جاز إبداله منه، و {يُخْفُونَ} حال من {يَقُولُونَ} و {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} اعتراض بين الحالِ وذي الحالِ، و {يَقُولُونَ} بدلٌ من {يُخْفُونَ} والأجود أن يكون استئنافاً". انتهى. وهذا من أبي القاسم بناءً على أنَّ الخبرَ محذوفٌ، كما تقدم تقريره في قوله: {وَطَآئِفَةٌ} أي: ومنكم طائفةٌ، فإنه موضعُ تفصيلٍ. فإن قيل: ما الفرق بين قوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} وبين قوله: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} وقد أجاب عن الأول بقوله: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} وأجاب ههنا بغير ذلك؟ فالجوابُ من وجهين: الأول: أن المنافقينَ قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقولٌ لم نخرج مع محمدٍ إلى قتالِ أهلِ مكةَ، وما قُتِلْنَا هاهنا، وهذا يدلُّ على أنَّ الأمر ليس كما قلتم من أنَّ الأمرَ كلَّه للهِ، وهذا كالمناظرةِ الدائرةِ بين أهلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزلَةِ؛ فإنَّ السُّنِّي يقولُ: الأمر كُلُّهُ - في الطَّاعِةِ والمعصيةِ، والإيمانِ والكُفْرِ بيد اللهِ، والمعتزلي يقول: ليس الأمر كذلك؛ فإن الإنسانَ مختارٌ، ومستقلٌّ بالفعل، إن شاء آمن وإن شاء كَفَر، فَعلى هذا الوجه لا يكون هذا الكلام شبهة مستقلة بنفسها، بل يكون الغرض منه الطعن فيما جعله الله تعالى جواباً عن الشُّبْهَةِ الأولى. الثاني: أن المراد من قوله: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} أي: هل لنا من النُّصْرَة التي وَعَدَنَا بها محمد صلى الله عليه وسلم شيء؟ ويكون المراد من قوله: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هَـٰهُنا} هو ما كان يقوله عبد الله بن أبي من أن محمداً لو أطاعني ما خرج عن "المدينة"، وما قُتِلْنا ههنا. واعلم أنه - تعالى - أجاب عن هذه [الشُّبْهَةَ] من ثلاثة أوجهٍ: الأول: قوله: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} ومعناه: أن الحَذَرَ لا يدفع القَدَرَ، فالذين قَدَّر الله عليهم القَتْلَ، لا بُدَّ وأن يُقْتَلُوا على كل تقديرٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالى لما أخبره أنه يقتل، فلو لم يُقْتَلْ، لانْقَلَبَ علمه جهلاً. وقال المفسِّرون: لو جلستم في بيوتكم لخرج منكم مَنْ كَتَبَ اللهُ عليهم القَتْلَ إلى مضاجعهم ومصارعهم، حتى يُوجَدَ ما علم الله أنه يُوجد وقيل: تقديرُ الكلام: كأنه قيل للمنافقين: لو جلستم في بيوتكم، وتَخَلَّفْتُمْ عن الجهاد، لخرج المؤمنون الذين كُتِبَ عليهم قتال الكفار إلى مضاجعهم، ولم يتخلَّفوا عن هذه الطاعة بسبب تخلُّفكم. قوله: {لَبَرَزَ} جاء على الأفصح، وهو ثُبُوتُ اللامِ في جواب "لو" مثبتاً. وقراءة الجمهور {لَبَرَزَ} مخفَّفاً مبنياً للفاعل، وقرأ أبو حَيْوَة "لَبُرِّزَ" مشدَّداً، مبنيًّا للمفعول، عدَّاه بالتضعيف. وقرئ "كَتَبَ" مبنياً للفاعل، و "القَتْلَ" مفعول به. وقرأ الحسنُ: {كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتالُ} رَفعاً. الجوابُ الثاني عن هذه الشُّبْهَةِ قوله: "وليبتلي" فيه خمسة أوجُهٍ: فقيل: إنه متعلق بفعل قبله، وتقديره: فَرَضَ اللهُ عليكم القتَالَ، ولم يَنْصُرْكُمْ يوم أُحُدٍ، ليبتلي ما في صدوركم، أي: ضمائركم. وقيل: بفعل بعده، أي: ليبتلي فَعَلَ هذه الأشياء. وقيل: الواو زائدة، واللام متعلقة بما قبلها. وقيل: "وليبتلي" عطف على "ليبتلي" الأول وإنما كُرِّرت لطول الكلام، فعطف عليه {وَلِيُمَحِّصَ} قاله ابنُ بحرٍ. وقيل: هو عطف على علةٍ محذوفة تقديره: ليقضي اللهُ أمرَه وليبتلي. الجواب الثالث عن هذه الشُّبْهَةِ قوله: {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} فيه وَجْهَانِ: أحدهما: أن هذه الواقعة تخرج ما في قلوبكم من الوساوس والشبهات، وتطهرها. الثاني: أنها تصيره كَفَّارةً لذنوبكم، فتمحصكم عن تبعات المعاصي والسيئات. فإن قيل: قد سبق ذِكْرُ الابتلاء في قوله: {أية : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 152] فلم أعادَه؟ فالجواب: أنه أعادهُ؛ لطول الكلام بينهما، ولأن الابتلاء الأول هزيمة المؤمنين، والابتلاء الثاني سائر الأحوال. فإن قيل: قوله: {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} المرادُ منه القلب؛ لقوله: {أية : ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] فجعل متعلق الابتلاء ما انطوى عليه الصَّدْرُ - وهو ما في القلب من النِّيَّةِ - وجعل متعلق التمحيص ما في القلب - وهو النيات والعقائد - فلم خالف بين اللفظين في المتعلِّق؟ فالجوابُ: أنه لما اختلف المتعلَّقان حسنَ اختلافُ لفظَيْهما. ثم قال: {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} أي: الأسرار والضمائر؛ لأنها حالَّةٌ فيها، مصاحبة لها، وذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يَخْفَى عليه ما في الصدور وغيره - لأنه عالم بجميع المعلومات - وإنما ابتلاهم لمَحْض الإلهية.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن السدي. حديث : أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين، فواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم بدراً من قابل فقال لهم: نعم. فتخوّف المسلمون أن ينزلوا المدينة، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فقال: انظر فإن رأيتهم قد قعدوا على أثقالهم، وجنبوا خيولهم، فإن القوم ذاهبون. وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم، وجنبوا على أثقالهم، فإن القوم ينزلون المدينة. فاتقوا الله واصبروا، ووطنهم على القتال. فلما أبصرهم الرسول قعدوا على الأثقال سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم، فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله صلى الله عليه وسلم فناموا، وبقي الناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم فقال الله يذكر حين أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} . تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: أمنهم الله يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن المسور بن مخرمة قال: سألت عبد الرحمن بن عوف عن قول الله {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً} قال: ألقي علينا النوم يوم أحد. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن أنس أن أبا طلحة قال: غشينا ونحن في مصافنا يوم أحد، حدث أنه كان ممن غشيه النعاس يومئذ، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، وسقط وآخذه. فذلك قوله {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم} والطائفة الأخرى؛ المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذ له للحق يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية كذبهم إنما هم أهل شك وريبة في الله. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه والحاكم وصححه وابن مردويه وابن جرير والطبراني وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن الزبير بن العوّام قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم أحد إلا وهو مميد تحت حجفته من النعاس. فذلك قوله {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً} وتلا هذه الآية {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً}. وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن الزبير بن العوّام قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم أحد إلا وهو مميد تحت حجفته من النعاس. وتلا هذه الآية {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً...} الآية. وأخرج ابن اسحق وابن راهويه وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الزبير قال: "حديث : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً} إلى قوله {ما قتلنا ههنا} لقول معتب بن قشير "تفسير : . وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه قرأ في آل عمران {أمنة نعاساً تغشى} بالتاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود قال "النعاس" عند القتال أمنة من الله، والنعاس في الصلاة من الشيطان. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: إن المنافقين قالوا لعبدالله بن أبي ـ وكان سيد المنافقين ـ في أنفسهم قتل اليوم بنو الخزرج. فقال: وهل لنا من الأمر شيء؟ أما والله {أية : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل}تفسير : [المنافقون: 8] وقال {لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل}. وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله {ظن الجاهلية} قالا: ظن أهل الشرك. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال معتب: الذي قال يوم أحد {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} فأنزل الله في ذلك من قولهم {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله} إلى آخر القصة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} كان مما أخفوا في أنفسهم أن قالوا {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال: لما قتل من قتل من أصحاب محمد أتوا عبدالله بن أبي فقالوا له: ما ترى؟ فقال: إنا ـ والله ـ ما نؤامر {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا}. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه سئل عن قوله {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} قال: كتب الله على المؤمنين أن يقاتلوا في سبيله، وليس كل من يقاتل يقتل، ولكن يقتل من كتب الله عليه القتل.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً} [الآية: 154]. قال ابن عطاء: من صَدَّقَ إرادته واجتهاده ورياضته، ردَّ إلى محل الأمن أى: عصم من كل مخوفٍ. قوله تعالى: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}. قال الجريري: منقطعين إلى الرب جل وعز فانيةً عنهم أوصافهم وإراداتهم متطلعون لإرادة الله تعالى فيهم. قال بعضهم: {رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}: وزراء الأنبياء فما وهنوا لما أصابهم اعتمادًا على الله تعالى، وما ضعفوا لما أصابهم فى ذات الله تعالى، و "ما استكانوا" لم يتضرعوا لنزول البلاء بهم. قوله تعالى: {فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}. قال الواسطى: كونوا كأبى بكر الصديق رضى الله عنه لما كانت نسبته إلى الحق لم يؤثر عليه فقدان السبب، ولما ضعفت نسبتهم أثر عليهم الخطاب، فعمر بن الخطاب رضى الله عنه يقول: "من قال مات محمد صلى الله عليه وسلم ضربت عنقه وأبو بكر رضى الله عنه نظر إلى ما دله عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم فقرأ: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}.

البقلي

تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} اى من رسم طريق المعرفة تجلى القهر واللطف القهر من العظمة والغيرة واللطف من الحسن والجمال وفى عين الحقيقة هما واحد الاول تربية والثانى رفاهية وسنة الله جرت على مباشرتها على التسرمد فما باشر للقهر وجود العارف الا وياتى بعده نورة التجلى اللطف البسط والروح والكشف والانس قال الله تعالى {أية : وَٱللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} تفسير : وقال {أية : إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً} تفسير : فلما ذاقوا الم الامتحان انسوا بروية الرحمن الاول خوف لانهم فى العبودية والاخرا مْنُ لانهم رؤية الربوبية وذلك يقتضى الامن والنعاس محل الكشف كاشفهم الله هموم المجاهدة بنور المشاهدة قال ابن عطا من صدق ارادته وجتهاده ورياضته رد الى محل الانس صدق بان عطا هذا وصف من وصفهم الله بالتمكين والاستقامة من الصحابة المباركة رضى الله عنهم بالصبر فى البلاء كانصار الانبياء الذين وصفهم الله بقوله {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {ثم انزل عليكم} عطف على قوله فاثابكم وانزل مجاز اى اعطى ووهب لكم ايها المؤمنون {من بعد الغم} المذكور {امنة} اى امنا نصب على المفعولية {نعاسا} بدل منها وهو الوسن. قال ابو طلحة رفعت رأسى يوم احد فجعلت لا ارى احدا من القوم الا وهو يميد تحت جحفته من النعاس وكنت ممن القى عليه النعاس يومئذ فكان السيف يسقط من يدى فآخذه ثم يسقط السوط فآخذه وفيه دلالة على ان من المؤمنين من لم يلق عليه النعاس كما ينبئ عنه قوله تعالى {يغشى طائفة منكم} وهم المهاجرون وعامة الانصار ولا يقدح ذلك فى عموم الانزال للكل والجملة فى محل النصب على انها صفة لنعاسا {وطائفة} مبتدأ وهم المنافقون {قد اهمتهم انفسهم} اى اوقعتهم فى الهموم والاحزان او ما بهم الا همّ انفسهم وقصد خلاصها {يظنون بالله} حال من ضمير اهمتهم {غير الحق} غير الظن الحق الذى يجب ان يظن به سبحانه {ظن الجاهلية} بدل منه وهو الظن المختص بالملة الجاهلية واهلها {يقولون} بدل من يظنون اى لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد {هل لنا من الامر} اى من امر الله تعالى ووعده من النصر والظفر {من شىء} من نصيب قط {قل ان الامر كله لله} اى الغلبة بالآخرة لله تعالى ولاوليائه فان حزب الله هم الغالبون {يخفون فى انفسهم ما لا يبدون لك} حال من ضمير يقولون اى مظهرين انهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الانكار والتكذيب {يقولون} كأنه قيل أى شىء يخفون فقيل يحدثون انفسهم او يقول بعضهم لبعض فيما بينهم خفية {لو كان لنا من الامر شىء} كما وعد محمد صلى الله عليه وسلم من ان الغلبة لله ولاوليائه وان الامر كله لله {ما قتلنا ههنا} ما غلبنا او ما قتل من قتل منا فى هذه المعركة على ان النفى راجع الى نفس القتل لا الى وقوعه فيها فقط او لو كان لنا اختيار فى الخروج وتدبير لم نبرح كما كان رأى ابن ابى وغيره {قل} يا محمد تكذيبا لهم وابطالا لمعاملتهم {لو كنتم فى بيوتكم} اى لو لم تخرجوا الى احد وقعدتم بالمدينة كما تقولون {لبرز} اى لخرج {الذين كتب عليهم القتل} اى فى اللوح المحفوظ بسبب من الاسباب الداعية الى البروز {الى مضاجعهم} الى مصارعهم التى قدره الله تعالى فيها وقتلوا هناك البتة ولم تنفع العزيمة على الاقامة بالمدينة قطعا فان قضاء الله لا يرد وحكمه لا يعقب {وليبتلى ما فى صدوركم} علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها اخرى مطوية للايذان بكثرتها كأنه قيل فعل ما فعل لمصالح جمة وليبتلى اى ليعاملكم معاملة من يبتلى ما فى صدروكم من الاخلاص والنفاق ويظهر ما فيها من السرائر {وليمحص ما فى قلوبكم} من مخفيات الامور ويكشفها او يخلصها من الوساوس {والله عليم بذات الصدور} اى السرائر والضمائر التى لا تكاد تفارق الصدور بل تلازمها وتصاحبها.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {نعاساً}: بد لمن {أمنة}، أو هو المفعول، و {أمنة}: حال منه، مقدمة، أو مفعول له، أي: أنزل عليكم نعاساً لأجل الأمنة، أو حال من كاف {عليكم}، أي: أنزل عليكم حال كونكم آمنين. والأمنة: مصدر أمِن، كالعظَمة والغَلَبة. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ثم أنزل عليكم} أيها المؤمنون {من بعد الغم} الذي أصابكم بموت إخوانكم، والإرجاف بقتل نبيكم، الأمن والطمأنينة، حتى أخذكم النعاس وأنتم في الحرب. قال أبو طلحة: (غَشينَا النعاسُ ونحن في المصافّ، حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه). وقال الزبير رضي الله عنه. لقد رأيتني حين اشتدّ الخوف، ونحن مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، أرسل الله - تعالى - علينا النوم، والله إني لأسمع قول معتب، والنعاس يغشاني، ما أسمعه إلا كالحلُم: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}. ثم إن هذا النعاس إنما {يغشى طائفة منكم} وهم المؤمنون، أو: هذه الأمنة إنما تغشى طائفة منكم، وأما المنافقون فقد {أهمتهم أنفسهم}، أي: أوقعتهم في الهموم والغموم، أو ما يهمهم إلا أنفسهم، يُدبرون خلاصها ونجاتها، فقد طارت قلوبهم من الخوف، فلا يتصور في حقهم النوم، {يظنون بالله غير الحق} أي: غير الظن الحق، لأنهم ظنّوا أنه لا ينصر - عليه الصلاة والسلام، وأن أمره مضمحل، أو ظنوا أنه قتل، ظنّاً كظن الجاهلية، أهل الشرك، {يقولون} أي: بعضهم لبعض: {هل لنا من الأمر من شيء} أي: عُزلنا عن تدبر أنفسنا، فلم يبق لنا من الأمر من شيء. قاله ابنُ أُبي، لَما بلغة قتل الخزرج. {قل} لهم يا محمد: {إن الأمر كله لله}؛ ليس بيد غيره شيء من التدبير والاختيار، حال كون المنافقين {يخفون في أنفسهم} من الكفر والنفاق {ما لا يُبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا} أي: لو كان تدبيراً أو اختياراً ما خرجنا سلسلة المقادير، رغماً على أنفكم، فلو {كنتم في بيوتكم} آمنين {لبرز الذين كتب عليهم القتل}، ووصل أجلهم {إلى مضاجعهم} ومصارعهم، رغماً على أنفهم، فإن الله قدَّر الأمور ودبرها في سابق أزله، لا معقب لحكمه، وإنما فعل ذلك، وأخرجكم إلى المعركة {ليبتلي الله ما في صدوركم} أي: يختبر ما فيها من الخير أو الشر، {وليمحص ما في قلوبكم} أي: يكشف ما فيها من النفاق أو الإخلاص، فقد ظهر خبث سريرتكم ومرض قلوبكم بالنفاق الذي تمكن فيه، {والله عليم بذات الصدور} أي: بخفاياها قبل إظهارها. وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء، وإنما فعل ذلك ليُميِّز المؤمنين ويُظهَر حال المنافقين. قاله البيضاوي. الإشارة: ثم أنزل عليكم أيها الواصلون المتمكنون، أو من تعلق بكم من السائرين. من بعد غم المجاهدة وتعب المراقبة أمنة في قلوبكم بالطمأنينة بشهود الله، وراحة في جوارحكم من تعب الخدمة في السير إلى الله، حتى وصلتم فنمتم في ظل الأمن والأمان، وسكنتم في جوار الكريم المنان. قال بعض العارفين: (إذا انتقلت المعاملة إلى القلوب استراحت الجوارح)، وهذه الراحة إنما تحصل للعارفين، أو من تعلق بهم من المريدين، وطائفة من غيرهم؛ وهم المتفقرة الجاهلون، الذين لا شيخ لهم، قد أهمتهم أنفسهم، تارة تصرعهم وتارة يصرعونها، تارة تُشرق عليهم أنوارُ التوجه، فيقوى رجاؤهم في الفتح، وتارة تنقبض عنهم فيظنون بالله غير الحق، ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الفتح من شيء؟. قل لهم: {إن الأمر كله لله}؛ يوصل من يشاء ويبعد من يشاء، يُخفون في أنفسهم من العيوب والخواطر الرديئة ما لا يبدون لك، فإذا طال عليهم الفتح، وغلب عليهم الفقر، ندموا على ما فاتهم من التمتع بالدنيا، يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا ها هنا بالذل والفقر والجوع، قل لهم: ذلك الذي سبق في علم الله، لا محيد لأحد عنه، ليظهر الصادق في الطلب من الكاذب، [كن صادقاً تجد مرشداً]، فلو صدقتم في الطلب لأرشدكم إلى من يُوصلكم ويريحكم من التعب. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : القراءة والمعنى والحجة والاعراب والقصة: قرأ حمزة، والكسائي: تغشى بالتاء الباقون بالياء. فمن قرأ بالتذكير أراد النعاس، ومن أنث أراد الامنة، ومثله {أية : ألم يك نطفة من مني يمنى} تفسير : {أية : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي} تفسير : بالتاء، والياء. وقرأ أبوعمرو، وحده {إن الأمر كله} بالرفع. الباقون بالنصب، ووجه الرفع أنه على الابتداء، كما قال: {أية : وكل أتوه داخرين} تفسير : ويكون (لله) خبره، لأنه لما وقع الأمر في الجواب اُديت صورته في الاسم ثم جاءت الفائدة في الخبر، ولأنه نقيض بعض، فكما يجوز الرفع في (بعض) يجوز في (كل) نحو إن الأمر بعضه لزيد. والنصب على أنه تأكيد للامر {وامنة} منصوب، لأنه مفعول به، ونعاساً بدلا منه، والنعاس هو الامنة. وهذه الأمنة التي ذكرها الله في هذه الآية نزلت يوم أحد في قول عبد الرحمن ابن عوف وأبي طلحة، والزبير بن العوام، وقتادة، والربيع، وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع، فكانوا تحت الجحف متهيئين للقتال فأنزل الله تعالى الأمنة على المؤمنين، فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم أو يغيروا على المدينة لسوء الظن، فطير عنهم النوم على ما ذكره ابن اسحاق وابن زيد، وقتادة، والربيع. وقوله: {يغشى طائفة منكم} يعني النعاس يغشى المؤمنين {وطائفة قد أهمتهم} القراء على الرفع. والواو واو الحال كأنه قال: يغشى النعاس طائفة في حال ما أهمت طائفة منهم أنفسهم. ورفعه بالابتداء، والخبر يظنون، ويصلح أن يكون الخبر {قد أهمتهم أنفسهم} والجملة في موضع الحال. ولا يجوز النصب على أن يجعل واو العطف كما تقول ضربت زيداً وعمراً كلمته. والتقدير وأهمت طائفة أهمتهم أنفسهم. المعنى: وقوله: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن أخرجنا كرهاً، ولو كان الأمر إلينا ما خرجنا. وذلك من قبل عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير على قول الزبير بن العوام، وابن جريج. والآخر - أي ليس لنا من الظفر شيء كما وعدنا على وجه التكذيب بذلك {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} أي من الشك، والنفاق، وتكذيب الوعد بالاستعلاء على أهل الشرك ذكره الجبائي. وقوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم} يحتمل أمرين: أحدهما - ليعاملكم معاملة المبتلي المختبر لكم مظاهرة في العدل عليكم وإخراج مخرج كلام المختبر لهذه العلة، لأنه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها، فلا يبتلي ليستفيد علماً. والثاني - ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم إلا أنه اضيف الابتلاء إلى الله عز وجل تفخيما لشأنه. وقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} يحتمل أمرين: أحدهما - لوتحلتفتم لخرج منكم الذين كتب عليهم القتل ولم يكن لينجيه قعودكم - عن أبي علي -. الثاني - لوتخلفتم لخرج المؤمنون، ولم يتخلفوا بتخلفكم ذكره البلخي، ولا يوجب ذلك أن يكون المشركون غير قادرين على ترك القتال من حيث علم الله منهم ذلك، وكتبه، لأنه كما علم أنهم لا يختارون ذلك بسوء اختيارهم علم انهم قادرون. ولو وجب ذلك لوجب أن لا يكون تعالى قادرا على ما علم أنه لا يفعله وذلك كفر بالله.

الجنابذي

تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} لتعلموا ان ليس الابتلاء والامنة الخارجان عن طريق المعتاد الاّ عن الله وتكلوا اموركم الى الله، و(امنة) مفعول انزل و(نعاساً) بدل منه بدل الاشتمال، او امنة حال من نعاساً او من المخاطبين بان تكون جمع آمن او بتقدير آمنين، ونعاساً بدل منه بدل الاشتمال، او امنة حال من نعاساً او من المخاطبين بان تكون جمع آمن او بتقدير آمنين، و(نعاساً) مفعول. نقل عن بعض الغازين فى احد انّه قال غشينا النّعاس فى المصافّ حتّى كان السّيف يسقط من يد احدنا فيأخذه ثمّ يسقط فيأخذه {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} وهم المؤمنون الخالصون {وَطَآئِفَةٌ} اخرى ولتقدير الصّفة جاز الابتداء به وهذه الطّائفة هم المنافقون {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} اوقعتهم انفسهم فى الهموم او جعلتهم ذوى اهتمام بأنفسهم من غير التفاتٍ الى الدّين او الرّسول (ص) والمسلمين والجملة خبر عن طائفة او صفة لها {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ} خبر بعد خبر او صفة بعد صفة او خبر ابتداء او حالٌ او مستأنف جواب لسؤال مقدّر {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} غير الظّنّ الحقّ على ان يكون مفعولاً مطلقاً او غير المظنون الحقّ على ان يكون قائماً مقام المفعولين {ظَنَّ} الملّة {ٱلْجَاهِلِيَّةِ} بدل من غير الحقّ او مفعول مطلق {يَقُولُونَ} عند انفسهم او لاقرانهم والجملة بدل عن يظنّون او هى مثل الجملة السّابقة فى الوجوه المحتملة {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ} اى من امر الدّين او من امر الوعد بالنّصر والظّفر او من امر أنفسنا وتدبير خلاصنا من هذه البليّة، او هل لنا نجاة فنكون مسلّطين على امر انفسنا {مِن شَيْءٍ} يعنى يظهرون اضطرابهم وعدم اعتقادهم بنبوّة محمّد (ص) على انفسهم بكلامهم النّفسانىّ او على غيرهم بكلامهم اللّسانىّ {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} اى امر الغلبة والنّصر او امر التّدبير او عالم الامر والقضاء والجملة معترضة ان كان قوله تعالى {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم} حالاً او صفة او خبراً وامّا اذا كان مستأنفاً جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ فيكون قوله {قل انّ الامر كلّه لله} منقطعاً مستأنفاً والمعنى يخفى هؤلاء الطّائفة المنافقة فى انفسهم من الانكار والتّكذيب وارادة اللّحوق بالكفّار {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ} الجملة كالجمل السّابقة فى وجوه الاعراب {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ} باحد المعانى المذكورة، او لو كنّا بالمدينة باختيارنا ولم نبرح من المدينة كما كان رأى ابن ابىٍّ وغيره {مَّا قُتِلْنَا} ما غلبنا وما قتل المقتولون منّا {هَاهُنَا قُل} ردّاً لهذا الزّعم الفاسد والخيال الكاسد {لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ} متحصّنين {لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ} فى اللّوح المحفوظ او فرض {عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} ومصارعهم لم ينفعهم التّحصّن، او المعنى قل لهم ايّها المضطربون الشّاكّون: لو كنتم فى بيوتكم لبرز المؤمنون الّذين فرض الله عليهم القتال الى مضاجعهم {وَ} فعل ذلك الخروج والقتال والمقتوليّة والمغلوبيّة بكم {لِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} ويمتحنه حتّى يظهر كونه فاسداً غير موافقٍ لما فى اللّسان {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} لمّا كان الصّدر يطلق على النّفس باعتبار جهتها السّفليّة والقلب يطلق عليها باعتبار جهتها الى القلب الحقيقىّ نسب الابتلاء الّذى هو استعلام حال الرّدىّ واظهار ردائته الى الصّدر والتّمحيص الّذى هو تخليص الجيّد من الرّدىّ والصّحيح من الفاسد الى القلب لانّ صدر المنافق لا يكون فيه الاّ النّفاق والفاسد من العقائد وما لم ينقطع الفطرة الانسانيّة منه ولم يرتدّ فطريّاً لا يخلو قلبه من امرٍ حقٍّ ولو كان اجماليّاً {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} فلا يكون الامتحان منه لاستعلام الممتحن كامتحان الجاهلين بل لاستكمال الممتحن او ظهور حاله على معاشريه ممّن لم يعلم حاله او استنزاله.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنا عليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنا حِبَّانُ، عن الكَلْبِي، عن أَبي صَالحٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، في قولِهِ: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} نَزَلَتْ في عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، غَشِيَهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ

فرات الكوفي

تفسير : {ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نعاساً154} فرات قال: حدثنا الحسين بن الحكم [قال: حدثنا حسن بن حسين قال: حدثنا حبان عن الكلبي عن أبي صالح. ح]: عن ابن عباس [رضي الله عنه في يوم أحد. ن] في قوله [تعالى. ر] {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً [يغشى طائفة منكم. ح] [الآية. أ، ب، ح] نزلت في علي [بن أبي طالب عليه السلام.ن] غشيه النعاس يوم أحد.

الهواري

تفسير : قال: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ}. قال بعضهم: ذلك يوم أحد؛ كانوا يومئذ فريقين؛ فأما المؤمنون فغشَّاهم الله النعاسَ أمنة منه ورحمة. قال أبو طلحة: أنا يومئذ ممن غشيه النعاس، فجعل سيفي يسقط من يدي فآخذه، فيسقط فآخذه. والطائفة الأخرى: المنافقون ليس لهم همة إلا أنفسهم. قوله: {يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحََقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ}. قال الكلبي: هم المنافقون قالوا لعبد الله بن أبي: قتل بنو الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر من شيء. قال الله: {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ} [يعني النصر] {كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} قال الكلبي: كان ما أخفوا في أنفسهم أن قالوا: لو كنا على شيء من الحق ما قتلنا هاهنا، ولو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل. قال الله للنبي: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي يظهر ما في قلوبكم. وقال: (أية : مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) تفسير : [آل عمران: 179] أي فقد ميّز يوم أحد المنافقين من المؤمنين. {وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي بما في الصدور. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ} وهو يوم أحد {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. كان الله قد أوجب لمن فرَّ يوم بدر النار، ثم كانت أُحُد بعدها، فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. وقال بعضهم: كان أناس من أصحاب النبي عليه السلام توَلّوا عن القتال وعن النبي يوم أُحُد، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله: {وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. وقال الكلبي: لما أصاب رسول الله المشركين يوم أحد جعل الرماة خمسين، فأمَّر عليهم رجلاً من الأنصار، وجعلهم قِبَل خيل المشركين، وأمرهم أن لا يريموا مكانهم؛ وقال: إِنِ الخَيْلُ تحرّكت فارموا برشق من النَّبل، واستنفدوا النبل. فلما هزم الله المشركين ودخل المؤمنون عسكرهم رأتهم الرماة، وهم يأخذون الأسلاب، قالوا: أدركوا الغنيمة لا يسبقكم بها الناس. وقالت طائفة منهم: بل نثبت مكاننا. فرجعت طائفة وثبتت طائفة. فحملت الخيل على من ثبت منهم فقتلوهم، ثم دخلوا العسكر، وقتلوا من وجدوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلبوهم.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ}: أنزله الله عليكم، بعد اغتمامكم فى الهزيمة والقتل والجراح، وغير ذلك، أما نازال به الخوف، غطى طائفة عظيمة الشأن منكم راسخة الإيمان، بأن حزموا يومئذ لا شك فيهم، قيل فى أمرهم بأن هذه الغلبة لا تدوم ولا تستأصل المؤمنين تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله ينصر هذا الدين على غيره"تفسير : وبلغ بهم الأمن حتى غشيهم النعاس، قال أنس ابن أبى طلحة غشينا النعاس، ونحن فى مصافنا يوم أحد، فجعل سيفى يسقط من يدى وآخذه، رواه البخارى ومسلم بسندهما، ونحوه عن ابن مسعود والزبير ورواه الشيخ هود هكذا قال أبو طلحة: أنا يومئذ فيمن غشيه النعاس فجعل سيفى يسقط من يدى فآخذه ويسقط فآخذه. وهو كذلك أيضاً فى نسخة عن البخارى، وعن أنس بن أبى طلحة: رفعت رأسى يوم أحد فجعلت أراهم وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحت حجفه من النعاس، فذلك قوله تعالى {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} قال الخازن: وقال الزبير بن العوام لقد رأيتنى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف، فأرسل الله علينا النوم والله إنى لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشانى، ما أسمعه إلا كالحلم، يقول: لو كان لنا من الأمر شىء ما قتلنا ها هنا، وأمنة، مفعول به لأنزل ونعاساً، بدل اشتمال، والرابط محذوف، أى نعاساً منها، أو لأجلها، ووجه الاشتمال أن النعاس سببى للأمنة، لأنه يتولد منها، ويجوز أن يكون نعاس مفعولا به، لأنزل، وأمنة مفعول لأجله، على أنها فعل الله، بمعنى الإيمان أى تصيرهم آمنين فهى اسم مصدر أمن، فقد اتحد الفاعل ويدل لهذا قوله {أية : إِذ يغشيكم النعاس أمنة منه}تفسير : وأجاز بعض أن يكون أمنة، حالا من نعاس، ونعاس مفعول به، ولو كان نعاساً ليس نكرة لتقدم أمنة عليه، وهو حمل على جعل المصدر حالا مع أن النعاس ليس أمنة، كما أن راكباً فى جاء زيد راكباً هو زيد، إلا أن يقال أمة اسم مصدر بمعنى مؤمن، فحينئذ يكون النعاس مؤمناً لهم، أى مزيلا لخوفهم مجازاً، ويجوز أن يكون أمنة حالا من كاف عليكم، وهو مصدر بمعنى الوصف أى آمنين أو يقدر مضاف، أى ذوى أمن أو جمع آمن ككامل وكملة، أو مبالغة كأنهم نفس الأمن ونعاساً مفعول به، والمعنى مختلف بالإعراب فعلى أن أمنة مفعول لأجله، ونعاساً مفعول يكون المعنى أن الأمن حصل لهم النعاس لما نعسوا اضطرارا من الله جل وعلا، وصحوا وصاروا آمنين، وهكذا كنت أفسر الآية وكذا إن جعلنا آمنة حالا، فإما مقدرة، فالأمن بعد النعاس مسبب عن النعاس ومقارنة أو ماضية، فهو معه أو قبله وقرأ أمنة بفتح الهمزة، وإسكان الميم وهو مرة من الأمن. وقرأ حمزة والكسائى: تغشى بالتاء الفوقية، على أن المستثنى فيه عائد إلى أمنة، والجملة نعت لها، وعلى قراءة الجمهور نعت نعاساً. {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ}: الواو للحال، والجملة حال من طائفة، الأول ولو نكره لوصفه بمنكم، وصح جعل طائفة مبتدأ لتقدم واو الحال، وقد اهمتهم أنفسهم خبر، ويجوز أن تكون فداهمتهم أنفسهم نعت طائفة، والخبر محذوف، أى ومنهم طائفة، فالمسوغ تقديم الخبر الظرفى والوصف، أو الخبر جملة يظنون أو هذه نعت ثان، أو حال من هاء أهمتهم، أو مستأنفة على البيان للجملة قبلها أو الخبر يقولون بدل من يظنون، وهذه الطائفة منافقون منهم معتب بن قشير، وقد تقدم كلامه قريباً، وعبد الله بن أبى سلول، ومعنى أهمتهم أنفسهم: أوقعتم فى الهم، لقد ثقتها بقول الله ورسوله، إن النصر للمؤمنين بعد أو شغلتهم أنفسهم بأمرها أو هذه الطائفة بقيت خائفة، ولم يغشها النعاس. {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ}: الظن هنا متعد لواحد، أى يتوهموا غير الحق بالله، وبالله متعلق بيظنون أو لاثنين، والثانى بالله، أى فى الله، وذلك أنهم يظنوا أن الله لا ينصر محمداً، وأصحابه، أن دين الإسلام يضمحل وعن ابن عباس: التكذيب بالقدر، ويجوز ان تجعل غير مفعولا مطلقاً، وبالله متعلق بيظنون، أى يظنون بالله غير الظن الحق، ويقدر مفعولا، أى يظنون به أنه لا ينصر نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ}: مفعول مطلق إذا لم تجعل غير مفعولا مطلقاً، وبدل من غير إذا جعل غير مفعولا به، والمعنى: ظن الملة الجاهلية القديمة، وقيل: الفرقة الجاهلية، وهو أبو سفيان ومن معه، والأول للجمهور، وإذا قدرنا مفعولين ليظن كما مر كان قوله: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَىْءٍ}: غير ذلك المظنون، بل كلاماً آخر عن الطائفة مستأنفاً أو خبراً أو نعتاً، وإن لم يقدر له المفعولين المذكورين، بل جعلناه متعدياً لواحد، أو جعلناهما بالله غير الحق، كانت هذه الجملة بأعاريبها هى نفس المظنون، والاستفهام للنفى أى ما لنا من الأمر شىء، أى ما لنا أمر يطاع، لأن عبد الله بن أبى أشار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا يخرج من المدينة إلى أحد، كما مر، ولم يأخذ برأيه فقتل من قتل، فقال: هو ومن معه ذلك، وقيل المراد النصر، أى ما لنا من النصر شىء، إنما هو للمشركين، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله ابن أبى سلول، قتل بنو الخزرج، فقال: وهل لنا من الأمر شىء. يريد أن الرأى ليس لنا، ولو كان منه شىء لسمع من رأينا، فلم تخرج فلم يقتل منا أحد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يقول الله سبحانه: أنا عند ظن عبدى بى"تفسير : . وقال ابن مسعود: والله الذى لا إله غيره لا يحسن أحد الظن بالله عز وجل إلا أعطاه ظنه، وذلك أن الخير بيده. وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حسن عبادة المرء حسن ظنه"تفسير : . و{من الأمر}: حال من {شىء} قدمت ويجوز تعليقه بـ {لنا} أو بما تعلق به لنا، ولنا خبر، وشىء مبتدأ، أو لنا ناب عن فعل الجملة الفعلية، وشىء فاعل، لاعتماد الجار والمجرور على الاستفهام ولو كان شىء مجروراً لأن الجار له صلة للتأكيد، ومن الأولى للتبعيض. {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ}: أى أن النصر كله لله، فهو لرسوله لقوله تعالى: {أية : كتب الله لأغلبن أنا ورسلى}تفسير : وللمؤمنين لقوله تعالى: {أية : وإن جندنا لهم الغالبون}تفسير : . وقال الله عزوجل: {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين}تفسير : والجملة معترضة بين الحال، وهى الجملة بعد وصاحبها وهو واو يقولون. وقرأ أبو عمر ويعقوب: كله بالرفع على الابتداء ولله خبر، والجملة خبر إن. {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ}: يقولون هل لنا من الأمر شىء، حال كونهم يخفون فى أنفسهم، ما لا يبدون لك، لأنه ولو أراد بقوله: {هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَىْءٍ} إن رأيى لم يؤخذ فإنه ليس مراده، نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو أظهر بذلك إرادة نصره، وقيل: معنى {هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَىْءٍ}: هنا لنا مما وعد الله من النصر نصيب فيما بعد أحد؟ فإن ظاهره التصديق وقد أخفى التكذيب، وقيل: يخفون الندم على خروجهم مع المسلمين، وقيل: الجملة مستأنفة فليس {قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} مفترضاً، فهم يخفون الشرك، وظاهر الإخفاء فى النفس، أنه لم تنطق به ألسنتهم، وتقدم أنه قال بعض هؤلاء بلسانه: {هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَىْءٍ} كما هو ظاهر القرآن، فإما أن يراد بالإخفاء إخفاء غير ذلك مما لم ينطقوا به وإما أن يراد بالإخفاء إخفاء ما نطقوا به عن المسلمين، بأن يذكروه فيما بينهم. وقيل: الذى أخفوه هو الذى ذكر فى قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا}: هذا مقالة عبد الله بن سلول، وهل لنا من الأمر شىء مقالة معتب بن قشير وأسند كلامها لقومهما، لأنهما فيهما، ولأنهما رئيسان متبوعان. والمراد بالأمر: الحق فى الدين، أى لو كان لنا نصيب من دين الحق، ما قتلنا ها هنا وما قتلنا إلا لكون دين محمدا باطلا، وقيل المراد الرأى. روى أنهم قال: بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة، ولم يقتل رؤساؤنا، والمراد: أننا حمق كالمجانين فى خروجنا، إذ خرجنا بلا تجويد الرأى بخلاف الرأى المذكور فى قوله تعالى: {لو كان لنا من الأمر شىء} فإن معناه أنه ليس رأينا مأخوذاً. وقيل: لو كان من وعد محمد بالنصر شىء، أو لو كان الأمر كله لله ولأوليائه، وقيل: المراد لو كان الاختيار فى الخروج لنا لم نقتل هاهنا، ولكن خرجنا قهراً، وأسندوا القتل إلى أنفسهم والمقتول البعض، لأن المقتولين بعض منهم، والإشارة بها هنا إلى معركة القتال يوم أحد. {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ}: بالمدينة. {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ}: أى لظهر بالخروج منها الذين قضى الله عز وجل عليهم القتل، إلى المواضع الشبيهة بمواضع الاضطجاع والنوم وهى المواضع التى يموتون فيها، ويكونون فيها كهيئة المضطجع، ولم يخطئ أحد منهم موضع موته المكتوب عليه، ولم ينج من الموت، فإن قضاءه لا يرد، ولو لم يخرج من لم يقض عليه القتل، ولكن مستحيل بقتضاء الله أن لا يخرج من خرج، وأن لا يموت من قضى عليه الموت. {وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ}: عطف على محذوف، دل عليه لبرز الذين، أى لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجهم، لينفذ قضاءه وليبتلى الله ما فى صدوركم، أو لمصالح كثيرة، وليبتلى أو معطوف على لكيلا تحزنوا، أو يتعلق بمحذوف، أى وفعل ذلك ليبتلى الله ما فى صدوركم. {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ}: أو يقدر مؤخر، أى وليبتلى الله ما صدوركم {لِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُم} فعل، ذلك معنى الابتداء بها هنا الإظهار، أى لظهر ما فى صدوركم من الإخلاص والنفاق، فظهر منها النفاق، والله عالم به. قيل: وعالم به بعد، وذلك كقوله تعالى: {أية : يوم تبلى السرائر}تفسير : أى تظهر، وقيل المعنى: ليختبر أولياء الله ما فى صدوركم، فحذف المضاف وأسند فعله تعظيماً له لله تعالى. وعن ابن عباس: التمحيص والابتلاء واحد، أى وهما الظهور، والخطاب للمنافقين. وقيل: الخطاب للمؤمنين. قال قتادة: معنى ليمحص إلخ يظهر ما فى قلوبكم من الشك والارتياب وكذا ليبتلى الله ما فى صدوركم ومعناهما واحد، أو أحدهما بمعنى الإظهار بالظاء المشالة المعجمة والآخر من التطهير بالطاء المهملة أى هذه الوقعة تطهركم من الوسوسة أو تكفر كفارة ذنوبكم. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}: وإذا ظهر شاء من قلب عبده فليعلمه غيره أيضاً.

اطفيش

تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الغَمِّ} صرفكم فأثابكم، ثم أنزل، ولفظ ثم كان فى الترتيب وزادت بالتراخى ولكن ذكر لفظ بعد لتأكيد النعمة، ومدة الغم لعظمه كأنها طويلة، فالتراخى لذلك، مع أن فيها ما يسيغ لفظ ثم من التراخى ولو بلا شدة لخروجها عن الاتصال ولك جعل التراخى معنوياً لعظمة الأمنة المذكورة فى قوله {أَمَنَةً} أمنا، وقيل الأمن مع زوال سبب الخوف والأمنه مع بقائه مفعول أنزل {نُّعَآساً} بدله الاشتمالى أى نعاساً بها، أو عطف بيان على جوازه فى النكرات، ولا بأس به، أو أنزل عليكم نعاساً حال كونكم ذوى أمن أو آمنين، ككامل وكملة، أو مفعول من أجله، ونعاساً مفعول على أن الأمن يكون على من وقع عليه ويكون لمن أوقعه فاتحد فاعله وفاعل الإنزال، أو هو مصدر بمعنى الإيمان، وهو جعلهم آمنين {يَغْشَى طَآئِفَةَ مِّنكُمْ} قال ابن عباس رضى الله عنهما: آمن الله المؤمنين بنعاس يغشاهم، وإنما ينعس من يأمن، والخائف لا يأمن، فالمنافقون بقوا على الخوف فلم ينعسوا قال طلحة والزبير بن العوام: غشينا النعاس فى المصاف حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه، ثم يسقط فيأخذه، فهم يميلون بالنعاس تحت الدروع والدرق، وتسقط السيوف من أيديهم وهم قائمون، ويأخذونها جازمين بالنصر، آمنين من الاستئصال لصحة إيمانهم، وقيل: ناموا عمداً، إذ علموا أن القوم ذاهبون إلى مكة، وقد خاف صلى الله عليه وسلم أن يحاصروا المدينة، فأمرهم بالصبر إن حاصروا، وأمر رجلا فذهب فرآهم سراعا إلى جهة مكة، فناموا {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ} هم المنافقون، لم ينزل عليهم نعاساً ولا ناموا باختيارهم، أوقعتهم أنفسهم فى الحزن خوفاً عليهم، أو جعلتم فى أمر مهم وهو نجاتهم إن شكوا فى نبوته صلى الله عليه وسلم، وإنما حضروا للغنيمة، والجملة مبتدأ وخبر، وأجيز أن يكون قد أهمتهم الخ نعتاً، ويقدر الخبر معكم أو منكم، والواو للحال على كل حال {يَظُنُّونَ بِاللهِ غيْرِ الحقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ} كظن الفرق الجاهلية أو أهل الملة الجاهلية، أو الظن المختص بالجاهلية، كقولك حاتم الجود، وذلك أنهم ظنوا أنه لا ينصر وأنه قتل مع أنه لا يموت حتى بنصر، وأنه غير نبى، وغير مفعول به وظن مفعول مطلق، والمفعول الثانى محذوف، أى واقعاً، وغير الحق أنه لا يموت صلى الله عليه وسلم، أو أنه غير نبى، ولاجملة خبر ثان لطائفة، أو نعت ثان له أو حال {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ} الذى وعد الله ورسوله من الظفر والنصر، استفهام إنكار، أو تقرير أو تعجب، أولما كثر القتل فى الخزرج قال ابن أبىٍّ: ما لى أمر مطاع، ولو أطاعنى محمد ولم يخرج لم يكن هذا القتل، فالأمر شأن الشورى، فالاستفهام للنفى فزيدت من، والجملة تفسير ليظنون {مِن شَىْءٍ} أى نصيب {قُلْ إنَّ الأَمْرِ كُلْهُ لِلهِ} يفعل ما يشاء ن لأن له القضاء، أو ما أصاب المسلمين صورة غلبة والأمر الحقيق غلبة الله وأوليائه بالعافية بعد، وبالحجة، فإن حزب الله هم الغالبون {يُخْفُونَ فِى أَنفًسِهِم} من التكذيب {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} ويظهرون طلب النصرة، وفسر ذلك بقوله {يَقُولُونَ} فى أنفسهم أو بعض لبعض خفية {لَو كانَ لَنآ مِنَ الأَمْرِ} من الاقتداء برأينا فى عدم الخروج إلى العدو، وفى البقاء فى المدينة، فنقتلهم إذا جاءونا فيها كما اعتدنا، أولو كان لنا مما وعد محمد من النصر، ومن قوله إن الأمر كله لله وأوليائه {شَىْءٍ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} فى أحد، ولو أخذ برأينا لم نقتل فى المدينة، لكن لم يؤخذ فخرجنا فقتلنا {قُل} للمنافقين والمرتابين، وقيل للمنافقين، وأو لهما وللمؤمنين {أَوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ} ومنازلكم فى المدينة وما يليها ولم تخرجوا كما خرجتم {لَبَرَزَ} ظهر بالخروج إلى أحد {الذَِينَ كُتِبَ عَلْيْهِمُ} فى اللوح المحفوظ أو قدر {القَتْلَ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} مصارعهم لا يقدرون ألا يخرجوا إلى أحد ولا على أن يموتوا فيه، لقضاء الله ذلك، وقضاؤه لا يختلف، أو لو كنتم فى بيوتكم لبرز المؤمنون فيقتلون وَلا يتخلفون كما تخلفتم، وسمى المصرع مضطجعا تشبيها بموضع الرقاد لجامع لزوم المكان، وعدم التصرف فيه، فذلك استعارة تبعية، لأن اسم المكان الميمى يتضمن حدثاً، ولا يصح ما قيل من أنه اعتبر المضجع بمعنى موضع الامتداد لحي أو ميت، فهو حقيقة، لأن الميت لا يمتد بنفسه بل ولا بغيره، لأَن من يضعه فى قبره، يضعه كما هو، لا يحدث له مدَّا ولا يزيده، وأيضا لا نسلم أن المضجع لا يختص بمد النوم {وَلِيَبْتَلِى اللهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ} لبرز لنقاذ القضاء وليبتلى، أو لكيلا تحزنوا وليبتلى، أو فعل ذلك القتل فى أحد ليبتلى، أو لبرز لمصالح كثيرة وليبتلى، وابتلاء الله ما فى الصدور إظهاره ما فيها من إخلاص أو نفاق يظهر بالجزاء مرة وبالوحى أخرى فى خير أو شر، كقوله تعالى: {أية : يوم تبلى السرائر} تفسير : [الطارق: 9]، والصدور القلوب، تسمية للحال باسم المحل، فإن القلب كزائد حادث متدل فى الصدرن أو تسمية للجزء باسم الكل،وذكر القلوب تفنن بعد، والتمحيص للاعتقاد والإيمان، ولا يقال آمن بصدره، وينسب للصدر الشرح، كما فى مواضع من القرآن وعبارة بعضهم، القلب مقر الإيمان، والصدر محل الإسلام، والفؤاد مشرق المشاهدة واللب مقام التوحيج {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ} من السرائر يخلصه من الوساويس، من الشك والارتياب بما يربكم من عجائب صنعه، فى إلقاء الأمنة وصرف العدو وإعلان المنافقين، أو يصفى ما فى قلوبكم من تبعات المعاصى بتكفيره بما أصابكم، وعن ابن عباس، الابتلاء والتمحيص واحد {وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فيجازى عليها ولا يحتاج إلى ظهورها، وإنما أظهرها ليتميز المنافق من المؤمن بالقلوب صاحبة الصدور، والمعنى بما فى القلوب التى فى الصدور كأنها مالكة للصدور، أو عليم باعتقادات صاحبة الصدور.

الالوسي

تفسير : {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ } عطف على {أية : فَأَثَـٰبَكُمْ } تفسير : [آل عمران: 153] والخطاب للمؤمنين حقاً، والمعنى ثم وهب لكم أيها المؤمنون {مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ } الذي اعتراكم والتصريح بتأخر الإنزال عنه مع دلالة ثم عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان، وتذكير عظم المنة {أَمِنَةً } مصدر كالمنعة وهو مفعول {أَنَزلَ } أي ثم أنزل عليكم أمنا {نُّعَاساً } بدل اشتمال منها، وقيل: عطف بيان، وجوز أن يكون نعاساً منصوباً على المفعولية و أمنة حال منه؛ والمراد ذا أمنة ولا يضر كونها من النكرة لتقدمها أو حال من المخاطبين على تقدير مضاف أي ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبار وبررة. وقيل: إن أمنة مفعول له لنعاساً، واعترض بأنه يلزم على ظاهره تقديم معمول المصدر عليه، وإن التزم تقدير فعل أي نعستم أمنة، ورد أنه ليس للفعل موقع حسن، وقيل: إنه مفعول له لأنزل. واعترض بأنه فاسد لاختلال شرطه وهو اتحاد الفاعل إذ فاعل {أَنَزلَ } هو الله تعالى وفاعل الأمنة هو المنزل عليهم، ورد بأن الأمنة كما يكون مصدراً لمن وقع به الأمن يكون مصدراً لمن أوقعه، والمراد هنا الثاني كأنه قيل: أنزل عليكم النعاس ليؤمنكم به وحينئذ لا شبهة في اتحاد الفاعل؛ وقرىء بسكون الميم كأنها لوقوعها في زمن يسير مرة من الأمن فلا ينافي كون المقصود مطلق الأمن وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للاعتناء بشأن المقدم والتشويق إلى المؤخر، وتخصيص الخوف من بين فنون الغم بالإزالة لأنه المهم عندهم في ذلك المقام، فقد أخرج ابن جرير عن السدي أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين فواعدوا النبـي صلى الله عليه وسلم بدراً من قابل فقال لهم: نعم فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فقال: انظر فإن رأيتهم قد قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا أثقالهم فإن القوم ينزلون المدينة فاتقوا الله تعالى واصبروا، ووطنهم على القتال فلما أبصرهم الرسول قعدوا على الأثقال سراعاً عجالاً نادى بأعلى صوته بذهابهم فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبـي الله صلى الله عليه وسلم فناموا وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ } الخ، وعن ابن عباس في الآية قال: آمنهم الله تعالى يومئذ بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام. وأخرج خلق كثير عن أنس أن أبا طلحة قال غشينا النعاس يوم أحد ونحن في مصافنا وكنت ممن غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميد تحت حجفته ـ أي ترسه ـ من النعاس، وعن الزبير بن العوام مثله قيل: وهذه عادة الله تعالى مع المؤمنين جعل النعاس في الحرب علامة للظفر وقد وقع كذلك لعلي كرم الله تعالى وجهه في صفين وهو من الواردات الرحمانية والسكينة الآلهية. {يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ } قال ابن عباس: هم المهاجرون / وعامة الأنصار، وفيه إشعار بأنه لم يغش الكل ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال للكل، والجملة في موضع نصب على أنها صفة ـ لنعاساً ـ وقرأ حمزة والكسائي ـ تغشى ـ بالتاء الفوقانية على أن الضمير ـ للأمنة ـ. والظاهر أن الجملة حينئذ مستأنفة وقعت جواباً لسؤال تقديره ما حكم هذه الأمنَة؟ فأجيب بأنها تغشى طائفة، وقيل: إنها في موضع الصفة لأمنة، واعترض بأن الصفة حقها أن تتقدم على البدل وعطف البيان وأن لا يفصل بينها وبين الموصوف بالمفعول له وأن المعهود أن يحدث عن البدل دون المبدل منه. {وَطَائِفَةٌ } وهم المنافقون. {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } أي جعلتهم ذوي هم وأوقعتهم فيه أو ما يهمهم إلا أنفسهم لا النبـي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من أهمه بمعنى جعله مهماً له ومقصوداً والحصر مستفاد من المقام، وذكر بعضهم أن العرب تطلق هذا اللفظ على الخائف الذي شغله هم نفسه عن غيره، و {طَائِفَةٌ } مبتدأ وجملة {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ } الخ خبره، وجاز ذلك مع كونها نكرة لوقوعها بعد واو الحال كما في قوله:شعر : سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا محياك أخفى ضوء كل شارق تفسير : أو لوقوعها موقع التفصيل كما في قوله:شعر : إذا مت كان الناس صنفان شامت وآخر مثن بالذي أنا صانع تفسير : وجوز أن تكون الجملة نعتاً لها والخبر حينئذ محذوف أي ومعكم، أو وهناك طائفة وتقدير ـ ومنكم طائفة ـ يقتضي أن يكون المنافقون داخلين في الخطاب بإنزال الأمنة وأياً ما كان فالجملة إما حالية مبينة لفظاعة الهول مؤكدة لعظم النعمة في الخلاص عنه، وإما مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين فالواو إما حالية وإما استئنافية وكونها بمعنى إذ ليس بشيء كما نص عليه أبو البقاء. {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } في موضع الحال من ضمير {أَهَمَّتْهُمْ } لا من {طَائِفَةٌ } وإن تخصصت لما في مجيء الحال من المبتدأ من المقال، وجوز أن تكون صفة بعد صفة لطائفة، أو خبراً بعد خبر، أو هي الخبر و {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ } صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها وغير منصوب على المصدرية المؤكدة لأنه مضاف إلى مصدر محذوف وهو بحسب ما يضاف إليه أي غير الظن الحق وهو الذي يحق أن يظن به تعالى، وقال بعضهم: إنه مفعول مطلق نوعي، وقوله تعالى: {ظَنَّ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ } بدل مما قبله. وقال ابن الحاجب: {غَيْرَ ٱلْحَقّ } و {ظَنَّ } مصدران أحدهما للتشبيه والآخر تأكيد لغيره أي يقولون غير الحق ومفعولا {يَظُنُّونَ } محذوفان أي يظنون أن إخلاف وعده سبحانه حاصل، وأبو البقاء يجعل {غَيْرَ ٱلْحَقّ } مفعولاً أولاً أي أمراً غير الحق، و {بِٱللَّهِ } في موضع المفعول الثاني وإضافة {ظَنَّ } إلى الجاهلية، قيل: إما من إضافة الموصوف إلى مصدر صفته ومعناها الاختصاص بالجاهلية كرجل صدق وحاتم الجود فهي على معنى اللام أي المختص بالصدق والجود فالياء مصدرية والتاء للتأنيث اللازم له، وإما من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي ظن أهل الجاهلية أي الشرك والجهل بالله تعالى وهي اختصاصية حقيقية أيضاً. {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَْمْرِ مِن شَىْءٍ } أي يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار: هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب أي ليس لنا من ذلك شيء لأن الله سبحانه وتعالى لا ينصر محمداً صلى الله عليه وسلم، أو يقول / الحاضرون منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على صورة الاسترشاد: هل لنا من أمر الله تعالى ووعده بالنصر شيء، واختاره بعض المحققين. والجملة قيل: إما حال أو خبر إثر خبر أو صفة إثر صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها، أو بدل من {يَظُنُّونَ } وهو بدل الكل بحسب الصدق، وبدل الاشتمال بحسب المفهوم، واستشكل بأن قوله: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا } الخ تفسير {ليظنون} وترجمة له والاستفهام لا يكون ترجمة للخبر كما لا يصح أن تقول: أخبرني زيد قال: لا تذهب أو أمرني قال: لا تضرب، أو نهاني قال: اضرب فإن المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة. وحاصل الإشكال أن متعلق الظن النسبة التصديقية فكيف يقع استفهام ترجمة له؟ وأجيب بأن الاستفهام طلب علم فيما يشك ويظن فجاز أن يكون متعلق الظن وتحقيقه أن الظن أو العلم يتعلق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام على ما ذكر في باب تعليق أفعال القلوب باستفهام، ولا يخفى أن هذا إنما هو على تقدير كون الاستفهام حقيقياً، وأما على تقدير كونه إنكارياً فلا إشكال، ولا قيل ولا قال لأنه خبر فيتطابق مع ما قبله في الخبرية، وبعض من جعله إنكارياً ذهب إلى أن المعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الأمر شيء، وقد قال ذلك عبد الله بن أبـيّ حين أخبره المنافقون بقتل بني الخزرج ثم قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قيل: وظنهم السوء على هذا تصويبهم رأي عبد الله ومن تبعه، وقيل: الاستفهام على ظاهره والمعنى هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، و { مِنْ } الثانية سيف خطيب، و {شَىْء } في موضع رفع على الإبتداء، وفي خبره كما قال أبو البقاء: وجهان، أحدهما: {لَنَا } فمن الأمر حال، والثاني: {مِنَ ٱلأَْمْرِ } فلنا تبيين وبه تتم الفائدة. {قُلْ } يا محمد {إِنَّ ٱلأَْمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } أي إن الشأن والغلبة الحقيقية لحزب الله تعالى، وأوليائه فينصر رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويخذل أعداءه ويقهرهم وكنى بكون الغلبة لله تعالى عن كونها لأوليائه لكونهم من الله سبحانه بمكان، أو أن القضاء أو التدبير له تعالى مخصوص به لا يشاركه فيه غيره فيفعل ما يشاء ويجري الأمور حسبما جرى به القلم في سابق القضاء، وعلى هذا لا كناية في الكلام، وجاء مؤكداً لما أن الكلام الذي وقع هو في مقابلته كذلك. واستظهر في «البحر» من هذا الأمر كون الاستفهام فيما تقدمه باقياً على حقيقته إذ لو كان معناه نفي أن يكون لهم شيء من الأمر لم يجابوا بإثبات أن الأمر كله لله اللهم إلا أن يقدر مع جملة النفي جملة ثبوتية ليكون المعنى ـ ليس لنا من الأمر شيء ـ بل لغيرنا ممن حملنا على الخروج وأكرهنا عليه فحينئذ يمكن أن يكون ذلك جواباً لهذا المقدّر، وفيه أنه لا حاجة إلى هذا التقدير على ذلك التقدير أيضاً أما إذا كان مرادهم نفي نصر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه فواضح لأن في هذا القول إثبات ذلك النصر على أتم وجه، وأما إذا كان مرادهم أنه لم يبق لهم من الأمر شيء حيث منعوا تدبير أنفسهم فلأن في ذلك النفي إشعاراً بأن لهم تدبيراً وأنهم لو تركوا وتدبيرهم ما غمزت قناتهم وهذا الإثبات متكفل برد ذلك وإبطاله على وجه سترة عليه كما لا يخفى فلا أرى التقدير على ما فيه إلا من ضيق العطن، وقرأ أبو عمرو ويعقوب {كُلُّهُ } بالرفع على الابتداء والجار متعلق بمحذوف وقع خبراً له، والجملة خبر {إِنَّ}، وأما على قراءة النصب فكل توكيد لاسم {إِنّ} و {لِلَّهِ } خبرها. وزعم أبو البقاء أنه يجوز أن يكون {كُلُّهُ } بدلاً من {ٱلأَمْرُ } وفيه بعد. {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم } أي يضمرون / فيها أو يسرون فيما بينهم {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } أي ما لا يستطيعون إظهاره لك، والجملة إما استئناف أو حال من ضمير {يَقُولُونَ } وقوله سبحانه: {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } اعتراض بين الحال وصاحبها أي يقولون ما يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب وهذا ظاهر على الاحتمال الثاني في الآية الأولى، والذاهب إلى حمل الاستفهام فيها على الإنكار يتعين عنده الاستئناف أو يجوز الخبرية ونحوها أيضاً على ما مر، والجملة الجوابية اعتراضية في كل حال سوى احتمال الاستئنافية على الصحيح، وأما جعل هذه الجملة حالاً من ضمير {قُلْ } والرابط لك فلا يخفى حاله. {يَقُولُونَ } أي في أنفسهم أو خفية لبعضهم إذ لو كان القول جهاراً لم يكونوا منافقين، والجملة إما بدل من {يُخْـفُونَ } أو استئناف وقع جواباً عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: ما الذي أخفوه؟ فقيل ذلك، ورجحه بعض المحققين بأنه أكثر فائدة وبأن القول إذا حمل على ظاهره لم يتفاوت القولان لأن قولهم {هَل لَّنَا } للمؤمنين ليس في حال قولهم {لَوْ كَانَ لَنَا } لأصحابهم، وبدل الحال حال، وأنت تعلم أن هذا الأخير مبني على أن القول الأول كان للمؤمنين وقد علمت أنه غير متعين، وقيل: لأنه لا يجتمع قولان من متكلم واحد، وفيه أن زمان الحال المقارن ليس مبنياً على التضييق كما لا يخفى، ومن هنا علل بعض الفضلاء نفي المقارنة بترتب هذا على ما قبله وعدل عن هذا التعليل فان. {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } على معنى لو كان لنا شيء من ذلك كما وعد محمد وادعى أن الأمر لله تعالى ولأوليائه {مَّا قُتِلْنَا } فكأن هذا في زعمهم ردّ لما أجيبوا به أولاً، ويحتمل أن يكون المراد لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح كما كان رأي ابن أبـيّ وأتباعه، ومعنى {مَّا قُتِلْنَا } ما غلبنا لأن القائلين ليسوا ممن قتل لاستحالته، ويحتمل أن يكون الإسناد مجازياً بإسناد ما للبعض للكل، فالمعنى لو كان لنا شيء من ذلك ما قتل من قتل منا في هذه المعركة، ثم لا يخفى أن القول بالترتب يستدعي سبق نزول الآية الجوابية وسماعهم لها حتى يتأتى القول بزعم ردها بهذه الشبهة الفاسدة، والظاهر من الآثار عدم نزولها إذ ذاك، فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال: لما قتل من قتل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أتوا عبد الله بن أبـيّ فقالوا له: ما ترى فقال: إنا والله ما نؤامر لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هٰهنا. وأخرج ابن إسحق وابن المنذر وابن جرير وخلق كثير عن الزبير رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علنيا أرسل الله تعالى علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَْمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا هَـٰهُنَا } فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله تعالى {ثُمَّ أَنزَلَ } إلى {هَـٰهُنَا } وقد يقال: إن هذا القول منهم كالاستدلال على القول الأول وإن كلا القولين وقع منهم ابتداءاً وقصه الله تعالى علينا راداً له وهذا ظاهر على تقدير أن يكون الاستفهام إنكارياً وأما على تقدير أن يكون حقيقياً ففيه خفاء فتأمل. {قُلْ } يا محمد في جواب ذلك {لَوْ كُنتُمْ } أيها المنافقون {فِى بُيُوتِكُمْ } ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم {لَبَرَزَ } أي لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى البروز {ٱلَّذِينَ كُتِبَ } في اللوح المحفوظ أو قدر في سابق علم الله تعالى {عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ } في تلك المعركة {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } أي مصارعهم التي علم الله تعالى وقدر قتلهم فيها وقتلوا هناك البتة فإن قضاء الله تعالى لا يرد / وحكمه لا يعقب، وفيه من المبالغة في ردّ مقالتهم الباطلة ما لا يخفى، وزعم بعض أن الظاهر الأبلغ أن يراد بمن كتب عليهم القتل الكفار القاتلون أي لخرج الذين يقتلون من بين قومهم إلى مضاجع المقتولين ولم ينج أحد منهم مع تحصنهم بالمدينة وتحفظهم في بيوتهم ولا يخفى بعده لما فيه من التفكيك، ولأن الظاهر من {عَلَيْهِمْ } أنهم مقتولون لا قاتلون، وقيل: المعنى لو لزمتم منازلكم أيها المنافقون والمرتابون وتخلفتم عن القتال لخرج إلى البراز المؤمنون الذين فرض عليهم القتال صابرين محتسبين فيقتلون ويقتلون، ويؤول إلى قولنا: لو تخلفتم عن القتال لا يتخلف المؤمنون، والمضاجع جمع مضجع فإن كان بمعنى المرقد فهو استعارة للمصرع، وإن كان بمعنى محل امتداد البدن مطلقاً للحي والميت فهو حقيقة، وقرىء {كُتِـبَ } بالبناء للفاعل، ونصب {ٱلْقَتْلُ } و {كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ } و {لَبَرَزَ } بالتشديد على البناء للمفعول. {وَلِيَبْتَلِىَ ٱللَّهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ } أي ليختبر الله تعالى ما في صدوركم بأعمالكم فإنه قد علمه غيباً ويريد أن يعلمه شهادة لتقع المجازاة عليه قاله الزجاج، أو ليعاملكم معاملة المبتلي الممتحن قاله غير واحد، وهو خطاب للمؤمنين واللام للتعليل ومدخولها علة لفعل مقدر قبل معطوف على علل أخرى مطوية للإيذان بكثرتها كأنه قيل فعل ما فعل لمصالح جمة وليبتلي الخ أو لفعل مقدر بعد أي وللابتلاء المذكور فعل ما فعل لا لعدم العناية بشأن أوليائه وأنصار نبيه صلى الله عليه وسلم مثلاً. والعطف على هذا عند بعض المحققين على قوله تعالى: {أَنزَلَ عَلَيْكُم } والفصل بينهما مغتفر لأن الفاصل من متعلقات المعطوف عليه لفظاً أو معنى، وقيل: إنه لا حذف في الكلام وإنما هو معطوف على قوله تعالى: {أية : لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ }تفسير : [آل عمران: 153] أي أثابكم بالغم لأمرين عدم الحزن والابتلاء، واستبعد بأن توسط تلك الأمور محتاج إلى نكتة حينئذٍ، وهي غير ظاهرة، وأبعد منه بل لا يكاد يقبل العطف على قوله تعالى: {أية : لِيَبْتَلِيَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 152] أي صرفكم عنهم ليبتليكم وليبتلي ما في صدوركم، وجعله بعضهم معطوفاً على علة محذوفة وكلتا العلتين {لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ } كأنه قيل لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم لنفاذ القضاء أو لمصالح جمة وللابتلاء. واعترض بأن الذوق السليم يأباه فإن مقتضى المقام بيان حكمة ما وقع يومئذٍ من الشدة والهول لا بيان حكمة البروز المفروض، وإنما جعل الخطاب للمؤمنين لأنهم المعتدّ بهم ولأن إظهار حالهم مظهر لغيرهم. وقيل: إنه لهم وللمنافقين أي ليبتلي ما في سرائركم من الإخلاص والنفاق، وقيل: للمنافقين خاصة لأن سوق الآية لهم. وظاهر قوله تعالى: {وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } أي ليخلص ما فيها من الاعتقاد من الوسواس، يرجح الأول: لأن المنافقين لا اعتقاد لهم ليمحص من الوساوس ويخلص منها، ولعل القائلين بكون الخطاب للمنافقين فقط أو مع المؤمنين يفسرون التمحيص بالكشف والتمييز أي ليكشف ما في قلوبكم من مخفيات الأمور أو النفاق ويميزها، إلا أن حمل التمحيص على هذا المعنى يجعل هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها وإنما عبر بالقلوب هنا كما قيل: لأن التمحيص متعلق بالاعتقاد على ما أشرنا إليه وقد شاع استعمال القلب مع ذلك فيقال: اعتقد بقلبه ولا تكاد تسمعهم يقولون اعتقد بصدره أو آمن بصدره، وفي القرآن {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلإيمَـانَ }تفسير : [المجادلة: 22] وليس فيه كتب في صدورهم الإيمان، نعم يذكر الصدر مع الإسلام كما في قوله تعالى: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَـٰمِ } تفسير : [الزمر: 22] ومن هنا قال بعض السادات: القلب مقر الإيمان، والصدر محل الإسلام، والفؤاد مشرق المشاهدة، واللب مقام التوحيد الحقيقي، ولعل الآية على هذا تؤول إلى قولنا ليبتلي إسلامكم وليمحص إيمانكم، وربما يقال / عبر بذلك مع التعبير فيما قبل بالصدور للتفنن بناءاً على أن المراد بالجمعين واحد. {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } أي بما في القلوب التي في الصدور من الضمائر الخفية ووصفت بذلك لأنها لتمكنها من الصدور جعلت كأنها مالكة لها فذات بمعنى صاحبة لا بمعنى ذات الشيء ونفسه، وفي الآية وعد ووعيد أو أحدهما فقط على الخلاف في الخطاب وفيها تنبيه على أن الله تعالى غني عن الابتلاء وإنما يبرز صورة الابتلاء لحكم يعلمها كتمرين المؤمنين أو إظهار حال المنافقين، واختار الصدور هٰهنا لأن الابتلاء الغني عنه سبحانه كان متعلقاً بما فيها والتمحيص على المعنى الأول تصفية وتطهير وليس ذلك مما تشعر به هذه الجملة بأنه سبحانه غني عنه وإنما فعله لحكمة، نعم إذا أريد به الكشف والتمييز يصح أن يقال: إن هذه الجملة مشعرة بأنه تعالى غني أيضاً. ومن هنا جوّز بعض المحققين كونها حالاً من متعلق الفعلين أي فعل ما فعل للابتلاء والكشف، والحال أنه تعالى غني عنهما محيط بخفيات الأمور إلا أنه لا يظهر حينئذٍ سر التعبير عن الأسرار والخفيات بذات الصدور دون ذات القلوب مع أن التعبير الثاني أولى بها لأن القلوب محلها بلا واسطة ومحلية الصدور لها بحسب الظاهر بواسطة القلوب اللهم إلا أن يقال: إن ذات الصدور بمعنى الأشياء التي لا تكاد تفارق الصدور لكونها حالة فيها بل تلازمها وتصاحبها أشمل من ذات القلوب لصدق الأولى على الأسرار التي في القلوب وعلى القلوب أنفسها لأن كلاً من هذين الأمرين ملازم للصدور باعتبار كونه حالاً فيها دون الثانية لأنك لا تصدق إلا على الأسرار لأنها الحالة فيها دون الصدور فحينئذٍ يمكن أن يراد من ذات الصدور هذا المعنى الشامل ويكون التعبير بها لذلك.

ابن عاشور

تفسير : الضمير في قوله: {ثم أنزل} ضمير اسم الجلالة، وهو يرجّح كون الضمير {أثابكم} مثله لئلا يكون هذا رجوعاً إلى سياق الضمائر المتقدّمة من قوله: {ولقد صدقكم الله وعده} والمعنى ثمّ أغشاكم بالنعاس بعد الهزيمة. وسمّي الأغشاء إنزالاً لأنّه لمّا كان نعاساً مقدّراً من الله لحكمة خاصّة، كان كالنازل من العوالم المشرّفة كما يقال: نزلت السكينة. والأمَنةُ ـــ بفتح الميم ـــ الأمن، والنعاس: النوم الخفيف أو أوّل النَّوم، وهو يزيل التعب ولا يغيّب صاحبه، فلذلك كان أمنة إذ لو ناموا نوماً ثقيلاً لأخذوا، قال أبو طلحة الأنصاري، والزبير، وأنس ابن مالك: غشينا نعاس حتَّى أنّ السيف ليسقط من يد أحدنا. وقد استجدّوا بذلك نشاطهم، ونسوا حزنهم، لأنّ الحزن تبتدىء خفّته بعد أوّل نومة تعفيه، كما هو مشاهد في أحزان الموت وغيرها. و (نعاساً) بَدل على (أمنة) بدل مطابق. وكان مقتضى الظاهر أن يقدّم النعاس ويؤخّر أمنة: لأنّ أمنة بمنزلة الصفة أو المفعول لأجله فحقّه التقديم على المفعول كما جاء في آية [الأنفال: 11]: {أية : إذ يغشيكم النعاس أمنة منه}تفسير : ولكنّه قدّم الأمنة هنا تشريفاً لشأنها لأنَّها جعلت كالمنزل من الله لنصرهم، فهو كالسكينة، فناسب أن يجعل هو مفعول أنزل، ويجعل النعاس بدلاً منه. وقرأ الجمهور: يَغشى بالتحتية على أنّ الضّمير عائد إلى نعاس، وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف بالفوقية بإعادة الضّمير إلى أمَنة، ولذلك وصفها بقوله: منكم}. لمّا ذكر حال طائفة المؤمنين، تخلّص منه لذكر حال طائفة المنافقين، كما علم من المقابلة، ومن قوله: {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية}، ومِن ترك وصفها بمنكم كما وصف الأولى. {وطائفة} مبتدأ وصف بجملة {قد أهمتهم أنفسهم}. وخبره جملة {يظنون بالله غير الحق} والجملة من قوله: {وطائفة قد أهمتهم} إلى قوله: {والله عليم بذات الصدور} اعتراض بين جملة {ثم أنزل عليكم} الآية. وجملة {أية : إن الذين تولوا منكم}تفسير : [آل عمران: 155] الآية. ومعنى {أهمتهم أنفسهم} أي حَدّثتهم أنفسهم بما يدخل عليهم الهَمّ وذلك بعدم رضاهم بقدر الله، وبشدّة تلّهفهم على ما أصابهم وتحسّرهم على ما فاتهم مِمّا يظّنونه منجياً لهم لو عملوه: أي من الندم على ما فات، وإذ كانوا كذلك كانت نفوسهم في اضطراب وتحرّق يمنعهم من الاطمئنان ومن المنام، وهذا كقوله الآتي: {أية : ليجعل اللَّه ذلك حسرة في قلوبهم}تفسير : [آل عمران: 156]. وقيل معنى {أهمّتهم} أدخلت عليهم الهَمّ بالكفر والارتداد، وكان رأسُ هذه الطائفة معتّب بن قشير. وجملة {يظنون بالله غير الحق} إمَّا استئناف بياني نشأ عن قوله: {قد أهمتهم أنفسهم} وإمَّا حال من (طائفة). ومعنى {يظنون بالله غير الحق} أنَّهم ذهبت بهم هواجسهم إلى أن ظنوا بالله ظنوناً باطلة من أوهام الجاهلية. وفي هذا تعريض بأنَّهم لم يزالوا على جاهليتهم لم يخلصوا الدين لله، وقد بيّن بعض ما لهم الظنّ بقوله: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} وهل للاستفهام الإنكاري بمعنى النفي، بقرينة زيادة (من) قبل النكرة، وهي من خصائص النفي، وهو تبرئة لأنفسهم من أن يكونوا سبباً في مقابلة العدوّ. حتَّى نشأ عنه ما نشأ، وتعريض بأنّ الخروج للقتال يوم أحُدُ خطأ وغرور، ويظنّون أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم ليس برسول إذ لو كان لكان مؤيّداً بالنصر. والقول في {هل لنا من الأمر من شيء} كالقول في {أية : ليس لك من الأمر شيء}تفسير : [آل عمران: 128] المتقدّم آنفاً. والمراد بالأمر هنا شأن الخروج إلى القتال، والأمر بمعنى السيادة الذي منه الإمارة، ومنه أولو الأمر. وجملة {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} بدل اشتمال من جملة {يظنّون} لأنّ ظنّ الجاهلية يشتمل على معنى هذا القول. ومعنى {لو كان لنا من الأمر شيء} أي من شأن الخروج إلى القتال، أو من أمر تدبير النَّاس شيء، أي رأي ما قتلنا ههنا، أي ما قتل قومنا. وليس المراد انتفاء القتل مع الخروج إلى القتال في أحُدُ، بل المراد انتفاء الخروج إلى أحُدُ الَّذي كان سبباً في قتل من قُتل، كما تدلّ عليه قرينة الإشارة بقوله: (ههنا)، فالكلام كناية. وهذا القول قاله عبد الله بن أُبَي ابن سلول لمّا أخبروه بمن استشهد من الخزرج يومئذ، وهذا تنصّل من أسباب الحرب وتعريض بالنَّبيء ومن أشار بالخروج من المؤمنين الَّذين رغبوا في إحدى الحسنيين. وإنَّما كان هذا الظنّ غيرَ الحقّ لأنَّه تخليط في معرفة صفات الله وصفات رسوله وما يجوز وما يستحيل، فإنّ لله أمراً وهدياً وله قدَر وتيسير، وكذلك لرسوله الدعوة والتشريع وبذل الجهد في تأييد الدّين وهو في ذلك معصوم، وليس معصوماً من جريان الأسباب الدنيوية عليه، ومن أن يكون الحرب بينه وبين عدوّه سجالاً، قال أبو سفيان لهرقل وقد سأله: كيف كان قتالكم له؟ فقال أبو سفيان: ينال منّا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الإيمان حتَّى يتمّ. فظنّهم ذلك ليس بحقّ. وقد بيّن الله تعالى أنَّه ظنّ الجاهلية الَّذين لم يعرفوا الإيمان أصلاً فهؤلاء المتظاهرون بالإيمان لم يدخل الإيمان في قلوبهم فبقيت معارفهم كما هي من عهد الجاهلية. والجاهلية صفة جرت على موصوف محذوف يقدّر بالفئة أو الجماعة، وربما أريد به حالة الجاهلية في قولهم أهل الجاهلية، وقوله تعالى: {تبرّج الجاهلية الأولى}، والظاهر أنَّه نسبة إلى الجاهل أي الَّذي لا يعلم الدين والتَّوحيد، فإنّ العرب أطلقت الجهل على ما قابل الحلم، قال ابن الرومي: شعر : بجهل كجهل السيف والسيف منتضى وحلم كحلم السيف والسيف مغمد تفسير : وأطلقت الجهل على عدم العلم قال السموأل شعر : فليسَ سواء عالم وجَهول تفسير : وقال النابغة:شعر : وليس جَاهل شيءٍ مثلَ مَن علما تفسير : وأحسب أن لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، وصف به أهل الشرك تنفيراً من الجهل، وترغيباً في العلم، ولذلك يذكره القرآن في مقامات الذمّ في نحو قوله: {أية : أفحكم الجاهلية يبغون}تفسير : [المائدة: 50] {أية : ولاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الجاهليّة الأولى}تفسير : [الأحزاب: 33] {أية : إذ جعل الَّذين كفروا في قلوبهم الحَمِيَّة حَمِيَّة الجَاهلية}تفسير : [الفتح: 26]. وقال ابن عبَّاس: سمعت أبي في الجاهلية يقول: اسقنا كأساً دِهاقاً، وفي حديث حكيم بن حِزام: أنَّه سأل النَّبيء صلى الله عليه وسلم عن أشياء كان يتحنّث بها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم. وقالوا: شعر الجاهلية، وأيَّامُ الجاهلية. ولم يسمع ذلك كُلّه إلاّ بعد نزول القرآن وفي كلام المسلمين. وقوله: {غير الحق} منتصب على أنَّه مفعول {يظنّون} كأنَّه قيل الباطلَ. وانتصب قوله: {ظن الجاهلية} على المصدر المبيّن للنوع إذ كلّ أحد يعرف عقائد الجاهلية إن كان متلبِّساً بها أو تاركاً بها. وجملة {يخفون} حال من الضّمير في {يقولون} أي يقولون ذلك في حال نيّتهم غيرَ ظَاهِرِه، فـ {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك} إعلان بنفاقهم، وأنّ قولهم: {هل لنا من الأمر من شيء} وقولهم: {لو كان من الأمر شيء ما قتلنا ههنا} هو وإن كان ظاهره صورة العتاب عن ترك مشورتهم فنِيَّتهم منه تخطئة النَّبيء في خروجه بالمسلمين إلى أُحُد، وأنَّهم أسدّ رأياً منه. وجملة {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء} بدل اشتمال من جملة {يخفون في أنفسهم} إذ كانوا قد قالوا ذلك فيما بينهم ولم يظهروه، أو هي بيان لجملة {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} إذا أظهروا قولهم للمسلمين، فترجع الجملة إلى معنى بدل الاشتمال من جملة {يظنّون} لأنها لما بينت جملة هي بدل فهي أيضا كالتي بينتها، وهذا أظهر لأجل قوله بعدَه: {قل لو كنتم في بيوتكم} فإنَّه يقتضي أنّ تلك القالة فشت وبلغت الرسولَ، ولا يحسن كون جملة {يقولون لو كان} إلى آخره مستأنفة خلافا لما في «الكشاف». وهذه المقالة صدرت من مُعَتِّب بن قُشير قال الزبير بن العوّام: غشيني النُّعاس فسمعت معتّب بن قشير يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. فحكى القرآن مقالته كما قالها، وأسندت إلى جميعهم لأنَّهم سمعوها ورضوا بها. وجملة {قل إن الأمر كله لله} ردّ عليهم هذا العذر الباطل أي أنّ الله ورسوله غير محتاجين إلى أمركم. والجملة معترضة. وقرأ الجمهور: كلَّه ـــ بالنصب ـــ تأكيداً لاسم إنّ، وقرأه أبو عمرو، ويعقوب ـــ بالرفع ـــ على نيّة الابتداء. والجملةُ خبر إنّ. لقن الله رسوله الجواب عن قولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا. والجواب إبطال لقولهم، وتعليم للمؤمنين لدفع ما عسى أن يقع في نفوسهم من الريب، إذا سمعوا كلام المنافقين، أو هو جواب للمنافقين ويحصل به علم للمؤمنين. وفُصلت الجملة جرياً على حكاية المقاولة كما قرّرنا غير مرّة. وهذا الجواب جار على الحقيقة وهي جريان الأشياء على قَدر من الله والتسليمِ لذلك بعد استفراغ الجهد في مصادفة المأمول، فليس هذا الجواب ونظائره بمقتض ترك الأسباب، لأنّ قدر الله تعالى وقضاءه غير معلومَين لنا إلاّ بعد الوقوع، فنحن مأمورون بالسعي فيما عساه أن يكون كاشفاً عن مصادفة قدر الله لمأمولنا، فإن استفرغنا جهودنا وحُرمنا المأمول، علمنا أنّ قدر الله جرى من قبل على خلاف مرادنا. فأمَّا ترك الأسباب فليس من شأننا، وهو مخالف لما أراد الله منّا، وإعراض عمّا أقامنا الله فيه في هذا العالم وهو تحريف لمعنى القدَر. والمعنى: لو لم تكونوا ههنا وكنتم في بيوتكم لخرج الَّذين كتب الله عليهم أن يموتوا مقتولين فقتلوا في مضاجعهم الَّتي اضطجعوا فيها يوم أُحُد أي مصارعهم فالمراد بقوله: {كتب} قدّر، ومعنى {برز} خرج إلى البراز وهو الأرض. وقرأ الجمهور باء (بيوتكم) ـــ بالكسر ـــ. وقرأه أبو عمرو، وورش عن نافع، وحفص، وأبو جعفر ـــ بالضم ـــ. والمضاجع جمع مضجع ـــ بفتح الميم وفتح الجيم ـــ وهو محلّ الضجوع، والضجوع: وضع الجنب بالأرض للراحة والنَّوم، وفعله من باب منع ومصدره القياسي الضجْع، وأمَّا الضجوع فغير قياسي، ثمّ غلب إطلاق المضجع على مكان النَّوم قال تعالى: {أية : تتجافى جنوبهم عن المضاجع}تفسير : [السجدة: 16] وفي حديث أمّ زرع: «حديث : مَضْجَعه كمَسلّ شَطْبَة»تفسير : . فحقيقة الضجوع هو وضع الجنب للنَّوم والراحة وأطلق هنا على مصارع القتلى على سبيل الاستعارة، وحسّنها أنّ الشهداء أحياء، فهو استعارة أو مشاكلة تقديرية لأنّ قولهم، ما قُتلنا ههنا يتضمَّن معنى أنّ الشهداء كانوا يَبْقون في بيوتهم متمتَّعين بفروشهم. {وليبتلي الله ما في صدوركم} عطف على قوله: {أية : لكيلا تحزنوا على ما فاتكم}تفسير : [آل عمران: 153] وما بينهما جمل بعضها عطف على الجملة المعلّلة، وبعضها معترضة، فهو خطاب للمؤمنين لا محالة، وهو علَّة ثانية لقوله: {أية : فأثابكم غما بغم}تفسير : [آل عمران: 153]. والصّدُور هنا بمعنى الضّمائر، والابتلاءُ: الاختبار، وهو هنا كناية عن أثره، وهو إظهاره للنَّاس والحجّة على أصحاب تلك الضّمائر بقرينة قوله: {والله عليم بذات الصدور} كما تقدّم في قوله تعالى: {أية : وليعلم اللَّه الذين ءامنوا}تفسير : [آل عمران: 140]. والتمحيص تخليص الشيء ممَّا يخالطه ممَّا فيه عيب له فهو كالتزكية. والقلوب هنا بمعنى العقائد، ومعنى تمحيص ما فيه قلوبهم تطهيرها ممَّا يخامرها من الريب حين سماع شُبه المنافقين الّتي يبثُّونها بينهم. وأطلق الصدور على الضّمائر لأنّ الصدر في كلام العرب يطلق على الإحساس الباطني، وفي الحديث: «حديث : الإثم ما حاك في الصّدر»تفسير : وأطلق القلب على الاعتقاد لأنّ القلب في لسان العرب هو ما به يحصّل التفكّر والاعتقاد. وعُدّي إلى الصّدور فعل الابتلاء لأنَّه اختبار الأخلاق والضّمائر: ما فيها من خير وشَرّ، وليتميّز ما في النفس. وَعُدِّيَ إلى القلوب فعل التمحيص لأنّ الظنون والعقائد محتاجة إلى التمحيص لتكون مصدر كلّ خير.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 154- ثم أسبغ الله عليكم من بعد الغم نعمة أمن، وكان مظهرها نعاساً يغشى فريق الصادقين فى إيمانهم وتفويضهم لله، أما الطائفة الأخرى فقد كان همهم أنفسهم لا يعنون إلا بها، ولذلك ظنوا بالله الظنون الباطلة كظن الجاهلية، يقولون مستنكرين: هل كان لنا من أمر النصر الذى وعدنا به شئ؟ قل - أيها النبى:- الأمر كله فى النصر والهزيمة لله، يصرف الأمر فى عباده إن اتخذوا أسباب النصر، أو وقعوا فى أسباب الهزيمة. وهم إذ يقولون ذلك يخفون فى أنفسهم أمراً لا يبدونه. إذ يقولون فى أنفسهم: لو كان لنا اختيار لم نخرج فلم نغلب. قل لهم: لو كنتم فى منازلكم وفيكم من كتب عليهم القتل لخرجوا إلى مصارعهم فقتلوا. وقد فعل الله ما فعل فى أُحد لمصالح جمة، ليختبر ما فى سرائركم من الإخلاص وليطهر قلوبكم، والله يعلم ما فى قلوبكم من الخفايا علماً بليغاً. 155- إن الذين انصرفوا منكم عن الثبات فى أماكنهم - يا معشر المسلمين - يوم التقى جمعكم وجمع الكفار للقتال بأُحد، إنما جرَّهم الشيطان إلى الزلل والخطأ بسبب ما ارتكبوا من مخالفة الرسول، ولقد تجاوز الله عنهم لأنه كثير المغفرة واسع الحلم. 156- يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا فى شأن إخوانهم - إذا أبعدوا فى الأرض لطلب العيش فماتوا أو كانوا غزاة فقتلوا -: لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فقد جعل الله ذلك القول والظن حسرة فى قلوبهم، والله هو الذى يحيى ويميت، وبيده مقادير كل شئ، وهو مطلع على ما تعملون من خير أو شر، ومجازيكم عليه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أمنة نعاسا: الأمنة: الأمن، والنعاس: استرخاء يصيب الجسم قبل النوم. يغشى طائفة منكم: يُصيب المؤمنين ليستريحوا ولا يصيب المنافقين. أهمتهم أنفسهم: أي لا يفكرون إلا في نجاة أنفسهم غير مكترثين بما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ظن الجاهلية: هو اعتقادهم أن النبيّ قتل أو أنه لا ينصر. هل لنا من الأمر: أي ما لنا من الأمر من شيء. ما لا يبدون لك: أي مالا يظهرون لك. لبرز الذين: لخرجوا من المدينة ظاهرين ليلقوا مصارعهم هناك. كتب عليهم القتل: يريد كتب في كتاب المقادير أي اللوح المحفوظ. مضاجعهم: جمع مضجع وهو مكان النوم والاضطجاع والمراد المكان الذي صرعوا فيه قتلى. ليبتلي: ليختبر. وليمحص: التمحيص: التمييز وهو إظهار شيء من شيء كإظهار الإِيمان من النفاق، والحب من الكره. استزلهم الشيطان: أوقعهم في الزلل وهو الخطيئة والتي كانت الفرار من الجهاد. معنى الآيتين: ما زال السياق في الحديث عن غزوة أحد فأخبر تعالى في الآية الأولى [154] عن أمور عظام الأول أنه تعالى بعد الغم الذي أصاب به المؤمنين أنزل على أهل اليقين خاصة أمناً كاملا فذهب الخوف عنهم حتى أن أحدهم لينام والسيف في يده فيسقط من يده ثم يتناوله قال تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} والثاني أن أهل الشك والنفاق حرمهم الله تعالى من تلك الأمنة فما زال الخوف يقطع قلوبهم والغم يُسَيْطر على نفوسهم وهم لا يفكرون إلا في أنفسهم كيف ينجون من الموت وهم المعنيون بقوله تعالى {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} والثالث أن الله تعالى قد كشف عن سرائرهم فقال يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، والمراد من ظنهم بالله غير الحق ظن المشركين أنهم يعتقدون أن الإِسلام باطل وأن محمداً ليس رسولاً، وأن المؤمنين سينهزمون ويموتون وينتهي الإسلام ومن يدعوا إليه. والرابع أن الله تعالى قد كشف سرهم فقال عنهم: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} هذا القول قالوه سراً فيما بينهم، ومعناه ليس لنا من الأمر من شيء ولو كان لنا ما خرجنا ولا قاتلنا ولا أصابنا الذي أصابنا فأطلعه الله تعالى سرهم وقال له: رد عليهم بقولك: إن الأمر كله لله. ثم هتك تعالى مرة أخرى سترهم وكشف سرهم فقال: يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك أي يخفون في أنفسهم من الكفر والبغض والعداء لك ولأصحابك ما لا يظهرونه لك. والرابع لما تحدث المنافقون في سرهم وقالوا لو كان لنا من الأمر من شيء ما قتلنا ها هنا: يريدون لو كان الأمر بأيديهم ما خرجوا لقتال المشركين لأنهم إخوانهم في الشرك والكفر، ولا قتلوا مع من قتل في أحد فأمر الله تعالى رسوله أن يرد عليهم بقوله: قل لو كنتم في بيوتكم بالمدينة لبرز أي ظهر الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وصرعوا فيها وماتوا، لأن ما قدره الله نافذ على كل حال، ولا حذر مع القدر. ولا بد أن يتم خروجكم إلى أحد بتدبير الله تعالى لبتلي الله أي يمتحن ما في صدوركم ويميز ما في قلوبكم فيظهر ما كان غيباً لا يعلمه إلا هو إلى عالم المشاهدة ليعلمه ويراه على حقيقته رسوله والمؤمنون، وهذا لعلم الله تعالى بذات الصدور. هذا معنى قوله تعالى: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ}. هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية [155] فقد تضمنت إخبار الله تعالى عن حقيقة واحدة ينبغي أن تعلم وهي أن الذين فرّوا من المعركة لما اشتد القتال وعظم الكرب الشطيان هو الذي أوقعهم في هذه الزلة وهي توليّهم عن القتال بسبب بعض الذنوب كانت لهم، ولذا عفا الله عنهم ولم يؤاخذهم بهذه الزلة، وذلك لأن الله غفور حليم فلذا يمهل عبده حتى يتوب فيتوب عليه ويغفر له ولو لم يكن حليما لكان يؤاخذ لأول الذنب والزلة فلا يمكن أحداً من التوبة والنجاة. هذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ} أي عن القتال، يوم التقى الجمعان أي جمع المؤمنين وجمع الكافرين بأحد. إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم فلم يؤاخذهم إن الله غفور حليم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- إكرام الله تعالى لأوليائه بالأمان الذي أنزله في قلوبهم. 2- إهانة الله تعالى لأعدائه بحرمانهم مما أكرم به أولياءه وهم في مكان واحد. 3- تقرير مبدأ القضاء والقدر، وأن من كتب موته في مكان لا بد وأن يموت فيه. 4- أفعال الله تعالى لا تخلو أبداً من حكم عالية فيجب التسليم لله تعالى والرضا بأفعاله في خلقه. 5- الذنب يولد الذنب، والسيئة تتولد عنها سيئة أخرى فلذا وجبت التوبة من الذنب فوراً.

القطان

تفسير : يغشى: يغطي. برز: خرج. الى مضاجعهم: الى مصارعهم وقبورهم. ذات الصدور: السرائر. بعد ان انتهت المعركة ورجع بعض من انهزم من المسلمين وتجمّعوا حول الرسول الكريم وقف أبو سفيان وصاح: أُعلُ هُبَل، يوم أُحد بيوم بدر، لنا العزّى ولا عُزّى لكم. فقال رسول الله لعُمر: قل: الله أعلى وأجل، الله مولانا ولا مولى لكم. فقال ابو سفيان: فيكم محمد؟ قالوا: نعم، قال: لقد حدثتْ مُثْلَةٌ لم آمر بها ولم تسؤني، (يعني بذلك ما حدث من التمثيل بجثّة حمزة وغيره من قتلى المسلمين) ثم قال: الموعد بيننا بدرٌ في العام القابل. فخاف المسلمون ان يذهب المشركون الى المدينة. وفي تلك اللحظة بعث الله النعاس على طائفة المؤمنين الصادقين في إيمانهم تطميناً لقلوبهم، وفي النوم راحة كبرى للأعصاب المرهقة وقت الشدائد. قال ابو طلحة: غشينا النعاسُ يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. ورفعتُ رأسي فجعلت أَنظر وما منهم يومئذ الا يميد تحت حَجَفته من النعاس. وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً}. والحجفة: الترس من الجلد. هذه احدى طائفتي المسلمين الذين قاتلوا يوم أُحد. أما طائفة الايمان المزعزع فقد أذهلهم الخوفُ، ولم يكن لهم همٌّ الا انفسهم. وذلك لأنهم كانوا مكذِّبين بالرسول في قلوبهم، فظنوا بالله الظنون الباطلة وأخذوا يقولون مستنكرين: هل لنا من النصر والفتح نصيب؟. لهؤلاء قل يا محمد: الأمر كله لله في النصر والهزيمة. وحتى حين يسألونك فإنهم في الواقع يخفون في أنفسهم ما لا يستطيعون اعلانه لك، فهم يُظهرون أنهم يسألون مسترشدين طالبين النصر، لكنهم يبطِنون الإنكار والتكذيب. فلسان حالهم يقول: لو كان أمر النصر بيد إله محمد كما ادعى محمد ـ لما غُلبنا، ولما قُتل من قُتل من أصحابه في هذه المعركة!. قل لهم يا محمد: لو كنتم في منازلكم وفيكم من كُتِبَ عليه القتل لخرجوا الى مصارعهم فقُتلوا. اما الهزيمة فقد جازانا بها الله ليمتحن ما في صدورنا من الصدق والإخلاص أو عدمه، ويمحصّ ما في قلوبنا من وساوس الشيطان، والله عليم بذات الصدور. قراءات: قرأ حمزة والكسائي "تغشى" بالتاء، والباقون "يغشى" بالياء. وقرأ أبو عمرو ويعقوب "قل ان الأمر كلُّه" برفع اللام. والباقون بنصبها.

د. أسعد حومد

تفسير : {طَآئِفَةً} {طَآئِفَةٌ} {ٱلْجَاهِلِيَّةِ} {هَاهُنَا} (154) - أصْبَحَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ وَقْعَةِ أحُدٍ فَرِيقَيْنِ: 1- فَرِيقاً ذَكَرُوا مَا أَصَابَهُمْ فَعَرَفوا أنَّهُ كَانَ بِتَقْصِيرٍ مِنْ بَعْضِهِمْ، وَذَكَرُوا وَعْدَ اللهِ بِنَصْرِهِمْ، فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ، وَوَثِقُوا بِوَعْدِ رَبِّهِمْ، وَأيْقَنُوا أنَّهُمْ إنْ غُلِبُوا فِي هَذِهِ المَرَّةِ، بِسَبَبِ مَا أصَابَهُمْ مِنَ الفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ وَعِصْيَانِ الرَّسُولِ فِيمَا أمَرَ، فَإنَّ اللهَ سَيَنْصُرُهُمْ بَعْدُ، فَأنْزَلَ اللهُ عَليهِمِ النُّعَاسَ أَمَنَةً، حَتَّى يَسْتَرِدُّوا مَا فَقَدُوا مِنْ قُوَّةٍ وَأمْنٍ، وَلِيَذْهَبَ عَنْهُمْ مَا لَحِقَهُمْ مِنْ خَوْفٍ. 2- وَفَرِيقاً أَذْهَلَهُمُ الخُوْفُ حَتَّى صَارُوا مَشْغُولِينَ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُمْ إذِ الوُثُوقُ بِوَعْدِ اللهِ، وَوَعْدِ رَسُولِهِ، لَمْ يَصِلْ إلَى قَرَارَةِ نُفُوسِهِمْ، لأِنَّهُمْ كَانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ حَقّاً، فَعَظُمَ الخَوْفُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى ظَنُّوا بِاللهِ غَيْرَ الظَّنِّ الحَقِّ، إذْ كَانُوا يَقُولُونَ فِي أنْفُسِهِمْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيّاً حَقّاً لَمَا نَصَرَ اللهُ الكُفَّارَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَقَالٌ لاَ يَقُولُهُ إلاَّ أَهْلُ الشِّرْكِ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ عَلَى سَبِيلِ الإِنْكَارِ: هَلْ لَنَا مِنَ النَّصْرِ وَالفَتْحِ والظَّفْرِ نَصِيبٌ؟ {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ}، وَهُمْ يَعْنُونَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيءٌ، وَكَانَ مَا حَدَثَ فِي ذَلِِكَ اليَوْمِ دَلِيلاً، فِي نَظَرِهِمْ، عَلَى أنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ بِحَقٍّ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ قَائِلاً: إنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي هُوَ بِقَدَرِ اللهِ، وَبِحَسَبِ سُنَنِهِ فِي الخَلِيقَةِ وَلِذَلِكَ فَلاَ أَمْرَ لأحَدٍ غَيْرِ اللهِ. ثُمَّ يَكْشِفُ تَعَالَى عَنْ خَبِيئَةِ نُفُوسِ هَؤُلاَءِ فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ، فَنُفُوسُهُمْ مَلأى بِالوَسَاوِسِ وَالهَوَاجِسِ، وَالاعْتِرَاضَاتِ، وَيَقُولُونَ لَوْ كَانَ أمْرُ النَّصْرِ وَالظَّفْرِ بَأيْدِينَا كَمَا ادَّعَى مُحَمَّدٌ: (وَهُوَ أنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ وَلأوْلِيائِهِ وَأَنَّهُمْ هُمُ الغَالِبُونَ) لَمَا غُلِبْنَا، وَلَمَا قُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ مَنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ، فَهُمْ يَظُنُّونَ أنَّ خِطَّةَ القِيَادَةِ هِيَ التِي أَوْصَلَتْهُمْ إلَى التَّهْلُكَةِ. وَيَقُولُ تَعَالَى مُصَحِّحاً قَوْلَ هَؤُلاءِ وَاعْتِقَادَهُمْ، قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ قَدَرَ اللهِ سَيَقَعُ لاَ مَحَالَةَ، وَلَوْ كَانَ الذِينَ كُتِبَ عَلَيهِم القَتْلُ مَوْجُودِينَ فِي بُيُوتِهِمْ لَخَرَجُوا، دُونَ دَعْوَةٍ مِنْ أَحَدٍ إلَى حَيْثُ قُدِّرَ لَهُمْ أنْ يُقْتَلُوا، ليُقْتَلُوا. فَهُنَاكَ أَجَلٌ مَكْتُوبٌ لاَ يَسْتَقْدِمُ وَلاَ يَسْتَأْخِرُ، وَجَعَلَ اللهُ الأمْرَ كُلَّهُ ابْتِلاءً مِنْهُ، واخْتِبَاراً لِمَا فِي صُدُورِ المُؤْمِنِينَ وَقُلُوبِهِمْ، وَتَمْحِيصاً لِمَا فِي نُفُوسِهِمْ وَتَطْهِيراً. وَلَيْسَ كَالحَقِّ كَاشِفٌ لِلنُّفُوسِ وَالحَقَائِقِ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَبِالأسْرَارِ الخَفِيَّةِ. الأَمنَةُ - الأَمْنُ. يَغْشَى - يَُغَطِّي وَيَسْتُرُ، أيْ يَسْتَولي عَلَيهِم النُّعَاسُ. لَبَرَزَ - لَخَرَجَ. لِيُمَحِّصَ - لِيُنَقِّيَ وَيَكْشِفَ. ذَاتِ الصُّدُورِ - السَّرَائِرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وكلمة {أَنزَلَ} تدل على أن هذا عطاء عُلوي ليس له شأن بالأسباب المادية ولا بالقوانين البشرية؛ لأن النوم عرض من الأعراض التي تطرأ على الأحياء، هذا العرض تستوجبه عمليات كيماوية في نفسك، وهذه العمليات الكيماوية حتى الآن لا يعرفون ما هي، وأقصى ما فُهم منه أنه ردع ذاتي لجسم الإنسان. فكأن الجهاز المتحرك المكون من مخ يعمل، وعين ترى، وأذن تسمع، وحواس وحركة هذا الجهاز له طاقة، ساعة تنتهي منه الطاقة، لا يقول لك: أنت الذي تترك العمل. لا، بل يقول لك: أنا لم أعد صالحاً للعمل. إنه ردع ذاتي، مثلما يريدون أن يصلوا إليه الآن في مجال الآلات بمجرد فصل تيار الكهرباء آلياً عن تلك الآلات فهي تتوقف. فالردع الذاتي هو في النوم ويأتيك النعاس. وتبين بالبحث العلمي أن هناك أشياء في الجسم لا تخرج كفضلات. بل تحتاج إلى التعادل والتوازن الكيميائي. ونحن نعلم أن هناك بقايا كنتيجة للحركة، وهناك احتراق للطاقة، وكل حركة فيها احتراق، وبقايا هذا الاحتراق تخرج مرة على هيئة بول, ومرة يخرج غائطاً ومرة يخرج مخاطاً، وهكذا، إذن كثير من هذه الفضلات هي نتيجة عمليات الاحتراق، لكن هناك أشياء لا نريد لها أن تخرج ولكن نريدها أن تتعادل، فعندما تنام لا يوجد لك حركة وتبتدئ الكيماويات داخل الجسم في التعادل، وهذا هو ما يفعله لك النوم الذي تستوجبه أسبابك المادية. وصاحب الهم والغم لا ينام أبداً؛ فهو يسهو عن نفسه ويرهق جسمه أكثر وتكون المصيبة كبيرة عليه، وهنا ينزل الحق فضله عليكم بالنوم لأن أسبابكم لا تساعد أياً منكم على أن ينام. وأنتم تذكرون قديماً أننا قلنا: إن الإمام عليًّا كرم الله وجهه لما اشْتُهِرَ بالفتيا، وكلما سألوه عن أمر أفتى فيه، فقالوا: نأتي له بمسألة معقدة ونرى كيف يأتي بالفتيا، وكأنهم نسوا أنه يُفتي لأنه تربى في حضن النبوة، فقد جاءت النبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا علي ما زال صغيراً، أما الصحابة الآخرون فقد جاءت النبوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كبار في السن، فهناك معلومات دخلت عندهم من أيام الجاهلية، ولكن سيدنا عليًّا كرم الله وجهه لم تدخل عليه معلومة من معلومات الجاهلية. كل المعلومات التي عنده نبوية، فكل هذا التفاعل ينشأ عنه فُتيا؛ لذلك كان سريعاً في الإفتاء. على سبيل المثال، تأتي له امرأة فتقول: يا ابن أبي طالب كيف يعطونني ديناراً من ستمائة؟ مورثي خَلَّفَ ستمائة دينار فأعطوني ديناراً واحداً. فقال لها: لعله مات عن زوجة، وعن بنتين، وعن أم، الزوجة تأخذ الثُمن (خمسة وسبعين ديناراً) والبنتان تأخذان الثلثين (أربعمائة دينار) وللأم السدس وهو مائة دينار، ولعل له اثني عشر أخاً وأختاً واحدة، أشقاء أو لأب، وأنت هذه الأخت وقد بقي من التركة خمسة وعشرون ديناراً توزع على الاثني عشر أخاً والأخت؛ فيكون نصيبك ديناراً. كيف عرف ذلك؟ إنها دقة الحساب عند من تعلم في بيت النبوة. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد أن الحق قد أنزل عليهم نعاساً ليؤمنهم فلم ينشأ النوم هنا من حركة الاختيار، ولكن الله أنزله، ومعنى "أنزله"؛ أنه بعث رحمة جديدة من السماء ليُخرج القوم الذين أصابهم الغم على ما فعلوا مما هم فيه. ولذلك قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فكان السيف يسقط من أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه. إذن فهي عملية قسرية. والنعاس حينما ينزل من الحق سبحانه وتعالى يكون عملية إنقاذ من حركة فاتت فرصتها على النفس البشرية فعوضها الله، ولكن القوم الذين نافقوا ماذا كان حالهم؟ لا شك أن الذين جاءوا نفاقاً لم يصبهم غم على ما حدث. بل بالعكس، لا بد أن يكون قد أصابهم فرح أو اطمئنان على ما حدث، وهؤلاء لا يكونون أهلاً لأن ينزل الله عليهم أمنة النعاس. بل يتركهم الله لذواتهم؛ لأنهم لم يكونوا في حصن الله باتباع منهج الإسلام أو بالإخلاص - على الأقل - لفكرة الإسلام، هؤلاء يسلمهم الله لذواتهم. إذن فلن يُنزل عليهم أمنة النعاس. وما دام لن ينزل عليهم أمنة النعاس، فقد أصبحوا في قلق، لماذا؟ لأن نفوسهم قد أهمتهم. والإنسان حين يؤمن ويتقبل الإسلام من ربه يكون قد باع نفسه لربه، وما دام قد باع نفسه لربه فالصفقة الإيمانية لابد أن تستمر. وإذا استيقظ المسلم مرة لنفسه نقول له: لقد رجعت في عقد الصفقة. وما دمت قد رجعت في عقد الصفقة فالله الذي كان قد اشتراك يتركك لنفسك، فقوله: {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران: 154] أي خرجوا عن صفقة الإيمان؛ لأن الذي يعقد صفقة بالإيمان مع ربه، هو من قال الله فيه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ}تفسير : [التوبة: 111]. وما دام الله قد اشترى من المؤمن نفسه فيجب على المؤمن ألا تهمه نفسه، فيدخل المعركة بالصفقة الإيمانية، فإذا أهمته نفسه يبدأ القلق، والبلبلة، والاضطراب، وتوهم الأشياء، والشيء الواحد يتوهمه على ألف لون. إذن فنفسه تكون غير مطمئنة، وما دام الإنسان قد شغله هم نفسه حتى لو كان النعاس استجابة لأمر طبيعي من ذات النفس فلا يأتي النعاس أبداً. ولذلك نجد أن الإمام عليًّا - رضوان الله عنه وكرم الله وجهه - حينما سُئل عن أشد جنود الله؟ بسط يديه وقال: أشد جنود الله عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، إذن فالحديد أشد من الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته، والسُكر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السُكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله "الهم". فساعة يدخل الهم على النفس البشرية، هذا أشد جنود الله؛ لأن الهم يدخل على النفس البشرية بألوان متعددة للخطب الواحد، فيتصور أموراً معقدة في أمر واحد، وواقعة على لون واحد، ولكن الهم يجول به في كل لون؛ فهؤلاء قد أهمتهم أنفسهم وما داموا قد أهمتهم أنفسهم فقد خرجوا عن صفقة الإيمان. وما داموا قد خرجوا عن صفقة الإيمان الذي بوساطته اشترى الله من المؤمنين أنفسهم، فالله يتخلى عنهم. وما دام الله قد تخلى عنهم فعليهم مواجهة المصير. إن القلق والاضطراب يستبدان بهم ويصابون بالفزع من كل شيء. لكن حال الصنف الأول والطائفة الأولى يختلف؛ فالله سبحانه وتعالى يعاملهم معاملة من بقي في الصفقة الإيمانية وإن كانت نفوسهم البشرية قد فسرت الأحداث تفسيراً خاطئاً، فظنوا أن المسألة في المعركة انتهت، فذهبوا لأخذ الغنيمة, إن هؤلاء قد احترم الله بقاءهم على الإخلاص للإسلام، وأدبهم على تفسيرهم للأحداث تفسيراً غير حق، فأثابهم غما لما خالفوا فيه، وأنزل عليهم أمنه لإخلاصهم في قضية الإسلام. {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] وإذا سمعت كلمة "طائفة" فاعلم أنها جماعة، لكن هذه الجماعة لها مواصفات خاصة هي التي تجمعها على فكرة واحدة كأنهم يطوفون حولها، إنها ليست مطلق جماعة لكنها جماعة تدور حول فكرة واحدة, ويأتي القول الحكيم هنا ليبين لك ما قالوه في نفوسهم، وما داموا قد قالوا في نفوسهم، أسمعهم أحد؟ لا، ولكن الله أخبر به، وأخبر بما في نفوسهم جميعاً بقول واحد، مما يدل على أنهم يطوفون حول فكرة واحدة, فالنصح الوجداني يجعلهم يقولون جملة واحدة هي: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} [آل عمران: 154] وما داموا سيقولون في نفوسهم فمن الذي سمعهم وهم جماعة؟ إنه الله - سبحانه - {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 154]. وأنت إذا قلت "طائفة" تجد أنها في عرف اللفظ "مفرد"، وعندما تجمعها تقول: "طوائف"، لكن هي لفظ مفرد يدل على جمع، فمرة يلحظ المفرد، ومرة يلحظ ما يؤديه المفرد من الجمع. وهذه لا يتنبه إليها إلا البليغ، فيفرق بينها كلفظ مفرد وبين ما تدل عليه كجمع، ولذلك تجد هذا في إعجاز القرآن، فالحق يقول: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِٱلْعَدْلِ وَأَقْسِطُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ}تفسير : [الحجرات: 9]. وحينما يقول: "وإن طائفتان من المؤمنين" فهو هنا يأتي بالخبر، اقتتلتا أو اقتتلوا؟ إنه سبحانه يقول: "اقتتلوا"، اللفظ طائفتان لكن الدقة البلاغية لاحظت أن كل طائفة مكونة من جماعة. "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا" فماذا نفعل؟ "فأصلحوا بينهما"، فمرة رجع للجماعة ومرة رجع للاثنتين، ففي ساعة الاقتتال لا تقف الطائفة بسيف واحد وتضرب ضربة واحدة، لا، ففي ساعة القتال كل فرد من الطائفة له عمل، إذن فالفردية المكونة للطائفة متعددة. لكن عندما نصلح هل نأتي بكل فرد من هذه الطائفة وبكل فرد من الطائفة الأخرى أو نأخذ هذه الطائفة ممثلة في رؤوسها والطائفة الأخرى ممثلة في رؤوسها ونعقد الصلح بين الطائفتين؟ فدقة القرآن تقول: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} تفسير : [الحجرات: 9] وبعد ذلك يعود الحق للتثنية فيقول: {أية : فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} تفسير : [الحجرات: 9] والصُلح يكون بين جماعة ممثلة في قيادة وجماعة أخرى ممثلة في قيادة. وقوله الحق: {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] هذا القول يدل على أنها طائفة تدور حول حركة واحدة، ويدل على أن النفاق نفاق متفق عليه، وليس كل واحد منهم ينافق في نفسه، لا إنها طائفة المنافقين، وقد كوَّنوا جماعة، ولهم سياسة مخصوصة، ولهم كلام مخصوص ولهم وحدة فكر، ولهم وحدة قول، تعرفهم من قول الحق {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ ظَنَّ ٱلْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]. ونعرف أن الحق هو الشيء الثابت، وما دام ثابتاً فهو لا يتغير، وقضية الحق فيه تكون مطردة، فالله حق، خلق السماوات والأرض، وكل الكون بالحق، أنزل كتابه بالحق، كله حق، فهم يظنون بالله غير الحق مع أنه حق، ونشأ الكون منه بقانون حق، واستمرت سنن الله في الكون بالحق، وهو دائماً ينصر الحق، وهم يظنون بالله غير الحق، يقولون: ربنا لم ينصرنا على الرغم من أنه وعدنا بالنصر، وتناسوا العناصر التي جعلها الله أسباباً للنصر، إنها سُنَّة الله وسُنَّة الله تتحقق ولو على أحبابه، لقد خالفوا أمر الرسول، فلا بد أن ينهزموا، فلا مجاملة لأحد، فالذي يخالف لا بد أن يأخذ جزاءه؛ لأن هذا هو الحق. كان يجب أن يقولوا إن الحق واضح لدرجة أن أحبابه ومعهم رسوله حينما خالفوا عن أمر الله الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم طبق الله عليهم سُنته إذن فهي سنة بالحق، لكنهم ظنوا بالله ظن الجاهلية، والمقصود به إما ظن أهل الجاهلية؛ وإمَّا أن تكون الجاهلية عَلَماً على السَّفه كله، وهذا الظن له نضح سلوكي. {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} [آل عمران: 154] أي هل انتصرنا أو ظفرنا أو غلبنا أو أخذنا غنائم؟ أو يكون قولهم: {هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} [آل عمران: 154] مقصودا به: أننا خرجنا إلى المعركة بدون رأينا؛ فقد كان من رأينا ألا نخرج وأن نظل في المدينة وعندما يدخلونها علينا نحاربهم. {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} [آل عمران: 154] هم لم يمتلكوا البصيرة الإيمانية ولم يعرفوا لماذا لم ينصرهم الله، هم فهموا أنهم لم ينتصروا؛ لكن في عرف الحق أنه انتصار؛ لماذا؟ لأن المعركة أثبتت أن المبدأ إن خولف فلا نصر، إذن فالإسلام قد انتصر، ولكن الذي انهزم هم المتخاذلون عن منهج الإسلام، وهذا نصر للإسلام في ذاته. ولذلك يجب أن نفرق دائماً بين المبدأ الإسلامي والمنسوبين للمبدأ. إياك أن تأخذ الحكم على المبدأ من المنسوبين للمبدأ، فلا يكون المنسوبون للمبدأ حُجَّة على الحكم في ذاته إلا إذا كانوا ملتزمين به؛ لأن الله حينما شرع ديناً سمّاه الإسلام ليحكم حركة الحياة في الناس فهو قد قنّن وحرّم فيه أفعالاً، وما دام قد قنن وحرم فيه أفعالاً فمعناه أن المؤمنين المسلمين الذين انتسبوا له من الممكن أن يخالفوا بأفعالهم تلك الأحكام، فعندما يقرر الإسلام جلد أو رجم الزاني والزانية، وحينما يشرع الإسلام قطع يد السارق أو السارقة, وحين يشرع الإسلام تلك العقوبات للجرائم، فمعنى ذلك أنه من الجائز أن تحدث تلك الجرائم، فإذا ما حدثت فأنت لا تأخذها من واقع مُجَرَّم لتحكم به على الإسلام، لا تقل إن الإسلام أباح السرقة بل قل: سرق مسلم ووضع الإسلام عقوبة صارمة عليه وهي قطع يده. {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عمران: 154] وهذه هي الفضيحة لهم، فماذا كانوا يريدون أن يكون لهم؟ كانوا يريدون ألا يخرجوا للمعركة فقالوا: لو كان لنا من الأمر شيء واتبعنا منطقنا، لما جئنا الموقعة هنا وحصل لنا ما حصل، هذه واحدة، أو لو كان لنا شيء من الظفر الذي وعد الله به محمداً وأصحابه ما قتلنا ها هنا، فعلى الرأيين يصح المعنى، فكأنهم أرادوا أن يعللوا القتل أو الموت بأسباب، ومن الذي قال: إن القتل أو الموت يتعلق بأسباب؟ إن الموت قضية تطرأ لإعدام الحياة، وهي مجهولة السبب ومجهولة الزمان ومجهولة المكان ومجهولة العمر. إذن فما دامت المسألة مجهولة فلماذا ربطتم بين القتل والموقعة؟ وهل لم تروا إنساناً مات وليس في موقعة؟ ألم تروا إنساناً قد قُتل وليس في موقعة؟ لو أن القتل لا ينشأ إلا في مواقع قتال وحرب لكان لكم أن تقولوا هذا، وإنما القتل والموت قضية عامة لها واقع في حياتكم. هذا الواقع لم يرتبط بأرض، ولم يرتبط بزمان، ولم يرتبط بسن، ولم يرتبط بسبب، وإنما الموت يأتي لأنك تموت، انتهت المسألة. إذن فهم عندما ربطوا القتل والموت بالموقعة فهم قد خرجوا عن القضية الإيمانية. ولذلك يأتي الرد من الحق بأمر واضح للرسول صلى الله عليه وسلم: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154]. فكأنك أيها الميت قد تكون أَحْرَص على لقاء الموت من حِرْص الموت عليك. بدليل أننا قلنا: إن الإنسان يكون مريضاً، ويلح على أن تُجري له عملية جراحية فيعتذر الطبيب قائلاً: عندي عدد كبير من الجراحات فانتظر شهراً، فيأتي له المريض بوساطة لكي يقبل الطبيب إجراء العملية الجراحية ويلح عليه. ويعلى أجر الطبيب وقد يموت المريض. إذن فهو يلح على الموت أو لا؟ إنه يلح على الموت. يقول الحق: {لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154] وكلمة "بَرَزَ" تدل على اندفاع حركي، فمعنى: بَرَزَ من الصف؛ يعني أن الصّف له التئام واقعي، والذي يبرُز إنما يقوم بحركة مخالفة للصف، هذه حركة. {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 154] والذي يبرز إلى المضجع هو من يخرج من مكان الاستقرار، وإلاّ فكيف يكون الابتلاء لمن يقدر الله سبحانه أن يحملوا معركة الإسلام إلى أن تقوم الساعة إذا لم تكن هذه المسائل؟ لا بد أن يكونوا قوماً قد عركتهم التجربة، مُمحصين بالأحداث حتى لا يكون مأموناً على حمل السلاح في الإسلام إلا هؤلاء الصفوة المختارة. فساعة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج، وينتهي إلى أن يخرج إلى أحُد، نجد جماعة يتخاذلون بوساطة ابن أبي، هذه أول تصفية، وبعد ذلك ينقسم الرُماة، وهذه تصفية أخرى، فريق يظل وفريق ينزل للغنائم، وبعد ذلك يُشَاع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قُتل، هذه تصفية ثالثة. {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 154] وكلمة "ذات الصُدور" معناها صاحبة الصدور. وفي الصدر يحرص الإنسان على إخفاء الأمر الذي يحب أن يحتفظ به لنفسه بِحرْص كحرص الصاحب على صاحبه، كأن الصدر حريص على ألا يسلم ما فيه، ولكن الله سبحانه وتعالى يفضحهم أمام الناس، ويفضحهم أمام نفوسهم؛ فقد يجوز أن يكونوا مغشوشين في نفوسهم. ويقول الحق من بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ ...}.

الأندلسي

تفسير : {أَمَنَةً} الامنة: إلا من. وقرىء بسكون الميم والظاهر أن أمنة مفعول أنزل. و{نُّعَاساً} بدل منه ويجوز أن يكون أمنة مفعولاً من أجله ونعاساً مفعول من أنزل أي أنزل النعاس لأجل أمنكم لأن النعاس لا يكون معه خوف ولهذا قال في الأنفال: {أية : إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ}تفسير : [الآية: 11]، أي ليؤمنكم به. {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} هم المؤمنون وعليكم عام مخصوص به والنعاس الذي غشيهم كان حين ارتحل أبو سفيان وتركوا ركوب الخيل وجنبوها ركبوا الابل تاركين للقتال. {وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} هم المنافقون لم يلق الله عليهم النعاس، وطائفة مبتدأ وجاز الابتداء به لأنه نكرة والمكان مكان تفصيل، والواو للحال وهي من مسوغات الابتداء بالنكرة قد أهمتهم يقال: أهمني الشيء أي كان من همي وقصدي أي مما أهم به وأقصده وأهمني الأمر أقلقني وأدخلني في الهم. و{يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ} لم يتعد إلى اثنين والباء في بالله ظرفية بمعنى في كما قال: فقلت لهم ظنوا بالفي مذحج. والمعنى يوقعون ظنهم في الله أي في حكم الله وما قدره ظناً. {غَيْرَ ٱلْحَقِّ} فغير صفة لمصدر محذوف. و{ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ} بدل منه. ومعنى الجاهلية: الملة التي كانت قبل ملة الاسلام كما قال: حميّة الجاهلية. {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} معناه النفي ومعنى أن الأمر أي من الخروج إلى القتال والرأي. {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ للَّهِ} أي أن تصاريف الوجود وما يجري فيه لله تعالى لا لغيره. وقرىء كله توكيداً لقوله: الأمر. ولله خبر انّ. وقرىء كله بالرفع مبتدأ وخبره لله والجملة في موضع رفع خبر انّ. {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم} قال الزبير: والله لكأنّي أسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم حين قال لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ومعتب هذا شهد بدراً وكان مغموصاً عليه بالنفاق. {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ} قارّين وأراد الله قتل من قتل منكم. {لَبَرَزَ} والمضجع مكان قتله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} قرأها عمر على المنبر فقال: لما كان يوم أحد وهزمنا ففرت حتى صعدت الجبل فلقد رأيتني أنزو كأنني أروي والناس يقولون: قتل محمد، فقلت: لا أجد أحداً يقول قتل محمد إلا قتلته حتى اجتمعنا على الجبل، فنزلت هذه الآية كلها. {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ} أي طلب منهم الزلل ودعاهم إليه لأن ذلك هو مقتضى وسوسته وتخويفه هكذا قالوه ولا يلزم من طلب الشيء واستدعائه حصوله. فالأولى أن يكون استفعل هنا بمعنى [افعل فيكون المعنى] أزلهم الشيطان فيدل على حصول الزلل ويكون استزل وأزل بمعنى واحد كاستبان وأبان واستبلّ وأبلّ. {وَقَالُواْ} أي قال بعضهم لبعض. {لإِخْوَانِهِمْ} أي لأجل إخوانهم. {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} والاخوان هنا إخوان النسب أو إخوان التأليف. وإذا ظرف مستقبل لا يمكن أن يعمل فيه قالوا لمضيّه. قال الزمخشري: فإِن قلت: كيف قيل إذا ضربوا مع قالوا؟ قلت: هو حكاية الحال الماضية كقولك: حين يضربون في الأرض، وقال ابن عطية: دخلت إذا وهي حرف استقبال من حيث الذين اسم فيه إبهام يعم من قال في الماضي ومن يقول في المستقبل ومن حيث هذه النازلة فتصور في مستقبل الزمان وهذان القولان ضعيفان والذي يظهر أن العامل في إذا مضاف محذوف يدل عليه المعنى تقديره لأجل فراق إخوانهم إذا ضربوا في الأرض لتجارة وغيرها فماتوا. {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} فقتلوا. ويدل على المحذوف قوله: {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا} أي لو كانوا مقيمين عندنا ولم يضربوا في الأرض ولم يغزوا جعلوا الضرب في الأرض سبباً للموت والغزو سبباً للقتل. وغزا جمع غاز غزاة وعفاة وقرىء غزا جمع على فعل شذوذا وأصله غزو، كما قالوا: عاف وعُفّا، والقياس بتخفيف الزاي ووجّه على حذف أحد المضعفين تخفيفاً. وقيل: حذفت التاء وأصله غزاة. وقال ابن عطية: هذا الحذف كثير في كلامهم وأورد من ذلك الابّو والبنوّ جمع أب وابن، كما قالوا: عم وعمومة ثم حذفوا التاء فقالوا: عموم. "انتهى". ملخصاً وليس أبو وبنو مما حذفت منه التاء لأنهما مصدران لا جمعان وأبو وبنو جمعان على وزن فعول، كما قالوا: بُهُوٌ ونُهُوٌ وكان القياس الاعتلال فيقال: ابيّ وبُنيّ وبهيّ، كما قالوا: عصاً وعصيٌ وأما الحذف الذي ادعاه في عموم من ان أصله عمومة فقول لم يذهب إليه نحوي وكذا ما ادعاه في غزا وان أصله غزاة عنده، فلا يجوز أن يقال في رماة رمى ولا في قضاة قضى ولا في ماش مشى. {لِيَجْعَلَ} لا يصح أن يكون ذلك تعليلاً لقولهم وإنما قالوا ذلك تثبيطاً للمؤمنين عن الجهاد، ولا يصح أن يتعلق بالنهي وهو لا تكونوا كالذين كفروا لأن جَعْلَ الله ذلك حسرة في قلوبهم لا يكون سبباً لنهي الله المؤمنين عن مماثلة الكفار، قاله الزمخشري. وقد أورد سؤالاً عما يتعلق به ليجعل قال أو لا تكون بمعنى ولا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله الله حسرة في قلوبهم خاصة ويصون منها قلوبكم. انتهى كلامه وهو كلام شيخ لا تحقيق فيه لأن جعل الحسرة لا يكون سبباً للنهي كما قلنا إنما يكون سبباً لحصول امتثال النهي وهو انتفاء المماثلة فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم إذ لم توافقوهم فيما قالوه واعتقدوه فلا يضربوا في الأرض ولا يغزوا فالتبس على الزمخشري استدعاء انتفاء المماثلة بحصول الانتفاء وفهم هذا فيه خفاء ودقة. وقال ابن عيسى وغيره: اللام متعلقة بالكون أي لا تكونوا كهؤلاء ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم دونكم. "انتهى". ومنه أخذ الزمخشري قوله لكن ابن عيسى نص على ما تتعلق به اللام وهو لم ينص وقد بينا فساد هذ القول وإذا كانت لام الصيرورة والعاقبة تعلقت بقالوا والمعنى أنهم لم يقولوا لجعل الحسرة إنما قالوا ذلك لعلة فصار مآل ذلك الحسرة والندامة ونظر بقوله: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8]، ولم يلتقطوه لذلك إنما آل أمره إلى ذلك، والإِشارة بذلك فيه اختلاف كثير مذكور في البحر، والذي يقتضيه ظاهر الآية أن الإِشارة إلى المصدر المفهوم من قالوا وإن اللام للصيرورة والمعنى أنهم قالوا هذه المقالة قاصدين التثبيط عن الجهاد والأبعاد في الأرض سواء كانوا معتقدين صحتها أم لم يكونوا معتقديها إذ كثير من الكفار قائل بأجل واحد فخاب هذا القصد وجعل الله ذلك القول حسرة في قلوبهم أي غماً على ما فاتهم إذ لم يبلغوا مقصدهم من التثبيط عن الجهاد. والحسرة: الغم الذي يلحق على ما فات من بلوغ المقصد. وقرىء بما تعملون بالتاء وبالياء.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن إنزال النعيم بعد الغم بقوله تعالى: {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران: 154]، إشارة في الآيتين: إن الله تعالى ينزل حقائق أصناف ألطافه على عباده في صور مختلفة، كما أنزل حقيقة الآمنة والصبر والتثبت والشجاعة على الصحابة يوم أحد في صورة النعاس، {يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} [آل عمران: 154]؛ يعني: المؤمنين فجعل النعاس معدن جواهر ألطافه من الأمن وغيره مما ذكر الصحابة، وجعله معدن جواهر الوقائع السنية لأرباب القلوب من المكاشفات والمشاهدات، والواردات وأنواع المواهب، فإن أكثرها تقع في النعاس بين النوم واليقظة، {وَطَآئِفَةٌ} [آل عمران: 154]؛ يعني: المنافقين، {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران: 154]، هي إشارة إلى أرباب النفوس الذين لا يهتم بهم إلا هم {أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران: 154]، من استيفاء حظوظها وتتبع شهواتها، ولذاتها الجسمانية وتمتعاتها الحيوانية بخسة طبعها وركاكة نظرها الحسي، {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ} [آل عمران: 154]؛ يعني الظن الباطل {ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]؛ أي: كظن أهل الجاهلية؛ وهو ظن الأمور إلى الخلق لا إلى الله بقضائه وقدره، {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ} [آل عمران: 154]؛ أي: ما لنا مدعي الإسلام من أمر النصرة والظفر من شيء، فما وعدنا الله ورسوله أن {أية : ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 126] وإليه أمره، {قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ} في الدارين {كُلَّهُ للَّهِ} [آل عمران: 154]، منه وإليه وبه {يُخْفُونَ فِيۤ أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} [آل عمران: 154]، بل تبدون بعضهم لبعض، وهو قوله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَمْرِ} [آل عمران: 154]، من أمر النصرة والحقيقة في الدين، {شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَٰهُنَا} [آل عمران: 154]، بالباطل على أيدي حزب الشيطان والمبطلين {قُل لَّوْ كُنتُمْ} [آل عمران: 154]، أيها الغافلون عن الأحكام الأزلية وسر القدر، {فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ} [آل عمران: 154]؛ أي قضى وقدر عليهم القتل بالحكم من الأزلية {إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ} [آل عمران: 154]، {أية : لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}تفسير : [الأنفال: 42]، {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ} [آل عمران: 154]، أيها المنافقون مما تخفون في أنفسكم من النفاق والإنكار والاعتراض على الله ورسوله، والكفر بآيات الله والأخلاق الردية والأوصاف الدنية، ويخرجها عنكم قولاً وفعلاً، أيها المؤمنون مما تضمرون في قلوبكم من الإيمان والإيقان والتصديق بالقرآن، والتسليم لله ورسوله وتفويض الأمور إلى الله، والرضا بقضاء الله وقدره، والأخلاق الحميدة والأوصاف الكريمة، ويستخرجها منكم خلقاً وعملاً بتخصيص هذا التمحيص. وفيه معنى آخر وهو: أن معنى التمحيص بمعنى التطهير، {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} [آل عمران: 154]، من دنس الإنساني وغيره من الصفات الذميمة عند التولي، فيستغفرون منها فيغفر فيطهركم منها، كما قال تعالى: {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155]؛ يعني: قبل استخراج ما فيها، {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} [آل عمران: 154] بما فيها، فيستخرجها بهذا؛ لإظهار ما فيها على العالمين حجة عليهم ولهم، والنكتة في ذكر أصحاب النفوس، وهم المنافقون بابتلاء ما في الصدور وفي ذكر أولى الألباب، وهم المؤمنون بتمحيص ما في القلوب أن الصدور معدن النفاق والغل ووسوسة الشيطان وتسوله كقوله تعالى: {أية : كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ}تفسير : [المجادلة: 22]، وقال: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]، ولذلك أظهر الله تعالى تمحيص ما في قلوب المؤمنين ثلث الصفات من صفاته العلا وأسمائه الحسنى، وهو العفو الغفور والرحيم بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] من التولي؛ ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة، وهذا سر قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم فيذنبون، فيستغفرون الله فيغفر لهم"تفسير : ، ليعلم أن الله تعالى قادر على كل شيء من الخير والشر أسراراً لا يبلغ كنهها إلا هو، {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ} تفسير : [البقرة: 255].

همام الصنعاني

تفسير : 473- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، في قوله تعالى: {أَمَنَةً نُّعَاساً}: [الآية: 154]، قال: ألْقى الله عليهم النعاس، فكان ذلك أمنة لهم. قال: وذُكِر أن أبا طلحة قال: أُلْقِيَ عليَّ النعاس يومئذٍ، فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي. 474- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ظَنَّ ٱلْجَٰهِلِيَّةِ}: [الآية: 154]، قال: ظن أهل الشرك.