Verse. 448 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعٰنِ۝۰ۙ اِنَّمَا اسْتَزَلَّھُمُ الشَّـيْطٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوْا۝۰ۚ وَلَقَدْ عَفَا اللہُ عَنْھُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ غَفُوْرٌ حَلِيْمٌ۝۱۵۵ۧ
Inna allatheena tawallaw minkum yawma iltaqa aljamAAani innama istazallahumu alshshaytanu bibaAAdi ma kasaboo walaqad AAafa Allahu AAanhum inna Allaha ghafoorun haleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين تَوَلَّوْا منكم» عن القتال «يوم التقى الجمعان» جمع المسلمين وجمع الكفار بأُحُد وهم المسلمون إلا اثنيْ عشر رجلا «إنما استزلَّهم» أزلهم «الشيطان» بوسوسته «ببعض ما كسبوا» من الذنوب وهو مخالفة أمر النبي «ولقد عفا اللهُ عنهم إن الله غفور» للمؤمنين «حليم» لا يعجل على العصاة.

155

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن المراد: أن القوم الذين تولوا يوم أحد عند التقاء الجمعين وفارقوا المكان وانهزموا قد عفا الله عنهم، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفت الأخبار فيمن ثبت ذلك اليوم وفيمن تولى، فذكر محمد بن اسحاق أن ثلث الناس كانوا مجروحين، وثلثهم انهزموا، وثلثهم ثبتوا، واختلفوا في المنهزمين، فقيل: إن بعضهم ورد المدينة وأخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل، وهو سعد بن عثمان، ثم ورد بعده رجال دخلوا على نسائهم، وجعل النساء يقلن: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرون! وكن يحثين التراب في وجوههم ويقلن: هاك المغزل اغزل به، ومنهم قال: إن المسلمين لم يعدوا الجبل. قال القفال: والذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفرا منهم تولوا وأبعدوا، فمنهم من دخل المدينة، ومنهم من ذهب الى سائر الجوانب، وأما الأكثرون فإنهم نزلوا عند الجبل واجتمعوا هناك. ومن المنهزمين عمر، الا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد، بل ثبت على الجبل الى أن صعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم أيضا عثمان انهزم مع رجلين من الانصار يقال لهما سعد وعقبة، انهزموا حتى بلغوا موضعا بعيدا ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد ذهبتم فيها عريضة» تفسير : وقالت فاطمة لعلي: ما فعل عثمان؟ فنقصه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا علي أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا»تفسير : وأما الذين ثبتوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم فكانوا أربعة عشر رجلا، سبعة من المهاجرين، وسبعة من الانصار، فمن المهاجرين أبو بكر، وعلي وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيدالله وأبو عبيدة بن الجراح والزبير بن العوام، ومن الانصار الخباب بن المنذر وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحرث بن الصمة وسهل بن حنيف وأسيد بن حضير وسعد بن معاذ، وذكر أن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذ على الموت ثلاثة من المهاجرين: علي وطلحة والزبير، وخمسة من الانصار: أبو دجانة والحرث بن الصمة وخباب بن المنذر وعاصم بن ثابت وسهل ابن حنيف، ثم لم يقتل منهم أحد. وروى ابن عيينة أنه أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو من ثلاثين كلهم يجيء ويجثو بين يديه ويقول: وجهي لوجهك الفداء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك السلام غير مودع. المسألة الثانية: قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } هذا خطاب للمؤمنين خاصة يعني الذين انهزموا يوم أحد {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي حملهم على الزلة. وأزل واستزل بمعنى واحد، قال تعالى: {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا } تفسير : [البقرة: 36] وقال ابن قتيبة: استزلهم طلب زلتهم، كما يقال استعجلته أي طلبت عجلته، واستعملته طلبت عمله. المسألة الثالثة: قال الكعبي: الآية تدل على أن المعاصي لا تنسب إلى الله، فإنه تعالى نسبها في هذه الآية إلى الشيطان وهو كقوله تعالى عن موسى: {أية : هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } تفسير : [القصص: 15] وكقول يوسف.{أية : من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي}تفسير : [يوسف: 100] وكقول صاحب موسى: {أية : وما أنسانيه إلا الشيطان} تفسير : [الكهف: 63]. المسألة الرابعة: أنه تعالى لم يبين أن الشيطان في أي شيء استزلهم، وذلك لأن مع العفو لا حاجة إلى تعيين المعصية، لكن العلماء جوزوا أن يكون المراد بذلك تحولهم عن ذلك الموضع، بأن يكون رغبتهم في الغنيمة، وأن يكون فشلهم في الجهاد وعدو لهم عن الاخلاص، وأي ذلك كان، فقد صح أن الله تعالى عفا عنهم. وروي أن عثمان عوتب في هزيمته يوم أحد، فقال إن ذلك وإن كان خطأ لكن الله عفا عنه، وقرأ هذه الآية. أما قوله تعالى: {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } ففيه وجهان: أحدهما: أن الباء للالصاق كقولك: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، والمعنى أنه كان قد صدرت عنهم جنايات، فبواسطة تلك الجنايات قدر الشيطان على استزلالهم، وعلى هذا التقدير ففيه وجوه، الأول: قال الزجاج: انهم لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على جهة الفرار من الزحف رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكرهم الشيطان ذنوبا كانت لهم، فكرهوا لقاء الله إلا على حال يرضونها، وإلا بعد الاخلاص في التوبة، فهذا خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه. الثاني: انهم لما أذنبوا بسبب مفارقة ذلك المكان أزلهم الشيطان بشؤم هذه المعصية وأوقعهم في الهزيمة، لأن الذنب يجر الى الذنب، كما أن الطاعة تجر الى الطاعة. ويكون لطفا فيها. الثالث: لما أذنبوا بسبب الفشل ومنازعة بعضهم مع بعض وقعوا في ذلك الذنب. والوجه الثاني: أن يكون المعنى: استزلهم الشيطان في بعض ما كسبوا، لا في كل ما كسبوا، والمراد منه بيان أنهم ما كفروا وما تركوا دينهم، بل هذه زلة وقعت لهم في بعض أعمالهم. ثم قال تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ }. واعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر، فإن العفو عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] ثم قالت المعتزلة: ذلك الذنب إن كان من الصغائر جاز العفو عنه من غير توبة، وإن كان من الكبائر لم يجز إلا مع التوبة، فههنا لا بد من تقدم التوبة منهم، وإن كان ذلك غير مذكور في الآية، قال القاضي: والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر ويدل عليه وجهان: الأول: أنه لا يكاد في الكبائر يقال إنها زلة، إنما يقال ذلك في الصغائر. الثاني: أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق الى ثباتهم في ذلك المكان حاجة، فلا جرم انتقلوا عنه وتحولوا لطلب الغنيمة، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مدخلا، وأما على قول أصحابنا فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز، فلا حاجة الى هذه التكلفات. ثم قال تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ } أي غفور لمن تاب وأناب، حليم لا يعجل بالعقوبة. وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ذلك الذنب كان من الكبائر، لأنه لو كان من الصغائر لوجب على قول المعتزلة أن يعفو عنه، ولو كان العفو عنه واجبا لما حسن التمدح به، لأن من يظلم إنسانا فإنه لا يحسن أن يتمدح بأنه عفا عنه وغفر له، فلما ذكر هذا التمدح علمنا أن ذلك الذنب كان من الكبائر، ولما عفا عنه علمنا أن العفو عن الكبائر واقع، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} هذه الجملة هي خبر {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلُوا}. والمراد من تولّى عن المشركين يوم أحُد؛ عن عمر رضي الله عنه وغيره. السُّدَّي: يعني من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صَعِد الجبل. وقيل: هي في قوم بأعيانهم تخلّفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في وقت هزيمتهم ثلاثة أيام ثم انصرفوا. ومعنى {ٱسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ} استدعى زللهم بأن ذكّرهم خطايا سلفت منهم. فكرهوا الثبوت لئلا يُقتلوا. وهو معنى «ببعض ما كسبوا» وقيل: {ٱستْزَلَّهُمْ} حملهم على الزلل، وهو استفعل من الزلّة وهي الخطيئة. وقيل: زَلّ وأزلَ بمعنى واحد. ثم قيل: كرهوا القتال قبل إخلاص التوبة، فإنما تولَّوا لهذا، وهذا على القول الأوّل. وعلى الثاني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم في تركهم المركز ومَيْلِهم إلى الغنيمة. وقال الحسن: «مَا كَسَبُوا» قَبُولهم من إبليس ما وسوس إليهم. وقال الكلبي: زيّن لهم الشيطان أعمالهم. وقيل: لم يكن الانهزام معصية؛ لأنهم أرادوا التحصّن بالمدينة، فيقطع العدّو طمعه فيهم لمّا سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قُتِل. ويجوز أن يقال: لم يسمعوا دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لِلهَوْل الذي كانوا فيه. ويجوز أن يقال: زاد عدد العدّو على الضِّعف؛ لأنهم كانوا سبعمائة والعدوّ ثلاثة ٱلاف. وعند هذا يجوز الانهزام ولكن الانهزام عن النبي صلى الله عليه وسلم خطأٌ لا يجوز، ولعلّهم توهّموا أن النبي صلى الله عليه وسلم انحاز إلى الجبل أيضا. وأحسنها الأول. وعلى الجملة فإن حُمِل الأمر على ذنب مُحَقَّق فقد عفا الله عنه، وإن حُمِل على انهزام مُسَوّغ فالآية فيمن أبْعَد في الهزيمة وزاد على القدر المسوّغ. وذكر أبو الليث السَّمَرْقنِدي نصر بن محمد بن إبراهيم قال: حدّثنا الخليل بن أحمد قال: حدّثنا السراج قال حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا أبو بكر بن غَيْلان عن جرير: أن عثمان كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أَتَسُبَّني وقد شهدتُ بَدْراً ولم تشهَد، وقد بايعتُ تحت الشجرة ولم تبايع، وقد كنتَ تُوَلَّى مع من تَولَّى يوم الجَمْع، يعني يوم أُحَد. فردّ عليه عثمان فقال: أما قولك: أنا شهدتُ بدرا ولم تشهد، فإني لم أَغِب عن شيء شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت مريضةً وكنت معها أُمَرِّضها، فضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سهما في سهام المسلمين، وأما بيعة الشّجرة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني رَبيئَة على المشركين بمكة ـ الرّبيئَةُ هو الناظر ـ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه على شماله فقال: «هذه لعثمان» فيمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وشماله خير لي من يميني وشمالي. وأما يوم الجَمْع فقال الله تعالى: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} فكنتُ فيمن عفا الله عنهم. فحج عثمانُ عبدَ الرحمن. قلت: وهذا المعنى صحيحٌ أيضا عن ابن عمر. كما في صحيح البخاري قال: حدّثنا عَبْدانَ أَخْبرنَا أبو حمزة عن عثمان بن مَوْهَب قال: جاء رجلٌ حجّ البيت فرأى قوما جلوسا فقال: مَنْ هؤلاء العقود قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر؛ فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء أَتُحدُثني؟ قال: أنْشُدكَ بحُرْمة هذا البيت، أتعلم أن عثمانَ بنَ عفّان فرَّ يوم أُحُد؟ قال: نعم. قال: فتعْلَمهُ تغّيب عن بَدْرٍ فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلّف عن بيعة الرَّضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكَبّر. قال ابن عمر: تعالَ لأخبرك ولأبيِّن لك عما سألتني عنه؛ أمّا فِراره يوم أحَد فأشهد أن الله عفا عنه. وأما تغيُّبهُ عن بَدْرٍ فإنه كان تحته بنتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضةً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لكَ أجر رجل ممن شَهِد بَدْراً وسهْمَه»تفسير : . وأما تغيُّبهُ عن بيعة الرِّضوان فإنه لو كان أحَدٌ أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمانَ وكانت بيعةُ الرِّضوان بعد ما ذهب عثمانُ إلى مكة؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم بيده اليمنى: «حديث : هذه يد عثمان» تفسير : فضرب بها على يده فقال: «هذه لعثمان». اذهب بهذا الآن معك. قلت: ونظير هذه الآية توبةُ الله على ٱدم عليه السلام. وقوله عليه السلام: «فحجّ آدمُ موسى» أي غلبه بالحُجّة. وذلك أن موسى عليه السلام أراد توبيخ آدمَ ولومَه في إخراج نفسه وذرّيتّه من الجنة بسبب أكله من الشجرة؛ فقال له آدم: «أفتلُومُني على أمر قدّره الله تعالى علي قبل أن أخَلقَ بأربعين سنة تاب علي منه ومن تاب عليه فلا ذنب له ومن لا ذنب له لا يتوجّه عليه لومٌ». وكذلك من عفا الله عنه. وإنما كان هذا لإخباره تعالى بذلك، وخبرُه صِدْقٌ. وغيرهما من المذنبين التائبين يرجون رحمته ويخافون عذابه، فهم على وَجَل وخوف ألاَّ تُقبل توبتهم، وإن قُبلت فالخوف أغلبُ عليهم إذ لا عِلْمَ لهم بذلك. فآعلم.

البيضاوي

تفسير : { إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} يعني إن الذين انهزموا يوم أحد إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه واقترفوا ذنوباً لمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم بترك المركز، والحرص على الغنيمة أو الحياة فمنعوا التأييد وقوة القلب. وقيل استزلال الشيطان توليهم وذلك بسبب ذنوب تقدمت لهم فإن المعاصي يجر بعضها بعضاً كالطاعة. وقيل استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم فكرهوا القتال قبل إخلاص التوبة والخروج من المظلمة. {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} لتوبتهم واعتذارهم. {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} للذنوب {حَلِيمٌ} لا يعاجل بعقوبة الذنب كي يتوب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ } عن القتال {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } جمع المسلمين وجمع الكفار بأُحُد وهم المسلمون إلا اثني عشر رجلاً {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ } أزلهم {ٱلشَّيْطَٰنِ } بوسوسته {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } من الذنوب وهو مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } للمؤمنين {حَلِيمٌ } لا يُعجِّل على العصاة.

ابن عطية

تفسير : اختلف المتأولون في من المراد بقوله تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} فقال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: المراد بها جميع من تولى ذلك اليوم عن العدو. قال القاضي أبو محمد: يريد على جميع أنحاء التولي الذي لم يكن تحرفاً لقتال، وأسند الطبري رحمه الله قال: خطب عمر رضي الله عنه يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلما انتهى إلى قوله {إن الذين تولوْا منكم يوم التقى الجمعان}، قال: لما كان يوم -أحد- هزمنا ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأني أروى، والناس يقولون قتل محمد، فقلت: لا أجد أحداً يقول: قتل محمد إلا قتلته، حتى اجتمعنا على الجبل فنزلت هذه الآية كلها، قال قتادة: هذه الآية في كل من فر بتخويف الشيطان وخدعه، وعفا الله عنهم هذه الزلة، قال ابن فورك: لم يبق مع النبي يومئذ إلا ثلاثة عشر رجلاً، أبو بكر، وعلي، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وسائرهم من الأنصار أبو طلحة وغيره وقال السدي وغيره: إنه لما انصرف المسلمون عن حملة المشركين عليهم صعد قوم الجبل، وفر آخرون حتى أتوا المدينة، فذكر الله في هذه الآية الذين فروا إلى المدينة خاصة. قال القاضي: جعل الفرار إلى الجبل تحيزاً إلى فئة، وقال عكرمة: نزلت هذه الآية فيمن فر من المؤمنين فراراً كثيراً، منهم رافع بن المعلى، وأبو حذيفة بن عتبة ورجل آخر، قال ابن إسحاق: فر عثمان بن عفان، وعقبة بن عثمان وأخوه سعد، ورجلان من الأنصار زرقيان، حتى بلغوا الجعلب، جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص، فأقاموا به ثلاثة أيام، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة، قال ابن زيد: فلا أدري هل عفا عن هذه الطائفة خاصة؟ أم على المؤمنين جميعاً؟ و"استزل" - معناه طلب منهم أن يزلوا، لأن ذلك هو مقتضى وسوسته وتخويفه، وقوله تعالى: {ببعض ما كسبوا} ظاهره عند جمهور المفسرين: أنه كانت لهم ذنوب عاقبهم الله عليها بتمكين الشيطان من استزلالهم، وبخلق ما اكتسبوه أيضاً هم من الفرار، وذهب الزجّاج وغيره: إلى أن المعنى، أن الشيطان ذكرهم بذنوب لهم متقدمة، فكرهوا الموت قبل التوبة منها والإقلاع عنها، قال المهدوي: بما اكتسبوا من حب الغنيمة والحرص على الحياة. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل لفظ الآية أن تكون الإشارة في قوله: {ببعض ما كسبوا} إلى هذه العبرة، أي كان للشيطان في هذا الفعل الذي اكتسبوه استزلال لهم، فهو شريك في بعضه، ثم أخبر تعالى بعفوه عنهم، فتأوله جمهور العلماء على حط التبعة في الدنيا والآخرة، وكذلك تأوله عثمان بن عفان في حديثه مع عبيدالله بن عدي بن الخيار، وكذلك تأوله ابن عمر في حديثه مع الرجل العراقي، وقال ابن جريج: معنى الآية، {عفا الله عنهم} إذ لم يعاقبهم، والفرار من الزحف كبيرة من الكبائر بإجماع فيما علمت، وعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموبقات مع الشرك وقتل النفس وغيرها.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَوَلَّوْاْ} عن المشركين بأُحد، أو من قرب من المدينة وقت الهزيمة. {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} محبة الغنائم والحرص على الحياة، أو استزلهم بذكر خطايا أسلفوها فكرهوا القتل قبل أن يتوبوا منها. {عَفَا اللهُ عَنْهُمْ} لم يعاجلهم بالعقوبة، أو غفر خطيئتهم ليدل على إخلاصهم التوبة، وقيل الذين بقوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينهزموا ثلاثة عشر.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} أي انهزموا وهربوا منكم يا معشر المسلمين فهو خطاب لمن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين يوم أحد بأحد وكان قد انهزم أكثر المسلمين ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر رجلاً وقيل أربعة عشر من المهاجرين سبعة ومن الأنصار سبعة، فمن المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة بن عبيدالله وعبدالرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم {إنما استزلهم الشيطان} أي طلب زلتهم كما يقال استعجله أي طلب عجلته وقيل حملهم على الزلة وهي الخطيئة وذلك بإلقاء الوسوسة في قلوبهم لا أنه أمرهم بها {ببعض ما كسبوا} يعني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم وتركهم المركز. وقيل استزلهم الشيطان بتذكير خطايا سبقت لهم فكرهوا أن يقتلوا قبل إخلاص التوبة منها وهذا اختيار الزجاج لأنه قال لم يتولوا على جهة المعاندة ولا على الفرار من الزحف رغبة في الدنيا وإنما ذكرهم الشيطان خطايا سلفت لهم فكرهوا إلقاء الله إلا على حالة يرضاها {ولقد عفا الله عنهم} يعني ولقد تجاوز الله عن الذين تولّوا يوم التقى الجمعان فلم يعاقبهم بذلك وغفر لهم وقيل إن عثمان عوتب في هزيمة يوم أحد فقال إن ذلك وإن كان خطأ لكن الله قد عفا عنه وقرأ هذه الآية {إن الله غفور} يعني لمن تاب وأناب {حليم} لا يعجل العقوبة ولا يستأصلهم بالقتل. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} يعني المنافقين عبدالله بن أبيّ وأصحابه {وقالوا لإخوانهم} يعني في النفاق والكفر وقيل لإخوانهم في النسب وكانوا مسلمين {إذا ضربوا في الأرض} يعني إذا سافروا في الأرض لتجارة وغيرها {أو كانوا غزى} جمع غاز أي غزاة، في الكلام حذف دل المعنى على ذلك الحذف وهو إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزى فقتلوا {لو كانوا عندنا} يعني مقيمين {ما ماتوا وما قلتوا ليجعل الله ذلك} يعني قولهم وظنهم {حسرة في قلوبهم} يعني غماً وتأسفاً {والله يحيي ويميت} هذا رد لقول المنافقين لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا والمعنى أن الأمر بيد الله وأن المحيي والمميت هو الله تعالى فقد يحيي المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد عن الغزو كما يشاء فكيف ينفع الجلوس في البيت وهل يحمي أحد من الموت {والله بما تعملون بصير} يعني أنه تعالى مطلع على ما تعملون من خير أو شر فيجازيكم به فاتقوه ولا تكونوا مثل المنافقين لأن مقصدهم تنفير المؤمنين عن الجهاد بقولهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فإن الله تعالى هو المحيي المميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد ومن قدر له الموت لم يبق وإن أقام ببيته عند أهله فلا تقولوا أنتم أيها المؤمنون لمن يريد الخروج إلى الجهاد لا تخرج فتقتل فلان يموت في الجهاد فيستوجب الثواب فإن ذلك خير له من أن يموت لمن يريد في بيته بلا فائدة.

ابن عادل

تفسير : إنما ثُنّي "الْجَمْعَان" - وإن كان اسم جمع - وقد نَصَّ النُّحَاةُ على أنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَع إلا شذوذاً- لأنه أريد به النوع؛ فإن المعنى جَمْع المؤمنين وجَمْع المشركين، فلما أريد به ذلك ثُنِّي، كقوله: [الطويل] شعر : 1672- وَكُلُّ رَفِيقَيْ كُلِّ رَحْلٍ وَإنْ هُمَا تَعَاطَى الْقَنَا قَوْماً هُمَا أخَوَانِ تفسير : فصل {تَوَلَّوْاْ} انهزموا {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أُحُدٍ، وكان قد انهزم أكْثَرُ المسلمين، ولم يَبْقَ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ثلاثةَ عشر رجلاً، ستةٌ من المهاجرين: أبُو بَكْرٍ، وأبو عُبَيْدَةَ بن الجراح وعليٌّ، وطَلْحَة، وعبد الرحمن بن عَوْفٍ، وسعد بن أبي وَقَّاصٍ - وسبعة من الأنصار - حباب بن المنذر وأبو دُجَانَة، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصِّمَّة، وسهل بن حُنَيْف، وأسَيْد بن حُضَيْر، وسعد بن مُعَاذٍ- وقيل: أرْبَعَةَ عشَرَ؛ سبعةٌ من المهاجرين، فذكر الزبير بن العوّام معهم، وسبعةٌ من الأنصار. وقيل: إن ثمانية من هؤلاء كانوا بايعوه يومئذٍ على الموت: ثلاثة من المهاجرين: طلحة، والزبير، وعلي، وخمسة من الأنصار: أبو دُجَانة، والحارث بن الصِّمَّة، وحباب بن المُنْذِرِ، وعاصم بن ثابتٍ، وسهل بن حنيف، ثم لم يقتل منهم أحد. ورُوي أنه أصيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثينَ، كلهم يجيء، ويَجْثو بين يديه، ويقول: وجهي لوجهك الفداء، ونفسي لنفسك الفداء، وعليك السَّلامُ غيرَ مُودَّعٍ. قوله: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} السين في {ٱسْتَزَلَّهُمُ} للطلب، والظاهر أن استفعل ها هنا - بمعنى أفْعَل؛ لأن القصة تدلُّ عليه، فالمعنى: حَمَلَه على الزلة، فيكون كـ "اسْتَلَّ" و "أبَلَّ". و "أزَلَّ" واستزلَّ بمعنى وَاحِدٍ، قال تعالى: {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [البقرة: 36]. وقال ابن قتيبةَ: {ٱسْتَزَلَّهُمُ} طلب زلَّتَهُمْ، كما يقال: استعجلته: أي: طلبت عجلته، واستعملته طلبت عمله. فصل قال الكعبيُّ: الآية تدلُّ على أن المعاصيَ لا تُنْسَب إلى الله؛ فإنه -تعالى- نسبها هنا إلى الشِّيْطَانِ، فهو كقوله تعالى - حكاية عن موسى -: {أية : هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : [القصص: 15] وكقوله - حكاية عن يُوسفَ -: {أية : مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ ٱلشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِيۤ} تفسير : [يوسف: 100] وقوله - حكاية عن صاحب موسى -: {أية : وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ} تفسير : [الكهف: 63]. قوله: {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} فيه وجهانِ: الأول: أن الباء للإلصاق، كقولك: كتبت بالقَلَم، وقطعت بالسِّكِّين، والمعنى: أنه قد صدرت عنهم جنايات، فبواسطتها قدر الشيطان على استزلالهم، وعلى هذا التقدير اختلفوا: فقال الزَّجَّاجُ: إنهم لم يتولَّوْا عناداً، ولا فراراً من الزَّحْف، رغبة منهم في الدنيا، وإنما ذكَّرهم الشيطانُ ذنوباً - كانت لهم - فكرهوا البقاء إلا على حالٍ يَرْضَوْنَهَا. وقيل: لما أذنبوا - بمفارقة المركز، أو برغبتهم في الغنيمة، أو بفشلهم عن الجهاد - أزلَّهم الشيطانُ بهذه المعصيةِ، وأوقعهم في الهزيمة. الثاني: أن تكونَ الباء للتبعيض، والمعنى: أنَّ هذه الزَّلَّةَ وقعت لهم في بعض أعمالهم. قوله: {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} هذه الآية تدل على أن تلك الزَّلَّة ما كانت بسبب الكُفْرِ؛ فإن العفو عن الكفر لا يجوز؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ} تفسير : [النساء: 48] فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز. قالت المعتزلة: ذلك الذنب إن كان من الصغائر، جاء العفو عنه من غير توبةٍ، وإن كان من الكبائر لم يَجُز العفو عنه من غيب توبة - وإن كان ذلك غير مذكور في الآية. قال القاضي: والأقربُ أن ذلك الذنب كان من الصغائر، لوجهين: أحدهما: أنه لا يكاد - في الكبائر - يقال: [إنها زَلَّة]، إنما يقال ذلك في الصغائر. الثاني: أن القوم ظنوا أنَّ الهزيمةَ لما وقعت على المشركين، لم يَبْقَ إلى ثباتهم في ذلك المكانِ حاجة فلا جرم -انقلبوا عنه، وتحوَّلوا لطلب الغنيمة، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مَدْخَلاً. قال ابنُ الخَطِيبِ: وهذه تكلُّفات لا حاجة إليها، وقد بينَّا كونها من الكبائر، والاجتهاد لا مدخل له مع النص الصريح بلزوم المركز، سواء كانت الغلبة لهم، أو عليهم. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أي {غَفُورٌ} لمن تاب، {حَلِيمٌ} لا يعجل بالعقوبة، وهذا يدل على أن ذلك الذنب كان من الكبائر؛ لأن لو كان من الصغائر لوجب أن يعفو عنه - على قول المعتزلة - ولو كان العفو واجباً لما حَسُنَ التمدُّح به؛ لأن من يظلم إنساناً لا يحسُن ان يتمدّح بأنه عفا عنه، وغفر له.

البقاعي

تفسير : ولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل والتنبيه على أنه غني عن الاختبار، خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله مستأنفاً لبيان ما هو من ثمرات العلم: {إن الذين تولوا منكم} أي عن القتال ومقارعة الأبطال {يوم التقى الجمعان} أي من المؤمنين والكفار {إنما استزلّهم} أي طلب زللهم عن ذلك المقام العالي {الشيطان} أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة {ببعض ما كسبوا} أي من الذنوب التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضرات القدس ومواطن الأنس من ترك المركز والإقبال على الغنيمة وغير ذلك، فإن القتال في الجهاد إنما هو بالأعمال، فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار، ولم يكن توليهم عن ضعف في نفس الأمر. ولما كان ذلك مفهماً أن الذين تولوا صاروا من حزب الشيطان فاستحقوا ما استحق ألصق به قوله: {ولقد عفا الله} أي الذي له صفات الكمال {عنهم} لئلا تطير أفئدة المؤمنين منهم، وختم ذلك ببيان علته مما هو أهله من الغفران والحلم فقال معيداً للاسم الأعظم تنبيهاً على أن الذنب عظيم والخطر بسببه جسيم، فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال لعوجلوا بأعظم النكال: {إن الله غفور} أي محاء للذنوب عيناً وأثراً. ولما كان الغفر قد يكون مع تحمل نفاه بقوله: {حليم *} أي حيث لم يعامل المتولين حذر الموت معاملة الذين خرجوا من ديارهم - كما تقدم - حذر الموت، فقال لهم الله: موتوا. ولما كان قولهم: إنا لو ثبتنا في المدينة الممثلة بالدرع الحصينة - كما "كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأكابر من أصحابه" لسلمنا، إلى غير ذلك مما أشار سبحانه وتعالى إليه قولاً موجباً لغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم. لما فيه من الاتهام وسوء العقيدة، وكان مع ذلك مظنة لأن يخدع كثيراً من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن قتل منهم وتعاظم أسفهم عليهم. كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما يزيل هذا الأثر، ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيداً بأعظم الثبات لما طبع عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره، فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} أي أظهروا الإقرار بالإيمان! صدقوا قولكم بأن {لا تكونوا كالذين كفروا} أي بقلوبهم على وجه الستر {وقالوا} أي ما فضحهم {لإخوانهم} أي لأجل إخوانهم الأعزة عليهم نسباً أو مذهباً {إذا ضربوا} أي سافروا مطلق سفر {في الأرض} أي لمتجر أو غيره {أو كانوا غزّى} أي غزاة مبالغين في الغزو في سبيل الله بسفر أو غيره, جمع غازٍ، فماتوا أو قتلوا {لو كانوا عندنا} أي لم يفارقونا {ما ماتوا وما قتلوا} وهذا في غاية التهكم بهم، لأن إطلاق هذا القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في المدينة، وهو لا يقوله عاقل ولما كان هذا القول محزناً اعتقاده وكتمانه علق سبحانه وتعالى بقوله: "قالوا" وبانتفاء الكون كالذين قالوا قوله: {ليجعل الله} أي الذي لا كفوء له {ذلك} أي القول أو الانفراد به عن مشارك {حسرة في قلوبهم} أي باعتقاده وعدم المواسي فيه, وعلى تقدير التعليق بـ "قالوا" يكون من باب التهكم بهم, لأنهم لو لم يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده عاقل لكانوا قد قالوه لا لغرض أصلاً, وذلك أعرق في كونه ليس من أفعال العقلاء {والله} أي لا تكونوا مثلهم والحال. أو قالوا ذلك والحال. أن الذي له الإحاطة الكاملة {يحيي} أي من أراد في الوقت الذي يريد {ويميت} أي من أراد إذا أراد, لا يغني حذره من قدره {والله} أي المحيط بكل شيء قدره وعلماً {بما تعملون} أي بعملكم وبكل شيء منه {بصير *} وعلى كل شيء منه قدير, لا يكون شيء منه بغير إذنه, ومتى كان على خلاف أمره عاقب عليه. ولما نهاهم عن قول المنافقين الدائر على تمني المحال من دوام البقاء وكراهة الموت بيّن لهم ثمرة فوات أنفسهم في الجهاد بالموت أو القتل ليكون ذلك مبعداً لهم مما قال المنافقون, موجباً لتسليم الأمر للخالق, بل محبباً فيه وداعياً إليه فقال: {ولئن} وهو حال أخرى من لا "تكونوا" {قتلتم} أي من أية قاتل كان {في سبيل الله} أي الملك الأعظم قتلاً {او متم} أي فيه موتاً على أية حالة كانت. ولما كان للنفوس غاية الجموح عن الموت زاد في التأكيد فقال: {لمغفرة} أي لذنوبكم تنالكم, فهذا تعبد بالخوف من العقاب {من الله} أي الذي له نهاية الكمال بما كنتم عليه من طاعة {ورحمة} أي لأجل ذلك, وهو تعبد لطلب الثواب {خير مما يجمعون *} أي مما هو ثمرة البقاء في الدنيا عند أهل الشقاء, مع أنه ما فاتكم شيء من أعماركم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن كليب قال: خطب عمر يوم الجمعة فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها فلما انتهى إلى قوله {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} قال: لما كان يوم أحد هزمنا، ففررت حتى صعدت الجبل، فلقد رأيتني أنزو كأنني أروى، والناس يقولون: قتل محمد فقلت: لا أجد أحداً يقول قتل محمد إلا قتلته، حتى اجتمعنا على الجبل. فنزلت {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان...} الآية. كلها. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عوف {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} قال: هم ثلاثة. واحد من المهاجرين، واثنان من الأنصار. وأخرج ابن منده في معرفة الصحابة عن ابن عباس في قوله {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان...} الآية. قال: نزلت في عثمان، ورافع بن المعلى، وحارثة بن زيد. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} قال: نزلت في رافع بن المعلى وغيره من الأنصار، وأبي حذيفة بن عتبة، ورجل آخر. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} قال: عثمان، والوليد بن عقبة، وخارجة بن زيد، ورفاعة بن معلى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان الذين ولوا الدبر يومئذ: عثمان بن عفان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان، أخوان من الأنصار من بني زريق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن اسحق {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} فلان، وسعد بن عثمان، وعقبة بن عثمان الأنصاريان، ثم الزرقيان. وقد كان الناس انهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى بعضهم إلى المنفى دون الأغوص، وفر عقبة بن عثمان، وسعد بن عثمان، حتى بلغوا الجعلب ـ جبل بناحية المدينة مما يلي الأغوص ـ فأقاموا به ثلاثاً، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لقد ذهبتم فيها عريضة". وأخرج عبد بن حميد وابن جريرعن قتادة {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} ذلك يوم أحد ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبي الله يومئذ، وكان ذلك من أمر الشيطان وتخويفه، فأنزل الله ما تسمعون أنه قد تجاوز لهم عن ذلك وعفا عنهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير {إن الذين تولوا منكم} يعني انصرفوا عن القتال منهزمين {يوم التقى الجمعان} يوم أحد حين التقى الجمعان؛ جمع المسلمين، وجمع المشركين، فانهزم المسلمون عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي في ثمانية عشر رجلاً {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} يعني حين تركوا المركز وعصوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال للرماة يوم أحد "لا تبرحوا مكانكم فترك بعضهم المركز" {ولقد عفا الله عنهم} حين لم يعاقبهم فيستأصلهم جميعاً {إن الله غفور حليم} فلم يجعل لمن انهزم يوم أحد بعد قتال بدر النار كما جعل يوم بدر. هذه رخصة بعد التشديد. وأخرج أحمد وابن المنذر عن شقيق قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أخبره أني لم أفر يوم عينين يقول يوم أحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر، فانطلق فخبر بذلك عثمان فقال: أما قوله أني لم أفر يوم عينين فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عني؟ فقال {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم}. وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم. ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهم فقد شهد. وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر فإني لا أطيقها ولا هو، فأتاه فحدثه بذلك. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن رجاء بن أبي سلمة قال: الحلم أرفع من العقل لأن الله عز وجل تسمى به.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} وهم الذين انهزموا يومَ أحُدٍ حسبما مرت حكايتُهم {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي إنما كان سببَ انهزامِهم أن الشيطانَ طلب منهم الزللَ {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} من الذنوب والمعاصي التي هي مخالفةُ أمرِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم، وتركُ المركزِ والحِرصُ على الغنيمة أو الحياةِ، فحُرِموا التأيـيدَ وقوةَ القلب، وقيل: استزلالُ الشيطانِ تولِّيهم وذلك بذنوب تقدمت لهم فإن المعاصيَ يجُرّ بعضُها إلى بعض كالطاعة، وقيل: استزلّهم بذنوب سبَقتْ منهم وكرِهوا القتلَ قبل إخلاصِ التوبةِ والخروجِ من المظلِمة {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} لتوبتهم واعتذارِهم {أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} للذنوب {حَلِيمٌ} لا يعاجل بعقوبة المذنبِ ليتوب، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها على سبـيل التحقيق، وفي إظهار الجلالةِ تربـيةٌ للمهابة وتأكيدٌ للتعليل.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}[155] فسئل ما هذا الكسب؟ فقال: هو الإعجاب الذي كان منهم بكثرة عددهم يوم حنين، وأخذهم العزة يوم بدر، وكان لشرك الشيطان إياهم بعد مساكنة قلوبهم ورؤيتهم نفوسهم بما سولت لهم أنفسهم من الإعجاب، فترك الله عصمتهم جزاءً لهم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع من أصحابه يوم حنين يقولون لن نؤتى من قلة: "حديث : لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية" تفسير : من تدبيركم إلى نفوسكم بحال، دون الافتقار إلى الله عزَّ وجلَّ، ألا ترى أن داود عليه السلام لما سأل ربه اللحوق بإبراهيم وإسماعيل وإسحاق فقال له: لست هناك يا داود. فقال: ولِمَ يا رب؟ فقال: لأن أولئك ابتليتهم فصبروا ولم يعرفوا الدنيا ولا عرفتهم وإنك عرفت الدنيا وعرفتك واتخذتها أهلاً. فقال داود عليه السلام: فأرني من عبادك من لو ابتليته صبر. فقال الله عزَّ وجلَّ: فإني مبتليك. فكان هو المبتدي في طلب البلاء للامتحان من الله تعالى، يعني وذلك لعلم الله السابق في غيب مستور تفرد بمعرفته، فأتاه إبليس في صورة حمامة، وكان من قصته وقصة أوريا ابن حنان ما كان، والله تعالى لم يعصمه من الهم والقصد والفعل، وعصم يوسف من الفعل ولم يعصمه من الهم والقصد.

القشيري

تفسير : الإشارة من هذه الآية إلى أحوال من سَقِمَتْ إرادتُهم، وضَعُفَتِ نِيَّاتُهم، وقادهم الهوى، ومَلَكَتُهُم الفترة. قابَلَهم نصحُ الناصحين، ودعوة المنى، ووساوس الشياطين فركنوا إلى الغيبة، وآثروا الهوى على التُّقَى فبقوا عنه، ولم يتهنَّوا بما آثروه عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين تولوا} اعرضوا {منكم يوم التقى الجمعان} من المسلمين والكافرين وهم الذين انهزموا يوم احد {انما استزلهم الشيطان} اى انما كان سبب انهزامهم ان الشيطان طلب منهم الزلل ودعاهم اليه {ببعض ما كسبوا} من الذنوب والمعاصى التى هى مخالفة امر النبى عليه السلام وترك المركز والحرص على الغنيمة والحياة فحرموا التأييد وقوة القلب {ولقد عفا الله عنهم} لتوبتهم واعتذارهم {ان الله غفور} للذنوب {حليم} لا يعاجل بعقوبة المذنب ليتوب والنكتة فيه ان الشيطان خلق من النار فبالشيطان ونار وسوسته استخرج من معدن الانسان حديد ما كسبوا من التولى ليجعله مرآة ظهور صفاته العفو والمغفرة والحلم وهذا قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " .تفسير : ليعلم ان الله تعالى فى كل شىء من الخير والشر اسرار لا يبلغ كنهها الا هو ولا يحيطون بشىء من علمه الا بما شاء والشيطان لا يقدر على اغواء المخلصين من اهل اليقين والنورانيين وما لم يكن فى القلب ظلمة وشوب من الهوى بسبب ارتكاب الذنوب لم يكن له مجال للوسوسة فالسالكون الذين نجوا من ظلمات النفس لا يقدر الشيطان ان يقرب منهم فضلا عن وسوستهم ـ قيل ـ رأى الجنيد ابليس فى منامه عريانا فقال ألا تستحيى من الناس فقال هؤلاء ناس. الناس اقوام فى مسجد الشونيزية افنوا جسدى واحرقوا كبدى قال الجنيد فلما انتبهت غدوت الى المسجد فرأيت جماعة وضعوا رؤسهم على ركبهم متفكرين فلما رأونى قالوا لا يغرنك حديث الخبيث فاذا تنور القلب بنور المعرفة لا يحوم حوله بالوسوة الشيطان النارى. وعن ابى سعيد الخراز قدس سره قال رأيت ابليس فى المنام فاخذت عصاى لاضربه فقيل لى انه لا يفزع من هذا انما يخاف من نور يكون فى القلب. قال حجة الاسلام الغزالى فى الاحياء حكى ان ابليس بث جنوده فى وقت الصحابة فرجعوا اليه مخسورين فقال ما شأنكم قالوا ما رأينا مثل هؤلاء ما نصيب منهم شيأ وقد اتعبونا فقال انكم لا تقدرون عليهم وقد صحبوا نبيهم وشهدوا نزول الوحى ولكن سيأتى بعدهم قوم تنالون منهم حاجتكم فلما جاء التابعون بث جنوده فرجعوا اليه منكسرين فقالوا ما رأينا اعجب من هؤلاء نصيب منهم الشىء بعد الشىء من الذنوب فاذا آن آخر النهار اخذوا فى الاستغفار فتبدل سيآتهم حسنات فقال انكم لن تنالوا من هؤلاء شيئا لصحة توحيدهم واتباعهم لسنة نبيهم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولكن سيأتى بعد هؤلاء قوم تقر اعينكم بهم تلعبون لعبا وتقودونهم بازمة اهوائهم كيف شئتم لا يستغفرون فيغفر لهم فلا يتوبون فتبدل سيئاتهم قال فجاء قوم بعد القرون الاولى فبث فيهم الاهواء وزين لهم البدع فاستحلوها واتخذوها دينا لا يستغفرون منها ولا يتوبون عنها فسلط ابليس عليهم الاعداء وقادوهم حيث شاؤوا شعر : نه ابليس درحق ماطعنه زد كزينان نيايد بجز كار بد فغان ازبديها كه درنفس ماست كه ترسم شود ظن ابليس راست جو ملعون بسند آمدش قهرما خدايش بر انداخت ازبهرما كجا بر سر آريم ازين عاروننك كه با او بصلحيم وباحق بجنك تفسير : من بستان السعدى.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن الذين تولوا منكم} وانهزموا يوم أحد؛ {يوم التقى الجمعان} جمع المسلمين وجمع الكفار إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان {استزلهم}، أي: طلب زللهم فأطاعوه، أي: زين لهم الفرار فأطاعوه، بسبب بعض {ما كسبوا} من الإثم، كمخالفة أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، والحرص على الغنيمة، وذنوب اقترفوها قبل الجهاد، فإن المعاصي تجر بعضها بعضاً، كالطاعة، {ولقد عفا الله عنهم} فيما فعلوا من الفرار؛ لتوبتهم واعتذارهم؛ {إن الله غفور} للذنوب، {حليم} لا يعاجل بعقوبة المذنب كي يتوب. الإشارة: إن الذين تولوا منكم يا معشر الفقراء، ورجعوا عن صحبة الشيوخ، حين التقى في قلبهم الخصمان: خصم يرغبهم في الثبوت، وخصم يدلهم على الرجوع، ثم غلب خصم الرجوع فرجعوا، إنما استزلهم الشيطان بسوء أدبهم، فإن تابوا ورجعوا، أقبلوا عليهم، وقَبل الله توبتهم، وعفا عنهم، فإنه سبحانه غفور حليم.

الطوسي

تفسير : المعنى، واللغة: روي عن عمر بن الخطاب، وقتادة، والربيع: ان المعني بالمتولي في هذه الآية هم الذين ولوا الدبر عن المشركين بأحد. وقال السدي: هم الذين هربوا إلى المدينة في وقت الهزيمة. وقوله: {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} قيل في الكسب الذي أداهم إلى الفرار الذي اقترفوه قولان: أحدهما - محبتهم للغنيمة مع حرصهم على تبقية الحياة، وفي ذلك الوجه عما يؤدي إلى الفتور فيما يلزم من الأمور على قول الجبائي. والثاني - ذكره الزجاج، استزلهم بذكر خطايا سلفت لهم، فكرهوا القتل قبل اخلاص التوبة منها، والخروج من المظلمة فيها. وقوله: {ولقد عفا الله عنهم} يحتمل أمرين: أحدهما - قال ابن جريج، وابن زيد: حلم عنهم إذ لم يعاجلهم بالعقوبة به، ليدل على عظم تلك المعصية. والآخر - عفا لهم تلك الخطيئة ليدل على أنهم قد أخلصوا التوبة. وقوله: {إن الله غفور رحيم} فحلمه تعالى عنهم هو امهاله بطول المدة بترك الانتقام مع ما فعل بهم من ضروب الانعام. وأصل الحلم الاناة، وهي ترك العجلة، فالامهال بفعل النعمة بدلا من النقمة كالاناة بترك العجلة. ومنه الحلم في النوم، لأن حال السكون والدعة كحال الاناة. ومنه الحلمة: رأس الثدي، لخروج اللبن الذي يحلم الصبي. وذكر البلخي أن الذين بقوا مع النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم أحد فلم ينهزموا ثلاثة عشر رجلا: خمسة من المهاجرين: علي (ع) وأبو بكر، وطلحة، وعبد الرحمن ابن أبي عوف، وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الانصار. فعلي وطلحة، لا خلاف فيهما. والباقون فيهم خلاف. وأما عمر، فروي عنه أنه قال: رأيتني أصعد في الجبل كأني أروى. وعثمان انهزم، فلم يرجع إلا بعد ثلاثة ـ [أيام] فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): لقد ذهبت فيها عريضة. وفي الآية دليل على فساد قول المجبرة: من أن المعاصي من الله، لأنه تعالى نسب ذلك في الآية إلى استزلال الشيطان.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ عن حال المتولّين عن القتال ولمّا ذمّهم الله تعالى بابلغ ذمّ وصار الاعتذار عنهم باستزلال الشّيطان والعفو عنهم محلاًّ للشّكّ اتى فى الجواب بتأكيداتٍ فقال: انّ الّذين تولّوا منكم {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} جمع المؤمنين وجمع المشركين فى احد {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ} طلب زلّتهم او ازلّهم {ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} من ذنوبهم السّالفة وقيل: من خلافهم لقول الرّسول وتركهم مراكزهم وقيل: بذكر بعض ما كسبوا فكرهوا القتال لئلاّ يقتلوا قبل التّوبة وهما ينافيان ما وقع من فرار الكلّ وانّ الفارّين اكثرهم كانوا منافقين غافلين من المعصية بل غير عادّين المعصية معصية وقد ذكر انّه لم يبق يوم احدٍ مع النّبىّ (ص) الاّ ثلاثة عشر نفراً خمسة من المهاجرين وثمانية من الانصار وكان المهاجرون عليّاً وابا بكر وطلحة وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن ابى وقّاص وقد اختلف فى الجميع الاّ فى علىٍّ وطلحة، وروى عن عمر بن الخطّاب انّه قال ورأيتنى اصعد فى الجبل اردى ولم يرجع عثمان من الهزيمة الاّ بعد ثلاثٍ {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} لمّا تابوا واعتذروا كرّر ذكر العفو تطميعاً وترغيباً للمذنبين فى العفو ومنعاً لهم عن اليأس وتحسيناً لظنون المؤمنين {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ} يغفر لمن يعترف ويندم {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالمؤاخذة انتظاراً للتّوبة واتماماً للحجّة.

فرات الكوفي

تفسير : {إنَّ الَّذينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يوم التقى الجمعان155} [تقدم في الحديث التاسع عن ابن عباس فلاحظ].

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {إن الذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان} جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجمع أبا سفيان بأُحد يعني الذين انهزموا بأُحد، وقيل: أراد به الرماة {إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} طلب منهم الزلل ودعاهم إليه ببعض ما اكتسبوا من ذنوبهم، ومعناه أن الذين انهزموا يوم أُحد كان السبب في توليتهم أنهم أطاعوا الشيطان فافترقوا، فلذلك منعهم التأييد حتى تولّوا، وقيل: استزلال الشيطان إياهم هو التولي وإنما دعاهم إليه بذنوب قد تقدَّمت لهم، لأن الذنب يجر إلى الذنب كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة، وقيل: تركهم المركز الذي أمرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالثبات فيه فجرَّهم ذلك إلى الهزيمة، قوله تعالى: {ولقد عفى الله عنهم} لتوبتهم واعتذارهم، قوله تعالى: {إذا ضربوا في الأرض} يعني إذا سافروا فيها للتجارة أو غيرها {أو كانوا غُزًّى} يعني غزاة للكفار {والله يحيي ويميت} رد لقولهم أي الآمر بيده قد يحيي المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد {والله بما تعملون بصير} فلا تكونوا مثلهم، قوله تعالى: {ممَّا يجمعون} من الدنيا ومنافعها، وعن ابن عباس خير من طلاع الأرض ذهبةً حمراء، قوله تعالى: {ولئن متُّم أو قُتِلْتُمْ لإِلى الله تحشرون} لإِلى الرحيم الواسع الرحمة تحشرون، قوله تعالى: {ولو كنت فَظَّاً غليظ القلب} قاسيه {لانْفَضُّوا من حَوْلِكَ} تفرَّقوا عنك، قوله تعالى: {فاعف عنهم} فيما يختصُّ بك {واستغفر لهم} فيما يختص بحق الله سبحانه إتماماً للشفقة عليهم، قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} يعني أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحيٌ ولما فيه من تطييب نفوسهم، وعن الحسن: "قد علم الله أن ما به اليهم حاجة ولكنه أراد أن يستن به من بعده" وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم" تفسير : وعن أبي هريرة: ما رأيت أحداً أكثر مشاورةً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كل ذلك يتعطف الله نبيَّه مما جرى من أصحابه من الهزيمة والعصيان يوم أُحد، قال الشاعر: شعر : شاور صديقك في الحفا المشكلِ واقبل نصيحة ناصحٍ متفضلِ فالله قد أوصى بذاك نبيَّه في قوله شاورهم وتوكلِ تفسير : فإذا {عزمت فتوكل على الله} يعني: فإذا قطعت الرأي على شيء بعد المشاورة فتوكل على الله في إمضاء أمرك.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنْكُمْ}: يا معشر المسلمين وفيه دليل على جواز إيقاع البعض على الأكثر فإن المتولين هو أكثر المسلمين، ومن للتبعيض، ويضعف كونها للابتداء، والمراد بالتولى الانهزام. {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ}: يوم أحد والجمعان جمع المؤمنين وجمع الكفار. {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ}: طلب زللهم وسعى فيه. {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ}؛ وذلك البعض هو الحرص على الغنيمة، أو الحياة، أوقعهم الشيطان به، فى الزلل، وهو الانتقال من الموضع الذى قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنتقلوا منه فالزلة الانتقال، ولسببها الحرص الذى هو بعض كسبهم، فمنعوا التأييد وقوة القلب فى بقية قتال ذلك اليوم. وقيل الزلة: بعض ما كسبوا أو البعض هو الانتقال: أى طلب الشيطان والعياذ بالله، منه أن يقفوا فى زلة، هى ذلك البعض، وهو الانتقال فالباء للتصوير: وقيل الزلل بذنوب تقدمت قبل، فإن الذنوب بعضها بعضاً والزلل انهزامهم، أو الانتقال والانهزام، أو كلاهما، وحب المال. وقيل: استزلهم بالانهزام، بسبب ذنوب ذكروا أنهم فعلوها فكرهوا الموت، قبل الخلاص منها، قال عمر رضى الله عنه: المراد بهذه الآية جميع من تولى ذلك اليوم عن العدو، وقيل نزلت فى الذين فروا إلى المدينة. قال ابن زيد: فلا أدرى هل عفا الله عن هذه الطائفة خاصة، أم عن المؤمنين جميعاً. {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ}: لتوبتهم. روى أن عثمان عوتب على انهزامه يوم أحد، فقال: إن ذلك ولو كان خطأ لكن قد عفا الله عنه. {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ}: لمن تاب. {حَلِيمٌ}: لا يعجل عقوبة المذنب بل يمهله ليتمكن من التوبة، ولم يستأصل المؤمنين يوم أحد، بالقتل وربما عاجل بالعقاب، على ذنب لكن لتقدم ذنوب من جنسه وغير جنسه.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الَّذِينَ تَوَلُّوا مِنكُمْ} انهزموا أو رجعوا إلى المدينة {يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ}النبى صلى الله عليه وسلم ومن معه جمع، والمشركون جمع يوم أحد {إنَّمَا اسْتَزَلَهُمُ} طلب بالوسوسة منهم الزلل بالانهزام وبترك المركز والحرص على الغنيمة، وبذكر ذنوب سبقت، كرهوا أن يلقوا الله بها قبل أداء تبعتها {الشَّيْطَانْ} جنس الشيطان، إبليس وغيره {بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} من الذنوب، فإن الذنب يحر ذنبا، ويعاقب المذنب بالذنب الآخر، وهذا البعض هو عين الذين زلوا به عن الدين، وهو الانهزام وترك المركز، والحرص على الغنيمة، أو ذنوب سبقت كرهوا الموت قبل التخلص منها أدتهم إلى الانهزام، وسوس إليهم بها الشيطان، وما ذكر معه، والحصر إنما يكون للآخر، أى ما أزلهما إلا ببعض ما كسبوا، ويجوز أن يكون للشيطان، فيكون قوله ببعض ما كسبوا تبعا له، لا مقصوداً بالذات {وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنهُمْ} لتوبتهم واعتذارهم، ليس العفو والرحمة للآخرة مع الإصرار حكمة، فحيث أطلقا قيدا بالتوبة، لئلا يكون الخروج عن الحكمة، فإن كان العفو عدم عقاب الدنيا شمل أبيَّا ومن معه {إنَّ اللهَ غَفُورٌ} لذنوب، التائبين {حَلِيمٌ} لا يعجل بالعقوبة توسعة لهم ليتوبوا، زيادة فى الإعذار، مع أنه لا يفوته عذاب المصر ولا موت أحد لأجله، بل يذهب إلى موضع موته فى غفلته، أو قصده الهروب عنه، بقى معه صلى الله عليه وسلم ثلاثون رجلا، وقيل ثلاثة عشر خمسة من المهاجرين: أبو بكر، وعمر وعلىّ، وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وروى أنه نظر ملك الموت نظرة هائلة إلى رجل فى مجلس سليمان بن داود عليه السلام، فقال الرجل لسليمان: من هذا الرجل الذى شد نظره إلىَّ؟ فقال: هو ملك الموت، فقال: أرسلنى مع الربح إلى عالم آخر، فألقته فى قطر سحيق، فما لبث أن عاد ملك الموت إلى سليمان، فقال: كنت أمرت بقبض ذلك الرجل فى هذه الساعة فى أرض كذا، ويروى فى أرض الهند، فلما وجدته فى مجلسك قلت متى يصلها، وقد أوصلته الريح فوجدته فيها فقضى الله أمره فى زمانه ومكانه، ويروى أنه تعجب بوجوده عند سليمان وقد أمر بقبضه فى أرض بعيدة، فقال له: مر الريح تحمله إليها، ففعل، ويجمع بأنه سأله الملك لإنقاذ القضاء وسأله الرجل هروباً من الموت غير سامع لسؤال ملك الموت.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ } الدبر عن المشركين بأحد {مّنكُمْ } أيها المسلمون، أو إن الذين هربوا منكم إلى المدينة {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } وهما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع أبـي سفيان. {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي طلب منهم الزلل ودعاهم إليه {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } من ذنوبهم يعني إن الذين تولوا كان السبب في توليتهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوباً فمنعوا من التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا، وعلى هذا لا يكون الزلل هو التولي بل الذنوب المفضية إليه، وجوز أن يكون الزلل الذي أوقعهم الشيطان فيه ودعاهم إليه هو التولي نفسه، وحينئذٍ يراد ببعض ما كسبوا إما الذنوب السابقة ـ ومعنى السببية ـ انجرارها إليه لأن الذنب يجرّ الذنب كما أن الطاعة تجرّ الطاعة، وإما قبول ما زين لهم الشيطان من الهزيمة وهو المروي عن الحسن، وإما مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم بالثبات في المركز فجرّهم ذلك إلى الهزيمة، وإما الذنوب السابقة لا بطريق الانجرار بل لكراهة الجهاد معها فقد قال الزجاج: إن الشيطان ذكرهم خطايا لهم كرهوا لقاء الله تعالى معها فأخروا الجهاد وتولوا حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية، والتركيب على الوجهين من باب تحقيق الخبر كقوله:شعر : إن التي ضربت بيتاً مهاجرة بكوفة الجند غالت ودها غول تفسير : وليس من باب أن الصفة علة للخبر كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُمْ جَنَّـٰتُ ٱلنَّعِيمِ }تفسير : [لقمان: 8] لأن {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} يأباه ويحقق التحقيق، وهو أيضاً من باب الترديد للتعليق كقوله:شعر : صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها لو مسها حجر مسته سراء تفسير : لأن {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ} الخ خبر إن وزيد ـ إن ـ للتوكيد وطول الكلام، و ـ ما ـ لتكفها عن العمل، / وأصل التركيب إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما تولوا لأن الشيطان استزلهم ببعض الخ فهو كقولك: إن الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقه، وذكر بعض للإشارة إلى أن في كسبهم ما هو طاعة لا يوجب الاستزلال، أو لأن هذه العقوبة ليست بكل ما كسبوا لأن الكل يستدعي زيادة عليها لكنه تعالى منّ بالعفو عن كثير {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ }تفسير : [فاطر: 45]. {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ }. أعاد سبحانه ذكر العفو تأكيداً لطمع المذنبين فيه ومنعاً لهم عن اليأس وتحسيناً للظنون بأتم وجه، وقد يقال: هذا تأسيس لا تأكيد فتذكر {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ } للذنوب صغائرها وكبائرها {حَلِيمٌ } لا يعاجل بعقوبة المذنب، وقد جاءت هذه الجملة كالتعليل للعفو عن هؤلاء المتولين وكانوا أكثر القوم، فقد ذكر أبو القاسم البلخي أنه لم يبق مع النبـي صلى الله عليه وسلم يوم أحد إلا ثلاثة عشر نفساً خمسة من المهاجرين أبو بكر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبـي وقاص، والباقون من الأنصار رضي الله تعالى عنهم أجمعين؛ ومن مشاهير المنهزمين عثمان ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد وأبو حذيفة بن عتبة والوليد بن عقبة وسعد وعقبة ابنا عثمان من الأنصار من بني زريق، وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الثلاثة الأول، وعن غيره غير ذلك ولم يوجد في الآثار تصريح بأكثر من هؤلاء، ولعل الاقتصار عليهم لأنهم بالغوا في الفرار ولم يرجعوا إلا بعد مضي وقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن منهم من لم يرجع إلا بعد ثلاث، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد ذهبتم بها عريضة، وأما سائر المنهزمين فقد اجتمعوا في ذلك اليوم على الجبل، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان من هذا الصنف كما في خبر ابن جرير خلافاً للشيعة وبفرض التسليم لا تعيير بعد عفو الله تعالى عن الجميع، ونحن لا ندعي العصمة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولا نشترطها في الخلافة.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لبيان سبب الهزيمة الخفيّ، وهي استزلال الشيطان إيّاهم، وأراد بـ {يوم التقى الجمعان} يومَ أُحُد، و(استزلّهم) بمعنى أزلّهم أي جعلهم زالّين، والزلل مستعار لفعل الخطيئة، والسين والتاء فيه للتأكيد، مثل استفاد واستبشر واستنشق وقول النَّابغة: شعر : وهم قتلوا الطائي بالجوّ عنوة أبا جابر فاسْتَنْكحوا أم جابر تفسير : أي نكحوا. ومنه قوله تعالى: {أية : واستغنى اللَّه}تفسير : [التغابن: 6] وقوله: {أية : أبى واستكبر}تفسير : [البقرة: 34]. ولا يحسن حمل السين والتاء على معنى الطلب لأنّ المقصود لومهم على وقوعهم في معصية الرسول، فهو زلل واقع. والمراد بالزّلل الانهزام، وإطلاق الزلل عليه معلوم مشهور كإطلاق ثبات القدم على ضدّه وهو النَّصر قال تعالى: {أية : وثبت أقدامنا}تفسير : [آل عمران: 147]. والباء في {ببعض ما كسبوا} للسببية وأريد {ببعض ما كسبوا} مفارقة موقفهم، وعصيان أمر الرّسول، والتنازع، والتعجيل إلى الغنيمة، والمعنى أن ما أصابهم كان من آثار الشيطان، رماهم فيه ببعض ما كسبوا من صنيعهم، والمقصد من هذا إلقاء تبعة ذلك الانهزام على عواتقهم، وإبطال ما عرّض به المنافقون من رمى تبعته على أمر الرسول ـــ عليه الصلاة والسّلام ـــ بالخروج، وتحريض الله المؤمنين على الجهاد. وذلك شأن ضعاف العقول أن يشتبه عليهم مقارن الفعل بسببه، ولأجل تخليص الأفكار من هذا الغلط الخفيّ وضع أهل المنطق باب القضيّة اللزوميّة والقضيّة الاتفاقية. ومناسبةُ ذكر هذه الآية عقب الَّتي قبلها أنَّه تعالى بعد أن بيَّن لهم مرتبة حقّ اليقين بقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم} انتقل بهم إلى مرتبة الأسباب الظاهرة، فبيّن لهم أنَّه إن كان للأسباب تأثير فسبب مصيبتهم هي أفعالهم الَّتي أملاها الشيطان عليهم وأضلّهم، فلم يتفطّنوا إلى السبب، والتبس عليهم بالمقارن، ومن شأن هذا الضلال أن يحول بين المخطىء وبين تدارك خطئه ولا يخفى ما في الجمع بين هذه الأغراض من العلم الصّحيح، وتزكية النفوس، وتحبيب الله ورسوله للمؤمنين، وتعظيمه عندهم، وتنفيرهم من الشيطان، والأفعالِ الذميمة، ومعصية الرسول، وتسفيه أحلام المشركين والمنافقين. وعلى هذا فالمراد من الذين تولّوا نفس المخاطبين بقوله: {أية : ثم صرفكم عنهم...}تفسير : [آل عمران: 152] الآيات. وضمير {منكم} راجع إلى عامّة جيش أُحُد فشمل الذين ثبتوا ولم يفرّوا. وعن السديّ أنّ الذين تولّوا جماعة هربوا إلى المدينة. وللمفسّرين في قوله: {استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا} احتمالات ذكرها صاحب «الكشاف» والفخر، وهي بمعزل عن القصد. وقوله: {ولقد عفا الله عنهم} أعيد الإخبار بالعفْو تأنيساً لهم كقوله: {ولقد عفا عنكم}.

القطان

تفسير : الجمعان: جمع المؤمنين وجمع المشركين. استزلهم الشيطان: جرهم الى الخطأ. ان الذين انهزموا منكم يا معشر المسلمين يوم أحد انما جرّهم الشيطان الى الزلل والخطأ، فعصَوا أمر الرسول وبارحوا المكان الذي أوقفهم فيه على الجبل. لقد رأوا النصر للمسلمين في أول المعركة فهبطوا الى السهل طمعاً في الغنيمة. عند ذاك هاجمهم خالد بن الوليد بِخيل المشركين وقتل من بقي من الرماة وأحدث الخلل في صفوف المسلمين. ولقد فر أكثر المقاتلين، ولم يبق مع النبي الا ثلاثة عشر رجلاً منهم خمسة من المهاجرين هم: أبو بكر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص، وثمانية من الأنصار. وقد انهزم بعضهم ولم يعد الا بعد ثلاثة أيام. من هذا يتبين ان عملاً بسيطا لا يقدّره الانسان قد يجر الى نكبة كبرى، ويكون بعمله هذا قد قدّم أعظم مساعدة لعدوه. وهذا ما نحن فيه اليوم، فاننا بتفرقنا ومعاداتنا لبعضنا البعض، انما نقدم اعظم خدمة لليهود وحلفائهم، منّا ومن غيرنا. وفي الآية تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئةَ فتفقد ثقتها في قوتها، ويختلّ توازنها، فَتَبِيتُ عرضةً للوساوس والهواجس. وعندئذ يجد الشيطان طريقه الى هذه النفس فيقودها الى الزلل والخطأ، وتحل بها النكبة والهزيمة.... ولكن الله ادرك أصحاب أُحد برحمته، فلم يدع الشيطان يتسلط عليهم، بل عفا عنهم، ثم أخبرهم بأنه غفور حليم. ونحن نسأل الله تعالى ان يردّنا الى طريقه المستقيم، ويدركنا برحمته فيوحّد كلمتنا ويعيد الينا ثقتنا بأنفسنا، لننظم صفوفنا ونسترد ما اغتُصب من بلادنا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} (155) - إنَّ الرُمَاةَ الذِينَ أَمَرَهُمُ الرَّسُولُ بِأنْ يَثْبُتُوا فِي مَوَاقِعِهِمْ لِيَدْفَعُوا المُشْرِكِينَ عَنْ ظُهُورِ المُؤْمِنينَ، إنَّمَا تَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ لأنَّ الشَّيْطَانَ اسْتَدرَجَهُمْ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى ارْتِكَابِ الزَّلَلِ .. وَالخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ إذا تَرَخَّصَ فِيها الإِنسَانُ سَهَّلَتِ اسْتِيلاءَ الشَّيْطَانِ عَلَى نَفْسِهِ. فَهُمْ إنَّمَا انْْحَرَفُوا عَنْ أَمَاكِنِهِمْ بِتَأوُّلٍ مِنْهُمْ، وَظَنّاً مِنْهُمْ أنْ لَنْ تَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ كَرَّةٌ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ، فَلاَ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَهَابِهِمْ وَرَاءَ المَغَانِمِ فَوَاتُ مَنْفَعَةٍ، وَلا وُقُوعُ ضَرَرٍ. وَلَكِنَّ هَذَا التَّأوُّلَ كَانَ سَبَباً فِيمَا جَرَى مِنَ المَصَائِبِ، وَقَدْ عَفَا اللهُ عَمَّا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ، وَجَعَلَ عُقُوبَتُهُمْ فِي الدُّنيا تَرْبِيَةً وَتَمْحِيصاً، وَاللهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَهَا صَغيرَها وَكبِيرَها. اسْتَزَلهُم - أَوْقَعَهُمْ فِي الزَّلَلِ وَالخَطِيئَةِ. بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا - بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعندما نقرأ كلمة {ٱسْتَزَلَّهُمُ} [آل عمران: 155] نعرف أن (الهمزة والسين والتاء) للطلب، تطلب ما بعدها، مثل: استفهم أي طلب الفهم، استعلم يعني طلب العلم، استقوى يعني طلب القوة، و"اسْتَزَلَّ" يعني طلب الزّلل، ومعنى "الزَّلل" هو العثرة والهفوة، أي أن الإنسان يقع في الغلط، إذن فالشيطان طلب أن يزلوا، {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} [آل عمران: 155]، كأن الشيطان لا يجترئ على أن يستزل أحداً ممن آمن إلا إذا صادف فيه تحللاً من ناحية، لكن الذي ليس عنده تحلل لا يقوى عليه الشيطان، ساعة يأتي الإنسان ويعطي لنفسه شهوة من الشهوات فالشيطان يرقمه ويضع عليه علامة ويقول: هذا ضعيف، هذا نقدر أن نستزِلّه. لكن الذي يراه لا يطاوع نفسه في شيء من التحلل لا يقترب ناحيته أبداً. ولذلك فالنفس هي مطية الشيطان إلى الذنوب، وفي الحديث الشريف: "حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" تفسير : وعندما يرى الشيطان واحداً تغلبْه نفسه في حاجة فالشيطان يقول: هذا فيه أمل! وهو الذي يجري منه مجرى الدم كما سبق في الحديث، أما الملتزم الذي ساعة تُحدثه نفسه بشيء ويأبى فالشيطان يخاف منه، إذن فالشيطان لا يستزل إلا الضعيف، ولذلك فالذي يكون ربه على ذِكْر منه دائماً لا يجترئ عليه الشيطان أبداً. إن الله - سبحانه - قد سمى الشيطان "الوسواسَ الخناس"، إنه يوسوس للناس، لكنه خنَّاس فإذا ذُكر اللهُ يخنِس، أي يتأخر ويختفي ولكنّه ينفرد بك حين يراك مُنعزلاً عن ربك، لكن حين تكون مع ربك فهو لا يقدر عليك بل يتوارى ويمتنع عن الوسوسة إذا استعذت عليه بالله. إذن فقوله: {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} [آل عمران: 155] يعني طلب منهم أن يزلوا نتيجة لأنه عرف أنهم فعلوا أشياء أَبْدَوا وأظهروا فيها ضعفهم، {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [آل عمران: 155] وكلمة "ببعض ما كسبوا" .. كأن قول الله {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155] أنّه لم يأخذهم بكل ما كسبوا؛ لأن ربنا يعفو عن كثير. {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]. {عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155] لماذا؟ عفا عنهم تكريماً لمبدأ الإسلام الذي دخلوا فيه بإخلاص، ولكن نفوسهم ضعُفت في شيء، فيُعطيهم عقوبة في هذه ولكنه يعفو عنهم فهذا هو حق الإسلام، {إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155]. ويقول الحق بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ...}.

الجيلاني

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ} استدبروا وتخلفوا {مِنكُمْ} أيها المؤمنون؛ ترهيباً وجبناً، بلا كفر ونفاق {يَوْمَ} وقت {ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} الصفَّان للقتال {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ} وأزال قدمهم عن التثبت والتفرد {بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} بشؤم بعض ما كسبوا، بتسويلات نفوسهم التي هي من جنود الشيطان {وَ} بعدما ندموا واستغفروا، وأخلصوا الرجوع إلى الله {لَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} بلطفه {إِنَّ ٱللَّهَ} العفو عن ذنوب عباده {غَفُورٌ} ستَّار لهم ما صدر عنهم الآثام {حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] لا يعجل بالبطس والانتقام؛ ليتوبوا ويرجعوا. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} عليكم أن تحافظوا على مقتضى الإيمان والتوحيد، ولا تنسبوا الحوادث إلى غير الله، بل تفوضوا جميعاً إلى الله أصاله حتى {لاَ تَكُونُواْ} أيها المؤمنون {كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله بانتساب الحوادث إلى الأسباب أولاً وبالذات {وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} الذين ماتوا في حقهم {إِذَا ضَرَبُواْ} سافروا {فِي ٱلأَرْضِ} للتجارة والسياحة {أَوْ} قتلوا، أو {كَانُواْ غُزًّى} غازين في سبيل الله، طالبين رتبة الشهادة: {لَّوْ كَانُواْ} هؤلاء الميتين والمقتولين متوكلين، متمكنين {عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ} في الغربة {وَمَا قُتِلُواْ} في يد العدو، معتقدين أن وما أصابهم، إنما أصابهم من الغزو والغربة لا من الله، وإنما أخطرهم سبحانه بهذا الرأي، وأقوالهم بهذا القول {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ} المنتقم منهم في النشأة الأولى والأخرى {ذٰلِكَ} الحزن والأسف {حَسْرَةً} مستمكنة {فِي قُلُوبِهِمْ} وتمرضهم وتضعفهم بها في الدنيا، وتعذبهم في الآخرة {وَٱللَّهُ} القادر المقتدر، المستقل في الإحياء والإماتة {يُحْيِـي} بلطفه {وَيُمِيتُ} يقهره بلا مظاهرة ولا مشاركة {وَٱللَّهُ} المطلع لسرائر عباده {بِمَا تَعْمَلُونَ} أيها المؤمنون {بَصِيرٌ} [آل عمران: 156] ناقد خبير، يميز ويصفي إخلاصكم من الرعونة والرياء، وأعمالكم من الميل إلى البدع والأهواء. {وَ} الله أيها المؤمنون المتوجهون إلى الله، الطالبون الوصول إلى زلال توحيده {لَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} طالبين لرضاه {أَوْ مُتُّمْ} قبل موتكم، سالكين، سيَّاحين في طريق الفناء فيه {لَمَغْفِرَةٌ} سترة ساترة لأنانيتكم، ناشئة {مِّنَ} ضرب {ٱللَّهِ} لكم إلى توحيده الذاتي {وَرَحْمَةٌ} فائضة منه، مفنية لهوياتكم بالمرة في هويته {خَيْرٌ} لكم {مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 157] وتدخرون أنتم لأنفسكم بهوياتكم الباطلة، وإن كنتم خيرين فيها.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم "أحد" وما الذي أوجب لهم الفرار، وأنه من تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم. فهم الذين أدخلوه على أنفسهم، ومكنوه بما فعلوا من المعاصي، لأنها مركبه ومدخله، فلو اعتصموا بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان. قال تعالى: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } تفسير : ثم أخبر أنه عفا عنهم بعدما فعلوا ما يوجب المؤاخذة، وإلا فلو واخذهم لاستأصلهم. { إن الله غفور } للمذنبين الخطائين بما يوفقهم له من التوبة والاستغفار، والمصائب المكفرة، { حليم } لا يعاجل من عصاه، بل يستأني به، ويدعوه إلى الإنابة إليه، والإقبال عليه. ثم إن تاب وأناب قبل منه، وصيره كأنه لم يجر منه ذنب، ولم يصدر منه عيب، فلله الحمد على إحسانه.