Verse. 449 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تَكُوْنُوْا كَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا وَقَالُوْا لِاِخْوَانِھِمْ اِذَا ضَرَبُوْا فِي الْاَرْضِ اَوْ كَانُوْا غُزًّى لَّوْ كَانُوْا عِنْدَنَا مَا مَاتُوْا وَمَا قُتِلُوْا۝۰ۚ لِيَجْعَلَ اللہُ ذٰلِكَ حَسْرَۃً فِيْ قُلُوْبِھِمْ۝۰ۭ وَاللہُ يُحْيٖ وَيُمِيْتُ۝۰ۭ وَاللہُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ۝۱۵۶
Ya ayyuha allatheena amanoo la takoonoo kaallatheena kafaroo waqaloo liikhwanihim itha daraboo fee alardi aw kanoo ghuzzan law kanoo AAindana ma matoo wama qutiloo liyajAAala Allahu thalika hasratan fee quloobihim waAllahu yuhyee wayumeetu waAllahu bima taAAmaloona baseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا» أي المنافقين «وقالوا لإخوانهم» أي في شأنهم «إذا ضربوا» سافروا «في الأرض» فماتوا «أو كانوا غُزٌى» جمع غاز فقتلوا «لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا» أي لا تقولوا كقولهم «ليجعل الله ذلك» القول في عاقبة أمرهم «حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت» فلا يمنع عن الموت قعود «والله بما تعملون» بالتاء والياء «بصير» فيجازيكم به.

156

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، ثم إنه لما ظهر عن بعض المؤمنين فتور وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع وعفا الله بفضله عنهم، ذكر في هذه الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج الى الجهاد: لو لم تخرجوا لما متم وما قتلتم فان الله هو المحيي والمميت، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد، ومن قدر له الموت لم يبق وإن لم يجاهد، وهو المراد من قوله: {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } وأيضا الذي قتل في الجهاد، لو أنه ما خرج الى الجهاد لكان يموت لا محالة، فاذا كان لا بد من الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم، كان ذلك خيرا له من أن يموت من غير فائدة، وهو المراد من قوله: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } فهذا هو المقصود من الكلام، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بقوله: {كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فقال بعضهم: هو على إطلاقه، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقا أو لم يكن، وقال آخرون: إنه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم، وقال آخرون: هذا مختص بعبدالله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير، وسائر أصحابه، وعلى هذين القولين فالآية تدل على أن الايمان ليس عبارة عن الإقرار باللسان، كما تقول الكرامية إذ لو كان كذلك لكان المنافق مؤمناً، ولو كان مؤمناً لما سماه الله كافراً. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: قوله: {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } أي لأجل إخراجهم كقوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } تفسير : [الأحقاف: 11] وأقول: تقرير هذا الوجه أنهم لما قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فهذا يدل على أن أولئك الإخوان كانوا ميتين ومقتولين عند هذا القول، فوجب أن يكون المراد من قوله: {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم، ولا يكون المراد هو أنهم ذكروا هذا القول مع إخوانهم. المسألة الثالثة: قوله: {إِخْوٰنَهُمْ } يحتمل أن يكون المراد منه الأخوة في النسب وان كانوا مسلمين، كقوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } تفسير : [الأعراف: 65] {أية : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا } تفسير : [الأعراف: 73] فإن الأخوّة في هذه الآيات أخوة النسب لا أخوّة الدين، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام، ويحتمل أن يكون المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين، واتفق الى أن صار بعض المنافقين مقتولا في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك. المسألة الرابعة: المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد، وهو المراد بقوله: {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ } والخارج إلى الغزو، وهو المراد بقوله: {أَوْ كَانُواْ غُزًّى } إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر والغزو، وجعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد، وذلك لأن في الطباع محبة الحياة وكراهية الموت والقتل، فإذا قيل للمرء: إن تحرزت من السفر والجهاد فأنت سليم طيب العيش، وان تقحمت أحدهما وصلت الى الموت أو القتل، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت، وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد. فان قيل: فلماذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه؟ قلنا: لأن الضرب في الأرض يراد به الابعاد في السفر، لا ما يقرب منه، وفي الغزو لا فرق بين بعيده وقريبه، اذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة وإن كان غازيا، فهذا فائدة إفراد الغزو عن الضرب في الأرض. المسألة الخامسة: في الآية إشكال وهو أن قوله: {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } يدل على الماضي، وقوله: {إِذَا ضَرَبُواْ } يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما؟ بل لو قال: وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض، أي حين ضربوا لم يكن فيه إشكال. والجواب عنه من وجوه: الأول: أن قوله: {قَالُواْ } تقديره: يقولون فكأنه قيل: لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا، وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين: أحدهما: أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل فقد يعبر عنه بأنه حدث أو هو حادث قال تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ }تفسير : [النحل: 1] وقال: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ } تفسير : [الزمر: 30] فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقل لم يكن فيه مبالغة أما لما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي، دل ذلك على أن جدهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، وصار بسبب ذلك الجد هذا المستقبل كالكائن الواقع. الفائدة الثانية: إنه تعالى لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل ذلك على أنه ليس المقصود الإخبار عن صدور هذا الكلام، بل المقصود الإخبار عن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة، فهذا هو الجواب المعتمد عندي، والله أعلم. الوجه الثاني في الجواب: أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية، والمعنى أن إخوانهم اذا ضربوا في الارض، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد وان يقول: قالوا، فهذا هو المراد بقولنا: خرج هذا الكلام على سبيل حكاية الحال الماضية. الوجه الثالث: قال قطرب: كلمة «اذ» واذا، يجوز اقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى، وأقول: هذا الذي قاله قطرب كلام حسن، وذلك لأنا اذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول، فلأن يجوز إثباتها بالقرآن العظيم، كان ذلك أولى، أقصى ما في الباب أن يقال «إذ» حقيقة في المستقبل، ولكن لم لا يجوز استعماله في الماضي على سبيل المجاز لما بينه وبين كلمة «إذ» من المشابهة الشديدة؟ وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به، وأنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى. المسألة السادسة: {غُزًّى } جمع غاز، كالقول والركع والسجد، جمع قائل وراكع وساجد، ومثله من الناقص «عفا» ويجوز أيضا: غزاة، مثل قضاة ورماة في جمع القاضي والرامي، ومعنى الغزو في كلام العرب قصد العدو، والمغزى المقصد. المسألة السابعة: قال الواحدي: في الآية محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزاة فقتلوا، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فقوله: {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } يدل على موتهم وقتلهم. ثم قال تعالى: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } وفيه وجهان: الأول: أن التقدير أنهم قالوا ذلك الكلام ليجعل الله ذلك الكلام حسرة في قلوبهم، مثل ما يقال: ربيته ليؤذيني ونصرته ليقهرني ومثله قوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً }تفسير : [القصص: 8] إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في بيان أن ذلك القول كيف استعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوها: الأول: أن أقارب ذلك المقتول اذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم، لان أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر وعن ذلك الغزو لبقي، فذلك الشخص انما مات أو قتل بسبب أن هذا الانسان قصر في منعه، فيعتقد السامع لهذا الكلام انه هو الذي تسبب إلى موت ذلك الشخص العزيز عليه أو قتله، ومتى اعتقد في نفسه ذلك فلا شك أنه تزداد حسرته وتلهفه، أما المسلم المعتقد في أن الحياة والموت لا يكون إلا بتقدير الله وقضائه، لم يحصل ألبتة في قلبه شيء من هذا النوع من الحسرة، فثبت أن تلك الشبهة التي ذكرها المنافقون لا تفيدهم إلا زيادة الحسرة. الوجه الثاني: ان المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى اخوانهم تثبطوا عن الغزو والجهاد وتخلفوا عنه، فاذا اشتغل المسلمون بالجهاد والغزو، ووصلوا بسببه إلى الغنائم العظيمة والاستيلاء على الاعداء. والفوز بالأماني، بقي ذلك المتخلف عند ذلك في الخيبة والحسرة. الوجه الثالث: أن هذه الحسرة إنما تحصل يوم القيامة في قلوب المنافقين إذا رأوا تخصيص الله المجاهدين بمزيد الكرامات واعلاء الدرجات، وتخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخزي واللعن والعقاب. الوجه الرابع: أن المنافقين إذا أوردوا هذه الشبهة على ضعفة المسلمين ووجدوا منهم قبولا لها، فرحوا بذلك، من حيث إنه راج كيدهم ومكرهم على أولئك الضعفة، فالله تعالى يقول: إنه سيصير ذلك حسرة في قلوبهم إذا علموا أنهم كانوا على الباطل في تقرير هذه الشبهة. الوجه الخامس: أن جدهم واجتهادهم في تكثير الشبهات وإلقاء الضلالات يعمي قلوبهم فيقعون عند ذلك في الحيرة والخيبة وضيق الصدر، وهو المراد بالحسرة، كقوله: {أية : وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } تفسير : [الأنعام: 125]. الوجه السادس: أنهم متى أقوا هذه الشبهة على أقوياء المسلمين لم يلتفتوا إليهم فيضيع سعيهم ويبطل كيدهم فتحصل الحسرة في قلوبهم. والقول الثاني في تفسير الآية: أن اللام في قوله: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ } متعلقة بما دل عليه النهي، والتقدير: لا تكونوا مثلهم حتى يجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون ومضادتهم مما يغيظهم. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } وفيه وجهان: الأول: أن المقصود منه بيان الجواب عن هذه الشبهة، وتقريره أن المحيي والمميت هو الله، ولا تأثير لشيء آخر في الحياة والموت، وأن علم الله لا يتغير، وأن حكمه لا ينقلب، وأن قضاءه لا يتبدل، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت؟ فإن قيل: إن كان القول بأن قضاء الله لا يتبدل يمنع من كون الجد والاجتهاد مفيدا في الحذر عن القتل والموت، فكذا القول بأن قضاء الله لا يتبدل وجب أن يمنع من كون العمل مفيدا في الاحتراز عن عقاب الآخرة، وهذا يمنع من لزوم التكليف، والمقصود من هذه الآيات تقرير الأمر بالجهاد والتكليف، وإذا كان الجواب يفضي بالآخرة إلى سقوط التكليف كان هذا الكلام يفضي ثبوته الى نفيه فيكون باطلا. الجواب: أن حسن التكليف عندنا غير معلل بعلة ورعاية مصلحة، بل عندنا أنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. والوجه الثاني: في تأويل الآية: أنه ليس الغرض من هذا الكلام الجواب عن تلك الشبهة بل المقصود أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن أن يقولوا مثل قول المنافقين، قال: {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } يريد: يحيي قلوب أوليائه وأهل طاعته بالنور والفرقان، ويميت قلوب أعدائه من المنافقين. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المقصود منه الترغيب والترهيب فيما تقدم ذكره من طريقة المؤمنين وطريقة المنافقين. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي {يَعْمَلُونَ } كناية عن الغائبين، والتقدير {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } والباقون بالتاء على الخطاب ليكون وفقاً لما قبله في قوله: {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ولما بعده في قوله: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ }. ثم قال تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا تجمعون}. واعلم أن هذا هو الجواب الثاني عن شبهة المنافقين، وتقريره أن هذا الموت لا بد واقع ولا محيص للانسان من أن يقتل أو يموت، فاذا وقع هذا الموت أو القتل في سبيل الله وفي طلب رضوانه، فهو خير من أن يجعل ذلك في طلب الدنيا ولذاتها التي لا ينتفع الانسان بها بعد الموت ألبتة، وهذا جواب في غاية الحسن والقوة، وذلك لأن الانسان إذا توجه الى الجهاد أعرض قلبه عن الدنيا وأقبل على الآخرة، فاذا مات فكأنه تخلص عن العدو ووصل الى المحبوب، وإذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصاً على جمع الدنيا، فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق وألقي في دار الغربة، ولا شك في كمال سعادة الأول، وكمال شقاوة الثاني. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحمزة والكسائي (متم) بكسر الميم، والباقون بضم الميم، والأولون أخذوه من: مات يمات مت، مثل هاب يهاب هبت، وخاف يخاف خفت، وروى المبرد هذه اللغة فإن صح فقد صحت هذه القراءة، وأما قراءة الجمهور فهو مأخوذ من مات يموت مت، مثل: قال يقول قلت. المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله: اللام في قوله: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ } لام القسم، بتقدير الله لئن قتلتم في سبيل الله، واللام في قوله: {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ } جواب القسم، ودال على أن ما هو داخل عليه جزاء، والأصوب عندي أن يقال: هذه اللام للتأكيد، فيكون المعنى إن وجب أن تموتوا وتقتلوا في سفركم وغزوكم، فكذلك يجب أن تفوزوا بالمغفرة أيضا، فلماذا تحترزون عنه كأنه قيل: إن الموت والقتل غير لازم الحصول، ثم بتقدير أن يكون لازماً فإنه يستعقب لزوم المغفرة، فكيف يليق بالعاقل أن يحترز عنه؟ المسألة الثالثة: قرأ حفص عن عاصم (يجمعون) بالياء على سبيل الغيبة، والباقون بالتاء على وجه الخطاب، أما وجه الغيبة فالمعنى أن مغفرة الله خير مما يجمعه هؤلاء المنافقون من الحطام الفاني، وأما وجه الخطاب فالمعنى أنه تعالى كأنه يخاطب المؤمنين فيقول لهم مغفرة الله خير لكم من الأموال التي تجمعونها في الدنيا. المسألة الرابعة: إنما قلنا: إن رحمة الله ومغفرته خير من نعيم الدنيا لوجوه: أحدها: أن من يطلب المال فهو في تعب من ذلك الطلب في الحال، ولعله لا ينتفع به غدا لأنه يموت قبل الغد وأما طلب الرحمة والمغفرة فإنه لا بد وأن ينتفع به لأن الله لا يخلف وعده، وقد قال: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } تفسير : [الزلزلة: 7] وثانيها: هب أنه بقي إلى الغد لكن لعل ذلك المال لا يبقى إلى الغد، فكم من انسان أصبح أميرا وأمسى أسيرا، وخيرات الآخرة لا تزول لقوله: {أية : وَٱلْبَـٰقِيَاتُ ٱلصَّـٰلِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ } تفسير : [الكهف: 46] ولقوله: {أية : مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٍ } تفسير : [النحل: 96] وثالثها: بتقدير أن يبقى إلى الغد ويبقى المال إلى الغد، لكن لعله يحدث حادث يمنعك عن الانتفاع به مثل مرض وألم وغيرهما، ومنافع الآخرة ليست كذلك. ورابعها: بتقدير أنه في الغد يمكنك الانتفاع بذلك المال، ولكن لذات الدنيا مشوبة بالآلام ومنافعها مخلوطة بالمضار، وذلك مما لا يخفى، وأما منافع الآخرة فليست كذلك. وخامسها: هب أن تلك المنافع تحصل في الغد خالصة عن الشوائب ولكنها لا تدوم ولا تستمر، بل تنقطع وتفنى، وكلما كانت اللذة أقوى وأكمل، كان التأسف والتحسر عند فواتها أشد وأعظم، ومنافع الآخرة مصونة عن الانقطاع والزوال. وسادسها: أن منافع الدنيا حسية ومنافع الآخرة عقلية، والحسية خسيسة، والعقلية شريفة، أترى ان انتفاع الحمار بلذة بطنه وفرجه يساوي ابتهاج الملائكة المقربين عند إشراقها بالأنوار الإلهية، فهذه المعاقد الستة تنبهك على ما لانهاية لها من الوجوه الدالة على صحة قوله سبحانه وتعالى: {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ }. فإن قيل: كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما تجمعون، ولا خير فيما تجمعون أصلا. قلنا: إن الذي تجمعونه في الدنيا قد يكون من باب الحلال الذي يعد خيرا، وأيضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خيرات، فقيل: المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات. ثم قال: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ }. واعلم أنه سبحانه وتعالى رغب المجاهدين في الآية الأولى بالحشر الى مغفرة الله، وفي هذه الآية زاد في إعلاء الدرجات فرغبهم ههنا بالحشر الى الله، يروى أن عيسى بن مريم صلوات الله عليه وسلامه مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم، ورأى عليهم آثار العبادة، فقال ماذا تطلبون؟ فقالوا: نخشى عذاب الله، فقال: هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه، ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم، فقالوا: نطلب الجنة والرحمة، فقال: هو أكرم من أن يمنحكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر، فسألهم فقالوا: نعبده لأنه إلهنا، ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة، فقال: أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقون، فانظر في ترتيب هذه الآيات فإنه قال في الآية الأولى: {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ } وهو إشارة الى من يعبده خوفا من عقابه، ثم قال {وَرَحْمَةً } وهو إشارة الى من يعبده لطلب ثوابه، ثم قال في خاتمة الآية: {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ } وهو إشارة الى من يعبد الله لمجرد الربوبية والعبودية، وهذا أعلى المقامات وأبعد النهايات في العبودية في علو الدرجة، ألا ترى أنه لما شرف الملائكة قال: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ }تفسير : [الأنبياء: 19] وقال للمقربين من أهل الثواب: {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } تفسير : [القمر: 55] فبين أن هؤلاء الذين بذلوا أنفسهم وأبدانهم في طاعته ومجاهدة عدوه يكون حشرهم إليه، واستئناسهم بكرمه، وتمتعهم بشروق نور ربوبيته، وهذا مقام فيه إطناب، والمستبصر يرشده القدر الذي أوردناه. ولنرجع إلى التفسير: كأنه قيل إن تركتم الجهاد واحترزتم عن القتل والموت بقيتم أياما قليلة في الدنيا مع تلك اللذات الخسيسة، ثم تتركونها لا محالة، فتكون لذاتها لغيركم وتبعاتها عليكم، أما لو أعرضتم عن لذات الدنيا وطيباتها، وبذلتم النفس والمال للمولى يكون حشركم إلى الله، ووقوفكم على عتبة رحمة الله، وتلذذكم بذكر الله، فشتان ما بين هاتين الدرجتين والمنزلتين. واعلم أن في قوله: {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ } دقائق: أحدها: أنه لم يقل: تحشرون إلى الله بل قال: {لالى الله تحشرون}، وهذا يفيد الحصر، معناه إلى الله يحشر العالمون لا إلى غيره، وهذا يدل على أنه لا حاكم في ذلك اليوم ولا ضار ولا نافع إلا هو، قال تعالى: {أية : لّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ } تفسير : [غافر: 16] وقال تعالى: {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } تفسير : [الإنفطار: 19] وثانيها: أنه ذكر من أسماء الله هذا الاسم، وهذا الاسم أعظم الأسماء وهو دال على كمال الرحمة وكمال القهر، فهو لدلالته على كمال الرحمة أعظم أنواع الوعد، ولدلالته على كمال القهر أشد أنواع الوعيد. وثالثها: إدخال لام التأكيد في اسم الله حيث قال: {لإِلَى ٱلله } وهذا ينبهك على أن الإلهية تقتضي هذا الحشر والنشر، كما قال: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 15] ورابعها: أن قوله: {تُحْشَرُونَ } فعل ما لم يسم فاعله، مع أن فاعل ذلك الحشر هو الله، وإنما لم يقع التصريح به لأنه تعالى هو العظيم الكبير الذي، شهدت العقول بأنه هو الله الذي يبدىء ويعيد، ومنه الانشاء والإعادة، فترك التصريح في مثل هذا الموضع أدل على العظمة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِى مَاءكِ } تفسير : [هود: 44] وخامسها: أنه أضاف حشرهم إلى غيرهم، وذلك ينبه العقل على أن جميع الخلق مضطرون في قبضة القدرة ونفاذ المشيئة، فهم سواء كانوا أحياء أم أمواتا لا يخرجون عن قهر الربوبية وكبرياء الإلهية. وسادسها: أن قوله: {تُحْشَرُونَ } خطاب مع الكل، فهو يدل على أن جميع العالمين يحشرون ويوقفون في عرصة القيامة وبساط العدل، فيجتمع المظلوم مع الظالم، والمقتول مع القاتل، والحق سبحانه وتعالى يحكم بين عبيده بالعدل المبرأ عن الجور، كما قال: {أية : وَنَضَعُ ٱلْمَوٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الأنبياء: 47] فمن تأمل في قوله تعالى: {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ } وساعده التوفيق علم أن هذه الفوائد التي ذكرناها كالقطرة من بحار الأسرار المودعة في هذه الآية، وتمسك القاضي بهذه الآية على أن المقتول ليس بميت، قال: لأن قوله: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ } يقتضي عطف المقتول على الميت، وعطف الشيء على نفسه ممتنع.

القرطبي

تفسير : . قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني المنافقين. {وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} يعني في النفاق أو في النسب في السرايا التي بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بئر مَعُونَة. {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} فنُهِي المسلمون أن يقولوا مثل قولهم. وقوله: {إِذَا ضَرَبُواْ} هو لِما مضى؛ أي إِذْ ضربوا؛ لأن في الكلام معنى الشرط من حيث كان «الذين» مُبْهَما غير موقَّت، فوقع «إذا» موقعَ «إِذْ» كما يقع الماضي في الجزاء موضع المستقبل. ومعنى {ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} سافروا فيها وساروا لتجارة أو غيرها فماتوا. {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} غُزاة فقُتِلوا. والغُزَّى جمع منقوص لا يتغيّر لفظُها في رفع وخفض، وأحدهم غازٍ، كراكع ورُكَّع، وصائم وصُوَمٍ. ونائم ونُوّمٍ، وشاهِد وشُهَّد، وغائِبٍ وغُيّبٍ. ويجوز في الجمع غُزاة مثل قُضاة، وغُزّاء بالمد مثل ضُرَّاب وصوّام. ويقال: غَزِيّ جمع الغَزَاة. قال الشاعر:شعر : قـل للقوافِـل والغَـزِىّ إِذا غَـزَوْا تفسير : ورُوي عن الزُّهري أنه قرأه «غُزَّي» بالتخفيف. والْمُغْزِيةُ المرأة التي غَزَا زوجُها. وأَتَانٌ مُغْزِيةٌ متأخّرةُ النَّتاج ثم تُنْتَجُ. وأَغرَت النَّاقةُ إذا عَسُر لِقَاحُها. والغَزْوُ قصدُ الشّيء. والْمَغْزى المَقْصِدُ. ويُقال في النصب إلى الغَزْوِ: غَزَوِيٌّ. قوله تعالى: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} يعني ظنّهم وقولهم. واللاّم متعلقة بقوله «قالوا» أي ليجعل ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قُتلوا. «حَسْرَةً» أي ندامة «في قُلُوبِهِمْ». والحسرة الآهتمامُ على فائت لم يُقْدَر بلوغهُ؛ قال الشاعر.شعر : فوَاحسرتي لم أقضِ منها لبُانَتي ولم أتمتّعْ بِالجُوَار وبالقُربِ تفسير : وقيل: هي متعلقة بمحذوف. والمعنى. لا تكونوا مثلَهم «ليجعل الله ذلك» القولَ «حسرة في قلوبهم» لأنهم ظهر نفاقهم. وقيل: المعنى لا تصدّقوهم ولا تلتفتوا إليهم؛ فكان ذلك حسرة في قلوبهم. وقيل: «لِيَجْعَلَ الَلَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةٍ في قُلُوبِهِمْ» يوم القيامة لِمَا هم فيه من الخِزْي والندامة، ولِمَا فيه المسلمون من النعيم والكرامة. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي يقدر على أن يُحيي من يخرج إلى القتال، ويميت من أقام في أهله. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرىء بالياء والتاء. ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيل الله والموت فيه خيرٌ من جميع الدنيا.

البيضاوي

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني المنافقين. {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ} لأجلهم وفيهم، ومعنى إخوتهم اتفاقهم في النسب أو المذهب {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها، وكان حقه إذ لقوله قالوا لكنه جاء على حكاية الحال الماضية {أَوْ كَانُواْ غُزّىً} جمع غاز كعاف وعفَّى. {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } مفعول قالوا وهو يدل على إن إخوانهم لم يكونوا مخاطبين به. {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} متعلق بـ {قَالُواْ} على إن اللام لام العاقبة مثلها في ليكون لهم عدواً وحزناً، أو لا تكونوا أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد ليجعله حسرة في قلوبهم خاصة، فذلك إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد. وقيل إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم، فإن مخالفتهم ومضادتهم مما يغمهم. {وَٱللَّهُ يُحْييِ وَيُمِيتُ} رداً لقولهم أي هو المؤثر في الحياة والممات لا الإِقامة والسفر فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على أنه وعيد للذين كفروا.

ابن كثير

تفسير : ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك، لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَٰنِهِمْ} أي: عن إخوانهم {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي: سافروا للتجارة ونحوها {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} أي: كانوا في الغزو {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا} أي: في البلد {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو وقوله تعالى: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ} أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم؛ ليزدادوا حسرة على موتهم وقتلهم، ثم قال تعالى رداً عليهم: {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ} أي: بيده الخلق، وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد، ولا يموت أحد، إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد، ولا ينقص منه شيء، إلا بقضائه وقدره {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم شيء، وقوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تضمن هذا أن القتل في سبيل الله، والموت أيضاً، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا وجَمْع حطامها الفاني، ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل، فمصيره ومرجعه إلى الله عز وجل، فيجزيه بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فقال تعالى: { وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يٱأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي المنافقين {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } أي في شأنهم {إِذَا ضَرَبُواْ } سافروا {فِى ٱلأَرْضِ } فماتوا {أَوْ كَانُواْ غُزًّى } جمع (غاز) فقتلوا {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } أي لا تقولوا كقولهم {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ } القول في عاقبة أمرهم {حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } فلا يمنع عن الموت قعود {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ } بالتاء والياء {بَصِيرٌ } فيجازيكم به.

الشوكاني

تفسير : قوله: {لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } هم المنافقون الذين قالوا: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا}. قوله: {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } في النفاق، أو في النسب، أي: قالوا لأجلهم: {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأرْضِ } إذا ساروا فيها للتجارة، أو نحوها، قيل: "إن" "إذا" هنا المفيدة لمعنى الاستقبال، بمعنى "إذا" المفيدة لمعنى المضيّ. وقيل: هي على معناها، والمراد هنا: حكاية الحال الماضية. وقال الزجاج: "إذا" هنا تنوب عن ما مضى من الزمان، وما يستقبل {لَّوْ كَانُواْ غُزًّى } جمع غاز كراكع وركع، وغائب وغيب، قال الشاعر:شعر : قل للقوافل والغزى إذا غزوا تفسير : {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } اللام متعلقة بقوله: {قَالُواْ } أي: قالوا ذلك، واعتقدوه؛ ليكون حسرة في قلوبهم. والمراد: أنه صار ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ما قتلوا حسرة، أو متعلقة بقوله: {لاَ تَكُونُواْ } أي: لا تكونوا مثلهم في اعتقاد ذلك؛ ليجعله الله حسرة في قلوبهم، فقط دون قلوبكم. وقيل: المعنى لا تلتفتوا إليهم؛ ليجعل الله عدم التفاتكم إليهم حسرة في قلوبهم، وقيل المراد: حسرة في قلوبهم يوم القيامة لما فيه من الخزي، والندامة: {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } فيه ردّ على قولهم، أي: ذلك بيد الله سبحانه يصنع ما يشاء، ويحكم ما يريد، فيحيـي من يريد، ويميت من يريد من غير أن يكون للسفر، أو الغزو أثر في ذلك، واللام في قوله: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ } موطئة. وقوله: {لَمَغْفِرَةٌ } جواب القسم سادّ مسدّ جواب الشرط، والمعنى: أن السفر، والغزو ليسا مما يجلب الموت، ولئن وقع ذلك بأمر الله سبحانه: {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } أي: الكفرة من منافع الدنيا، وطيباتها مدّة أعمارهم على قراءة من قرأ بالياء التحتية، أو خير مما تجمعون أيها المسلمون من الدنيا، ومنافعها على قراءة من قرأ بالفوقية. والمقصود في الآية: بيان مزية القتل، أو الموت في سبيل الله، وزيادة تأثيرهما في استجلاب المغفرة، والرحمة. قوله: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ } على أيّ وجه حسب تعلق الإرادة الإلهية {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ } هو: جواب القسم المدلول عليه باللام الموطئة سادّ مسدّ جواب الشرط، كما تقدم في الجملة الأولى، أي: إلى الربّ الواسع المغفرة تحشرون لا إلى غيره، كما يفيده تقديم الظرف على الفعل مع ما في تخصيص اسم الله سبحانه بالذكر من الدلالة على كمال اللطف، والقهر. «وما» في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } مزيدة للتأكيد، قاله سيبويه وغيره، وقال ابن كيسان: إنها نكرة في موضع جرّ بالباء، ورحمة بدل منها، والأوّل أولى بقواعد العربية، ومثله قوله تعالى: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ } تفسير : [النساء: 155] والجار والمجرور متعلق بقوله: {لِنتَ لَهُمْ } وقدّم عليه لإفادة القصر، وتنوين رحمة للتعظيم، والمعنى: أن لينه لهم ما كان إلا بسبب الرحمة العظيمة منه. وقيل: إن "ما" استفهامية، والمعنى: فبأيّ رحمة من الله لنت لهم، وفيه معنى التعجب، وهو بعيد، ولو كان كذلك لحذف الألف من "ما". وقيل: فبم رحمة من الله. والفظّ: الغليظ الجافي. وقال الراغب: الفظّ هو: الكريه الخلق، وأصله فظظ كحذر. وغلظ القلب: قساوته، وقلة إشفاقه، وعدم انفعاله للخير. والانفضاض: التفرّق، يقال: فضضتهم، فانفضوا، أي: فرّقتهم، فتفرّقوا والمعنى: لو كنت فظاً غليظ القلب لا ترفق بهم لتفرّقوا من حولك هيبة لك، واحتشاماً منك بسبب ما كان من توليهم، وإذا كان الأمر، كما ذكر: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ } فيما يتعلق بك من الحقوق: {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ } الله سبحانه فيما هو إلى الله سبحانه {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأمْرِ } أي: الذي يرد عليك، أيّ: أمر كان مما يشاور في مثله، أو في أمر الحرب خاصة، كما يفيده السياق لما في ذلك من تطييب خواطرهم، واستجلاب مودّتهم، ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك حتى لا يأنف منه أحد بعدك. والمراد هنا: المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها. قال أهل اللغة: الاستشارة مأخوذة من قول العرب: شرت الدابة، وشورتها: إذا علمت خبرها، وقيل: من قولهم: شرت العسل: إذا أخذته من موضعه. قال ابن خويزمنداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدنيا، ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس، فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب، والعمال، والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد، وعمارتها. وحكى القرطبي عن ابن عطية: أنه لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم والدين. قوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } أي: إذا عزمت عقب المشاورة على شيء، واطمأنت به نفسك، فتوكل على الله في فعل ذلك، أي: اعتمد عليه، وفوّض إليه؛ وقيل: إن المعنى: فإذا عزمت على أمر أن تمضي فيه، فتوكل على الله لا على المشاورة. والعزم في الأصل: قصد الإمضاء، أي: فإذا قصدت إمضاء أمر، فتوكل على الله. وقرأ جعفر الصادق، وجابر بن زيد: «فإذا عزمت» بضم التاء بنسبة العزم إلى الله تعالى، أي: فإذا عزمت لك على شيء، وأرشدتك إليه، فتوكل على الله. وقوله: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } جملة مستأنفة لتأكيد التوكل، والحثّ عليه. والخذلان: ترك العون، أي: وإن يترك الله عونكم: {فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ } وهذا الاستفهام إنكاري. والضمير في قوله: {مِن بَعْدِهِ } راجع إلى الخذلان المدلول عليه بقوله: {وَإِن يَخْذُلْكُمْ } أو إلى الله، ومن علم أنه لا ناصر له إلا الله سبحانه، وأن من نصره الله لا غالب له، ومن خذله لا ناصر له، فوّض أموره إليه، وتوكل عليه، ولم يشتغل بغيره، وتقديم الجار والمجرور على الفعل في قوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } لإفادة قصره عليه. قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍ أَنْ يَغُلَّ } أي: ما صحّ له ذلك لتنافي الغلول والنبوّة. قال أبو عبيد: الغلول من المغنم خاصَّة، ولا نراه من الخيانة، ولا من الحقد، ومما يبين ذلك أنه يقال: من الخيانة: أغَلّ يِغلّ، ومن الحِقْد غَلّ يَغِلُّ بالكسر، ومن الغُلول غَلّ يَغِلُّ بالضم، يقال غلّ المغنم غلولاً، أي: خان بأن يأخذ لنفسه شيئاً يستره على أصحابه، فمعنى الآية على القراءة بالبناء للفاعل: ما صح لنبيّ أن يخون شيئاً من المغنم، فيأخذه لنفسه من غير اطلاع أصحابه. وفيه تنزيه الأنبياء عن الغلول. ومعناها على القراءة بالبناء للمفعول: ما صح لنبيّ أن يغله أحد من أصحابه: أي: يخونه في الغنيمة، وهو على هذه القراءة الأخرى نهي للناس عن الغلول في المغانم، وإنما خص خيانة الأنبياء مع كونه خيانة غيرهم من الأئمة، والسلاطين، والأمراء حراماً، لأن خيانة الأنبياء أشدّ ذنباً، وأعظم وزراً {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي يأت به حاملاً له على ظهره، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيفضحه بين الخلائق، وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول، والتنفير منه، بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد يطلع عليها أهل المحشر وهي: مجيئه يوم القيامة بما غله حاملاً له قبل أن يحاسب عليه، ويعاقب عليه. قوله: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي: تعطي جزاء ما كسبت وافياً من خير وشرّ، وهذه الآية تعمّ كل من كسب خيراً، أو شراً، ويدخل تحتها الغالّ دخولاً أولياً لكون السياق فيه. قوله: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ٱللَّهِ } الاستفهام للإنكار، أي: ليس من اتبع رضوان الله في أوامره، ونواهيه، فعمل بأمره، واجتنب نهيه كمن باء: أي: رجع بسخط عظيم، كائن من الله، بسبب مخالفته لما أمر به، ونهى عنه. ويدخل تحت ذلك من اتبع رضوان الله بترك الغلول، واجتنابه، ومن باء بسخط من الله بسبب إقدامه على الغلول. ثم أوضح ما بين الطائفتين من التفاوت، فقال: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ } أي: متفاوتون في الدرجات، والمعنى: هم ذوو درجات، أو لهم درجات، فدرجات من اتبع رضوان الله ليست كدرجات من باء بسخط من الله، فإن الأوّلين في أرفع الدرجات. والآخرين في أسفلها. قوله: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ } جواب قسم محذوف، وخص المؤمنين لكونهم المنتفعين ببعثته. ومعنى: {مّنْ أَنفُسِهِمْ } أنه عربيّ مثلهم، وقيل: بشر مثلهم، ووجه المنة على الأوّل: أنهم يفقهون عنه، ويفهمون كلامه، ولا يحتاجون إلى ترجمان. ومعناها على الثاني: أنهم يأنسون به بجامع البشرية، ولو كان ملكاً لم يحصل كمال الأنس به لاختلاف الجنسية، وقرىء: {مّنْ أَنفُسِهِمْ } بفتح الفاء، أي: من أشرفهم، لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب، والعرب أفضل من غيرهم، ولعلّ وجه الامتنان على هذه القراءة: أنه لما كان من أشرفهم كانوا أطوع له، وأقرب إلى تصديقه، ولا بد من تخصيص المؤمنين في هذه الآية بالعرب على الوجه الأوّل، وأما على الوجه الثاني، فلا حاجة إلى هذا التخصيص، وكذا على قراءة من قرأ بفتح الفاء لا حاجة إلى التخصيص؛ لأن بني هاشم هم أنفس العرب، والعجم في شرف الأصل، وكرم النجاد، ورفاعة المحتد. ويدل على الوجه الأوّل قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلأمّيّينَ رَسُولاً مّنْهُمْ } تفسير : [الجمعة: 2] وقوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44]. قوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } هذه منة ثانية، أي: يتلو عليهم القرآن بعد أن كانوا أهل جاهلية لا يعرفون شيئاً من الشرائع {وَيُزَكّيهِمْ } أي: يطهرهم من نجاسة الكفر، وهذه الجملة معطوفة على الجملة الأولى، وهما في محل نصب على الحال، أو صفة لرسول، وهكذا قوله: {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ }، والمراد بالكتاب هنا: القرآن. والحكمة: السنة. وقد تقدّم في البقرة تفسير ذلك: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ } أي: من قبل محمد، أو من قبل بعثته: {لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي: واضح لا ريب فيه، واللام للفرق بين إن المخففة من الثقيلة، وبين النافية، فهي تدخل في خبر المخففة لا النافية، واسمها ضمير الشأن، أي: وإن الشأن، والحديث، وقيل: إنها النافية، واللام بمعنى إلا، أي: وما كانوا من قبل إلا في ضلال مبين، وبه قال الكوفيون، والجملة على التقديرين في محل نصب على الحال. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأرْضِ...} الآية، قال: هذا قول عبد الله بن أبيّ بن سلول، والمنافقين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدّي نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } قال: يحزنهم قولهم، ولا ينفعهم شيئاً. وأخرجوا عن قتادة في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } يقول: فبرحمة من الله: {لِنتَ لَهُمْ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } قال: لانصرفوا عنك. وأخرج ابن عديّ، والبيهقي في الشعب، قال السيوطي - بسند حسن - عن ابن عباس: قال: لما نزلت: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلاْمْرِ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكنّ الله جعلها رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً»تفسير : . وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلاْمْرِ }. قال: أبو بكر وعمر. وأخرج ابن مردويه، عن عليّ قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن العزم، فقال: حديث : مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن ابن عباس: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } قال: ما كان لنبيّ أن يتهمه أصحابه. وقد ورد في تحريم الغلول أحاديث كثيرة. وأخرج ابن جرير، و ابن أبي حاتم، من طريق العوفي عن ابن عباس: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ } يقول: بأعمالهم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة في قوله: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ...} الآية، قالت: هذه للعرب خاصة.

الماوردي

تفسير : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُم} يعني فبرحمة من الله، و{مَا} صلة دخلت لحسن النظم. {وَلَو كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} الفظ: الجافي، والغليظ القلب: القاسي، وجمع بين الصفتين، وإن كان معناهما واحداً للتأكيد. {فَاعْفُ عَنهُم وَاسْتَغْفِرْ لَهُم وَشَاوِرْهُم فِي الأمْرِ} وفي أمره بالمشاورة أربعة أقاويل: أحدها: أنه أمره بمشاورتهم في الحرب ليستقر له الرأي الصحيح فيه، قال الحسن: ما شاور قوم قط إلا هُدُوا لأرشد أمورهم. والثاني: أنه أمره بِمشاورتهم تأليفاً لهم وتطيباً لأنفسهم، وهذا قول قتادة، والربيع. والثالث: أنه أمره بمشاورتهم لِمَا علم فيها من الفضل، ولتتأسى أمته بذلك بعده صلى الله عليه وسلم، وهذا قول الضحاك. والرابع: أنه أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون وإن كان عن مشورتهم غنياً، وهذا قول سفيان. {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ} قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو بفتح الياء وضم العين، وقرأ الباقون يغل بضم الياء وفتح الغين. ففي تأويل من قرأ بفتح الياء وضم الغين ثلاثة أقاويل: أحدها: أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول عكرمة، وسعيد بن جبير. والثاني: أنها نزلت في طلائع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجههم في وجه، ثم غنم الرسول فلم يقسم للطلائع فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ} أي يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسم، وهذا قول ابن عباس، والضحاك. والثالث: أن معناه وما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله إليهم لرهبة منه ولا رغبة فيهم، وهذا قول ابن إسحاق. وأما قراءة من قرأ يُغّل بضم الياء وفتح الغين ففيها قولان: أحدهما: يعني وما كان لنبي أن يتهمه أصحابه ويخوَّنوه. والثاني: معناه وما كان لنبي أن يغل أصحابه ويخونهم، وهذا قول الحسن، وقتادة. وأصل الغلول الغلل وهو دخول الماء في خلال الشجر، فسميت الخيانة غلولاً لأنها تجري في المال على خفاء كجري الماء، ومنه الغل الحقد لأنه العداوة تجري في النفس مجرى الغلل. {لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِن أَنُفُسِهِمْ} وفي وجه المنة بذلك ثلاثة أقاويل: أحدها: ليكون ذلك شرفاً لهم. والثاني: ليسهل عليهم تعلم الحكمة منه لأنه بلسانهم. والثالث: ليظهر لهم علم أحواله من الصدق والأمانة والعفة والطهارة. {يَتْلُو عَلَيهِمْ ءَآيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} فيه ثلاث تأويلات: أحدها: أنه يشهد لهم بأنهم أزكياء في الدين. والثاني: أن يدعوهم إلى ما يكونون به أزكياء. والثالث: أنه يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها، وهو قول الفراء.

ابن عطية

تفسير : نهى الله تعالى المؤمنين عن الكون مثل الكفار والمنافقين في هذا المعتقد الفاسد، الذي هو أن من سافر في تجارة ونحوها ومن قاتل فقتل لو قعد في بيته لعاش ولم يمت في ذلك الوقت الذي عرض فيه نفسه للسفر أو للقتال، وهذا هو معتقد المعتزلة في القول بالأجلين، وهو نحو منه، وقوله تعالى: {لإخوانهم} هي أخوة نسب، لأن قتلى -أحد- كانوا من الأنصار، أكثرهم من الخزرج، ولم يكن فيهم من المهاجرين إلى أربعة، وصرح بهذه المقالة فيما ذكر السدي ومجاهد وغيرهما، عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وقيل: بل قالها جميع المنافقين، ودخلت {إذا} في هذه الآية وهي حرف استقبال، من حيث {الذين} اسم فيه إبهام يعم من قال في الماضي، ومن يقول في المستقبل، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان، ويطرد النهي للمؤمنين فيها، فوضعت {إذا} لتدل على اطراد الأمر في مستقبل الزمان، وهذه فائدة وضع المستقبل موضع الماضي، كما قال تعالى: {أية : والله يدعو إلى دار السلام} تفسير : [يونس: 25] إلى نحوها من الآيات وكما قالت: شعر : وفينا نبي يعلم ما في غد تفسير : كما أن فائدة وضعهم الماضي موضع المستقبل للدلالة على ثبوت الأمر، لأن صيغة الماضي متحققة الوقوع، فمن ذلك قول الشاعر: شعر : وَإنّي لآتيكم تَشَكُّرَ ما مَضَى مِنَ الأَمْرِ واسْتيجَاب مَا كَانَ في غَدِ تفسير : ومنه قول الربيع: شعر : أَصْبَحْتُ لا أَمْلِكُ السلاحَ وَلاَ أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إنْ نَفَرَا تفسير : و"الضرب في الأرض": الإبعاد في السير، ومنه ضرب الدهر ضربانه: إذا بعدت المدة، وضرب الأرض: هو الذهاب فيها لحاجة الإنسان خاصة بسقوط "في" وقال السدي وغيره: في هذه الآية، الضرب في الأرض: السير في التجارة، وقال ابن إسحاق وغيره: بل هو السير في جميع طاعات الله ورسوله، والضرب في الأرض يعم القولين، و {غزى}: جمع غاز، وزنه -فعل- بضم الفاء وشد العين المفتوحة كشاهد وشهد وقائل وقول، وينشد بيت رؤبة: [الرجز] شعر : فالآنَ قَدْ نَهْنَهَني تَنَهْنُهِي وَقَوْلُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالْمُسَفَّهِ (وقول، الاده فلاده) تفسير : يريد إن لم تتب الآن فلا تتوب أبداً، وهو مثل معناه: إن لم تكن كذا فلا تكن كذا، وقد روي، وقولهم الأده فلاده، قال سيبويه وغيره: لا يدخل {غزى} الجر ولا الرفع، وقرأته عامة القراءة بتشديد الزاي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والزهري، "غزى" مخففة الزاي، ووجهه إما أن يريد غزاة، فحذف الهاء إخلاداً إلى لغة من يقول "غزّى" بالتشديد، وهذ الحرف كثير في كلامهم، قول الشاعر يمدح الكسائيّ: [الطويل] شعر : أَبى الذَّمُّ أَخْلاَقَ الكِسَائيّ وانتمى بهِ الْمَجْدُ أخْلاق الأُبُوِّ السوابقِ تفسير : يريد الأبوة جمع أب، كما أن العمومة جمع عم، والبنوة جمع ابن وقد قالوا: ابن وبنو، وتحتمل قراءتهما أن تكون تخفيفاً للزاي من "غزى"، ونظيره قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه {أية : وكذبوا بآياتنا كذاباً} تفسير : [النبأ: 28] في قول من قال: إنه تخفيف، وقد قيل: إنه مصدر جرى على غير المصدر، وقرأ الحسن "وما قتّلوا" مشددة التاء، وقوله تعالى: {ليجعل الله ذلك} قال مجاهد: معناه يحزنهم قوله ولا ينفعهم. قال القاضي: فالإشارة في ذلك إلى هذا المعتقد الذي لهم، جعل الله ذلك حسرة، لأن الذي يتيقن أن كل موت وقتل فبأجل سابق، يجد برد اليأس والتسليم لله تعالى على قلبه، والذي يعتقد أن حميمه لو قعد في بيته لم يمت، يتحسر ويتلهف، وعلى هذا التأويل مشى المتأولون، وهو أظهر ما في الآية، وقال قوم: الإشارة بذلك إلى انتهاء المؤمنين ومخالفتهم الكافرين في هذا المعتقد، فيكون خلافهم لهم حسرة في قلوبهم، وقال قوم: الإشارة بذلك إلى نفس نهي الله تعالى عن الكون مثل الكافرين في هذا المعتقد لأنهم إذا رأوا أن الله تعالى قد وسمهم بمعتقد وأمر بخلافهم كان ذلك حسرة في قلوبهم، ويحتمل عندي أن تكون الإشارة إلى النهي والانتهاء معاً، فتأمله "والحسرة": التلهف على الشيء والغم به، ثم أخبر تعالى خبراً جزماً أنه الذي {يحيى ويميت} بقضاء حتم، لا كما يعتقد هؤلاء، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: "والله بما يعملون" بالياء، فهذا وعيد للمنافقين، وقرأ الباقون "تعملون" بالتاء على مخاطبة المؤمنين، فهذا توكيد للنهي في قوله {لا تكونوا} ووعيد لمن خالفه ووعد لمن امتثله.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ...} الآية: نَهَى اللَّه المؤمنِينَ؛ أنْ يكونوا مثل الكفَّار المنافقين في هذا المعتقَدِ الفاسِدِ الذي هو أنَّ من سافر في تجارةٍ ونحوها، ومَنْ قَاتَلَ فَقُتِلَ، لو قعد في بَيْته لعاش، ولم يَمُتْ في ذلك الوَقْتِ الذي عَرَّض فيه نَفْسه للسَّفَر أو للقِتَال، وهذا هو مُعْتَقَدُ المعتزلة في القَوْل بالأَجَلَيْنِ، أو نحو منْه، وصرَّح بهذ المقالة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيٍّ المُنَافِقُ، وأصحابه؛ قاله مجاهد وغيره، والضَّرْبُ في الأرض: السيرُ في التِّجَارة، وغُزًّى: جمعُ غازٍ. وقوله تعالى: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ} الإشارةُ بـ «ذَلِكَ» إلى هذا المعتقد الَّذى جعله اللَّه حَسْرةً لهم؛ لأن الذي يتيقن أنَّ كل قَتْل ومَوْت، إنما هو بأجَلٍ سابقٍ يجدُ برد اليأسِ والتسليمِ للَّه سبحانه على قلبه، والذي يَعْتَقِدُ أنَّ حميمه لو قعد في بَيْته، لم يَمْتُ، يتحسَّر ويتلهَّف؛ وعلى هذا التأويل، مَشَى المتأوِّلونَ، وهو أظهرُ مَا في الآية، والتحسُّرُ: التلهُّفُ على الشي، والغَمُّ به. وقوله سبحانه: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} توكيدٌ للنهيْ في قوله: {لاَ تَكُونُواْ} ووعيدٌ لمن خالفه، ووَعْدٌ لمن ٱمتثله. وقوله سبحانه: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} اللامُ في {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} هي المؤذنةُ بمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قوله: {لَمَغْفِرَةٌ} هي المتلقِّية للقَسَمِ، والتقديرُ: واللَّهِ، لمغفرةٌ وترتَّب المَوْتُ قبل القَتْل في قوله تعالى: {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ}؛ مراعاةً لترتُّب الضَّرْب في الأرض والغَزْو، وقدَّم القَتْل هنا؛ لأنَّه الأشرف الأهمُّ، ثم قدَّم المَوْتَ في قوله تعالى: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ}؛ لأنها آية وعظٍ بالآخرةِ والحَشْرِ، وآيةُ تزهيدٍ في الدنْيَا والحَيَاةِ، وفي الآيةِ تحقيرٌ لأمر الدنيا، وحضٌّ على طَلَبِ الشهادةِ، والمعنَىٰ: إذا كان الحَشْر لا بُدَّ في كِلاَ الأمْرَيْن، فالمضيُّ إليه في حالِ شهادةٍ أَوْلَىٰ؛ وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ عَلَىٰ فِرَاشِهِ»تفسير : ، رواه الجماعةُ إلاَّ البخاريَّ، وعن أنَسٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً، أُعْطِيِهَا، وَلَوْ لَمْ تُصْبْهُ»تفسير : ، انفرد به مُسْلم. انتهى من «سلاح المؤمن».

ابن عادل

تفسير : وجه النظم أن المنافقين كانوا يعيِّرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار، بقولهم: {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} ثم إنه ظهر عند بعض المؤمنين فتورٌ وفشلٌ في الجهاد، حتى وقع يومَ أحُدٍ ما وقع، وعفا اللَّهُ بفضله عنهم، فنهاهم في هذه الآية عن القول بمثل مقالة المنافقين، لمن يريد الخروج إلى الجهادِ، فقال: لا تقولوا - لمن يريد الخروجَ إلى الجهاد -: لو لم تخرجوا لما متم، وما قُتِلْتم، فإن الله هو المُحْيي والمميت، فمن قُدِّر له البقاءُ لم يُقْتَل في الجهاد، ومن قُدِّر له الموتُ مات وإن لم يجاهد، وهو المراد بقوله: {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ}. وأيضاً فالذي يُقْتَل في الجهاد، لو لم يخرج إلى الجهاد، لكان يموت لا محالة، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يُقْتَلَ في الجهاد - حتى يستوجب الثوابَ العظيمَ - خيرٌ له من أي يموت من غير فائدة، وهو المرادُ بقوله: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}. واختلفوا في {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فقيل: هل هو كافر يقول هكذا. وقيل: إنه مخصوصٌ بالمنافقين؛ لأن هذه الآيات في شرح أحوالهم. وقيل: مختصة بعبد الله بن أبيّ ابن سلول ومعتب بن قُشَير، وسائر أصحابهما. قوله: {لإِخْوَانِهِمْ} قال الزمخشريُّ: "لأجل إخوانكم". وهذا يدل على أن أولئك الإخوان كانوا مَيِّتين عند هذا القول ويُحْتمل أن يكونَ المراد منه الأخوة في النسب، كقوله تعالى: {أية : وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} تفسير : [الأعراف: 65] ويكون المقتولون من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين، فقال المنافقون هذا الكلام ويحتمل أن يكون المرادُ: الأخوة في الدين، فقال المنافقونَ هذا الكلام، بعد أن قُتِلَ بعضهم في بعض الغزوات. قوله: {إِذَا ضَرَبُواْ} "إذا" ظرف مستقبل، فلذلك اضطربت أقوالُ المعربين - هنا - من حيثُ إن العامل فيها {قَالُواْ} - وهو ماضٍ - فقال الزمخشريُّ: "فإن قُلْتَ: كيف قيل: {إِذَا ضَرَبُواْ} مع "قالوا"؟ قلت: هو حكاية حال ماضية، كقولك: حين يضربون في الأرض". وقال أبو البقاء بعد قول قريب من قول الزمخشريِّ: "ويجوز أن يكون {كَفَرُواْ} و {قَالُواْ} ماضيين، يُراد بهما المستقبل المحكي به الحال فعلى هذا يكون التقدير: يكفرون، ويقولون لإخوانهم". انتهى. ففي كلا الوجهين حكاية حال، لكن في الأول حكاية حال ماضية، وفي الثاني مستقبلة، وهو - من هذه الحيثية - كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ} تفسير : [البقرة: 214]. ويجوز أن يراد بها الاستقبال، لا على سبيل الحكاية، بل لوقوعه صلة لموصول، وقد نصَّ بعضهم على أن الماضي - إذا وقع صلة لموصول - صلح للاستقبال، كقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [المائدة: 34]. وإلى هذا نحا ابنُ عطيةَ، وقال: "دخلت "إذا" وهي حرفُ استقبالٍ - من حيثُ "الذين" اسم فيه إبهام، يعم مَنْ قال في الماضي، ومَنْ يقول في الاستقبال، ومن حيثُ هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان" يعني: فتكون حكاية حالٍ مستقبلة. قال ابن الخَطيبِ: "إنما عَبَّرَ عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين: إحداهما: أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل، قد يُعَبَّر عنه بأنه حَدَث، أو هو حادث، قال تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 1] وقال: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ} تفسير : [الزمر: 30] فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقبل لم يكن فيه ذلك المعنى، فلما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي، دلَّ على أن جِدَّهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ الغاية، فصار بسبب ذلك الجد، هذا المستقبل كالواقع. الثانية: أنه - تعالى - لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي، دلَّ ذلك على أنه ليس المقصود الإخبار عن صدور هذا الكلام، بل المقصود الإخبار عن جِدِّهم واجتهادهم في تقرير هذه الشُّبْهَةِ". وقدَّر أبو حيّان: مضافاً محذوفاً وهو عامل في "إذا" تقديره: وقالوا لهلاك إخوانهم، أي: مخافة أن يهلك إخوانهم إذا سافروا، أو غَزَوْا، فقدَّر العامل مصدراً مُنْحَلاًّ لـِ "أن" والمضارع، حتى يكون مستقبلاً، قال: لكن يكون الضمير في قوله: {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا} عائداً على {لإِخْوَانِهِمْ} لفظاً، وعلى غيرهم معنى - أي: يعود على إخوان آخرين، وهم الذين تَقَدَّمَ موتُهم بسبب سفرٍ، أو غزو، وقَصْدُهُمْ بذلك تثبيطُ الباقين - وهو مثل قوله تعالى: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} تفسير : [فاطر: 11] وقول العربِ: عندي درهم ونِصْفُه. وقول الشاعرِ: [البسيط] شعر : 1673- قَالَتْ: ألاَ لَيْتَما هَذَا الْحَمَامُ لَنَا إلَى حَمَامَتِنَا، أو نِصْفُهُ فَقَدِ تفسير : المعنى: من معمر آخر، ونصف درهم آخر، ونصف حمام آخرَ. وقال قُطربٌ: كلة "إذْ" و "إذا" يجوز إقامة كل واحد منهما مُقَامَ الأخْرَى، فيكون "إذا" هنا بمعنى "إذْ". قال بعضهم: وهذا ليس بشيء. قال ابنُ الْخَطِيبِ: "أقول: هذا - الذي قاله قُطْرُبٌ - كلامٌ حسنٌ، وذلك لأنا جوَّزْنا إثبات اللغة بشعرٍ مجهولٍ، فنقول عن قائل مجهول، فلأنْ يُجَوَّزَ إثباتها بالقرآن العظيم كان ذلك أولى، أقصى ما في الباب أن يقال: "إذا" حقيقة في المستقبل، ولكن لم لا يجوز استعماله في الماضي على سبيل المجازِ، لما بينه وبين كلمة "إذْ" من المشابهة الشديدة، وكثيراً أرى النحويين يتحيَّرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهولٍ فَرِحوا به، وأنا شديدُ التعجُّب منهم؛ فإنهم إذا جعلوا ورودَ ذلك البيت المجهول دليلاً على صحته، فلأن يجعلوا ورود القرآنِ به دليلاً على صحته كان أولى". قوله: {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} - بالتشديد - جمع غازٍ - كالرُّكَّع والسُّجَّد - جمع راكع وساجد - وقياسه: غُزَاة كرام ورُمَاة - ولكنهم جملوا المعتل على الصحيح، في نحو ضارب وضُرَّب، وصائم وصُوَّم. وقال الزهريُّ والحسنُ "غُزًى" - بالتخفيف - وفيها وجهانِ: الأول: أنه خفف الزاي، كراهية التثقيل في الجمع. الثاني: أن أصله: غُزاة - كقُضاة ورُماة - ولكنه حذف تاء التأنيث؛ لأن نفس الصيغة دالَّةٌ على الجمع فالتاء مُستغنًى عنها. قال ابنُ عَطِيَّةَ: "وهذا الحذفُ كثيرٌ في كلامهم. ومنه قول الشاعر يمدح الكسائِي: [الطويل] شعر : 1674- أبَى الذَّمَّ أخْلاَقُ الْكِسَائِيِّ، وَانْتَحَى بِهِ المَجْدُ أخْلاَقَ الأبُوِّ السَّوابِقِ تفسير : يريد: الأبُوَّة - جمع أب - كما أن العمومة جمع عم، والبُنُوَّة جمع ابن وقد قالوا: ابن، وبنو". ورد عليه أبو حيّان بأن الحذف ليس بكثير، وأن قوله: حذف التاء من عمومة، ليس كذلك، بل الأصل: عموم - من غير تاء - ثم أدخلوا عليها التاء لتأكيد الجمع، فما جاء على "فعول" - من غير تاء - هو الأصل، نحو: عموم وفحول، وما جاء فيه التاء، فهو الذي يحتاج إلى تأويله بالجمع، والجمع لم يُبْنَ على هذه التاء، حتى يُدَّعَى حَذْفُها، وهذا بخلاف قُضَاة وبابه؛ فإنه بني عليها، فيمكن ادعاء الحذف فيه، وأما أبوة وبُنوة فليسا جَمْعَيْن، بل مصدرين، وأما أبُوّ - في البيت - فهو شاذَّ عند النحاة من جهة أنه من حقِّهِ أن يُعلَّه، فيقول: "أبَيّ" بقلب الواوين ياءين، نحو: عُصِيّ، ويقال غُزَّاء بالمد أيضاً، وهو شاذ. فتحصَّل في غازٍ ثلاثة جموع في التكسير: غُزَاة كقُضاة، وغُزًى كصوَّم، وغُزَّاء كصُوَّام، وجمع رابع، وهو جمع سلامة، والجملة كلُّها في محل نصب بالقول. قال القرطبيُّ: "والمغزية: المرأة التي غزا زوجها، وأتانٌ مُغْزِية: متأخِّرةُ النِّتَاجِ، ثم تنتج وأغْزَت الناقة إذا عسر لِقَاحُها، والغَزْو: قصد الشيء، والمَغْزَى: المَقْصِد، ويقال: - في النسب إلى الغزو: غَزَوِيّ". قال الواحديُّ: "في الآية محذوف، يدل عليه الكلام، والتقدير: {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} فماتوا {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} فقتلوا، {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} فقوله: {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} يدل على قتلهم وموتهم". فصل المراد بالضَّرْبِ: السفر البعيد، وقوله: "غُزًّى" هم الغُزَاة الخارجون للجهاد، فكان المنافقونَ يقولون - إذا رَأوْا مَنْ مات في سفر أو غزو -: إنما ماتوا، أو قتلوا بسبب السفر والغزو، وقصدهم بذلك تنفير الناس. فإن قيل: لم ذكر الغزو بعد الضرب في الأرض - وهو داخل فيه؟ فالجوابُ: أن الضرب في الأرض يرادُ به السفر البعيد، لا القريب، إذ الخارج من المدينة إلى جبل أحدٍ لا يوصف بأنه ضارب في الأرض، وفي الغزو لا فرق بينه وبين قريبه وبعيده، فلذلك أورد الغزو عن الضرب في الأرض. قوله: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ} في هذه اللام قولان: قيل: إنها لام "كَيْ". وقيل: إنها لام العاقبة والصيرورة، فعلى القول الأول في تعلُّق هذه اللام وجهانِ: فقيل: التقدير: أوقع ذلك - أي: القول، أو المعتقد - ليجعله حَسْرَةً، أو ندمَهم، كذا قدره أبو البقاء وأجاز الزمخشريُّ أن تتعلق بجملة النفي، وذلك على معنيين - باعتبار ما يراد باسم الإشارة. أما الاعتبار الأول، فإنه قال: "يعني لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده، ليجعله اللَّهُ حَسْرةً في قلوبكم خاصَّةً، ويصون منها قلوبكم"، فجعل ذلك إشارة إلى القول والاعتقاد. وأما الاعتبار الثاني فإنه قال: "ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى ما دلَّ عليه النَّهْيُّ، أي: لا تكونوا مثلهم؛ ليجعلَ اللَّهُ انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم؛ لأن مخالفتهم فيما يقولون ويعتقدون مما يغمُّهم ويغيظهم". وردّ عليه أبو حيان المعنى الأول بالمعنى الثاني الذي ذكره هو، فقال - بعد ما حكى عنه المعنى الأول -: "وهو كلام شيخ لا تحقيق فيه؛ لأن جَعْلَ الحسرة لا يكون سبباً للنهي، إنما يكون سبباً لحصول امتثال النهي، وهو انتفاء المماثلة، فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون، يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم، إذ لم توافقهم فيما قالوه واعتقدوه، فلا تضربوا في الأرض ولا تغزو، فالتبسَ على الزمخشريِّ استدعاء انتفاء المماثلة لحصول الانتفاء، وفَهْم هذا فيه خفاءٌ ودقةٌ". قال شهاب الدين: ولا أدري ما وجه تفنيد كلام أبي القاسم، وكيف رد عليه على زعمه بكلامه؟ وقال أبو حَيَّانَ - أيضاً -: "وقال ابنُ عِيسَى وغيره، اللامُ متعلِّقة بالكون، أي: لا تكونوا كهؤلاء، ليجعل الله ذلك حَسْرَةً في قلوبهم دونكم، ومنه أخذ الزمخشريُّ قوله، لكن ابن عيسى نَصَّ على ما تتعلق به اللام، وذاك لم ينص، وقد بينَّا فساد هذا القولِ". وقوله: وذاك لم ينص، بل قد نَصَّ، فإنه قال: فإن قُلْتَ: ما متعلق {لِيَجْعَلَ}؟ قلت: {َقَالُواْ} أو {لاَ تَكُونُواْ}. وأيُّ نَصٍّ أظهرُ من هذا؟ ولا يجوز تعلق اللام - ومعناها التعليل - بـ {قَالُواْ} لفساد المعنى؛ لأنهم لم يقولوه لذلك، بل لتثبيط المؤمنين عن الجهاد. وعلى القول الثاني - أعني: كونها للعاقبة تتعلق بـ {قَالُواْ} والمعنى: أنهم قالوا ذلك لغرض من أغراضهم، فكان عاقبة قولهم، ومصيره إلى الحسرة، والندامة، كقوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] وهم لم يلتقطوه لذلك، ولكن كان مآله لذلك. ولكن كونها للصيرورة لم يعرفه أكثر النحويين، وإنما هو شيءٌ ينسبونه للأخفش، وما ورد من ذلك يؤولونه على العكس من الكلام، نحو: {أية : فَبَشِّرْهُم} تفسير : [آل عمران: 21] وهذا رأي الزمخشري؛ فإنه شبه هذه اللام باللام في {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8] ومذهبه في تلك أنها للعلة - بالتأويل المذكور والجَعْلُ - هنا - بمعنى التَّصْييرِ. فصل اختلفوا في المشار إليه بـ "ذَلِكَ": فعن الزَّجاجِ هو الظَّنُّ، ظنوا أنهم لو لم يحضروا لم يُقْتَلُوا. وقال الزمخشريُّ ما معناه: الإشارة إلى النطق والاعتقاد بالقول. وقريب منه قول ابن عطيةَ: "الإشارة بذلك إلى هذا المعتقد الذي لهم". وقال ابنُ عَطِيَّة - أيضاً -: "ويحتمل عندي - أن تكونَ الإشارةُ إلى النهي والانتهاء معاً، فتأمله". وقيل: هو المصدر المفهوم من {قَالُواْ}، و {حَسْرَةً} مفعول ثانٍ، و {فِي قُلُوبِهِمْ} يجوز أن يتعلق بالجَعْل - وهو أبلغ - أو بمحذوف على أنه صفة للنكرة قبله. فصل ذكروا - في بيان كون ذلك القول حَسْرَةً في قلوبهم - وجوهاً: الأول: أن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم؛ لأن أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في مَنعه عن ذلك السفر، او الغزو، لبقي، فذلك الشخص إنما مات، أو قُتِل بسبب أن هذا الإنسان قَصَّر في مَنْعه، فيعتقد السامعُ لهذا الكلام أنه هو الذي تسبب في مَوْت ذلك الشخص العزيز عليه، أو قتله، ومتى اعتقد في نفسه ذلك، فلا شك أنه يزداد حسرته وتلهُّفُه، أما المسلم المعتقد أن الحياةَ والموت بتقدير اللَّهِ وقضائه، لم يحصل في قلبه شيء من هذا النوع من الحسرة ألبتة. الثاني: أن المنافقين إذا ألقوا هذه الشبهة إلى إخوانهم، تثبطوا، وتخلَّفوا عن الجهاد، فإذا اشتغل المسلمون بالجهاد، ووصلوا بسببه إلى الغنائم العظيمة، والاستيلاء على الأعداء، والفوز بالأماني، بقي المتخلف عن ذلك في الحَسَد، والحَسرة. الثالث: أن هذه الحسرة، إنما تحصُل يومَ القيامةِ في قلوب المنافقين، إذا رَأوا تخصيص الله للمجاهدين بمزيد من الكرامات وعُلُوِّ الدرجات، وتخصيص هؤلاء المنافقين بمزيد الخِزْي واللَّعْن والعقاب. الرابع: أن المنافقين إذا أوردوا هذه الشبهة على ضَعَفَة المسلمين، ووجدوا منهم قبولاً لها، فرحوا بذلك؛ لرواج كيدهم، ومكرهم على الضَّعَفَة، فالله - تعالى - يقول: إنه يصير ذلك حسرةً في قلوبهم إذا علموا أنهم كانوا على الباطل. الخامس: أن اجتهادَهُمْ في تكثير الشبهاتِ، وإلقاء الضلالات يُعْمِي قلوبهم، فيقعون عند ذلك في الحسرة، والخيبة، وضيق الصدر، وهو المراد بقوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً} تفسير : [الأنعام: 125]. السادس: أنهم إذا ألْقَوْا هذه الشبهةَ على الأقوياء، لم يلتفتوا إليهم، فيضيع سعيُهم ويبطل كيدُهم، فتحصل الحسرةُ في قلوبهم. قوله: {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} فيه وجهان: الأول: أن المقصودَ منه بيان الجواب عن شُبْهَة المنافقين، وتقريره: إن المحيي والمميت هو اللَّهُ تعالى، ولا تأثير لشيء آخر في الحياةِ والموتِ، وأن علمَ اللَّهِ لا يتغير، وأن حُكْمَه لا ينقلب، وأن قضاءه لا يتبدَّل، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت؟ فإن قيل: أن كان القولُ بأنّ قضاءَ اللَّهِ لا يتبدل يمنع من كون الجِدِّ والاجتهاد مفيداً في الحذر عن القتل والموت، فكذا القول بأن قضاءَ اللَّهِ يتبدَّل، وجب أن يمنع من كون العمل مفيداً في الاحتراز عن عقاب الآخرة، وهذا يمنع من لزوم التكليفِ. والمقصود من الآياتِ تقرير الأمر بالجهاد والتكليف، وإذا كان كذلك، كان هذا الكلام يُفْضي ثبوته إلى نفيه. فالجوابُ: أن حُسْنَ التكليف - عندنا - غير مُعَلَّل بِعِلَّة ورعاية [مصلحة]، بل اللَّهُ يفعل ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريد. الثاني: أن [المقصود] بقوله: {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أنه يُحْيي قُلوبَ أوليائه وأهل طاعته بالنور والفرقان، ويُميتُ قلوبَ أعدائه من المنافقين بالضلال. قوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "يعملون" بالغيبة؛ رَدَّا على {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} والباقون بالخطاب؛ ردَّا على قوله: و {لاَ تَكُونُواْ} وهو خطابٌ للمؤمنينَ. فإن قيل: الصادر منهم كان قولاً مسموعاً، لا فعلاً مَرْئِيًّا، فلِمَ علَّقه بالبصر دون السمع؟ فالجوابُ: قال الراغبُ: لما كان ذلك القول من الكفار قصداً منهم إلى عمل يحاولونه، خص البصر بذلك، كقولك - لمن يقول شيئاً، وهو يقصد فعلاً يحاوله -: أنا أرى ما تفعله. قوله: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} اللام هي الموطئة لقسم محذوف، وجوابه قوله: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} وحُذِفَ جوابُ الشرط؛ لسَدِّ جواب القسم مسده؛ لكونه دالاً عليه وهذا ما عناه الزمخشريُّ بقوله: وهو ساد مسدَّ جواب الشرط. ولا يعني بذلك أنه من غير حذف. قوله: {أَوْ مُتُّمْ} قرأ نافع وحمزة والكسائي "مِتُّمْ" - بكسر الميم - والباقون بضمها، فالضَّمُّ مِنْ مَاتَ يَمُوتُ مُتُّ - مثل: قَالَ يَقُولُ قُلْتُ، ومن كسر، فهو من مَاتَ يَماتُ مِتُّ، مثل: هَابَ يَهَابُ هِبْتُ، وخَاَفَ يَخَافُ خِفْتُ. روى المبرِّدُ هذه اللغة. قال شهابُ الدينِ: وهو الصحيحُ من قول أهل العربية، والأصل: مَوْتَ - بكسر العين - كخَوِفَ، فجاء مضارعه على يَفْعَل - بفتح العين -. قال الشاعر: [الرجز] شعر : 1675- بُنَيَّتِي يَا أسْعَدَ الْبَنَاتِ عِيشي، وَلاَ نأمَنُ أنْ تَمَاتِي تفسير : فجاء بمضارعِهِ على يَفْعَل - بالفتح - فعلى هذه اللغة يلزم أن يقال في الماضي المسند إلى التاء، أو إحدى أخواتها: مِتُّ -بالكسر ليس إلا- وهو أنا نقلنا حركة الواو غلى الفاء بعد سلب حركتها، دلالة على بنية الكلمة في الأصل، هذا أوْلَى من قول من يقول: إن مِتُّ - بالكسر - مأخوذة من لغة من يقول يموت - بالضم في المضارع - وجعلوا ذلك شاذاً في القياس كثيراً في الاستعمال، كالمازني وأبي علي الفارسي - ونقله بعضُهُمْ عن سيبويه صريحاً، وإذا ثبت ذلك لغةً، فلا معنى إلى ادَّعاء الشذوذ فيه. قوله: {لَمَغْفِرَةٌ} اللام لامُ الابتداءِ، وهي ما بعدها جواب القسم - كما تقدم - وفيها وجهان: الأول - وهو الأظهر -: أنها مرفوعة بالابتداء، والمسوِّغات - هنا - كثيرة: لام الابتداء، والعطف عليها في قوله: {وَرَحْمَةٌ} ووصفها، فإن قوله {مِّنَ ٱللَّهِ} صفة لها، ويتعلق - حينئذٍ - و "خيرٌ" خبر عنها. والثاني: أن تكون مرفوعةً على خبر ابتداءٍ مُضْمَرٍ - إذا أُرِيدَ بالمغفرة والرحمة القتل، أو الموت في سبيل الله؛ لأنهما مقترنان بالموت في سبيل الله - فيكون التقدير: فذلك، أي: الموت أو القتل في سبيل الله - مغفرة ورحمة خير، ويكون "خيرٌ" صفة لا خبراً، وإلى هذا نحا ابنُ عطيةَ؛ فإنه قال: وتحتمل الآية أن يكون قوله: {لَمَغْفِرَةٌ} إشارة إلى الموت، أو القتل في سبيل الله، فسمى ذلك مغفرة ورحمة؛ إذ هما مقترنان به، ويجيء التقديرُ: لذلك مغفرةٌ ورحمةٌ، وترتفع المغفرةُ على خبر الابتداء المقدر، وقوله: "خير" صفة لا خبر ابتداء انتهى، والأول أظهر. و "خير" - هنا - على بابها من كونها للتفضيل وعن ابن عباسٍ: خير من طلاع الأرض ذهبة حمراء. قال ابن الخطيبِ: "والأصوب - عندي - أن يقال: إن هذه اللام في "المغفرة" للتأكيد، فيكون المعنى: إن وجب أن تموتوا، أو تُقْتَلوا، في سفركم أو غزوكم، فكذلك وجب أن تفوزوا بالمغفرة - أيضاً - فلماذا تَحْتَرزون عنه؟ كأنه قيل: إن الموت والقتل غير لازم الحصولِ، ثُمَّ بتقدير أن يكون لازماً، فإنه يستعقب لزوم المغفرةِ، فكيف يليق بالعاقل أن يحترز عنه"؟ قوله: {وَرَحْمَةٌ} أي: ورحمة من الله، فحذف صفتها لدلالة الأولى عليها، ولا بُدَّ من حذف آخر، مصحِّح للمعنى، وتقديره: لمغفرةٌ لكم من الله، ورحمة منه لكم. فإن قيل: المغفرة هي الرحمة، فلِمَ كرَّرها، ونكَّرَها؟ فالجوابُ: أما التنكير فإن ذلك إيذان بأن أدنى خير أقل شيءٍ خير من الدنيا وما فيها، وهو المراد بقوله: "مما تجمعون" ونظيره قوله تعالى: {أية : وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [التوبة: 72] والتنكير قد يشعر بالتقليل، وأما التكرير فلا نسلمه؛ لأن المغفرة مرتبة على الرحمة، فيرحم، ثم يغفر. قوله: "مما يجمعون" "ما" موصولة اسمية، والعائدُ محذوفٌ، ويجوز أن تكون مصدرية. وعلى هذا فالمفعول به محذوف، أي: من جمعكم المال ونحو. وقراءة الجماعة "تجمعون" - بالخطاب - جَرياً على قوله: "ولئن قتلتم" وحفص - بالغيبة - إما على الرجوع على الكفار المتقدمين، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين. فإن قيل: ههنا ثلاثة مواضع، تقدم الموت على القتل في الأول والأخير، وقُدِّم القتل على الموت في المتوسط فما الحكمةُ في ذلك؟ فالجوابُ: ان الأولَ لمناسبة ما قبله، من قوله: {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى} فرجع الموت لمن ضرب في الأرض، والقتل لمن غزا، وأما الثاني فلأنه مَحَلّ تحريض على الجهادِ، فقُدِّمَ الأهَمّ الأشرف، وأما الأخير فلأن الموت أغلب. فإن قيل: كيف تكون المغفرة موصوفة بأنها خير مما يجمعون ولا خير فيما يجمعونه أصلاً. فالجوابُ: أنَّ الذي يجمعونه في الدُّنيا قد يكون من الحلال الذي يُعَدُّ خيراً، وأيضاً هذا واردٌ على حسب قولهم ومُعْتَقَدهم أن تلك الأموال خيرات. فقيل: المغفرة خير من هذه الأشياء التي تظنونها خيرات. قوله: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} هذا الترتيب في غاية الحُسْنِ؛ فإنه قال في الآية الأولى: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ} وهذه إشارةٌ إلى مَنْ عَبَدَه خوفاً من عقابه، ثم قال: {وَرَحْمَةٌ} وهو إشارة إلى من عبده لطلب ثوابه، ثم ختمها بقوله: {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} وهو إشارةٌ إلى مَنْ عبده لمجردِ لمجردِ العبوديةِ والربوبيةِ، وهذا أعلى المقاماتِ، يروى أن عيسى -عليه السَّلامُ - مَرَّ بأقَوامٍ نُحِفَتْ أبْدَانُهُمْ، واصْفَرَّتْ وُجُوهُهُمْ، ورأى عليهم آثارَ العبادة، فقال: ماذا تَطْلبُون؟ فقالوا: نخشى عذابَ اللَّهِ، فقال: هو أكرمُ من لا يخلصكم من عذابه. ثم مرَّ بأقوام آخرينَ، فرأى عليهم تلك الآثار، فسألهم، مَاذَا تَطْلُبُونَ؟ فقالوا: نطلب الجنَّةَ والرَّحْمَةَ، فقال: هو أكرم من أن يمنعكم رحمته. ثم مرَّ بقوم، فرأى آثار العبودية عليهم أكثر، فسألهم: فقالوا: نعبده لأنه إلهُنَا، ونحن عبيدُهُ، لا لرغبة ولا لرهبة، فقال: أنتم العبيد المخلصونَ، والمتعبدون المحقون. قوله: {لإِلَى ٱلله} اللام جواب القسم، فهي داخلة على {تُحْشَرُونَ} و {وَإِلَى ٱللَّهِ} متعلقٌ به، وإنما قُدِّم للاختصاص، أي: إلى الله - لا إلى غيره - يكون حشركم، أو للاهتمام به، وحسًّنه كونُه فاصلة، ولولا الفصل لوجب توكيد الفعل بالنون؛ لأن المضارع المثبت إذا كان مستقبلاً وجب توكيده [بالنون]، مع اللام، خلافاً للكوفيين؛ حيث يُجيزون التعاقُبَ بينهما. كقول الشاعر: [الكامل] شعر : 1676- وَقَتِيلِ مُرَّةَ أثأرَنَّ... ............................. تفسير : فجاء بالنون دون اللام. وقول الآخر: [الطويل] شعر : 1677- لَئِنْ يكَ قَدْ ضَاقََتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتُكُمْ لَيَعْلَمُ رَبِّي أنَّ بَيْتِيَ وَاسِعُ تفسير : فجاء باللام دون النون، والبصريون يجعلونه ضرورة. فإن فُصِلَ بين اللام بالمعمول - كهذه الآية - أو بقَدْ، نحو: والله لقد أقومُ. وقوله: [الطويل] شعر : 1678- كَذَبْتِ لَقَدْ أُصْبِي عَلَى المرْءِ عِرْسَهُ ............................... تفسير : أو بحرف التنفيس، كقوله تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5] فلا يجوز توكيده - حينئذ - بالنون، قال الفارسيُّ: "الأصل دخولُ النُّونِ، فَرْقاً بين لام اليمينِ، ولام الابتداءِ، ولام الابتداء لا تدخل على الفضلاتِ، فبدخول لام اليمين على الفضلة حصل الفرقُ، فلم يُحْتَجْ إلى النون وبدخولها على "سوف" حصل الفرق - أَيضاً - فلا حاجةَ إلى النُّونِ ولام الابتداء لا تدخل على الفعل إلا إذا كان حالاً، أما مستقبلاً فلا". وأتى بالفعل مبنيًّا لما لم يسم فاعله - مع أن فاعل الحشرِ هُوَ اللهُ - وإنما لم يصرح به، تعظيماً.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض...} الآية. قال: هذا قول عبدالله بن أبي بن سلول والمنافقين. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم...} الآية. قال: هؤلاء المنافقون أصحاب عبد الله بن أبي {إذا ضربوا في الأرض} وهي التجارة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} قال: هذا قول الكفار إذا مات الرجل يقولون: لو كان عندنا ما مات فلا تقولوا كما قال الكفار. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} قال: يحزنهم قولهم لا ينفعهم شيئاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} لقلة اليقين بربهم {والله يحيي ويميت} أي يُعَجِّلُ ما يشاء ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته {ولئن قتلتم في سبيل الله...} الآية. أي أن الموت كائن لا بد منه، فموت في سبيل الله أو قتل {خير} لو علموا واتقوا {مما يجمعون} من الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد تخوف الموت والقتل لما جمعوا من زهيد الدنيا زهادة في الآخرة {ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون} أي ذلك كائن إذ إلى الله المرجع فلا تَغُرَنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه آثر عندكم منها. وأخرج عبد بن حميد عن الأعمش أنه قرأ {متم} و(إذا متنا). كل شيء في القرآن بكسر الميم.

ابو السعود

تفسير : {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم المنافقون القائلون: لو كان لنا من الأمر شيءٌ ما قتلنا هٰهنا، وإنما ذُكر في صدر الصلةِ كفرُهم تصريحاً بمباينة حالِهم لحال المؤمنين، وتنفيراً عن مماثلتهم آثِرَ ذي أثيرٍ، وقولُه تعالى: {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ} تعيـينٌ لوجه الشبهِ والمماثلةِ التي نُهوا عنها أي قالوا لأجلهم وفي حقهم، ومعنى أُخوّتِهم اتفاقُهم نسباً أو مذهباً {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ} أي سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرِها، وإيثارُ إذا المفيدةِ لمعنى الاستقبالِ على إذا المفيدةِ لمعنى المُضيِّ لحكاية الحالِ الماضيةِ إذِ المرادُ بها الزمانُ المستمرُّ المنتظمُ للحال الذي عليه يدور أمرُ استحضارِ الصورة. قال الزجاج: إذا هٰهنا تنوبُ عما مضىٰ من الزمان وما يُستقبل يعني أنها لمجرد الوقتِ أو يُقصد بها الاستمرارُ، وظرفيتُها لقولهم إنما هي باعتبار ما وقع فيها بل التحقيقُ أنها ظرفٌ له لا لقولهم، كأنه قيل: قالوا لأجل ما أصاب إخوانَهم حين ضربوا الخ، {أَوْ كَانُواْ} أي إخوانُهم {غُزّاً} جمعُ غازٍ كعُفّىً جمعُ عافٍ، قال: [الطويل] شعر : ومُغْبّرةِ الآفاقِ خاشعةِ الصُّوى لها قُلُبٌ عُفَّى الحياض أجون تفسير : وقرىء بتخفيف الزاي على حذف التاء من غُزاة، وإفرادُ كونِهم غُزاةً بالذكر ــ مع اندراجه تحت الضربِ في الأرض ــ لأنه المقصودُ بـيانُه في المقام، وذكرُ الضربِ في الأرض توطئةٌ له، وتقديمُه لكثرة وقوعِه على أنه قد يوجد بدون الضربِ في الأرض إذ المرادُ به السفرُ البعيدُ، وإنما لم يقُلْ أو غَزَوْاً للإيذان باستمرار اتصافِهم بعنوان كونِهم غزاةً أو بانقضاء ذلك، أي كانوا غُزّاً فيما مضى، وقولُه تعالى: {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا} أي مقيمين {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ} مفعولٌ لقالوا دليلٌ على أن هناك مضمَراً قد حُذف ثقةً به أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزّاً فقُتلوا، وليس المقصودُ بالنهي عدمَ مماثلتِهم في النطق بهذا القولِ بل في الاعتقاد بمضمونه والحُكمِ بموجبه كما أنه المنكرُ على قائليه، ألا يُرى إلى قوله عز وجل: {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ} فإنه الذي جُعل حسرةً فيها قطعاً وإليه أشير بذلك كما نقل عن الزجاج أنه إشارةٌ إلى ظنهم أنهم لو لم يحضُروا القتالَ لم يُقتلوا، وتعلّقُه بقالوا ليس باعتبار نطقِهم بذلك القولِ بل باعتبار ما فيه من الحُكم والاعتقاد، واللامُ لامُ للعاقبة كما في قوله تعالى: {أية : لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص، الآية 8] أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرةً في قلوبهم، والمرادُ بالتعليل المذكورِ بـيانُ عدمِ ترتُّبِ فائدةٍ ما على ذلك أصلاً، وقيل: هو تعليلٌ للنهي بمعنى لا تكونوا مثلَهم في النطق بذلك القولِ واعتقادِه ليجعلَه الله تعالى حسرةً في قلوبهم خاصة ويصونَ منها قلوبَكم، فذلك كما مر إشارةٌ إلى ما دل عليه قولُهم من الاعتقاد ويجوز أن يكون إشارةً إلى ما دل عليه النهيُ أي لا تكونوا مثلَهم ليجعل الله انتفاءَ كونِكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم فإن مضادّتَكم لهم في القول والاعتقادِ مما يغُمُّهم ويَغيظهم {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ} ردٌّ لباطلهم إثرَ بـيانِ غائلتِه أي هو المؤثِّرُ في الحياة والممات وحده من غير أن يكون للإقامة أو للسفر مدخلٌ في ذلك فإنه تعالى قد يُحيـي المسافرَ والغازيَ مع اقتحامهما لموارد الحتوفِ ويُميتُ المقيمَ والقاعدَ مع حيازتهما لأسباب السلامة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تهديدٌ للمؤمنين على أن يماثلوهم، وقرىء بالياء على أنه وعيدٌ للذين كفروا، و{مَا يَعْمَلُونَ} عامٌ متناولٌ لقولهم المذكورِ ولِمُنشئه الذي هو اعتقادُهم، ولما ترتب على ذلك من الأعمال، ولذلك تعرَّض لعنوان البَصَر لا لعنوان السمعِ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ لتربـية المهابةِ وإلقاءِ الرَّوْعةِ والمبالغةِ في التهديد والتشديدِ في الوعيد.

القشيري

تفسير : مَنْ تعوَّد أن يتلهف على ماضيه وسالفه، أو يتدبر في مستقبله وآنِفِه، فأقلُّ عقوبة له ضيق قلبه في تفرقة الهموم، وامتحاء نعت الحياة عن قلبه لغفلته وقالته ليت كذا ولعلَّ كذا، وثمرةُ الفكرة في ليت ولعلَّ - الوحشةُ والحسرةُ وضيق القلبِ والتفرقة.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} وهم المنافقون القائلون لو كان لنا من الامر شىء ما قتلنا ههنا {وقالوا لاخوانهم} لاجل اخوانهم وفى حقهم ومعنى الاخوة اتفاقهم نسبا او مذهبا وعقيدة {اذا ضربوا فى الارض} اى سافروا فيها وابعدوا للتجارة وسائر المهام فماتوا فى سفرهم {او كانوا} اى اخوانهم {غزّى} جمع غازى كعفى جمع عافى وسجد جمع ساجد اى اذا اخرجوا الى الغزو فقتلوا {لو كانوا عندنا} اى مقيمين بالمدينة {ما ماتوا} فى سفرهم {وما قتلوا} فى الغزو وليس المقصود بالنهى عدم مماثلتهم فى النطق بهذا القول بل فى الاعتقاد بمضمونه والحكم بموجبه {ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم} متعلق بقالوا على ان اللام لام العاقبة كما فى قوله ربيته ليؤذننى وليست لام العلة والغرض لانهم لم يقولوه لذلك وانما قالوه لتثبيط المؤمنين عن الجهاد والمعنى انهم قالوا ذلك القول واعتقدوه لغرض من اغراضهم فكان عاقبة ذلك القول ومصيره الى الحسرة وهى اشد الندامة التى تقطع القوة والمراد بالتعليل المذكور بيان عدم ترتب فائدة ما على ذلك اصلا ووجه كون تكلم ذلك الكلام حسرة فى قلوبهم زاعمين ان من مات او قتل منهم انما مات او قتل بسبب تقصيرهم فى منع هؤلاء القتلى عن السفر والغزو ومن اعتقد ذلك لا شك انه تزداد حسرته وتلهفه واما المسلم الذى يعتقد ان الموت والحياة لا يكون الا بتقدير الله وقضائه لا يحصل فى قلبه هذ الحسرة {والله يحيى ويميت} رد لقولهم الباطل اى هو المؤثر فى الحياة والممات وحده من غير ان يكون للاقامة او للسفر مدخل فى ذلك فانه تعالى قد يحيى المسافر والغازى مع اقتحامهما لموارد الحتوف ويميت المقيم والقاعد مع حيازتهما لاسباب السلامة شعر : اى بسا اسب تيزروكه بماند كه خرلنك جان بمنزل برد بس كه درخاك تن درستان را دفن كردندو زحم خورده نمرد تفسير : {والله بما تعملون بصير} فلا تكونوا مثل هؤلاء المنافقين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {غُزّي}: جمع غازٍ، كعافٍ وعفى، وإنما وضع {إذا} موضع {إذ}؛ لحكاية الحال، يقول الحقّ جلّ جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا} ونافقوا، كعبد الله بن أُبي، وأصحابه، {وقالوا لإخوانهم} في النسب، أو في المذهب، أي: قالوا لأجلهم أو في شأنهم، {إذا ضربوا في الأرض} أي: سافروا للتجارة أو غيرها فماتوا، {أو كانوا غُزًّى} أي: غازين فقتلوا في الغزو: {لو كانوا عندنا} مُقيمين {ما ماتوا وما قتلوا}، وإنما نطقوا بذلك {ليجعل الله ذلك} القول الناشىء عن الاعتقاد الفاسد {حسرة في قلوبهم} بالاغتمام على ما فات، والتحسر على ما لم يأت، {والله} هو {يحيي ويميت} بلا سبب في الإقامة والسفر، فليس يمنع حذر من قدر، {والله بما تعملون}، أيها المؤمنون {بصير}، ففيه تهديد لهم على أن يُماثلوا المنافقين في هذا الاعتقاد الفاسد، ومن قرأ بالياء فهو تهديد لهم. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينبغي للأقوياء من أهل اليقين أن يتشبهوا بضعفاء اليقين، كانوا علماء أو صالحين أو طالحين، حيث يقولون لإخوانهم إذا سافروا لأرض مخوفة أو بلد الوباء. لو جلسوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، وما دَرَوْا أن الله قدَّر الآجال كما قدَّر الأرزاق وجميع الشؤون والأحوال، وعيَّن لها أوقاتاً محدودة في أزله، فكل مقدور يبرز في وقته، "ما من نَفَسٍ تبديه، إلا وله قدر فيك يمضيه"، فما قدَّره في سابق علمه لا بد أن يكون، وما لم يقدره لا يكون، ولا تجلبه حركة ولا سكون. ولله در القائل: شعر : مَا لاَ يُقَدَّرُ لاَ يَكُونُ بِحِيلَةٍ أَبَداً وَمَا هُوَ كائِنٌ سَيكُونُ سَيَكُونُ ما هُوَ كائنٌ في وَقْتِهِ وَأخُو الجَهَالَةِ مُتْعَبٌ مَحْزُونُ يَجْرِي الحَريصُ ولا يَنَالُ بِحرْصِهِ شَيْئاً ويَحْظَى عَاجِزٌ وَمَهِينٌ فَدعَ الهُمُومَ، تَعَرَّ مِنْ أثْوابِهَا، إنْ كانَ عِنْدَكَ بالْقَضَاءِ يَقِينُ هَوِّنْ عَلَيْكَ وَكُنْ بِرَبِّكَ وَاثِقاً فَأخُو الحَقِيقَةِ شَأنُه التَّهْوِينُ تفسير : وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يتمثل بهذه الأبيات: شعر : فَهَوَّنْ عَلَيْكَ فَإنَّ الأُمُورَ بكفِّ الإلَهِ مَقَادِيرُهَا فَلَيْسَ يَأتِيكَ مَصْرُوفُهَا ولا عَازِبٌ عَنْكَ مَقْدُورُها تفسير : وكل من لم يحقق الإيمان بالقدر لا ينفك عن الحسرة والكدر، ومن أراد النعيم المقيم فليثلج صدره ببرد الرضا والتسليم، ومن أراد الروح والريحان فعليه بجنات العرفان، وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواءه الطريق.

الطوسي

تفسير : المعنى، واللغة، والاعراب: هذا خطاب متوجه إلى المؤمنين الذين نهاهم الله أن يكونوا مثل الذين كفروا، وقالوا لأخوانهم، وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه - في قول السدي ومجاهد -: {إذا ضربوا في الأرض} أي سافروا فيها لتجارة أو طلب معيشة - في قول ابن اسحاق، والسدي -، فأصله الضرب باليد. وقيل الأصل في الضرب في الارض الا يغال في السير {أو كانوا غزىً} أي جمع غاز كما قالوا: شاهد وشهد، وقائل وقول، قال رؤبة: شعر : فاليوم قد نهنهني تنهنهي وأول حلم ليس بالمسفه وقوّل: الاده فلاده تفسير : ويجوز فيه غزاة كقاض، وقضاة. وغزاء ممدود كمخارب وخراب، وكاتب وكتاب. ويجوز {قالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض،} ولايجوز اكرمتك إذا زرتني على أن توقع إذا موضع إذ، لأمرين: أحدهما - لأنه متصل بـ {لا تكونوا} كهؤلاء إذا ضرب اخوانكم في الأرض. الثاني - لأن (الذي) إذا كان مبهما غير موقت يجري مجرى ما في الجزاء، فيقع الماضي فيه. وقع المستقبل، نحو {أية : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله} تفسير : معناه يكفرون، ويصدون. ومثله {أية : إلا من تاب وآمن} تفسير : معناه إلا من يتوب. ومثله كثير. ويجوز لأكرمن الذي أكرمك إذا زرته، لابهام الذي، ولايجوز لأكرمن هذا الذي أكرمك إذا زرته، لتوقيت الذي من أجل الاشارة إليه بهذا ولأنه دخله معنى كلما ضربوا في الأرض، فلا يصح على هذا المعنى إلا باذا دون إذ قال الشاعر: شعر : واني لآتيكم تشكر ما مضى من الأمر واستيجاب ما كان في غد تفسير : أي ما يكون في غد، وهذا قول الفراء واللام في قوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} متعلقة بـ {لا تكونوا} كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم، {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} دونكم. والثاني - قالوا ذلك ليجعله حسرة على لام العاقبة - وهذا قول أبي علي - والحسرة عليهم في ذلك من وجهين: أحدهما - الخيبة فيما أملوا من الموافقة لهم من المؤمنين، فلما لم يقبلوا منهم، كان ذلك حسرة في قلوبهم. والآخر - ما فاتهم من عز الظفر والغنيمة. وقوله: {والله يحيي ويميت} معناه ها هنا الاحتجاج على من خالف أمر الله في الجهاد طلباً للحياة، وهرباً من الموت، لأن الله تعالى إذا كان هو الذي يحيي ويميت لم ينفع الهرب من أمره بذلك خوف الموت، وطلب الحياة {والله بما يعملون بصير} أي مبصر. ويحتمل أن يكون بمعنى عليم. وفيه تهديد، لأن معناه أن الله يجازي كلا منهم بعمله ان خيراً فخيراً وان شراً فشراً.

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} كفر نفاقٍ او مطلقاً {وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} اى لاجل اخوانهم وفى حقّهم ومعنى اخوّتهم مناسبتهم لهم فى النّفاق وضعف الاعتقاد او الكفر {إِذَا ضَرَبُواْ} اى الاخوان {فِي ٱلأَرْضِ} سافروا للتّجارة وغيرها ولم يقل اذ ضربوا بلفظ اذ الّتى هى للماضى لتصوير الماضى حالاً حاضراً {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} غازين {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} متعلّق بقالوا {وَٱللَّهُ يُحْيِـي} اى يحدث الحياة فى النّطفة الّتى لا حياة لها ويبقيها فى الحياة لا الاقامة فى البيوت {وَيُمِيتُ} لا السّفر والغزا {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ترغيب وترهيب.

الهواري

تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ} يعني التجارة {أَوْ كَانُوا غُزًّى} يعني في الغزو {لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}. قال مجاهد: هو ابن أبي بن سلول. وقال الحسن: هؤلاء المنافقون وقالوا لإِخوانهم، يعني إخوانهم فيما يظهر المنافقون من الإِيمان، يزعمون أنهم إخوانهم. قوله: {لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} قالوا هذا لأنه لا نية لهم في الجهاد. قال الله: {لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} كقوله: (أية : وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا) تفسير : [التوبة:54-55]، وذلك أنهم كانوا يجاهدون قوماً كانوا يوادّونهم لكفرهم، فذلك عليهم عذاب وحسرة. {وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قال الله: {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ} والمغفرة من الله مغفرة الذنوب، والرحمة: الجنة. {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} من الدنيا.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ}: أى: كالمنافقين عبد الله بن أبىّ وأصحابه. {وَقَالُواْ}: عطف على كفروا. {لإِخْوَانِهِمْ}: أى المسلمين، سمى المسلمين إخواناً للمنافقين، لاتفاقهم للتسبب أو فى التلفظ بكلمة الشهادة، ولو اختلفوا بالعمل أو فيهما، وقيل: المراد إخوانهم المنافقون، واللام: للتعليل، أو بمعنى فى أى شأن إخوانهم لأنهم لم يخاطبوا إخوانهم بما قالوا لأن إخوانهم ماتوا، وقتلوا كما ذكر فى الآية بعد. {إِذَا ضَرَبُواْ فِى الأَرْضِ}: سافروا فيها لتجر أو غيره، ومقتضى الظاهر أن يقال إذا ضربوا بإسكان الذال، لأن ضربهم وغزوهم ماضيان، ولكن جىء باذا لحكاية الحال الماضية، وذلك أن الكفار قالوا لإخوانهم: لو كانوا عزى إلخ قبل نزول الآية وقد ضرب إخوانهم فى الأرض، أو غزوا قبل نزولها، فجعل المؤمنين حال نزول الآية بمنزلة من كان قبل القول، وما معه أو جعل القول وما معه بمنزلة ما يوجد بعد الآية كذا ذكر الصبان الوجهين، فى حكاية الحال، ذكرهما فى حتى وقالوا وضربوا وكانوا: للاستمرار، والمستمر حاضر مستقبل خاص، بحسب أجزأ فاعتبر ما استقبل منه، أو قالوا بمنزلة جواب إذا، فهو مستقبل مثلهم من قوله تعالى{أية : وهم بها لولا أن رأى برهان ربه} تفسير : أى لولا أن رأى برهان ربه، لهم بها. ومثل قول الأبوصيرى. شعر : جوزوا النسخ مثل ما جوزوا المسخ عليهم لو أنهم فقهاء تفسير : أى لو كانوا فقهاء لجوزوا النسخ مثل تجويزهم المسخ على المعتدين منهم فى السبت، وأقروا به وكذا التقرير هنا أى لا تكونوا كالذين كفروا، وإذا ضرب إخوانهم فى الأرض، أو كانوا غزى، وقالوا لهم: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، والجملة إذا ضربوا.. إلخ فى عبارتى، هذا لا فى التلاوة معطوفة على الصلة، فهى صلة والكفر فى الآية كفر دون الشرك، على مذهبنا، لأن المنافقين عندهم فى القرآن ليسوا مشركين فى السر، والذى عندى غير ذلك. {أَوْ كَانُواْ غُزًّى}: جمع غاز كراكع وركع، وساجد وسجد، فوزنه فعل بضم الفاء وفتح العين مشددة وهو فصيح استثقالا وقياسه غزاة بتخفيف الزاى لاعتلال لامه كقاض وقضاة، وأصله غروا بضم الغين وتشديد الزاء، مفتوحة بعدها ومحركة الإعراب وهو فى الآية الفتحة فقلبت ألفاً لتحركها بعد فتح، وحذفت الألف لفظاً لالتقاء الساكنين، وكتبت خطاً ياءً ولو كانت عن واو، لأنها فوق ثلاثة أحرف، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : ومغبرة الآفاق خافية الصوى لها قُلبُ عفى الحياض أواجن تفسير : بضم العين وتشديد الفاء، والإضافة إلى الحياض، والصوى جمع صوة كقوة وقوى، وهى الأعلام من الحجارة، والقلب بضم القاف والباء جمع قليب، وهى البئر التى لم تطو والعفى الدوارس والحياض جمع حوض، وأواجن نعت قلب باعتبار مائها أى مغيرات الماء، أى لو كانوا غازين، وفى الكلام حذف تقدير 95 إذا ضربوا فى الأرض أو كانوا غزى فماتوا أو قتلوا بدليل قوله تعالى: {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا}: أى غير خارجين، فى السفر أو الغزو. {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ}: أعاد الموت إلى قوله {ضَرَبُواْ فِى الأَرْض} والقتل إلى قوله {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} ويجوز عود كل إلى كل، لأن المسافر يموت بقتل وبلا قتل، وكذا الغازى. وقولهم بذلك، قول بالأجلين كالمعتزلة فى القول إنه من مات بالقتل مات لأجل غير الأجل الذى قدره الله له، فهؤلاء الكفار قالوا: لو قعد فى بيته لعاش، ولم يمت فى السفر أو الغزو. {لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ}: متعلق بتكونوا، أى لا تكونوا مثلهم فى ذلك المقال، ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم، خاصة ولو قلتم كما قالوا، لكنتم فى الحسرة معهم، وذلك أن قولهم مقرون باعتقاده، والإشارة إلى ما دل عليه القول من اعتقاده، أو لا تكونوا مثلهم فى ذلك المقال، واعتقاده ليجعل الله انتفاء مماثلتكم لهم فيه حسرة فى قلوبهم فإن عدم موافقتكم فى المقال المذكور، مما يزيد غمهم، لأن قولكم إن الموت بتقدير الله لا يدفع بتقدم أو تأخر، ولا يدفع ما قضى الله من تقدم أو تأخر يناقض قولهم، والإشارة فى هذا الوجه إلى امتثال النهى، وهو انتفاء كونكم مثلهم فى ذلك المقال، واللام فى الوجهين للتعليل، ويجوز تعليقها بقالوا، فتكون لام الصيرورة، لأنهم إنما قالوا ذلك المقال يسلموا عن الموت والقتل، ويتحسر أقارب من مات أو قتل، وليثبط المؤمنين عن القتال لا ليكون ذلك حسرة فى قلوبهم، والحسرة أشد الندم، وهى فى الدنيا وقيل فى الآخرة، إذا رأوا رفع درجات المجاهدين والشهداء ورأوا مزيد حزنهم أنفسهم ولعنهم. {وَاللَّهُ يُحْيِـى وَيُمِيتُ}: من يشاء، فقد يحيى المسافر والغازى، ويميت القاعد عن ذلك، وقد يحيى القاعد ويميتها ولا يقدر أن على أن لا يخرجا، وقد قضى خروجهما وموتهما، فذلك رد لمقالة هؤلاء الكافرين. {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}: بها المؤمنون فاحذروا أن تماثلوهم فيعاقبكم. وقرأ ابن كثير والكسائى وحمزة: يعملون بالتحتية على أن الضمير للذين كفروا وذلك وعيد لهم على قولهم ذلك وغيره مما كسبوا.

اطفيش

تفسير : {يَآ أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا} أشركوا بقلوبهم ونافقوا بألسنتهم {وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ} فى شأن إخوانهم، فقيل أو عن إخواتهم أو لأجل إخوانهم، أو خاطبوا إخوانهم تجوزا ولو غابوا أو ماتوا، وعلى هذا الأخير يكون مقتضى الظاهر،لو كنتم عندنا ما تم وما قتلتم بطريق التفات السكاكى، والمراد بإخوانهم المسلمون من الأنصار، إخوة النسب، أو إخوانهم فى النفاق إخوة الدين والنسب {إذَا ضَرَبُوا فِى الأرْضِ} سافر لتجر أو معاش وماتوا، وخص الأرض لأن سفرهم فى البحر قليل، وإذا بمعنى إذ للمضى بدليل قالوا، أو على ظاهرها فيكون قالوا بمعنى يقولون، أو يبقى قالوا على المضى زمانا إلا أنه يعتبر مغنياً عن الجواب فيفيد الاستقبال، بواسطة الشرط كقوله: {أية : وهمَّ بها لولا أن رأى برهان ربه} تفسير : [يوسف: 24]، أو يصور المخاطب كونه قبل القول فيصح له استقبال إذا أو يراد بإذا الاستمرار فيفيد الاستحضار نظراً إلى الاستمرار كقوله تعالى: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا} [البقرة: 14، 76]، والضرب فى الأرض السفر فيها، والإبعاد عند بعض، ولا يتم إذ لا يختص بالإبعاد فى الآية شرط، ولا يصح تفسير الأرض بما يشمل البحر، إذ لا سير فى البحر إلا على الجمع بين الحقيقة والمجاز، أو عموم المجاز، وهو مطلق الذهاب عن الأهل {أَوْ كَانُوا غُزَّى} فقتلوا بدليل قوله عزوجل، وما قتلوا، والمفرد غاز، وزنه فعل كراكع وركع، قلبت لواو ألفاً، لأنها تحركت بعد فتح، فحذف للساكن بعدها، وهو التنوين، والقياس فيه غزاة كقضاة، بوزن فعله بضم ففتح لإعلال اللام {لَّوْ كَانُوا عِندَنَا} لم يسافروا ولم يغزوا {مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} والموت أعم من القتل، إذ يكون بلا قتل وبه، وقدم لأنه يكون فى إقامة وذهاب، والغزو يكون بالذهاب، كما ذهب المسلمون من المدينة إلى أحد {لِيَجْعَلَ اللهُ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ} اللام متعلق بقالوا، وهى لام المآل لا التعليل، لأنهم قالوا ذلك للتثبيط عن الجهاد، لا ليكون ذلك حسرة، ولكن مآله الحسرة، وهى أشد الندم والإشارة إلى الظن: إذ ظنوا أنهم لو حضروا لكانوا أحياء، أو إلى النطق والاعتقاد المدلول عليه بالقول، أو إلى النهى والانتهاء، والمعنى لا تعتقدوا أيها المسمون ذلك الذى اعتقده الكفار، ولا تقولوه كما اعتقدوه وقالوه، ووجه التحسر اعتقاد أن الموت أو القتل بسبب تقصيرهم فى المنع من السفر والغزو، وأيضاً إذا قالوا ذلك وسمعهم قرابة المقتول تحسر هؤلاء القرابة، وربما قاله بعض المؤمنين الضعفاء فتسمعهم الأقارب فيتحسرون، وإذا ألقوا مثل هذه الشبهات على أقوياء المسلمين ولم يلتفتوا إليها ضاع كيدهم فتحصل لهم حسرة، وأيضاً إذا رأوا يوم القيامة نجاة المجاهدين وفضلهم وكراماتهم على إيمانهم وجهادهم تحسروا، وأجيز تعلق اللام بلا تكونوا، أى لا تكونوا مثلهم فى قول ذلك، ليختصوا بالحسرة، فتزداد شدة، بخلاف ما لو قالوا، ولا ضعف فى ذلك وهذا كقولك، ولا تعص بتدخل الجنة، أى اترك العصيان لتدخلها {وَاللهُ يُحْيى} من أراد حياته ولو ضرب فى الأرض أو غزا أو مرض مرضاً لا يرجى معه أو اقتحم الشدائد {وَيُمِيتُ} من أراد موته، ولو قعد ولم يغز ولم يمرض ولم يقتحم شدة، وروح كل حى يقبضها الله بالخلق وملك الموت بالمباشرة، وزعمت المعتزلة أن ملك الموت يقبض أرواح الثقلين فقط، وبعض أهل البدعة يقولون: يقبض كل حى إلا أرواح البهائم فإن أعوانه يقبضونها، والحق أن الله يقبض الكل، الله يتوفى الأنفس، أى يخلق الموت، ومعنى يتوفاكم لك الموت يباشره {وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيِرٌ} تهديد للذين أمنوا أن يعتقدوا أو يقولوا مثل ما قال الذين كفروا فإن الله جل وعلا بصير بذلك القول واعتقاده وما يترتب عليهما.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم المنافقون كعبد الله بن أبـيّ وأصحابه قاله السدي ومجاهد ـ وإنما ذكر في صدر الجملة كفرهم تصريحاً بمباينة حالهم لحال المؤمنين وتنفيراً عن مماثلتهم وهم هم، وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان ـ كما يقوله الكرامية ـ وإلا لما سمي المنافق كافراً، وقيل: المراد بالذين كفروا سائر الكفار على العموم أي لا تكونوا كالكفرة في نفس الأمر {وَقَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } في المذهب أو النسب، واللام تعليلية أي قالوا لأجلهم، وجعلها ابن الحاجب بمعنى عن، ولا يجوز أن يكون المراد مخاطبة الإِخوان كما هو المتبادر لدلالة ما بعد على أنهم كانوا غائبين حين هذا القول، وقول بعضهم: يصح أن يكون جعل القول لإخوانهم باعتبار البعض الحاضرين والضرب الآتي لضرب آخر تكلف لا حاجة إليه سوى كثرة الفضول. {إِذَا ضَرَبُواْ فِى ٱلأَرْضِ } أي سافروا فيها لتجارة، أو طلب معاش فماتوا ـ قاله السدي ـ وأصل الضرب إيقاع شيء على شيء، واستعمل في السير لما فيه من ضرب الأرض بالرجل، ثم صار حقيقة فيه، وقيل: أصل الضرب في الأرض الإبعاد في السير وهو ممنوع وخص الأرض بالذكر لأن أكثر أسفارهم كان في البر، وقيل: اكتفى بذكر الأرض مراداً بها البر عن ذكر البحر، وقيل: المراد من الأرض ما يشمل البر والبحر وليس بالبعيد، وجىء ـ بإذا ـ وحق الكلام إذ كما قالوا لقالوا الدال بهيئته على الزمان المنافي للزمان الدالة عليه / {إِذَا } مراعاة لحكاية الحال الماضية، ومعنى ذلك أن تقدر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون والمعنى حين ضربوا إلا أنك جئت بلفظ المضارع استحضاراً لصورة ضربهم في الأرض، واعترض بوجهين: الأول: أن حكاية الحال إنما تكون حيث يؤتى بصيغة الحال وهذه صيغة استقبال لأن معنى {إِذَا ضَرَبُواْ } حين يضربون فيما يستقبل، الثاني: أن قولهم: لو كانوا عندنا إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرض. وأجيب عن الأول: بأن {إِذَا ضَرَبُواْ } في معنى الاستمرار كما في {أية : وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البقرة: 14] فيفسد الاستحضار نظراً للحال، وعن الثاني: بأن {قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } في موقع جزاء الشرط من جهة المعنى فيكون المعنى لا تكونوا كالذين كفروا، وإذا ضرب إخوانهم فماتوا أو كانوا غزا فقتلوا قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا فالضرب والقتل كلاهما في معنى الاستقبال، وتقييد القول بالضرب إنما هو باعتبار الجزء الأخير وهو الموت، والقتل فإنه وإن لم يذكر لفظاً لدلالة ما في القول عليه فهو مراد معنى والمعتبر المقارنة عرفاً كما في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عَرَفَـٰتٍ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 198] وكقولك إذا طلع هلال المحرم: أتيتك في منتصفه. وقال الزجاج: {إِذَا } هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعني أنها لمجرد الوقت أو لقصد الاستمرار والذي يقتضيه النظر الصائب أن لا يجعل {إِذَا ضَرَبُواْ } ظرفاً لقالوا بل ظرف لما يحصل للأَخوان حين يقال لأجلهم وفي حقهم ذلك كأنه قيل: قالوا لأجل الأحوال العارضة للأخوان إذا ضربوا بمعنى حين كانوا يضربون قاله العلامة الثاني، وأنت تعلم أن تجريد {إِذَا } عن معنى الاستقبال وجعلها بمعنى الوقت مطلقاً كاف في توجيه الآية مزيل لإشكالها، وقصد الاستمرار منها لا يدفع الاعتراض عن ذلك التوجيه لأنها إذا كانت للاستمرار تشمل الماضي فلا تكون لحكاية الحال وكذا إذا كان قالوا جواباً إذ يصير مستقبلاً فلا تتأتى فيه الحكاية المذكورة أيضاً ويرد على ما اقتضاه النظر الصائب أن دون إثبات صحة مثله في العربية خرط القتاد، وأقعد منه ـ وإن كان بعيداً ـ ما قاله أبو حيان من أنه ((يمكن إقرار {إِذَا } على [ما استقر لها من] الاستقبال بأن يقدر العامل فيها مضاف مستقبل [محذوف] على أن ضمير {لَّوْ كَانُواْ } عائداً على إخوانهم لفظاً (لا) معنى على حد عندي درهم ونصفه، والتقدير وقالوا مخافة هلاك إخوانهم إذا ضربوا أو كانوا غزاً لو كانوا أي إخواننا الآخرون الذين تقدم موتهم وقتلهم عندنا ما ماتوا وما قتلوا فتكون هذه المقالة تثبيطاً لإخوانهم الباقين عن السفر والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأولين)) وإنما لم يحملوا {إِذَا } هنا على الحال كما قيل بحملها عليه بعد القسم نحو {أية : وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ }تفسير : [الليل: 1] لتصفو لهم دعوى حكاية الحال عن الكدر لأن ذلك غير مسلم عند المحققين هناك فقد صححوا فيه بقاءها على الاستقبال من غير محذور، وجوز في الآية كون قالوا بمعنى يقولون؛ وقد جاء في كلامهم استعمال الماضي بمعنى المستقبل ومنه قوله:شعر : وإني لآتيكم تشكر ما مضى من الأمر واستيجاب ما كان في غد تفسير : وكذا جوز بقاؤه على معناه وحمل {إِذَا } على الماضي فإنها تجىء له كما جاءت إذ للمستقبل في قول البعض وذلك كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا }تفسير : [الجمعة: 11]، وقوله:شعر : وندمان يزيد الكاس طيباً سقيت إذا تغورت النجوم تفسير : وحينئذٍ لا منافاة بين زماني القيد والمقيد فتدبر ذلك كله. والجملة المعينة لوجه الشبه والمماثلة التي نهوا عنها هي الجملة المعطوفة على جملة الصلة والمعنى لا تتشبهوا بالكفار في قولهم لإخوانهم إذا سافروا {أَوْ كَانُواْ غُزًّى } / جمع غاز كعاف وعفى وهو من نوادر الجمع في المعتل، واستشهد عليه بعضهم بقول امرىء القيس:شعر : ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى لها قلب (عفى) الحياض أجون تفسير : ويجمع على غزاة كقاض وقضاة، وعلى غزى مثل حاج وحجيج وقاطن وقطين، وعلى غزاء مثل فاسق وفساق، وأنشدوا له قول تأبط شراً:شعر : فيوماً (بغزاء) ويوماً بسرية ويوماً بخشخاش من الرجل هيضل تفسير : وعلى غازون مثل ضارب وضاربون، وهو منصوب بفتحة مقدرة على الألف المنقلبة عن الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين إذ أصله غزوا تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً ثم حذفت، وقرىء بتخفيف الزاي قال أبو البقاء: وفيه وجهان، الأول: أن أصله غزاة فحذفت الهاء تخفيفاً لأن التاء دليل الجمع، وقد حصل من نفس الصيغة. والثاني: إنه أريد قراءة الجمهور فحذفت إحدى الزاءين كراهية التضعيف وذكر هذا الشق مع دخوله فيما قبله لأنه المقصود في المقام وما قبله توطئة له على أنه قيل: قد يوجد بدون الضرب في الأرض بناءاً على أن المراد به السفر البعيد فبين الضرب على هذا وكونهم غزاة عموم من وجه وإنما لم يقل أو غزواً للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة أو لانقضاء ذلك أي كانوا غزاة فيما مضى. {لَّوْ كَانُواْ} مقيمين {عندَنَا} بأن لم يسافروا أو يغزوا {مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } بل كانوا يبقون زيادة على ما بقوا، والجملة الامتناعية في محل النصب مفعول لقالوا ودليل على أن في الكلام السابق مضمراً قد حذف أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} فقتلوا، وتقدير فماتوا أو قتلوا في كل من الشقين خلاف الظاهر { لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ } متعلق بقالوا داخل في حيز الصلة ومن جملة المشبه به، والإشارة إلى القول لكن باعتبار ما فيه من الاعتقاد واللام لام العاقبة والمعنى لا تكونوا مثلهم في القول الباطل والمعتقد الفاسد المؤديين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وإلى هذا يشير كلام الزجاج وأبـي علي، وقيل: متعلق ـ بلا تكونوا ـ على أنه علة للنهي فهو خارج عن جملة المشبه به لكن القول والمعتقد داخلان فيه أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل انتفاء كونكم معهم في ذلك القول والاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة، واعترضه أبو حيان ((بأنه قول لا تحقيق فيه لأن جعل الحسرة لا يكون سبباً للنهي إنما يكون سبباً لحصول امتثال النهي وهو انتفاء المماثلة فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم إذ لم يوافقوهم فيما قالوه واعتقدوه (فيترك الضرب في الأرض والغزو)، وكأن القائل التبس عليه استدعاء انتفاء المماثلة بحصول الانتفاء وفهم هذا فيه خفاء ودقة)). وتعقبه السفاقسي بأنه يلزم على هذا الاعتراض أن لا يجوز نحو لا تعص لتدخل الجنة لأن النهي ليس سبباً لدخول الجنة، وكذا لا يجوز أطع الله تعالى لتدخل الجنة لأن الأمر ليس سبباً لدخولها، ثم قال: والحق أن اللام تتعلق بالفعل المنهي عنه والمأمور به على معنى أن الكف عن الفعل أو الفعل المأمور به سبب لدخول الجنة ونحوه وهذا لا إشكال فيه، وقيل: متعلق ـ بلا تكونوا ـ والإشارة إلى ما دل عليه النهي والكل خارج عن المشبه به والمعنى لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم وعلى هذا يكون وقالوا ابتداء كلام معطوفاً على مقدرات شتى كما يقتضيه أقوال المنافقين وأحوالهم وأفعالهم، ووجه اتصاله بما قبله أنه لما وقع التنبيه على عدم الكون مثلهم عم جميع ما يتصل بهم من الرذائل وخص المذكور لكونه أشنع وأبين لنفاقهم أي أنهم أعداء الدين / لم يقصروا في المضارة والمضادة بل فعلوا كيت وكيت وقالوا كذا وكذا، ومن هذا يعلم ما في تلك المقدرات، وعلى كل من الأوجه الثلاثة يكون الضمير المجرور في قلوبهم عائداً إلى الكافرين، وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها لإرادة التمكن والإيذان بعدم الزوال. وجوز ابن تمجيد رجوع الضمير إلى المؤمنين واللام متعلقة ـ بقالوا ـ حينئذٍ لا غير، ووجه الآية بما يقضي منه العجب. {وَٱللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ } ردّ لقولهم الباطل إثر بيان غائلته أي والله هو المؤثر الحقيقي في الحياة والممات وحده لا الإقامة أو السفر فإنه تعالى قد يحيـي المسافر والغازي مع اقتحامهما موارد الحتوف ويميت المقيم والقاعد وإن كانا تحت ظلال النعيم، وليس المراد أنه تعالى يوجد الحياة والممات وإن كان هو الظاهر لأن الكلام ليس فيه ولا يحصل به الرد وإنما الكلام في إحداث ما يؤثرهما، وقيل: المراد أنه تعالى يحيـي ويميت في السفر والحضر عند حضور الأجل ولا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر، ولا راد لما قضى ولا محيص عما قدر، وفيه منع المؤمنين عن التخلف في الجهاد لخشية القتل والواو للحال فلا يرد أنه لا يصح عطف الإخبار على الإنشاء. {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية أو تهديد للمؤمنين على أن يماثلوا الكفار لأن رؤية الله تعالى كعلمه تستعمل في القرآن للمجازاة على المرئي كالمعلوم، والمؤمنون وإن لم يماثلوهم فيما ذكر لكن ندمهم على الخروج من المدينة يقتضيه، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة ـ غير عاصم ـ يعملون بالياء، وضمير الجمع حينئذٍ للكفار، والعمل عام متناول للقول المذكور ولمنشئه الذي هو الاعتقاد الفاسد ولما ترتب على ذلك من الأعمال ولذلك تعرض لعنوان البصر لا لعنوان السمع؛ وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة وكذا تقديم الظرف. هذا ومن باب الإشارة: {وَكَأَيّن } وكم {مّن نَّبِىٍّ } مرتفع القدر جليل الشأن وهو في الأنفس الروح القدسية {قَاتَلَ مَعَهُ } عدو الله تعالى أعني النفس الأمارة {رِبّيُّونَ } متخلقون بأخلاق الرب وهم القوى الروحانية {فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } وطريق الوصول إليه من تعب المجاهدات {وَمَا ضَعُفُواْ } في طلب الحق {وَمَا ٱسْتَكَانُواْ } وما خضعوا للسوي {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـابِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 146] على مقاساة الشدائد في جهاد النفس {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } استر لنا وجوداتنا بإفاضة أنوار الوجود الحقيقي علينا {وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا } أي تجاوزنا حدود ظاهر الشريعة عند صدمات التجليات {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا } في مواطن حروب أنفسنا {وَٱنصُرْنَا } بتأييدك وإمدادك {أية : عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 147] الساترين لربوبيتك {فَـآَتَـٰهُمُ ٱللَّهُ } بسبب دعائهم بألسنة الاستعدادات والانقطاع إليه تعالى {ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا } وهو مرتبة توحيد الأفعال وتوحيد الصفات {وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلأَْخِرَةِ } وهو مقام توحيد الذات {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 148] في الطلب الذين لا يلتفتون إلى الأغيار { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } الإيمان الحقيقي {إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهم النفوس الكافرة وصفاتها {يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ } إلى أسفل سافلين وهو سجين البهيمية {فَتَنقَلِبُواْ } ترجعوا القهقرى {أية : خَـٰسِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 149] أنفسكم {بَلِ ٱللَّهُ مَوْلَـٰكُمْ } ناصركم {أية : وَهُوَ خَيْرُ ٱلنَّـاصِرِينَ } تفسير : [آل عمران: 150] لمن عول عليه وقطع نظره عمن سواه {سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } أي الخوف {بِمَا أَشْرَكُواْ } أي بسبب إشراكهم {بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ } أي بوجوده {سُلْطَـٰناً } أي حجة إذ لا حجة على وجوده حتى ينزلها لتحقق عدمه بحسب ذاته، وجعل سبحانه إلقاء الرعب في قلوبهم مسبباً عن شركهم / لأن الشجاعة وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس عند تنورها بنور القلب المنور بنور التوحيد فلا تكون تامة حقيقية إلا للموحد الموقن، وأما المشرك فمحجوب عن منبع القوة بما أشرك ما لا وجود ولا ذات في الحقيقة له فهو ضعيف عاذ بقرملة {وَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ } وهي نار الحرمان {أية : وَبِئْسَ مَثْوَىٰ ٱلظَّـالِمِينَ }تفسير : [آل عمران: 151] الذين وضعوا الشيء في غير موضعه وعبدوا أسماء سموها ما أنزل الله تعالى بها من كتاب {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } المشروط بالصبر والتقوى {إِذْ تَحُسُّونَهُمْ } أي تقتلون جنود الصفات البشرية قتلاً ذريعاً {بِإِذْنِهِ } وأمره لا على وفق الطبع {حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ } جبنتم عند تجلي الجلال {وَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلأَْمْرِ } وخالفتم في أمر الطلب {وَعَصَيْتُمْ } المرشد المربـي {مّن بَعْدِ مَا أَرَٰكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من الفوز بأنوار الحضرة {مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } لقصور همته وضعف رأيه {وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلأَْخِرَةَ } لطول باعه وقوة عقله {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } أي عن أعداء نفوسكم وجنودها {لِيَبْتَلِيَكُمْ } أي يمتحنكم بالستر بعد التجلي بأنوار المشاهدات والصحو بعد السكر بأقداح الواردات والفطام بعد إرضاع ألبان الملاطفات كما يقتضي ذلك الجلال {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } بعد ذلك فانقطعتم إليه كما هو مقتضى الجمال {وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ} عظيم {أية : عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [آل عمران: 152]، في طوري التقريب والإبعاد، وما ألطف قول من قال:شعر : فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم تفسير : {إِذْ تُصْعِدُونَ } في جبل التوجه إلى الحق {وَلاَ تَلْوُونَ } أي لا تلتفتون {عَلَىٰ أَحَدٍ } من الأمرين الدنيا والآخرة {وَٱلرَّسُولُ } أي رسول الواردات {يَدْعُوكُمْ } إليّ عباد الله إليّ عباد الله {فَأَثَـٰبَكُمْ غَمّاً بِغَمّ } فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة بغم طلب الحق {لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ } من زخارف الدنيا {وَلاَ مَا أَصَـابَكُمْ } من صدمات تجلي القهر {أية : وَٱللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }تفسير : [آل عمران: 153] لأنه سبحانه أقرب إليكم منكم {ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً } أي وارداً من ألطافه ظهر في صورة النعاس وهو السكينة الرحمانية {يَغْشَىٰ طَائِفَةً مّنْكُمْ } وهم الصادقون في الطلب {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } وهم أرباب النفوس فإنهم لا هم لهم سوى حظ نفوسهم واستيفاء لذاتها {يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقّ } بمقتضى سوء استعدادهم {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأْمْرِ مِن شَىْء } أي إن الخلق حالوا بيننا وبين التدبير ولو لم يحولوا لفعلنا ما به صلاحنا {قُلْ إِنَّ ٱلأَْمْرَ كُلَّهُ للَّهِ } فهو المتصرف وحده حسبما يقتضيه الاستعداد فلا تدبير مع تدبيره ولا وجود لأحد سواه {يُخْفُونَ فِى أَنْفُسِهِم } الخبيثة {مَّا لاَ يُبْدُونَ } بزعمهم لك أيها المرشد الكامل {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلأَْمْرِ شَىْء مَّا قُتِلْنَا } بسيف الشهوات {هَـٰهُنَا } أي في هذه النشأة {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ } وهي منازل العدم الأصلي قبل ظهور هذه التعينات {لَبَرَزَ } على حسب العلم {ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقَتْلُ } في لوح الأزل {أية : إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 154] وهي بيداء الشهوات، فقد قال سبحانه: {أية : مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } تفسير : [الحديد: 22] أي نظهرها بهذا التعين، وإنما فعل سبحانه ما فعل لحكم شتى {وَلِيَبْتَلِيَ ٱللَّهُ} تعالى {مَا فِى صُدُورِكُمْ } أي ليمتحن ما في استعدادكم من الصدق والإخلاص والتوكل ونحو ذلك من الأخلاق ويخرجها من القوة إلى الفعل {وَلِيُمَحّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ } أي يخلص ما برز من مكمن الصدر إلى مخزن القلب من غش الوساوس وخواطر النفس فإن البلاء سوط يسوق الله تعالى به عباده إليه، ولهذا ورد «حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» تفسير : ولله تعالى در من قال:شعر : لله در النائبات فإنها صدأ اللئام وصيقل الأحرار ما كنت إلا زبرة فطبعنني سيفاً وأطلع صرفهن غراري تفسير : / وذلك لأنهم حينئذٍ ينقطعون إلى الحق ولا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده كما قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، والخطاب في كلا الموضعين للمؤمنين، وقيل: إن الخطاب الأول: للمنافقين، والثاني: للمؤمنين وأنه سبحانه إنما خص الصدور بالأولين لأن الصدر معدن الغل والوسوسة فهو أوفق بحال المنافقين، وخص القلوب بالآخرين لأن القلب مقر الإيمان والاطمئنان وهو أوفق بحال المؤمنين وأن نسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب قيل: ولهذا قال سبحانه: {أية : وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ }تفسير : [آل عمران: 154] بناءاً على أن المراد به الترهيب والتحذير عن الاتصال بما لا يرضى من تلك الصفات التي يكون الصدر مكمناً لها {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } جمع الروح وقواها وجمع النفس وقواها {إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } من الذنوب لأنها تورث الظلمة والشيطان لا مجال له على ابن آدم بالتزيين والوسوسة إلا إذا وجد ظلمة في القلب، ولك أن تبقي الجمعين على ظاهرهما وباقي الإشارة بحاله {وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } حين استنارت قلوبهم بنور الندم والتوبة {أية : أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ }تفسير : [آل عمران: 155] وبمقتضى ذلك ظهرت المخالفات وأردفت بالتوبة ليكون ذلك مرآة لظهور صفات الله تعالى. ومن هنا جاء «حديث : لو لم تذنبوا لأتى الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم»تفسير : . وحكي أن إبراهيم بن أدهم رضي الله تعالى عنه أكثر ليلة في الطواف من قوله: اللهم اعصمني من الذنوب فسمع هاتفاً من قلبه يقول يا إبراهيم أنت تسأله العصمة وكل عباده يسألونه العصمة فإذا عصمكم على من يتفضل وعلى من يتكرم {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } برؤية الأغيار واعتقاد تأثير السوي، {وَقَالْوا} لأجل إخوانهم إذا ضربوا في الأرض إذا فارقوهم بترك ما هم عليه وسافروا في أرض نفوسهم وسلكوا سبيل الرشاد {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} أي مجاهدين مع أعدى أعدائهم وهي نفوسهم التي بين جنوبهم وقواها وجنودها من الهوى والشيطان { لَّوْ كَانُواْ } مقيمين {عِنْدَنَا } موافقين لنا {مَا مَاتُواْ } بمقاساة الرياضة {وَمَا قُتِلُواْ } بسيف المجاهدة، ولاستراحوا من هذا النصب {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ } أي عدم الكون مثلهم {حَسْرَةً } يوم القيامة {فِى قُلُوبِهِمْ } حين يرون ما أعد الله تعالى لكم {وَٱللَّهُ يُحْيىِ } من يشاء بالحياة الأبدية {وَيُمِيتُ } من يشاء بموت الجهل والبعد عن الحضرة {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } [آل عمران: 156] تحذير عن الميل إلى قول المنكرين واعتقادهم.

ابن عاشور

تفسير : تحذير من العود إلى مخالجة عقائد المشركين، وبيان لسوء عاقبة تلك العقائد في الدنيا أيضاً. والكلام استئناف. والإقبال على المؤمنين بالخطاب تلطّف بهم جميعاً بعد تقريع فريق منهم الَّذين تولّوا يوم التقى الجمعان. واللام في قولهم: {لإخوانهم} ليست لام تعدية فعل القول بل هي لام العلّة كقوله تعالى: {ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} لأنّ الإخوان ليسوا متكلّماً معهم بل هم الَّذين ماتوا وقُتلوا، والمراد بالإخوان الأقارب في النسب، أي من الخزرج المؤمنين، لأنّ الشهداء من المؤمنين. و (إذ) هنا ظرف للماضي بدليل فعليّ (قالوا وضَربوا)، وقد حذف فعل دلّ عليه قوله: {ما ماتوا} تقديره: فماتوا في سفرهم أو قتلوا في الغزو. والضرب في الأرض هو السفر، فالضرب مستعمل في السير لأنّ أصل الضّرب هو إيقاع جسم على جسم وقرعه به، فالسير ضرب في الأرض بالأرجل، فأطلق على السفر للتجارة في قوله تعالى: {أية : وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللَّه}تفسير : [المزمل: 20]، وعلى مطلق السفر كما هنا، وعلى السفر للغزو كما في قوله تعالى: {أية : يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا}تفسير : [النساء: 94] وقوله: {أية : وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة}تفسير : [النساء: 101] والظاهر أنّ المراد هنا السفر في مصالح المسلمين لأنّ ذلك هو الَّذي يلومهم عليه الكفار، وقيل: أريد بالضرب في الأرض التجارة. وعليه يكون قرنه مع القتل في الغزو لكونهما كذلك في عقيدة الكفار. و {غُزًّى} جمع غاز. وفُعَّل قليل في جمع فَاعل الناقص. وهو مع ذلك فصيح. ونظيره عُفَّى في قول امرىء القيس: شعر : لَهَا قُلُب عُفَّى الحِيَاضِ أُجُونُ تفسير : وقوله: {ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم} علّة لـ(ـقَالوا) باعتبار ما يتضمّنه من اعتقاد ذلك مع الإعلان به توجيهاً للنَّهي عن التشبيه بهم أي فإنَّكم إن اعتقدتم اعتقادهم لحِقَكم أثره كما لحقهم، فالإشارة بقوله: (ذلك) إلى القول الدال على الاعتقاد، وعلى هذا الوجه فالتعليل خارج عن التشبيه. وقيل: اللام لام العاقبة، أي: لا تكونوا كالَّذين قالوا فترتّب على قولهم أن كان ذلك حسرة في قلوبهم، فيكون قوله: {ليجعل} على هذا الوجه من صلة (الّذين)، ومن جملة الأحوال المشبّه بها، فيعلم أنّ النّهي عن التّشبّه بهم فيها لما فيها من الضرّ. والحَسرة: شدّة الأسف أي الحُزن، وكانَ هذا حسرة عليهم لأنَّهم توهّموا أنّ مصابهم نشأ عن تضييعهم الحزم، وأنَّهم لو كانوا سلكوا غير ما سلكوه لنجوا فلا يزالون متلهّفين على مافتهم. والمؤمن يبذل جهده فإذا خَابَ سَلَّم لْحكم القدر. وقوله: {والله بما تعملون بصير} تحذير لهم من أن يضمروا العود إلى ما نهوا عنه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ}. ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا مات بعض إخوانهم يقولون لو أطاعونا فلم يخرجوا إلى الغزو ما قتلوا، ولم يبين هنا هل يقولون لهم ذلك قبل السفر إلى الغزو ليثبطوهم أو لا؟ ونظير هذه الآية: قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} تفسير : [آل عمران: 168]. ولكنه بين في آيات أخر أنهم يقولون لهم ذلك قبل الغزو ليثبطوهم كقوله: {أية : وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرّ} تفسير : [التوبة: 81] الآية. وقوله: {أية : قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} تفسير : [الأحزاب: 18] وقوله: {أية : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} تفسير : [النساء: 72] إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آمنوا: صدقوا الله ورسوله فيما أخبرا به من وعد ووعيد. إخوانهم: هذه أخوة العقيدة لا أخوة النسب وهي هنا أخوة النفاق. ضربوا في الأرض: ضربوا في الأرض بأقدامهم مسافرين للتجارة غالبا. غزى: جمع غازٍ وهو من يخرج لقتال ونحوه من شؤون الحرب. الحسرة: ألم يأخذ بخناق النفس بسب فوت مرغوب أو فقد محبوب. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة أحد ونتائجها المختلفة ففي هذه الآية [156] ينادي الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم بالله ورسوله ووعد الله تعالى ووعيده يناديهم لينهاهم عن الاتصاف بصفات الكافرين النفسية ومن ذلك قول الكافرين لإِخوانهم في الكفر إذا هم ضربوا في الأرض لتجارة أو لغزو فمات من مات منهم أو قتل من قتل بقضاء الله وقدره، لو كانوا عندنا أي ما فارقونا وبقوا في ديارنا وماتوا وما قتلوا وهذا دال على نفسية الجهل ومرض الكفر، وحسب سنة الله تعالى فإن هذا القول منهم يتولد، لهم عنه بإذنه تعالى غم نفسي وحسرات قلبية تمزقهم وقد تودي بحياتهم، وما درى أولئك الكفرة الجهال أن الله يحيي ويميت، فلا السفر ولا القتال يميتان، ولا القعود في البيت جبناً وخوراً يحيي هذا معنى قوله تعالى في هذه الآية {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} وقوله تعالى في ختام هذه الآية: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيه وعد للمؤمنين إن انتهوا عما نهاهم عنه في الآية ووعيد إن لم ينتهوا فيجزيهم بالخير خيراً، وبالشر إن لم يعف شراً. أما الآية الثانية [157] فإن الله تعالى يبشر عباده المؤمنين مخبراً إياهم بأنهم إن قتلوا في سبيل الله أو ماتوا فيه يغفر لهم ويرحمهم وذلك خير مما يجمع الكفار من حطام الدنيا ذلك الجمع للحطام الذي جعلهم يجبنون عن القتال والخروج فى سبيل الله فقال تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} وفي الآية الثالثة [158] يؤكد تلك الخيرية التي تضمنتها الآية السابقة فيقول: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} في سبيلنا {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} حتما، وثم يتم لكم جزاؤنا على استشهادكم وموتكم في سبيلنا، ولنعم ما تجزون به في جوارنا الكريم. هداية الآيات: 1- حرمة التشبه بالكفار ظاهراً وباطناً. 2- الندم يولد الحسرات والحسرة غم وكرب عظيمان، والمؤمن يدفع ذلك بذكره القضاء والقدر فلا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه من حطام الدنيا. 3- موتة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها.

القطان

تفسير : المراد بالذين كفروا هنا: المنافقون، عبد الله بن أُبي وأصحابه. ضربوا في الأرض: سافروا فيها للتجارة وغيرها. غزى: جمع غاز، محاربون، مجاهدون. يا أيها المؤمنون لا تكونوا كأولئك المنافقين الذين قالوا في شأن اخوانهم حين سافروا للتجارة والكسب فماتوا، او كانوا غزاة في وطنهم او في بلاد اخرى فقُتلوا: لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا ما قتلوا، فقد جعل الله ذلك القول والظن حسرة في قلوبهم. ان الله هو الذي يحيي ويميت، وليس للإقامة والسفر مدخل في ذلك. والله مطّلع على ما تعملون، بصير بما تفكرون فيه، لا يخفى عليه شيء مما تكتمون في أنفسكم من وساوس الشيطان. ثم بشّر من قُتل او مات في سبيل الله بحسن المآل {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ.. وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} أي إن مغفرة الله ورحمته لمن يموت أو يُقتل في سبيل الله خيرٌ لكم من جميع ما يتمتع به الكفار من المال والمتاع في هذه الدار الفانية. والحقَّ أقول: لو أننا آمنا إيماناً صادقاً لما خفنا من الموت، ولحاربنا اليهود بعزم وصدق وخلّصنا بلادنا من براثنهم. ثم حثّنا سبحانه على العمل في سبيله، لأن المرجع اليه فقال: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ}. فبأي سبب كان موتكم فإنكم راجعون الى الله لا إلى غيره، فيجزي كلاً منكم بما يستحق. فآثِروا ما يقرّبكم إليه من العمل الطيب والجهاد في سبيله، ولا تركنوا الى الدنيا ولذاتها الزائلة، أيها المؤمنون. قراءات: قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي "والله بما يعملون" بالياء. وقرأ نافع وحمزة والكسائي "متم" بكسر الميم. وقرأ غير حفص "خير مما تجمعون" بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {لإِخْوَانِهِمْ} (156) - يَنْهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ عَنْ مُشَابَهَةِ المُنَافِقِينَ (الكَافِرِينَ) فِي اعْتِقَادِهِمُ الفَاسِدِ، إذْ يَقُولُونَ عَنْ إِخْوَانِهِمِ الذِينَ قُتِلُوا في الحُرُوبِ (كَانُوا غُزًّى)، أوْ مَاتُوا وَهُمْ فِي أَسْفَارِهِمْ سَعْياً وَرَاءَ الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ (ضَرَبُوا فِي الأرْضِ): لَوْ أنَّهُمْ كَانُوا أقَامُوا، وَتَرَكُوا ذَلِكَ لَمَا أَصَابَهُمْ مَا أصَابَهُمْ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذَا الاعْتِقَادِ في نُفُوسِهِمْ لِيَزْدَادُوا ألماً وَحَسْرَةً عَلَى مَوْتَاهُمْ، يَزيدَانِهِم ضَعْفاً، وَيُورِثَانِهُم نَدَماً عَلَى تَمكِينِهِمْ إيَّاهُمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لما ظَنُّوهُ سَبَباً ضَرُورِياً لِلْمَوتِ. ويَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَلَيهِمْ قَائِلاً: إنَّ المَوْتَ وَالحَيَاةَ بِيَدِ اللهِ، وَإلَيهِ يَرْجِعُ الأمْرُ، وَعِلْمُهُ وَبَصَرُهُ نَافِذَانِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَعَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ لاَ يَكُونُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ فِي قَوْلِهِمْ وَاعْتِقَادِهِمْ، وَإلاَّ أَصَابَهُم الضَّعْفُ وَالوَهَنُ وَالفَشَلُ؛ وَالإِيمَانُ الصَّادِقُ يَزِيدُ صَاحِبَهُ إيقَاناً وَتَسْلِيماً بِكُلِّ مَا يَجْرِي بِهِ القَضَاءُ، وَأنَّ مَا وَقَعَ كَانَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ أنْ يَقَعَ. غُزًّى - غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ. الضَّرْبُ فِي الأرْضِ - السَّفَرُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَالتِّجَارَةِ.

الثعلبي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني المنافقين عبد الله بن أُبي وأصحابه، {وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} في النفاق، وقيل: في النسب {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} ساروا وسافروا فيها لتجارة أو غيرها {كَانُواْ غُزًّى} غزاة فقتلوا، والغزي جمع منقوص لا يتغير لفظها في رفع وخفض ونصب، واحدها غاز مثل قائم وقوم، وصائم وصوم، وشاهد وشهد وقائل وقول، ومن الناقص مثل هاب وهبي وعاف وعفي. {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً} يعني قولهم وظنهم حزناً {فِي قُلُوبِهِمْ} والحسرة الاغتمام على فائت كان تقدر بلوغه. قال الشاعر: شعر : فواحسرتي لم أقضِ منهما لبانتي لم أتمتع بالجوار وبالقرب تفسير : ثم أخبر أن الموت والحياة إلى الله لا يتقدمان لسفر ولا يتأخران لحضر فقال: {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قرأ ابن كثير وطلحة والأعمش والحسن وشبل وحمزة والكسائي وخلف: (يعملون) بالياء، الباقون: بالتاء. {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ}. قرأ نافع وأكثر أهل الكوفة ما كان من هذا الباب: بكسر الميم، وقرأ الآخرون: بالضم، فمن ضمّه فهو من قال: يموت كقولك من كان يكون كنت، ومن قال يقول قلت، ومن كسر فهو من مات يمات متّ كقولك من خاف يخاف خفت ومن هاب يهاب هبت. {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ} في العاقبة {وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} من الغنائم. قرأه العامة: (تجمعون) بالتاء لقوله: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} ، وقرأ حفص: بالياء على الخبر عن الغالبين، يعني خير ممّا يجمع الناس من الأموال. {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} في العاقبة {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي فبرحمة من الله (ما) صلة كقوله عزّ وجلّ: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم} تفسير : [المائدة: 13] و {أية : عَمَّا قَلِيلٍ} تفسير : [المؤمنون: 40] و {أية : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} تفسير : [ص: 11] . وقال بعضهم: يحتمل لأن تكون (ما) استفهاماً للتعجب تقديره: فبأي رحمة من الله {لِنتَ لَهُمْ} أي سهّلت لهم أخلاقك وكثر احتمالك، ولم يسرع إليهم فيما كان منهم يوم أُحد. يقال: لآنَ له يَلين ليناً ولياناً إذا رقَّ له وحسن خلقه. {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا} يعني جافياً سيء الخلق قاسي القلب قليل الاحتمال، يقال: فظظت تفظ فظاظة وفظاظاً فانت فظ، والانثى فظة، والجمع فظاظ. وأنشد المفضل: شعر : وليس بفظ في الأداني والاولى يؤمون جدواه ولكنه سهل تفسير : وقال آخر: شعر : أموت من الضر في منزلي وغيري يموت من الكظة ودنيا تجود على الجاهلين وهي على ذي النهى فظة تفسير : {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ}، قال الكلبي: فظاً في القول غليظ القلب في الفعل. {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} لنفروا وتفرقوا عنك يقال: فضضتهم وانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا. قال أبو النجم يصف إبلا: شعر : مستعجلات القبض غير جرد ينفض عنهنّ الحصى بالصّمد تفسير : وأصل الفض الكسر، ومنه قولهم: لا يفضض الله فاك، قال أهل الإشارة في هذه الآية: منه العطاء ومنه الثناء. {فَٱعْفُ عَنْهُمْ } تجاوز عنهم ما أتوا يوم أُحد {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} حتي أشفعك فيهم {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي استخرج آراءهم فأعلم ما عندهم، وهو مأخوذ من قول العرب: وشرت الدابة وشورته، إذا استخرجت جريه وأعلمت خبره وتفنن لما يظهر من حالها مستوراً، وللموضع الذي يشور فيه أيضاً يتولد، وقد يكون أيضاً من قولهم: شرت العسل واشترته فهو مشور ومشار ومشتار إذا أخذته من موضعه واستخرجته منه. وقال عدي بن زيد: شعر : في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ماذي مشار تفسير : واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحي عليه ووجوب طاعته على أمته بما أحبوا وكرهوا. فقال بعضهم: هو خاص في المعنى وإن كان عاماً في بعض اللفظ، ومعنى الآية: وشاورهم فيما يسر عندك فيه من الله عهد، ويدل عليه قراءة ابن عباس: وشاورهم في بعض الأمر. قال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكان الحرب عند الغزو. وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس في قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} يعني أبا بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال مقاتل وقتادة والربيع: كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شُقّ عليهم، فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم في الأمر الذي يريده، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم وأطيب لأنفسهم، وإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم وأن القوم إذا عزموا وأرادوا بذلك وجه الله تعالى عزم الله لهم على الأرشد. قال الشافعي (رضي الله عنه): ونظير هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : البكر تستأمر في نفسها" تفسير : إنما أمرنا استئذآنها لاستطابه نفسها وإنها لو كرهت كان للأب أن يزوجها. وكمشاورة إبراهيم(عليه السلام) ابنه حين أمر بذبحه. وقال الحسن: قد علم الله أنه مابه إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستنّ به من بعده، ودليل هذا التأويل ما روى أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما شقى عبد قط بمشورة وما سعد باستغناء برأي"، تفسير : يقول الله عزّ وجلّ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} فبالله وكتابه ورسوله غنى عن المشورة، ولكن الله عزّ وجلّ أراد أن تكون بيّنة فلا يبرم أمر الدين والدنيا حتى تشاوروا، وقد أثنى الله على [أهل] المشاورة فقال: {أية : وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الشورى: 38] . روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إذا كان أُمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم ولم يكن أمركم شورى بينكم فبطن الأرض خير من ظهرها ". تفسير : أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني عمي: شعر : إذا كنت في حاجة مرسلا فأرسل حكيماً ولا توصه وإن ناب أمر عليك التوى فشاور لبيباً ولا تعصه ونص الحديث إلى أهله فإن الوثيقة في نصه إذا المرء أضمر خوف الإله تبين ذلك في شخصه تفسير : وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن المنذر الضرير، قال أبو سلمة المؤدب: شعر : شاور صديقك في الخفي المشكل واقبل نصيحة ناصح متفضل فالله قد أوصى بذلك نبيّه في قوله شاورهم وتوكل تفسير : {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} لا على مشاورتهم. وقرأ جعفر الصادق(رضي الله عنه) وجابر بن زيد: (فإذا عزمتُ) بضم التاء أي عزمت لك ووفقتك وأنشدتك فتوكل على الله، والتوكل التفعل من الوكالة يقال: وكّلت الأمر إلى فلان فتوكل أي ضمنه وقام به، فمعنى قوله: (توكل) أي قم بأمر الله وثق به واستعنه. فصل في التوكل اختلفت عبارات العلماء في معنى التوكل وحقيقة المتوكل: فقال سهل بن عبد الله رحمة الله عليه: أول مقام التوكل، أن يكون العبد بين يدي الله كالميت بين يدي الغاسل، يقلّبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير، والمتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحبس. أبو تراب النخشبي: التوكل الطمأنينة إلى الله عزّ وجلّ. بشر الحافي: الرضا، وعن ذي النون وقد قال له رجل: يا أبا الفيض ما التوكّل؟ قال: خلع الأرباب وقطع الأسباب. فقال: زدني فيه حالة أخرى.فقال: إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية. وقال إبراهيم الحواص: حقيقة التوكل إسقاط الخوف والرجاء ممّا سوى الله، ابن الفرجي: ردَّ العيش لما يوم واحد واسقاط غم غد، وعن علي الروذباري قال: مراعاة التوكل ثلاث درجات: الأولى منها: إذا أعطى شكر وإذا مُنع صبر. والثانية: المنع والإعطاء واحد. والثالثة: المنع مع الشكر أحب إليه، لعلمه باختيار الله ذلك له. وروى عن إبراهيم الخواص أنه قال: كنت في طريق مكة، فرأيت شخصاً حسناً فقلت: أجنيٌ أم إنسيٌ؟ فقال: بل جنيٌّ. فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى مكة. قلت: بلا زاد؟ قال: نعم، فينا أيضاً من يُسافر على التوكل. فقلت له: ما التوكل؟ قال: الأخذ من الله. ذو النون أيضاً: هو انقطاع المطامع. سهل أيضاً: معرفة معطي أرزاق المخلوقين ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون السماء عنده كالصِفر والأرض عنده كالحديد، لا ينزل من السماء مطر ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى ما ضمن له من رزقه بين هذين. وعن بعضهم: هو أن لا يعصي الله من أجل رزقه. وقال آخر: حسبك من التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصراً غير الله ولا لرزقك خازناً غيره ولا لعملك شاهداً غيره. الجنيد (رحمه الله): التوكل أن تقبل بالكلية على ربّك، وتعرض ممّن دونه. النوري: هو أن يفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلا ومدبراً، قال الله عزّ وجلّ: {أية : وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً} تفسير : [النساء: 81] وقيل: هو اكتفاء العبد الذليل بالربّ الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل حين لم ينظر إلى عناية جبرئيل. وقيل: هو السكون عن الحركات اعتماداً على خالق الأرض والسماوات. وقيل لبهلول المجنون: متى يكون العبد متوكلاً؟ قال: إذا كان النفس غريباً بين الخلق، والقلب قريباً إلى الحق. وعن محمد بن عمران قال: قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: أربع خلال: علمت أن رزقي ليس يأكله غيري فلست أُشغل به، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أُبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال فأنا مستحي منه. وعن أبي موسى [الوبيلي] قال: سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل فقال لي: لو أدخلت يدك في فم التنين حتى تبلغ الرسغ، لم تخف مع الله شيئاً. قال أبو موسى: [ذهبت] إلى أبي يزيد البسطامي: أسأله عن التوكل، فدخلت بسطام ودفعت عليه الباب فقال لي: يا أبا موسى ما كان لك في جواب عبد الرحمن من القناعة حتى تجيء وتسألني؟ فقلت: افتح الباب، فقال: لو زرتني لفتحت لك الباب، [وإذا] جاء الجواب من الباب فانصرف: لو أن الحيّة المطوقة بالعرش همّت بك لم تخف مع الله شيئاً. قال أبو موسى: فانصرفت حتى جئت إلى دبيل فأقمت بها سنة، ثم أعتقدت الزيارة فخرجت إلى أبي يزيد فقال: زرتني مرحباً بالزائرين [لا] أخرجك، قال: فأقمت عنده شهراً لا يقع لي شيء إلاّ أخبرني قبل أن أسأله فقلت له: يا أبا يزيد أخرج وأريد فائدة منك أخرج بها من عندك. قال لي: اعلم أن فائدة المخلوقين ليست بفائدة، حدثتني أُمّي أنها كانت حاملة بي وكانت إذا قدمت لها القصعة من حلال امتدت يدها وأكلت، وإذا قدمت من حرام جفت فلم تأكل، اجعلها فائدة وانصرف. فجعلتها فائدة وانصرفت. وروى طاوس اليماني (رحمه الله) قال: رأيت أعرابياً قد جاء براحلة له فأبركها وعقلها، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إن هذه الراحلة وما عليها في ضمانك حتى أخرج إليها. فخرج الأعرابي وقد أخذت الراحلة وما عليها، فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنه ما سرق مني شيء وما سرق إلاّ منك. فقال طاوس: فنحن كذلك مع الأعرابي إذ رأينا رجلا من رأس أبي قبيس يقود الراحلة بيده اليسرى ويمينه مقطوعة معلقة في عنقه، حتى جاء إلى الأعرابي وقال له: هاك راحلتك وما عليها. فقيل له: وما حالك؟ فقال: استقبلني فارس على فرس أشهب في رأس أبي قبيس فقال: يا سارق مدّ يدك فمددتها فوضعها على حجر ثم أخذ آخر فقطعها به وعلقها في عنقي وقال: انزل فرد الراحلة وما عليها إلى الأعرابي. وعن أبي تميم الحبشاني قال: سمعت عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطانا ". تفسير : روى محمد بن كعب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله عزّ وجلّ ومن سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق ممّا في يديه ". تفسير : وكان عمر (رضي الله عنه) يتمثل بهذين البيتين: شعر : هوّن عليك فإن الأمور بأمر الإله مقاديرها نفس ليأتيك مصروفها ولا عادك عنك مقدورها تفسير : {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ} يعينكم الله من عدوكم {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} في يوم بدر {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} يترككم ولا ينصركم، والخذلان: القعود عن النصرة والاستسلام للهلكة والمكروه، ويقال للبقرة والظبية إذا تركت ولدها وتخلفت عنها: خذلت فهو خذول. قال طرفة: شعر : خذول تراعي ربرباً بخميلة تناول أطراف البرير وترتدي تفسير : وأنشد: شعر : نظرت إليك بعين جارية خذلت صواحبها على طفل تفسير : وقرأ أبو عبيد بن عمير: (وإن يُخذِلكم) بضم الياء وكسر الذال، أي نجعلكم مخذولين ونحملكم على الخذلان والتخاذل كما فعلتم بأُحد. {فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} أي من بعد خذلانه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} الآية. روى عكرمة ومقسم عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى جويبر بن الضحاك عنه: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حنين غلّه رجل بإبرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : وقال الكلبي ومقاتل: حديث : نزلت في غنائم أُحد حين ترك الرماة المركز، وطلبوا الغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئاً فهو له، وأن لا يقسّم الغنائم كما لم يقسّم يوم بدر، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟" قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "بل ظننتم أن نغل ولا نقسم" فأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : وروى بعضهم عن الضحاك عن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع فغنمت، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقسم للطلائع، فلما قدمت الطلائع قالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا، فنزلت هذه الآية . تفسير : قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي(عليه السلام) وقد غلّ طوائف من أصحابه. وفي بعض التفاسير: أن الأقوياء ألحّوا عليه يسألونه عن المغنم، فأنزل الله عزّ وجلّ {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} فيعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية ولا يحرم أحداً. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي يقول: ما كان لنبي أن يغل ويكتم شيئاً من وحي الله عزّ وجلّ رغبة أو رهبة أو مداهنة، وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية. فأما التفسير فقرأ السلمي ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (يَغَل) بفتح الياء وفتح الغين، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيدة. وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الغين وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي حاتم، فمعناه أن يخون، والمراد به الأمة. وقال بعض أهل المعاني: اللام فيه منقولة، معناه: ما كان النبي ليغل، وما كان الله عزّ وجلّ أن يتخذ من ولد، أي ما كان الله ليتخذ من ولد. وقال بعضهم: هذا من ألطف التعريض لها بأن [برأ ساحة] النبي صلى الله عليه وسلم من الغلول، دلّ على أن الغلول في غيره، ونظيره قوله عزّ وجلّ: {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 24] وهذا معنى قول السدي. وقال المفضل: معناه ما كان يظن به ذلك ولا يشبهه ولا يليق به، فاحتج أهل هذه القراءة بقول ابن عباس: كيف لا يكون له أن يغل وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من الأنبياء يقتل. ومن قرأ بضم الياء فله وجهان: أحدهما: أن يكون من الغلول، أي ما كان النبي أن يغل، أي أن يخان، يعني أن تخونه أُمّته. والوجه الآخر: أن يكون من الإغلال، معناه ما كان لنبي أن يخون أو يُنسب إلى الخيانة أو يوجد خائناً أو يدخل في جملة الخائنين، فيكون أغل وغلل بمعنى واحد، كقوله: {أية : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ} تفسير : [الأنعام: 33] وقوله: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً} تفسير : [الطارق: 17]. وقال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل بمعنى جعلته كافراً ونسبته إلى الكفر وحملته عليه ووجدته كافراً ولحقته بالكافرين. {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}، قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في النار ثم يقال له: انزل فخذه، فينزل فيحمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم كلفه أن ينزل إليه فيخرجه فيفعل ذلك. وروى أبو زرعة عن أبي هريرة قال:حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً خطيباً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره وقال: "لا ألقينَّ أحدكم يجيء على رقبته يوم القيامة بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ولا ألقينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله أغنني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ولا ألقينَّ أحدكم بصامت يقول: يا رسول الله اغنني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ولا ألقينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة يقول: يا رسول الله أغنني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ولا ألقينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخنق يقول: يا رسول الله أغنني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك" . تفسير : وحدث سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمرو قال: حديث : كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هو في النار" فوجدوا عليه عباءة قد غلّها . تفسير : وحدث الزهري عن عروة عن أبي حميد الساعدي قال: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد يقال له أبو اللبيبة على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أُهدي له، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ما بال العامل يبعث فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي إليَّ، أفلا يجلس في بيت أبيه أو أمّه وينظر ما يُهدى إليه، والذي نفس محمد بيده لا يبعث أحد منكم فيأخذ منه شيئاً إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة له خوار أو شاة يثغر ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة أبطيه فقال: اللهم قد بلغت" . تفسير : وعن زيد بن خالد: حديث : أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صلّوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: "إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله" ففتشنا متاعه لذلك، فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين . تفسير : وعن أبي هريرة قال: حديث : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فلم يغنم ذهباً ولا ورقاً إلاّ الثياب والمتاع قال: فتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وادي القرى وقد أُهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له مدعم فبينا مدعم يحطّ رجل رسول الله إذ جاءه سهم فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلاّ والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً". فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "شراك من نار أو شراكان من نار" . تفسير : وعن عبيد الله بن عمير قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيجمعه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنّا أصبنا من الغنيمة فقال: "أسمعت قد نادى ثلاثاً؟ " قال: نعم، قال: "فما منعك أن تجيء به" فاعتذر إليه، فقال: "كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك" . تفسير : وعن صالح بن محمد بن مائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأُتي برجل قد غَلّ فسئل سالم عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعه واضربوه" تفسير : قال: فوجدنا في متاعه مصحفاً، فسأل رجل سالماً عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما قد حرقوا متاع الغال وضربوه وفي بعض الروايات ومنعوه سهمه. وعن صالح بن محمد قال: غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز فغلّ رجل متاعاً، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ولم يعطه سهمه {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} بترك الغلول {كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} فغلَّ {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ} يعني ذو درجات {عِندَ ٱللَّهِ}. وقال ابن عباس: يعني أن من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله مختلف المنازل عند الله تعالى، فلمن اتبع رضوان الله الكرامة والثواب العظيم، ولمن باء بسخط من الله المهانة والعذاب الأليم. {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ}. قال بعضهم: لفظ الآية عام ومعناها خاص، إذ ليس حي من أحياء العرب إلاّ وقد قلّدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيهم نسب إلاّ بني تغلب، فإن الله طهّره منهم لما فيهم من دنس النصرانية إذ ثبتوا عليها، وبيان هذا التأويل قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [الجمعة: 2]. وقال الآخرون: (هو) أراد به المؤمنين كلهم، ومعنى قوله: {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} بالإيمان والشفقة لا بالنسب كما يقول القائل: أنت نفسي، يدل عليه قوله: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128] الآية. {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} وقد كانوا من قبل بعثه، وهو رفع على الغاية {لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ * أَوَ لَمَّا} أوحين {أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} أُحد {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} ببدر، وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أُحد سبعين وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا} من أين لنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا والوحي ينزل علينا وهم مشركون. وروى عبيدة السلماني عن علي قال: جاء جبرئيل(عليه السلام) إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك للناس فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى بها على قتال عدونا، منّا عدتهم فليس في ذلك ما نكره، قال: فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلا عدد أُسارى يوم بدر، فمعنى قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} على هذا التأويل أي: بأخذكم الفداء واختياركم القتل. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَآ أَصَابَكُمْ} يا معشر المؤمنين {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} بأُحد من القتل والجرح والهزيمة والمصيبة {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} بقضائه وقدره وعلمه {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ليميّز، وقيل: ليرى، وقيل: لتعلموا أنتم أن الله عزّ وجلّ قد علم ما فيهم وأنتم لم تكونوا تعلمون ذلك {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} لأجل دين الله وطاعته {أَوِ ٱدْفَعُواْ} عن أهلكم وبلدتكم وحريمكم. وقال السدي والفراء وأبو عون الأنصاري: أي كثروا سواد المسلمين، ورابطوا إن لم تقاتلوا، كون ذلك دفعاً وقمعاً للعدو {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} وهم عبد الله بن أُبي وأصحابه الذين انصرفوا عن أُحد وكانوا ثلثمائة، قال الله: {هُمْ لِلْكُفْرِ} أي إلى الكفر {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} وذلك أنهم كانوا ينكرون الإيمان ويضمرون الكفر، فبيّن الله عزّ وجلّ نفاقهم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} في النسب لا في الدين، وهم بهذا واحد {وَقَعَدُواْ} يعني وقعد هؤلاء القاعدون عن الجهاد {لَوْ أَطَاعُونَا} وانصرفوا عن محمد وقعدوا في بيوتهم {مَا قُتِلُوا قُلْ} لهم يا محمد فادفعوا {عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إن الحذر لا يغني عن القدر.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والضرب في الأرض هو السعي واستنباط فضل الله في الأرض وفي سبيله لإعلاء كلمته، فالذين كفروا يرتبون الموت والقتل والعمليات التي يفارق الإنسان فيها الحياة على ماذا؟ على أنه ضرب في الأرض أو خرج ليقاتل في سبيل الله، وقالوا: لو لم يخرجوا ما حصل لهم هذا! سنرد عليهم، ونقول لهم: كأنكم لم تروا أبداً ميتاً في فراشه. كأنكم لم تروا مقتولاً يسقط عليه جدار، أو يصول عليه جمل، أو تصيبه طلقة طائشة، هل كل من يموت أو يقتل يكون ضارباً في الأرض لشيء أو خارجاً للجهاد في سبيل الله؟! ّإذن فهذا حُمق في استقراء الواقع، وجاء الحق بذلك ليعطينا صورة من حكمهم على الأشياء، إنه حكم غير مبني على قواعد استقرائية حقيقية. فإذا عرفنا أنهم كفروا نقول: هذه طبيعتهم، لأننا نجد أن حكمهم ليس صحيحاً في الأشياء الواضحة، وما دام حكمهم ليس صحيحاً أو حقيقياً في الجزئيات التي تحدث - فإذا عرفتم أنهم كفروا فهذا كلام منطقي بالنسبة لهم - فشأنهم أنهم لا يتثبتون في أحكامهم فلا عجب - إذن - أن كانوا كافرين. {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} [آل عمران: 156], وغُزى: جمع غازٍ، مثل: صُوّم وقُوَّم؛ يعني جمع: صائم وقائم. {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 156]. إذن فالله سبحانه وتعالى يصور لهم ما يقولونه ليعذبهم به، كيف؟ لأنهم عندما يقولون: لو كانوا عندنا لكنا منعناهم أن يخرجوا أو يُقتلوا، إذن فنحن السبب. وهكذا نجد أنهم كلما ذكروا قتلاهم أو موتاهم يعرفون أنهم أخطأوا، وهذه حسرة في قلوبهم، ولو أنهم ردوها إلى الحق الأعلى لكان في ذلك راحة لهم ولَما كانوا قد أدخلوا أنفسهم في متاهة، ويحدُث منهم هذا حتى نعرف غباءهم أيضاً؛ فهم أغبياء في كل حركاتهم وفي استقراء الأحداث الجزئية، وأغبياء في استخراج القضية الإيمانية الكلية، أغبياء في أنهم حشروا أنفسهم وأدخلوها في مسألة ليست من شأنهم، فأراد ربنا سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك حسرة عليهم. {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 156] إن القضية الإيمانية هي {وَٱللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} [آل عمران: 156] أي هو الذي يَهَب الحياة وهو الذي يهب الموت، فلا الضرب في الأرض ولا الخروج في سبيل الله هو السبب في الموت، ولذلك يقول خالد بن الوليد - رضي الله عنه -: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربةُ سيف أو طعنة رمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العَيْر - أي حتف أنفه - فلا نامت أعين الجبناء. والشاعر يقول: شعر : ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى وأن أشهد اللذات هل أنت مُخْلِدِي؟ تفسير : أي يا من تمنعني أن أحضر الحرب هل تضمن لي الخلود ودوام البقاء إذا أحجمت عن القتال. ويكمل الشاعر قوله: شعر : فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي تفسير : ويختم الحق الآية بقوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156] فكأنهم قد بلغوا من الغباء أنهم لم يستتروا حتى في المعصية، ولكنهم جعلوها حركة تُرى، وهذا القول هنا أقوى من "عليم"؛ لأن "عليم" تؤدي إلى أن نفهم أنهم يملكون بعضاً من حياء ويسترون الأشياء، ولكن علم الله هو الذي يفضحهم. لا، هي صارت حركة واضحة بحيث تُبْصَر. فجاء قوله: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156]. ويقول الحق من بعد ذلك: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} معناهُ تَبَاعَدوا فِيهَا.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن كفر من فزع الغزاة في الحياة والممات بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ} [آل عمران: 156] في الطلب والسير إلى الله، {إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلأَرْضِ} [آل عمران: 156]؛ أي: سافروا في البلاد وجحدوا وأنكروا وأرجعوا عن طريق الحق باستهواء الشيطان وغلبة الهوى، وكفروا إشارة في الآيات: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ} [آل عمران: 156]، خطاب {آمَنُواْ} [آل عمران: 156] مع السائرين إلى اللهو لا تكونوا كالذين يستفيدون من المراد وسلكوا في أرض نفوسهم سبيل الرشاد {أَوْ كَانُواْ غُزًّى} [آل عمران: 156]، مجاهدين مع كفاء النفس والهوى والشيطان، {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا} [آل عمران: 156]؛ أي: موافقين معنا في الرفق {مَا مَاتُواْ} [آل عمران: 156] من مقاساة الشدائد، {وَمَا قُتِلُواْ} [آل عمران: 156] رياضة وجهداً، {لِيَجْعَلَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ} [آل عمران: 156] القول {حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 156]؛ أي: قلوب الصديقين، {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 156]، أيها المنكرون في تغيير الصديقين، وأيها الصديقون في الثبات على قدم الصدق في طلب الحق {بَصِيرٌ} [آل عمران: 156]، فيما يجازي الفريقين على قدر الاستحقاق. {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 157]، سبيل الرشاد، بسيف الصدق {أَوْ مُتُّمْ} [آل عمران: 157]، عن صفات النفس {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ} يحبكم الله بتا، {خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 157]، أرباب النفوس وأهل الأهواء من أوزان جمع الدنيا والحرص عليها والبخل بها، ومن وبال التنعم والتلذذ بشهواتها، {وَلَئِنْ مُّتُّمْ} [آل عمران: 158] أيها المجاهدون في جهاد النفس، {أَوْ قُتِلْتُمْ} [آل عمران: 158] أيها الصديقون في سبيل الطلب، {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} [آل عمران: 158]؛ يعني: حشر المقتول بسيف الصدق والذي ماتت نفسه عن صفاتها، يكون إلى الله لا إلى غيره من الجنة والنار، وإن كان عبورها عليها، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 54-55]. ثم أخبر عن لين القلوب أنه برحمته علام الغيوب بقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]، إشارة في الآية: إن كل لين يظهر في قلوب المؤمنين بعضهم على بعض، فهو برحمته الله ونتيجة لطفه مع عباده إلا من خصوصية أنفسهم، {أية : إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53]، وإن كانت نفس الأنبياء - عليهم السلام - حتى قال الله تعالى لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]؛ يعني: لين قلبك للمؤمنين كان من رحمة الله التي أرسلنا على قلبك إليهم لا من رحمتك، فالله تعالى يمن على النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ويقول له: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ} [آل عمران: 159]؛ يعني: ولو كنت باقياً على فظاظة خلقك، وقساوة قلبك قبل أن تشرح صدرك وتغسل قلبك وتنظر إليه بنظر المحبة، ونرسل إليه الرحمة لتلين جمالهم {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، تفرقوا عن صحبتك من خشونة قلبك وغلظة فعلك، وقلة صبرك وتحملك على أذاهم، وكما أنك لنت لهم برحمتنا {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159] بعفونا، {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159] بنغفرتنا، {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} [آل عمران: 159]، فإن القلوب للعفو عنها المغفور منورة بصفات عفونا ومغفرتنا، فهو مؤمنة في الإشارة منها فإنها تنظر بنور ربها، وكل قلب ينظر بنور الحق لا يرى إلا الحق فيكون صادقاً فيما يرى، كما قال تعالى: {أية : مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ}تفسير : [النجم: 11]، فمعناه؛ أي: فشاور أرباب القلوب المنورة الملهمة من الله؛ ليكون رأى قلبك النور بنور الوحي مؤكد بالآراء التي منشأها القلوب المنور بنور الإلهام، فإنه تلو الوحي، نظيره قوله تعالى: {أية : فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَآءَكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ}تفسير : [يونس: 94]. ثم قال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ} [آل عمران: 159]؛ يعني: بعد المشاورة لاستصواب الآراء المنورة بنور الوحي والإلهام، {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 159]، لا على تلك الآراء فيما يظهر من الأمور مما تكرهه وتحبه، فإنه أعلم بالصواب منه لم منك، كقوله تعالى: {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 216]، وفيه معنى آخر، فإذا عرفت الخروج من قشر الوجود، فتوكل على الله إلى تفويض أمر قشر الوجود إليه لا تقدر أن تخرج عن نفسك، بل هو الذي يخرجكم عن ظلمة وجودكم المخلوقة إلى نور القدم، كما قال تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ} تفسير : [البقرة: 257]، وقال تعالى: {أية : يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 35]، والتوكل تفويض الأمور الإلهية التي لا يمكن لغير الله تعالى، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]، الذين جذبتهم العناية برسن المحبة إلى عزيمة الخروج من حجاب الوجود للوصول إلى المحبوب، ففوضوا أمر إخراج عن الوجود إلى الله تعالى لا سبيل لغيره إليه؛ لأنه هو الذي أخرجهم من العدم إلى الوجود، فهو يخرجهم منه بفضله وكرمه ويهديهم إليه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين، الذين لا يؤمنون بربهم، ولا بقضائه وقدره، من المنافقين وغيرهم. ينهاهم عن مشابهتهم في كل شيء، وفي هذا الأمر الخاص وهو أنهم يقولون لإخوانهم في الدين أو في النسب: { إذا ضربوا في الأرض } أي: سافروا للتجارة { أو كانوا غزى } أي: غزاة، ثم جرى عليهم قتل أو موت، يعارضون القدر ويقولون: { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا } وهذا كذب منهم، فقد قال تعالى: { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم } ولكن هذا التكذيب لم يفدهم، إلا أن الله يجعل هذا القول، وهذه العقيدة حسرة في قلوبهم، فتزداد مصيبتهم، وأما المؤمنون بالله فإنهم يعلمون أن ذلك بقدر الله، فيؤمنون ويسلمون، فيهدي الله قلوبهم ويثبتها، ويخفف بذلك عنهم المصيبة. قال الله ردا عليهم: { والله يحيي ويميت } أي: هو المنفرد بذلك، فلا يغني حذر عن قدر. { والله بما تعملون بصير } فيجازيكم بأعمالكم وتكذيبكم. ثم أخبر تعالى أن القتل في سبيله أو الموت فيه، ليس فيه نقص ولا محذور، وإنما هو مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، لأنه سبب مفض وموصل إلى مغفرة الله ورحمته، وذلك خير مما يجمع أهل الدنيا من دنياهم. وأن الخلق أيضا إذا ماتوا أو قتلوا بأي حالة كانت، فإنما مرجعهم إلى الله، ومآلهم إليه، فيجازي كلا بعمله، فأين الفرار إلا إلى الله، وما للخلق عاصم إلا الاعتصام بحبل الله؟"