٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
157
Tafseer
القرطبي
تفسير : جواب الجزاء محذوف، استغنى عنه بجواب القسم في قوله: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ} وكان الاستغناء بجواب القَسَم أولى؛ لأنّ له صَدْر الكلام، ومعناه ليغفِرن لكم. وأهل الحجاز يقولون: مِتُّم، بكسر الميم مثل نِمتم، من مات يمات. مثل خِفت يخاف. وسُفْلَى مُضَر يقولون: مُتم، بضم الميم مثل صمتم، من مات يموت. كقولك كان يكون، وقال يقول. هذا قول الكوفيين وهو حسن. وقوله: {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} وَعْظٌ. وعظهم الله بهذا القول، أي لا تًفِرّوا من القتال ومما أمركم به، بل فِرّوا من عقابه وأليم عذابه، فإن مَرَدّكم إليه لا يملك لكم أحد ضرّا ولا نفعاً غيره. والله سبحانه وتعالى أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} أي متم في سبيله وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الميم من مات يمات. {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ بِمَا يَجْمَعُونَ} جواب القسم وهو ساد مسد الجزاء والمعنى: إن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت ويقدم الأجل وإن وقع ذلك في سبيل الله فما تنالون من المغفرة والرحمة بالموت خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا. وقرأ حفص بالياء. {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} أي على أي وجه اتفق هلاككم. {لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ} لإلى معبودكم الذي توجهتم إليه. وبذلتم مهجكم لوجهه لا إلى غيره لا محالة تحشرون، فيوفي جزاءكم ويعظم ثوابكم. وقرأ نافع وحمزة والكسائي {مُّتُّمْ } بالكسر. {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} أي فبرحمة، وما مزيدة للتأكيد والتنبيه والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم بعد أن خالفوه. {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً} سيىء الخلق جافياً. {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ } قاسيه. {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك. {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} فيما يختص بك. {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ} فيما لله. {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي في أمر الحرب إذ الكلام فيه، أو فيما يصح أن يشاور فيه استظهاراً برأيهم وتطييباً لنفوسهم وتمهيداً لسنة المشاورة للأمة. {فَإِذَا عَزَمْتَ} فإذا وطنت نفسك على شيء بعد الشورى. {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك، فإنه لا يعلمه سواه. وقرىء {فَإِذَا عَزَمْتَ }، على التكلم أي فإذا عزمت لك على شيء وعينته لك فتوكل على الله ولا تشاور فيه أحداً. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ } فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح. {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ} كما نصركم يوم بدر. {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} فلا أحد يغلبكم. {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} كما خذلكم يوم أحد. {فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ} من بعد خذلانه، أو من بعد الله بمعنى إذا جاوزتموه فلا ناصر لكم، وهذا تنبيه على المقتضى للتوكل وتحريض على ما يستحق به النصر من الله وتحذير عما يستجلب خذلانه. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر لهم سواه وآمنوا به. {وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ} وما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي الخيانة، يقال غل شيئاً من المغنم يغل غلولاً وأغل إغلالاً إذا أخذه في خفية والمراد منه: إما براءة الرسول عليه السلام عما اتهم به إذ روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، أو ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسم الغنائم. وإما المبالغة في النهي للرسول صلى الله عليه وسلم على ما روي أنه بعث طلائع، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم على من معه ولم يقسم للطلائع فنزلت. فيكون تسمية حرمان بعض المستحقين غلولاً تغليظاً ومبالغة ثانية. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب {أَنْ يَغُلَّ} على البناء للمفعول والمعنى: وما صح له أن يوجد غالاً أو أن ينسب إلى الغلول. {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} يأت بالذي غله يحمله على عنقه كما جاء في الحديث أو بما احتمل من وباله وإثمه. {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} يعني تعطي جزاء ما كسبت وافياً، وكان اللائق بما قبله أن يقال ثم يوفى ما كسبت لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم. {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ} بالطاعة. {كَمَن بَاء} رجع. {بِسَخْطٍ مّنَ ٱللَّهِ} بسبب المعاصي. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} الفرق بينه وبين المرجع إن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ولا كذلك المرجع.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَئِنِ } لام قسم {قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي الجهاد {أَوْ مُتُّمْ } بضم الميم وكسرها من (مات يموت ويمات) أي أتاكم الموت فيه {لَمَغْفِرَةٌ } كائنة {مِنَ ٱللَّهِ } لذنوبكم {وَرَحْمَةً } منه لكم على ذلك واللام ومدخولها جواب القسم وهو في موضع الفعل مبتدأ خبره {خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } من الدنيا بالتاء والياء.
ابن عطية
تفسير : {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ فِبَمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنَتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظَّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} اللام في قوله تعالى: {ولئن قتلتم} هي المؤذنة بمجيء القسم، واللام في قوله: {لمغفرة} هي المتلقية للقسم، والتقدير: والله لمغفرة، وترتب الموت قبل القتل في قوله {أية : ما ماتوا وما قتلوا} تفسير : [آل عمران: 156] مراعاة لرتبة الضرب في الأرض والغزو فقدم الموت الذي هو بإزاء المتقدم الذكر وهو الضرب، وقدم القتل في قوله تعالى: {ولئن قتلتم} لأنه ابتداء إخبار، فقدم الأشرف الأهم، والمعنى: أو متم في سبيل الله، فوقع أجركم على الله، ثم قدم الموت في قوله تعالى: {ولئن متم أو قتلتم} لأنها آية وعظ بالآخرة والحشر، وآية تزهيد في الدنيا والحياة، والموت المذكور فيها هو موت على الإطلاق في السبيل وفي المنزل وكيف كان، فقدم لعمومه وأنه الأغلب في الناس من القتل، وقرأ نافع وحمزة والكسائي "مِتم" بكسر الميم و"متنا" و"مت" بالكسر في جميع القرآن وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: بضم الميم في جميع القرآن، وروى أبو بكر عن عاصم ضم الميم في جميع القرآن، وروى عنه حفص ضم الميم في هذين الموضعين "أو مُتم ولئن مُتم" فقط، وكسر الميم حيث ما وقعت في جميع القرآن، قال أبو علي: ضم الميم هو الأشهر والأقيس، مت تموت مثل: قلت تقول وطفت تطوف، والكسر شاذ في القياس وإن كان قد استعمل كثيراً، وليس كما شذ قياساً واستعمالاً كشذوذ اليجدع ونحوه، ونظير مت تموت بكسر الميم فضل بكسر الضاد يفضل في الصحيح وأنشدوا: شعر : ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر وما مر من عمري ذكرت وما فضل تفسير : وقوله تعالى: {لمغفرة} رفع بالابتداء {ورحمة}، عطف على المغفرة و {خير} خبر الابتداء، والمعنى: المغفرة والرحمة اللاحقة عن القتل أو الموت في سبيل الله خير، فجاء لفظ المغفرة غير معرف إشارة بليغة إلى أن أيسر جزء منها خير من الدنيا، وأنه كاف في فوز العبد المؤمن، وتحتمل الآية أن يكون قوله {لمغفرة} إشارة إلى القتل أو الموت في سبيل الله، سمى ذلك مغفرة ورحمة إذ هما مقترنان به ويجيء التقدير: لذلك مغفرة ورحمة وترتفع المغفرة على خبر الابتداء المقدر، وقوله {خير} صفة لخبر الابتداء، وقرأ جمهور الناس "تجمعون" بالتاء على المخاطبة وهي أشكل بالكلام، وقرأ قوم منهم عاصم فيما روى عن حفص "يجمعون" بالياء، والمعنى مما يجمعه المنافقون وغيرهم. ثم ذكر تعالى الحشر إليه، وأنه غاية لكل أحد قتل أو مات، وفي الآية تحقير لأمر الدنيا وحض على طلب الشهادة، أي إذا كان الحشر في كلا الأمرين فالمضي إليه في حال الشهادة أولى. وقوله تعالى: {فبما رحمة من الله}، معناه: فبرحمة من الله "وما" قد جرد عنها معنى النفي ودخلت للتأكيد وليست بزائدة على الإطلاق لا معنى لها، وأطلق عليها سيبويه اسم الزيادة من حيث زال عملها، وهذه بمنزلة قوله تعالى: {أية : فبما نقضهم ميثاقهم} تفسير : [النساء: 155] قال الزجاج: الباء بإجماع من النحويين صلة وفيها معنى التأكيد، ومعنى الآية: التقريع لجميع من أخل يوم - أحد - بمركزه، أي كانوا يستحقون الملام منك، وأن لا تلين لهم، ولكن رحم الله جميعكم، أنت يا محمد بأن جعلك الله على خلق عظيم، وبعثك لتتمم محاسن الأخلاق، وهم بأن لينك لهم وجعلت بهذه الصفات لما علم تعالى في ذلك من صلاحهم وأنك {لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}، وتفرقوا عنك، والفظ: الجافي في منطقه ومقاطعه، وفي صفة النبي عليه السلام في الكتب المنزلة: ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، وقال الجواري لعمر بن الخطاب: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله؛ الحديث، وفظاظة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنما كانت مستعملة منه آلة لعضد الحق والشدة في الدين، والفظاظة: الجفوة في المعاشرة قولاً وفعلاً ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : أخشى فَظَاظَةَ عمٍّ أَوْ جَفَاءَ أخٍ وَكُنْتُ أَخْشَى عَلَيْهَا مِنْ أذى الْكَلِمِ تفسير : وغلظ القلب: عبارة عن تجهم الوجه وقلة الانفعال في الرغائب وقلة الإشفاق والرحمة ومن ذلك قول الشاعر: [البسيط] شعر : يُبْكَى عَلَيْنا ولا نَبْكي على أحد لَنَحْنُ أَغْلَظُ أَكباداً من الإبلِ تفسير : والانفضاض: افتراق الجموع ومنه فض الخاتم. قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ فإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُمْ مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أمر الله تعالى رسوله بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عليه السلام عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة وحق، فإذا صاروا في هذه الدرجة، أمره أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة، فإذا صاروا في هذه الدرجة كانوا أهلاً للاستشارة في الأمور والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنين بقوله: {أية : وأمرهم شورى بينهم} تفسير : [الشورى: 38] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، وقال عليه السلام: المستشار مؤتمن، وصفة المستشار في الأحكام أن يكون عالماً ديناً، وقل ما يكون ذلك إلا في عاقل، فقد قال الحسن بن أبي الحسن: ما كمل دين امرىء لم يكمل عقله، وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير،والشورى بركة، وقد جعل عمر بن الخطاب الخلافة - وهي أعظم النوازل - شورى، وقال الحسن: والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم الله لأفضل ما بحضرتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه، وقد قال في غزوة بدر: أشيروا عليّ أيها الناس، في اليوم الذي تكلم فيه المقداد، ثم سعد بن عبادة، ومشاورته عليه السلام إنما هي في أمور الحرب والبعوث ونحوه من أشخاص النوازل، وأما في حلال أو حرام أو حد فتلك قوانين شرع. {أية : ما فرطنا في الكتاب من شيء} تفسير : [الأنعام: 38] وكأن الآية نزلت مؤنسة للمؤمنين، إذ كان تغلبهم على الرأي في قصة - أحد - يقتضي أن يعاقبوا بأن لا يشاوروا في المستأنف، وقرأ ابن عباس "وشاورهم في بعض الأمر" وقراءة الجمهور إنما هي باسم الجنس الذي يقع للبعض وللكل، ولا محالة أن اللفظ خاص بما ليس من تحليل وتحريم، والشورى مبينة على اختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف ويتخير، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه، عزم عليه وأنفذه متوكلاً على الله، إذ هي غاية الاجتهاد المطلوب منه، وبهذا أمر تعالى نبيه في هذه الآية، وقرأ جابر بن زيد وأبو نهيك وجعفر بن محمد وعكرمة "عزمتُ" - بضم التاء سمى الله تعالى إرشاده وتسديده عزماً منه، وهذا في المعنى نحو قوله تعالى: {أية : لتحكم بين الناس بما أراك الله} تفسير : [النساء: 105] ونحو قوله تعالى: {أية : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} تفسير : [الأنفال: 17] فجعل تعالى هزمه المشركين بحنين وتشويه وجوههم رمياً، إذ كان ذلك متصلاً برمي محمد عليه السلام بالحصباء. وقد قالت أم سلمة ثم عزم الله لي، والتوكل على الله تعالى من فروض الإيمان وفصوله، ولكنه مقترن بالجد في الطاعة والتشمير والحزامة بغاية الجهد: وليس الإلقاء باليد وما أشبهه بتوكل، وإنما هو كما قال عليه السلام: قيدها وتوكل. ثم ثبت تعالى المؤمنين بقوله: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم} أي فالزموا الأمور التي أمركم بها ووعدكم النصر معها، و"الخذل": هو الترك في مواطن الاحتياج إلى التارك، وأصله من خذل الظباء، وبهذا قيل لها: خاذل إذ تركتها أمها، وهذا على النسب أي ذات خذل لأن المتروكة هي الخاذل بمعنى مخذولة، وقوله تعالى: {فمن ذا الذي ينصركم} تقدير جوابه: لا من- والضمير في {بعده} يحتمل العودة على المكتوبة، ويحتمل العودة على الخذل الذي تضمنه قوله {إن يخذلكم}.
النسفي
تفسير : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ } متم وبابه بالكسر: نافع وكوفي غير عاصم، تابعهم حفص إلا في هذه السورة كأنه أراد الوفاق بينه وبين قتلتم. غيرهم: بضم الميم في جميع القرآن، فالضم من مات يموت، والكسر من مات يمات كخاف يخاف فكما تقول خفت تقول مت {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } «ما» بمعنى «الذي» والعائد محذوف وبالياء: حفص {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ } لإلى الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون. ولوقوع اسم الله في هذا الموضع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به شأن غني عن البرهان. «لمغفرة» جواب القسم وهو ساد مسد جواب الشرط، وكذلك «لالى الله تحشرون» كذب الكافرين أولاً في زعمهم أن من سافر من إخوانهم أو غزا لو كان بالمدينة لما مات، ونهى المسلمين عن ذلك لأنه سبب التقاعد عن الجهاد ثم قال لهم: ولئن تم عليكم ما تخافونه من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا، فإن الدنيا زاد المعاد فإذا وصل العبد إلى المراد لم يحتج إلى الزاد. {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } «ما» مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله. ومعنى الرحمة ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق والتلطف بهم {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } جافياً {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ } قاسيه { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } لتفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم {فَٱعْفُ عَنْهُمْ } ما كان منهم يوم أحد مما يختص بك {وَٱسْتَغْفِرَ لَهُمُ } فيما يختص بحق الله إتماماً للشفقة عليهم {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } أي في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي تطييباً لنفوسهم وترويحاً لقلوبهم ورفعاً لأقدارهم، ولتقتدي بك أمتك فيها. في الحديث "حديث : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم"تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه: ما رأيت أحداً أكثر مشاورة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى شاورت فلاناً أظهرت ما عندي وما عنده من الرأي. وشرت الدابة استخرجب جريها، وشرت العسل أخذته من مآخذه، وفيه دلالة جواز الاجتهاد وبيانا أن القياس حجة {فَإِذَا عَزَمْتَ } فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } في إمضاء أمرك على الأرشد لا على المشورة {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ } عليه والتوكل الاعتماد على الله والتفويض في الأمور إليه. وقال ذو النون: خلع الأرباب وقطع الأسباب {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ } كما نصركم يوم بدر {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } فلا أحد يغلبكم وإنما يدرك نصر الله من تبرأ من حوله وقوته واعتصم بربه وقدرته {وَإِن يَخْذُلْكُمْ } كما خذلكم يوم أحد {فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ } من بعد خذلانه وهو ترك المعونة، أو هو من قولك ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان تريد إذا جاوزته، وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } وليخص المؤمنون ربهم بالتوكل والتفويض إليه لعلمهم أنه لا ناصر سواه، ولأن إيمانهم يقتضي ذلك. {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } مكي وأبو عمرو وحفص وعاصم أي يخون، وبضم الياء وفتح الغين: غيرهم. يقال غلّ شيئاً من المغنم غلولاً وأغلّ إغلالاً إذا أخذه في خفية، ويقال أغله إذا وجده غالاً، والمعنى ما صح له ذلك يعني أن النبوة تنافي الغلول، وكذا من قرأ على البناء للمفعول فهو راجع إلى هذا لأن معناه: وما صح له أن يوجد غالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً. روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت الآية {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي يأت بالشيء الذي غله بعينه حاملاً له على ظهره كما جاء في الحديث «حديث : أو يأت بما احتمل من وباله وإثمه» تفسير : {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } تعطي جزاءها وافياً ولم يقل «ثم يوفى ما كسب» ليتصل بقوله «ومن يغلل» بل جيء بعام ليدخل تحته كل كاسب من الغال وغيره فاتصل به من حيث المعنى وهو أبلغ، لأنه إذا علم الغال أن كل كاسب خيراً أو شراً مجزي فموفى جزاءه علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي جزاء كل على قدر كسبه {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } أي رضا الله ــ قيل ــ هم المهاجرون والأنصار {كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مّنَ ٱللَّهِ } وهم المنافقون والكفار {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ } هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات أو ذوو درجات، والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين أو التفاوت بين الثواب والعاقب {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها. {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ }. على من آمن مع رسول الله عليه السلام من قومه، وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } من جنسهم عربياً مثلهم أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده، والمنة في ذلك من حيث إنه إذا كان منهم كان اللسان واحد فيسهل أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه، وكانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه، وكان لهم شرف بكونه منهم. وفي قراءة رسول الله «من أنفسهم» أي من أشرفهم {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } أي القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي {وَيُزَكّيهِمْ } ويطهرهم بالإيمان من دنس الكفر والطغيان أو يأخذ منهم الزكاة {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } القرآن والسنة {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ } من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم {لَفِى ضَلَـٰلٍ} عمى وجهالة {مُّبِينٍ} ظاهر لا شبهة فيه «إن» مخففة من الثقيلة واللام فارقة بينها وبين النافية والتقدير: وإن الشأن والحديث كانوا من قبل في ضلال مبين. {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ } يريد ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين وهو في موضع رفع صفة لـ «مصيبة» {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } من أين هذا {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } لاختياركم الخروج من المدينة أو لترككم المركز. لما نصب بـ «قلتم» و«أصابتكم» في محل الجر بإضافة «لما» إليه وتقديره: أقلتم حين أصابتكم. «وأنى هذا» نصب لأنه مقول والهمزة للتقرير والتقريع، وعطفت الواو هذه الجملة على ما مضى من قصة أحد من قوله: «ولقد صدقكم الله وعده». أو على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا وقلتم حينئذ كذا {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } يقدر على النصر وعلى منعه. وَمَا أَصَـٰبَكُمْ } «ما» بمعنى «الذي» وهو مبتدأ {يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } جمعكم وجمع المشركين بأحد والخبر {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } فكائن بأذن الله أي بعلمه وقضائه {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } وهو كائن ليتميز المؤمنون والمنافقون وليظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء {وَقِيلَ لَهُمْ } للمنافقين وهو كلام مبتدأ {تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي جاهدوا للآخرة كما يقاتل المؤمنون {أَوِ ٱدْفَعُواْ } أي قاتلوا دفعاً على أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم تقاتلوا للآخرة. وقيل: أو ادفعوا العدو بتكثيركم سواد المجاهدين إن لم تقاتلوا لأن كثرة السواد مما تروع العدو {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } أي لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لاتبعناكم يعنون أن ما أنتم فيه لخطإ رأيكم ليس بشيء، ولا يقال لمثله قتال إنما هو إلقاء النفس في التهلكة { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ } يعني أنهم كانوا يتظاهرون بالإيمان قبل ذلك وما ظهرت منهم أمارة تؤذن بكفرهم، فلما انخذلوا عن عسكر المؤمنين وقالوا ما قالوا تباعدوا بذلك عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر، أو هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان لأن تقليلهم سواد المؤمنين بالانخذال تقوية للمشركين {يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } أي يظهرون خلاف ما يضمرون من الإيمان وغيره والتقييد بالأفواه للتأكيد ونفي المجاز {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من النفاق {ٱلَّذِينَ قَالُواْ } أي ابن أبيّ وأصحابه وهو في موضع رفع على «هم الذين قالوا» أو على الإبدال من واو «يكتمون» أو نصب بإضمار «أعني»، أو على البدل من «الذين نافقوا» أو جر على البدل من الضمير «في أفواههم» أو «قلوبهم» {لإِخْوٰنِهِمْ } لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد {وَقَعَدُواْ } أي قالوا وقد قعدوا عن القتال {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا } لو أطاعنا إخواننا فيما أمرناهم به من الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والقعود ووافقونا فيه لما قتلوا كما لم نقتل {قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } بأن الحذر ينفع من القدر فخذوا حذركم من الموت، أو معناه قل إن كنتم صادقين في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال فجدوا إلى دفع الموت سبيلاً. وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً. ونزل في قتلى أحد {وَلاَ تَحْسَبَنَّ } شامي وحمزة وعلي وعاصم، وبكسر السين غيرهم: والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد {ٱلَّذِينَ قَتَلُواْ } «قتلوا»: شامي {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوٰتاً بَلْ أَحْيَاء } بل هم أحياء {عِندَ رَبّهِمْ } مقربون عنده ذوو زلفى {يُرْزَقُونَ } مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون، وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها من التنعم برزق الله «فرحين» حال من الضمير في «يرزقون» {بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } وهو التوفيق في الشهادة وما ساق إليهم من الكرامة والتفضيل على غيرهم من كونهم أحياء مقربين معجلاً لهم رزق الجنة ونعيمها. وقال النبي عليه السلام "حديث : لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تدور في أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش"تفسير : وقيل: هذا الرزق في الجنة يوم القيامة وهو ضعيف لأنه لا يبقى للتخصيص فائدة {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ } بإخوانهم المجاهدين الذين {لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } لم يقتلوا فيلحقوا بهم {مّنْ خَلْفِهِمْ } يريد الذين من خلفهم قد بقوا من بعدهم وهم قد تقدموهم أو لم يلحقوا بهم لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم {أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } بدل من «الذين» والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به. وفي ذكر حال الشهداء واستبشارهم بمن خلفهم، بعثٌ للباقين بعدهم على الجد في الجهاد والرغبة في نيل منازل الشهداء {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة} يعني في العاقبة {خير مما تجمعون} يعني من الغنائم والمعنى ولئن تم عليكم ما تخافونه من القتل في سبيل الله أو الهلاك بالموت فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت والقتل في سبيل الله خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا {ولئن متم أو فعلتم لإلى الله تحشرون} يعني لإلى الله الرحيم الواسع الرحمة والمغفرة المثيب العظيم الثواب تحشرون في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. وقد قسم بعض مقامات العبودية ثلاثة أقسام فمن عبد الله خوفاً من ناره أمنه الله مما يخاف وإليه الإشارة بقوله تعالى لمغفرة من الله ومن عبد الله تعالى شوقاً إلى جنته أناله ما يرجو. وإليه الإشارة بقوله تعالى لمغفرة من الله ومن عبد الله تعالى شوقاً إلى جنته أناله ما يرجو وإليه الإشارة بقوله تعالى ورحمة لأن الرحمة من أسماء الجنة ومن عبد الله شوقاً إلى وجهه الكريم لا يريد غيره فهذا هو العبد المخلص الذي يتجلى له الحق سبحانه وتعالى في دار كرامته. وإليه الإشارة بقوله لإلى الله تحشرون. قوله عز وجل: {فبما رحمة من الله لنت لهم} أي فبرحمة من الله وما صلة لنت لهم أي سهلت لهم أخلاقك وكثرة احتمالك ولم تسرع إليهم بتعنيف على ما كان يوم أحد منهم ومعنى فبما رحمة من الله هو توفيق الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم للرفق والتلطف بهم وإن الله تعالى ألقى في قلب نبيه صلى الله عليه وسلم داعية الرحمة واللطف حتى فعل ذلك معهم {ولو كنت فظاً} يعني جافياً {غليظ القلب} يعني قاسي القلب سيئ الخلق قليل الاحتمال {لانفضوا من حولك} أي لنفروا عنك وتفرقوا حتى لا يبقى منهم أحد عندك {فاعف عنهم} أي تجاوز عن زلاتهم وما أتوا يوم أحد {واستغفر لهم} أي واسأل الله المغفرة لهم حتى يشفعك فيهم وقيل فاعف عنهم فيما يختص بك واستغفر لهم فيما يختص بحقوق الله وذلك من تمام الشفقة عليهم {وشاورهم في الأمر} أي استخرج آراءهم واعلم ما عندهم. واختلف العلماء في المعنى الذي من أجله أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بالمشاورة لهم مع كمال عقله وجزالة رأيه ونزول الوحي عليه ووجوب طاعته وعلى كافة الخلق فيما أحبوا أو كرهوا. فقيل هو عام مخصوص والمعنى وشاورهم فيما ليس عندك من الله فيه عهد وذلك في أمر الحرب ونحوه من أمور الدنيا لتستظهر برأيهم فيما تشاورهم فيه. وقيل أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم تطييباً لقلوبهم فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم فإن سادات العرب كانوا إذا لم يشاوروا في الأمور شق ذلك عليهم. وقال الحسن قد علم الله تعالى أن ما به إلى مشاورتهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده من أمته، وقيل إنما أمر بمشاورتهم ليعلم مقادير عقولهم وأفهامهم لا ليستفيد منهم رأياً وروى البغوي بسنده عن عائشة أنها قالت ما رأيت رجلاً أكثر استشارة للرجال من رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفق العلماء على أن كل ما نزل فيه وحي من الله تعالى لم يجز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشاور فيه الأمة وإنما أمر أن يشاور فيما سوى ذلك من أمر الدنيا ومصالح الحرب ونحو ذلك وقيل أن يشاورهم في أمر الدين والدنيا فيما لم ينزل عليه فيه شيء لأن النبي صلى الله عليه وسلم شاورهم في أسارى بدر وهو من أمر الدين قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه والتدبر قبل العمل يؤمنك من الندم. وقال بعض الحكماء ما استنبط الصواب بمثل المشاورة ومن فوائد المشاورة أنه قد يعزم الإنسان على أمر فيشاور فيه فيتبين له الصواب في قول غيره فيعلم بذلك عجز نفسه عن الإحاطة بفنون المصالح ومنها أنه إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محض قدر فلم يلم نفسه وقال بعضهم في مدح المشاورة: شعر : وشاور إذا شاورت كل مهذب لبيب أخي حزم لترشد في الأمر ولا تك ممن يستبد برأيه فتعجز أو لا تستريح من الفكر ألم تر أن الله قال لعبده وشاورهم في الأمر حتماً بلا نكر تفسير : قوله تعالى: {فإذا عزمت} يعني على المشاورة {فتوكل على الله} أي فاستعن بالله في أمورك كلها وثق به ولا تعتمد إلا عليه فإنه ولي الإعانة والعصمة والتسديد والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله تعالى في جميع أموره وأن المشاورة لا تنافي التوكل {إن الله يحب المتوكلين} يعني المتوكلين عليه في جميع أمورهم.
ابو السعود
تفسير : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} شروعٌ في تحقيق أن ما يحذرون ترتُّبَه على الغزو والسفر من القتل والموتِ في سبـيل الله تعالى ليس مما ينبغي أن يُحذر، بل مما يجب أن يتنافسَ فيه المتنافسون إثرَ إبطالِ ترتُّبِه عليهما، واللامُ هي الموطئةُ للقسم واللام في قوله تعالى: {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ} لامُ الابتداء، والتنوينُ في الموضعين للتقليل، ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً للمبتدأ، وقد حُذفت صفةُ رحمةٌ لدِلالة المذكورِ عليها، والجملةُ جوابٌ للقسم سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرطِ والمعنى أن السفرَ والغزوَ ليس مما يجلُب الموتَ ويقدّم الأجلَ أصلاً ولئن وقع ذلك بأمر الله تعالى لنفحةٌ يسيرةٌ من مغفرة ورحمةً كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك {خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ} أي الكفرةُ من منافعِ الدنيا وطيّباتها مدةَ أعمارِهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما خيرٌ من طِلاع الأرضِ ذَهَبةً حمراءَ. وقرىء بالتاء أي مما تجمعونه أنتم لو لم تموتوا، والاقتصارُ على بـيان خيريتِهما من ذلك بلا تعرّضٍ للإخبار بحصولهما لهم للإيذان بعدم الحاجةِ إليه بناءً على استحالة التخيـيبِ منه تعالى بعد الإطماعِ وقد قيل: لا بد من حذفٍ آخَرَ أي لمغفرةٌ لكم من الله الخ، وحينئذ يكون أيضاً إخراجُ المقدَّرِ مُخرَجَ الصفةِ دون الخبر لنحو ما ذُكر من ادعاء الظهورِ والغِنى عن الإخبار به، وتغيـيرُ الترتيب الواقعِ في قولهم: ما ماتوا وما قتلوا ــ المبنيِّ على كثرة الوقوعِ وقلته ــ للمبالغة في الترغيب في الجهاد ببـيان زيادةِ مزيةِ القتلِ في سبـيل الله وإنافتِه في استجلاب المغفرةِ والرحمةِ، وفيه دَلالةٌ واضحةٌ على ما مر من أن المقصودَ بالنهي إنما هو عدمُ مماثلتِهم في الاعتقاد بمضمون القولِ المذكورِ والعملِ بموجبه لا في النطق به وإضلالِ الناسِ به. {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ} أي على أيِّ وجهٍ اتفق هلاكُكم حسب تعلُّقِ الإرادةِ الإلٰهيةِ وقرىء مِتّم بكسر الميمِ من مات {لإِلَى ٱلله} أي إلى المعبود بالحق العظيمِ الشأنِ الواسعِ الرحمةِ الجزيلِ الإحسانِ {تُحْشَرُونَ} لا إلى غيره فيوفيكم أجورَكم ويُجزِل عطاءَكم، والكلام في لامَي الجملة كما مر في أختها.
القشيري
تفسير : بذل الروح في الله خير من الحياة بغير الله، والرجوع إلى الله خير لمن عرف الله من البقاء مع غير الله، وما يؤثره العبدُ على الله فغير مبارك، إنْ شِئتَ: والدنيا، وإنْ شِئْتَ: والعقبى. قوله: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله تُحْشَرُونَ}: إذا كان المصير إلى الله طاب المسيرُ إلى الله: وإنَّ سَفْرةً إليه بعدها نَحُطُّ رِحَالَنا لَمُقَاسَاتُها أحلى من العسل!.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولئن قتلتم فى سبيل الله او متم} فى سبيله وانتم مؤمنون واللام هى الموطئة للقسم المحذوف وجوابه قوله تعالى {لمغفرة من الله ورحمة} وحذف جواب الشرط لسد جواب القسم مسده لكونه دالا عليه والمعنى ان السفر والغزو ليس مما يجلب الموت ويقدم الاجل اصلا ولئن وقع ذلك بامر الله تعالى لنفحة يسيرة من مغفرة ورحمة كائنتين من الله تعالى بمقابلة ذلك {خير مما يجمعون} اى الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة اعمارهم. فان قيل كيف تكون المغفرة موصوفة بانها خير مما يجمعون ولا خير فيما يجمعون اصلا. قلنا ان الذى يجمعونه فى الدنيا قد يكون من باب الحلال الذى يعد خيرا وايضا هذا وارد على حسب قولهم ومعتقدهم ان تلك الاموال خيرات فقيل المغفرة خير من هذه الاشياء التى تظنونها خيرات.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: إذا اجتمع القسم والشرط ذكر جواب الأول وأغنى عن الثاني، فقوله: {لمغفرة}: جواب القسم، أغنى عن جواب {إن}، والتقدير: إن قتلتم في سبيل الله غفر الله لكم، ثم سد عنه {لمغفرة...} الخ، ومن قرأ: {مِتم} بكسر الميم، فهو من: مات يمات، كهاب يهاب هِبتُ، وخاف يخاف خِفتُ، ومن قرأ بالضم: فمن مات يموت، كقال يقول قُلت. يقول الحقّ جلّ جلاله: إن السفر والغزو ليس هما مما يجلب الموت أو يقدم الأجل، وعلى تقدير: لو وقع ذلك وحضر أجلكم فيه وقتلتم {في سبيل الله} بالسيف، {أو متم} حتف أنفكم، لما تنالون من المغفرة والرحمة والروح والريحان {خير مما تجمعون} من حطام الدنيا الفانية لو لم تموتوا، وعلى أي وجه متم أو قتلتم فلا تحشرون إلا إلى الله، لا إلى أحد غيره، فيوفى جزاءكم ويعظم ثوابكم، وأما البقاء في الدنيا فلا مطمع لأحد فيه، سافر أو قعد في بيته، وقدَّم أولاً القتل على الموت وأخره ثانياً؛ لأن الأول رتب عليه المغفرة والرحمة، وهما في حق من فتل في الجهاد أعظم ممن مات بغيره، فقدمه؛ اعتناء به، وفي الثاني رتب عليه الحشر، وهو مستوٍ في القتل والموت، فلا مزية فيه للقتل على الموت. والله أعلم. الإشارة: ولئن قتلتم نفوسكم وبذلتم مهجكم في طلب محبوبكم، فظفرتم بالوصول إليه قبل موتكم، أو متم في السير قبل الوصول إلى محبوبكم، لما تنالون من كمال اليقين وشهود رب العالمين، أو من المغفرة والرحمة التي تضمكم إلى جواره، خير مما كنتم تجمعون من الدنيا قبل توجهكم إليه، فإن الموت والحشر مكتوب على كل مخلوق، فيظهر فوز المجاهدين والمتوجهين، وغبن القاعدين المستوفين. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : المعنى، والاعراب: إن قيل كيف قال: {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} مع تفاوت ما بينهما ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول الانسان للدرة خير من البعرة؟! قيل: إنما جاز ذلك لأن الناس يؤثرون حال الدنيا على الآخرة حتى أنهم يتركون الجهاد في سبيل الله محبة للدنيا، والاستكثار منها، وما جمعوا فيها. فان قيل أين جواب الجزاء بـ (إن)؟ قيل: استغني عنه بجواب القسم في قوله: {لمغفرة من الله ورحمة خير} وقد اجتمع شيئان كل واحد منهما يحتاج إلى جواب، فكان جواب القسم أولى بالذكر - لأن له صدر الكلام - مما يذكر في حشوه. فان قيل: لم شرط {لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} وهو خير كيف تصرفت الحال؟ قلنا: لأنه لا يكون {لمغفرة} بالتعرض للقتل في سبيل الله خيراً من غير أن يقع التعرض لذلك لاستحالة استحقاقها بما لم يكن منه، لأنه لم يفعل. فان قيل: لم جاز جواب القسم مع الماضي في الجزاء دون المستقبل في نحو قولهم لئن قتلتم لمغفرة خير؟ قلنا: لأن حرف الجزاء إذا لم يعمل في الجواب لم يحسن أن يعمل في الشرط، لأن إلغاءه من أحدهما يوجب ألغاءه من الآخر كما أن اعماله في أحدهما يوجب اعماله في الآخر لئلا يتنافر الكلام بالتفاوت. فان قيل: لم أعملت (ان) ولم تعمل (لو) وكل واحدة منهما تعقد الفعل بالجواب؟ قلنا: لأن (ان) تنقل الفعل نقلين إلى الاستقبال، والجزاء، وليس كذلك (لو) لأنها لما مضى. ان قيل: كيف وجب بالتعرض للقتل المغفرة وإنما تجب بالتوبة؟ قلنا: لأنه يجب به تكفير الصغيرة مع أنه لطف في التوبة من الكبيرة. ومعنى الآية أن المنافقين كانوا يثبطون المؤمنين عن الجهاد، على ما تقدم شرحه في هذه السورة فبين الله تعالى لو انكم إن قتلتم أو متم من غير أن تقتلوا {لمغفرة من الله ورحمة} تنالونهما {خير مما يجمعون} من حطام الدنيا، والبقاء فيها، وانتفاعكم في هذه الدنيا، لأن جميع ذلك إلى زوال.
الجنابذي
تفسير : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ} فى سبيله {لَمَغْفِرَةٌ} عظيمة {مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ} عظيمة حاصلة لكم خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} اى هؤلاء المنافقون او الكفّار او سائر النّاس من حطام الدّنيا واعراضها فى الحياة الدّنيا.
فرات الكوفي
تفسير : {وَلَئن قُتِلْتُمْ في سبيل الله أومتّم157} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر [عليه السلام. أ] قال: سألته عن هذه الآية {ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم} قال: قال: أتدرون ما سبيل الله؟ قال: قلت: لا والله [إلا. ب، أ] أن أسمعه منك. فقال [أ: قال:] سبيل الله علي [بن أبي طالب. ر] وذريته ومن قتل في ولايته قتل في سبيل الله ومن مات في ولايته مات في سبيل الله.
اطفيش
تفسير : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ}: فى سبيله بلا قتل، كمن مات بمرض أو لدغ أو لسع أو غير ذلك بعد خروجه إلى الغزو، وكسرة ميم {متم} الأولى لتدل على حركة عين الكلمة المحذوفة، وحركتها كسرة وذلك لأنه من لغة من يقول مات يمات بكسر عين الماضى وفتح عين المضارع، وأصل مات موت بكسر الواو، قلبت ألفاً لتحركها بعد فتح، وأصل يمات يموت بإسكان الميم، وفتح الواو نقلت فتحتها للميم، وقلبت ألفاً وذلك قراءة نافع والكسائى وحمزة، وقرأ غيره بضم الميم على لغة مات يموت كقال يقول ضم الميم، دلالة على أن عين الكلمة واو، أو نقل إلى فعل بضم العين عند اتصال ضمير الرفع المتحرك وكذا القراءتان فى جميع القرآن فى متم ومتنا ومت، واللام موطئة لجواب قسم محذوف، أى والله لئن قتلتم فى سبيل الله، أو متم والجواب قوله تعالى: {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}: فاللام لام التأكيد فى جواب القسم، أو لام الابتداء أو كلاهما مسوغ للابتداء بالنكرة وسوغ هنا أيضاً الوصف وهو من الله، ورحمة معطوف على مغفرة، فمسوغه اللام، ووصف محذوف أى ورحمة منه، وجواب القسم مغن عن جواب الشرط، وقيل: يقدر له جواب من جنس القسم وجوابه، أى إن متم أو قتلتم فى سبيل الله، فوالله لمغفرة لذنوبكم من أجل ذلك الجهاد، أو الخروج إليه، والموت والقتل ورحمة بالجنة ونعيمها لأرواحكم قبل القيامة ولهم لجسادكم بعدها خير مما تجمعون من مال الدنيا ومنافعها، ولو كانت كلها لكم ذهباً أحمر أو جئتم، وقدم القتل هنا لأن المقام لذكر المغفرة والرحمة أشرف وأهم، لأن الثواب عليه أكثر، والتنكير للقليل، أى مغفرة قليلة، ورحمة قليلة خير من الدنيا، أو للتعظيم، أو للتكثير لبيان الواقع، لا لأنه لا يكون خيرا منها إلا العظيم أو الكثير منهما، وقرأ حفص: يجمعون بالتحتية أى لمغفرة من الله ورحمة للميت أو المقتول فى سبيل الله خير مما يجمع الكفار. وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من سأل الشهادة بصدق بلغة الله منازل الشهداء وإن مات عل فراشه"تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من طلب الشهادة صادقاً أعطيها ولو لم تصبه ".
اطفيش
تفسير : {وَلِئْنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ} قدم القتل لأنه أعظم ثوابا {أَوْ مُتُّمْ} فى السفر إلى الجهاد، أو فى موطن الجهاد، أو فى الرجوع منه بلا قتل، والكسرة فى الميم دليل على كسر العين كخاف تخاف، وهو لغة فى مات يموت {لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ} لذنوبكم ن أى تجاوز عنها لموتكم فى سبيل الله، بقتل أو دونه، وهذا يناسب من يعهد الله خوفا من عقاب، ومن الله نعت لمغفرة ويقدر مثله فى قوله {وَرَحْمَةٌ} جنة، أى منه: فإن رحمة من أسماء الجنة، أو تفضل بالإنعام، وهذا يناسب من يعبده طلبا للثواب، وأخرها لأن التحلى بعد التخلى، وزعم بعض أنه أشار إلى من يعبده إعظاما له، لا خوفا من عقاب، ولا قصداً للإنعام بقوله، {أية : لإلى الله تحشرون} تفسير : [آل عمران: 158]، ولا وجه له، إذ لا يدل الحشر على ذلك إلا أنه زعم أنه يحشر فيرى الله وهو اعتقاد فاسد، باطل منكر أو بقصد أن الحشر إلى الله بالموت أو بالبعث باب للقاء المحبوب سبحانه، ويناسبه اختيار تقديم مطلق الموت على القتل فى الآية بعد {خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} فى الدنيا من مال وولد، وعز وجاه، وخدم وأعوان.
الالوسي
تفسير : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ } أيها المؤمنون {فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي في الجهاد {أَوْ مُتُّمْ } حتف الأنف وأنتم متلبسون به فعلاً أو نية. {لَمَغْفِرَةٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } أي الكفار من منافع الدنيا ولذاتها مدة أعمارهم وهذا ترغيب للمؤمنين في الجهاد وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون، وفيه تعزية لهم وتسلية مما أصابهم في سبيل الله تعالى إثر إبطال ما عسى أن يثبطهم عن إعلاء كلمة الله تعالى، واللام الأولى: هي موطئة للقسم، والثانية: واقعة في جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه ـ ومغفرة ـ مبتدأ و {مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع صفة لها ووصفت بذلك إظهاراً للاعتناء بها، ورمزاً إلى تحقق وقوعها، وذهب غير واحد إلى تقدير صفة أخرى أي لمغفرة لكم من الله، وحذفت صفة {رَحْمَةٌ } لدلالة المذكور عليها والتنوين فيهما للتقليل ولا ينافي ذلك ما يشير إليه الوصف، وثبوت أصل الخيرية لما يجمعه الكفار كما يقتضيه أفعل التفضيل إما بناءاً على أن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يعد خيراً في نفس الأمر. وإما أن ذلك وارد / على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خير، وجوز في ـ ما ـ أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف، أو مصدرية ويكون المفعول حينئذٍ محذوفاً أي من جمعهم المال، وقرأ نافع وأهل الكوفة ـ غير عاصم ـ {مُّتُّمْ } بالكسر ووافقهم حفص في سائر المواضع إلا هٰهنا، وقرأ الباقون بضم الميم وهو على الأول: من مات يمات مثل خفتم من خاف يخاف، وعلى الثاني: من مات يموت مثل كنتم من كان يكون، وقرأ حفص عن عاصم {يَجْمَعُونَ } بالياء على صيغة الغيبة، وقرأ الباقون ـ تجمعون ـ بالتاء على صيغة الخطاب والضمير للمؤمنين، وقدم القتل على الموت لأنه أكثر ثواباً وأعظم عند الله تعالى، فترتب المغفرة والرحمة عليه أقوى وعكس في قوله سبحانه: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ٱلله...}.
ابن عاشور
تفسير : ذكر ترغيباً وترهيباً، فجعل الموت في سبيل الله والموت في غير سبيل الله، إذا أعقبتهما المَغفرة خيراً من الحياة وما يجمعون فيها، وجعل الموت والقتل في سبيل الله وسيلة للحشر والحساب فلْيَعْلَم أحد بماذَا يُلاقي ربّه. والواو للعطف على قوله: {لا تكذبوا كالذين كفروا} وعلى قوله: {أية : والله يحي ويميت}تفسير : [آل عمران: 156] واللام في قوله: {ولئن قتلتم} موطّئة للقسم أي مؤذنة بأنّ قبلها قسماً مقدّراً، ورد بعده شرط فلذلك لا تقع إلاّ مع الشرط. واللام في قوله: {لمغفرة} هي لام جواب القسم. والجوابُ هو قوله: {لمغفرة من الله ورحمة خير} لظهور أنّ التقدير: لمغفرة ورحمة لكم. وقرأه نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف: مِتّم ـــ بكسر الميم ـــ على لغة الحجاز لأنَّهم جعلوا مَاضيهُ مثل خَاف، اعتبروه مكسور العين وجعلوا مضارعه من باب قَام فقالوا: يموت، ولم يقولوا: يمات، فهو من تداخل اللغتين. وأمَّا سُفلى مضر فقد جاءوا به في الحالين من باب: قام فقرأوه: مُتُّم. وبها قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عَمرو، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب. وقرأ الجمهور، {ممَّا تجمعون} ـــ بتاء الخطاب ـــ وقرأ حفص عن عاصم ـــ بياء الغائب ـــ على أنّ الضّمير عائد إلى المشركين أي خير لكم من غنائم المشركين الّتي جمعوها وطمعتم أنتم في غنمها. وقُدّم القتل في الأولى والموتُ في الثانية اعتباراً بعطف ما يظنّ أنّه أبْعد عن الحكم فإنّ كون القتل في سبيل الله سبباً للمغفرة أمر قريب، ولكن كون الموت في غير السبيل مثل ذلك أمر خفي مستبعد، وكذلك تقديم الموت في الثَّانية لأنّ القتل في سبيل الله قد يظنّ أنَّه بعيد عن أن يعقبه الحشر، مع ما فيه من التفنّن، ومن ردّ العجز على الصدر وجعل القتل مبدأ الكلام وعوده.
الشنقيطي
تفسير : ذكر في هذه الآية الكريمة أن المقتول في الجهاد والميت كلاهما ينال مغفرة من الله ورحمة خيراً له مما يجمعه من حطام الدنيا وأوضح وجه ذلك في آية أخرى بين فيها أن الله اشترى منه حياة قصيرة فانية منغصة بالمصائب والآلام بحياة أبدية لذيذة لا تنقطع ولا يتأذى صاحبها بشيء واشترى منه مالاً قليلاً فانياً بملك لا ينفد ولا ينقضي أبداً وهي قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [التوبة: 111] وقال تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً} تفسير : [الإنسان: 20] وبين في آية أخرى أن فضل الله ورحمته خير مما يجمعه أهل الدنيا من حطامها وزاد فيها الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته دون حطام الدنيا وهي قوله تعالى: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون} تفسير : [يونس: 58] وتقديم المعمول يؤذن بالحصر أعني قوله: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} أي: دون غيره فلا يفرحوا بحطام الدنيا الذي يجمعونه. وقال تعالى: {أية : نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون} تفسير : [الزخرف: 32].
الواحدي
تفسير : {ولئن قتلتم} [أي: والله لئن قتلتم]. {في سبيل الله} في الجهاد أيُّها المؤمنون {أو متم} في سبيل الله ليغفرنَّ لكم وهو {خيرٌ مما يَجمعون} من أعراض الدُّنيا. {ولئن متم} مُقيمين على الجهاد {أو قتلْتُم} مجاهدين {لإِلى الله تحشرون} في الحالين. {فبما رحمة من الله} أَيْ: فَبِرَحْمةٍ، أَيْ: فبنعمةٍ من الله وإحسانٍ منه إليك {لِنت لهم} يا محمد: أَيْ: سهلت أخلاقك لهم، وكثر احتمالك {ولو كنت فظاً} غليظاً في القول {غليظ القلب} في الفعل {لانفضُّوا} لتفرَّقوا {من حولك فاعف عنهم} فيما فعلوا يومَ أُحدٍ {واستغفر لهم} حتى أُشفِّك فيهم {وشاورهم في الأمر} تطييباً لنفوسهم، ورفعاً من أقدارهم، ولتصير سنَّةً {فإذا عزمت} على ما تريد إمضاءه {فتوكل على الله} لا على المشاورة. {إنْ ينصركم الله فلا غالب لكم} من النَّاس {وإن يخذلكم} [يوم أُحد] لا ينصركم أحدٌ من بعده، والمعنى: لا تتركوا أمري للنَّاس، وارفضوا النَّاس لأمري. {وما كان لنبيٍّ أن يغلَّ} أَيْ: يخون بكتمان شيءٍ من الغنيمة عن أصحابه. نزلت في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدرٍ، فقال النَّاس: لعلَّ النَّبيَّ أخذها، فنفى الله تعالى عنه الغلول، وبيَّن أنَّه ما غلَّ نبيٌّ، والمعنى: ما كان لنبيٍّ غلولٌ {ومن يَغْلُلْ يأت بما غلَّ} حاملاً له على ظهره {يوم القيامة ثمَّ توفى كل نفس ما كسبت} أَيْ: تُجازى ثواب عملها {وهم لا يظلمون} لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً. {أفمن اتَّبع رضوان الله} بالإيمان به والعمل بطاعته، يعني: المؤمنين {كمَنْ باء بسخطٍ من الله} احتمله بالكفر به، والعمل بمعصيته، يعني: المنافقين. {هم درجاتٌ عند الله} أَيْ: أهل درجات عند الله. يريد أنَّهم مختلفو المنازل فَلِمَن اتِّبع رضوان الله الكرامة والثَّواب، ولِمَنْ باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعذاب {والله بصيرٌ بما يعملون} فيه حثٌّ على الطَّاعة، وتحذيرٌ عن المعصية. {لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أَيْ: واحداً منهم عُرِف أمره، وخبرُ صدقه وأمانته، ليس بمَلَك ولا أحدٍ من غير بني آدم، وباقي الآية ذُكر في سورة البقرة. {وإن كانوا من قَبْلُ} [وقد كانوا] من قبل بعثه {لفي ضلالٍ مبين}.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 157- ولئن قتلتم فى الجهاد أو متم فى أثنائه، لمغفرة من الله لذنوبكم ورحمة منه لكم، خير مما تجمعونه من متاع الدنيا لو بقيتم. 158- ولئن متم أو قتلتم فى الجهاد فلن تضيع أعمالكم، بل ستحشرون إلى الله فيثيبكم على جهادكم وإخلاصكم. 159- كان رحمة من الله بك وبهم أن لِنْتَ لهم ولم تغلظ فى القول بسبب خطئهم، ولو كنت جافى المعاملة قاسى القلب، لتفرقوا من حولك، فتجاوز عن خطئهم، واطلب المغفرة لهم، واستشرهم فى الأمر متعرفاً آراءهم مما لم ينزل عليك فيه وحى، فإذا عقدت عزمك على أمر بعد المشاروة فامض فيه متوكلاً على الله، لأن الله يحب من يفوض أموره إليه. 160- إن يؤيدكم الله بنصره - كما حصل يوم بدر - فلن يغلبكم أحد، وإن قدر لكم الخذلان لعدم اتخاذكم أسباب النصر - كما حصل يوم أُحد - فلا ناصر لكم سواه، وعلى الله - وحده - يجب أن يعتمد المؤمنون ويفوضوا أمرهم إليه.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلَئِنْ} (157) - فَالذِينَ يُقْتَلُونَ وَهُمْ يُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ إعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ، وَنَصْرِ دِينِهِ، أوْ يَمُوتُونَ فِي أثْنَاءِ الجِهَادِ، سَيَجِدُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ مَغْفِرَةً تَمْحُو مَا كَانَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَرَحْمَةً وَرِضْوَاناً خَيْراً مِنْ جَمِيعِ مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ الكُفَّارُ مِنَ المَالِ وَالمَتَاعِ فِي هَذِهِ الدُّنيا الفَانِيةِ، فَهذا ظِلٌّ زَائِلٌ، وَذَاكَ نَعِيمٌ خَالِدٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والذي يحرص على ألا يخوض المعركة مخافة أن يُقتل، فما الذي يرجح عنده هذا العمل؟ إنه يبتغي الخير بالحياة. وما دام يبتغي الخير بالحياة، إذن فحركته في الحياة في وهمه ستأتيه بخير، فهو يخشى أن يموت ويترك ذلك الخير، إنه لم يمتلك بصيرة إيمانية، ونقول له: الخير في حياتك على قدر حركتك: قوة وعلماً وحكمة، أما تمتعك حين تلتقي بالله شهيداً فعلى قدر ما عند الله من فضل ورحمة وهي عطاءات بلا حدود، إذن فأنت ضيعت على نفسك الفرق بين قُدرتك وحِكمتك وعِلمك وحَركتك في الكسب وبين ما يُنسب إلى الله في كل ذلك، ولذلك يقول الحق: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 157]. وبعد ذلك يقول الحق: {وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى ...}.
الأندلسي
تفسير : {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} قدم القتل على الموت لقرب قوله: وما قتلوا. وقرىء متّم بكسر الميم من مات يمات، كخاف يخاف، وبضمها من مات يموت ووزن الأول فعل، والثاني فعل. واللام في قوله: {لَمَغْفِرَةٌ} جواب القسم المحذوف قبل لام التوطئة أي والله لئن قتلتم ومغفرة نكرة وُصلت بقوله: من الله، وخير خبر، والمعنى خير لكم مما تجمعون من حطام الدنيا. والخطاب للمؤمنين. {وَلَئِنْ مُّتُّمْ} قدم الموت لمقاربة قوله: أو متم، والخطاب عام للمؤمن والكافر. واللام في {لإِلَى ٱلله} جواب القسم المحذوف، وإلى الله متعلق بقوله: {تُحْشَرُونَ} ولا تدخل نون التوكيد فيه للفصل بينه وبين اللام ولو لم يفصل لكان الكلام لتحشرن إلى الله وقيل هو خطاب للمؤمنين كالخطاب السابق ولذلك قدره الزمخشري لآلي الرحيم الواسع الرحمة المثيب العظيم الثواب تحشرون، قال: ولوقوع اسم الله هذا الموقع مع تقديمه وإدخال اللام على الحرف المتصل به شأن ليس بالخفي. "انتهى". يشير بذلك إلى مذهبه من أن التقديم يؤذن بالاختصاص فكان المعنى عنده فإِلى الله لا غيره تحشرون وهو عندنا لا يدل بالوضع على ذلك وإنما يدل التقديم على الاعتناء بالشيء والاهتمام بذكره كما قال سيبويه: وزاده حسناً هنا أن تأخير الفعل هنا فاصلة فلو تأخر المجرور لفات هذا الغرض. {فَبِمَا رَحْمَةٍ} ما زائدة والمجرور متعلق بلنت. قال الرازي: قال المحققون: دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز وهنا يجوز أن تكون ما استفهامية للتعجب تقديره فبأي رحمة من الله لنت لهم، وذلك بأن جنايتهم لما كانت عظيمة، ثم إنه ما أظهر البتة تغليظاً في القول ولا خشونة في الكلام علموا أنّ هذا لا يتأتى إلا بتأييد رباني قبل ذلك. انتهى كلامه. وما قاله المحققون صحيح لكن زيادة ما للتوكيد لا ينكره في أماكنه من له أدنى تعلق بالعربية فضلاً عمن يتعاطى تفسير كلام الله وليس ما في هذا المكان مما يتوهمه أحد مهملاً فلا يحتاج ذلك إلى تأويلها بأن تكون استفهاماً للتعجب، ثم أن تقديره ذلك فبأي رحمة دليل على أنه جعل ما مضافة للرحمة وما ذهب إليه خطأ من وجهين: احدهما أنه لا تضاف ما الاستفهامية ولا أسماء الاستفهام غيْر أي بلا خلاف وكم على مذهب أبي إسحاق. والثاني: أنه إذا لم تصحّ الإِضافة فيكون إعرابه بدلاً وإذا كان بدلاً من اسم الاستفهام فلا بد من إعادة همزة الاستفهام في البدل وهذا الرجل لحظ المعنى ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو من أحكام الألفاظ وكان يغنيه عن هذا الارتباك والتسلق إلى ما لا يحسنه، والتسور عليه قول الزجاج في ما هذه: أنها صلة فيها معنى التوكيد بإِجماع النحويين والرحمة هي لين القلب ودماثته وتحننه على المرحوم. والفظاظة: الجفوة قولاً وفعلاً. وغلظ القلب: صلابته وشدته بحيث لا يلين. والانفضاض: التفرق. {مِنْ حَوْلِكَ} من جهتك. {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} أي عما اجترحوه من العصيان لك حيث فروا. {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} أي أطلب الغفران لهم من الله. {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} تنبيه على رضاه عليه السلام عنهم، وجعلهم أهلاً للمشاورة. وهذا الترتيب في غاية الحسن أمره تعالى بعفوه عنهم وذلك فيما كان خاصاً به من تبعة له عليهم فيما هو مختص بحق الله تعالى ثم بالمشاورة وفيها فوائد تطييب نفوسهم والرفع من مقدارهم بصفاء قلبه لهم حيث أهلهم للمشاورة واختبار عقولهم واجتهادهم فيما فيه وجه الصلاح، وجرى على مناهج العرب وعادتهم في الاستشارة في الأمور وإذا لم يشاور أحداً منهم حصل في نفسه شيء. ولذلك عزّ على عليّ وأهل البيت كونهم استبد عليهم في المشورة في خلافة أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين. (قال) ابن عطية: أمر بتدريج بليغ أمر بالعفو عنهم فيما يخصه، وإذا صاروا في هذه الدرجة أمر بالاستغفار فيما لله تعالى فإِذا صاروا في هذه الدرجة أمر بالاستشارة في الأمور إذا صاروا أهلاً لها. "انتهى". وفيه بعض تلخيص ولا يظهر هذا التدريج من اللفظ ولكن هذه حكمة تقديم هذه الأوامر بعضها على بعض، أمر أولاً بالعفو عنهم إذا عفوه عنهم مسقط لحقه ودليل على رضاه عليه السلام ولما سقط حقه بعفوه استغفر لهم الله ليكمل لهم صفحه وصفح الله عنهم ويحصل لهم رضاه عليه السلام ورضى الله تعالى عنهم فلما زالت عنهم التبعات من الجانبين شاورهم إيذاناً بأنهم أهل للمحبة الصادقة والخلة الناصحة، إذ لا يستشير الانسان إلا من كان معتقداً فيه المودة والعقل والتجربة، ومن غريب المنقول والقول وضعيفه الذي ينزه عنه القرآن قول بعضهم ان قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ}، من المقلوب أي وليشاوروك في الأمر. وذكر ابن عطية أن الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب هذا مما لا خلاف فيه. والمستشار في الدين عالم دين وقل ما يكون إلا في عاقل. انتهى ملخصاً. {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ} أي فإِذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاجعل تفويضك فيه إلى الله فإِنه العالم بالأصلح لك والأرشد لأمرك لا يعلمه من أشار عليك. وفي هذه الآية دليل على المشاورة وتخمير الرأي وتنقيحه والفكر فيه وإن ذلك مطلوب شرعاً. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} حث على التوكل على الله إذ أخبر أنه يحب لمن يتوكل عليه، والمرء ساع فيما يحصّل له محبة الله تعالى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):