Verse. 4443 (AR)

٤٤ - ٱلدُّخَان

44 - Ad-Dukhan (AR)

فَمَا بَكَتْ عَلَيْہِمُ السَّمَاۗءُ وَالْاَرْضُ وَمَا كَانُوْا مُنْظَرِيْنَ۝۲۹ۧ
Fama bakat AAalayhimu alssamao waalardu wama kanoo munthareena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فما بكت عليهم السماء والأرض» بخلاف المؤمنين يبكي عليهم بموتهم مصلاهم من الأرض ومصعد عملهم من السماء «وما كانوا منظرين» مؤخرين للتوبة.

29

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} أي لكفرهم. {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} أي مؤخرين بالغرق. وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض؛ أي عمّت مصيبته الأشياء حتى بكته السماء والأرض والريح والبرق، وبكته الليالي الشاتيات. قال الشاعر:شعر : فالريح تبكي شَجْوَهَا والبرق يلمع في الغمامة تفسير : وقال آخر:شعر : والشمسُ طالعةٌ ليست بكاسفة تُبكِي عليك نجومَ الليل والقمرا تفسير : وقالت الخارجية:شعر : أيا شجر الخابور ما لك مُورِقاً كأنك لم تجزع على ٱبن طَرِيف تفسير : وذلك على سبيل التمثيل والتخييل مبالغةً في وجوب الجزع والبكاء عليه. والمعنى أنهم هلكوا فلم تعظم مصيبتهم ولم يوجد لهم فَقْد. وقيل: في الكلام إضمار، أي ما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] بل سرّوا بهلاكهم، قاله الحسن. وروى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه ـ ثم تلا ـ {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ}»تفسير : . يعني أنهم لم يعملوا على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم لأجله، ولا صعِد لهم إلى السماء عمل صالح فتبكي فَقْدَ ذلك. وقال مجاهد: إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحاً. قال أبو يحيى: فعجبت من قوله فقال: أتعجب! وما للأرض لا تبكي على عبد يَعْمُرها بالركوع والسجود! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دَوِيّ كدوِيّ النحل!. وقال عليّ وابن عباس رضي الله عنهما: إنه يبكي عليه مُصَلاّه من الأرض ومصعد عمله من السماء. وتقدير الآية على هذا: فما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وهو معنى قول سعيد بن جُبير. وفي بكاء السماء والأرض ثلاثة أوجه: أحدها أنه كالمعروف من بكاء الحيوان. ويشبه أن يكون قول مجاهد. وقال شُريح الحضرمي قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: حديث : «إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء يوم القيامة» ـ قيل: من هم يا رسول الله؟ قال ـ«هم الذين إذا فسد الناس صَلَحُوا» ـ ثم قال ـ «ألا لا غُرْبة على مؤمن وما مات مؤمن في غُربة غائباً عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض» ـ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَاْلأَرْض} ـ ثم قال ـ« ألا إنهما لا يبكيان على الكافر».تفسير : قلت: وذكر أبو نعيم محمد بن معمر قال: حدثنا أبو شعيب الحرّاني قال حدثنا يحيى بن عبد الله قال حدثنا الأوزاعيّ قال حدثني عطاء الخراساني قال: ما من عبد يسجد للّه سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت. وقيل: بكاؤهما حمرة أطرافهما؛ قاله عليّ بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وعطاء والسدّي والترمذي محمد بن عليّ وحكاه عن الحسن. قال السدّي: لما قتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما بكت عليه السماء؛ وبكاؤها حمرتها. وحكى جرير عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ٱحمرّ له آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: وٱحمرارها بكاؤها. وقال محمد بن سِيرين: أخبرونا أن الحمرة التي تكون مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين بن عليّ رضي الله عنهما. وقال سليمان القاضي: مُطِرْنا دماً يوم قتل الحسين. قلت: روى الدَّارَقُطْنِيّ من حديث مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الشفق الحمرة»تفسير : . وعن عُبادة بن الصامت وشداد بن أوس قالا: الشفق شفقان؛ الحمرة والبياض؛ فإذا غابت الحمرة حَلّت الصلاة. وعن أبي هريرة قال: الشفق الحمرة. وهذا يردّ ما حكاه ابن سِيرين. وقد تقدم في «سبحان» عن قرّة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكرياء والحسين بن عليّ، وحمرتها بكاؤها. وقال محمد بن علي الترمذي: البكاء إدرار الشيء فإذا أدرّت العين بمائها قيل بكت، وإذا أدرّت السماء بحمرتها قيل بكت، وإذا أدرت الأرض بغبرتها قيل بكت؛ لأن المؤمن نور ومعه نور الله؛ فالأرض مضيئة بنوره وإن غاب عن عينيك، فإن فقدت نور المؤمن اغبرّت فدرّت باغبرارها؛ لأنها كانت غبراء بخطايا أهل الشرك، وإنما صارت مضيئة بنور المؤمن؛ فإذا قبض المؤمن منها دَرّت بغبرتها. وقال أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء كل شيء، فلما كان اليوم الذي قبض فيه أظلم كل شيء، وإنا لفي دفنه ما نفضنا الأيدي منه حتى أنكرنا قلوبنا. وأما بكاء السماء فحمرتها كما قال الحسن. وقال نصر بن عاصم: إن أول الآيات حُمْرَةٌ تظهر، وإنما ذلك لدنوّ الساعة، فتدر بالبكاء لخلائها من أنوار المؤمنين. وقيل: بكاؤها أمارة تظهر منها تدلّ على أسف وحزن. قلت: والقول الأوّل أظهر؛ إذ لا استحالة في ذلك. وإذا كانت السموات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم ـ كما بيناه في «سبحان ومريم وحم فصلت» ـ فكذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك والله أعلم بصواب هذه الأقوال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ } بخلاف المؤمنين يبكي عليهم بموتهم مصلاهم من الأرض ومصعد عملهم من السماء {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } مؤخرين للتوبة.

ابن عطية

تفسير : نفت هذه الآية أن تكون السماء والأرض بكت على قوم فرعون، فاقتضى أن للسماء والأرض بكاء. واختلف المتأولون في معنى ذلك فقال علي بن أبي طالب وابن عباس ومجاهد وابن جبير: إن الرجل المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض موضع عبادته أربعين صباحاً، وبكى عليه من السماء موضع صعود عمله، قالوا فلم يكن في قوم فرعون مَن هذه حاله، فهذا معنى الآية. وقال السدي وعطاء: بكاء السماء: حمرة أطرافها. وقالوا إن السماء احمرت يوم قتل الحسين بن علي، وكان ذلك بكاء عليه، وهذا هو معنى الآية. قال القاضي أبو محمد: والمعنى الجيد في الآية أنها استعارة باهية فصيحة تتضمن تحقير أمرهم، وأنهم لم يتغير عن هلاكهم شيء، وهذا نحو قوله تعالى: {أية : وإن كان مكرهم لتزول} تفسير : [إبراهيم: 46] على قراءة من قرأ "لِتزولَ" بكسر اللام ونصب الفعل وجعل {أية : إن}تفسير : [إبراهيم: 46] نافية، ومثل هذا المعنى قول النبي عليه السلام: "حديث : لا ينتطح فيها عنزان" تفسير : فإنه يتضمن التحقير، لكن هذه الألفاظ هي بحسب ما قيلت فيه، وهو قتل المرأة الكافرة التي كانت تؤذي النبي عليه السلام. وعظم قصة فرعون وقومه يجيء بحسبها جمال الوصف وبهاء العبارة في قوله: {فما بكت عليهم السماء والأرض} ومن نحو هذا أن يعكس قول جرير: [الكامل] شعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : فيقال في تحقير: مات فلان فما خشعت الجبال، ونحو هذا، وفي الحديث عن النبي عليه السلام أنه قال: "حديث : ما مات مؤمن في غربة غاب عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض"، تفسير : ثم قرأ هذه الآية، وقال: "حديث : إنهما لا يبكيان على كافر". تفسير : ومن التفخيم ببكاء المخلوقات العظام قول يزيد بن مفرغ [مجزوء الكامل]: شعر : الريح تبكي شجوه والبرق يلمع في غمامه تفسير : وقول الفرزدق: شعر : فالشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا تفسير : و: {منظرين} معناه: مؤخرين وممهلين. ثم ذكر تعالى نعمته على بني إسرائيل في أنجائهم من فرعون وقومه، و {العذاب المهين} هو ذبح الأبناء والتسخير في المهن كالبنيان والحفر وغيره. وفي قراءة ابن مسعود: "من عذاب المهين"، بسقوط التعريف بالألف واللام من العذاب. وقوله: {من فرعون} بدل من قوله: {من العذاب}. و: "مِن" بكسر الميم هي قراءة الجمهور. وروى قتادة أن ابن عباس كان يقرأها "مَن" بفتح الميم "فرعونُ" برفع النون. وقوله: {على علم} أي على شيء سبق عندنا فيهم وثبت في علمنا أنه سينفذ. وقوله: {على العالمين} يريد على جميع الناس، هذا على التأويل المتقدم في العلم. والمعنى: لقد اخترناها لهذا الإنجاء وهذه النعم على سابق علم لنا فيهم وخصصناهم بذلك دون العالم، ويحتمل قوله: {على علم} أن يكون معناه: على علم وفضائل فيهم، والمعنى: اخترناهم للنبوءات والرسالات، فيكون قوله: {على العالمين} في هذا التأويل، معناه: على عالم زمانهم، وذلك بدليل فضل أمة محمد لهم وعليهم، وأن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس. وقوله تعالى: {وآتيناهم من الآيات} لفظ جامع لمعجزات موسى وللعبر التي ظهرت في قوم فرعون من الجراد والقمل والضفادع وغير ذلك، ولما أنعم به على بني إسرائيل من تظليل الغمام والمن والسلوى وغير ذلك، فإن لفظ {الآيات} يعم جميع هذا. والبلاء في هذا الموضع: الامتحان والاختبار، وهذا كما قال تعالى: {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} تفسير : [الأنبياء: 35] و: {مبين} بمعنى بين. ثم ذكر تعالى قريشاً وحكى عنهم على جهة الإنكار لقولهم حين أنكروا فيه ما هو جائز في العقل فقال: {إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} أي ما آخر أمرنا ومنتهى وجودنا إلا عند موتتنا، وما نحن بمبعوثين من القبور، يقال أنشر الله الميت فنشر هو، وقول قريش: {فأتوا} مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه من حيث كان النبي عليه السلام مسنداً في أقواله وأفعاله إلى الله تعالى وبواسطة ملك خاطبوه كما تخاطب الجماعة، وهم يريدونه وربه وملائكته. واستدعاء الكفار في هذه الآية أن يحيي لهم بعض آبائهم وسموا قصياً لكي يسألوهم عما رأوا في آخرتهم، ولم يستقص في هذه الآية الرد عليهم لبيانه، ولأنه مبثوث في غير ما آية من كتاب الله، فإن الله تعالى قد جزم البعث من القبور في أجل مسمى لا يتعداه أحد، وقد بينت الأمثلة من الأرض الميتة وحال النبات أمر البعث من القبور.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ} أي أهلها "ح" أو تبكي السماء والأرض على المؤمن أربعين صباحاً قاله مجاهد أو يبكي عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء قاله علي ـ رضي الله تعالى عنه ـ، أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان باب ينزل منه رزقه وباب يدخل منه كلامه وعمله فإذا مات فقداه فبكيا عليه "تفسير : ، ثم تلا هذه الآية؛ وبكاؤهما كبكاء الحيوان المعروف، أو حمرة أطرافهما ولما قتل الحسين ـ رضي الله تعالى عنه ـ احمّرت له آفاق السماء أربعة أشهر واحمرارها بكاؤها، أو يظهر منها ما يدل على الحزن والأسف. {مُنظَرِينَ} مؤخرين بالغرق، أو لم يناظروا بعد الآيات التسع حتى أغرقوا.

السيوطي

تفسير : أخرج الترمذي وابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والخطيب، عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يصعد منه عمله، وباب ينزل عليه منه رزقه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه، وتلا هذه الآية ‏ {‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏}‏ وذكر أنهم لم يكونوا يعملون على وجه الأرض عملاً صالحاً يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح، فتفقدهم فتبكي عليهم‏ .‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل، عن قوله‏:‏ ‏ {‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏} ‏ هل تبكي السماء والأرض على أحد‏؟‏ قال‏:‏ نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء، فقده فبكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير فلم تبك عليهم السماء والأرض‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة ‏{‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏} ‏ قال‏:‏ هم كانوا أهون على الله من ذلك‏.‏ قال‏:‏ وكنا نحدث أن المؤمن تبكي عليه بقاعه التي كان يصلي فيها من الأرض ومصعد عمله من السماء‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏} ‏ قال‏:‏ ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض صياحا‏ً.‏ قال‏:‏ فقيل له تبكي ما تعجب‏!‏ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود‏؟‏‏!‏ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره دويّ كدوي النحل‏؟‏‏! وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ إن العالم إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا‏ً.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن معاوية بن قرة رضي الله عنه قال‏:‏ إن البقعة التي يصلي عليها المؤمن تبكي عليه إذا مات وبحذائها من السماء، ثم قرأ ‏ {‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏} ‏‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن وهب رضي الله عنه قال‏:‏ إن الأرض لتحزن على العبد الصالح أربعين صباحاً‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، عن سعيد بن جبير رضي الله عنه ‏ {‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏}‏ قال‏:‏ لم تبك عليهم السماء لأنهم لم يكونوا يرفع لهم فيها عمل صالح، ولم تبك عليهم الأرض، لأنهم لم يكونوا يعملون فيها بعمل صالح‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة، عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ كان يقال‏:‏ الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ يقال الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً‏.‏ وأخرج ابن المبارك وأبو الشيخ، عن ثور بن يزيد، عن مولى لهذيل قال‏:‏ ما من عبد يضع جبهته في بقعة من الأرض ساجداً لله عز وجل إلا شهدت له بها يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير، عن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلاً رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:"حديث : ‏"إن الإِسلام بدا غريباً وسيعود غريباً، ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض‏" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏ {‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏} ‏ ثم قال‏: إنهما لا يبكيان على كافر‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، عن عباد بن عبدالله رضي الله عنه قال‏:‏ سأل رجل علياً، هل تبكي السماء والأرض على أحد‏؟‏ فقال‏:‏ إنه ليس من عبد إلا له مصلى في الأرض ومصعد عمله في السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا مصعد في السماء‏. وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر من طريق المسيب بن رافع، عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء، ثم تلا ‏ {‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏}‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي، عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ ما من ميت يموت إلا تبكي عليه الأرض أربعين صباحا‏ً.‏ وأخرج ابن المبارك وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال‏:‏ إن الأرض لتبكي على المؤمن أربعين صباحا‏ً.‏ ثم قرأ ‏ {‏فما بكت عليهم السماء والأرض‏} ‏‏.‏ وأخرج ابن المبارك وابن أبي الدنيا، عن عطاء الخرساني - رضي الله عنه - قال‏:‏ ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض، إلا شهدت له يوم القيامة، وبكت عليه يوم يموت‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد المكتب، عن إبراهيم - رضي الله عنه - قال‏:‏ ما بكت السماء منذ كانت الدنيا، إلا على اثنين‏.‏ قيل لعبيد‏:‏ أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن‏؟‏ قال‏:‏ ذاك مقامه وحيث يصعد عمله‏.‏ قال‏:‏ وتدري ما بكاء السماء‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ تحمر وتصير وردة كالدهان إن يحيى بن زكريا لما قتل، احمرت السماء وقطرت دما‏ً.‏ وإن حسين بن علي يوم قتل احمرت السماء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن زياد - رضي الله عنه - قال‏:‏ لما قتل الحسين، احمرت آفاق السماء أربعة أشهر‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عطاء - رضي الله عنه - قال‏:‏ بكاء السماء حمرة أطرافها‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن - رضي الله عنه - قال‏:‏ بكاء السماء، حمرتها‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا عن سفيان الثوري - رضي الله عنه - قال‏:‏ كان يقال‏:‏ هذه الحمرة التي تكون في السماء، بكاء السماء على المؤمن‏.‏

ابو السعود

تفسير : {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ} مجازٌ عن عدمِ الاكتراثِ بهلاكِهم والاعتدادِ بوجودِهم، فيهِ تهكمٌ بهِم وبحالهم المنافيةِ لحالِ من يعظمُ فقدُه فيقالُ له بكتْ عليه السماءُ والأرضُ، ومنْهُ (ما رُويَ إنَّ المؤمنَ ليبكي عليه مُصَّلاهُ ومحلُّ عبادتِه ومصاعدُ عملِه ومهابطُ رزقِه وآثارُه في الأرضِ)، وقيلَ: تقديرُه أهلُ السماءِ والأرضِ. {وَمَا كَانُواْ} لمَّا جاءَ وقتُ هلاكِهم {مُّنظَرِينَ} ممهلينَ إلى وقتٍ أخرَ أو إلى الآخرةِ، بلْ عُجِّلَ لهم في الدُّنيا. {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ} بأنْ فعلنا بفرعونَ وقومِه ما فعلنا {مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} من استعبادِ فرعونَ إيَّاهم وقتلِ أبنائِهم واستحياءِ نسائِهم على الخسفِ والضيمِ {مِن فِرْعَوْنَ} بدلٌ من العذابِ إمَّا على جعلِه نفسَ العذابِ لإفراطِه فيهِ، وإمَّا على حذفِ المضافِ أي عذابِ فرعونَ، أو حالٌ من المهينِ أي كائناً منْ فرعونَ. وقُرِىءَ مَنْ فرعونُ على مَعْنى هل تعرفونَهُ من هُو في عُتوِّه وتفَرْعُنِهِ، وفي إبهامِ أمرهِ أولاً وتبـيـينِه بقولِه تعالَى {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} ثانياً من الإفصاحِ عن كُنِه أمرِه في الشرِّ والفسادِ ما لا مزيدَ عليهِ. وقولُه تعالَى منَ المُسرفينَ إمَّا خبرٌ ثانٍ لكانَ أي كان متكبراً مسرفاً، أو حالٌ من الضميرِ في عالياً أيُ كانَ رفيعَ الطبقةِ من بـينِ المسرفينَ فائقاً لهُم بليغاً في الإسرافِ. {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ} أي بنِي إسرائيلَ {عَلَىٰ عِلْمٍ} أي عالمينَ بأنَّهم أحِقَّاءُ بالاختيارِ أو عالمينَ بأنَّهم يزيغونَ في بعضِ الأوقاتِ ويكثرُ منُهم الفرطاتُ {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} جميعاً لكثرةِ الأنبـياءِ فيهم أو على عالَمِيْ زمانِهم {وَءاتَيْنَـٰهُم مِنَ ٱلأَيَـٰتِ} كفلْقِ البحرِ وتظليلِ الغمامِ وإنزالِ المنِّ والسَّلْوى وغيرِها من عظائمِ الآياتِ التي لم يُعهدْ مثلُها في غيرِهم. {مَا فِيهِ بَلَـٰؤٌاْ مُّبِينٌ} نعمةٌ جليةٌ أو اختبارٌ ظاهرٌ لننظرَ كيفَ يعملونَ. {إِنَّ هَـؤُلآء} يَعْني كفارَ قريشٍ لأنَّ الكلامَ فيهم وقصةُ فرعونَ وقومِه مَسوقةٌ للدلالةِ على تماثِلهم في الإصرارِ عَلَى الضِّلالةِ والتحذيرِ عن حلولِ مثلِ ما حَلَّ بهم. {لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} أي ما العاقبةُ ونهايةُ الأمرِ إلا الموتةُ الأُولى المزيلُة للحياةِ الدُّنيويةِ، ولا قصدَ فيهِ إلى إثباتِ موتةٍ أُخْرى كمَا في قولِك حجَّ زيد الحجَّةَ الأُولى وماتَ. وقيلَ لمَّا قيلَ لهم: إنكُم تموتونَ موتةً تعقبُها حياةٌ كمَا تقدمتكم موتةٌ كذلكَ قالُوا ما هيَ إلا موتتُنا الأُولى أي ما الموتةُ التي تعقُبها حياةٌ إلا الموتةُ الأُولى وقيل: المَعْنى ليست الموتةُ إلا هذهِ الموتة دونَ الموتةِ التي تعقبُ حياةَ القبرِ كَما تزعمونَ {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} بمبعوثينَ.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} [الآية: 29]. قال أبو عمرو البيكندى: كيف تبكى السماء على من لم يصعد إليها منه طاعة وكيف تبكى الأرض على من يعصى الله عليها معناه ما بكت عليهم مصاعد عملهم من السماء ولا مواضع عبادتهم من الأرض. وقال بعضهم: ما بكت عليهم الإيمان والإسلام بخلوهم منهما.

البقلي

تفسير : قوله تعالى { فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} كيف تبكى السّماء والارض على من يدعى الانائية فى ساحة كبرياء الازل والسماوات والارضون فى عظمها تصير هناك اقل من خردلة عن هيبة عزة جبروته وملكوته فغارت عليهم السماوات والارض اذا ادعوا ما ليس لهم فى نهر الربوبية وهى تبكى على العارفين الذين لا -----ان يصفوا معروفهم بجميع الالسنة حياء منه اذا فارقوا من الدنيا تبكى السماوات والارض بمفارقهم عين لا تصعد عليه انوار انفاسهم لا يجرى عليها بركات أثارهم كما روى فى الحديث ان السماء والارض تبكى بموت العلماء قال بعضهم كيف تبكى السّماء على من لم يصعد اليه منه طاعة وكيف تبكى الارض على من اجر الله عليها معناه ما بكت عليهم مصاعد عملهم من السّماء ولا مواضع عبادتهم من الارض.

اسماعيل حقي

تفسير : {فما بكت عليهم السماء والارض} مجاز مرسل عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم لان سبب البكاء على شئ هو المبالاة بوجوده يعنى انه استعارة تمثيلية بعد الاستعارة المكنية فى السماء والارض بأن شبهتا بمن يصح منه الاكتراث على سبيل الكناية واسند البكاء اليهما على سبيل التخييل كانت العرب اذا مات فيهم من له خطر وقدر عظيم يقولون بكت عليه السماء والارض يعنى ان المصيبة بموته عمت الخلق فبكى له الكل حتى الارض والسماء فاذا قالوا ما بكت عليه السماء والارض يعنون به ما ظهر بعد ما يظهر بعده ذوى الاقدار والشرف ففيه تهكم بالكفار وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال له بكت عليه السماء والارض وقال بعضهم هو على حقيقته ويؤيده ما روى انه عليه السلام قال "حديث : ما من مؤمن الا وله فى السماء بابان باب يخرج منه رزقه وباب يدخل منه عمله واذا مات فقداه وبكيا عليه" تفسير : وتلا فما بكت الخ يعنى جون بنده وفات كندواين دودر ازنزول رزق وخروج عمل محروم ماندبروبكريند وفى الحديث "حديث : ان المؤمن يبكى عليه من الارض مصلاه وموضع عبادته ومن السماء مصعد عمله" تفسير : (وروى) اذا مات كافر استراح منه السماء والارض والبلاد والعباد فلا تبكى عليه أرض ولا سماء وفى الحديث "حديث : تضرعوا وابكوا فان السموات والارض والشمس والقمر والنجوم يبكون من خشية الله " تفسير : در معالم آورده جون مؤمن بميرد جمله آسمان وزمين برويكريند وكفته اندكه كريه آسمان وزمين همجون كريه آدميانست. يعنى بكاؤهما كبكاء الانسان والحيوان فانه ممكن قدرة كما فى الكواشى وقد ثبت ان كل شئ يسبح الله تعالى على الحقيقة كما هو عند محققى الصوفية فمن الجائز ان يبكى ويضحك بما يناسب لعالمه قال وهب بن منبه رضى الله عنه لما أراد الله ان يخلق آدم أوحى الى الارض اى أفهمها والهمها انى جاعل منك خليفة فمنهم من يطيعنى فأدخله الجنة ومنهم من يعصينى فأدخله النار فقالت الارض أمنى تخلق خلقا يكون للنار قال نعم فبكت الارض فانفجرت منها العيون الى يوم القيامة وعن انس رضى الله عنه رفعه لما عرج بى الى السماء بكت الارض من بعدى فنبت اللصف من نباتها فلما ان رجعت قطر عرقى على الارض فنبت ورد أحمر الا من اراد ان يشم رائحتى فليشم الورد الاحمر كما فى المقاصد الحسنة. وبعضى برانندكه علامتى بريشان ظاهر شودكه دليل بود برحزن وتأسف همجون كريه كه درأغلب دالست برغم واندو. قال عطاء والسدى بكاء السماء حمرة اطرافها وعن زيد ابن ابى زياد لما قتل الحسين بن على رضى الله عنهما احمر له آفاق السماء اشهرا واحمرارها بكاؤها وعن ابن سيرين رحمه الله اخبرونا ان الحمرة التى مع الشفق لم تكن حتى قتل الحسين رضى الله عنه اى انها زادت زيادة ظاهرة والا فانها قد كانت قبل قتله. اين سرخى شفق كه برين جرخ بيوفاست. هرشام عكس خون شهيد ان كربلاست. كر جرخ خون ببارد ازين غصه در خورست. ورخاك خون بكريد ازين ماجرا رواست. والشفق الحمرة وقال بعضهم الشفق شفقان الحمرة والبياض فاذا غابت الحمرة حلت الصلاة وفى الحديث "حديث : اذا غاب القمر فى الحمرة فهو الليلة واذا غاب فى البياض فهو لليلتين" تفسير : وكانت العرب يجعلون الخسوف والحمرة التى تحدث فى السماء بكاء على الميت ولما كسفت الشمس يوم موت ابنه عليه السلام ابراهيم قال الناس كسفت لموت ابراهيم فخطبهم فقال "حديث : ان الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت احد ولا لحياته فاذا رأيتموها فادعوا الله وصلوا حتى تنجلى" تفسير : وهذا لا ينافى ما سبق فان مراده عليه السلام رفع اعتقاد اهل الجاهلية ولا شك ان كل حادث فهو دال على امر من الامور ولذا امر بالدعاء والصلاة وسر الدعاء ان النفوس عند مشاهدة ما هو خارق العادة تكون معرضة عن الدنيا ومتوجهة الى الحضرة العليا فيكون اقرب الى الاجابة هذا هو السر فى استجبابة الدعوات فى الاماكن الشريفة والمزارات قال بعضهم لا تبكى السموات والارض على العصاة واهل الدعوى والانانية فكيف تبكى السماء على من لم يصعد اليها منه طاعة وكيف تبكى الارض على من عصى الله عليها بل يبكيان على المطيعين خصوصا على العارفين اذا فارقوا الدنيا حين لا يصعد الى السماء انوار انفاسهم ولا يجرى على الارض بركات آثارهم وفى الحديث "حديث : ان السماء والارض تبكيان لموت العلماء" تفسير : وفى الحديث "حديث : ما مات مؤمن فى غربة غابت عنه بواكيه الا بكت عليه السماء والارض" تفسير : ثم قرأ الآية وقال "حديث : انهما لا تبكيان على كافر" تفسير : وقال بعض المفسرين معنى الآية فما بكت عليهم اهل السماء والارض فاقام السماء والارض مقام اهلهما كما قال واسأل القرية وينصره قوله عليه السلام "حديث : اذا ولد مولود من امتى تباشرت الملائكة بعضهم ببعض من الفرح واذا مات من امتى صغير او كبير بكت عليه الملائكة" تفسير : وكذا ورد فى الخبر "حديث : ان الملائكة يبكون اذا خرج شهر رمضان وكذا يسبتشرون اذا ذهب الشتاء رحمة للمساكين" تفسير : {وما كانوا} لما جاء وقت هلاكهم {منظرين} ممهلين الى وقت آخرين او الى الآخرة بل عجل لهم فى الدنيا اما الاول فلأن العمر الانسانى عبارة عن الانفاس فاذا نفدت لم يبق للتأخير مجال واما الثانى فانهم مستحقون لنكال الدنيا والآخرة اما نكال الدنيا فلاشتغالهم بظواهرهم باذية الداعى مستعجلين فيها واما نكال الآخرة فلمحاربتهم مع الله ببواطنهم بالتكذيب والانكار والدنيا من عالم الظاهر كما ان الآخرة من عالم الباطن فجوزوا فى الظاهر والباطن بما يجرى على ظواهرهم وبواطنهم وهذا بخلاف حال عصاة المؤمنين فانهم اذا فعلوا ذنبا من الذنوب ينظرون الى سبع ساعات ليتوبوا فلا يكتب فى صحائف اعمالهم ولا يؤاخذون به عاجلا لان الله يعفو عن كثير ويجعل بعض المصائب كفارة الذنوب فلا يؤاخذ آجلا ايضا فلهم الرحمة الواسعة والحمد لله تعالى ولكن ينبغى للمؤمن ان يعتبر باحوال الامم فيطيع الله تعالى فى جميع الاحوال ويجتهد فى احياء الدين لا فى اصلاح الطين ونعم ما قال بعضهم. خاك دردستش بودجون باد هنكام رحيل. هركه اوقات كرامى صرف آب وكل كند. ومن الله العون

الجنابذي

تفسير : {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} تمثيل لعدم الاعتناء بهلاكهم فانّه مثل فى العرب والعجم لابتلاء قومٍ ببليّةٍ ولم يكن اعتناء بهم وببلائهم، عن امير المؤمنين (ع) انّه مرّ عليه رجلٌ عدوّ لله ولرسوله فقال: فما بكت عليهم السّماء والارض وما كانو منظرين ثمّ مرّ عليه الحسين (ع) ابنه فقال: لكن هذا لتبكينّ عليه السّماء والارض، قال: وما بكت السّماء والارض الاّ على يحيى بن زكريّا (ع) وعلى الحسين (ع) بن علىّ، وفى خبر فما بكاؤها؟ - قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء، وفى خبرٍ: بكت السّماء على الحسين (ع) اربعين يوماً بالدّم {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} هو استعبادهم وامر القبطىّ لهم بحمل الطّين على السّلاليم مع انّهم كانوا فى القيود وقتل ابنائهم واستحياء نسائهم.

اطفيش

تفسير : {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ} لانهما انما تبكيان على المؤمن المتوفي السماء لصعود عمله اليها والارض لعمله فيها وبكاؤها أربعون صباحاً وقيل: بكاء السماء حمرة أطرافها. قيل لمجاهد حين قال (تبكيان) على كل مؤمن مات ماله ما تبكيان فقال لانه يعمر الارض بالركوع والسجود وتسبيحه وتكبيره دوى في السماء كدوي النحل. وفي الحديث: "حديث : ما من مؤمن الا وله بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فاذا مات بكيا عليه فذلك قوله تعالى {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ} الى {مُنظَرِينَ} ". تفسير : وفي الحديث: "حديث : اذا مات المؤمن تنادت بقاع الارض عبد الله المؤمن مات فتبكي السماء والارض فيقول الله ما يبكيكما فتقول الارض لم يمش على ناحية منا الا وهو يذكرك وقيل يبكي عليه موضع عبادته من الارض وموضع صعود عمله في السماء فقط أربعين صباحاً ". تفسير : وهو رواية ابن عباس: وما من مؤمن يسجد سجدة الا بكى عليه موضع سجوده من الأرض وشهد له يوم القيامة وذلك بكاء يعلمه الله كيف هو وقيل تمثيل وتخيل ومبالغة في وجوب الجزع والبكاء على المؤمن كما تقول العرب في عظيم مات بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح وأظلمت له الشمس وكسفت وفي الآية تهكم بفرعون وقبطه وبحالهم المنافية لحال من يعظم فقده فيقال بكت عليه السماء والارض والاشعار بعدم تغير الشيء بهلاكهم وعدم الاعتداد بوجودهم واختار بعض هذا القول وبعض كون البكاء حقيقياً يعلمه الله كما توصف السماء بالاهتزاز لموت عالم وانكسار قلعة منها. وفي الحديث: "حديث : ما مات مؤمن في غربة غابت عنه بواكيه الا بكت عليه السماء والارض " تفسير : وقال الحسن: التقدير فما بكى عليهم أهل السماء والارض الملائكة والمؤمنون* {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} مؤخرين عن وقت هلاكهم ولا الى الاخرة بل عجلوا العذاب في الدنيا وقيل لم يؤخروا للتوبة ولا غيرها كالشفقة عليهم ولا يوصف الله بالشفقة حقيقة اتفاقاً

اطفيش

تفسير : {فَما بَكَت عليْهم السَّماء والأرض} لم يكترث بوجودهم ولا هلاكهم، فذلك استعارة تمثيلية تخييلية، بأن شبه شأنهم وعظمة والمفرض بما وجد وعظم، بحيث يفرح به الموجودات، حتى انها لو فقد لأثر فقده فيها فنفى ذلك بأنه لم تبك عليهم، وإنما بتصور نفى الشىء على تصور حصوله فرضا أو تحقيقا أو استعارة مكنية بأن شبههما بانسان فجعلهما ممن يبكى توسعا، ثم نفى وقوع بكائهما بالفعل، وفى ذلك تخييل،وقيل: لا استعارة فى الآية تمثيلية ولا مكنية ولا تخييلية، لما روى الترمذى وغيره: عن أنس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من عبد إلا وله في السماء بابان يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فالمؤمن إذا مات فقداه وبكيا عليه، فتلا: فما بكت" تفسير : الخ، وذكر الله عز وجل أنهم لم يعملوا الصالحات على الأرض فتبكى لفقدهم، ولا يصعد لهم عمل صالح الى السماء فتبكى عليهم. وعن ابن عباس آن للأرض تبكى على المؤمن أربعين صباحا وقرأ الآية، وعن على: أن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض. ومصعد عمله من السماء وتلا الآية، وبكاء ذلك اما حقيق بخلق الله تعالى وهو قادر، واما حزن بخلق الله تعالى وهو قادر، واما تمثيل، وزعم قوم أن للجمادات شعورا لائقا بحالها، ومنهم الصوفية، ولا يصح عن الحسن وسفيان الثورى وعطاء ما قيل عنهم: ان حمرة السماء بكاء على المؤمن، وقيل: المعنى ما بكت عليهم سكان السماء وهم الملائكة، ولا سكان الأرض المؤمنين وهم المعتبرون، بل هم مسرورون بهلاكهم، وهو مروى عن الحسن، وقيل: بكاء السماء حمرة أطرافها، وعن مجاهد: ما مات مؤمن الا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا، فقيل له: أتبكى الأرض؟ فقال مالها لا تبكى، وكان يعمرها بالركوع والسجود، وما للسماء لا تبكى، وكان تسبيحه وتكبيره فيها كدوى النحل، وكا يصعد علمه إليها {وما كانُوا مُنْظَرين} مؤخرين عن الاهلاك إذا جاء أجله.

الالوسي

تفسير : {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ } مجاز عن عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم. وهو استعارة تمثيلية تخييلية شبه حال موتهم لشدته وعظمته بحال من تبكي عليه السماء والأجرام العظام وأثبت له ذلك والنفي تابع للإثبات في التجوز كما حقق في موضعه، وقيل: هي استعارة مكنية تخييلية بأن شبه السماء والأرض بالإنسان وأسند إليهما البكاء أو تمثيلية بأن شبه حالهما في عدم تغير حالهما وبقائهما على ما كانا عليه بحال من لم يبك، وليس بشيء كما لا يخفى على من راجع كلامهم. وقد كثر في التعظيم لمهلك الشخص بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح ونحو ذلك، قال يزيد بن مفرغ:شعر : الريح يبكي شجوه والبرق يلمع في غمامه تفسير : وقال النابغة:شعر : بكى حارث الجولان من فقد ربه وحوران منه خاشع متضائل تفسير : أراد بهما مكانين معروفين، وقال جرير:شعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : وقال الفرزدق يرثي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:شعر : الشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا تفسير : يتعجب من طلوع الشمس وكان من حقها أن لا تطلع أو تطلع كاسفة، والنجوم تروى منصوبة ومرفوعة فالنصب على المغالبة أي تغلب الشمس النجوم في البكاء نحو باكيته فبكيته، قال جار الله: كان رضي الله تعالى عنه يتهجد بالليل فتبكيه النجوم ويعدل بالنهار فتبكيه الشمس والشمس غالبة في البكاء لأن العدل أفضل من صلاة الليل، والجوهري جعلها منصوبة بكاسفة أي لا تكسف ضوء النجوم لكثرة بكائها وكأنه جعل خفاء النجوم تحت ضوء الشمس كسفاً لها مجازاً، وفيه أن الكسف بالمعنى المذكور غير واضح وتخلل تبكي غير مستفصح وفي «حواشي الصحاح» الشمس كاسفة ليست بطالعة. وفيها أن نجوم الليل ظرف أي طول الدهر كأنه من باب آتيك الشمس والقمر أي وقتهما كأنه قيل: تبكي ما يطلع النجوم والقمر، وفيه أن مثل هذا الظرف مسموع لا يثبت إلا بثبت فكيف يعدل إليه مع المعنى الواضح، وقيل: التقدير تبكي بكاء النجوم فحذف المضاف. وفيه أنه مما لا يكاد يفهم، والرفع واضح والقمر منصوب على أنه مفعول معه وهذا استطراد دعانا إليه شهرة البيت مع كثرة الخبط فيه. وأخرج الترمذي وجماعة عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من عبد إلا وله في السماء بابان باب يصعد منه عمله وباب ينزل منه رزقه فالمؤمن إذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضُ }»تفسير : وذكر أنهم لم يكونوا يعملون على وجه الأرض عملاً صالحاً فتفقدهم فتبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم. / وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» والحاكم وصححه وغيرهما عن ابن عباس قال: «إن الأرض لتبكي على المؤمن أربعين صباحاً ثم قرأ الآية» وأخرج ابن المنذر وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء ثم تلا {فَمَا بَكَتْ } الخ وجعلوا كل ذلك من باب التمثيل. ومن أثبت كالصوفية للأجرام السماوية والأرضية وسائر الجمادات شعوراً لائقاً بحالها لم يحتج إلى اعتبار التمثيل وأثبت بكاء حقيقياً لها حسبما تقتضيه ذاتها ويليق بها أو أوله بالحزن أو نحوه وأثبته لها حسب ذلك أيضاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطاء: بكاء السماء حمرة أطرافها. وأخرج ابن أبـي الدنيا عن الحسن نحوه، وأخرج عن سفيان الثوري قال: كان يقال هذه الحمرة التي تكون في السماء بكاء السماء على المؤمن؛ ولعمري ينبغي لمن لم يضحك من ذلك أن يبكي على عقله، وأنا لا أعتقد أن من ذكر من الأجلة كانوا يعتقدونه. وقيل: إن الآية على تقدير مضاف أي فما بكت عليهم سكان السماء وهم الملائكة وسكان الأرض وهم المؤمنون بل كانوا بهلاكهم مسرورين. وروي هذا عن الحسن والأحسن ما تقدم. {وَمَا كَانُواْ } لما جاء وقت هلاكهم {مُّنظَرِينَ } ممهلين إلى وقت آخر أو إلى يوم القيامة بل عجل لهم في الدنيا.

ابن عاشور

تفسير : تفريع على قوله: {أية : كم تركوا من جنات} تفسير : [الدخان: 25] إلى قوله: { أية : قوماً آخرين } تفسير : [الدخان: 28]، فإن ذلك كله يتضمن أنهم هلكوا وانقرضوا، أي فما كان مُهلَكُهم إلا كمُهلَك غيرهم ولم يكن حدثاً عظيماً كما كانوا يحسبون ويحسب قومُهم، وكان من كلام العرب إذا هلك عظيم أن يهوِّلوا أمر موته بنحو: بَكت عليه السماء، وبكته الريح، وتزلزلتْ الجبال، قال النابغة في توقع موت النعمان بن المنذر من مرضه: شعر : فإن يهلك أبو قابوس يهلِك ربيعُ الناس والبلدُ الحرام تفسير : وقال في رثاء النعمان بن الحارث الغساني: شعر : بكَى حارثُ الجَولان من فقد ربه وحَوْران منه موحَش مُتضائل تفسير : والكلام مسوق مساق التحقير لهم، وقريب منه قوله تعالى: { أية : وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } تفسير : [إبراهيم: 46]، وهو طريقة مسلوكة وكثر ذلك في كلام الشعراء المحدثين، قال أبو بكر بن اللَّبَّانَةِ الأندلسي في رثاء المعتمد بن عباد ملك إشبيلية: شعر : تبكي السماء بمزن رائحٍ غَاد على البهاليل من أبناء عَباد تفسير : والمعنى: فما كان هلاكهم إلا كهلاك غيرهم وَلا أنظروا بتأخير هلاكهم بل عجّل لهم الاستئصال.

د. أسعد حومد

تفسير : (29) - وَقَدْ كَانَ هؤلاءِ الطُّغَاةُ العُتَاةُ هَيِّنِينَ عَلَى اللهِ، وَعَلى عِبادِ اللهِ، إِذْ لَم يَكُنْ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ يُرَفَعُ إِلى السَّماء، وَلاَ عَمَلُ خَيرٍ مَعَ عِبَادِ اللهِ في الأَرضِ يُذكرُ لهم، فَلم تبكِ لفَقْدِهِم الأرضُ ولا السَّماءُ، وَلم يُمْهَلُوا لِتَوْبةٍ، وَإِنَّما عَجَّلَ اللهُ لَهُمُ العَذَابَ دُونَ إِبْطَاءِ. وَسَأَلَ رَجُلٌ عَلياً رَضِي اللهَ عَنْهُ: هَلْ تَبكيِ السَّمَاءُ والأَرضُ عَلَى أَحَدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ إِلا لَهُ مُصَلّىً فِي الأَرْضُ، وَمَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، وَإِنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَمَلٌ صَالِحٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ عَمَلٌ يَصْعَدُ فِي السَّماءِ، ثُمَّ قَرَأَ الآيةَ الكَرِيمَةَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تثبت هذه الآية أن للجمادات عاطفةً، وأنها تحب وتكره، وتبكي وتفرح، فالعاطفة إذن موجودة في كُلِّ المخلوقات على قدْر الحاجة، فالعاطفة في الإنسان باقية، فتراه مثلاً يحب ولده، حتى لو كان الولد غبياً أو مشاغباً، ويستمر معه هذا الحب، وربما يعطف عليه أكثر من السَّويِّ. لذلك لما سألوا الأعرابي: منْ أحبّ بنيك إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى. أما الحيوان فعاطفته على قدْر الحاجة، فترى الحيوان يعطف على ولده الصغير ويدافع عنه، فإذا ما كبر تركه وكأنه لا يعرف عنه شيئاً، ولو ذُبح أمامه ما شعر نحوه بشيء، لأن عاطفته بقدر حاجة الصغير للتربية. كذلك الجماد، الحق سبحانه يرتقي به ويجعل له عاطفة، ومن هذه العاطفة أن السماء والأرض ما بكتْ على هؤلاء المهلكين لأنهم خالفوا منهج الله. لذلك خاطب اللهُ الجمادات، وجعلها في منزلة أُولي الألباب المستنيرين الذين يفهمون ويعقلون، بدليل أن الله تعالى خيَّر السماوات والأرض والجبال في مسألة حَمْل الأمانة: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..} تفسير : [الأحزاب: 72]. فدلَّ ذلك على أن لها اختياراً وتعقلاً، وبعضهم قال: إن السماء والأرض مُسخَّران ومقهوران على العبادة، قلت: لا بل كل شيء في الوجود عدا الله خُيِّر، فمنها مَنْ تنازل عن اختياره لاختيار ربه، وعن مراده لمراد خالقه، ومنها منِ اختار أنْ يكون مختاراً وهو الإنسان. وقلنا: فَرْق بين وقت التحمل ووقت الأداء، فأنت تضمن وقت التحمل وتثق به، لكنك لا تضمن وقت الأداء، إذن: كانت الجمادات أكثر موضوعية من الإنسان في هذه المسألة لأنها اختارتْ بداية أنْ تكون مقهورةً لربها، أما الإنسانُ فاختار أنْ يكون مُخيّراً، وعند الأداء منهم مَنْ آمن ومنهم مَنْ كفر، منهم مَنْ أطاع، ومنهم مَنْ عصى. فإنْ قلتَ: فبأيِّ لغة تتكلم الأرض والسماء؟ وكيف تفهم؟ نقول: يخاطبها ويفهم منها خالقها سبحانه، فهو الذي يعلم لغتها؛ لذلك يعطينا الحق سبحانه أمثلة لكلام هذه المخلوقات وتسبيحها لله تعالى، فقال: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء: 79] وقال: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44]. وفي قصة سيدنا سليمان عليه السلام تكلَّم الهدهد كلاماً دلَّ على علمه وفَهْمه لقضية التوحيد كأحسن ما يكون الفهم، وتكلَّمت نملة ووجدنا عندها مقاييس الحق والعدالة. ووالله إن الإنسان ليتعجب حينما يقرأ قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} تفسير : [الحج: 18]. فكلُّ الكائنات تُسبِّح على إطلاقها ودون استثناء، إلا الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يشذ عن هذه المنظومة المسبِّحة. لذلك قلنا: إن المخلوقات الأخرى غير الإنسان كانتْ أكثر فهماً منه حين رفضتْ التخيير وتنازلتْ عن مرادها لمراد ربها. إذن: لا تغترّ أيها الإنسان، واعلم أن المخلوقات من حولك لها دور ولها منزلة عند الله، وقد خُلِق فيها مثل ما خُلِق فيك من الفهم والعاطفة. وقد ورد في الحديث الصحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يُؤيد هذه المسألة، فقال عن أُحُد: "حديث : أُحُد جبل يُحبنا ونُحبه ". تفسير : وثبت أن الجبل اهتزَّ به هو وصحابته، فقال له "حديث : اثبُتْ أُحُد، فإنما عليك نبيٌّ وصِدِّيق وشهيدان ". تفسير : وقال: "حديث : والله إنِّي لأعرف حجراً كان يُسلِّم عليَّ بمكة قبل البعثة ". تفسير : وثبت أيضاً في الحديث أن الأرض تبكي لموت المؤمن وتفرح لموت الكافر. والعرب تقول (نبَتْ به الدار) يعني: كرهته. وما هذا إلا لأن هذه الجمادات لها فَهْم وتعقّل على كيفية ما، وأنها مُنسجمة تماماً مع منهج الله، فهي طائعة مُسبِّحة، لذلك تحب مَنْ كان على شاكلتها من البشر وتكره مَنْ شذَّ منهم عن منهج الله وقضية التوحيد. لذلك سيدنا الإمام علي لما سُئِلَ: أتبكي السماء والأرض؟ قال: "نعم، إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في الأرض وموضع في السماء. أما موضعه في الأرض فموضعُ سجوده أو مُصلاّه، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله" فكأن هناك صحبة بين المكان والمكين فيه، بين المكان والإنسان المؤمن. وبهذا نفهم {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} [الدخان: 29] وكيف تبكي السماء على هلاك عدو الله فرعون بعد أنْ بارز الحق سبحانه وادَّعى أنه إله من دون الله؟ وقوله: {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] يعني: مُؤخَّرين ومُؤجَّلين عن موعدهم الذي جعله الله نهاية لهم، لأن أجل الله إذا جاء لا يُؤخّر.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} يقال إنه ليس من مُؤمنٍ إلاّ وَلَهُ بَابٌ يَصعدُ فيهِ عَملُهُ وكلامُهُ. وبابٌ يَخرُجُ منهُ رِزقُهُ. فإذا ماتَ وفُقِدَ بَكيا عَليهِ أربعينَ صباحاً. ولمْ يكنْ لآل فرعون أَعمالٌ صالحةٌ تَبكي ذلك عليهِم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ} [الدخان: 29]، يشير إلى أن سماء الأرواح وأرض الأشباح إنما تبكي على النفس وصفاتها؛ إذ لم تستعد بتبدل الأخلاق، ولم تفن في صفاته، {وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ} [الدخان: 29] لنيل هذه السعادة العظمى. {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الدخان: 30]؛ أي: القلب وصفاته {مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [الدخان: 30]، الذي يصل إليهم {مِن فِرْعَوْنَ} النفس، {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً} [الدخان: 31]؛ أي: مرتبة علية {مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 31]، الذين أسرفوا على أنفسهم بالظلم والعدوان، {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ} [الدخان: 32] من التقديرات الأزلية {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [الدخان: 32]، ولو لم يخترهم ما كان لهم الخيرة أن يكونوا غالبين على فرعون النفس وصفاتها، {وَآتَيْنَاهُم} [الدخان: 33]؛ يعني: للقلب وصفاته {مِّنَ ٱلآيَاتِ} [الدخان: 33]؛ أي: التجليات {مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} [الدخان: 33] لهلاك فرعون النفس وصفاتها في الإفناء. ثم أخبر عن مقالة منكري الحشر والنشر بقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} [الدخان: 34-35]، يشير إلى أن من غلب عليه الحس، ولم يكن له عين القلب مفتوحة؛ ليطالع ببصر بصيرته عالم الغيب وهو الآخرة لا يؤمن إلا بما يريه بصر الجسد؛ ولهذا أنكروا البعث والنشور؛ إذ لم يكن لهم مشاهد إلا نظر حسهم، وقال: {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا} [الدخان: 36]؛ أي: أحيوهم حتى نراهم بنظر الحس ونستخبر عنهم أحوالهم بعد الموت، {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الدخان: 36] فيما تدعون من البعث. ثم هددهم بالهلاك فقال: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} [الدخان: 37]، وهو ملك اليمن، وكانوا قوم فيهم كثرة وتبع كان مسلماً، فأهلك الله قومه على كثرة عددهم وكمال قوتهم، {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} [الدخان: 38] من الأمم {أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [الدخان: 38] مستحقين للهلاك. وبقوله: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ} [الدخان: 38]، يشير إلى السماوات والأرض الأشباح، وما بينهما من القلوب والأسرار والنفوس، وإنها صدق درة المعرفة، دليله قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] أي ليعرفون وهذا تحقيق قوله: {مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [الدخان: 39]؛ أي: ما خلقناهما إلا مرآة قابلة لظهور صفات الحق، كما قال: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ}تفسير : [فصلت: 53]. وبقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الدخان: 39]، يشير إلى أن مرآة قلب أكثرهم مكدرة بصدأ صفات البشرية، وهم لا يعلمون أنهم مرآة لظهور صفاتها فيها.

همام الصنعاني

تفسير : 2817- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ}: [الآية: 29]، قال: بقاع المؤمن التي كانَ يُصَلِّ فِيهَا من الأَرضِ، تَبْكِي ع ليه إذا مَاتَ، وبقاعه من السَّماء التي يُرفع فيها عمله.