Verse. 4444 (AR)

٤٤ - ٱلدُّخَان

44 - Ad-Dukhan (AR)

وَلَــقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُہِيْنِ۝۳۰ۙ
Walaqad najjayna banee israeela mina alAAathabi almuheeni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين» قتل الأبناء واستخدام النساء.

30

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّـن كيفية إهلاك فرعون وقومه بيّـن كيفية إحسانه إلى موسى وقومه. واعلم أن دفع الضرر مقدم على إيصال النفع فبدأ تعالى ببيان دفع الضرر عنهم فقال: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرٰءيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } يعني قتل الأبناء واستخدام النساء والإتعاب في الأعمال الشاقة. ثم قال: {مِن فِرْعَوْنَ } وفيه وجهان: الأول: أن يكون التقدير من العذاب المهين الصادر من فرعون الثاني: أن يكون فرعون بدلاً من العذاب المهين كأنه في نفسه كان عذاباً مهيناً لإفراطه في تعذيبهم وإهانتهم. قال صاحب «الكشاف» وقرىء {مِنْ عَذَابِ ٱلْمُهِينِ } وعلى هذه القراءة (فالمهين) هو فرعون لأنه كان عظيم السعي في إهانة المحقين. وفي قراءة ابن عباس {مِن فِرْعَوْنَ } وهو بمعنى الاستفهام وقوله {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفينَ } جوابه كأن التقدير أن يقال هل تعرفونه من هو في عتوه وشيطنته؟ ثم عرف حاله بقوله {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفينَ } أي كان عالي الدرجة في طبقة المفسرين، ويجوز أن يكون المراد {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً } لقوله { أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [القصص: 4] وكان أيضاً مسرفاً ومن إسرافه أنه على حقارته وخسته ادعى الإلهية، ولما بيّن الله تعالى أنه كيف دفع الضرر عن بني إسرائيل وبيّـن أنه كيف أوصل إليهم الخيرات فقال: {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } وفيه بحثان: البحث الأول: أن قوله {عَلَىٰ عِلْمٍ } في موضع الحال ثم فيه وجهان أحدهما: أي عالمين بكونهم مستحقين لأن يختاروا ويرجحوا على غيرهم والثاني: أن يكون المعنى مع علمنا بأنهم قد يزيغون ويصدر عنهم الفرطات في بعض الأحوال. البحث الثاني: ظاهر قوله {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } يقتضي كونهم أفضل من كل العالمين فقيل المراد على عالمي زمانهم، وقيل هذا عام دخله التخصيص كقوله { أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 110]. ثم قال تعالى: {وَءَاتَيْنَـٰهُم مِنَ ٱلآيَـٰتِ } مثل فلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغيرها من الآيات القاهرة التي ما أظهر الله مثلها على أحد سواهم {بلاء مبين } أي نعمة ظاهرة، لأنه تعالى لما كان يبلو بالمحنة فقد يبلو أيضاً بالنعمة اختباراً ظاهراً ليتميز الصديق عن الزنديق، وهٰهنا آخر الكلام في قصة موسى عليه السلام ثم رجع إلى ذكر كفار مكة، وذلك لأن الكلام فيهم حيث قال: {بَلْ هُمْ فِي شَكّ يَلْعَبُونَ } أي بل هم في شك من البعث والقيامة، ثم بيّـن كيفية إصرارهم على كفرهم، ثم بيّـن أن قوم فرعون كانوا في الإصرار على الكفر على هذه القصة، ثم بيّـن كيف أهلكهم وكيف أنعم على بني إسرائيل، ثم رجع إلى الحديث الأول، وهو كون كفار مكة منكرين للبعث، فقال: {إِنَّ هَـؤُلاَء لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } فإن قيل القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية فكان من حقهم أن يقولوا: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين؟ قلنا إنه قيل لهم إنكم تموتون موتة تعقبها حياة، كما أنكم حال كونكم نطفاً كنتم أمواتاً وقد تعقبها حياة، وذلك قوله {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ فَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ } يريدون ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى دون الموتة الثانية، وما هذه الصفة التي تصفون بها الموتة من تعقيب الحياة لها إلا الموتة الأولى خاصة، فلا فرق إذاً بين هذا الكلام وبين قوله {إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } هذا ما ذكره صاحب «الكشاف»: ويمكن أن يذكر فيه وجه آخر، فيقال قوله {إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُولَىٰ } يعني أنه لا يأتينا شيء من الأحوال إلا الموتة الأولى، وهذا الكلام يدل على أنهم لا تأتيهم الحياة الثانية ألبتة، ثم صرحوا بهذا المرموز فقالوا {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } فلا حاجة إلى التكلف الذي ذكره صاحب «الكشاف». ثم قال تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } يقال نشر الله الموتى وأنشرهم إذا بعثهم، ثم إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشور ممكنً معقولاً فجعلوا لنا إحياء من مات من آبائنا بأن تسألوا ربكم ذلك، حتى يصير ذلك دليلاً عندنا على صدق دعواكم في النبوة والبعث في القيامة، قيل طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله حتى ينشر قصي بن كلاب ليشاوروه في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي صحة البعث، ولما حكى الله عنهم ذلك قال: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَـٰهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } والمعنى أن كفار مكة لم يذكروا في نفي الحشر والنشر شبهة حتى يحتاج إلى الجواب عنها، ولكنهم أصروا على الجهل والتقليد في ذلك الإنكار، فلهذا السبب اقتصر الله تعالى على الوعيد، فقال إن سائر الكفار كانوا أقوى من هؤلاء، ثم إن الله تعالى أهلكهم فكذلك يهلك هؤلاء، فقوله تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } استفهام على سبيل الإنكار، قال أبو عبيدة: ملوك اليمن كان كل واحد منهم يسمى تبعاً لأن أهل الدنيا كانوا يتبعونه، وموضع تبع في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظم من ملوك العرب قالت عائشة، كان تبع رجلاً صالحاً، وقال كعب: ذم الله قومه ولم يذمه، قال الكلبي هو أبو كرب أسعد، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: « حديث : لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم ما أدري أكان تبع نبياً أو غير نبي » تفسير : فإن قيل ما معنى قوله {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } مع أنه لا خير في الفريقين؟ قلنا معناه أهم خير في القوة والشوكة، كقوله { أية : أَكُفَّـٰرُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُوْلَـٰئِكُمْ } تفسير : [القمر: 43] بعد ذكر آل فرعون، ثم إنه تعالى ذكر الدليل القاطع على القول بالبعث والقيامة، فقال: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأًرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } ولو لم يحصل البعث لكان هذا الخلق لعباً وعبثاً، وقد مرّ تقرير هذه الطريقة بالاستقصاء في أول سورة يونس، وفي آخر سورة {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ } حيث قال: { أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً } تفسير : [المؤمنون: 115] وفي سورة ص حيث قال: { أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهم باطلاً } تفسير : [ص: 27]. ثم قال: {مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } والمراد أهل مكة، وأما استدلال المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر والفسق ولا يريدهما فهو مع جوابه معلوم، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : يعني ما كانت القبط تفعل بهم بأمر فرعون، من قتل الأبناء واستخدام النساء، واستعبادهم إياهم وتكلفهم الأعمال الشاقة. {مِن فِرْعَوْنَ} بدل من «الْعَذَابِ الْمُهِينِ» فلا تتعلق «مِنْ» بقوله: «مِنَ الْعَذَابِ» لأنه قد وصف، وهو لا يعمل بعد الوصف عمل الفعل. وقيل: أي أنجيناهم من العذاب ومن فرعون. {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي جباراً من المشركين. وليس هذا عُلوّ مَدْح بل هو عُلُوٌّ في الإسراف، كقوله: {أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [القصص: 4]. وقيل: هذا العلو هو الترفع عن عبادة الله.

البيضاوي

تفسير : {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } من استعباد فرعون وقتله أبناءهم. {مِن فِرْعَوْنَ } بدل من {ٱلْعَذَابَ } على حذف المضاف، أو جعله عذاب لإِفراطه في التعذيب، أو حال من المهين بمعنى واقعاً من جهته، وقرىء {مِن فِرْعَوْنَ } على الاستفهام تنكير له لنكر ما كان عليه من الشيطنة. {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً } متكبراً. {مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ } في العتو والشرارة، وهو خبر ثان أي كان متكبراً مسرفاً، أو حال من الضمير في {عَالِياً } أي كان رفيع الطبقة من بينهم. {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ} اخترنا بني إسرائيل. {عَلَىٰ عِلْمٍ } عالمين بأنهم أحقاء بذلك، أو مع علم منا بأنهم يزيغون في بَعض الأحوال. {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } لكثرة الأنبياء فيهم أو على عالمي زمانهم. {وَءَاتَيْنَـٰهُم مِنَ ٱلآيَـٰتِ} كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى. {مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ } نعمة جلية أو اختبار ظاهر. {إِنَّ هَـؤُلآء } يعني كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإِصرار على الضلالة، والإِنذار عن مثل ما حل بهم. {لَيَقُولُونَ }. {إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية، ولا قصد فيه إلى إثبات ثانية كما في قولك: حج زيد الحجة الأولى ومات. وقيل لما قيل إنكم تموتون موتة يعقبها حياة كما تقدم منكم موتة كذلك قالوا إن هي إلا موتتنا الأولى، أي ما الموتة التي من شأنها كذلك إلا الموتة الأولى. {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} بمبعوثين. {فَأْتُواْ بِـئَابَائِنَا} خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول والمؤمنين. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في وعدكم ليدل عليه. {أَهُمْ خَيْرٌ } في القوة والمنعة. {أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} تبع الحميري الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبنى سمرقند. وقيل هدمها وكان مؤمناً وقومه كافرين ولذلك ذمهم دونه. وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أدري أكان تبع نبياً أم غير نبي»تفسير : وقيل لملوك اليمن التبابعة لأنهم يتبعون كما قيل لهم الأقيال لأنهم يتقيلون. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } كعاد وثمود. {أَهْلَكْنَـٰهُمْ } استئناف بمآل قوم تبع، {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } هدد به كفار قريش أوحال بإضمار قد أو خبر من الموصول إن استؤنف به. {إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} بيان للجامع المقتضي للإهلاك. {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} وَمَا بين الجنسين وقرىء «وما بينهن». {لاَعِبِينَ} لاهين، وهو دليل على صحة الحشر كما مر في الأنبياء وغيرها. {مَا خَلَقْنَـٰهُمَا إِلاَّ بِٱلْحَقّ} إلا بسبب الحق الذي اقتضاه الدليل من الإيمان والطاعة، أو البعث والجزاء. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } لقلة نظرهم. {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} فصل الحق عن الباطل، أو المحق عن المبطل بالجزاء، أو فصل الرجل عن أقاربه وأحبائه. {مِيقَـٰتُهُمْ} وقت موعدهم. {أَجْمَعِينَ} وقرىء {مِيقَـٰتُهُمْ } بالنصب على أنه الاسم أي إن ميعاد جزائهم في {يَوْمُ ٱلْفَصْلِ}. {يَوْمَ لاَ يُغْنِى} بدل من {يَوْمُ ٱلْفَصْلِ } أو صفة لـ {مِيقَـٰتُهُمْ}، أو ظرف لما دل عليه الفصل لاله الفصل. {مَوْلَى } من قرابة أو غيرها. {عَن مَّوْلًى } أي مولى كان. {شَيْئاً } من الاغناء. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } الضمير لـ {مَوْلَى } الأول باعتبار المعنى لأنه عام. {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ } بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه، ومحله الرفع على البدل من الواو والنصب على الاستثناء {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ } لا ينصر منه من أراد تعذيبه. {ٱلرَّحِيمِ } لمن أراد أن يرحمه. {إِنَّ شَجَرَة ٱلزَّقُّومِ } وقرىء بكسر الشين ومعنى {ٱلزَّقُّومِ} سبق في «الصافات». {طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} الكثير الآثام، والمراد به الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه. {كَٱلْمُهْلِ } وهو ما يمهل في النار حتى يذوب. وقيل دردي الزيت. {يَغْلِي فِى ٱلْبُطُونِ } وقرأ ابن كثير وحفص ورويس بالياء على أن الضمير للـ {طَعَامٌ }، أو {ٱلزَّقُّومِ } لا «للمهل» إذ الأظهر أن الجملة حال من أحدهما. {كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ} غلياناً مثل غليه. {خُذُوهُ} على إرادة القول والمقول له الزبانية. {فَٱعْتِلُوهُ} فجروه والعتل الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر، وقرأ الحجازيان وابن عامر ويعقوب بالضم وهما لغتان. {إِلَىٰ سَوَاءِ ٱلْجَحِيمِ } وسطه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } قتل الأبناء واستخدام النساء.

القشيري

تفسير : نجَّاهم، وأقمى عدوَّهم، وأهلكه. {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ} أي عَلِمنا ما يحتقبون من أوزارهم، فرفعنا - باختيارنا - من أقدارِهم ما وَضعَه فِعْلُهم وتدنسُّهم بأوضارهم. ويقال: "على علمٍ منا" بأحوالهم أنهم يُؤثِرون أمرنا على كل شيء. ويقال: "على علمٍ منا" بمحبة قلوبهم لنا مع كثرة ذنوبهم فينا. ويقال: "على علم منا" بما نودع عندهم من أسرارنا، وما نكاشفهم به من حقائق حقِّنا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد نجينا بنى اسرآئيل} التنجية نجات دادن وبرهانيدن. اى خلصنا اولاد يعقوب باغراق القبط فى اليم {من العذاب المهين} از عذابى خوار كننده. يعنى استعباد فرعون اياهم وقتل ابنائهم واستخدام نسائهم وبناتهم وتكليفه اياهم الاعمال الشاقة فالهوان يكون من جهة مسلط مستخف به وهو مذموم

الطوسي

تفسير : سبع آيات كوفي وست في ما عداه، عدّ الكوفيون {ليقولون} ولم يعده الباقون. اقسم الله تعالى أنه نجّى أي خلص بني اسرائيل الذين آمنوا بموسى من العذاب المهين الذي كان يفعله بهم فرعون وقومه لأنهم كانوا استعبدوهم، وكانوا يكلفونهم المشاق ويحملوهم القذارات ويكلفونهم كنسها وتنظيفها وغير ذلك، فخلصهم الله تعالى حين أهلك فرعون وقومه ووفقهم للايمان بموسى. ثم اخبر تعالى ان فرعون كان عالياً من المسرفين أي متجبراً متكبراً من المسرفين في الأرض الذين يتجاوزون حد ما يجوز فعله إلى ما لا يجوز فعله استكباراً وعلواً وعتوّاً، يقال: اسرف يسرف اسرافاً فهو مسرف، ومثله الافراط، وضده الاقتار، وإنما وصف المسرف بأنه عال، وإن كان وصف عال قد يكون صفة مدح، لانه قيده بأنه عال في الاسراف، لان العالي في الاحسان ممدوح والعالي فى الاسراف مذموم، واطلاق صفة عال تعظيم، وإذا اطلق فالمدح به أولى. ثم اخبر تعالى مقسماً بأنه اختارهم يعني موسى وقومه على علم على العالمين، فالاختيار هو اختيار الشيء على غيره بالارادة له لتفضيله عليه. ومثله الايثار، وليس فى مجرد الارادة تفضيل شيء على غيره، لانه قد يمكن أن يريد شيئاً من غير أن يخطر بباله ما هو فيه أولى منه فى العقل، فلا يكون اختياره تفضيلا. وإما ان يريد الأولى ولا يدري انه أولى، فيختاره عليه لجهله بأنه أولى او يختاره وهو يعلم انه غير أولى، ويختاره لحاجته اليه من جهة تعجل النفع به، ومن اختار الادون فى الصلاح على الأصلح كان منقوصاً مذموماً، لانه بمنزلة من اختار القبيح على الحسن. وقيل: المعنى اخترناهم على عالمي زمانهم بدلالة قوله لأمة نبينا {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس} تفسير : وذلك يوجب انه ما اختارهم على من هو خير منهم، وإنما اختارهم على من هو فى وقتهم من العالمين. وقال قتادة، ومجاهد: على عالمي زمانهم. وإنما قال {اخترناهم على علم على العالمين} بما جعل فيهم من الأنبياء الكثيرين، فهذه خاصة لهم ليست لغيرهم، لما فى العلوم من مصالح المكلفين بأنبيائهم. ثم بين ما به اختارهم بأن قال {وآتيناهم} يعني أعطيناهم {من الآيات} يعني الدلالات والمعجزات {ما فيه بلاء مبين} قال الحسن: يعني ما فيه النعمة الظاهرة. قال الفراء: البلاء قد يكون بالعذاب، وقد يكون بالنعمة، وهو ما فعل الله بهم من إهلاك فرعون وقومه، وتخليصهم منه وإظهار نعمه عليهم شيئاً بعد شيء. ثم اخبر تعالى عن كفار قوم نبينا صلى الله عليه وآله فقال {إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى} أي ليس هذا الا الموتة الاولى {وما نحن} أي لسنا بعدها بمبعوثين ولا معادين {بمنشرين} ويقولون {فأتوا بآبائنا} الذين ماتوا قبلنا واعيدوهم {إن كنتم صادقين} فى ان الله تعالى يقدر على اعادة الأموات واحيائهم لان من قدر على النشأة الثانية قدر على اعادة الآباء، وهذا باطل لان النشأة الثانية انما وجبت للجزاء لا للتكليف، فلا تلزم اعادة الآباء ولا تجب.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَآئِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ} من الاستبعاد والاتعاب وقتل الابناء واستخدام النساء

اطفيش

تفسير : {ولَقَد نجَّينا بني إسرائيل} باغراق فرعون وقومه {مِن العَذاب المُهين} هو استعباد فرعون وقومه لهم، واستخدامهم، وقتل أبنائهم، وذلك عذاب مع اهانه {مِن فرعون} بدل على حذف مضاف، أى من عذاب فرعون، أو لا حذف مبالغة كأنه نفس العذاب، ولم يذكر قومه، لأن تعذيبهم بأمره حتى كان يليه بنفسه، فأضافه اليه، أو متعلق بمحذوف معرف نعت، أى من العذاب الصادر من فرعون، أو بمحذوف نكرة حال أى من العذاب صادرا من فرعون وادعى بعض أنه خبر لمحذوف، أى ذلك من فرعون {إنَّهُ كان عالياً} على بنى اسرائيل وقومه بالتكبر {من المُسرفين} فى الشر خبر ثان لكان، أو حال من المستتر فى عالياً.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرٰءيلَ } بما فعلنا بفرعون وقومه ما فعلنا {مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } من استعباد فرعون وقتله أبناءهم واستحيائه نساءهم على الخسف والضيم.

ابن عاشور

تفسير : معطوف على الكلام المحذوف الذي دلّ عليه قوله: { أية : إنهم جندٌ مغرقون } تفسير : [الدخان: 24] الذي تقديره: فأغرقناهم ونجّينا بني إسرائيل كما قال في سورة الشعراء [64 ـــ 66] {أية : وأزلفنا ثَمَّ الآخَرين وأنجينا موسى ومن معه أجْمَعين ثم أغرقنا الآخَرين}.تفسير : والمعنى: ونجينا بني إسرائيل من عذاب فرعون وقساوته، أي فكانت آيةُ البَحر هلاكاً لقوم وإِنجاء لآخَرين. والمقصود من ذكر هذا الإشارةُ إلى أن الله تعالى ينجي الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من عذاب أهل الشرك بمكة، كما نجّى الذين اتبعوا موسى من عذاب فرعون. وجُعل طغيان فرعون وإسرافه في الشر مثلاً لطغيان أبي جهل وملئه ولأجل هذه الإشارة أُكد الخبر باللام. وقد يفيد تحقيق إنجاء المؤمنين من العذاب المقدَّر للمشركين إجابة لدعوة { أية : ربَّنَا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } تفسير : [الدخان: 12]. و{العذاب المهين}: هو ما كان يعاملهم به فرعون وقومه من الاستعباد والإشقاق عليهم في السخرة، وكان يكلفهم أن يصنعوا له اللَّبِن كل يوم لبناء مدينتي (فيثوم) و(رعمسيس) وكان اللبن يصنع من الطوب والتبْن فكان يكلفهم استحضار التبْن اللازم لصنع اللبن ويلتقطون متناثره ويذلونهم ولا يتركون لهم راحة، فذلك العذاب المهين لأنه عذاب فيه إذلال. وقوله: {من فرعون} الأظهر أن يكون بدلاً مطابقاً للعذاب المهين فتكون {مِن} مؤكدة لــ {من} الأولى المعدية لــ {نجينا} لأن الحرف الداخل على المبدل منه يجوز أن يدخل على البدل للتأكيد. ويحسن ذلك في نكت يقتضيها المقام وحسنّه هنا، فأظهرت {مِن} لخفاء كون اسم فرعون بدلاً من العذاب تنبيهاً على قصد التهويل لأمر فرعون في جَعل اسمه نفس العذاب المَهِين، أي في حال كونه صادراً من فرعون. وجملة {إنه كان عالياً} مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان التهويل الذي أفاده جعل اسم فرعون بدلاً من العذاب المهين. والعالي: المتكبر العظيم في الناس، قال تعالى: { أية : إن فرعون علا في الأرض } تفسير : [القصص: 4]. و{من المسرفين} خبر ثان عن فرعون، والإسراف: الإفراط والإكثار. والمراد هنا الإكثار في التعالي، يراد الإكثار في أعمال الشر بقرينة مقام الذم. و{من المسرفين} أشد مبالغة في اتصافه بالإسراف من أن يقال: مسرفاً، كما تقدم في قوله تعالى: { أية : قال أعوذ بالله أنْ أكونَ من الجاهلين } تفسير : في سورة البقرة (67).

الشنقيطي

تفسير : ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه نجى بني إسرائيل من العذاب المهين الذي كان يعذبهم به فرعون وقومه، جاء موضحاً في آيات أخر، مصرح فيها بأنواع العذاب المذكور، كقوله تعالى في سورة البقرة{أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}تفسير : [البقرة: 49]. إلى قوله {أية : وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}تفسير : [البقرة: 50]. وقوله في الأعراف{أية : وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ}تفسير : [الأعراف: 141] الآية. وقوله تعالى في المؤمن{أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ ٱقْتُلُوۤاْ أَبْنَآءَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ}تفسير : [غافر: 25] الآية. وقوله تعالى في إبراهيم: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 6] الآية. وقوله في الشعراء: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الشعراء: 22]. فتعبيده إياهم من أنواع عذابه لهم، إلى غير ذلك من الآيات. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أن فرعون كان عالياً من المسرفين، أوضحه أيضاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في يونس:{أية : وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي ٱلأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلْمُسْرِفِينَ}تفسير : [يونس: 83] وقوله تعالى في أول القصص{أية : إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [القصص: 4] إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {إِسْرَائِيلَ} (30) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَني إِسْرائِيلَ إِذْ أَنقذَهم من أسرِ فِرْعَوْنَ وَمِنْ عَذَابِهِ المُهِينِ الذي أَخْضَعَهُمْ لَهُ، إِذْ كَانَ يَسْتَخْدِمُهُمْ فِي أشَقِّ الأَعْمَالِ وَأَخَسِّها، وَكَانَ يَذْبَحُ أَبْنَاءَهُمْ، وَيَسْتَحِيي نِسَاءَهُمْ، زِيَادَةً في النَّكَالِ وَالإِذْلاَلِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [الدخان: 30] العذاب هو المؤلم للمادة ويكون بالنار وبغيرها، كقَطْع جزء من الجسم أو الجلد مثلاً، وقد يُضاف إلى العذاب الحسيِّ عذابٌ آخر معنوي وهو الإهانة والإذلال، وبعض الناس يتحمل العذاب الحسيَّ، ولا يتحمل أنْ تُهينه بكلمة ربما كانتْ أشدَّ عليه من العذاب. وبنو إسرائيل كانوا يعانون العذاب بتذبيح الأبناء، ويعانون الإهانة باستحياء النساء، والنساء نقطة ضعف عند الرجل، وعِرْض ينبغي المحافظة عليه، لذلك كان التعدِّي على نساء الرجل أعظمُ إهانةَ له. وقد تدارك الحق سبحانه برحمته بني إسرائيل ونجَّاهم من العذاب المهين {مِن فِرْعَوْنَ} [الدخان: 31] فهو سببُ هذا العذاب. {إِنَّهُ كَانَ عَالِياً} [الدخان: 31] يعني: مُتكبراً على الناس مُستعلياً عليهم {مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} [الدخان: 31] أي: المسرفين على أنفسهم، والمسرف هو الذي يتجاوز الحدَّ الذي وضعه الله فيه إلى غيره، ففرعون كان مُستكبراً ومسرفاً في استكباره، ويكفيه إسرافاً أنْ يدَّعي الألوهية، ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى، وأنْ يخدع قومه ويُغرر بهم. وقلنا: فرْقٌ بين أن يكونَ الإنسان ضالاً في نفسه، وأنْ يكون ضالاً ومُضلاً للآخرين. وفرعون ضَلَّ وأضلَّ أمة بأكملها واستعبدها، وصدق القائل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتْهم أمهاتُهم أحراراً؟

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى إِهلاك فرعون وقومه، أردفه بذكر إِحسانه لبني إِسرائيل، ليشكروا ربهم على إِنعامه وإِحسانه، ثم حذَّر كفار مكة من بطش الله وانتقامه، وختم السورة الكريمة ببيان حال الأشقياء والسعداء في يوم الفصل والجزاء. اللغَة: {عَالِياً} متكبراً جباراً {بَلاَءٌ} اختبار وامتحان {مُنشَرِينَ} مبعوثين بعد الموت، وأنشر الله الموتى أحياهم {قَوْمُ تُبَّعٍ} ملوك اليمن، وكانوا يسمون ملوكهم التبابعة قال الجوهري: التبابعة ملوك اليمن، واحدهم تُبَّع، وقال أهل اللغة: تُبَّع لقب للملك منهم كالقياصرة للروم، والأكاسرة للفرس، والخلفاء للمسلمين {يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} يوم القيامة {مَّوْلًى} قريب وناصر {ٱلْمُهْلِ} النحاس المذاب {ٱلأَثِيمِ} الفاجر من أثِمَ الرجل يأثم إِذا وقع في الإِثم والفجور {ٱعْتِلُوهُ} جرُّوه وسوقوه بعنفٍ وشدَّة {سُندُسٍ} رقيق الديباج {إِسْتَبْرَقٍ} غليظ الديباج {عِينٍ} واسعات الأعين جمع عيناء {ٱرْتَقِبْ} انتظر. التفسِير: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} أي والله لقد أنقذنا بني إِسرائيل من العذاب الشديد، المفرط في الإِذلال والإِهانة، وهو قتل أبنائهم واستخدام نسائهم، وإِرهاقهم في الأعمال الشاقة {مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ} أي من طغيان فرعون وجبروته إنه كان متكبراً جباراً، متجاوزاً الحد في الطغيان والإِجرام قال الصاوي: هذا من جملة تعداد النعم على بني إسرائيل، والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم وتبشيره بأنه سينجيه وقومه المؤمنين من أيدي المشركين، فإِنهم لم يبلغوا في التجبر مثل فرعون وقومه {وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي اصطفيناهم وشرفناهم على علمٍ منا باستحقاقهم لذلك الشرف على جميع الناس في زمانهم قال قتادة: على أهل زمانهم، لا على أمة محمد لقوله تعالى {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110] {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ ٱلآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} أي وآتيناهم من الحجج والبراهين وخوارق العادات ما فيه اختبار وامتحان ظاهر جليٌ لمن تدبَّر وتبصَّر قال الرازي: والآياتُ مثل فلق البحر، وتظليل الغمام، وإِنزال المنِّ والسلوى وغيرها من الآيات الباهرة، التي ما أظهر الله مثلها على أحدٍ سواهم {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} أي إِن كفار قريش ليقولون: لن نموت إلا موتةً واحدةً وهي موتتنا الأولى في الدنيا، وفي قوله تعالى {هَـٰؤُلاَءِ} تحقيرٌ لهم وازدراءٌ بهم قال المفسرون: لمَّا كان الحديث في أول السورة عن كفار مكة، وجاءت قصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإِصرار على الضلالة والكفر، رجع إلى الحديث عن كفار قريش، والغرضُ من قولهم {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} إِنكار البعث كأنهم قالوا: إِذا متنا فلا بعث ولا حياة ولا نشور، ثم صرحوا بذلك بقولهم {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي وما نحن بمبعوثين {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} خطابٌ للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على وجه التعجيز أي أحيوا لنا آبائنا ليخبرونا بصدقكم إِن كنتم صادقين في أن هناك حياةً بعد هذه الحياة قال الإِمام الفخر: إن الكفار احتجوا على نفي الحشر والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشور ممكناً معقولاً فجعلوا لنا إِحياء من مات من آبائنا ليصير ذلك دليلاً عندنا على صدق دعواكم في البعث يوم القيامة وقال القرطبي: قال هذا أبو جهل، قال يا محمد: إن كنت صادقاً في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما: قُصي بن كلاب فإِنه كان رجلاً صادقاً، لنسأله عما يكون بعد الموت {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} استفهام انكار مع التهديد أي أهؤلاء المشركون أقوى وأشدُّ أم أهل سبأ ملوك اليمن؟ الذين كانوا أكثر أموالاً، وأعظم نعيماً من كفار مكة؟ {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ} أي والذين سبقوهم من الأمم العاتية أهلكناهم، وخربنا بلادهم، وفرقناهم شذر مذر قال أبو السعود: والمراد بهمْ عاد وثمود وأضرابهم من كل جبار عنيد، أولي بأسٍ شديد، فأولئك كانوا أقوى من هؤلاء، وقد أهلكهم الله مع ما كانوا عليه من غاية القوة والشدة، فإِهلاك هؤلاء أولى {إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} تعليل للإِهلاك أي أهلكناهم ودمرناهم بسبب إِجرامهم، وفيه وعيد وتهديد لقريش أن يفعل الله بهم ما فعل بقوم تُبَّع والمكذبين.. ثم نبه تعالى إلى دلائل البعث وهو خلق العالم بالحقِّ فقال {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} أي وما خلقنا هذا الكون وما فيه من المخلوقات البديعة لعباً وعبثاً {مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات إلا بالعدل والحقِّ المبين، لنجازي المحسن بإِحسانه والمسيء بإِساءته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ذلك فينكرون البعث والجزاء قال المفسرون: إن الله تعالى خلق النوع الإِنساني، وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم، من السقف المرفوع، والمهاد المفروش، وما بينهما من عجائب المصنوعات، وبدائع المخلوقات، ثم كلفهم بالإِيمان والطاعة، فآمن البعض وكفر البعض، فلا بدَّ إذاً من دار جزاء يثاب فيها المحسن، ويعاقب فيها المسيء، لتجزى كل نفسٍ بما كسبت، ولو لم يحصل البعث والجزاء لكان هذا الخلق لهواً وعبثاً، وتنزَّه الله عن ذلك، ولهذا قال بعده {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي إن يوم القيامة موعد حساب الخلائق أجمعين، سُمي {يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} لأن الله تعالى يفصل فيه بين الخلق كما قال تعالى {أية : يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ}تفسير : [الممتحنة: 3] {يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي في ذلك اليوم الرهيب، لا يدفع قريب عن قريبه، ولا صديقٌ عن صديقه، ولا ينفع أحدٌ أحداً ولا ينصره ولو كان قريبه كقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً}تفسير : [لقمان: 33] {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ} استثناء متصل أي لا يغني قريبٌ عن قريب إلا المؤمنين فإِنه يُؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض وقيل: منقطع أي لكنْ من رحمه اللهُ فإِنه يشفع وينفع قال ابن عباس: يريد المؤمن فإِنه تشفع له الأنبياء والملائكة {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيم} أي هو المنتقم من أعدائه، الرحيمُ بأوليائه.. ولما ذكر الأدلة على القيامة، أردفه بوصف ذلك اليوم العصيب، فذكر وعيد الكفار أولاً ثم وعد الأَبرار ثانياً للجمع بين الترهيب والترغيب فقال {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} أي إن هذه الشجرة الخبيثة - شجرة الزقوم - التي تنبتُ في أصل الجحيم، طعام كل فاجر، ليس له طعام غيرها قال أبو حيان: الأثيمُ صفة مبالغة وهو الكثير الآثام، وفُسِّر بالمشرك {كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ} أي هي في شناعتها وفظاعتها إذا أكلها الإِنسان كالنحاس المذاب الذي تناهى حرُّه، فهو يُجرجر في البطن {كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} أي كغليان الماء الشديد الحرارة قال القرطبي: وشجرة الزقوم هي الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسمَّاها الشجرة الملعونة، فإِذا جاع أهل النار التجئوا إليها فأكلوا منها، فغلت في بطونهم كما يغلي الماء الحار، وشبَّه تعالى ما يصير منها إلى بطونهم بالمُهل وهو النحاس المذاب، والمرادُ بالأثيم الفاجر ذو الإِثم وهو أبو جهل، وذلك أنه كان يقول: يعدنا محمد أن في جهنم الزقوم، وإِنما هو الثَّريد بالزبد والتمر، ثم يأتي بالزبد والتمر ويقول لأصحابه: تزقموا، سخريةً واستهزاءً بكلام الله، قال تعالى {خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} أي يُقال للزبانية: خذوا هذا الفاجر اللئيم فسوقوه وجروه من تلابيبه بعنف وشدة إلى وسط الجحيم {ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ} أي ثم صبوا فوق رأس هذا الفاجر عذاب ذلك الحميم الذي تناهى حرُّه {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} أي يقال له على سبيل الاستهزاء والإِهانة: ذقْ هذا العذاب فإِنك أنت المعزَّز المكرَّم قال عكرمة: التقى النبي صلى الله عليه وسلم بأبي جهل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الله أمرني أن أقول لك {أية : أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ}تفسير : [القيامة: 34] فقال: بأي شيءٍ تهددني! واللهِ ما تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاً، إِني لمن أعزِّ هذا الوادي وأكرمه على قومه، فقتله الله يوم بدر وأذلَّه ونزلت هذه الآية {إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} أي إنَّ هذا العذاب هو ما كنتم تشكُّون به في الدنيا، فذوقوه اليوم {أية : أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الطور: 15] والجمعُ في الآية باعتبار المعنى لأن المراد جنس الأثيم.. ولما ذكر تعالى أحوال أهل النار أتبعه بذكر أحوال أهل الجنة فقال {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} أي الذين اتقوا اللهَ في الدنيا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، هم اليوم في موضع إِقامة يأمنون فيه من الآفات والمنغصات والمكاره، وهو الجنة ولهذا قال بعده {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي في حدائق وبساتين ناضرة، وعيونٍ جارية {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} أي يلبسون ثياب الحرير، الرقيق منه وهو السندس، والسميك منه وهو الاستبرق {مُّتَقَابِلِينَ} أي متقابلين في المجالس ليستأنس بعضهم ببعض {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي كذلك أكرمناهم بأنواع الإِكرام، وزوجناهم أيضاً بالحور الحسان في الجنان قال البيضاوي: أي قرناهم بالحور العين، والحوراءُ: البيضاءُ، والعيناءُ: عظيمة العينين، وإِنما وصف تعالى نعيمهم بذلك لأن الجنات والأنهار من أقوى أسباب نزهة الخاطر، وانفراجه عن الغم، ثم ذكر الحور الحِسان لأن بها اكتمال سعادة الإِنسان كما قيل "ثلاثةُ تنفي عن القلب الحزن: الماء، والخضرةُ، والوجهُ الحسن" ثم زاد في بيان النعيم فقال {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} أي يطلبون من الخدم إحضار جميع أنواع الفواكه في الجنة، لأجل أنهم آمنون من التخم والأمراض، فلا تعب في الجنة ولا وَصَب {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} استثناء منقطع أي لا يذوقون في الجنة الموت لكنهم قد ذاقوا الموتة الأولى في الدنيا فلم يعد ثمة موت، بل خلود أبد الآبدين {وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي خلَّصهم ونجَّاهم من عذاب جهنم الشديد الأليم {فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ} أي فعل ذلك بهم تفضلاً منه تعالى عليهم {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي ذلك الذي أعطوه من النعيم، هو الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي فإِنما سهلنا القرآن بلغتك - وهي لسان العرب - لعلهم يتعظون وينزجرون {فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} أي فانتظر يا محمد ما يحل بهم، إِنهم منتظرون هلاكك، وسيعلمون لمن تكون النصرة والظفر في الدنيا والآخرة، وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وسلم ووعيد للمشركين. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- صيغة المبالغة {ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ} {ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} {ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}. 2- الطباق {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ}تفسير : [الدخان: 8] وكذلك {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}. 3- تحريك الهمة للإِيمان والتبصر {أية : إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ}تفسير : [الدخان: 7]. 4- الإِيجاز بحذف بعض الكلام {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ} أي وقلنا له بأن أسر. 5- الاستعارة اللطيفة {أية : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلأَرْضُ}تفسير : [الدخان: 29] أي لم يتغير بهلاكهم شيء ولم تحزن عليهم السماء والأرض بعد انقطاع آثارهم، والعرب يقولون في التعظيم: بكت عليه السماء والأرض، وأظلمت له الدنيا ويقولون في التحقير: مات فلان فلم تخشع له الجبال. 6- أسلوب التعجيز {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. 7- أسلوب التهكم والسخرية {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}. 8- التفجع وإِظهار الأسى والحسرة {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ}تفسير : [الدخان: 25-26]. 9- التشبيه المرسل المجمل {كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ}. 10- السجع الرصين غير المتكلف الذي يزيد في رونق الكلام وجماله إِقرأ مثلاً قوله تعالى {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ * كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}.