٤٤ - ٱلدُّخَان
44 - Ad-Dukhan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ } يعني كفار قريش {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} ابتداء وخبر؛ مثل: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} تفسير : [الأعراف: 155]، {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا}تفسير : [المؤمنون: 37] {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي بمبعوثين. {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } أنشر الله الموتى فنشروا. وقد تقدّم. والمنشورون المبعوثون. قيل: إنّ قائل هذا من كفار قريش أبو جهل، قال: يا محمد، إن كنت صادقاً في قولك فٱبعث لنا رجلين من آبائنا: أحدهما ـ قصيّ بنِ كلاب فإنه كان رجلاً صادقاً؛ لنسأله عما يكون بعد الموت. وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات؛ لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف؛ فكأنه قال: إن كنت صادقاً في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل: لو قال إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء؛ فلم لا يرجع من مضى من الآباء؛ حكاه الماوردي. ثم قيل: «فَأْتُوا بِآبَائِنَا» مخاطبة للنبيّ صلى الله عليه وسلم وحده؛ كقوله: {أية : رَبِّ ٱرْجِعُونِ}تفسير : [المؤمنون: 99] قاله الفرّاء. وقيل: مخاطبة له ولأتباعه.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى منكراً على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد وأنه ما ثم إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور، ويحتجون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا، فإن كان البعث حقاً {فَأْتُواْ بِـآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} وهذه حجة باطلة وشبه فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة، لا في الدار الدنيا، بل بعد انقضائها وذهابها وفراغها، يعيد الله العالمين خلقاً جديداً، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقوداً، يوم تكونون شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً، ثم قال تعالى متهدداً لهم، ومتوعداً ومنذراً لهم بأسه الذي لا يرد؛ كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين المنكرين للبعث كقوم تبع، وهم سبأ، حيث أهلكهم الله عز وجل، وخرب بلادهم، وشردهم في البلاد وفرقهم شذر مذر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ، وهي مصدرة بإنكار المشركين للمعاد، وكذلك ههنا، شبههم بأولئك، وقد كانوا عرباً من قحطان، كما أن هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حمير وهم سبأ كلما ملك فيهم رجل، سموه تبعاً، كما يقال: كسرى، لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافراً، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس. ولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن، وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه، وهو الذي مصر الحيرة، فاتفق أنه مر بالمدينة النبوية، وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها، فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يقرونه بالليل، فاستحيا منهم وكف عنهم، واستصحب معه حبرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة، فإنها مهاجر نبي يكون في آخر الزمان، فرجع عنها، وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة، أراد هدم الكعبة، فنهياه عن ذلك أيضاً، وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناء إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها، وكساها الملاء والوصائل والحبر، ثم كر راجعاً إلى اليمن، ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى عليه الصلاة والسلام فيه من يكون من الهداية قبل بعثة المسيح عليه الصلاة والسلام، فتهود معه عامة أهل اليمن، وقد ذكر القصة بطولها الإمام محمد بن إسحاق في كتابه السيرة، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه ترجمة حافلة أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا ومما لم نذكر. وذكر أنه ملك دمشق، وأنه كان إذا استعرض الخيل، صفت له من دمشق إلى اليمن. ثم ساق من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما أدري الحدود طهارة لأهلهاأم لا؟ ولا أدري تبع لعيناً كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبياً كان أم ملكاً؟» تفسير : وقال غيره: «حديث : عزير أكان نبياً أم لا؟» تفسير : وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن محمد بن حماد الظهراني عن عبد الرزاق. قال الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق. ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: «حديث : عزير لا أدري أنبياً أم لا؟ ولا أدري ألعين تبع أم لا؟» تفسير : ثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكأنه والله أعلم كان كافراً، ثم أسلم، وتابع دين الكليم على يدي من كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح عليه السلام، وحج البيت في زمن الجرهميين، وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر، ونحر عنده ستة آلاف بدنة، وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى اليمن. وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أبي بن كعب، وعبد الله بن سلام وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وكعب الأحبار، وإليه المرجع في ذلك كلّه، وإلى عبد الله بن سلام أيضاً، وهو أثبت وأكبر وأعلم. وكذا روى قصته وهب بن منبه ومحمد بن إسحاق في السيرة كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تبع هذا بترجمة آخر متأخر عنه بدهر طويل، فإن تبعاً هذا المشار إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما توفي، عادوا بعده إلى عبادة النيران والأصنام، فعاقبهم الله تعالى؛ كما ذكره في سورة سبأ، وقد بسطنا قصتهم هنالك، ولله الحمد والمنة، وقال سعيد بن جبير: كسا تبع الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه، وتبع هذا هو تبع الأوسط، واسمه أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمئة سنة وستاً وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو من سبعمئة سنة. وذكروا أنه لما ذكر له الحبران من يهود المدينة أن هذه البلدة مهاجر نبي في آخر الزمان اسمه أحمد، قال في ذلك شعراً، واستودعه عند أهل المدينة، فكانوا يتوارثونه ويروونه خلفاً عن سلف، وكان ممن يحفظه أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في داره وهو:شعر : شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدٍ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللّهِ باري النَّسَمْ فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ لَكُنْتُ وزيراً لَهُ وابْنَ عَمّ وجاهَدْتُ بِالسَّيْفِ أَعْداءَهُ وفَرَّجْتُ عَنْ صَدْرِهِ كُلَّ غَمّ تفسير : وذكر ابن ابي الدنيا: أنه حفر قبر بصنعاء في الإسلام، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند رؤوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: هذا قبر حبى ولميس، وروي حيي وتماضر ابنتي تبع، ماتتا وهما تشهدان أن لا إله إلا الله، ولا تشركان به شيئاً، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. وقد ذكرنا في سورة سبأ شعراً في ذلك أيضاً. قال قتادة: ذكر لنا أن كعباً كان يقول في تبع: نُعِتَ نَعتَ الرجل الصالح؛ ذمّ الله تعالى قومه، ولم يذمه. قال: وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: لا تسبوا تبعاً؛ فإنه قد كان رجلاً صالحاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي زرعة ــــ يعني: عمرو بن جابر الحضرمي ــــ قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تسبوا تبعاً؛ فإنه قد كان أسلم.»تفسير : ورواه الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة به. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي برزة، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تسبوا تبعاً؛ فإنه قد أسلم» تفسير : وقال عبد الرزاق أيضاً: أخبرنا معمر عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أدري تبع نبياً كان أم غير نبي؟» تفسير : وتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم كما أورده ابن عساكر: «حديث : لا أدري تبع كان لعيناً أم لا؟» تفسير : فالله أعلم. ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى المدني عن عكرمة عن ابن عباس موقوفاً. وقال عبد الرزاق: أخبرنا عمران أبو الهذيل، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال: قال عطاء بن أبي رباح: لا تسبوا تبعاً؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن سبه، والله تعالى أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ هَـٰؤُلآء } أي كفار مكة {لَيَقُولُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ هَؤُلآءِ لَيَقُولُونَ} يعني كفار قريش. {إن هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} أي بمبعوثين قيل: إن قائل هذا أبو جهل قال: يا محمد إن كنت صادقاً في قولك فابعث لنا رجلين من آبائنا أحدهما قصيّ بن كلاب فإنه كان رجلاً صادقاً، لنسأله عما يكون بعد الموت وهذا القول من أبي جهل من أضعف الشبهات، لأن الإعادة إنما هي للجزاء لا للتكليف. فكأنه قال: إن كنت صادقاً في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف. وهو كقول قائل لو قال: إن كان ينشأ بعدنا قوم من الأبناء، فلم لا يرجع من مضى من الآباء. قوله عز وجل: {أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} فيه وجهان: أحدهما: أهم أظهر نعمة وأكثر أموالاً. الثاني: أهم أعز وأشد أم قوم تبع. وحكى قتادة أن تبعاً كان رجلاً من حِمير سار بالجيوش حتى عبر الحيرة وأتى سمرقند فهدمها. وحكي لنا أنه كان إذا كتب؛ كتب باسم الله الذي سما وملك براً وبحراً وضحاً وريحاً. وروي عن عمرو بن رجاء عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم. وحكى ابن قتيبة في المعارف شعراً ذكر أنه لتبع وهو: شعر : منح البقاءَ تقلبُ الشمسِ وطلوعها من حيث لا تُمْسِي وشروقها بيضاء صافية وغروبُها حمراءَ كالورْسِ وتشتت الأهواءِ أزعجني سيراً لأبلغ مطلع الشمسِ ولرب مطعمةٍ يعود لها رأي الحليم إلى شفا لبسِ تفسير : وفي تسميته تبعاً قولان: أحدهما: لأنه تَبعَ من قبله من ملوك اليمن كما قيل خليفة لأنه خلف من قبله. الثاني: لأنه اسم لملوك اليمن. وذم الله قومه ولم يذمه، وضرب بهم مثلاً لقريش لقربهم من دارهم، وعظمهم في نفوسهم، فلما أهلكهم الله ومن قبلهم - لأنهم كانوا مجرمين - كان من أجرم مع ضعف اليد وقلة العدد أحرى بالهلاك.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ} يعني مشركي مكة، ليقولون: {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} بمبعوثين بعد موتنا. واعلم أنه رَجَعَ إلى ذكر كفار مكة؛ لأن الكلام كان فيهم حيث قال: {أية : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ}تفسير : [الدخان:9] أي بل هم في شك من البعث والقيامة. ثم بين كيفية إصرارهم على كفرهم ثم بين أن قوم فرعون كانوا في الإصرار على الكفر مثلهم، وبين كيف أهلكهم وكيف أنعم على بني إسرائيل ثم رجع إلى كفار مكة وإنكارهم للبعث فقال: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ: إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ}. فإن قيل: القوم كانوا ينكرون الحياة الثانية، فكان من حقهم أن يقولوا: إن هي إلا حياتنا الأولى وما نحن بمنشرين. فالجواب: قال الزمخشري: إنه قيل لهم: إنكم تموتون موتةً يَعْقُبُهَا حياةٌ كما أنكم حال كونكم نطفاً كنتم أمواتاً وقد يعقبها حياة، كقوله: {أية : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}تفسير : [البقرة:28] فقالوا: إنْ هِيَ إلاَّ مَوْتَتَنَا الأُوْلَى يريدون: ما الموتة التي من شأنها أن تعقبها حياة إلا الموتة الأولى خاصة، ولا فرق إذن بين هذا الكلام وبين قوله: "إن هِيَ إلاَّ حَيَاتُنا الأُولى". قال ابن الخطيب: ويمكن وجه آخر وهو أن قوله: إن هي إلا موتننا الأولى، يعنى أنه لا يأتينا من الأحوال الشديدة إلا الموتة الأولى وهذا الكلام (لا) يدل على أنهم لا يأتيهم الحياة الثانية ألبتةَ، ثم صرحوا بهذا المرموز فقالوا: {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}. ولا حاجة إلى التكليف الذي ذكره الزمخشري. ثم إنَّ الكفار احتجوا على نفي الحشر، والنشر بأن قالوا: إن كان البعث والنشر ممكناً معقولاً فعجَّلوا لنا إحياء من مات من آبائنا إن كنتم صادقين في دعوى النبوة والبعث في القيامة. قيل: طلبوا من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يَدْعُوا الله حتى ينشر قصَيَّ بْن كِلاَب، ليشاوروه في صحة نبوة محمد وفي صحة البعث. ولما حكى الله تعالى عنهم ذلك قال: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} وهذا استفهام على سبيل الإنكار قال أبو عبيدة: (ملوك اليمن) كل واحد منهم يسمى تُبَّعاً؛ لأن أهل المدينة كانوا يتبعونه، وموضع ("تبع") في الجاهلية موضع الخليفة في الإسلام وهم الأعاظِمُ من ملوك العرب قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ كان تُبَّعٌ رَجُلاً صالحاً. وقال كَعْبٌ: ذَمَّ الله ولَمْ يَذُمَّه وقال الكلبي: هو أو كرب (أبو) أسعد. وعن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : لاَ تَسُبُّوا تبَّعاً فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ"تفسير : . وعنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : مَا أَدْرِي أَكَانَ تُبَّعٌ نَبِيًّا أَمْ غَيْرَ نَبِيٍّ"تفسير : . وقال قتادة: هو تبَّعٌ الْحِمْيَريّ، وكان سار بالجيوش حتى حير الحيرة وبنى سمرقند، وكان من ملوك اليمن يسمى تُبَّعاً لكثرة أتباعه، كل واحد منهم يسمى تبعاً، لأن يتبع صاحبه، وكان هذا يعبد النار، فأسلم ودعا قومه إلى الإسلام، وهم حِمْيَر. فكذبوه. (قال ابن إسحاق: وكان اسمه بيان أسعد أبو كرب وقصَّتُهُ مسرودة؛ لأنه كان يعبد الأوثان، وأنه أسلم على يد حَبْرَيْنِ عالميْن، وأنه أتى البيت الحرام فطاف به، ونحر عنده، وحلق رأسه، وأقام بمكة ستة أيام ينحر بها للناس ويُطْعِمُ أهلها ويسقيهم العسل، وأُري في المنام أن يكْسُوَ البيت، فكساه الخَصَفَ، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه المعافري، ثم أري أن يكسوه أحسن من ذلك فكساه الملا والوصائل. وكان تبع أول من كسا البيت وأوصى به ولاته من خزاعة فأمرهم بتطهيره، وأن يقربوه دَماً ولا مِيتةَ، ولا مِيلاَثاً، وهي المحايِضُ وجعل له باباً ومفتاحاً، وقصته مع الحَبْرَينِ مشْهُورة وأيضاً وأنه رَجَعَ إلى اليمن وتبع الحبرين على دينهما ولذلك كان أصل دين الهيودية باليَمَنِ). فإن قيل: ما معنى قوله: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} مع أنه لا خير في الفريقين؟. فالجواب: أن معناه أهم خير في القوة والشوكة كقوله تعالى: {أية : أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ}تفسير : [القمر:43] بعد ذكر آلِ فِرْعَوْنَ. قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يجوز فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون معطوفاً على قوم "تُبَّع". الثاني: أن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده من: "أَهْلَكْنَاهُمْ" وأما على الأول: "فأَهْلَكْنَاهُمْ" إما مستأنفٌ وإما حال من الضمير المستكنِّ في الصلة. الثالث: أن يكون منصوباً بفعل مقدر يفسره "أَهْلَكْنَاهُمْ" ولا محلّ لـ "أهلكناهم" حينئذ. قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} لما أنكر على كفار مكة قولهم ووبخهم بأنهم أضعف ممن كان قبلهم ذكر الدليل القاطع على صحة القول بالبعث والقيامة، فقال: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين} أي لو لم يحصل البعث لكان هذا الخلق لعباً وعبثاً وقد تقدم تقدير هذا الدليل في أول سورة يونس، وفي آخر سورة المؤمنين عند قوله: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً}تفسير : [المؤمنون:115] وفي "ص" عند قوله: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً}تفسير : [ص:27] وتقدم أيضاً استدلال المعتزلة بنظير هذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر والشرك ولا يريدهما وتَقَدّمَ جَوَابُهُمَا. قوله: "لاَعِبِينَ" حال. وقرأ عَمْرُو بْنُ عُبَيْد: وَمَا بَيْنَهُنَّ، لأن السموات والأرض جمعٌ. والعامة: "بينهما" باعتبار النوعين. قوله "إلاَّ بالْحَقِّ" حال إما من الفاعل وهو الظاهر وإما من المفعول أي إلاَّ مُحِقِّينَ أو ملتبسين بالحق ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (يعني أهل مكة).
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. اقترح أبو جهلٍ على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحييَ لهم نَفْساً: "لتخبرنا: هل أنت صادق أم لا؟" فأخبر الله - سبحانه - أنهم اقترحوا هذا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليهم، وإظهار ما أزاح لهم من العُذْر: ثم قال جل ذكره: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. "تُبّع" هو ملك لليمن، وكان مسلماً، وكان في قومه كثرة، وأهلك الله سبحانه قومَه على كثرة عددهم، وكمال قُوَّتِهم. قوله جل ذكره: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ}. ما خلقناهما إلا بالحقِّ، بالحُكْمِ الحقِّ، وبالأمرِ الحقِّ..."فأنا مُحِقُّ في خَلْقِهما": أي كان لي خَلْقُهما.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان هؤلاء} اى كفار قريش لان الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه للدلالة على تماثيلهم فى الاصرار على الضلالة والتحذير عن حلول ما حل بهم من العذاب {ليقولون ان هى الا موتتنا الاولى} لما اخبروا بأن عاقبة حياتهم ونهايتها امران الموت ثم البعث انكروا ذلك بحصر نهاية الامر فى الموتة الاولى اى ما العاقبة ونهاية الامر الا الموتة الاولى المزيلة للحياة الدنيوية ولا بعث بعدها وتوصيفها بالاولى لا يستدعى ان يثبت الخصم موتة ثانية فيقصدو بذلك انكارها لان كون الشئ اولا لا يستلزم وجود ما كان آخرا بالنسبة اليه كما لو قال اول عبد املكه حر فملك عبدا عتق سواء كان مالكا بعده عبدا آخر او لا قال سعدى المفتى وفيه بحث فان الاول مضايف الآخر او الثانى فيقضى المضايف الآخر بلا شبهة اذ المتضايفان متكافئان وجودا وعدما ثم قال ويجوز أن يقال مقصود المصنف الاشارة الى ان المراد بالاولية عدم المسبوقية باخرى مثلها على المجاز وقال فى الكشاف لما قيل لهم انكم تموتون موتة تعقبها حياة كما تقدمتكم موتة كذلك قالوا ما هى الا موتتنا الاولى اى ما الموتة التى تعقبها حياة الا الموتة الاولى فالحصر بهذا المعنى راجع الى معنى ان يقال ما هى الا حياتنا الاولى ولا تكلف فى اطلاق الموت على ما كان قبل الحياة الدنيا كما فى قوله تعالى {أية : وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} تفسير : وقال بعضهم لمعنى ليس الموتة لا هذه الموتة دون الموتة التى تعقبها حياة القبر كما تزعمون يكون بعدها البعث والنشور ولا يبعد أن يحمل على حذف المضاف على ان يكون التقدير ان الحياة الا حياة موتتنا الاولى فالاولى صفة للمضاف والقرينة عليه قوله وما نحن بمنشرين فالآية مثل قوله {أية : ان هى الا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} تفسير : كما فى حواشى سعدى المفتى {وما نحن بمنشرين} بمبعوثين بعد الموت يعنى زنده شد كان وبر انكيختكان بعد ازمرك. من انشر الله الموتى اذا بعثهم وغرضهم من هذا القول المبالغة فى انكار حشر الموتى ونشرهم من القبور
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ هؤلاء} يعني كفار قريش؛ لأن الكلام معهم، وقصة فرعون مسوقة للدلالة على مماثلتهم في الإصرار على الضلالة، والتحذير من حلول مثل حلّ بهم، {لَيقولون إِن هي إِلا موتَتنا الأُولى} أي: ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى، المزيلة للحياة الدنيوية، ولا قصد فيه لإثبات موته أخرى، كقولك: حجّ زيد الحجة الأولى ومات، أو: ما الموتة التي تعقبها حياة إلا الموتة الأولى، التي تقدّمت وجودنا، كقوله:{أية : وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأحْيَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 28] كأنهم لما قيل لهم: إنكم تموتون موتة تعقبها حياة، كما تقدمتكم كذلك، أنكروها، وقالوا: ما هي إلا موتتنا الأولى، وأما الثانية فلا حياة تعقبها، أوْ: ليست الموتة إلا هذه الموتة، دون الموتة التي تعقب حياة القبر كما تزعمون، {وما نحن بمُنشَرِين} بمبعوثين، {فأتوا بآبائنا} خطاب لمَن كان بعدهم النشر، من الرسول والمؤمنين، {إِن كنتم صادقين} أي: إن صدقتم فيما تقولون، فعجِّلوا لنا إحياء مَن مات من آبائنا بسؤالكم ربكم، حتى يكون دليلاً على أن ما تعدونه من البعث حق. قيل: كانوا يطلبون أن ينشر لهم قُصيّ بن كلاب، ليُشاوروه، كان كبيرهم ومفزعهم في المهمات، قال تعالى: {أَهُم خيرٌ أم قومُ تُبَّع} ردّ لقولهم وتهديد لهم، أي: أهم خير في القوة والمنعة، اللتين يدفع بهما أساب الهلاك، أم قوم تُبع الحميري؟ وكان سار بالجيوش حتى حيّر الحيرة، وبنى سمرقند، وقيل: هدمها، وكان مؤمناً وقومه كافرين، ولذلك ذمّهم الله تعالى دونه، وكان يكتب في عنوان كتابه: بسم الله الذي ملك برّاً وبحراً ومضحاً وريحاً. قال القشيري: كان تُبَّع ملك اليمن، وكان قومه فيهم كثرة، وكان مسلماً، فأهلك اللّهُ قومَه على كثرة عددهم وكمال قوتهم. هـ. روي عنه عليه السلام أنه قال: لا تسبُّوا تُبعاً فإنه كان مؤمناً" هـ وقيل: كان نبيّاً، وفي حديث أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لا أدري تُبعاً كان نبيّاً أو غير نبي ". تفسير : وذكر السهيلي: أن الحديث يُؤذن بأنه واحد بعينه، وهو - والله أعلم - أسعد أبو كرب، الذي كسا الكعبة بعدما أراد غزوه، وبعدما غزا المدينة، وأراد خرابها، ثم انصرف عنها، لما أخبر أنها مهاجَر نبي اسمه "أحمد" وقال فيه شعراً، وأودعه عند أهلها، فكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر، إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فأدُّوه إليه. ويقال: كان الكتاب والشعر عند أبي أيوب الأنصاري: حتى نزل عليه النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه إليه، وفي الكتاب الشعر، وهو: شعر : شَهِدتُ عَلَى أَحمَدٍ أَنه رَسولٌ مِنَ الله بارِي النَّسمْ فَلَو مُدَّ عُمْرِي إلَى عُمْرهِ لكنتُ وزيراً له وابن عَمْ وأَلْزَمتُ طَاعَتَه كلَّ مَن عَلَى الأَرْضِ، مِنْ عُرْبٍ وعَجمْ ولَكِن قَوْلي له دَائماً سَلاَمٌ عَلَى أَحْمَدٍ في الأمَمْ تفسير : وذكر الزجاج وابن أبي الدنيا: أنه حُفر قبرٌ بصنعاء في الإسلام، فوجد فيه امرأتان، وعند رؤوسهما لوح من فضة، مكتوب فيه بالذهب اسمهما، وأنهما بنتا تُبع، تشهدان ألا إله إلا الله، ولا تُشركان به شيئاً، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما. هـ. ويقال لملوك اليمن: التبابعة؛ لأنهم يُتبعون، ويقال لهم: الأقيال لأنهم يتقيلون. هـ. {والذين مِن قبلهم} عطف على "قوم تُبع"، والمراد بهم عاد وثمود، وأضرابهم من كل جبار عنيد، أُولي بأس شديد، {أهلكناهم} بأنواع من العذاب {إِنهم كانوا مجرمين} تعليل لإهلاكهم، ليعلم أن أولئك حيث أهلكوا بسبب إجرامهم مع ما كانوا عليه من غاية القوة والشدة، فكان مهلكَ هؤلاء - وهم شركاؤهم في الإجرام، مع كونهم أضعف منهم في الشدة والقوة - أولى. قال الطيبي: لما أنكر المشركون الحشر، بقولهم: {إن هي إلا موتتنا الأولى} وبَّخهم بقوله: {أهم خير أم قوم تبع} إيذاناً بأن هذا الإنكار ليس عن حجة قاطعة ودليل ظاهر، بل عن مجرد حب العاجلة، والتمتُّع بملاذ الدنيا، والاغترار بالمال والمآل والقوة والمنعة، أي: كما فعل بمَن سلك قبلَهم من الفراعنة والتبابعة حتى هلكوا، كذلك يفعل بهؤلاء إن لم يرتدعوا. ثم قرّر أن الحشر لا بُد منه بقوله: {وما خلقنا السماواتِ والأرضَ وما بينهما} أي: بين الجنسين، {لاعبين} لاهين من غير أن يكون في خلقهما غرض صحيح، وغاية حميدة، جلّ جناب الجلال عن ذلك، {ما خلقناهما إِلا بالحق} أي: ما خلقناهما ملتبساً بشيء من الأشياء إلا ملتبساً بالحق، أو: ما خلقناهما بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، الذي هو الإيمان والطاعة في الدنيا، والبعث والجزاء في العقبى. قال الطيبي: وقد سبق مراراً: أنه ما خلقهما إلا ليوحَّد ويُعبَد، ثم لا بد أن يجزي المطيع والعاصي، وليست هذه دار الجزاء. وقال ابن عرفة: قوله: {إلا بالحق} أي: إلا مصاحبين للدلالة على النشأة الآخرة، وهي حق. هـ. {ولكن أكثرهم لا يعلمون} أنهن خُلقن لذلك، بل عبثاً، تعالى الله عن ذلك. الإشارة: كانت الجاهلية تُنكر البعث الحسي، والجهلة اليوم ينكرون البعث المعنوي، ويقولون: {إن هي إلا موتتنا الأولى} أي: موت قلوبنا وأرواحنا بالجهل والغفلة، فكيف يكون الرجل منهمكاً في المعاصي، يمت القلب، ثم ينقذه الله ويُحييه بمعرفته، حتى يصير وليّاً من أوليائه مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز قدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً" أهم خير أم قوم تُبع؟ وقد أخرج الله من قومه أنصار نبيه صلى الله عليه وسلم، وكانوا من خواص أحبابه، حتى قال:"حديث : الناس دثار والأنصار شِعار، لو سلك الناسُ وادياً أو شِعباً، وسلكتْ الأنصارُ وادياً، لسلكتُ واديَ الأنصار وشِعبهم"تفسير : . وما خلقنا الأجرام العظام إلا لتدل على كمال قدرتنا، والسلام. ثم ذكر شأن البعث الذي أنكرته الجاهلية، فقال: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} قريشٌ بعد ذكر قصّة قوم فرعون لتهديد قريش ذكر حال قريش بنحو كونها جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ {لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} اى ان الموتة، او ان الفتنة، او ان العاقبة ونهاية الامر الاّ موتتنا الاولى انكاراً للمعاد {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} معادين مبعوثين.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ هَؤُلآَءِ} أي مشركي مكة لانهم المساقون بالذات وأما فرعون وجنده فللدلالة على انهم مثلهم اصرارا وضلالة وللانذار بهم* {لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ} أي ما الموتة التي بعدها الحياة* {إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى} وهو كونهم نطفاً فلنا موتة ثانية لا حياة بعدها أو المراد الا الموتة الخ المزيلة للحياة الدنيوية ولا قصد الى ثبات موتة ثانية كما تقول هذا أول مال اكتسبته ولم تكسب آخر بعده فان أولا لا يستلزم ثانياً على مختار السيوطي فلو قال قائل أنت طالق ان كان أول ما تلدينه ذكراً طلقت اذا ولدته ولو لم تلد بعده وقيل يستلزمه فلا تطلق حتى تلد مرة أخرى وعليه فاطلاق الاولى باعتبار قول المؤمن ان لنا ثانية وعلى كل فلا منافاة بين ذكر لفظ الاولى وانكارهم البعث بنحو قولهم* {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} بمبعوثين وان أخطأنا في انكار البعث
اطفيش
تفسير : {إنَّ هؤلاء} قومك الكافرين يا محمد كما كفر قوم موسى فرعون وقومه {ليَقولُون} إنكارا للبعث، وكفرا به، فهلا خافوا أن ينزل عليهم ما نزل بفرعون وقومه.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ هَـؤُلآء } كفار قريش لأن الكلام فيهم، وذكر قصة فرعون وقومه استطرادي للدلالة على أنهم مثلهم في الإصرار على الضلالة والإنذار عن مثل ما حل بهم، وفي اسم الإشارة تحقير لهم {لَيَقُولُونَ }.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض بين جملة { أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنّا منتقمون } تفسير : [الدخان: 16] وجملة { أية : أهم خيرٌ أم قوم تُبّع } تفسير : [الدخان: 37] فإنه لما هددهم بعذاب الدخان ثم بالبطشة الكبرى وضرب لهم المثل بقوم فرعون أعقب ذلك بالإشارة إلى أن إنكار البعث هو الذي صرفهم عن توقع جزاء السوء على إعراضهم. وافتتاح الكلام بحرف {إنّ} الذي ليس هو للتأكيد لأن هذا القول إلى المشركين لا تردّد فيه حتى يحتاج إلى التأكيد فتعين كون حرف {إنَّ} لمجرد الاهتمام بالخبر، وهو إذا وقع مثل هذا الموقع أفاد التسبب وأغنى عَن الفاء. فالمعنى: إنا منتقمون منهم بالبطشة الكبرى لأنهم لا يرتدعون بوعيد الآخرة لإنكارهم الحياة الآخرة فلم ينظروا إلا لما هم عليه في الحياة الدنيا من النعمة والقوة فلذلك قدر الله لهم الجزاء على سوء كفرهم جزاء في الحياة الدنيا. وضمير {هي} ضمير الشأن ويقال له: ضمير القصة لأنه يستعمل بصيغة المؤنث بتأويل القصة، أي لا قصة في هذا الغرض إلا الموتة المعروفة فهي موتة دائمة لا نشور لنا بعدها. وهذا كلام من كلماتهم في إنكار البعث فإن لهم كلمات في ذلك، فتارة ينفون أن تكون بعد الموت حياة كما حكى عنهم في آيات أخرى مثل قوله تعالى: { أية : وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } تفسير : [الأنعام: 29]، وتارة ينفون أن يطرأ عليهم بعد الموتة المعروفة شيء غيرها يعنون بذلك شيئاً ضد الموتة وهو الحياة بعد الموتة. فلهم في نَفْي الحياة بعد الموت أفانين من أقوال الجحود، وهذا القصر قصر حقيقي في اعتقادهم لأنهم لا يؤمنون باعتراء أحوال لهم بعد الموت. وكلمة {هؤلاء} حيثما ذكر في القرآن غير مسبوق بما يصلح أن يشار إليه: مراد به المشركون من أهل مكة كما استنبطناه، وقدمنا الكلام عليه عند قوله تعالى: { أية : فإن يكفر بها هؤلاء } تفسير : في سورة الأنعام (89). ووصف {الأولى} مراد به السابقة مثل قوله: { أية : وأنه أهلك عاداً الأولى } تفسير : [النجم: 50] ومنه قوله تعالى: { أية : ولقد ضلّ قبلهم أكثرُ الأولين } تفسير : [الصافات: 71]. ونظيرها قوله تعالى: { أية : أفما نحن بميتين إلاّ موتَتَنا الأولى وما نحن بمعذبين } تفسير : [الصافات: 58، 59]. وأعقبوا قصر ما ينتابهم بعد الحياة على الموتة التي يموتونها، بقوله: {وما نحن بمنشرين} تصريحاً بمفهوم القصر. وجيء به معطوفاً للاهتمام به لأنه غرض مقصود مع إفادته تأكيد القصر وجعلوا قولهم: {فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} حجة على نفي البعث بأن الأموات السابقين لم يرجع أحد منهم إلى الحياة وهو سفسطة لأن البعث الموعود به لا يحصل في الحياة الدنيا، وهذا من توركهم واستهزائهم. وضمير جمع المخاطبين أرادوا به النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين الذين كانوا يقولون لهم { أية : إنكم مبعوثون } تفسير : [هود: 7] كما جاء في حديث خبّاب بن الأرتّ مع العاصي بن وائل الذي نزل بسببه قوله تعالى: { أية : أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوَتَيَنّ مالاً وولداً } تفسير : الآية، وتقدم في سورة مريم(77).
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إنَّ هؤلاء: أي المشركين من قريش. إن هي إلا موتتنا الأولى: أي لا حياة بعدها ولا موت وهذا تكذيب بالبعث الآخر. وما نحن بمنشرين: أي بمبعوثين أحياء من قبورنا بعد موتنا. فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين: أي فأت يا محمد بآبائنا الذين ماتوا إن كنت صادقاً في أننا بعد موتنا وبلانا نبعث أحياء من قبورنا. أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم: أي هؤلاء المشركون خير في القوة والمناعة أم قوم تبع والذين من قبلهم كعاد. أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين: أي أنزلنا بهم عقوبتنا فأهلكناهم إنهم كانوا قوما مجرمين. لاعبين: أي عابثين بخلقهما لا لغرض صالح. ما خلقناهما إلا بالحق: أي إلا لأمر اقتضى خلقهما وهو أن أذكر فيهما وأشكر. إنَّ يوم الفصل ميقاتهم أجمعين: أي إن يوم القيامة الذي يفصل فيه بين الخلائق ويحكم ميعادهم أجمعين حيث يجمعهم الله فيه. يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً: أي يوم لا يكفى قريب قريبه بدفع شيء من العذاب عنه. ولاهم ينصرون: أي لا ينصر بعضهم بعضاً. إلا من رحم الله: أي لكن من رَحِمَهُ الله فإنه يدفع عنه العذاب وينصر. إنه هو العزيز الرحيم: أي الغالب المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في طلب هداية قوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم فما ذكر قصص موسى وفرعون إلا تنبيهاً وتذكيراً لعلهم يتذكرون فقال تعالى: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} الأدْنون الهابطين بعقولهم إلى أسوأ المستويات ما يستحون ولا يخجلون فيقولون إن هي إلا موتتنا الأولى منكرين للبعث والجزاء ليواصلوا كفرهم وفسقهم، فلذا قالوا وما نحن بمنشرين أي بمبعوثين أحياء من قبورنا كما تعدنا يا محمد، وإن أصررتم على قولكم بالحياة الثانية فأتوا بآبائنا الذين ماتوا {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في ذلك وقولهم فأتوا وإن كنتم ليس من باب تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما شعور منهم أنه ليس وحده في هذه الدعوة بل وراءه من هو دافع له على ذلك. وقوله تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}؟ إنهم ليسوا بخير منهم بأي حال لا في المال ولا في الرجال فكما أهلكناهم نهلك هؤلاء، وأهلكنا الأولين لأنهم كانوا مجرمين أي على أنفسهم بالشرك والمعاصي، وهؤلاء مجرمون أيضا فهم مستوجبون للهلاك وسوف يهلكون إن لم يتوبوا فيؤمنوا ويوحدوا ويطيعوا الله ورسوله. وقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ} ما خلقناهما إلا بالحق {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} هذا دليل على البعث والجزاء إذ ليس من الحكمة أن يخلق الله الكون لا لشيء ثم يعدمه ولا شيء وراء ذلك هذا من اللعب والعبث الذي ينتزه عنه العقلاء فكيف بواهب العقول جل وعز إنه ما خلق الكون إلا ليذكر فيه ويشكر فمن ذكره فيه وشكره أكرمه وجزاه بأحسن الجزاء، ومن تركه وكفره أهانه وجزاه بأسوء الجزاء وذلك يتم بعد نهاية هذه الحياة ووجود الحياة الثانية وهو يوم القيامة. ولذا قال تعالى: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي إنَّ يوم القيامة لفصل القضاء والحكم بين الناس فيما اختلفوا من التوحيد والشرك، والبرور الفجور هو ميعادهم الذي يحضرون فيه أجمعين يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون أي يوم لا يكفى أحد قريب كابن العم عن أحد بِدَفْع شيء من العذاب عنه، وَلاَ بِنَصْرِ بعضهم بعضاً كما كانوا في الدنيا، وقوله تعالى {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ} أي لكن من رحم الله في الدنيا بالإِيمان والتوحيد فإنه يرحمه في الآخرة فيشفع فيه ولياً من أوليائه إنه تعالى هو العزيز أي الانتقام من أعدائه الرحيم بأوليائه. والناس بين ولي لله وعدو فأولياؤه هم المؤمنون وأعداؤه هم الكافرون الفاجرون. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- الإجرام هو سبب الهلاك والدمار كيفما كان فاعله. 3- تبع الحميري كان عبدا صالحا ملكاً حاكماً وكان قومه كافرين فأهلكهم الله وأنجاه ومن معه من المؤمنين الصالحين ففي هذا الملك الصالح عبرة لمن يعتبر. 4- تنزه الرب تعالى عن اللعب والعبث فيما يخلق ويهب، ويأخذ ويعطي ويمنع. 5- يوم القيامة وهو يوم الفصل ميعاد الخليقة كلها حيث تجمع لفصل القضاء. 6- لا تنفع قرابة ولا خلة ولا صداقة يوم القيامة، ولكن الإيمان والعمل الصالح.
القطان
تفسير : بمنشَرين: بمبعوثين، نشر اللهُ الموتى وأنشرهم: أحياهم. تُبّع: لقبٌ لملوك اليمن القدماء مثل فرعون لدى قدماء المصريين. لاعبين: عابثين. يوم الفصل: هو يوم القيامة، سُمي بذلك لأنه يفصَل فيه بين الناس. ميقاتهم: موعدهم. لا يغني مولى: لا ينفع احد احدا. المولى كلمة لها عدة معانٍ: الرب، والمالك، والمحب، والصاحب، والحليف، والنزيل، والجار، والشريك، والصهر، و القريب من العصبة كالعم وابن العم ونحو ذلك، والمعتِق، والمعتَق بفتح التاء، العبد، والتابع. يعود الحديث عن المنكِرين للبعث، وقولهم لا حياةَ بعد هذه الحياة. فإن هؤلاء المكذِّبين بالبعث ليقولون: إننا لا نموت الا مرةً واحدة، ولسنا بمبعوثين. فان كنتم صادقين فاسألوا ربَّكم أن يعجِّل لنا إحياءَ من ماتَ من آبائنا حتى يكونَ ذلك دليلاً على صِدق دعواكم. ثم بين الله لهم على طريق السؤال: هل كفّار مكةَ خيرٌ في القوة والمنعة والسلطان ام قوم تُبَّع ومن سبقَهم من الجبابرة! إن قومك يا محمد ليسوا بقوّتهم وَمنْعَتِهم وسلطانهم، وقد أهلكناهم في الدنيا بكُفرهم وإجرامهم، فليَعْتبر قومك من مصير غيرهم. لِيوقنوا أنه تعالى لم يخلق هذه السماواتِ والأرضَ عبثا دون حكمة، كما قال تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 115]. نحن ما خلقنا هذا الكونَ العجيب وما فيه الا بحكمة بالغة، على نظامٍ ثابت يدلّ على وجود الله ووحدانيته وقدرته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} هذه الدلالةَ لغفلتهم. ان يوم القيامة موعدُهم جميعاً وفيه يُفصَل بين الحقّ والباطل. يومئذٍ لا يستطيع أحدٌ ان يساعد احداً ولا ينفع مالٌ ولا بنون ولا أنساب ولا صديق حميم. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} الا بصالح الاعمال. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}
د. أسعد حومد
تفسير : (34) - إِنَّ مُشرِكي مَكَّةَ المُكَذِّبينَ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ يَقُولُونَ: {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الإشارة في {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ} [الدخان: 34] قد يُراد بها بني إسرائيل، لأنك لو نظرتَ إلى التوراة أو التلمود لا تجد فيه شيئاً عن اليوم الآخر، مع أنه عنصر أساسي من عناصر الإيمان، لكنهم قوم لا يؤمنون بهذا اليوم. والمسألة عندهم كما حكى القرآن قولهم: {أية : لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ} تفسير : [آل عمران: 24] يعني: ثم تنطفئ عنَّا وتنتهي المسألة. وقالوا في آية أخرى: {أية : نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ} تفسير : [المائدة: 18]. أو يُراد بهؤلاء منكرو البعث عموماً، سواء بنو إسرائيل أو غيرهم، وقولهم {إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} [الدخان: 35] يريدون بالموتة الأولى العدم الذي سبق الخَلْق، فيعتبرون العدم موتة، ثم خلق الله آدم ومنه جاء سائر الخلق. كما قال تعالى: {أية : وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] يعني: لن نموت إلا هذه الموتة، وليس هناك موتة أخرى بعدها بعث ولا حساب {وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} [الدخان: 35] يعني: مبعوثين أحياء بعد الموت.
الجيلاني
تفسير : ثم لما أوضح سبحاه تفضيح حال المجرمين المكذبين لرسول الله قال: {إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ} المسرفين المكذبين لك يا أكمل الرسل يعني: قريشاً خذلهم الله {لَيَقُولُونَ} [الدخان: 34] من غاية إنكارهم بقدرة الله، وبما أخبر بنه الرسول، ونطق به الكتاب: {إِنْ هِيَ} أي: ما الموتة التي تعرض لنا {إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ} التي طرأ علينا في دار الدنيا وأزال حياتنا عنا {وَ} بالجملة {مَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} [الدخان: 35] مبعوثين من قبورنا أحياء، ثم نحشرهم للحساب الجزاء كما زعمتم أيها المفترون الكاذبون. وإن أردتم تصديقنا إياكم في هذه الدعوى {فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا} الذين انقرضوا عن الدنيا أحياء {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الدخان: 36] في دعواكم، إنما قالوا ما قالوا تهكماً واستهزاء. وبعدما أصروا على عنادهم وبالغوا في إنكارهم، رد الله عليهم على أبلغ وجه وآكده بقوله مستفهما على سبيل التقريع والتوبيخ: {أَهُمْ} يعني: قريشاً {خَيْرٌ} مالاً وجاهاً، وثروة وسيادة {أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} اسم لمن ملك الحمير، ككسرى لملوك فارس، وقيصر لملوك الروم، والمراد: أبو كريب سعيد بن منبل، آمن بنبينا قبل بعثته، فتنحى عن قومه، معللين أنك قد تركت ديننا، فأخذهم الله بجرمهم هذا، وأهلكهم {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} من الأمم الهالكة كعاد وثمود {أَهْلَكْنَاهُمْ} مع شدة قوتهم وبسطتهم وكثرة شوكتهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ} [الدخان: 37] بالجرائم العيظمة الموجبة للمقت والهلاك، أمثال جرائمكم أيها المجرمون المسرفون. {وَ} بالجملة: {مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} من الممتزجات {لَـٰعِبِينَ} [الدخان: 38] عابثين بلا طائل {مَا خَلَقْنَاهُمَآ} وأظهرناها على هذا النمط البديع والنظام العجيب المشتمل على أنواع التغيرات من الكائنات والفاسدات {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} ليستدلوا بها على وحدة ذاتنا، وكمال علمنا وقدرتنا، ومتانة حكمتنا وحكمنا واستقلالنا في تدبيراتنا وتصرفاتنا في ملكنا وملوكتنا {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ} لقصور نظرهم عن إدراك الحكم والأسرار {لاَ يَعْلَمُونَ} [الدخان: 39] ولا يشعرون إلا بالمحسوسات العادية، أولئك القاصرون عن النظر والاستدلال، القانعون باللذات الهيمية من هذا العجيب كالأنعام بل هم أضل سبيلاً وأسوأ حالاً منها. اذكر لهم يا أكمل الرسل: {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ} الذي يمتاز فيه المحق عن المبطل والهادي المهتدى عن الضال المضل {مِيقَاتُهُمْ} وموعد جزائهم وقطع خصوماتهم {أَجْمَعِينَ} [الدخان: 40] فيجزى كل منهم حسب ما حوسب، أن خيراً فخير، وإن شراً فشر. {يَوْمَ لاَ يُغْنِي} لا يدفع ولا يرفع {مَوْلًى عَن مَّوْلًى} قرابة عن قرابة {شَيْئاً} من الإغناء والدفع مما كتب له من الجزاء ثواباً كان أو عقاباً {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [الدخان: 41] بعضهم ببعض على سبيل المظاهرة والمعاونة {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ} بمقتضى فضله وجوده، أو قبل شفاعة أحد من حق أحد عناية منه وعفواً {إِنَّهُ} سبحانه {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر على عموم مرادته ومقدوراته {ٱلرَّحِيمُ} [الدخان: 42] المشفق على عباده عند إنابتهم ورجوعهم نحوه، يقبل توبتهم ويعفو زلتهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى { إِنَّ هَؤُلاءِ } المكذبين يقولون مستبعدين للبعث والنشور: { إِنْ هِيَ إِلا مَوْتَتُنَا الأولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ } أي: ما هي إلا الحياة الدنيا فلا بعث ولا نشور ولا جنة ولا نار. ثم قالوا -متجرئين على ربهم معجزين له-: { فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وهذا من اقتراح الجهلة المعاندين في مكان سحيق، فأي ملازمة بين صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه متوقف على الإتيان بآبائهم؟ فإن الآيات قد قامت على صدق ما جاءهم به وتواترت تواترا عظيما من كل وجه. قال تعالى: { أَهُمْ خَيْرٌ } أي: هؤلاء المخاطبون { أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ } فإنهم ليسوا خيرا منهم وقد اشتركوا في الإجرام فليتوقعوا من الهلاك ما أصاب إخوانهم المجرمين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):