Verse. 4452 (AR)

٤٤ - ٱلدُّخَان

44 - Ad-Dukhan (AR)

وَمَا خَلَقْنَا السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَہُمَا لٰعِبِيْنَ۝۳۸
Wama khalaqna alssamawati waalarda wama baynahuma laAAibeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين» بخلق ذلك، حال.

38

Tafseer

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخبراً عن عدله، وتنزيهه نفسه عن اللعب والعبث والباطل؛ كقوله جل وعلا: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [ص: 27] وقال تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ } تفسير : [المؤمنون: 116] ثم قال تعالى: { إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ}، وهو يوم القيامة، يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق، فيعذب الكافرين، ويثيب المؤمنين. وقوله عز وجل: {مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ} أي: يجمعهم كلهم، أولهم وآخرهم {يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً} أي: لا ينفع قريب قريباً؛ كقوله سبحانه وتعالى: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَـابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101] وكقوله جلت عظمته: {أية : وَلاَ يَسْـئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ} تفسير : [المعارج: 10 ــــ 11] أي: لا يسأل أخ أخاً له عن حاله، وهو يراه عياناً. وقوله جل وعلا: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: لا ينصر القريب قريبه، ولا يأتيه نصره من خارج، ثم قال: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ} أي: لا ينفع يومئذ إلا رحمة الله عز وجل بخلقه {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي: هو عزيز ذو رحمة واسعة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَاتِ وَ&#1649لأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } بخلق ذلك حال.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي: بين جنسي السماء، والأرض {لاَعِبِينَ } أي: لغير غرض صحيح. قال مقاتل: لم نخلقهما عابثين لغير شيء. وقال الكلبي: لاهين، وقيل: غافلين. قرأ الجمهور: {وما بينهما} وقرأ عمرو بن عبيد: (وما بينهنّ) لأن السموات، والأرض جمع، وانتصاب {لاعبين} على الحال {مَا خَلَقْنَـٰهُمَا } أي: وما بينهما {إِلاَّ بِٱلْحَقّ } أي: إلا بالأمر الحق، والاستثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال. وقال الكلبي: إلا للحق، وكذا قال الحسن، وقيل: إلاّ لإقامة الحق، وإظهاره {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن الأمر كذلك، وهم المشركون {إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَـٰتُهُمْ أَجْمَعِينَ } أي: إن يوم القيامة الذي يفصل فيه الحق عن الباطل ميقاتهم، أي: الوقت المجعول لتمييز المحسن من المسيء، والمحقّ من المبطل، {أجمعين} لا يخرج عنهم أحد من ذلك. وقد اتفق القراء على رفع ميقاتهم على أنه خبر "إن"، واسمها {يوم الفصل}. وأجاز الكسائي، والفراء نصبه على أنه اسمها، و"يوم الفصل" خبرها. ثم وصف سبحانه ذلك اليوم، فقال: {يَوْمَ لاَ يُغْنِى مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً } {يوم} بدل من {يوم الفصل}، أو منتصب بفعل مضمر يدل عليه الفصل، أي: يفصل بينهم يوم لا يغني، ولا يجوز أن يكون معمولاً للفصل؛ لأنه قد وقع الفصل بينهما بأجنبي، والمعنى: أنه لا ينفع في ذلك اليوم قريب قريباً، ولا يدفع عنه شيئاً، ويطلق المولى على الوليّ، وهو: القريب، والناصر {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } الضمير راجع إلى المولى باعتبار المعنى؛ لأنه نكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم، أي: ولا هم يمنعون من عذاب الله {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ } قال الكسائي: الاستثناء منقطع، أي: لكن من رحم الله، وكذا قال الفراء. وقيل: هو متصل، والمعنى: لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنهم يؤذن لهم في الشفاعة، فيشفعون، ويجوز أن يكون مرفوعاً على البدل من {مولى} الأوّل، أو من الضمير في {ينصرون} {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } أي: الغالب الذي لا ينصر من أراد عذابه الرحيم لعباده المؤمنين. ثم لما وصف اليوم ذكر بعده، وعيد الكفار، فقال: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأثِيمِ } شجرة الزّقوم هي: الشجرة التي خلقها الله في جهنم، وسماها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجئوا إليها، فأكلوا منها، وقد مضى الكلام على شجرة الزقوم في سورة الصافات. والأثيم: الكثير الإثم. قال في الصحاح: أثم الرجل بالكسر إثماً، ومأثماً: إذا وقع في الإثم، فهو: آثم، وأثيم، وأثوم. فمعنى طعام الأثيم: ذي الإثم {كَٱلْمُهْلِ } وهو: درديّ الزيت، وعكر القطران. وقيل: هو النحاس المذاب. وقيل: كلّ ما يذوب في النار {يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ * كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ } قرأ الجمهور: {تغلي} بالفوقية على أن الفاعل ضمير يعود إلى الشجرة، والجملة خبر ثانٍ، أو حال، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: تغلي غلياً مثل غلي الحميم، وهو: الماء الشديد الحرارة. وقرأ ابن كثير، وحفص، وابن محيصن، وورش، عن يعقوب: {يغلي} بالتحتية على أن الفاعل ضمير يعود إلى الطعام وهو: في معنى الشجرة، ولا يصح أن يكون الضمير عائداً إلى المهل؛ لأنه مشبه به، وإنما يغلي ما يشبه بالمهل، وقوله: {كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ } صفة مصدر محذوف، أي: غلياً كغلي الحميم {خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَاء ٱلْجَحِيمِ } أي: يقال للملائكة الذين هم خزنة النار: خذوه، أي: الأَثيم، فاعتلوه، العتل: القود بالعنف، يقال: عتله يعتله، إذا جرّه، وذهب به إلى مكروه، وقيل العتل: أن يأخذ بتلابيب الرجل، ومجامعه، فيجره، ومنه قول الشاعر يصف فرساً:شعر : نقرعه قرعاً ولسنا نعتله تفسير : ومنه قول الفرزدق يهجو جريراً:شعر : حتى تردّ إلى عطية تعتل تفسير : قرأ الجمهور: {فَٱعْتِلُوهُ } بكسر التاء. وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر بضمها، وهما: لغتان {إِلَىٰ سَوَاء ٱلْجَحِيمِ } أي: إلى وسطه، كقوله: {أية : فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 55] {ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ } "من" هي التبعيضية، أي: صبوا فوق رأسه بعض هذا النوع، وإضافة العذاب إلى الحميم للبيان، أي: عذاب هو الحميم، وهو: الماء الشديد الحرارة كما تقدّم {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } أي: وقولوا له تهكماً، وتقريعاً، وتوبيخاً: ذق العذاب إنك أنت العزيز الكريم. وقيل: إن أبا جهل كان يزعم أنه أعزّ أهل الوادي، وأكرمهم، فيقولون له: ذق العذاب أيها المتعزّز المتكرم في زعمك، وفيما كنت تقوله. قرأ الجمهور: {إنك} بكسر الهمزة، وقرأ الكسائي - وروي ذلك عن عليّ - بفتحها أي لأنك. قال الفراء: أي: بهذا القول الذي قلته في الدنيا، والإشارة بقوله: {إِنَّ هَذَا } إلى العذاب {مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } أي: تشكون فيه حين كنتم في الدنيا، والجمع باعتبار جنس الأثيم. ثم ذكر سبحانه مستقرّ المتقين، فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ أَمِينٍ } أي: الذين اتقوا الكفر والمعاصي. قرأ الجمهور: {مقام} بفتح الميم، وقرأ نافع، وابن عامر بضمها. فعلى القراءة الأولى هو: موضع القيام، وعلى القراءة الثانية هو: موضع الإقامة قاله الكسائي، وغيره. وقال الجوهري: قد يكون كل واحد منهما بمعنى: الإقامة، وقد يكون بمعنى: موضع القيام. ثم وصف المقام بأنه أمين يأمن صاحبه من جميع المخاوف {فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } بدل من {مقام أمين}، أو بيان له، أو خبر ثانٍ {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } خبر ثانٍ، أو ثالث، أو حال من الضمير المستكنّ في الجار والمجرور، والسندس: ما رقّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه، وقد تقدّم بيانه في سورة الكهف، وانتصاب {مُّتَقَـٰبِلِينَ } على الحال من فاعل {يلبسون}، أي: متقابلين في مجالسهم ينظر بعضهم إلى بعض، والكاف في قوله: {كَذٰلِكَ } إما نعت مصدر محذوف، أي: نفعل بالمتقين فعلاً كذلك. أو مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك {وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ } أي: أكرمناهم بأن زوّجناهم بحور عين، والحور جمع حوراء وهي: البيضاء، والعين جمع عيناء: وهي الواسعة العينين. وقال مجاهد: إنما سميت الحوراء حوراء، لأنه يحار الطرف في حسنها، وقيل: هو من حور العين وهو: شدّة بياض العين في شدّة سوادها كذا قال أبو عبيدة. وقال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين. قال أبو عمرو: الحور أن تسودّ العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، قال: وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور: لأنهنّ شبهن بالظباء والبقر. قيل: والمراد بقوله: {زوّجناهم} قرناهم، وليس من عقد التزويج، لأنه لا يقال: زوّجته بامرأة. وقال أبو عبيدة: وجعلناهم أزواجاً لهنّ كما يزوّج البعل بالبعل أي: جعلناهم اثنين اثنين، وكذا قال الأخفش {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـٰكِهَةٍ ءامِنِينَ } أي: يأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه حال كونهم آمنين من التختم، والأسقام، والآلام. قال قتادة: آمنين من الموت، والوصب، والشيطان، وقيل: من انقطاع ما هم فيه من النعيم. {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأولَىٰ } أي: لا يموتون فيها أبداً إلا الموتة التي ذاقوها في الدنيا، والاستثناء منقطع، أي: لكن الموتة التي قد ذاقوها في الدنيا، كذا قال الزّجاج والفراء، وغيرهما، ومثل هذه الآية قوله: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ ٱلنّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } تفسير : [النساء: 22] وقيل: إن "إلا" بمعنى بعد، كقولك: ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي: بعد رجل عندك، وقيل: هي بمعنى: سوى، أي: سوى الموتة الأولى. وقال ابن قتيبة: إنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان، ويرون منازلهم من الجنة، وتفتح لهم أبوابها، فإذا ماتوا في الدنيا، فكأنهم ماتوا في الجنة لاتصالهم بأسبابها، ومشاهدتهم إياها، فيكون الاستثناء على هذا متصلاً. واختار ابن جرير أن إلا بمعنى بعد، واختار كونها بمعنى سوى ابن عطية {وَوَقَـٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ }. قرأ الجمهور: {وقاهم} بالتخفيف، وقرأ أبو حيوة بالتشديد على المبالغة {فَضْلاً مّن رَّبّكَ } أي: لأجل الفضل منه، أو أعطاهم ذلك عطاء فضلاً منه {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } أي: ذلك الذي تقدّم ذكره هو الفوز الذي لا فوز بعده، المتناهي في العظم. ثم لما بيّن سبحانه الدلائل، وذكر الوعد، والوعيد، قال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَـٰنِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } أي: إنما أنزلنا القرآن بلغتك كي يفهمه قومك، فيتذكروا، ويعتبروا، ويعملوا بما فيه، أو سهلناه بلغتك عليك، وعلى من يقرؤه لعلهم يتذكرون {فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ } أي: فانتظر ما وعدناك من النصر عليهم، وإهلاكهم على يدك، فإنهم منتظرون ما ينزل بك من موت، أو غيره، وقيل: انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم، فإنهم منتظرون بك نوائب الدهر، والمعنى متقارب. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } يقول: لست بعزيز، ولا كريم. وأخرج الأموي في مغازيه، عن عكرمة قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فقال: «حديث : إن الله أمرني أن أقول لك: {أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ }» تفسير : [القيامة: 34، 35] قال: فنزع يده من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت، ولا صاحبك من شيء، لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر، وأذله، وعيره بكلمته، وأنزل: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ }. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأثِيمِ } قال: المهل. وأخرج عنه أيضاً: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } قال: هو أبو جهل بن هشام.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ} فيه وجهان: أحدهما: غافلين، قاله مقاتل. الثاني: لاهين، قاله الكلبي. {وَمَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِالْحِقِّ} فيه وجهان: أحدهما: للحق، قاله الكلبي. الثاني: بقول الحق، قاله مقاتل. قوله عز وجل: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصَلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} يعني يوم القيامة، وفي تسميته بيوم الفصل وجهان: أحدهما: [إن الله] يفصل فيه أمور عباده. الثاني: لأنه يفصل فيه بين المرء وعمله.

ابن عبد السلام

تفسير : {لاعِبِينَ} غائبين، أو لاهين.

الخازن

تفسير : {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق} أي بالعدل وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية {ولكن أكثرهم لا يعلمون} قوله عز وجل: {إن يوم الفصل} أي الذي يفصل الله فيه بين العباد {ميقاتهم أجمعين} أي يوافي يوم القيامة الأولون والآخرون {يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً} أي لا ينفع قريب قريبه ولا يدفع عنه شيئاً {ولا هم ينصرون} أي يمنعون من عذاب الله {إلا من رحم الله} يعني المؤمنين فإنه يشفع بعضهم لبعض {إنه هو العزيز} أي في انتقامه من أعدائه {الرحيم} أي بأوليائه المؤمنين، قوله تعالى: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} أي ذي الإثم وهو أبو جهل {كالمهل} أي كدردي الزيت الأسود {يغلي في البطون} أي في بطون الكفار {كغلي الحميم} يعني كالماء الحار إذا اشتد غليانه عن أبي سعيد الخدري "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم "في قوله كالمهل؛ قال كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه"" تفسير : أخرجه الترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث رشدين سعد وقد تكلم فيه من قبل حفظه. عن ابن عباس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.

البقاعي

تفسير : ولما كان التقدير للاستدلال على الجزاء الذي جامعه التكفل بجميع أنحائه يوم القيامة: فإنا ما خلقنا الناس عبثاً يبغي بعضهم على بعض ثم لا يؤاخذون، عطف عليه ما هو أكبر في الظاهر منه فقال: {وما خلقنا السماوات} أي على عظمها واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما تحتها، وجمعها لأن العمل كلما زاد كان أبعد من العبث مع أن إدراك تعددها مما يقتضي المشاهدة بما فيها من الكواكب، ووحد في سورة الأنبياء تخصيصاً بما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته لما ذكر هناك من اختصاص "لدن" بما بطن. ولما كان الدليل على تطابق الأرضي دقيقاً وحدها فقال: {والأرض} أي على ما فيها من المنافع {وما بينهما} أي النوعين وبين كل واحدة منها وما يليها {لاعبين *} أي على ما لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل تعاليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ناقص، ولو تركنا الناس يبغي بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم لعباً، بل اللعب أخف منه، ولم نكن على ذلك التقدير مستحقين لصفة القدوسية، فإنه "لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها بالحق من قويها غير متعتع" - رواه ابن ماجة عن أبي سعيد وابن جميع في معجمه عن جابر، وصاحب الفردوس عن أبي موسى رضي الله عنهم رفعوه، وهو شيء لا يرضى به لنفسه أقل حكام الدنيا، فكان هذا برهاناً قاطعاً على صحة الحشر ليظهر هناك الفصل بالعدل والفضل. ولما نفى أن يكون خلق لك اللعب الذي هو باطل، أثبت ما خلقه له ولم يصرح بما في البين لأنه تابع، وقد نبه ما مضى، فقال مستأنفاً: {ما خلنقاهما} أي السماوات والأراضي مع ما بينهما {إلا بالحق} من الحكم بين من فيهما، فمن عمل الباطل عاقبناه ومن عمل الحق أثبناه، وبذلك يظهر غاية الظهور إحاطتنا بجميع أوصاف الكمال كما نبهنا عليه أهل الكمال في هذا الدار بخلقهما الذي واقعة بمطابق للحق، وهو ما لنا من تلك الصفات المقتضية للبعث لأحقاق الحق وإبطال الباطل بما لا خفاء فيه عند أحد. ولما كان أكثر الخلق لا يعلم ذلك لعظمته عن النظر في دليله وإن كان قطعياً بديهيّاً. {ولكن أكثرهم} أي أكثر هؤلاء الذين أنت بين أظهرهم وهم يقولون: {إن هي إلا موتتنا الأولى} وكذا من نحا نحوهم {لا يعلمون *} أي أنا خلقنا الخلق بسبب إقامة الحق فهم لأجل ذلك يجترئون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، ولو تذكروا ما ركزناه في جبلاتهم لعلموا علماً ظاهراً أنه الحق الذي لا معدل عنه كما يتولى حكامهم المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم، ويشرطون الحكم بالحق، ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه. ولما كان كأنه قيل: إنا نرى أكثر المظلومين يموتون بمرير غصصهم مقهورين، وأكثر الظالمين يذهبون ظافرين بمطالبهم مسرورين، فمتى يكون هذا الحق؟ قال جواباً لذلك مؤكداً لأجل تكذبيهم: {إن يوم الفصل} عند جمع الأولين والآخرين من جميع المكلفين الذين ينتظره كل أحد للفرق بين كل ملبس، فلا يدع نوعاً منه حتى أنه يميز بين المكاره والمحاب ودار النعيم وغار الجحيم، وبين أهل كل منهما بتمييز المحق من المبطل بالثواب والعقاب وهو بعد البعث من الموت {ميقاتهم} أي وقت جمع الخلائق للحكم بينهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت به الكتب على ألسنة الرسل {أجمعين *} لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والإنس والملائكة وجميع الحيوانات. ولما ذكر هذا اليوم الذي دل على عظمته بهذه العبارة إفراداً وتركيباً، ذكر من وصفه ما يحمل على الخوف والرجاء، فقال مبدلاً منه: {يوم لا يغني} بوجه من الوجوه {مولى} بقرابة أو غيرها بحلف أو رق من أعلى أو أسفل {عن مولى} أريد أخذه بما وقع منه {شيئاً} من الإغناء. ولما كان الإغناء تارة يكون بالرفق وأخرى بالعنف، صرح بالثاني لأنه أعظمها والسياق للإهلاك والقهر فقال: {ولا هم} أي القسمان {ينصرون *} أي من ناصر ما لو أراد بعضهم نصرة بعض، أو أراد غيرهم لو فرض أن ينصرهم، وعبر بالجمع الذي أفاده الإبهام للمولى ليتناول القليل والكثير منه لأن النفي عنه نفي عن الأفراد من باب الأولى. ولما نفى الإغناء استثنى منه فقال: {إلا من رحم الله} أي أراد إكرامه الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع بعضهم لبعض بإذن الله في الشفاعة لأحدهم فيكرم الشافع فيه بقبول شفاعته ويكرمه بقبوله الشفاعة فيه. ولما كان ما تقدم دالاً على تمام القدرة في الإكرام والانتقام، وكان الإكرام قد يكون عن ضعف، قال نافياً لذلك ومقرراً لتمام القدرة اللازم منه الاختصاص بذلك مؤكداً له تنبيهاً على أنه ما ينبغي أن يجعل نصب العين وتعقد عليه الخناصر، ولأن إشراكهم وتكذيبهم بالبعث يتضمن التكذيب بذلك: {إنه هو} أي وحده {العزيز} أي المنيع الذي لا يقدح في عزته عفو ولا عقاب، بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن يشاء من غير مبالاة بأحد. ولما كان العزيز قد لا يرحم قال: {الرحيم *} أي الذي لا تمنع عزته أن يكرم من يشاء. ولما كان السياق للانتقام، أخبر عن حال الفجار على سبيل الاستئناف، فقال مؤكداً لما يكذبون به: {إن شجرة الزقوم *} التي تقدم من وصفها ما يقطع القلوب من أنها تخرج من أصل الجحيم، وأن طلعها كأنه رؤوس الشياطين، وغيره مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى والذي تعرفونه من ذلك في الدنيا أنها شجرة صغيرة الورق ذفرة أي شديد النتن - مرة، من الزقم، أي اللقم الشديد والشوب والمفرط، وقال عبد الحق في كتابه الواعي: الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك لها ذفرة لها كعابر في سوقها أي عقد كالأنابيب ولها ورد تجرسه النحل، ورأس ورقها قبيح جداً، وهي مرعى، ومنابتها السهل، قال ابن برجان: وهي في النار في مقابلة شجرة طوبى في الجنة، يضطرون إلى أكلها وإلى شرب الغسلين كما يضطر أهل الدنيا لإدخال الطعام والشراب {طعام الأثيم *} أي المبالغ في اكتساب الآثام حتى مرن عليها فصارت به إلى الكفر {كالمهل} أي القطران الرقيق وما ذاب من صفر أو حديد أو دردية، روى أحمد والترمذي - وقال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين - وابن حبان في صحيحه والحاكم من وجه آخر - وقال الحاكم: صحيح الإسناد - عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {كالمهل} قال:حديث : كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيهتفسير : . {يغلي} أي الشجرة - على قراءة الجماعة بالتأنيث، والطعام على قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالتذكير ولا يعود الضمير على المهل لأنه مشبه به {في البطون *} أي من شدة الحر.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما خلقنا السموات والارض وما بينهما} اى ما بين الجنسين وقرئ ما بينهن نظرا الى مجموع السموات والارض {لاعبين} من غير ان يكون فى خلقهما غرض صحيح وغاية حميدة يقال لعب فلان اذا كان فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا وفى التعريفات اللعب فعل الصبيان يعقبه التعب من غير فائدة

اطفيش

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} أي وما بين الجنسين أو باعتبار حال السموات حين كن سماء ثم فتقت بعد. وقرأ عبيد بن عمير وما (بينهن) {لاَعِبِينَ} لاهين حال من ضمير {خَلَقْنَا} وفي ذلك ارشاد الى البعث فيجازى على الاعتبار بهن والامتثال بما نزل والعمل في الارض وغير ذلك

اطفيش

تفسير : {وما خلقْنا السَّماوات والأرض وما بيْنَهما} ما بين النوعين، أحدهما السماوات والآخر الأرض، ولا يشمل قوله: {ما بينهما} ما بين طبقات السماوات وطبقات الأرضين، لأن الضمير للنوعين كما رأيت لا لأجزائهما، فلا تهم، وما بين الطبقات يعلم من خارج {لاعبين} عابثين، بل لحكم كالاستدلال بها على الله عز وجل، وقدرته، وللتكليف والدلالة على البعث والحساب والعقاب، ولذلك قال المؤمنون: "أية : ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار" تفسير : [آل عمران: 191].

الالوسي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } أي ما بين الجنسين وهو شامل لما بين الطبقات. وقرأ عبيد بن عمير {وَمَا بَيْنَهُنَّ } فالضمير لمجموع السمٰوات والأرض {لاَعِبِينَ } أي عابثين وهو دليل على وقوع الحشر كما مر في الأنبياء [16] وغيرها.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : إن هؤلاء ليقولون إن هي إلا موتتنا الأولى } تفسير : [الدخان: 34، 35] ردّاً عليهم كما علمته آنفاً. والمعنى: أنه لو لم يكن بعثٌ وجزاءٌ لكان خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثاً، ونحن خلقنا ذلك كله بالحق، أي بالحكمة كما دل عليه إتقان نظام الموجودات، فلا جرم اقتضى خلق ذلك أن يجازَى كل فاعل على فعله وأن لا يضاع ذلك، ولما كان المشاهد أن كثيراً من النّاس يقضي حياته ولا يرى لنفسه جزاء على أعماله تعيّن أن الله أخّر جزاءهم إلى حياة أخرى وإلا لكان خلقهم في بعض أحواله من قبيل اللعب. وذكر اللعب توبيخ للذين أحالوا البعث والجزاء بأنهم اعتقدوا ما يفضي بهم إلى جعل أفعال الحكيم لعباً، وقد تقدم وجه الملازمة عند تفسير قوله تعالى: { أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا تُرجعون } تفسير : في سورة المؤمنون (115) وعند قوله تعالى: { أية : وما خلقنا السماء والأرض وَما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا } تفسير : في سورة ص (27). و{لاعبين} حال من ضمير {خلقنا}، والنفي متوجه إلى هذا الحال فاقتضى نفي أن يكون شيء من خلق ذلك في حالة عبث فمن ذلك حالة إهمال الجزاء. وجملة {ما خلقناهما إلا بالحق} بدل اشتمال من جملة {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين}. والباء في {بالحق} للملابسة، أي خلقنا ذلك ملابساً ومقارناً للحق، أو الباء للسببية، أي بسبب الحق، أي لإيجاد الحق من خلقهما. والحق: ما يحق وقوعه من عمل أو قول، أي يجب ويتعين لسببية أو تفرع أو مجازاة، فمن الحق الذي خُلقت السماوات والأرض وما بينهما لأجله مكافأة كل عامل بما يناسب عمله ويُجازيه، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } تفسير : في سورة الروم (8). والاستدراك في قوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} ناشىء عما أفاده نفي أن يكون خلق المخلوقات لَعباً وإثبات أنه للحق لا غير من كون شأن ذلك أنْ لا يخفى ولكن جهل المشركين هو الذي سوّل لهم أن يقولوا { أية : ما نحن بمنشرين } تفسير : [الدخان: 35]. وجملة الاستدراك تذييل، وقريب من معنى الآية قوله: { أية : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية } تفسير : في آخر سورة الحجر (85).

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {لاَعِبِينَ} (38) - يُنَزِّهُ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ عَنِ اللَّعِب وَالعَبَثِ وَالبَاطِلِ، فَيَقُولُ إِنَّهُ لم يَخْلُقِ الخَلْقَ عَبَثاً وَدُونَ حِكْمَةٍ، كَأَنْ يُوجِدهُمْ ثُمَّ يُفْنِيهِمْ دُونَ امتِحَانٍ وَابتِلاءٍ، وَدُونَ مُجَازاةٍ عَلَى العَمَلِ، إِنْ خَيْراً فَخَيراً وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً.

الثعلبي

تفسير : {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لاَ يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً} لا يدفع ابن عم عن ابن عمه ولا صديق عن صديقه. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّه} إختلف النحاة في محل {مَن} فقال بعضهم: محله رفع بدلاً من الاسم المضمر في ينصرون، وإن شئت جعلته ابتداء وأضمرت خبره، يريد {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ} فنغني عنه ونشفع له، وإن شئت جعلته نصباً على الإستثناء والإنقطاع، عن أول الكلام يريد اللَّهُم {إِلاَّ مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ}. {إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} الفاجر وهو أبو جهل بن هشام. أنبأني عقيل بن حمد، خبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثني أبو السائب، حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كان أبو الدرداء يقريء رجلاً {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما أكثر عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم. قال: قل إِنَّ شجرت الزقوم طعام الفاجر. {كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي} بالياء ابن كثير وحفص، ورُوَيس جعل الفعل غيرهم بالتاء لتأنيث الشجرة.{في البُطُونِ كَغَليّ الحَمِيمِ خُذُوهُ} يعني الأَثيم. {فَٱعْتِلُوهُ} فادخلوه وادفعوه وسوقوه الى النّار. يقال: عتله يعتله عتلاً إذا ساقه بالعنف والدفع والجذب. قال الفرزدق: شعر : ليس الكرام بناحليك أباهم حتّى تردَّ إلى عطية تُعْتَل تفسير : أي ساق دفعاً وسحباً، وفيه لغتان: كسر التاء، وهي قراءة أبي جعفر وأبي مرو وأهل الكوفة، وضمها وهي قراءة الباقي. {إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ} وهو الماء الّذي قال الله تعالى: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ} تفسير : [الحج: 19] ثمّ يقال له: {ذُقْ} هذا العذاب. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} في قومك. {ٱلْكَرِيمُ} بزعمك، وذلك إنّ أبا جهل. قال: ما بين حبليها رجل أعز ولا أكرم مني. فيقول له الخزنة هذا على طريق الإستخفاف والتحقيق. وقراءة العامة إنّك بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الكسائي بالنصب على معنى لأنّك. {إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} تشكون ولا تؤمنون به فقد لقيتموه فذوقوه. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} قرأ أهل المدينة والشام بضم (الميم) من المقام على المصدر أي في إقامة، وقرأ غيرهم بالفتح أي في مكان كريم. {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ} وهو ما رَقَّ من الديباج. {وَإِسْتَبْرَقٍ} وهو ما غلظ منه معرّب. {مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ} وكما أكرمناهم بالجنان والعيون واللباس كذلك أكرمناهم بأن. {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ} وهي النساء النقيات البياض، قال مجاهد: يحار فيهن الطرف من بياضهنّ وصفاء لونهنّ، بادية سوقهنّ من وراء ثيابهنّ، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون. ودليل هذا التأويل إنّها في حرف ابن مسعود (بعيس عين) وهي البيض ومنه قيل للإبل البيض عيس، وواحده بعير أعيس، وناقة عيساء، وقيل: الحور الشديدات بياض الأعين، الشديدات سوادها، واحدها أحور، والعين جمع العيناء، وهي العظيمة العينين. أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الطبري الحاجّي، حدثنا أبو علي الحسن ابن اسماعيل بن خلف الخياط، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن الفرج، حدثنا محمد بن عبيد بن عبد الملك، حدثنا محمد بن يعلي أبو علي الكوفي، حدثنا عمر بن صبيح، عن مقاتل بن حيان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز ". تفسير : أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا محمد بن عمر بن إسحاق، عن حبش، حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا أيوب بن علي يعني الصباحي حدثنا زياد بن سيار مولى لي عن عزة بنت أبي قرصافة، عن أبيها قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين ". تفسير : {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ} اشتهوها. {آمِنِينَ} من نفادها وعدمها في بعض الأزمنة ومن غائلتها ومضرّتها، وقال قتادة: {آمِنِينَ} من الموت والأوصاب والشيطان. {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} يعني سوى {ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} وبعدها وضع {إِلاَّ} موضع بعد كقوله: {أية : وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [النساء: 22]. يعني بعدما قد فعل آباؤكم وسواه، وهذا كما يقول في الكلام: ما ذقت اليوم طعاماً سوى ما أكلته أمس. {وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ * فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ} سهلناه، كناية عن غير مذكور. {بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَٱرْتَقِبْ} فانتظر الفتح والنصر من ربّك. {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} بزعمهم قهرك.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يريد الحق سبحانه أنْ يلفت الأنظار إلى قضية كونية تستوعب الزمن كله في الماضي وفي الحاضر، هذه القضية هي صفة الثبات في خَلْق السماوات والأرض، فهي منذ خلقها الله تعالى تسير على نظام مُحكم لا يتخلَّف ولا يتبدَّل ولا يتغير. هذا الثبات يعني أنها خُلِقَتْ على الحق وبالحق، فالحق هو الثابت أما الباطل فيتغير، لذلك قلنا: لو نظرتَ إلى شاهد الزور أمام القاضي لا بدَّ أنْ تتضارب أقواله، ويظلّ المحقق يحاوره حتى يُوقعه في تناقض ويكشف الزُّور الذي يحاول أنْ يلبسه ثوب الحق. ويأتي التناقض في أقواله لأنه يستوحي باطلاً من نسج خياله، أما الذي يستوحي الحق وينطق به، فإنَّ أقواله لا تتغير ما دام متمسكاً بالحق، فالحق ثابت وهو الواقع، فيمن أين يأتي التناقض؟ وللمحققين طرق وأساليب يكشفون بها الزور، ويصلون بها إلى الحق، لذلك قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً. لكن لا بدَّ في مرة من المرات أنْ تخونك الذاكرة، ولا بدَّ أنْ ينتصر لسانُ الحق على لسان الباطل. وأذكر عندنا في دقادوس أحد المزارعين وكان رجلاً (فشاراً)، وفي مرة كنَّا عائدين من البندر (ميت غمر) وكان صاحبنا هذا يحكي بعض قصصه، فقال: حدث هذا في ليلة العيد الصغير والدنيا قمر ضهر. سبحان الله، كيف يكون القمر ظهراً في ليلة العيد الصغير؟ وحتى الناس العامة يقولون في أمثالهم: (الكذب ملوش رجلين)، نعم. الحق هنا يقول: {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ} [الدخان: 38] إذن: خلقناهما بالجد لا باللعب، وبالحق لا بالباطل، وفي آية بعدها قال: {مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} [الدخان: 39] وهذا الثبات دلَّ على الدقة في الخَلْق، وأنها خُلِقت بعناية وهندسة دقيقة محكمة، وبقوانين لا تتعارض منذ خلقها الله وإلى قيام الساعة. تأمل مثلاً الشمس في مشرقها وفي مغربها، وفي حركتها وسرعتها بالنسبة للأرض، تأمل القمر وما يحدث من ظاهرتي الكسوف، كل هذه الآيات تحدث بدقة متناهية وموازينَ لا تتخلَّف أبداً ولا تتعارض، وهاتِ لي أيَّ آلة بشرية تعمل وتظل على الدقة طوال الوقت. والذي خلق السماوات والأرض على نظام دقيق لا يتعارض خَلْقها لغاية، هذه الغاية هي هي منذ آدم عليه السلام وإلى آخر الدنيا. قلنا {إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ..} [الدخان: 39] الشيء الثابت الذي لا يتغير، ويقول سبحانه: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 7-9]. في هذه الآية إشارة لطيفة من الحق سبحانه. يقول: انظروا إلى السماء وما فيها من كواكب وأجرام، هل رأيتم فيها خللاً أو تعارضاً؟ أبداً لأنها مخلوقة بالحق وبالميزان وبالدقَّة كذلك، إنْ أردتم أنْ تعتدل أمور حياتكم وتستقيم، فخذوا بميزان الحق في كلِّ حياتكم، وعندها لن تجدوا في المجتمع تناقضاً ولا تصادماً. ولأن الحق هو الثابت فهو الباقي وهو الأعلى؛ لذلك قالوا: الحق أبلج والباطل لجلج، والحق لا ينطمس أبداً وإنْ علا الباطل عليه فلحين، فالحق سبحانه يجعل للباطل جولة يعلو فيها حتى يعضّ الناس ويُشعرهم بأهمية الحق. فكأن الباطل نفسه جنديّ من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان، ولو لم يذُقْ الناسُ بطشَ الباطل وقسوته ما عرفوا لذة الحق، لذلك لما جاء الإيمان ما أسرع إليه إلا أشدّ الناس معاناة من الكفر. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الدخان: 39] لا يعلمون هذه الحقائق لأنهم مُعرضون عن آيات الله في الكون، مُعرضون عن التأمل، كما قال سبحانه: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105].

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن كمال قدرته وتمام حكمته وأنه ما خلق السماوات والأرض لعبا ولا لهوا أو سدى من غير فائدة وأنه ما خلقهما إلا بالحق أي: نفس خلقهما بالحق وخلقهما مشتمل على الحق، وأنه أوجدهما ليعبدوه وحده لا شريك له وليأمر العباد وينهاهم ويثيبهم ويعاقبهم. { وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ } فلذلك لم يتفكروا في خلق السماوات والأرض. { إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ } وهو يوم القيامة الذي يفصل الله به بين الأولين والآخرين وبين كل مختلفين { مِيقَاتُهُمْ } أي: الخلائق { أَجْمَعِينَ }. كلهم سيجمعهم الله فيه ويحضرهم ويحضر أعمالهم ويكون الجزاء عليها ولا ينفع مولى عن مولى شيئا لا قريب عن قريبه ولا صديق عن صديقه، { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي: يمنعون من عذاب الله عز وجل لأن أحدا من الخلق لا يملك من الأمر شيئا. { إِلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } فإنه هو الذي ينتفع ويرتفع برحمة الله تعالى التي تسبب إليها وسعى لها سعيها في الدنيا. ثم قال تعالى: { إِنَّ شَجَرَةَ ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 2828- عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنَة، عن أبي (سعي) عن عِكْرِمة مولى ابن عباس، قال: سُئِلَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: في كم خلقت السماوات والأرض؟ فقال: "حديث : خلق الله أول الأيام يَوْم الأحد، وَخُلِقَتِ الأرض في يوم الأحد ويوم الأثنين، وخُلِقَتِ الجبال وشُقِّتِ الأنهار، وغُرِسَتْ في الأرض الثمار وَقُدِّر في كل أرض قوتها يوم الثلاثة ويوم الأربعاء، {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 11-12]، في يوم الخميس وَيَوْم الجمعة، وكان آخر الخلق آدم خُلِقَ في آخر سَاعَات يَوْم الجمعة، فلما كان يَوْم السبت، لم يكن له فيه خلق"،تفسير : فقالت اليهود فيه ما قالت: فأنزل الله تكذيبه {وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا ...}: إلى آخر الآية: [الآية: 38].