٤٤ - ٱلدُّخَان
44 - Ad-Dukhan (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
43
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ } كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء؛ إلا حرفاً واحداً في سورة الدخان {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ }؛ قاله ابن الأنباري. و {ٱلأَثِيمِ } الفاجر؛ قاله أبو الدرداء. وكذلك قرأ هو وابن مسعود. وقال همام بن الحارث: كان أبو الدرداء يقرىء رجلاً «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ اْلأَثِيمِ» والرجل يقول: طعام اليتيم، فلما لم يفهم قال له: «طعام الفاجر». قال أبو بكر الأنباريّ: حدّثني أبي قال حدّثنا نصر قال حدّثنا أبو عبيد قال حدّثنا نعيم بن حماد عن عبد العزيز بن محمد عن ابن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: عَلّم عبد الله بن مسعود رجلاً «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ. طَعَامُ اْلأَثِيمِ» فقال الرجل: طعام اليتيم، فأعاد عليه عبد الله الصواب وأعاد الرجل الخطأ، فلما رأى عبد الله أن لسان الرجل لا يستقيم على الصواب قال له: أما تحسن أن تقول طعام الفاجر؟ قال بلى، قال فافعل. ولا حجة في هذا للجهال من أهل الزَّيْغ، أنه يجوز إبدال الحرف من القرآن بغيره، لأن ذلك إنما كان من عبد الله تقريباً للمتعلّم، وتوطئة منه له للرجوع إلى الصواب، واستعمال الحق والتكلم بالحرف على إنزال الله وحكاية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الزَّمَخْشريّ: «وبهذا يستدل على أن إبدال كلمة مكان كلمة جائز إذا كانت مؤديةً معناها. ومنه أجاز أبو حنيفة القراءة بالفارسية على شريطة، وهي أن يؤدّي القارىء المعاني على كمالها من غير أن يَخْرِم منها شيئاً. قالوا: وهذه الشريطة تشهد أنها إجازة كلا إجازة؛ لأن في كلام العرب خصوصاً في القرآن الذي هو معجز بفصاحته وغرابة نظمه وأساليبه، من لطائف المعاني والأغراض ما لا يستقلّ بأدائه لسان من فارسية وغيرها، وما كان أبو حنيفة رحمه الله يحسن الفارسية، فلم يكن ذلك منه عن تحقق وتبصر. وروى عليّ بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة مثل قول صاحبيه في إنكار القراءة بالفارسية». وشجرة الزقوم: الشجرة التي خلقها الله في جهنم وسمّاها الشجرة الملعونة، فإذا جاع أهل النار التجأوا إليها فأكلوا منها، فغليت في بطونهم كما يغلي الماء الحار. وشبّه ما يصير منها إلى بطونهم بالمُهْل، وهو النُّحاس المذاب. وقراءة العامة «تَغْلِي» بالتاء حملاً على الشجرة. وقرأ ابن كَثير وحفص وابن مُحَيْصِن ورُوَيْس عن يعقوب «يغلي» بالياء حملاً على الطعام؛ وهو في معنى الشجرة. ولا يُحمل على المهْل لأنه ذكر للتشبيه. و «الأثيم» الآثم؛ من أثِم يأثَم إثْماً؛ قاله القشيريّ وابن عيسى. وقيل هو المشرك المكتسب للإثم؛ قاله يحيى بن سلام. وفي الصحاح: وقد أثم الرجل (بالكسر) إثماً ومأثماً إذا وقع في الإثم، فهو آثم وأثيم وأثوم أيضاً. فمعنى «طَعَامُ اْلأَثِيمِ» أي ذي الإثم الفاجر، وهو أبو جهل. وذلك أنه قال: يعِدنا محمد أن في جهنم الزقّوم، وإنما هو الثريد بالزبد والتمر، فبيّن الله خلاف ما قاله. وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقّوم أبو جهل. قلت: وهذا لا يصح عن مجاهد. وهو مردود بما ذكرناه في هذه الشجرة في سورة «الصافات وسبحان» أيضاً.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عما يعذب به الكافرين الجاحدين للقائه: { إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ } والأثيم، أي: في قوله وفعله، وهو الكافر، وذكر غير واحد أنه أبو جهل، ولا شك في دخوله في هذه الآية، ولكن ليست خاصة به. قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث: أن أبا الدرداء كان يقرىء رجلاً: { إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ } فقال: طعام اليتيم، فقال أبو الدرداء رضي الله عنه: قل: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر، أي: ليس له طعام من غيرها، قال مجاهد: ولووقعت قطرة منها في الأرض، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، وقد تقدم نحوه مرفوعاً، وقوله: {كَٱلْمُهْلِ} قالوا: كعكر الزيت {كَٱلْمُهْلِ يَغْلِى فِى ٱلْبُطُونِ كَغَلْىِ ٱلْحَمِيمِ } أي: من حرارتها ورداءتها، وقوله: {خُذُوهُ} أي: الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية: خذوه، ابتدره سبعون ألفاً منهم، وقوله: {فَٱعْتِلُوهُ} أي: سوقوه سحباً ودفعاً في ظهره، قال مجاهد: {خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ} أي: خذوه فادفعوه، وقال الفرزدق:شعر : لَيْسَ الكِرامُ بِناحِلِيك أباهُمُ حَتَّى تُرَدَّ إلى عَطِيَّةَ تُعْتَلُ تفسير : {إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} أي: وسطها {ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ} كقوله عز وجل: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ } تفسير : [الحج: 19 ــــ 20] وقد تقدم أن الملك يضربه بمقمعة من حديد، فتفتح دماغه، ثم يصب الحميم على رأسه، فينزل في بدنه، فيسلت ما في بطنه من أمعائه حتى تمرق من كعبيه، أعاذنا الله تعالى من ذلك. وقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} أي: قولوا له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ، وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أي: لست بعزيز ولا كريم. وقد قال الأموي في مغازيه: حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو بكر الهذلي عن عكرمة قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل لعنه الله، فقال: «حديث : إن الله تعالى أمرني أن أقول لك: أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى» تفسير : قال: فنزع ثوبه من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، ولقد علمت أني أمنع أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم، قال: فقتله الله يوم بدر، وأذله وعيره بكلمته، وأنزل: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}. وقوله عز وجل: { إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هَـٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَـٰذَا أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ } تفسير : [الطور: 13 ــــ 15] ولهذا قال تعالى ههنا: {إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ } هي من أخبث الشجر المر بتهامة ينبتها الله تعالى في الجحيم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُومِ طَعَامُ الأَثِيمِ} قد ذكرنا ما في الزقوم من الأَقاويل، وهو في اللغة ما أُكِلَ بكرْه شديد. ولهذا يقال قد تزقم هذا الطعام تزقماً أي هو في حكم من أكله بكره شديد لحشو فمه وشدة شره. وحكى النقاش عن مجاهد أن شجرة الزقوم أبو جهل. وفي الأثيم وجهان: أحدهما: أنه الآثم، قاله ابن عيسى. الثاني: المشرك المكتسب للإثم، قاله يحيى. قوله عز وجل: {خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ} فيه خمسة أوجه: أحدها: فجروه، قاله الحسن. الثاني: فادفعوه، قاله مجاهد. الثالث: فسوقوه، حكاه الكلبي. الرابع: فاقصفوه كما يقصف الحطب، حكاه الأعمش: الخامس: فردوه بالعنف، قاله ابن قتيبة. قال الفرزدق: شعر : ليس الكرام بناحليك أباهم حتى ترد إلى عطية تعتل تفسير : {إلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ} فيه وجهان: أحدهما: وسط الجحيم، قاله ابن عباس والضحاك وقتادة. الثاني: معظم الجحيم يصيبه الحر من جوانبها، قاله الحسن. قوله عز وجل: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} قال قتادة: نزلت في أبي جهل، وفيه أربعة أوجه: أحدها: معناه أنك لست بعزيز ولا كريم، لأنه قال توعدني محمد، والله إني لأعز من مشى حبليها، فرد الله عليه قوله، قاله قتادة. الثاني: أنك أنت العزيز الكريم عند نفسك، قاله قتادة أيضاً. الثالث: أنه قيل له ذلك استهزاء على جهة الإهانة، قاله سعيد بن جبير. الرابع: أنك أنت العزيز في قومك، الكريم على أهلك حكاه ابن عيسى.
ابن عبد السلام
تفسير : {شَجَرَتَ الزَّقُّومِ} قد ذكرناها والزقوم في اللغة ما أكل بكره شديد، أو شجرة الزقوم أبو جهل محكي عن مجاهد.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ * طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} رُوِيَ عن ابن زيد؛ أَنَّ الأثيم المشار إليه أَبُو جَهْلٍ، ثم هي بالمعنى تتنَاوَلُ كُلَّ أثيمٍ، وهو كُلُّ فاجر، رُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ، جَمَعَ أبو جَهْلٍ عَجْوَةً وَزُبْداً، وقال لأصحابه: تَزَقَّمُوا، فهذا هو الزَّقُّومُ، وهو طَعَامِي الذي حَدَّثَ به محمَّدٌ، قال * ع *: وإنَّما قصد بذلك ضَرْباً من المغالطة والتلبيس عَلَى الجَهَلَةِ. وقوله سبحانه: {كَٱلْمُهْلِ} قال ابن عباس، وابن عمر: «المُهْلُ»: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وعَكَرُهُ، وقال ابن مَسْعُودٍ وغيره: «المُهْلُ»: ما ذاب مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، والمعنى: أَنَّ هذه الشجَرَةَ إذا طَعِمَهَا الكافِرُ في جَهَنَّمَ، صارَتْ في جوفه تَفْعَلُ كما يفعل المُهْلُ المُذَابُ من الإحراق والإفساد،، و{ٱلْحَمِيمِ}: الماءُ السُّخْنُ الذي يتطايَرُ من غليانه. وقوله: {خُذُوهُ...} الآية، أي: يقال يومئذ للملائكة: خذوه، يعني الأثيم {فَٱعْتِلُوهُ} و«العَتْلُ»: السَّوْقُ بعُنْفٍ وإهانةٍ، ودَفْعٌ قَوِيٌّ مُتَّصِلٌ، كما يُسَاقُ أبداً مرتكبُ الجرائمِ، و«السَّوَاء»: الوَسَط، وقيل: المُعْظمُ، وذلك متلازِمٌ. وقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} مُخَاطَبَةٌ على معنى التَّقْرِيعِ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} لما وصف اليوم ذكر بعده وعيد الكفار. قال الزمخشري في "شجرة" ثلاث لغات، كسر الشين، وضمها، وفتحها. وتقدم اشتقاق لفظ "الزَّقُّوم" في سورة الصَّافَّات، و"الأَثِيمُ" صفة مبالغة ويقال: الأَثُوم كالصَّبُورِ والشَّكُورِ. و "الأثيم" أي ذِي الإثْمِ. قال المفسرون: هو أبو جهل. قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على حصول هذا الوعيد للأثيم، وهو الذي صدر عنه الإثم، فيكون حاصلاً للفسَّاقِ. والجواب: أن اللفظ المفرد الذي دخل تحته حرف التعريف الأصلُ فيه أن ينصرف إلى المذكور السابق، ولا يفيد العموم، والمذكور السابق هنا هو الكفار فينصرف إليه. فصل مذهب أبي حنيفة ـ (رضي الله عنه) ـ أن قراءة القرآن بالمعنى جائز واحتج عليه بأنه نقل عن ابن مسعود ـ (رضي الله عنه) ـ أنه يقرىء رجلاً هذه الآية فكان يقول: طَعَامُ اليَثِيمِ فقال: طَعَامُ الفَاجِرِ. وهذا الدليل في غاية الضعف على ما بُيِّنَ في الفِقْه. قوله: "كَالْمُهْلِ" يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، أي هُوَ كَالْمُهْلِ. ولا يجوز أن يكون حالاً من: "طَعَام الأثيم". قال أبو البقاء: لأنه لا عامل إذَنْ. وفيه نظر؛ لأنه يجوز أن يكون حَالاً والعامل في معنى التشبيه، كقولك: زَيْدٌ أَخُوكَ شُجَاعاً. والمهل قيل: دُرْدِيّ الزيت. وقيل: عَكرُ القطران. وقيل: ما أُذِيبَ من ذهب أو فضةِ. وقيل: ما أذيب منهما ومن كل ما في معناهما من المُنْطَبعَاتِ كالحَديد والنُّحاس والرَّصَاص. والمَهَلُ بالفتح التُّؤَدَةُ والرِّفق، ومنه: {أية : فَمَهِّلِ ٱلْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً}تفسير : [الطارق:17]. وقرأ الحسن: كَالْمَهْلِ ـ بفتح الميم فقط ـ وهي لغة في المُهْل بالضم. وتقدم تفسيره في الكهف. قوله: "يَغْلِي" قرأ ابنُ كثير وحَفْصٌ بالياء من تحت الفاعل ضمير يعود على "طَعَام". وجَوَّز أبُو البقاء أن يعود على الزقوم. وقيل: على المهل نفسه. و "يَغْلِي" حال من الضمير المستتر في الجار أي منهما المهل غالياً. وجوز أبو البقاء أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي هُوَ يَغْلِي، أي الزقوم أو الطعام. والباقون تَغْلِي بالتاء من فوق، على أن الفاعل ضمير الشجرة، والجملة خبر ثانٍ أو حال على رأيٍ، أو خبر مبتدأ مضمر، أي هِيَ تَغْلِي (واختار أبو عبيد الياء؛ لأن الاسم المذكور الذي هو المهل هو الذي يلي الفعل نعتاً، والتذكير به أولى). قوله: "كَغَلْي الْحَمِيم" نعت لمصدر محذوف أو حال من ضميره أي تَغْلِي غَلْياً مِثْلَ غَلْي الْحَمِيم أو تَغْليةً مُشْبِهاً غَلْيَ الحميم. قال ابن الخطيب: واعلم أنه لا يجوز أن يحمل الغَلْيُ على المُهْل؛ لأن المهل مشبَّه به، وإنما يغلي ما يشبه بالمهل كغلي الحميم، وهو الماء إذا اشتدت حرارته. قوله: "خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ" قرأ نافعٌ وابنُ كثير وابنُ عامر بضم تاء اعتلوه والباقون بكسرها وهما لغتان في مضارع "عَتَلَهُ" أي ساقه بجَفَاءٍ، وغِلْظَة، كعَرَشَ، يَعْرِشُ، ويَعْرُشُ. والعُتُلُّ: الجَافِي الغَلِيِظُ قالت اللَّيْثُ: العَتْلُ أن تأخذ تَلْبِيب الرجل فتقتله، أي تَجُرُّه إليك، وتذهب به إلى حَبْسٍ أو محنةٍ. وأخذ فلان بزمام الناقة يَعْتِلُهَا، وذلك إذا قبض على أصل الزِّمَام عند الرأس، وقادها قوداً عنيفاً (وقال ابن السِّكِّيت: عَتَلْتُهُ إلَى السِّجْنِ وأعْتَلْتُهُ إذا دفَعْتَهُ دَفْعاً عَنِيفاً). قوله: {إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} أي إلى وَسَطِ الجَحِيم، ومعنى الآية: أنه يقال للزبانية: خذوه أي الأثيم فاعتلوه، أي سوقوه بعنف إلى وَسَط الجحيم، {ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ}، كقوله تعالى: {أية : يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ}تفسير : [الحج:19] إلا أنَّ هذه الاستعارة أكمل في المبالغة كأنه يقول: صبو عليه عذاب ذلك الحميم ونظيره قوله: {أية : رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً}تفسير : [الأعراف:126]. قوله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ} قرأ الكسائيُّ بفتح همزة إنك، على معنى العلة، أي لأَنَّك. وقيل تقديره ذق عذاب الجحيم أنك أنت العزيز، والباقون بالكسر، على الاستنئاف المُفيد للعلة، فتتحدُ القراءتان معنى، وهذا الكلام على سبيل التهكم وهو أغيظ لِلْمُسْتَهْزَأ بِهِ. ومثله قول جرير لشاعر يسمي نفسه زَهْرَةَ اليَمَنِ: شعر : 4430ـ أَلَمْ تَكُـنْ فِي وُسُومٍ قَدْ وُسِمْتَ بِهَـا مِنْ كُلِّ مَوْعِظَةٍ يَا زَهْرَةَ اليَمَنِ تفسير : وهذا الشاعر قد قال: شعر : 4431ـ أَبْلِـغْ كُلَيْبـاً وَأَبْلِـغْ عَنْـكَ شَاعِرَهَــا أَنِّي الأَعَزُّ وَأَنِّـي زَهْـرَةُ اليَمَــنِ تفسير : ومعنى الآية أنك بالضدِّ منه. روي أن أبا جهل قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: مَا بَيْنَ جبليْها أَعَزُّ ولا أكرمُ مِنِّي، فَوَالله لا تَسْتَطيعُ أَنْتَ وَلاَ رَبُّكَ أَنْ تَفْعَلاَ بِي شَيْئاً. وروي أن خزنة جهنم تقولُ للكافر هذا الكلام إشْفَاقاً بهم وتوبيخاً. قوله: {إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} أي تشكون فيه ولا تؤْمِنُون بِهِ.
السيوطي
تفسير : أخرج سعيد بن منصور عن أبي مالك قال: إن أبا جهل كان يأتي بالتمر والزبد فيقول تزقموا بهذا الزقوم الذي يعدكم به محمد، فنزلت {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} . وأخرج ابن أبي حاتم والخطيب في تاريخه عن سعيد بن جبير في الآية قال: {الأثيم} أبو جهل. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الأنباري وابن المنذر عن عون بن عبدالله أن ابن مسعود أقرأ رجلاً {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} فقال الرجل: طعام اليتيم فرددها عليه فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر؟ قال: نعم. قال: فافعل. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن همام بن الحارث قال: كان أبو الدرداء يقرىء رجلاً {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم. فلما رأى أبو الدرداء أنه لا يفهم قال: إن شجرة الزقوم طعام الفاجر. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {خذوه فاعتلوه} قال: ادفعوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ذق إنك أنت العزيز الكريم} يقول: لست بعزيز ولا كريم. وأخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: حديث : لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل، فقال: إن الله أمرني أن أقول لك {أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى} [القيامة: 34 - 35] قال: فنزع يده من يده، وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته {ذق إنك أنت العزيز الكريم} . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال أبو جهل: أيوعدني محمد وأنا أعز من مشى بين جبليها فنزلت {ذق إنك أنت العزيز الكريم}. وأخرج ابن المنذر عن قال: أخبرت أن أبا جهل قال: يا معشر قريش أخبروني ما اسمي؟ فذكرت له ثلاثة أسماء عمرو والجلاس وأبو الحكم، قال: ما أصبتم اسمي ألا أخبركم؟ قالوا: بلى. قال: اسمي العزيز الكريم. فنزلت {إن شجرة الزقوم} الآيات. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال لما نزلت {خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم} قال أبو جهل: ما بين جبليها رجل أعز ولا أكرم مني فقال الله {ذق إنك أنت العزيز الكريم} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} قال: أبو جهل. وأخرج ابن مردويه عن أبيّ بن كعب حديث : أنه كان يقرىء رجلاً فارسياً فكان إذا قرأ عليه {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} قال: طعام اليتيم فمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قل له طعام الظالم فقالها ففصح بها لسانه ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وعمرو بن ميمون إنهما قرآ "كالمهل تغلي في البطون" بالتاء. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد {خذوه فاعتلوه} فاقصفوه كما يقصف الحطب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك {خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم} قال: خذوه فادفعوه في وسط الجحيم. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير {إلى سواء الجحيم} قال: وسط الجحيم. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} قال: هو يومئذ ذليل ولكنه يستهزأ به كما كنت تعزز في الدنيا وتكرم بغير كرم الله وعزه. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {إن المتقين في مقام أمين} قال: أمنوا الموت والعذاب. وأخرج ابن أبي شيبة عن الضحاك في قوله {في مقام أمين} قال: أمنوا الموت أن يموتوا، وأمنوا الهرم أن يهرموا ولا يجوعوا ولا يعروا. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إن المتقين في مقام أمين} قال أمين من الشيطان والأوصاب والأحزان وفي قوله {وزوجناهم بحور عين} قال: بيض عين. قال: وفي قراءة ابن مسعود بعيس عين وفي قوله {يدعون فيها بكل فاكهة آمنين} قال: أمنوا من الموت والأوصاب والشيطان. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {وزوجناهم بحور عين} قال: أنكحناهم حوراً والحور التي يحار فيها الطرف بادياً يرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله {حور عين} قال الحوراء البيضاء الممتعة. قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم أما سمعت الأعشى الشاعر وهو يقول: شعر : وحور كأمثال الدمى ومناصف وماء وريحان وراح يصفق تفسير : وأخرج البيهقي في البعث عن عطاء في قوله {بحور عين} قال: سوداء الحدقة عظيمة العين. وأخرج هناد بن السري وعبد بن حميد عن الضحاك في قوله {بحور عين} قال الحور البيض والعين العظام الأعين. وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلق الحور العين من الزعفران ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والخطيب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الحور العين خلقن من زعفران ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن الحور العين خلقن من الزعفران. وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: خلق الحور العين من الزعفران. وأخرج ابن المبارك عن زيد بن أسلم قال: إن الله لم يخلق الحور العين من تراب إنما خلقهن من مسك وكافور وزعفران. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وابن أبي حاتم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أن حوراء بزقت في بحر لجي لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عمرو قال: لشفر المرأة أطول من جناح النسر. وأخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: لو أن حوراء أخرجت كفها بين السماء والأرض لافتتن الخلائق بحسنها، ولو أخرجت نصيفها لكانت الشمس عند حسنه مثل الفتيلة في الشمس لا ضوء لها، ولو أخرجت وجهها لأضاء حسنها ما بين السماء والأرض. وأخرج ابن مردويه والديلمي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : حور العين خلقهن من تسبيح الملائكة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه أنه قال: ليوجد ريح المرأة من الحور العين من مسيرة خمسمائة سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {وزوّجناهم بحور عين} قال: هي لغة يمانية، وذلك أن أهل اليمن يقولون: زوجنا فلاناً بفلانة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال: في قراءة ابن مسعود "لا يذقون فيها طعم الموت". وأخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجاء بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيعرفه هؤلاء، ويعرفه هؤلاء، فيقول أهل النار: اللهم سلطه علينا، ويقول أهل الجنة: اللهم إنك قضيت أن لا نذوق فيها الموت إلا الموتة الأولى، فيذبح بينهما، فييأس أهل النار من الموت، ويأمن أهل الجنة من الموت ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن جابر رضي الله عنه قال: "حديث : قيل يا رسول الله أينام أهل الجنة؟ قال: لا، النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا يموتون ولا ينامون ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فإنما يسرناه بلسانك} يعني القرآن، وفي قوله {فارتقب إنهم مرتقبون} فانتظر إنهم منتظرون.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ}. "الأثيم" مرتكبُ الذنوب. "المهل" المذاب. "الحميم": الماء الحار. قوله جل ذكره: {خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ}. ادفعوا به إلى وسط الحميم. ويقال له: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}. أنت كذلك عند قومك، ولكنك عندنا ذليلٌ مَهينٌ.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان شجرة الزقوم} بدرستى كه درخت زقوم يعنى ميوه آن. قال فى القاموس هى شجرة بجهنم وطعام اهل النار وفى عين المعانى شجرة فى اسفل النار مرتفعة الى اعلاها وما من دركة الا وفيها غصن منها انتهى فتكون هى فى الاسفل نظير طوبى فى الاعلى وفى كشف الاسرار شجرة الزقوم على صورة شجر الدنيا لكنها من النار والزقوم ثمرها وهو ما أكل بكره شديد وقيل طعام ثقيل فهو زقوم وفى المفردات شجرة الزقوم عبارة عن اطعمة كريهة فى النار ومنه استعير زقم فلان وتزقم اذا ابتلع شيئا كريها. يقول الفقير وعلى تقدير ان يكون الزقوم بلسان البرير وهم جيل بالغرب وامة اخرى بين الحبش والزنج بمعنى الزبد والتمر فلعله وارد على سبيل التهكم كالتبشير فى قوله {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : لانه تعالى وصف شجرة الزقوم بأنها تخرج فى اصل الجحيم كما مر فى الصافات فكيف يكون زبدا وفى انسان العيون لا تسلط لجهنم على شجرة الزقوم فان من قدر على خلق من يعيش فى الناو ويلتذ بها كالسمندل فهو اقدر على خلق الشجر فى النار وحفظه من الاحراق بها وقد قال ابن سلام رضى الله عنه انها تحيى باللهب كما تحيى شجرة الدنيا بالمطر وثمر تلك الشجرة مر له زفرة انتهى. يقول الفقير لا حاجة الى هذا البيان فانه كما يشابه ثمر الجنة وشجرها ثمر الدنيا وشجرها وان وقع الاشتراك فى الاسم وكذا ثمر النار وشجرها فالشجرية لا تنافى النارية فكيف تحترق فما اصله النار فهو نارى والنارى لا يحترق بالنار ولذا قيل فى ابليس انه يعذب بالزمهرير وان امكن الاحتراق بحسب التركيب وقد رأيت فى جزيرة قبرس حجرا يقال له حجر القطن يدق ويطرق فينعم حتى يكون كالقطن فيتخذ منه المنديل فحجريته لا تنافى القطنية وقد مر فى يس ان الله أخرج من الشجر الاخضر نارا
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} قد مرّ بيان شجرة الزّقّوم فى سورة الصّافّات.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ} بفتح الشين وقرئ بكسرها وذلك لغتان والثالث (شيرة) بالياء وشجرة الزقوم شجرة تكون بتهامة من أخبث الشجر وأمرها أكلا لا تبقى على حالها بل تزيد من المرارة ما لا يوصف والا لكانت قوتاً حسناً عند أهل النار ومر الكلام باذن الواحد الاحد في والصفات
اطفيش
تفسير : {إنَّ شَجرة الزقُّوم} أى الشجرة المسماة بالزقوم أو النابتة بمائع فى جهنم، لو قطرت منه قطرة فى الدنيا لأفسدت طعامها وشرابها وانتنتها، شجرة صغيرة الأوراق، كريهة الرائحة ذات لبن يتورم ما أصاب من الجسد {طَعَام} أصله مصدر، ولذلك أخبر به عن المؤنث أخبر به لأن شجرة كالزائد، وكأنه قيل: ان الزقوم طعام الأثيم، كما قال الشاعر: شعر : إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى تفسير : أى أن العقل مكسوف، وأولى من ذلك أن يقال: ان الجوامد لا تغير غير الاشارة والموصول تقول: بغيتى العلم، والعلم بغيتى بلا تأويل {الأثيم} عظيم الاثم وكثيرة، وهو المشرك، لأن الكلام فى المشركين قبل، ولقوله بعد: "أية : إنَّ هذا ما كنتم به تمترون" تفسير : [الدخان: 50] وليس المراد بالأثيم خصوص أى جهل كما قيل عن سعيد بن جبير، ولا خصوص الوليد كما قيل فضلا عن أن يقال ان غيرهما يؤخذ من خارج، بل الآية نفسها تعمهما وتعم غيرهما، ولا يقدح فى العموم ما قال سعيد بن منصور، عن أبى مالك: ان أبا جهل كان يأتى بالتمر والزبد فيقول تزقموا فهذا الزقوم الذى يعدكم به محمد صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {إنَّ شجرة الزقوم طعام الأثيم} لأن المعتبر عموم اللفظ لا خصوص سبب النزول. وكان ابن مسعود يقرىء رجلا طعام الأثيم، ولم يطاوعه لسانه إلا أن يقول اليتيم بدل الأثيم، فقل له ابن مسعود، أتستطيع أن تقول طعام الفاجر؟ قال: نعم، قال: فقل طعام الفاجر، رواه عوف بن عبد الله، وروى الحاكم عن أبى الدرداء مثله، وابن مردويه عن أبى أنه كان يقرىء فارسيا فأبى لسانه إلا اليتم، فمر به النبى صلى الله عليه وسلم فقال له: "حديث : قل طعام الظلام" تفسير : وعن أبى بكرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : القرآن كله كافٍ شافٍ ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة" تفسير : قلت أما خبر ابن مسعود وأبى الدرداء وأبى فلعل المراد قراءة معنى لا قراءة الكتاب المنزل، كما كثر فى السن الصحابة قراءة القرآنه بالتفسير للمعنى لا للتلاوة، أو أرادوا أن يقرأ اللفظ بالبدل تفسيرا ليتدرج منه الى قراءتها بلفظ النزول اذا فهم المعنى. ويشبه هذا ما وقع لى مرارا يقرأ التلميذ لفظا بالعربية فلا أسمعه لضعف السمع أو للكنة فى لسانه، أو لعجمة منه، أو اخفاء فيعيده لى هو أو أحد بلغتى، أو بلفظ عربى، فيخطر فى نفسى نفس اللفظ الذى قرأه، وأمّا حديث أبى بكرة فلعله فى الصلاة مثلا أو غيرها بلا عمد، فيريد أنه لا فساد لصلاته بذلك، ولا اثم، بل ثواب كما يشاهد ممن لا يحفظ القرآن يقرأ غفورا رحيما بدل عليما حكيما أو نحو ذلك، أو كانت الاباحة حين قل الكتاب والضباط، ثم نسخ، قال أبو عمر بن عبد البر، والباقلانى وغيرهما، ان فعل ذلك صحابى أو أباحه بعده صلى الله عليه وسلم فلعله لم يصله النسخ، واذا لم يجز ابدال كلمة عربية بكلمة عربية، فأولى أن لا يجوز بكلمة عجمية، وشهر عن أبى حنيفة اجازته، وصحح عنه بعض محققى مذهبه خلاف الجواز.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ } مر معنى الزقوم في الصافات [62] وقرىء {شجرة} بكسر الشين.
ابن عاشور
تفسير : لما ذكر الله فريقاً مرحومين على وجه الإجمال قابله هنا بفريق معذَّبون وهم المشركون، ووصف بعض أصناف عذابهم وهو مأكلهم وإهانتهم وتحريقهم، فكان مقتضى الظاهر أن يبتدأ الكلام بالإخبار عنهم بأنهم يأكلون شجرة الزقوم كما قال في سورة الواقعة (51، 52) { أية : ثم إنكم أيها الضالّون المكذّبون لآكلون من شجرٍ من زقومٍ } تفسير : الآية، فعُدل عن ذلك إلى الإخبار عن شجرة الزقوم بأنها طعام الأثيم اهتماماً بالإعلام بحال هذه الشجرة. وقد جُعلت شجرة الزقوم شيئاً معلوماً للسامعين فأخبر عنها بطريق تعريف الإضافة لأنها سبق ذكرها في سورة الواقعة التي نزلت قبل سورة الدخان فإن الواقعة عدت السادسة والأربعين في عداد نزول السور وسورة الدخان ثالثة وستين. ومعنى كون الشجرة طعاماً أن ثمرها طعام، كما قال تعالى: { أية : طَلعُها كأنه رؤوس الشياطين فإنَّهم لآكلون منها } تفسير : [الصافات: 65، 66]. وكتبت كلمة {شجرت} في المصاحف بتاء مفتوحة مراعاة لحالة الوصل وكان الشائع في رسم أواخر الكلم أن تراعى فيه حالة الوقف، فهذا مما جاء على خلاف الأصل. و{الأثيم}: الكثير الآثام كما دلت عليه زنة فَعيل. والمراد به: المشركون المذكورون في قوله: { أية : إنّ هؤلاء ليَقُولُون إن هي إلاّ موتتنا الأولى } تفسير : [الدخان: 34، 35]، فهذا من الإظهار في مقام الإضمار لقصد الإيماء إلى أن المهم بالشرك مع سبب معاملتهم هذه. وتقدم الكلام على شجرة الزقوم في سورة الصافات (62) عند قوله تعالى: { أية : أذَلك خَيْرٌ نُزُلاً أم شجرة الزقوم }. تفسير : والمُهل بضم الميم دُرْدِيُّ الزيت. والتشبيه به في سواد لونه وقيل في ذوبانه. و{الحميم}: الماء الشديد الحرارة الذي انتهى غليانه، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : لهم شرابٌ من حميم } تفسير : في سورة الأنعام (70). ووجه الشبه هو هيئة غليانه. وقرأ الجمهور {تغلي} بالتاء الفوقية على أن الضمير لــ {شجرة الزقوم}. وإسناد الغليان إلى الشجَرَةِ مجاز وإنما الذي يغلي ثمرها. وقرأه ابن كثير وحفص بالتحتية على رجوع الضمير إلى الطعام لا إلى المُهل. والغليان: شدة تأثر الشيء بحرارة النار يقال: غلي الماء وغلت القدر، قال النابغة: شعر : يسير بها النعمان تغلي قدوره تفسير : وجملة {خذوه} الخ مقول لقول محذوف دلّ عليه السياق، أي يقال لملائكة العذاب: خذوه، والضمير المفرد عائد إلى الأثيم باعتبار آحاد جنسه. والعَتْلُ: القوْد بعنف وهو أن يؤخذ بتلبيب أحد فيقاد إلى سجن أو عذاب، وماضيه جاء بضم العين وكسرها. وقرأه بالضم نافع وابن كثير وابن عامر. وقرأه الباقون بكسر التاء. وسَواء الشيء: وسطه وهو أشد المكان حرارة. وقوله: {إلى سواء الجحيم} يتنازعه في التعلق كلٌّ من فعلي {خذوه فاعتلوه} لتضمنهما: سوقوه سوقاً عنيفاً. و{ثم} للتراخي الرتبي لأن صب الحميم على رأسه أشد عليه من أخذه وعتله. والصبّ: إفراغ الشيء المظروف من الظرف وفعل الصّبّ لا يتعدى إلى العذاب لأن العذاب أمر معنوي لا يصب. فالصب مستعار للتقوية والإسراع فهو تمثيلية اقتضاها ترويع الأثيم حين سمعها، فلما كان المحكي هنا القول الذي يسمعه الأثيم صيغ بطريقة التمثيلية تهويلاً، بخلاف قوله: { أية : يُصَبّ من فوق رءوسهم الحميم } تفسير : [الحج: 19] الذي هو إخبار عنهم في زمن هم غير سامعيه فلم يؤت بمثل هذه الاستعارة إذ لا مقتضى لها. وجملة {ذق إنك أنت العزيز الكريم} مقول قول آخر محذوف تقديره: قولوا له أو يقال له. والذوق مستعار للإحساس وصيغة الأمر مستعملة في الإهانة. وقوله: {إنك أنت العزيز الكريم} خبر مستعمل في التهكم بعلاقة الضدّية. والمقصود عكس مدلوله، أي أنت الذليل المهان، والتأكيد للمعنى التهكمي. وقرأه الجمهور بكسر همزة {إنك}. وقرأه الكسائي بفتحها على تقدير لام التعليل وضمير المخاطب المنفصل في قوله: {أنت} تأكيد للضمير المتصل في {إنك} ولا يؤكد ضمير النصب المتصل إلا بضمير رفع منفصل. وجملة {إن هذا ما كنتم به تمترون} بقية القول المحذوف، أي ويقال للآثمين جميعاً: إن هذا ما كنتم به تمترون في الدنيا. والخبر مستعمل في التنديم والتوبيخ واسم الإشارة مشار به إلى الحالة الحاضرة لديهم، أي هذا العذاب والجزاء هو ما كنتم تكذبون به في الدنيا. والامتراء: الشك، وأطلق الامتراء على جزيتهم بنفي يقينهم بانتفاء البعث لأن يقينهم لما كان خلياً عن دلائل العلم كان بمنزلة الشك، أي أن البعث هو بحيث لا ينبغي أن يوقن بنفيه على نحو ما قرر في قوله تعالى: { أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه } تفسير : [البقرة: 2].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إن شجرة الزقوم: أي الشجرة التي تثمر الزقوم وهي من أخبث الشجر ثمراً مرارة وقبحاً. طعام الأثيم: أي ثمرها طعام الأثيم أبي جهل وأصحابه من ذوي الأثام الكبيرة. كالمهل: أي كدِرْدِىّ الزيت الأسود. يغلي في البطون كغلي الحميم: أي الماء الشديد الحرارة. خذوه فاعتلوه: أي يقال للزبانية خذوه فاعتلوه أي جروه بغلظة وشدة. إلى سواء الجحيم: أي إلى وسطها. ذق إنك أنت العزيز الحكيم: أي ذق العذاب إنك كنت تقول ما بين جبلي مكة أعز وأكرم منى. ما كنتم به تمترون: أي إنَّ هذا العذاب الذي كنتم تمترون به أي تشكون فيه. معنى الآيات ما زال السياق الكريم في ذكر النار وما فيها من ضروب العذاب فقال تعالى: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} كأبي جهل وأضرابه من ذوي الآثام، وشجرة الزقوم تنبت في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين في القبح وثمرها الذي هو الزقوم مر أشد المرارة جعلها الله تعالى طعام الأثيم أبي جهل وذوي الآثام الكبيرة، وقوله تعالى في الأخبار عنها {كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} أي كدردي الزيت يغلي في بطون الآثمين كغلي الحميم أي الماء الحار الشديد الحرارة. وقوله تعالى: {خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ}، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم أي يقال للزبانية وهم الملائكة الموكلون بالنار وعذابها خذوه فاعتلوه أي ادفعوه واجذبوه بعنف إلى وسط الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم أي صبوا فوق رأسه الماء الحار الشديد الحرارة ويقال له: تهكما به ذق إنك أنت العزيز الكريم أي كما كنت تقول في الدنيا إذ كان أبو جهل يقول: ما بين جبلى مكة أعز وأكرم منى، وكان يجمع أولاده ويضع بين أيديهم الزبدة وتمر العجوة ويقول لهم تزقموا هذا هو الزقوم الذي يهددنا به محمد اللهم صلى وسلم على نبينا محمد وقوله تعالى: {إِنَّ هَـٰذَا مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} أي يقال لهم إن هذا أي العذاب الذي كنتم تشكون في أنه كائن يوم القيامة، وذلك لتكذيبهم بالبعث والجزاء يوم القيامة. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 2- عظم عذاب النار وفظاعة ما يلاقيه ذوو الآثام الكبيرة فيها. 3- يوجد شجرة بأريحا من الغور لها ثمر كالتمر حلو عفيص، لنواه دهن عظيم المنافع عجيب الفعل في تحليل الرياح الباردة وأمراض البلغم وأوجاع المفاصل والنقرس وعرق النسا والريح اللاحجة في حق الورك، يشرب منه زنة سبعة دراهم ثلاثة أيام، وربما أقام الزمنى، والمقعدين. ذكر هذا صاحب حاشية الجمل على الجلاليين عند تفسير هذه الآية. ولو أمكن أخذ هذا الثمر واستخراج زيته والتداوي به لكان خيرا. 4- من أشد أنواع العذاب في النار العذاب النفسي بالتهكم والسخرية من المعذبين وهو العذاب المهين الذي يُهين المعذبين ويدوس كرامتهم.
القطان
تفسير : الزقّوم: طعام أهل النار. وشجرة الزقوم {أية : تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات: 64-65]، وهي الشجرة الملعونة. الأثيم: المجرم المذنب. المُهل: خثارة الزيت. الحميم: الماء الحار. فاعتلوه: فجرّوه بعنف. عَتَلَه يعتله بكسر التاء وضمها عَتْلاً: جره جراً عنيفا. سواء الجحيم: وسطها. في مقام امين: في منزل آمن. سندس: نوع من الحرير الرقيق. استبرق: حرير فيه لمعان وبريق وهو اغلظ من السندس. بحورٍ عين: نساء جميلات واسعات العيون. يدّعون: يطلبون. وقاهم: جنّبهم وأبعدهم عن العذاب. فارتقب: فانتظر. الحديث الآن عن أهلِ النار وطعامهم وما يلاقُونه من عذابٍ أليم.. ان شجرة الزقُوم المعروفة بقُبح منظرِها وخُبثِ طَعْمِها وريحها هي طعامُ الفاجر الكافر الأثيم. ومذاقُها كسائل المعدِن المصهور، يغلي في البطون كالماءِ الشديد الحرارة. ثم يقال لزبانية جهنم: خذوا هذا الفاجرَ الأثيم فجرّوه بعنفٍ الى وسط الجحيم، ثم صبُّوا فوق رأسه الماءَ الحار. ثم يقال له استهزاءً وتهكماً: ذُق العذابَ، ايها العزيز الكريم المعتزّ بنَسَبك وقومك. ان هذا العذاب الذي تلاقونه الآن هو ما كنتم تكذّبون به في الدنيا. وبعد ان بين الله أحوال المجرمين وما يلاقونه من اهوال وعذاب وتقريع، بيّن هنا أحوال المتقين وما يلاقونه في جنّات النعيم من ضُروب التكريم في منازل حسنة آمنة، في جنات النعيم، ملابسهم فيها من أنواع الحرير الفاخر، متقابلين على السُرر، يستأنس بعضهم ببعض، تحفُّ بهم زوجاتهم من الحُور العين، ويطلبون ما يشتهون من انواع الفاكهة. ثم بين ان حياتهم في هذا النعيم دائمة، وقد نجّاهم الله من العذاب الاليم. {فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} وأيّ فضل وفوز أعظمُ من النجاة من عذاب أليم! ثم بين الله تعالى أنه انزل هذا القرآن الكريم باللغة العربية ويسّره بها لعلّ العربَ ينتفعون به وبتعاليمه، وينشرونه في العالم. وبهذا يجيء ختام السورة كما بدئتْ، بذِكر القرآن. ثم يقول الله تعالى مسلّياً رسولَه الكريم وواعداً إياه بالنصر، ومتوعداً المكذّبين بالهلاك: {فَٱرْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} انتظِر أيها الرسول انهم منتظِرون، وسيعلمون لمن يكنُ النصر. وقد نصر الله تعالى رسوله واصحابه ونشروا دينه العظيم. قراءات: قرأ ابن كثير وحفص ورويس وابن عامر: يغلي بالياء. والباقون: تغلي بالتاء. وقرأ حفص وحمزة والكسائي وابو عمرو: فاعتِلوه بكسر التاء، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب: فاعتُلوه بضم التاء، وهما لغتان. وقرأ ابن عامر ونافع: في مُقام بضم الميم. والباقون: في مَقام بفتح الميم. انتهت سورة الدخان والحمد لله رب العالمين.
د. أسعد حومد
تفسير : {شَجَرَةَ} (43) - الزَّقُومُ ثَمَرُ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ تَخرُجُ في أَصْلِ النَّارِ وَثَمَرُهَا كَريهٌ، وَلكِنَّ أَهْلَ النَّارِ لاَ يَجِدُونَ مَا يَأَكُلُونَ غَيرَه لذلِكَ فإِنَّهمُ يضْطَرُّونَ إِلى أَكْلِهِ وَهُمْ كَارِهُونَ. شَجَرةَ الزَّقُّومِ - شَجَرٌ يَنْبُتُ فِي النَّارِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى هنا يعطينا صورةً لطعام أهل النار والعياذ بالله، وفي موضع آخر يعطينا صورة لشرابهم، لأن الطعام والشراب هنا قِوَام الحياة، فطعامهم الزقوم، وهو شجرة صغيرة مُنتنة الرائحة، وطعمها مُرٌّ. أما شكلها، فقال عنه سبحانه في آية أخرى {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات: 65] وهو تشبيه يؤدِّي المراد منه بدقة، فالمراد إظهار بشاعتها وقُبح منظرها. لذلك وجدنا بعض المستشرقين يعترضون على هذا التشبيه يقولون: كيف يُشبِّه مجهولاً بمجهول لأن أحداً لم ير رؤوس الشياطين، والأصل في التشبيه أنْ تُشبه مجهولاً بمعلوم ليتم الإيضاح. يقولون هذا لأنهم لا يعرفون شيئاً عن إعجاز القرآن وطريقة أدائه للمعنى، فلو أننا أجرينا مسابقة بين رسامي الكاريكاتير في العالم وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، فكلُّ واحد سيرسمها من تخيُّله للقُبْح في نظره هو. وهكذا سيكون عندنا صور متعددة، كلها قبيح مع أنها مختلفة، لأن القُبْح له ألوان مختلفة، والشيء البشع عند البعض قد لا يكون كذلك عند آخرين، مثل مقاييس الجمال نجدها نسبية بين الناس، فمثلاً البعض يرى الجمال في الشفاه الرقيقة، وآخر يراه في الشِّفاه الغليظة. وهكذا تختلف مقاييس القُبْح في الذِّهْن الإنساني، والصورة التي تُفزع شخصاً قد لا تفزع الآخر، فأراد الحق سبحانه بهذه الصورة أنْ يشيع قبحها وبشاعتها، وأنْ يُقبِّحها قُبْحاً عاماً يستوعب كل نواحي القبح والبشاعة عند مختلف الناس. إذن: الإبهام هنا أفضل، لأنه يجعلك تذهب في تصوُّر القبح كلَّ مذهب، لذلك نستطيع أن نقول: إن الإبهام هنا هو غاية الإيضاح وعَيْن البيان. إذن: هي شجرة كريهة في شكلها وفي طعمها وفي رائحتها، ثم يزيد على ذلك فيُشبِّه طعمها بأنه {كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ} [الدخان: 45] المُهْل هو: المعدن المذاب الذي بلغ الغايةَ في الحرارة، أو هو الزيت المغلي. فمثلاً نرى صانع (الطعمية) يغلي الزيت لفترات طويلة، حتى يتحوَّل إلى مواد سامة سوداء اللون يُسمُّونها الدُّرْدى، هذا الذي يسمونه المهل إذا كان من أصول ليِّنة، وقد يكون من أصول صلبة كالمعادن مثل: الذهب والحديد والنحاس. ومعنى {يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ} [الدخان: 45] أن درجة حرارته - والعياذ بالله - لا تنخفض بشُرْبه، فنحن مثلاً حين نشرب الشاي ساخناً نشعر بلسْعة الحرارة في الفم أثناء تناوله، لكن حين ينزل إلى المعدة تنخفض هذه الدرجة. أما الزَّقوم والعياذ بالله فيظلُّ يغلي حتى في بطونهم {كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} [الدخان: 46]. مثل غليان الماء الذي بلغ أقصى درجة، وتناهتْ حرارته.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ كَٱلْمُهْلِ يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} فَشَجرةُ الزَّقُّومِ: شَجرةٌ في النَّارِ. والمُهلُ: صَديدُ أَهلِ النَّارِ. والأَثيمُ: أبو جَهل بن هشام.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سبحانه: {إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ} المعدة لذوي الغفلة والضلال {طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} [الدخان: 44] المنهمك في الجرائم والآثام، وهو أبو جهل ومن مثله في العتو والعناد، وهي في الحرقة والبشاعة {كَٱلْمُهْلِ} أي: الذهب والذائب، أو دردي الزيت الأسود، وهو من شدة حرقته وحرارته {يَغْلِي فِي ٱلْبُطُونِ * كَغَلْيِ ٱلْحَمِيمِ} [الدخان: 45-46] أي: كالماء الحار إذا اشتد غليانه، كيف هو، هو مثله يغلي في بطون أهل النار، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيها الناس اتقوا الله حق تقاته، ولو أن قطرة من الزقوم قطرت على الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم أبدا"تفسير : ، فيكف حال من هو طعامه دائماً ولم يكن له غذاء سواه، وبالجملة: هم مبتلون بهذا العذاب إلى حيث قطع أمعائهم. ومع ذلك العذاب الهائل يقال من قبل الحق للزبانية الموكلين عليهم على الدوام: {خُذُوهُ} أي: المسرف الأثيم {فَٱعْتِلُوهُ} أي: ادفعوه وسوقوه بشدة العنف والزجر {إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} [الدخان: 47] أي: واسطة {ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ} مثل في جوفه {مِنْ عَذَابِ ٱلْحَمِيمِ} [الدخان: 48] ليستغرفوا بالعذاب الهائل استغراقاً تاماً، وقولوا له: عند صبكم وتعذيبكم على سبيل التهكم والتوبيخ: {ذُقْ} أيها المتجبر الطاغي طعم العذاب الهائل {إِنَّكَ} في نفسك وعلى مقتضى زعمك {أَنتَ ٱلْعَزِيزُ} المنيع {ٱلْكَرِيمُ} [الدخان: 49] الغالب المقصور على الغلبة والكرم بين أهل الوادي، ثم قولوا لهم بعد تشديد العذاب عليهم تفظيعاً لهم وتفضيحاً: {إِنَّ هَـٰذَا} العذاب والنكال الذي أنتم فيه الآن {مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ} [الدخان: 50] تشكون وتمارون في النشأة الأولى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما ذكر يوم القيامة وأنه يفصل بين عباده فيه ذكر افتراقهم إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير وهم: الآثمون بعمل الكفر والمعاصي وأن طعامهم { شَجَرَةَ الزَّقُّومِ } شر الأشجار وأفظعها وأن طعمها { كَالْمُهْلِ } أي: كالصديد المنتن خبيث الريح والطعم شديد الحرارة يغلي في بطونهم { كَغَلْيِ الْحَمِيمِ } ويقال للمعذب: { ذُقْ } هذا العذاب الأليم والعقاب الوخيم { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ } أي: بزعمك أنك عزيز ستمتنع من عذاب الله وأنك كريم على الله لا يصيبك بعذاب، فاليوم تبين لك أنك أنت الذليل المهان الخسيس. { إِنَّ هَذَا } العذاب العظيم { مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } أي: تشكون فالآن صار عندكم حق اليقين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):