Verse. 4465 (AR)

٤٤ - ٱلدُّخَان

44 - Ad-Dukhan (AR)

اِنَّ الْمُتَّقِيْنَ فِيْ مَقَامٍ اَمِيْنٍ۝۵۱ۙ
Inna almuttaqeena fee maqamin ameenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن المتقين في مقام» مجلس «أمين» يؤمن فيه الخوف.

51

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في الآيات المتقدمة ذكر الوعد في هذه الآيات فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ } قال أصحابنا كل من اتقى الشرك فقد صدق عليه اسم المتقي فوجب أن يدخل الفاسق في هذا الوعد. واعلم أنه تعالى ذكر من أسباب تنعمهم أربعة أشياء أولها: مساكنهم فقال: {فِى مَقَامٍ أَمِينٍ }. واعلم أن المسكين إنما يطيب بشرطين أحدهما: أن يكون آمناً عن جميع ما يخاف ويحذر وهو المراد من قوله {فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } قرأ الجمهور في مقام بفتح الميم، وقرأ نافع وابن عامر بضم الميم، قال صاحب «الكشاف» المقام بفتح الميم هو موضع القيام، والمراد المكان وهو من الخاص الذي جعل مستعملاً في المعنى العام وبالضم هو موضع الإقامة، والأمين من قولك أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو ضد الخائن، فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنه يخون صاحبه والشرط الثاني: لطيب المكان أن يكون قد حصل فيه أسباب النزهة وهي الجنات والعيون، فلما ذكر تعالى هذين الشرطين في مساكن أهل الجنة فقد وصفها بما لا يقبل الزيادة. والقسم الثاني: من تنعماتهم الملبوسات فقال: {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } قيل السندس ما رقّ من الديباج، والإستبرق ما غلظ منه، وهو تعريب استبرك، فإن قالوا كيف جاز ورود الأعجمي في القرآن؟ قلنا لما عرب فقد صار عربياً. والقسم الثالث: فهو جلوسهم على صفة التقابل والغرض منه استئناس البعض بالبعض، فإن قالوا الجلوس على هذا الوجه موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعاً على ما يفعله الآخر، وأيضاً فالذي يقل ثوابه إذا اطلع على حال من يكثر ثوابه يتنغص عيشه، قلنا أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا. والقسم الرابع: أزواجهم فقال: {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ } الكاف فيه وجهان أن تكون مرفوعة والتقدير الأمر كذلك أو منصوبة والتقدير آتيناهم مثل ذلك، قال أبو عبيدة: جعلناهم أزواجاً كما يزوج البعل بالبعل أي جلعناهم اثنين اثنين، واختلفوا في أن هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزويج أم لا؟، قال يونس قوله {وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ } أي قرناهم بهن فليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول تزوجت بها وإنما تقول تزوجتها، قال الواحدي رحمه لله والتنزيل يدل على ما قال يونس وذلك قوله { أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَـٰكَهَا } تفسير : [الأحزاب: 37] ولو كان المراد تزوجت بها زوجناك بها وأيضاً فقول القائل زوجته به معناه أنه كان فرداً فزوجته بآخر كما يقال شفعته بآخر، وأما الحور، فقال الواحدي أصل الحور البياض والتحوير التبييض، وقد ذكرنا ذلك في تفسير الحواريين، وعين حوراء إذا اشتد بياض بياضها واشتد سواد سوادها، ولا تسمى المرأة حوراء حتى يكون حور عينيها بياضاً في لون الجسد، والدليل على أن المراد بالحور في هذه الآية البيض قراءة ابن مسعود بعيس عين والعيس البيض، وأما العين فجمع عيناء وهي التي تكون عظيمة العينين من النساء، فقال الجبائي رجل أعين إذا كان ضخم العين واسعها والأنثى عيناء والجمع عين، ثم اختلفوا في هؤلاء الحور العين، فقال الحسن هن عجائزكم الدرد ينشئهن الله خلقاً آخر، وقال أبو هريرة إنهن ليسوا من نساء الدنيا. والنوع الخامس: من تنعمات أهل الجنة المأكول فقال: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـٰكِهَةٍ ءامِنِينَ } قالوا إنهم يأكلون جميع أنواع الفاكهة لأجل أنهم آمنون من التخم والأمراض. ولما وصف الله تعالى أنواع ما هم فيه من الخيرات والراحات، بين أن حياتهم دائمة، فقال: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: أنهم ما ذاقوا الموتة الأولى في الجنة فكيف حسن هذا الاستثناء؟ وأجيب عنه من وجوه الأول: قال صاحب «الكشاف» أريد أن يقال: لا يذوقون فيها الموت ألبتة فوضع قوله {إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال في المستقبل، فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يمكن ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها الثاني: أن إلا بمعنى لكن والتقدير لا يذوقون فيها الموت لكن الموتة الأولى قد ذاقوها والثالث: أن الجنة حقيقتها ابتهاج النفس وفرحها بمعرفة الله تعالى وبطاعته ومحبته، وإذا كان الأمر كذلك فإن الإنسان الذي فاز بهذه السعادة فهو في الدنيا في الجنة وفي الآخرة أيضاً في الجنة، وإذا كان الأمر كذلك فقد وقعت الموتة الأولى حين كان الإنسان في الجنة الحقيقية التي هي جنة المعرفة بالله والمحبة، فذكر هذا الاستثناء كالتنبيه على قولنا إن الجنة الحقيقية هي حصول هذه الحالة لا الدار التي هي دار الأكل والشرب، ولهذا السبب قال عليه السلام: « حديث : أنبياء الله لا يموتون ولكن ينقلون من دار إلى دار » تفسير : والرابع: أن من جرب شيئاً ووقف عليه صح أن يقال إنه ذاقه، وإذا صح أن يسمى العلم بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضاً بالذوق فقوله {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } يعني إلا الذوق الحاصل بسبب تذكر الموتة الأولى. السؤال الثاني: أليس أن أهل النار أيضاً لا يموتون فلم بشر أهل الجنة بهذا مع أهل النار يشاركونهم فيه؟ والجواب: أن البشارة ما وقعت بدوام الحياة مع سابقة حصول تلك الخيرات والسعادات فظهر الفرق. ثم قال تعالى: {وَوَقَـٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } قرىء ووقاهم بالتشديد، فإن قالوا مقتضى الدليل أن يكون ذكر الوقاية عن عذاب الجحيم متقدماً على ذكر الفوز بالجنة لأن الذي وقى عن عذاب الجحيم قد يفوز وقد لا يفوز، فإذا ذكر بعده أنه فاز بالجنة حصلت الفائدة، أما الذي فاز بخيرات الجنة فقد تخلص عن عقاب الله لا محالة فلم يكن ذكر الفوز عن عذاب جهنم بعد الفوز بثواب الجنة مفيداً، قلنا التقدير كأنه تعالى قال: ووقاهم في أول الأمر عن عذاب الجحيم. ثم قال: {فَضْلاً مّن رَّبّكَ } يعني كل ما وصل إليه المتقون من الخلاص عن النار والفوز بالجنة فإنما يحصل بتفضل الله، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن الثواب يحصل تفضلاً من الله تعالى لا بطريق الاستحقاق لأنه تعالى لما عدد أقسام ثواب المتقين بين أنها بأسرها إنما حصلت على سبيل الفضل والإحسان من الله تعالى، قال القاضي أكثر هذه الأشياء وإن كانوا قد استحقوه بعملهم فهو بفضل الله لأنه تعالى تفضل بالتكليف، وغرضه منه أن يصيرهم إلى هذه المنزلة فهو كمن أعطى غيره مالاً ليصل به إلى ملك ضيعة، فإنه يقال في تلك الضيعة إنها من فضله، قلنا مذهبك أن هذا الثواب حق لازم على الله، وإنه تعالى لو أخل به لصار سفيهاً ولخرج به عن الإلـٰهية فكيف يمكن وصف مثل هذا الشيء بأنه فضل من الله تعالى؟ ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن التفضيل أعلى درجة من الثواب المستحق، فإنه تعالى وصفه بكونه فضلاً من الله ثم وصف الفضل من الله بكونه فوزاً عظيماً، ويدل عليه أيضاً أن الملك العظيم إذا أعطى الأجير أجرته ثم خلع على إنسان آخر فإن تلك الخلعة أعلى حالاً من إعطاء تلك الأجرة، ولما بين الله تعالى الدلائل وشرح الوعد والوعيد قال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلَسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } والمعنى أنه تعالى وصف القرآن في أول هذه السورة بكونه كتاباً مبيناً أي كثير البيان والفائدة وذكر في خاتمتها ما يؤكد ذلك فقال: إن ذلك الكتاب المبين، الكثير الفائدة إنما يسرناه بلسانك، أي إنما أنزلنا عربياً بلغتك، لعلّهم يتذكرون، قال القاضي وهذا يدل على أنه أراد من الكل الإيمان والمعرفة وأنه ما أراد من أحد الكفر وأجاب أصحابنا أن الضمير في قوله {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } عائد إلى أقوام مخصوصين فنحن نحمل ذلك على المؤمنين. ثم قال: {فَٱرْتَقِبْ } أي فانتظر ما يحل بهم {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ } ما يحل بك، متربصون بك الدوائر، والله أعلم. قال المصنف رحمه الله تعالى: تم تفسير هذه السورة ليلة الثلاثاء في نصف الليل الثاني عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وستمائة، يا دائم المعروف، يا قديم الإحسان، شهد لك إشراق العرش، وضوء الكرسي، ومعارج السـمـٰوات، وأنوار الثوابت والسيارات، على منابرها، المتوغلة في العلو الأعلى، ومعارجها المقدسة عن غبار عالم الكون والفساد، بأن الأول الحق الأزلي، لا يناسبه شيء من علائق العقول، وشوائب الخواطر، ومناسبات المحدثات، فالقمر بسبب محوه مقر النقصان، والشمس بشهادة المعارج بتغيراتها، معترفة بالحاجة إلى تدبير الرحمـٰن، والطبائع مقهورة تحت القدرة القاهرة، فالله في غيبيات المعارج العالية، والمتغيرات شاهدة بعدم تغيره، والمتعاقبات ناطقة بدوام سرمديته، وكل ما نوجه عليه أنه مضى وسيأتي فهو خالقه وأعلى منه، فبجوده الوجود وإيجاد، وبإعدامه الفناء والفساد، وكل ما سواه فهو تائه في جبروته، نائر عند طلوع نور ملكوته، وليس عند عقول الخلق إلا أنه بخلاف كل الخلق، له العز والجلال، والقدرة والكمال، والجود والإفضال، ربنا ورب مبادينا إياك نروم، ولك نصلي ونصوم، وعليك المعول، وأنت المبدأ الأول، سبحانك سبحانك.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ } لما ذكر مستقر الكافرين وعذابَهم ذكر نُزل المؤمنين ونعيمهم. وقرأ نافع وابن عامر «فِي مُقَامٍ» بضم الميم. الباقون بالفتح. قال الكسائي: المُقام المكان، والمُقام الإقامة، كما قال:شعر : عَفَتِ الديارُ مَحَلُّها فَمُقَامُها تفسير : قال الجوهريّ: وأما المَقام والمُقام فقد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام؛ لأنك إذا جعلته من قام يقوم فمفتوح، وإن جعلته من أقام يقيم فمضموم، لأن الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع مضموم الميم، لأنه مشبه ببنات الأربعة، نحو دحرج وهذا مُدَحْرَجُنا. وقيل: المقام (بالفتح) المشهد والمجلس، و (بالضم) يمكن أن يراد به المكان، ويمكن أن يكون مصدراً ويقدّر فيه المضاف، أي في موضع إقامة. {أَمِينٍ } يؤمن فيه من الآفات {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } بدل «مِنْ مَقَامٍ أَمِينٍ». {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ } لا يرى بعضهم قفا بعض، متواجهين يدور بهم مجلسهم حيث داروا. والسُّنْدُس: ما رَقّ من الديباج. والإستبرق: ما غلظ منه. وقد مضى في «الكهف».

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى حال الأشقياء، عطف بذكر السعداء، ولهذا سمي القرآن مثاني، فقال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي: لله في الدنيا {فِى مَقَامٍ أَمِينٍ} أي: في الآخرة، وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن، وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده، وسائر الآفات والمصائب {فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ} وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شجرة الزقوم وشرب الحميم، وقوله تعالى: {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ} وهو رفيع الحرير؛ كالقمصان ونحوها {وَإِسْتَبْرَقٍ} وهو ما فيه بريق ولمعان، وذلك كالريش، وما يلبس على أعالي القماش {مُّتَقَـٰبِلِينَ} أي: على السرر، لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره. وقوله تعالى: {كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ} أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحسان الحور العين اللاتي {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن: 56] { أية : كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ} تفسير : [الرحمن: 57] {أية : هَلْ جَزَآءُ ٱلإِحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإِحْسَـٰنُ} تفسير : [الرحمن: 60] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نوح بن حبيب، حدثنا نصر بن مزاحم العطار، حدثنا عمر بن سعد عن رجل عن أنس رضي الله عنه، رفعه نوح قال: «حديث : لو أن حوراء بزقت في بحر لجّي، لعذب ذلك الماء؛ لعذوبة ريقها»تفسير : وقوله عز وجل: { يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَـٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ} أي: مهما طلبوا من أنواع الثمار، أحضر لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه، بل يحضر إليهم كلما أرادوا. وقوله: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} هذا استثناء يؤكد النفي؛ فإنه استثناء منقطع، ومعناه: أنهم لا يذوقون فيها الموت أبداً، كما ثبت في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» تفسير : وقد تقدم الحديث في سورة مريم عليها الصلاة والسلام. وقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي مسلم الأغر عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقال لأهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً» تفسير : رواه مسلم عن إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق به، هكذا يقول أبو إسحاق، وأهل العراق يقولون: أبو مسلم الأغر، وأهل المدينة يقولون: أبو عبد الله الأغر. وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حفص عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن الحجاج، هو ابن حجاج، عن عبادة عن عبيد الله بن عمرو عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من اتقى الله، دخل الجنة ينعم فيها ولا يبأس، ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه»تفسير : وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سليم بن عبد الله الرقي، حدثنا مصعب بن إبراهيم، حدثنا عمران بن الربيع الكوفي عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: سئل نبي الله صلى الله عليه وسلم أينام أهل الجنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون» تفسير : وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام ابن داود، حدثنا عبد الله بن المغيرة، حدثنا سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون»تفسير : ، وقال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله هل ينام أهل الجنة؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا، النوم أخو الموت»تفسير : ثم قال: لا نعلم أحداً أسنده عن ابن المنكدر عن جابر رضي الله عنه إلا الثوري، ولا عن الثوري إلا الفريابي، هكذا قال، وقد تقدم خلاف ذلك، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَوَقَـٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} أي: مع هذا النعيم العظيم المقيم، قد وقاهم وسلمهم ونجاهم وزحزحهم عن العذاب الأليم في دركات الجحيم، فحصل لهم المطلوب، ونجاهم من المرهوب، ولهذا قال عز وجل: { فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} أي: إنما كان هذا بفضله عليهم، وإحسانه إليهم؛ كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحداً لن يدخله عمله الجنة» تفسير : قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»تفسير : ، وقوله تعالى: { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَـٰنِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلاً واضحاً بيناً جلياً بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي: يتفهمون ويعلمون. ثم لما كان مع هذا الوضوح والبيان من الناس من كفر وخالف وعاند، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم مسلياً له، وواعداً له بالنصر، ومتوعداً لمن كذبه بالعطب والهلاك: {فَٱرْتَقِبْ} أي: انتظر {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} أي: فسيعملون لمن تكون النصرة والظفر، وعلو الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد، ولإخوانك من النبيين والمرسلين، ومن اتبعكم من المؤمنين؛ كما قال تعالى: {أية : كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِىۤ} تفسير : [المجادلة: 21] الآية. وقال تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ } تفسير : [غافر: 52].

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِى مَقَامٍ } مجلس {أَمِينٍ } يؤمن فيه الخوف.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أمين من الشيطان والأحزان، قاله قتادة. الثاني: أمين من العذاب، قاله الكلبي. الثالث: من الموت، قاله مقاتل. قوله عز وجل: {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} فيهما ثلاثة أوجه: أحدها: أن السندس الحرير الرقيق، والاستبرق الديباج الغليظ، قاله عكرمة. الثاني: السندس يعمل بسوق العراق وهو أفخر الرقم، قاله يحيى، والاستبرق الديباج سمي استبرقاً لشدة بريقه، قاله الزجاج. الثالث: أن السندس ما يلبسونه، والاستبرق ما يفترشونه. وفي {مُّتَقَابِلينَ} وجهان: أحدهما: متقابلين بالمحبة لا متدابرين بالبغضة، قاله علي بن عيسى. الثاني: متقابلين في المجالس لا ينظر بعضهم قفا بعض، قاله مجاهد. قوله عز وجل: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} يعني القرآن، وفيه وجهان: أحدهما: معناه جعلناه بلسانك عربياً. الثاني: أطلقنا به لسانك تيسيراً. {لَعَلَّهُم يَتَذَكَّرُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: يرجعون. الثاني: يعتبرون. {فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ} فيه وجهان: أحدهما: فانتظر ما وعدتك من النصر عليهم. إنهم منتظرون بك الموت، حكاه النقاش. الثاني: وانتظر ما وعدتك من الثواب فإنهم من المنتظرين لما وعدتهم من العقاب، والله أعلم.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَقَامٍ أَمِينٍ} من الشيطان والأحزان، أو من العذاب، أو من الموت.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} لما ذكر وعيد الكفار أردفه بِآيَاتِ الوعْد فقال: "إنْ المُتَّقِينَ" قال أهل السنة: كل من اتقى الشرك صدق عليه أنه متق، فوجب أن يدخل الفساق هذا الوعد فقال: فِي مَقَام أَمِينٍ. وقرأ أهل المدينة والشام بضمِّ ميم "مُقَام" على المصدر، أي في إقامة وقرأ الباقون فتح الميم أي في مَجْلِس أمنين آمنوا فيه من الغير. قال الزمخشري (المقام) ـ بفتح الميم ـ هو موضع القيام والمراد المكان وهو من الخاص الذي جُعل مستعملاً في المعنى العام وبالضم هو موضع الإقامة، والأمين من قولك: أَمِنَ الرَّجُلُ أَمَانَةً فَهُو أَمِينٌ وهو ضد الخائن. فوصف به المكان استعارة؛ لأن المكان المخيف كأنه يَخُون صَاحِبَه. قوله: "فِي جَنَّاتٍ" يجوز أن يكون بدلاً من قوله: "فِي مَقَام" بتكرير العامل، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً وقوله: "يَلْبَسُونَ" يجوز أن يكون حالاً من الضمير المستكن في الجارِّ، وأن يكون خبراً لـ "إنّ" فيتعلَّق الجار به، وأن يكون مستأنفاً. قوله: "مُتَقَابِلِينَ" حال من فاعل "يَلْبَسُونَ". وتقدم تفسير السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ والمُقَام. قوله: "كذلك" في هذه الكاف وجهان: أحدهما: النصب نعتاً لمصدر، أي نفعل بالمتقين فعلاً كذلك أي مثْلَ ذلك الفِعل. والثاني: الرفع على خبر ابتداء مضمر أي الأَمرُ كَذلِكَ. وقدر أبو البقاء قبله جملةً فقال: "تقديره: فَعَلْنَا ذَلِكَ، والأَمْرُ كَذلِكَ"، ولا حاجة إليه. والوقف على "كذلك" والابتداء بقوله: وَزَوَّجْنَاهُمْ. قوله: "بِحُورٍ عِينٍ" العامة على تنوين "حُورٍ" موصوفاً "بِعِينٍ". وعكرمة لم يُنَوِّنْ، أضافهن لأ،هن يَنْقَسِمْن إلى "عِينٍ" وغير "عِينٍ". وتقدم تفسير الحُور العِينِ. فإن قيل: المراد بجلوسهم متقابلين استئناس بعضهم ببعض، والجلوس على هذه الصّفة موحش لأنه يكون كل واحد منهم مطلعاً على ما يفعل الآخر، وأيضاً فالقليل الثواب إذا اطلع على حال من يكثر ثوابه ينغص عليه!. فالجواب: أن أحوال الآخرة بخلاف أحوالِ الدنيا. فصل قال أبو عبيدة: معنى "وَزَوَّجْنَاهُمْ" أي جعلناهم أزواجاً، كما يزوج النَّعْلُ بالنَّعْلِ أي جَعَلْنَاهُمْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. واختلفوا في هذا اللفظ هل يدل على حصول عقد التزويج أم لا؟ فقال يونس: قوله تعالى: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} قَرَنَّاهُمْ بِهِنَّ وليس من عقد التزويج، والعرب لا تقول: تَزَوَّجْتُ بِهَا، وإنَّما تقول: تَزَوَّجْتُهَا. وقال الواحديُّ: (ـ رحمه الله ـ): والتنزيل نزل على ما قال يونس، وذلك قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا}تفسير : [الأحزاب:37] ولو كان المراد تَزَوَّجْتُ بِهَا لقال: زَوَّجْنَاكَ بِهَا. فصل قال الواحدي: وأصل الحور البَيَاض، والتَّحْوير التبييض، وقد تقدم في تفسير الحَوَارِيِّينَ. وعين حوراء إذا اشتدَّ بَيَاضُ بَيَاضِهَا، واشْتَدَّ سَوَادُ سَوَادِهَا، ولا تسمى المرأة حَوْرَاءَ حتى يكون حَوَرُ عَيْنَيْهَا بَيْضَاء في لَوْن الجَسَد. وأما العِينُ فجمع عَيْنَاءَ، وهي التي تكون عظيمةً العَيْنَيْنِ من النِّسَاء وَاسِعَتَهُمَا. قوله: "يَدْعُونَ فِيهَا" حال من مفعول "زَوَّجْنَاهُمْ" ومفعوله محذوف، أي يدعون الخَدَمَ بكُلّ فَاكِهَةٍ وقوله: "آمِنِينَ" يجوز أن تكون حَالاً ثانيةً، وأن تكون حالاً من فاعل "يَدْعُونَ" فتكون حالاً مُتَدَاخِلَةً ومعنى "آمنين" أي من نِفَارِهَا ومِنْ "مَـ" ـضَرَّتِهَا. وقال قتادة: آمنين من الموت، والأوْصَاب، والشَّيْطَان. قوله: "لاَ يَذُوقُونَ" يجوز أن يكون حالاً من الضمير في "آمِنِينَ" وأن يكون حالاً ثالثةً أو ثانيةً من مفعول "وزَوَّجْنَاهُمْ"، و "آمِنينَ" حال من فاعل "يَدْعُونَ" كما تقدم، أو صفة "لآمِنينَ" أو مستأنف. وقرأ عَمرُو بنُ عُبَيْد: لاَ يُذَاقُونَ مبنياً للمفعول. قوله: "إلاَّ المَوْتَة الأُوْلَى" فيه أوجه: أحدها: أنه استثناء منقطع، أي لكن المَوْتَةَ الأُولى، قَدْ ذَاقُوهَا. الثاني: أنه متصل، وتأولوه بأن المؤمن عند موته في الدنيا يُرَى منزلته في الجنة لمعاينة ما يُعْطَاه منها أو لما يتيقنه من نعيمها. الثالث: أن "إلاَّ" بمعنى سوى. نقله الطبري وضَعَّفَهُ. قال ابن عطية: وليس تضعيفه بصحيح، بل هو كونها بمعنى سوى مستقيم منتسق. الرابع: أن "إلاّ" بمعنى "بَعْدَ"، واختاره الطبري. وأباهُ الجمهور، لأن إلاَّ بمعنى بَعْدَ لم يَثْبتُ. وقال الزمخشري: فَإِن قلتَ: كيف استثنيت الموتةَ الأولى المَذُوقَةَ قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه منها؟. قُلْتُ: أريدَ أن يُقَالَ: لا يذقون فيها الموت البتة، فوضع قوله: {إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} موضع "ذَلِكَ"، لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل فهو من باب التعليق بالمحال كأنه قيل: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذَوْقُهَا في المستقبل؛ فإنهم يذُوقُونَها في الجنَّة. قال شهاب الدين: وهذا عند علماء البيان يسمى نَفي الشيء بدليله ومثله قول النَّابغة: شعر : 4432ـ وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتائِبِ تفسير : يعني إن كان أحد يعد فُلُول السيوف من قراع الكتائب عيباً، فهذا عيبهم لكن عَدّهُ من العيوب محال فانتفى عنهم العيب بدليل تعليق الأمر على المُحَال. وقال ابن عطية بعد ما حكاه عن الطبري: فتبين أنه نفى عنهم ذَوْقَ الموت، وأنه لا ينالهم من ذلك غير ما تقدم في الدنيا. يعني أنه كلامٌ محمول على مَعْنَاه. وقال ابن الخطيب: إن من جرب شيئاً ووقف عليه وصح أن يقال: إنه ذَاَقَهُ، وإذا صح أن يسمى ذَلِكَ العلمُ بالذوق صح أن يسمى تذكره أيضاً بالذوق. فقوله: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} يعني الذَّوْقَ الحاصِلَ بسبب تذكر الموتة الأولى. فإن قيل: أليس أنَّ أهل النار لا يذوقون الموت فلم بَشَّرَ أهل الجنة بهذا مع أن أهل النار يشاركونهم فيه؟. فالجواب: أن البشارةَ ما وقعت بدوام الحياة، (بل بدوام الحياة) مع سابقة حصول تلك الخيرات والساعات فافترقا. قوله: "وَوَقَاهُمْ" الجمهور على التخفيف، وقرأ أَبو حَيْوَةَ وَوَقَّاهُمْ بالتشديد على المبالغة ولا تكون للتعدية فإنه متعدٍّ إلى اثنيْنِ. قوله: "فَضْلاً" مفعول من أجله، وهو مراد مَكِّيٍّ بقوله: مصدر عَمِلَ فيه "يَدْعُونَ". وقيل: العامل فيه: "وَوَقَاهُمْ". وقيل: آمنين. فهذا إنما يظهر على كونه مفعولاً من أجله، على أنه يجوز أن يكون مصدراً، لأن "يَدْعُونَ" وما بعده من باب التفضُّل، فهو مصدر ملاقٍ لعامله في المعنى. وجعله أبو البقاء منصوباً بمقدر أي تَفَضَّلْنَا بذلك فضلاً أي تَفَضُّلاً. فصل احتج أهل السنة بهذه الآية على أن الثواب يحصل من الله (تعالى) فضلاً وإحساناً وأن كل ما وصل إليه العبد من الخلاص عن النار والفَوْزِ بالجَنَّة، فإنما يحصل بفضل الله تعالى، ثم قال: {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} وهذا يدل على أن الفضل أعلى من درجات الثواب المستحق، لأنه وصفه بكونه فَوْزاً عظيماً، وأيضاً فإن الملكَ العظيم إذا أعطى الأجير أجرته، ثم خلع على إنسان آخر، فإن تلك الخُلْعة أعلى حالاً من إعطاء تلك الأجرة. ولما بين الله تعالى الدلائل وشرح الوعد والوعيد قال: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ} أي سَهَّلْنَا القرآن، كناية عن غير مذكور "بِلِسَانِكَ" أي بلغتك. والباء للمصاحبة {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} يَتَّعظُونَ. قال القاضي: وهذا يدل علىأنه أراد من الكل الإيمان ولم يرد من أحَدٍ الكفر. وأُجِيبَ: بأن الضمير في قوله: {لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} عائد إلى أقوام مخصوصين فيحمل ذلك على المؤمنين. قوله: "فَارْتَقِبْ" أي فانتظر ما يحِلُّ بهم {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} لما يحِلُّ بِكَ. فمفعولا الارتقاب محذوفان أي فارتقب النصر من ربك إنهم مرتقبون بك ما يتمنونه من الدوائر والغوائل ولن يضرك ذلك. روى أبو هريرة: (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : مَنْ قَرَأَ حَم الدخان في لَيْلِهِ أصبح يستغفر له سَبُعون أَلْف مَلَكٍ"تفسير : . رواه البغوي في تفسيره. وروى الثَّعْلَبِيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : من قرأ حم التي يذكر فيها الدخان في ليلة جمعةٍ أصبح مغفوراً لهتفسير : ". وقال أبو أمامة ـ رضي الله عنه ـ سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه سلم ـ (يقول): "حديث : من قرأ حم الدخان ليلة الجُمُعَةِ أو يوم الجمعة بَنَى الله له بيتاً في الجنة ". تفسير : (اللهم أسْعِدْنا بعظيم فضلك، وأرحمنا برحمتك). (والله ـ تعالى ـ أعلمُ بالصواب وإليه المرجعُ والمَآب).

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} أيْ عن الكفرِ والمَعَاصِي {فِى مَقَامٍ} في موضعَ قيامٍ، والمرادُ المكانُ على الإطلاقِ فإنَّه من الخاصِّ الذي شاعَ استعمالُه في مَعْنى العمومِ. وقُرِىءَ بضمِّ الميمِ وهو مَوضعُ إقامة {أَمِينٌ} يأمن صاحبُه الآفاتِ والانتقالَ عنْهُ وهو منَ الأمنِ الذي هُو ضدُّ الخيانةِ، وصفَ به المكانُ بطريقِ الاستعارةِ، كأنَّ المكانَ المخيفَ يخونُ صاحبَهُ لما يَلْقى فيهِ من المكارِه {فِى جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ} بدلٌ من مقامٍ جيءَ بهِ دِلالةً على نزاهتِه واشتمالِه على طيباتِ المآكلِ والمشاربِ {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} إما خبرٌ ثانٍ أو حالٌ من الضميرِ في الجارِّ، أو استئنافٌ. والسندسُ ما رقَّ من الحريرِ، والإستبرقُ ما غلُظَ منْهُ معرَّبٌ. {مُّتَقَـٰبِلِينَ} في المجالسِ ليستأنسَ بعضُهم ببعضٍ {كَذٰلِكَ} أي الأمرُ كذلكَ أو كذلكَ أثبناهُم {وَزَوَّجْنَـٰهُم بِحُورٍ عِينٍ} على الوصفِ وقُرِىَء بالإضافةِ أي قرنّاهم بهنَّ والحورُ جمعُ الحوراءِ وهي البـيضاءُ، والعينُ جمعُ العيناءِ وهي العظيمةُ العينينِ واختُلفَ في أنهنَّ نساءُ الدُّنيا أو غيرُها {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فَـٰكِهَةٍ} أي يطلبونَ ويأمرونَ بإحضارِ ما يشتهونَهُ من الفواكهِ لا يتخصصُ شيءٌ منها بمكانٍ ولا زمانٍ {ءامِنِينَ} من كلِّ ما يسوؤهم {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} بل يستمرُّونَ على الحياةِ أبداً والاستثناءُ منقطعٌ أو متصلٌ على أنَّ المرادَ بـيانُ استحالةِ ذوقِ الموتِ فيها على الإطلاقِ كأنَّه قيلَ: لا يذوقونَ فيها الموتَ إلا إذا أمكن ذوقُ الموتةِ الأُولى حينئذٍ {وَوَقَـٰهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} وقُرِىءَ مشدداً للمبالغةِ في الوقايةِ. {فَضْلاً مّن رَّبّكَ} أي أُعطوا ذلكَ كلُّه عطاءً وتفضلاً منه تعالَى. وقُرِىءَ بالرفعِ أي ذلكَ فضلٌ {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} الذي لا فوزَ ورِاءَهُ إذ هُو خلاصٌ عن جميعِ المكارِه ونيلٌ لكلِّ المطلبِ. وقولُه تعالى {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَـٰنِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} فذلكةٌ للسورةِ الكريمةِ إنَّما أنزلنَا الكتابَ المبـينَ بلغُتكَ كيَ يفهمُه قومُك ويتذكروا ويعملُوا بموجبِه وإذْ لم يفعلُوا ذلكَ {فَٱرْتَقِبْ} فانتظرْ ما يحِلُّ بهم {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} ما يحلُّ بكَ. رُويَ عنِ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم: " حديث : مَنْ قرأَ حم الدخان ليلةَ الجمعةِ أصبحَ مغفوراً لهُ".

السلمي

تفسير : قال الحسين: الإيمان ما أوجب الأمان والتقوى توجب الأمان فى الإيمان لأن الله فى مقام أمين والتقوى أن تتقى الكل لتصل بذلك إلى من له الكل.

القشيري

تفسير : آمنين من المحن من جميع الوجوه، لِباسُهم من حرير، وفراشُهم من سُندسٍ واستبرق، "متقابلين": لا يبرحون ولا يبغون عنها حِوَلاً.

البقلي

تفسير : اى ان المفردين عن الاكوان وما فيها بنعت التجريد و التوحيد والتبرى من غير الله واستحسانه فى محبة الله بعين الرغبة فيه هم فى مقام وصلة الحق حين لا يجرى عليهم اصطراب الفراق ولا يحجبهم غير الحق فى مقام الاشواق أمنين منه به حين البسهم انوار كماله وجلاله وجماله قال جعفر الصادق كانوا فى الدنيا على خوف العذاب وجعل الفراق وذلك مقام المتقين فى الدنيا فاورثهم ذلك امانا وامنا ان يسلب ذلك منهم وقال ايضا المقام الامين وصلة الجبار وقال بعضهم المقام الامين مجالسة الانبياء والاولياء والصديقين والشهداء.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان المتقين} اى عن الكفر والمعاصى وهم المؤمنون المطيعون {فى مقام} فى موضع قيام والمراد المكان على الاطلاق فانه من الخاص الذى شاع استعماله فى معنى العموم يعنى انه عام ومستعمل فى جميع الامكنة حتى قيل لموضع القعود مقام وان لم يقم فيه اصلا {امين} يأمن صاحبه الآفات والانتقال عنه على ان وصف المقام بالامن من المجاز فى الاسناد كما فى قولهم جرى النهر فالامن ضد الخوف والامين بمعنى ذى الامن واشار الزمخشرى الى وجه آخر وهو ان الامين من الامانة التى هى ضد الخيانة وهى فى الحقيقة صفة صاحب المكان لكن وصف به المكان بطريق الاستعاره التخيلية كأن المكان المخيف يحزن صاحبه ونازله بما يلقى فيه من المكاره او كناية لان الوصف اذا أثبت فى مكان الرجل فقد أثبت له لقولهم المجد بين ثوبيه والكرم بين برديه كما فى بحر العلوم وفى الآية اشارة الى ان من اتقى بالله عما سواه يكون مقامه مقام الوحدة آمنا من خوف الاثنينية والى ان من كان فى الدنيا على خوف العذاب ووجل الفراق كان فى الآخرة على امن وامان وقال بعضهم المقام الامين مجالسة الانبياء والاولياء والصديقين والشهداء. يقول الفقير اما مجالستهم يوم الحشر فظاهرة لان فيها الامن من الوقوع فى العذاب اذ هم شفعاء عند الله واما مجالستهم فى الدنيا فلان فيها الامن من الشقاوة اذ لا يشقى بهم جليسهم وفى الآية اشارة اخرى لائحة للبال وهى ان المقام الامين هو مقام القلب وهى جنة الوصلة ومن دخله كان آمنا من شر الوسواس الخناس لانه لا يدخل الكعبة التى هى اشارة الى مقام الذات كما لا يقدر على الوسوسة حال السجدة التى هى اشارة الى الفناء فى الذات الاحدية قال أهل السنة كل من اتقى الشرك صدق عليه انه متق فيدخل الفساق فى هذا الوعد. يقول الفقير الظاهر ان المطلق مصروف على الكامل بقرينة ان المقام مقام الامتنان والكامل هو المؤمن المطيع كما اشرنا اليه فى عنوان الآية نعم يدخل العصاة فيه انتهاء وتبعية لا ابتداء واصالة كما يدل عليه الوعيد الوارد فى حقهم والا لاستوى المطيع والعاصى وقد قال تعالى {أية : أم نجعل المتقين كالفجار} تفسير : عفا الله عنا وعنكم اجمعين (قال الشيخ السعدى) كسى را كه باخواجه تست جنك. بدستش جرا مى دهى جوب وسنك. مع آخركه باشدكه خوانش نهند. بفرماى تا استخوانش نهند

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنَّ المتقين في مقامٍ} بضم الميم: مصدر، أي: في إقامة حسنة، وبالفتح: اسم مكان، أي: في مكان كريم، وأصل المقام، بالفتح: موضع القيام، ثم عمّم واستعمل في جميع الأمكنة، حتى قيل لموضع القعود: مقام، وإن لم يقم فيه أصلاً، ويقال: كنا في مقام فلان، أي: مجلسه، فهو من الخاص الذي وقع مستعملاً في معنى العموم، وقوله: {أمين} وصف له، أي: يأمن صاحبُه الآفات والانتقال عنه، وهو من الأمن ضد الخيانة، وصف به المكان مجازاً، لأن المكان المخيف يخون صاحبه بما يلقى فيه من المكاره. وقوله: {في جنات وعُيون} بدل من "مقام" جيء به دلالة على نزاهته واشتماله على طيبات المآكل والمشارب، {يلبسون من سُندس} وهو ما رقَّ من الديباج، {وإِستبرقِ} ما غلظ منه، وهو مُعرّب، والجملة إما حال، أو استئناف، حال كونهم {متقابلين} في مجالسهم، يستأنس بعضهم ببعض، {كذلك} أي: الأمر كذلك، قيل: المعنى فيه أنه لم يستوفِ الوصف، وأنه بمثابة ما لا يحيط به الوصف، فكأنه قال: الأمر نحو ذلك وما أشبهه، وليس بعين الوصف وتحققه. {وزوجناهم بحُور عِينٍ} أي: قرنّاهم وأصحبناهم، ولذلك عُدي بالباء. قال القشيري: وليس في الجنة عقد نكاح ولا طلاق، بل تمكن الوليّ من هذه الألطاف بهذه الأوصاف هـ. والحور: جمع حَوْراء، وهي الشديدة سواد العين، والشديدة بياضها، والعين: جمع عيناء، وهي الواسعة العَين، واختلف في أنها نساء الدنيا أو غيرها. {يَدْعون فيها بكل فاكهةٍ} أي: يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهونه من الفواكه، لا يختص بزمان ولا مكان، {آمنين} من زواله وانقطاعه، ومن ضرره عند الإكثار منه، أو: من كل ما يسوءهم، {لا يذوقون فيها الموتَ} أصلاً، بل يستمرون على الحياة الأبدية، {إِلا الموتَة الأولى} سوى الموتة الأولى، التي ذاقوها، أو: لكن الموتة الأولى قد ذاقوها في الدنيا، فالاستثناء منقطع، أو متصل على أن المراد استحالة ذوق الموت إلا إذا كان يمكن ذوق الموتة الأولى حينئذ، وهو محال، على نمط قوله:{أية : إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}تفسير : [النساء: 22]. {ووقاهم} ربهم {عذابَ الجحيم فضلاً من ربك} أي: أعطوا ذلك كله عطاءً وتفضُّلا منه تعالى؛ إذ لا يجب عليه شيء، فهو مفعول له، أو مصدر مؤكد لِما قبله، لأن قوله: {وقاهم} في معنى تفضل عليهم، {ذلك هو الفوز العظيم} الذي لا فوز وراءه؛ إذ هو خلاص من جميع المكاره، ونيل لكل المطالب. {فإِنما يسَّرناه} أي: الكتاب، وقد جرى ذكره في أول السورة، أي: سهَّلنا قراءته {بلسانك} بلغتك {لعلهم يتذكرون} أي: كي يفهموه ويتعظوا به، ويعملوا بموجبه، فلم يفعلوا، {فارتقبْ} فانظر ما يحلّ بهم، {إِنهم مرتَقِبون} ما يحلُّ بك. قال القشيري: فارتقب العواقب ترى العجائب، إنهم مرتَقِبون، ولكن لا يرون إلا ما يكرهون. هـ. الإشارة: إن المتقين شهود ما سوانا في مقام العرفان، وهو مقام المقربين، وهو محل الأمن والأمان، في جنات المعارف، وعيون العلوم والحِكَم، يلبسون من أسرار الحقيقة وأنوار الشريعة، ما تبتهج به بواطنهم وظواهرهم، متقابلين في المقامات، يجمعهم الفناء والبقاء، ويتفاوتون في اتساع المقامات والأسرار، تفاوت أهل غرف الجنان، كذلك، أي: الأمر فوق ما تصف، وزوجانهم بعرائس المعرفة، لا يذوقون في جنات المعارف - إذ دخلوها - الموت أبداً إلا الموتة الأولى، وهي موت نفوسهم، فَحييتْ أرواحهم حياة أبدية، وأما الموت الحسي فإنما هو انتقال من عالم إلى عالم، ومن مقام إلى مقام، ووقاهم ربُّهم عذابَ الجحيم، فضلاً منه وإحساناً، خلقَ فيهم المجاهدة، ومَنَّ عليهم بالمشاهدة. وقال الورتجبي بعد كلام: إذ أحضرهم - تعالى - في ساحة كبريائه، ويتجلّى لهم بالبديهة من غير الجبّارية القهّارية؛ يكونون في محل الفناء، وفي فناء الفناء، وغلبات سطوات ألوهيته، فإذا صاروا فانين، ألبسهم الله لباس بقائه، فيبقون ببقائه أبد الآبدين، فإذاً الاستثناء وقع على التحقيق، لا على التأويل، فيا رُبّ موتٍ هناك، ويا رُبّ حياة هناك؛ لأن الحدَث لا يستقيم عند بروز حقائق بواطن القِدم، ألا ترى إلى إشارة النبي صلى الله عليه وسلم كيف قال: "حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" أي: فيتلاشى الخلق ويبقى الحق. قيل للجنيد: أهل الجنة باقون ببقاء الحق؟ فقال: لا، ولكنهم مُبْقَوْن ببقاء الحق، والباقي على الحقيقة من لم يزل، ولا يزال بقاياً.هـ. والحاصل: أنه لا عدم بعد وجودهم بالله، ولا يكون إلا بعد الفناء عن أوصاف الخليقة، ووجود البشرية، بالاندراج في وجود الحق، ثم الحياة بحياته، والبقاء ببقائه أبداً، قاله في الحاشية الفاسية. والفرق بين الباقي والمبقى في كلام الجنيد: أن الباقي يدلّ على ثبوت بقائه مستقلاً، بخلاف المبقَى، لا وجود لبقائه، بل مبقى ببقاء غيره. وقال في قطب العارفين، لمَّا تكلم على التقوى: التقوى مطرد في وجوه كثيرة، تقوى الشرك، ثم تقوى المعصية، ثم تقوى فضل المباح، ثم تقوي كل ما يسترق القلوب عن الله تعالى، وإلى هذا الصنف الإشارة بسر قوله تعالى: {إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون...} الآية. هـ. وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَن قرأ سورة الدخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك" تفسير : ذكره في الجامع، وفي فضلها أحاديث، تركتها.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر ونافع {في مقام} بضم الميم، وهو موضع الاقامة. الباقون بفتح الميم، وهو موضع القيام. لما اخبر الله تعالى عن الكفار وما يفعله بهم من انواع العقاب، أخبر عن حال المطيعين وما أعده لهم من الثواب، فقال {إن المتقين} يعني الذين يجتنبون معاصيه لكونها قبائح، ويفعلون طاعاته لكونها طاعة {في مقام أمين} أي موضع إقامة - فيمن ضم الميم - ومن فتحها يريد أنهم فى موضع قيامهم، ووصفه بأنهم في {مقام أمين} من كل ما يخاف، وليس هذا فى الدنيا، لانه لا يخلو منها احد من موقف خوف من مرض او أذى او غير ذلك. ثم بين ذلك المقام فقال {في جنات} يعني بساتين تجنها الأشجار {وعيون} ماء نابعة فيها {يلبسون من سندس واستبرق} فالسندس الحرير - في قول الحسن. والاستبرق الديباج الغليظ - في قول قتادة - وإنما رغبهم في ذلك بحسب ما كانوا يعرفونه، وإن كان - ههنا - ما هو ارفع منها واحسن {متقابلين} أي يقابل بعضهم بعضاً بالمحبة، لا متدابرين بالبغضة. ثم قال ومثل ما فعلنا بهم {كذلك وزوجناهم بحور عين} فالحور جمع حوراء من الحور، وهو شدة البياض. وقال قتادة {بحور} أي ببيض، ومنه الحور لبياضه، وحورته أي بيضته من حار يحور أي رجع إلى الحالة الأولى كما يرجع إلى حال الأبيض، ومنه المحور "والعين" جمع عيناء وهي الواسعة العين الحسنة، وكذلك لهم فى حكم الله. وقال الحسن: العيناء الشديدة السواد سواد العين، الشديدة البياض بياضها {يدعون فيها بكل فاكهة آمنين} أي يستدعون أي ثمرة شاؤا غير خائفين فوتها. ثم قال {لا يذوقون فيها} يعني في الجنة {الموت إلا الموتة الأولى} شبه الموت بالطعام الذي يذاق وينكر عند المذاق. ثم نفى ذلك، وانه لا يكون ذلك فى الجنة، وإنما خصهم بأنهم لا يذوقون الموت مع أن جميع الحيوان يوم القيامة لا يذوقون الموت، لما في ذلك من البشارة لهم بانتهاء ذلك إلى الحياة الهنيئة فى الجنة، فأما من يكون فيها هو كحال الموت في الشدة، فلا يطلق له هذه الصفة، لانه يموت موتات كثيرة بما يلاقي ويقاسي من الشدة، واما غير المكلفين، فليس مما يعقل، فتلحقه هذه البشارة وإن عم ذلك اهل الجنة. وقوله {إلا الموتة الأولى} قيل ان (إلا) بمعنى (بعد) كأنه قال بعد الموتة الاولى. وقيل: معنى (إلا) سوى كأنه قال: سوى الموتة الأولى. وقيل: إنها بمعنى (لكن) وتقديره لكن الموتة الأولى قد ذاقوها. وقال الجبائي: هذا حكاية حال المؤمنين فى الآخرة، فلما اخبرهم بذلك فى الدنيا، وهم لم يذوقوا بعد الموت جاز أن يقال لا يذوقون الموت فى المستقبل إلا الموتة الأولى يخرجون بها من دار التكليف، وهذا ضعيف، لان في ذلك خبر عن حكمهم فى الجنة وأنهم لا يذوقون فيها الموت ثم استثنى من ذلك الموتة الأولى، وكيف يرد إلى دار الدنيا؟! وحقيقة (إلا) إخراج بعض عن كل وحقيقة (بعد) إخراج الثاني عن الوقت الاول. وقوله {ووقاهم عذاب الجحيم} أي يصرف عنهم عذاب النار، وليس في ذلك ما يدل على أن الفاسق الملي لا يعذب ويخرج من النار، من حيث أنه لا يكون قد وقي النار، لانه يحتمل أمرين: احدهما - ان يكون ذلك مخصوصاً بمن لا يدخل النار ممن لا يستحقه او بمن عفي عنه. والثاني - ان يكون المراد {ووقاهم عذاب الجحيم} على وجه التأبيد او على الوجه الذي يعذب عليه الكفار. ثم بين أن ذلك فضل من الله، ونصبه على المصدر، وتقديره فضل فضلا منه تعالى. واخبر بأن {ذلك هو الفوز العظيم} يعني الفلاح العظيم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {إنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون} يعنى باللغة العربية ليفقهوه ويتفكروا فيه، فيعلموا ان الامر على ما قلناه. ثم أمره صلى الله عليه وآله فقال {فارتقب} أي انتظر يا محمد مجيء ما وعدتك به {إنهم منتظرون} ايضاً وهو قول قتادة، وإنما قال فيهم {إنهم منتظرون} لانهم في مثل حال المنتظر فى انه سيأتيه عاقبة حاله كما يأتي المنتظر.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} صاحبه من الشّرور والآفات.

الهواري

تفسير : قال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ} أي: في منزل {أَمِينٍ} أي: هم آمنون فيه من الغير. {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ}. ذكروا عن عكرمة قال: أما السندس فقد عرفتموه، وأما الإستبرق فالديباج الغليظ. قال بعضهم: السندس يعمل بسوس العراق، وهو الخز المرقوم. وتفسير الحسن أنهما جميعاً حرير. قال: يعني (أية : وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) تفسير : [الحج:23]. قال: {مُّتَقَابِلِينَ} قال بعضهم: لاينظر بعضهم إلى قفا بعض. وتفسير الحسن أنهم يقابل بعضهم بعضاً على الأسرة. وبعضهم يقول: ذلك في الزيارة إذا تزاوروا. {كَذَلِكَ} أي: هكذا {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} تفسيره: كذلك حكم الله لأهل الجنة بهذا. قوله: {بِحُورٍ عِينٍ}، وهي كلمة عربية. تزوج فلان فلانة، وفلانة فلاناً. و (الحُورُ) البيض في تفسير بعضهم. [و (العِينُ) عظام العيون]. وتفسير مجاهد: (الحُورُ) اللاتي يحار فيهن البصر، وينظر الناظر وجهه في جيدها. قال: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ} أي يأتيهم ما يشتهون منها {آمِنِينَ} أي: من الموت. {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى} وليس ثمة موتة إلا هذه الموتة الواحدة في الدنيا. وهو كقوله: (أية : وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى) تفسير : [النجم:50]، ولم يكن قبلها عاد. قال: {وَوَقَاهُمْ} أي: وصرف عنهم {عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلاَ مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} أي النجاة العظيمة من النار إلى الجنة.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ} بضم الميم به عند نافع وابن عامر اسم مكان من أقام أي في موضع اقامة وبفتحها عند غيرهما اسم مكان من أقام أي موضع قيام هذا بحسب الأصل أو المراد هنا في الفتح مطلق المكان استعمالاً للخاص في العام* {أِمِينٍ} فعيل بمعنى فاعل اما على حذف مضاف أي (أمين صاحبه) برفع (صاحب) على الفاعلية حذف ونابت عنه الهاء وأتي بدلها بضمير رفع المستتر واما على اسناد ما للمحل (وصف المكان) بأنه آمن غير خائف لانه يحله من يأمن ولا يخاف فكأنه أمن بنفسه كما نقول مكان خائف اذا كان يخاف نازله أو فعيل بمعنى مفعول أي مأمون أي أمن فيه المكاره من نحو الانتقام والآفات والتغير

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ } في موضع قيام، والمراد بالقيام الثبات والملازمة كما في قوله تعالى: {أية : مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } تفسير : [آل عمران: 75] ويكنى به عن الإقامة لأن المقيم ملازم لمكانه، وهو مراد من قال: {فِي مَقَامٍ} أي موضع إقامة. وقرأ عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما وزيد بن علي وأبو جعفر وشيبة والأعرج والحسن وقتادة ونافع وابن عامر {مقام} بضم الميم ومعناه موضع إقامة، وعلى ما قررنا ترجع القراءتان إلى معنى واحد. {أَمِينٍ} يأمن صاحبه مما يكره فهو صفة من الأمن وهو عدم الخوف عما هو من شأنه، ووصف المقام به باعتبار أمن من آمن به فهو إسناد مجازي كما في نهر جار، وظاهر كلام الزمخشري أن ذلك استعارة من الأمانة كأن المكان مؤتمن وضع عنده ما يحفظه من المكاره ففيه استعارة مكنية وتخييلية، وقال ابن عطية: فعيل بمعنى مفعول أي مأمون فيه وليس بذاك، وجوز أن يكون للنسبة أي ذي أمن.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي انتقل به الكلام من وصف عذاب الأثيم إلى وصف نعيم المتقين لمناسبة التضاد على عادة القرآن في تعقيب الوعيد بالوعد والعكس. والمُقام بضم الميم: مكان الإقامة. والمَقام بفتح الميم: مكان القيام ويتناول المسكن وما يتبعه. وقرأه نافع وابنُ عامر وأبو جعفر بضم الميم. وقرأه الباقون بفتح الميم. والمراد بالمُقام المكان فهو مجاز بعلاقة الخصوص والعموم. والأمين بمعنى الآمِن والمراد: الآمن ساكنه، فوصفه بــ {أمين} مجاز عقلي كما قال تعالى: {أية : وهذا البلد الأمين}تفسير : [التين: 3]. والأمن أكبر شروط حسن المكان لأن الساكن أولُ ما يتطلب الأمن وهو السلامة من المكاره والمخاوف فإذا كان آمناً في منزله كان مطمئن البال شاعراً بالنعيم الذي يناله. وأبدل منه بأنهم {في جنات وعيون} وذلك من وسائل النزهة والطيب. وأعيد حرف {في} مع البدل للتأكيد. والجنات: جمع جنة، وتقدم في أول البقرة. والعيون: جمع عين، وتقدم في قوله: { أية : فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً } تفسير : في سورة البقرة (60)، فهذا نعيم مكانهم. ووُصف نعيم أجسادهم بذكر لباسهم وهو لباس الترف والنعيم وفيه كناية عن توفر أسباب نعيم الأجساد لأنه لا يَلبس هذا اللّباسَ إلا من استكمل ما قبله من ملائمات الجسد باطنهِ وظاهره. والسندس: الديباج الرقيق النفيس، والأكثر على أنه معرب من الفارسية وقيل عربي. أصله: سِنْدِي، منسوب إلى السنِد على غير قياس. والسندس يلبس مما يلي الجسد. والإستبرق: الديباج القوي يلبس فوق الثياب وهو معرب (استبره) فارسية، وهو الغليظ مطلقاً ثم خص بغليظ الديباج، ثم عُرب. وتقدما في قوله { أية : ويلبسون ثياباً خضراً من سندس وإستبرق } تفسير : في سورة الكهف (31) فارجع إليه. و{من} لبيان الجنس، والمبيَّن محذوف دل عليه {يلبسون}. والتقدير: ثياباً من سندس وإستبرق. ثم وُصف نَعيم نفوسهم بعضِهم مع بعض في مجالسهم ومحادثاتهم بقوله: {متقابلين} لأن الحديث مع الأصحاب والأحبّة نعيم للنفّس فأغنَى قوله: {متقابلين} عن ذكر اجتماعهم وتحابهم وحديث بعضهم مع بعض وأن ذلك شأنهم أجمعين بأن ذكر ما يستلزم ذلك وهو صيغة متقابلين ومادتُه على وجه الإيجاز البديع.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: إن المتقين في مقام أمين: أي إن الذين اتقوا ربهم في الدنيا فآمنوا وعملوا الصالحات بعد اجتناب الشرك والمعاصي في مجلس آمين لا يلحقهم فيه خوف بحال. في جنات وعيون: هذا هو المقام الأمين. من سندس وإستبرق: أي مارق من الديباج، وما غلظ منه. متقابلين: أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لأن الأسرة تدور بهم. كذلك، وزوجناهم: أي الأمر كذلك وزوجناهم. بحور عين: أي بنساء بيض واسعات الأعين. يدعون فيها: أي يطلبون الخدم فيها أن يأتوهم بكل فاكهة. آمنين: أي من انقطاعها ومن مضراتها ومن كل مخوفٍ. لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى: أي لكن الموتة الأولى فقد ذاقوها. فإنما يسرناه بلسانك: أي سهلنا القرآن بلغتك. لعلهم يتذكرون: أي يتعظون فيؤمنون ويوحدون لكنهم لا يؤمنون. فارتقب إنهم مرتقبون: أي فانتظر هلاكهم فإنهم منتظرون هلاكك. معنى الآيات: لما ذكر تعالى حال أهل النار عقب عليه بذكر حال أهل الجنة وهذا هو أسلوب الترغيب والترهيب الذي تميز به القرآن الكريم لأنه كتاب دعوة وهداية زيادة على أنه كتاب تشريع وأحكام فقال عز من قائل: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} فأخبر تعالى أن الذين اتقوه في الدنيا فآمنوا به وأطاعوه في أمره ونهيه ولم يشركوا به هؤلاء في مقام آمين أي في مجلس آمن لا يلحقهم فيه خوف، وبين ذلك المقام الآمن بقوله {فِي جَنَّاتٍ} أي بساتين وعيون. يلبسون أي ثيابهم من سندس واستبرق، والسندس مارق من الحرير والاستبرق ما غلظ منه، وقوله متقابلين أي لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لأن الأسرة التي هم عليها تدور وقوله تعالى: {كَذَلِكَ} أي الأمر كذلك أي كما وصفنا وزوجناهم بحور عين، الحوراء من النساء البيضاء ومن في عينيها حورٌ وهو كِبَر بياض العين على سوادها والعِينُ جمع عيناء وهي واسعة العينين، وقوله {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} أي يطلبون الخدمة أن يوافوهم بكل فاكهة حال كونهم آمنين من انقطاعها ومن ضررها ومن كل مخوف يلحق بسببها أو بسبب غيرها. وقوله تعالى: {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} أي لا يذوقون في الجنة الموت بعد الموتة الأولى التي ذاقوها فى الدنيا فإن أهلها لا يمرضون ولا يهرمون ولا يموتون وقوله تعالى: {وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}، وهذا دال على أن غير المتقين من الموحدين قد يذوقون عذاب الجحيم قبل دخولهم الجنة بخلاف المتقين فإنهم لا يدخلون النار البتة وقوله تعالى: {فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ} أي كان ذلك الإنعام والتكريم فضلا من ربك إذ لم يستوجبوه لمجرد تقواهم وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم حديث : "سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم الجنة عمله" قالوا ولا أنت يا رسول الله قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"تفسير : . وقوله ذلك هو الفوز العظيم. أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم وهو كما في قوله من سورة آل عمران: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [الآية: 185]. وقوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} أي فإنما سهلنا القرآن بلغتك العربية لعلهم يتذكرون فيتعظون فيؤمنون ويتقون، لكن أكثرهم لم يتعظ فارتقب ما يحل بهم فإنهم منتظرون ما يكون لك من نجاح أو إخفاق. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- فضل التقوى وكرامة أهلها والتقوى هي خشية من الله تحمل على طاعة الله بفعل محابه وترك مكارهه. 2- بيان شيء من نعيم أهل الجنة ترغيباً في العمل لها. 3- تقرير عقيدة البعث والجزاء. 4- بيان الحكمة من تسهيل فهم القرآن الكريم وهو الاتعاظ المقتضي للتقوى.

د. أسعد حومد

تفسير : (51) - وَبَعدَ أَنْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى الأَشْقِياءَ وَحَالَهم يَوْمَ القِيَامةِ، وَمَا يُلاَقُونَهُ مِنْ أهوالٍ وعَذابٍ، أَتبَع ذَلِكَ بِبَيَانِ حَالِ المؤْمِنينَ الصَّالِحِينَ في ذَلِكَ اليَومِ الشَّدِيدِ الهَوْلِ، فَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الذِينَ اتَّقَوا اللهَ في الدُّنيا سَيكُونُونَ في مَكَانٍ يُقِيمُونَ فيهِ، وَيَأْمَنُونَ فيهِ المَوْتَ وَالهَمَّ والحُزْنَ والعَذَابَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الجمع بين المتقابلات من أساليب الأداء القرآني، لأن التقابل يُزيد الصورة وضوحاً. وقد فَطِن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال: شعر : فَالوَجْهُ مثْلُ الصُّبْح مُبْيضٌ وَالشَّعْر مثْل الليْل مُسْودّ ضِدّانِ لمَّا استجْمعَا حَسُنَا وَالضُّد يظهِرُ حُسْنَهُ الضدّ تفسير : ومن ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} تفسير : [الانفطار: 13-14] وعليك أنت أنْ تعقد مقارنة وأنْ تختار، لذلك الحق سبحانه بعد أنْ حدثنا عن مصير المجرمين وما أعدَّه لهم من ألوان العذاب يذكر سبحانه مصير المتقين وما أعدَّه لهم من النعيم. {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان: 51] والمتقي هو الذي يجعل بينه وبين صفات جلال الله وقايةَ صفات الجلال، مثل: القهار الجبار المنتقم ذي البطش الشديد، فاجعل أيها المؤمن بينك وبين هذه الصفات من الله وقايةً، لأنك لا تحتمل صفات الجلال من الله. لذلك قال تعالى {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [البقرة: 278] وقال: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ..} تفسير : [البقرة: 24] لأنها جندي من جنود صفات القهر والجلال. إذن: هما يُؤدِّيان نفس المعنى. وقوله {فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان: 51] المقام هو مكان الإقامة أو المسكن الذي تسكن فيه وله أجزاء، تقعد في جزء وتنام في جزء وهكذا، لكن من أهم مُقوِّمات المسكن أنْ يكون آمناً تأمن فيه على نفسك ومالك. لذلك حينما نفكر في إقامة مدينة سكنية لا بدَّ أنْ نوفر لها أولاً مقوِّمات الأمان لساكنيها، وأول هذه المقوِّمات أنْ تكونَ بعيدةً عن مراتع الوحوش والحيوانات المفترسة، كذلك آمناً من السرقة أو الخائن، وهو البشر الذي يتغلغل فيك في بيتك، ويزعجك بحيث إذا كنت نائماً أو قاعداً قمتَ ووقفتَ له. فالمكان الأمين أو المقام الأمين هو الذي تأمن فيه من كل شيء إذن: الأمن في المَقام، فوق الأمن في المُقام بالضم. لذلك سيدنا إبراهيم دعا ربه {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ..} تفسير : [البقرة: 126] يعني: أمناً عاماً كما يشترط في أيِّ بلد. فلما أعطاه هذه دعا بالأمن الخاص، فقال: {أية : رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً ..} تفسير : [إبراهيم: 35] ثم أعطاه الحق سبحانه آمنا فوق هذا كله، وهو حرمة البيت الحرام فقال: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ..} تفسير : [آل عمران: 97] حتى أن الرجل كان يَلْقى فيه قاتلَ أبيه فلا يتعرَّض له لحرمة البيت. لذلك لما حدثتْ أحداثُ البيت الحرام، وأُطلِقَ فيه النار وفُزِّع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة مَن انتهز هذه الفرصة وأخذ يُشكِّك في قوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية. وينبغي هنا أنْ نُفرِّق بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى: {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} تفسير : [آل عمران: 97] لا يعني الإخبار بأن مَنْ دخله كان آمناً، إنما المراد منه: أطلب منكم أنْ تُؤمِّنوا مَنْ دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أنْ نُطيعه فنُؤمِّن مَنْ دخله، ويحتمل ألاَّ نطيع فنُروِّع مَنْ دخله. إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليستْ خبراً، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ ..} تفسير : [النور: 26] البعض يفهم الآية على أن فيها إخباراً من الله تعالى بأن الخبيثات من النساء لابدّ أنْ يكُنَّ للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع المجتمع خلافَ ذلك فيشكّ في صدق الآية. لكن المعنى غير ذلك، المعنى تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر شرعيّ قد يُطاع من البعض، وقد يُعصَى من آخرين. والحكمة والصواب في اتباع أوامر الله ليحصلَ التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفَّة الحياة الزوجية، فلو تصوَّرنا رجلاً طيباً يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم توافق ثم يُعيِّرها الزوج بماضيها ويُذلها بسيئاتها السابقة، أما إنْ أخذ الخبيثُ الخبيثةَ حدث التوافق، وإنْ قال لها: أنت كنتِ، قالت له: وأنت كنتَ. إذن: الحق سبحانه فرض أشياءَ كونيةً لا تختلف أبداً، ولا يعارضها واقعُ الحياة، وفرْض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلّف يعمل بها أو لا يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليستْ أمراً كونياً، إنما هي أمر شرعي، كأن الله يقول: يا مَنْ تؤمن بأمر شرعي نفِّذ هذا الكلام. وقوله تعالى: {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 52] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإنْ كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون من الترف وزيادة النعمة. وقال {وَعُيُونٍ} [الدخان: 52] لأن الجنات لابدَّ لها من عيون تروي زرعها، وتُغذِّي ثمارها، وبعد أنْ ضمن لهم الأمن وترف الحياة يضمن لهم الملبس الحسن {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53]. السندس هو الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك الغليظ، وهذا يدل أيضاً على الرفاهية والرِّياش الدَّال على الفخفخة؛ لأن اللباسَ منه الضروريّ الذي يستر العورة، ومنه الرياش، لأنهم كانوا يُزينون اللباس بريش النعام، لذلك يقولون حتى الآن (فلان متريش) يعني: عنده رفاهية في عيشه. قال تعالى: {أية : يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ..} تفسير : [الأعراف: 26]. إذن: هذه ثلاثة أنواع من اللباس: لباس ضروري يُواري العورة، ولباس الترف والزينة، ولباس التقوى، وهو أفضلها وخيرها، لأن قُصارى ما تأخذه من اللباس هو ستْر عورتك في الدنيا وإظهارك بمظهر حسن بين الناس، فهو لباس موقوت بعمرك في الدنيا، وربما يموت الإنسان بعد أنْ ينزل من بطن أمه مباشرة، فلا يكون له نصيب من هذا اللباس، ولا يكون له عورة تُستر. أما لباس التقوى فهو زينةٌ لك في الدنيا ونجاةٌ لك في الآخرة دار البقاء ودار الخلود؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذٰلِكَ خَيْرٌ ..} تفسير : [الأعراف: 26]. نلاحظ أن الحق سبحانه بعد أنْ ذكر ما أعدَّه للكافرين من عقاب ذكر ما أعدَّه للمؤمنين به المُصدِّقين برسله، وجعل يوم القيامة يوماً للفصل بينهما {أية : إِنَّ يَوْمَ ٱلْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الدخان: 40]. والفصل يكون بين شيئين اتحدوا في أمر واختلفا في آخر، فالمؤمنون والكافرون اتحدوا في الوجود وفي عطاء الربوبية والتمتُّع بنعم الله تعالى في الدنيا، فالله تعالى جعل مُقوِّمات الحياة للجميع: الماء والهواء والطعام. فهم فيه سواء لأنه ربُّهم جميعاً وخالقهم، وهو الذي استدعاهم للوجود، فلابدَّ أنْ يضمَنَ لهم مُقوِّمات حياتهم، لكن جعل هذه المقومات على مراتب، فلما تكلَّم عن اللباس قال: {أية : يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ ..} تفسير : [الأعراف: 26] ولم يخُصَّ المؤمنين، لأن هذا العطاء عطاء ألوهية. {أية : قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 26] إذن: هما شركاء في اللباس الضروري الذي يُواري العورة، وفي الرياش الدال على الأُبَّهة والزينة الزائدة عن الضرورة، وهذه كلها من مُتع الحياة الدنيا، أما لباس التقوى ففصَله عن سابقيه، لأنه لباسٌ خاصّ بأهل الإيمان. إذن: بعد أنْ سوَّى الله بيننا جميعاً في عطاء الربوبية لأن الجميع عباده جاء يوم الفَصْل، حيث يأخذ كلٌّ منا ما يستحقه، فالأمر في الآخرة مختلف، فللكافرين شجرة الزقوم التي تغلي في البطون كغَلْي الحميم، أما المتقون ففي جنات وعيون في مقام أمين. كلمة (سُنْدس) و (إستبرق) من أصل فارسي دخلتْ العربية، واستعملها القرآن الكريم على أنها كلمة عربية سارتْ على ألسنة العرب؛ لذلك وقف المستشرقون عند هذه الكلمات ومثلها القسطاس وغيرها، ولا غضاضةَ أنْ تستخدم اللغةُ ألفاظ لغة أخرى. وما دامتْ هذه الكلمات دخلتْ على العربي، واستخدمها وفهم معناها حتى أصبحت جزءاً من لغته التي يتفاهم بها، فما المانع من استخدامها ككلمات عربية؟ ونحن الآن مثلاً نستخدم كلمة (بنك) وهي غير عربية، وربما نجدها أخفَّ وأرقّ من كلمة مصرف العربية. وقوله تعالى: {مُّتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53] في وَصْف أهل الجنة وكيفية إقامتهم فيها، والتقابل يدلُّ على الأُنْس حين تكون الوجوه متقابلة متواصلة متقاربة، وضدها متدابرة، والتدابر لا يكون إلا في الخصام، فكلمة {مُّتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53] تدل على أُنْس أهل الجنة بعضهم ببعض، ومحبتهم وتآلفهم. ثم يقول سبحانه: {كَذَلِكَ ..} [الدخان: 54] يعني: مثل هذا النعيم وزيادة عليه {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] الفعل زوَّج يتعدَّى بنفسه ويتعدَّى بالباء، تقول: زوَّجته فلانة يعني: جعلتُها زوجة له، وهو الزواج الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى. أما زوَّجته بكذا يعني: أضفتُ إليه فرداً مثله يُكوِّن معه زوجاً، وليس من الضروري أن يكون أنثى، فقوله تعالى: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] تعدَّتْ بالباء. فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأُنْس بالجمال الذي هو قمة ما نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها؛ لأننا في الآخرة سنُخلق خَلْقاً جديداً غير هذا الخَلْق الذي نعيشه، بدليل أنك تأكل في الجنة ولا تتغوَّط. وعليه فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكَر والأنثى؛ لأن المتعة هناك متعة النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأُنْس بقيم أخرى غير التي نعرفها الآن. وقوله {بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] حور: جمع حوراء وهي من نساء الجنة، والحَوَر صفة في العين تعني: شدة البياض وشدة السواد في العين (وعِين) جمع عَيْناء، وهي الواسعة العينين مع جمالهما. إنك إذا نظرتَ إلى فمها لوجدتَ أنه أصغر من عينها مرتين، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل خاتم سليمان، ولك أنْ تتخيَّل هذا المنظر. ولما كان زواجُ الرجل بالمرأة من أعظم مُتَع الدنيا، ويحرص عليه كلٌّ من الرجل والمرأة حينما يبلغان الرشد جعله الله من مُتع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى، جعله الله من متع الآخرة بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة إيناسٌ بما كنتم تعتبرونه نعمةً في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، في الآخرة أنقى لكم الأشياء من مُنغِّصاتها التي كانت في الدنيا. أرأيتم مثلاً ما في الدنيا من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، لكن بعدَ أنْ نُصفِّيها لكم مما يُنغِّصها، فجعل خمر الآخرة لذةً للشاربين، وخمر الدنيا لا لذةَ فيه، وجعل اللبن لا يتغيَّر طعمه، وجعل الماء غير آسن. كذلك جعل الزواج نقياً من شوائبه في الدنيا ومُنغِّصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم الله في مُستقر رحمته في الجنة يجد الزوجُ زوجته في الدنيا على هيئة أخرى؛ لأن الله تعالى طهَّرها له ونقَّاها من عيوبها التي كان يأخذها عليها في الدنيا. فلو كانتْ مثلاً غير جميلة وجدها على أجمل ما تكون النساء، ولو كانت في الدنيا طويلة اللسان وجدها على أحسن ما يكون، لأن الله سيُنشئهنَّ نشأةً جديدة: {أية : إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً * لأَصْحَابِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [الواقعة: 35-38] وقال {أية : وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ..} تفسير : [آل عمران: 15]. إذن: قوله سبحانه: {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] هذه الباء نفهم منها أنه زواجٌ غير الذي نعرفه في الدنيا بين الرجل والمرأة، وأنه بعيد عن المسألة إياها، لأن الحياة الأخرى لها نعيمٌ آخر ومقاييس أخرى غير ما نعرفه في الدنيا. وكلمة (حور عين) تلفت الأذهان إلى متعة النظر والتلذذ به، كما ينظر الإنسان إلى صديق يحبه، فإذا اقتنع واكتفى بهذه النعمة فأهلاً وسهلاً، وإذا لم يقنعه النظر، ففي الجنة ما تشتهيه الأنفسُ ويلذّ الأعين.

الجيلاني

تفسير : ثم ذكر سحبانه على مقتضى سنته المستمرة مستقر المؤمنين المتقين ومنزلتهم في النشأة الأخرى، قال: {إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ} المجتنبين عن محارم الله في عموم أوقاتهم وحالاتهم، بعدما انقرضوا عن نشأة الأختبار والابتلاء {فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان: 51] أي: مقر مأمور مصون عن طريان التغير والانتقال، محروس عن وصمة الغفلة والضلال، وبالجملة: {فِي جَنَّاتٍ} منتزهات من العلم والعين والحق {وَعُيُونٍ} [الدخان: 52] جاريات من أنواع المعارف والحقائق والكشوفات والشهودات، ومن كمال تلذذهم وترفههم باللذات الروحانية {يَلْبَسُونَ} من ألبسة أرباب الكشف والشهود في مراقي درجات القرب والوصول {مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ} أي: مما رق وغلظ من عروض المعارف والحقائق إلى أن صاروا {مُّتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53] في المحبة، متماثلين في الوجد والحضور. {كَذَلِكَ} ينكشف لهم الأمر بعد انقراضهم عن نشأة الدنيا وعالم الحجبات {وَ} مع ذلك القرب والوصول والوجد والحضور {زَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ} [الدخان: 54] مصورة من الأعمال الصالحة والأخلاق المرضية والخصائل السنية التي تأدبوا بها عند ربه في النشأة الأولى. {يَدْعُونَ} أي: يطالب بعضهم بعضاً حين تمكنهم واستقرارهم {فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ} ملذة لأزواجهم واستعداداتهم من الفواكه الحاصلة لهم من شجرة اليقين العلمي والعيني والحقي {آمِنِينَ} [الدخان: 55] من غوائل الشيطان وتسويلاته وتزييناته كما في النشأة الأولى، وبالجملة: هم أحياء عند ربهم بحياته الأزلية الأبدية، باقون دائمون ببقائه السرمدي، بحيث {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ} أي: طعم مرارة الموت المعطل عن التلذذ باللذات الروحانية {إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} التي ذاقوها عند افتراقهم عن لوازم نشأة الإمكان وانقطاعهم عن مقتضيات عالم الناسوت {وَ} بالجملة: بعدما وصلوا إلى فضاء الوجود، وحصلوا في عالم اللاهوت {وَقَاهُمْ} وحفظهم {عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [الدخان: 56] أي: عن عذاب بقعة الإمكان ونشأة الناسوت. وبالجملة: إنما أعطوا ما أعطوا {فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ} يا أكمل الرسل وبمقتضى كرمه وجوده بلا استحقاق منهم واستجلاب بطاعاتهم {ذَلِكَ} الذي بشر الله به عباده المتقين {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [الدخان: 57] والفضل الجسيم، لا فوز أعظم منه وأعلى. {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ} وسهلناه أي: المذكور في القرآن من المعارف والحقائق والرموز والإشارات التي خلت عنها سائر الكتب {بِلِسَانِكَ} وبناء على لغتكت {لَعَلَّهُمْ} أي: الأعراب {يَتَذَكَّرُونَ} [الدخان: 58] أي: يفهمونه ويتعظون بما فيه، كي يتفطنوا إلى كنوز رموزه وبعدما لم يؤمنوا بك ولم يقصدوا كتابك، فكيف التذكر والاتعاظ بما فيه، وبالجملة: {فَٱرْتَقِبْ} وانتظر يا أكمل الرسل ما ينزل عليهم من العذاب {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} [الدخان: 59] منتظرون أيضاً بما ينزل عليك من القهر والغضب على زعمهم الفاسد. جعلنا الله من المتذكرين الفائزين من عنده سبحانه بالفوز العظيم بمنه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها السالك المراقب لنفحات الحق ونسمات لطفه الموهبة من عالم قدسه في عموم أحوالك: أن تلازم بالتقوى عن محارم الله، والاجتناب عن منهياته المنافية لآداب العبودية، وتداوم على التخلق بالأخلاق المرضية الإلهية، والاشتغال بالطاعات المقربة نحوه، والإعراض عن الملاهي الملهية عن التوجه إليه؛ لتكون من جملة المتقين الفائزين من عنده سبحانه بالفوز العظيم والفضل الكريم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أرباب اليقين من المتقين بقوله: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان: 51]، يشير إلى أن من اتقى بالله عما سواه يكون مقام الوحدة آمن خوف الإثنينية، وأن يكون بالصورة {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 52]، {يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ} [الدخان: 53]، بالقلوب متوجهين إلى الحضرة، {كَذَلِكَ} [الدخان: 54] متوجهين بالقلوب إلى الحضرة، {وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ}، في الصورة، {يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان: 55]، يشتهون آمنين من أن يتولد عنها الحجب للقلوب، كما يكون في الدنيا، {لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ} [الدخان: 56]؛ أي: موت النفس سبقت بسيف المجاهدة وقمع الهوى وترك الشهوات، {إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} [الدخان: 56] في الدنيا بقتل النفس بسيف الصدق في الجهاد الأكبر، {وَوَقَاهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ} [الدخان: 56]؛ أي: عذاب البعد وجحيم الهجران، {فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ} [الدخان: 57]، لا استحقاقاً لهم، {ذَلِكَ} [الدخان: 57]؛ أي: ذلك المقام الوحداني {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} [الدخان: 57]؛ أي: الخلاص من حبس الوجود، {لَعَلَّهُمْ} [الدخان: 58]؛ يعني: تقرير هذا المقام في الوحدة {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} [الدخان: 58]؛ يعني: خواص أمتك {يَتَذَكَّرُونَ} [الدخان: 58] أن هذا المقام بعد لهم، {فَٱرْتَقِبْ} [الدخان: 59] ظهور هذه الطائفة {إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ} [الدخان: 59]، وإن طلبهم وظهورهم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا جزاء المتقين لله الذين اتقوا سخطه وعذابه بتركهم المعاصي وفعلهم الطاعات، فلما انتفى السخط عنهم والعذاب ثبت لهم الرضا من الله والثواب العظيم في ظل ظليل من كثرة الأشجار والفواكه وعيون سارحة تجري من تحتهم الأنهار يفجرونها تفجيرا في جنات النعيم. فأضاف الجنات إلى النعيم لأن كل ما اشتملت عليه كله نعيم وسرور، كامل من كل وجه ما فيه منغص ولا مكدر بوجه من الوجوه. ولباسهم من الحرير الأخضر من السندس والإستبرق أي: غليظ الحرير ورقيقه مما تشتهيه أنفسهم. { مُتَقَابِلِينَ } في قلوبهم ووجوههم في كمال الراحة والطمأنينة والمحبة والعشرة الحسنة والآداب المستحسنة. { كَذَلِكَ } النعيم التام والسرور الكامل { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عين } أي: نساء جميلات من جمالهن وحسنهن أنه يحار الطرف في حسنهن وينبهر العقل بجمالهن وينخلب اللب لكمالهن { عينٍ } أي: ضخام الأعين حسانها. { يَدْعُونَ فِيهَا } أي: الجنة { بِكُلِّ فَاكِهَةٍ } مما له اسم في الدنيا ومما لا يوجد له اسم ولا نظير في الدنيا، فمهما طلبوه من أنواع الفاكهة وأجناسها أحضر لهم في الحال من غير تعب ولا كلفة، { آمِنِينَ } من انقطاع ذلك وآمنين من مضرته وآمنين من كل مكدر، وآمنين من الخروج منها والموت ولهذا قال: { لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى } أي: ليس فيها موت بالكلية، ولو كان فيها موت يستثنى لم يستثن الموتة الأولى التي هي الموتة في الدنيا فتم لهم كل محبوب مطلوب، { وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلا مِنْ رَبِّكَ } أي: حصول النعيم واندفاع العذاب عنهم من فضل الله عليهم وكرمه فإنه تعالى هو الذي وفقهم للأعمال الصالحة التي بها نالوا خير الآخرة وأعطاهم أيضا ما لم تبلغه أعمالهم، { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } وأي فوز أعظم من نيل رضوان الله وجنته والسلامة من عذابه وسخطه؟ { فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ } أي: القرآن { بِلِسَانِكَ } أي: سهلناه بلسانك الذي هو أفصح الألسنة على الإطلاق وأجلها فتيسر به لفظه وتيسر معناه. { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ما فيه نفعهم فيفعلونه وما فيه ضررهم فيتركونه. { فَارْتَقِبْ } أي: انتظر ما وعدك ربك من الخير والنصر { إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ } ما يحل بهم من العذاب وفرق بين الارتقابين: رسول الله وأتباعه يرتقبون الخير في الدينا والآخرة، وضدهم يرتقبون الشر في الدنيا والآخرة. تم تفسير سورة الدخان، ولله الحمد والمنة