Verse. 4474 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

حٰـمۗ۝۱ۚ
Hameem

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«حم» الله أعلم بمراده به.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله {حم، تنزيل الكتاب} وجوهاً الأول: أن يكون {حـم } مبتدأ و {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } خبره وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف مضاف، والتقدير تنزيل حم، تنزيل الكتاب، و {مِنَ ٱللَّهِ } صلة للتنزيل الثاني: أن يكون قوله {حـم } في تقدير: هذه حم ثم نقول {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } واقع من الله العزيز الحكيم الثالث: أن يكون {حـم } قسماً و{تنْزِيل ٱلْكِتَـٰبِ } نعتاً له، وجواب القسم {إِنَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } والتقدير: وحم الذي هو تنزيل الكتاب أن الأمر كذا وكذا. المسألة الثانية: قوله {ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ } يجوز جعلهما صفة للكتاب، ويجوز جعلهما صفة لله تعالى، إلا أن هذا الثاني أولى، ويدل عليه وجوه الأول: أنا إذا جعلناهما صفة لله تعالى كان ذلك حقيقة، وإذا جعلناهما صفة للكتاب كان ذلك مجازاً والحقيقة أولى من المجاز الثاني: أن زيادة القرب توجب الرجحان الثالث: أنا إذا جعلنا العزيز الحكيم صفة لله كان ذلك إشارة إلى الدليل الدال على أن القرآن حق، لأن كونه عزيزاً يدل على كونه قادراً على كل الممكنات وكونه حكيماً يدل على كونه عالماً بجميع المعلومات غنياً عن كل الحاجات، ويحصل لنا من مجموع كونه تعالى: عزيزاً حكيماً كونه قادراً على جميع الممكنات، عالماً بجميع المعلومات، غنياً عن كل الحاجات، وكل ما كان كذلك امتنع منه صدور العبث والباطل، وإذا كان كذلك كان ظهور المعجز دليلاً على الصدق، فثبت أنا إذا جعلنا كونه عزيزاً حكيماً صفتين لله تعالى يحصل منه هذه الفائدة، وأما إذا جعلناهما صفتين للكتاب لم يحصل منه هذه الفائدة، فكان الأول أولى، والله أعلم. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآَيَـٰتٍ لّلْمُؤْمِنِينَ } وفيه مباحث: البحث الأول: أن قوله {إِنَّ فِى * ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآَيَاتٍ } يجوز إجراؤه على ظاهره، لأنه حصل في ذوات السموات والأرض أحوال دالة على وجود الله تعالى مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار موجودة في السموات والأرض وهي آيات، ويجوز أن يكون المعنى: إن في خلق السموات والأرض كما صرّح به في سورة البقرة في قوله { أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [البقرة: 164] وهو يدل على وجود القادر المختار في تفسير قوله { أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 1]. البحث الثاني: قد ذكرنا الوجوه الكثيرة في دلالة السموات والأرض على وجود الإله القادر المختار في تفسير قوله {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ولا بأس بإعادة بعضها فنقول إنها تدل على وجود الإله من وجوه: الأول: أنها أجسام لا تخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث فهذه الأجسام حادثة وكل حادث فله محدث الثاني: أنها مركبة من الأجزاء وتلك الأجزاء متماثلة، لما بينا أن الأجسام متماثلة، وتلك الأجزاء وقع بعضها في العمق دون السطح وبعضها في السطح دون العمق فيكون وقوع كل جزء في الموضع الذي وقع فيه من الجائزات وكل جائز فلا بد له من مرجح ومخصص الثالث: أن الأفلاك والعناصر مع تماثلها في تمام الماهية الجسمية اختص كل واحد منها بصفة معينة كالحرارة والبرودة واللطافة والكثافة الفلكية والعنصرية، فيكون ذلك أمراً جائزاً ولا بد لها من مرجح الرابع: أن أجرام الكواكب مختلفة في الألوان مثل كمودة زحل، وبياض المشتري، وحمرة المريخ، والضوء الباهر للشمس، ودرية الزهرة، وصفرة عطارد، ومحو القمر، وأيضاً فبعضها سعيدة، وبعضها نحسة، وبعضها نهاري ذكر، وبعضها ليلي أنثى، وقد بينا أن الأجسام في ذواتها متماثلة، فوجب أن يكون اختلاف الصفات لأجل أن الإله القادر المختار خصص كل واحد منها بصفته المعينة الخامس: أن كل فلك فإنه مختص بالحركة إلى جهة معينة ومختص بمقدار واحد من السرعة والبطء، وكل ذلك أيضاً من الجائزات، فلا بد من الفاعل المختار السادس: أن كل فلك مختص بشيء معين وكل ذلك أيضاً من الجائزات، فلا بد من الفاعل المختار، وتمام الوجوه مذكور في تفسير تلك الآيات. البحث الثالث: قوله {لآَيَـٰتٍ لّلْمُؤْمِنِينَ } يقتضي كون هذه الآيات مختصة بالمؤمنين، وقالت المعتزلة إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آيات إلى المؤمنين، ونظيره قوله تعالى: { أية : هُدىً لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] فإنه هدىً لكل الناس كما قال تعالى: { أية : هُدىً لّلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 185] إلا أنه لما انتفع بها المؤمن خاصة لا جرم قيل {هُدىً لّلْمُتَّقِينَ } فكذا ههنا، وقال الأصحاب الدليل والآية هو الذي يترتب على معرفته حصول العلم، وذلك العلم إنما يحصل بخلق الله تعالى لا بإيجاب ذلك الدليل، والله تعالى إنما خلق ذلك العلم للمؤمن لا للكافر فكان ذلك آية دليلاً في حق المؤمن لا في حق الكافر والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌ لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } وفيه مباحث: البحث الأول: قال صاحب «الكشاف»: قوله {وَمَا يَبُثُّ } عطف على الخلق المضاف لا على الضمير المضاف إليه، لأن المضاف ضمير متصل مجرور والعطف عليه مستقبح، فلا يقال مررت بك وزيد، ولهذا طعنوا في قراءة حمزة { أية : تَسَاءلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ } تفسير : [النساء: 1] بالجر في قوله {وَٱلأَرْحَامَ } وكذلك إن الذين استقبحوا هذا العطف، فلا يقولون مررت بك أنت وزيد. البحث الثاني: قرأ حمزة والكسائي {ءَايَـٰتِ } بكسر التاء وكذلك الذي بعده {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ ءَايَـٰتٌ } والباقون بالرفع فيهما، أما الرفع فمن وجهين ذكرهما المبرد والزجاج وأبو علي: أحدهما: العطف على موضع إن وما عملت فيه، لأن موضعهما رفع بالابتداء فيحمل الرفع فيه على الموضع، كما تقول إن زيداً منطلق وعمر، و { أية : أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ } تفسير : [التوبة: 3] لأن معنى قوله {أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء } أن يقول الله برىء من المشركين ورسوله، والوجه الثاني: أن يكون قوله {وَفِي خَلْقِكُمْ } مستأنفاً، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة أخرى كما تقول إن زيداً منطلق وعمرو كاتب، جعلت قولك وعمرو كاتب كلاماً آخر، كما تقول زيد في الدار وأخرج غداً إلى بلد كذا، فإنما حدثت بحديثين ووصلت أحدهما بالآخر بالواو، وهذا الوجه هو اختيار أبي الحسن والفراء، وأما وجه القراءة بالنصب فهو بالعطف على قوله {إِنَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } على معنى وإن في خلقكم لآيات ويقولون هذه القراءة إنها في قراءة أُبي وعبد الله {لآيَاتٍ } ودخول اللام يدل على أن الكلام محمول على إن. البحث الثالث: قوله {وَفِي خَلْقِكُمْ } معناه خلق الإنسان، وقوله {وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ } إشارة إلى خلق سائر الحيوانات، ووجه دلالتها على وجود الإله القادر المختار أن الأجسام متساوية فاختصاص كل واحد من الأعضاء بكونه المعين وصفته المعينة وشكله المعين، لا بد وأن يكون بتخصيص القادر المختار، ويدخل في هذا الباب انتقاله من سن إلى سن آخر ومن حال إلى حال آخر، والاستقصاء في هذا الباب قد تقدم. ثم قال تعالى: {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } وهذا الاختلاف يقع على وجوه: أحدها: تبدل النهار بالليل وبالضد منه وثانيها: أنه تارة يزداد طول النهار على طول الليل وتارة بالعكس وبمقدار ما يزداد في النهار الصيفي يزداد في الليل الشتوي وثالثها: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. ثم قال تعالى: {وَمَا أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِّن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } وهو يدل على القول بالفاعل المختار من وجوه أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر منه وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة وأغصانها وأوراقها وثمارها ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللب كالجوز واللوز، ومنها ما يكون اللب محيطاً بالقشر كالمشمش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً من القشر كالتين، فتولد أقسام النبات على كثرة أصنافها وتباين أقسامها يدل على صحة القول بالفاعل المختار الحكيم الرحيم. ثم قال: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } وهي تنقسم إلى إقسام كثيرة بحسب تقسيمات مختلفة فمنها المشرقية والمغربية والشمالية والجنوبية، ومنها الحارة والباردة ومنها الرياح النافعة والرياح الضارة، ولما ذكر الله تعالى هذه الأنواع الكثيرة من الدلائل قال إنها آيات لقوم يعقلون. واعلم أن الله تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: { أية : إن في خلق السمـٰوات والأَرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون } تفسير : [البقرة: 164] فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل والتفاوت بين الموضعين من وجوه الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } وقال ههنا: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } والصحيح عند أصحابنا أن الخلق عين المخلوق، وقد ذكر لفظ الخلق في سورة البقرة ولم يذكره في هذه السورة تنبيهاً على أنه لا يتفاوت بين أن يقال السموات وبين أن يقال خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق عين المخلوق الثاني: أنه ذكر هناك ثمانية أنواع من الدلائل وذكر ههنا ستة أنواع وأهمل منها الفلك والسحاب، والسبب أن مدار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة فذكر الرياح الذي هو كالسبب يغني عن ذكرهما والتفاوت الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطعاً واحداً وههنا رتبها على ثلاثة مقاطع والغرض التنبيه على أنه لا بد من إفراد كل واحد منها بنظر تام شاف الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضوع ثلاثة مقاطع أولها: يؤمنون وثانيها: يوقنون وثالثها: يعقلون، وأظن أن سبب هذا الترتيب أنه قيل إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين بل أنتم من طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، واعلم أن كثيراً من الفقهاء يقولون إنه ليس في القرآن العلوم التي يبحث عنها المتكلمون، بل ليس فيه إلا ما يتعلق بالأحكام والفقه، وذلك غفلة عظيمة لأنه ليس في القرآن سورة طويلة منفردة بذكر الأحكام وفيه سور كثيرة خصوصاً المكيات ليس فيها إلا ذكر دلائل التوحيد والنبوّة والبعث والقيامة وكل ذلك من علوم الأصوليين، ومن تأمل علم أنه ليس في يد علماء الأصول إلا تفصيل ما اشتمل القرآن عليه على سبيل الإجمال. ثم قال تعالى: {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ } والمراد من قوله {بِٱلْحَقِّ } هو أن صحتها معلومة بالدلائل العقلية وذلك لأن العلم بأنها حقة صحيحة إما أن يكون مستفاداً من النقل أو العقل والأول باطل لأن صحة الدلائل النقلية موقوفة على سبق العلم بإثبات الإله العالم القادر الحكيم وبإثبات النبوّة وكيفية دلالة المعجزات على صحتها، فلو أثبتنا هذه الأصول بالدلائل النقلية لزم الدور وهو باطل، ولما بطل هذا ثبت أن العلم بحقيقة هذه الدلائل لا يمكن تحصيله إلا بمحض العقل، وإذا كان كذلك كان قوله {تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ } ومن أعظم الدلائل على الترغيب في علم الأصول وتقرير المباحث العقلية. ثم قال تعالى: {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } يعني أن من ينتفع بهذه الآيات فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به، وأبطل بهذا قول من يزعم أن التقليد كاف وبين أنه يجب على المكلف التأمل في دلائل دين الله، وقوله {يُؤْمِنُونَ } قرىء بالياء والتاء، واختار أبو عبيدة الياء لأن قبله غيبة وهو قوله {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } و {لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فإن قيل إن في أول الكلام خطاباً وهو قوله {وَفِى خَلْقِكُمْ } قلنا الغيبة التي ذكرنا أقرب إلى الحرف المختلف فيه والأقرب أولى، ووجه قول من قرأ على الخطاب أن قل فيه مقدر أي قل لهم فبأي حديث بعد ذلك تؤمنون.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{حمۤ } مبتدأ و {تَنزِيلُ} خبره. وقال بعضهم: «حمۤ» ٱسم السورة. و «تَنْزِيلُ الْكِتَابِ» مبتدأ. وخبره «مِنَ اللَّهِ». والكتاب القرآن. و «الْعَزِيزِ» المنيع. «الحكِيم» في فعله. وقد تقدّم جميع هذا.

البيضاوي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {حـم تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} إن جعلت {حـم} مبتدأ خبره {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } احتجت إلى إضمار مثل ذلك {تَنزِيلُ} {حـم}، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان {تَنزِيلُ} مبتدأ خبره: {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} وقيل {حـم} مقسم به و {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} صفته وجواب القسم: {إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ لأَيَـٰتٍ لّلْمُؤْمِنِينَ} وهو يحتمل أن يكون على ظاهره وأن يكون المعنى إن في خلق السمٰوات لقوله: {وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ} وَلاَ يحسن عطف ما على الضمير المجرور بل عطفه على المضاف إليه بأحد الاحتمالين، فإن بثه وتنوعه واستجماعه لما به يتم معاشه إلى غير ذلك دلائل على وجود الصانع المختار. {ءَايَاتٍ لِقَوْمٍ يُوقنُونَ} محمول على محل إن واسمها، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب حملاً على الاسم. {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَّن رِزْقٍ} من مطر وسماه رزقاً لأنه سببه. {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} يبسها. {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ} باختلاف جهاتها وأحوالها، وقرأ حمزة والكسائي «وتصريف الريح». {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فيه القراءتان ويلزمهما العطف على عاملين في والابتداء، أو أن إلا أن يضمر في أو ينصب {آيات} على الاختصاص أو يرفع بإضمار هي، ولعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور. {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ } أي تلك الآيات دلائله {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } حال عاملها معنى الإِشارة. {بِٱلْحَقّ } ملتبسين به أو ملتبسة به. {فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ تُؤمِنُونَ} أي بعد {آيات اللهِ }، وتقديم اسم {ٱللَّهِ } للمبالغة والتعظيم كما في قولك أعجبني زيد وكرمه أو بعد حديث {ٱللَّهِ } وهو[في] القرآن كقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ }تفسير : [الزمر: 23] و {ءايَـٰتُهُ} دلائله المتلوة أو القرآن، والعطف لتغاير الوصفين. وقرأ الحجازيان وحفص وأبو عمرو وروح {يُؤْمِنُونَ } بالياء ليوافق ما قبله. {وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ} كذاب. {أَثِيمٍ } كثير الآثام. {يَسْمَعُ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ} يقيم على كفره. {مُسْتَكْبِراً} عن الإِيمان بالآيات و {ثُمَّ } لاستبعاد الإِصرار بعد سماع الآيات كقوله:شعر : يَرَى غَمَرات ثُمَّ يَزُورهَا تفسير : {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} أي كأنه فخففت وحذف ضمير الشأن والجملة في موضع الحال، أي يصر مثل غير السامع. {فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } على إصراره والبشارة على الأصل أو التهكم. {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَـٰتِنَا شَيْئاً } وإذا بَلغه شيء من {ءايَـٰتِنَا } وعلم أنه منها. {ٱتَّخَذَهَا هُزُواً } لذلك من غير أن يرى فيها ما يناسب الهزء، والضمير لـ {ءايَـٰتِنَا } وفائدته الإِشعار بأنه إذا سمع كلاماً وعلم أنه من الآيات بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على ما سمعه، أو لشيء لأنه بمعنى الآية. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ }. {مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ } من قدامهم لأنهم متوجهون إليها، أو من خلفهم لأنها بعد آجالهم. {وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم } ولا يدفع عنهم. {مَّا كَسَبُواْ} من الأموال والأولاد. {شَيْئاً} من عذاب الله. {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } أي الأصنام. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } لا يتحملونه. {هَـٰذَا هُدًى} الإِشارة إلى القرآن ويدل عليه قوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص برفع {أَلِيمٌ } والـ {رِجْزَ } أشد العذاب. {ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ } بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه. {لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ } بتسخيره وأنتم راكبوها. {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } التجارة والغوص والصيد وغيرها. {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } هذه النعم.

ابن كثير

تفسير : يرشد تعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات والأرض، وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس، والأنواع من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل الله تبارك وتعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقاً؛ لأن به يحصل الرزق، {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء. وقوله عز وجل: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ} أي: جنوباً وشمالاً، ودبوراً وصباً، برية وبحرية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء للأرواح، ومنها ما هو عقيم لا ينتج، وقال سبحانه وتعالى أولاً: {لأَيَـٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} ثم {يُوقِنُونَ}، ثم {يَعْقِلُونَ}، وهو ترق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى، وهذه الآيات شبيهة بآية البقرة وهي قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 164] وقد أورد ابن أبي حاتم ههنا عن وهب بن منبه أثراً طويلاً غريباً في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {حم } الله أعلم بمراده به.

الشوكاني

تفسير : قوله: {حـم } قد تقدّم الكلام في هذه الفاتحة، وفي إعرابها، في فاتحة سورة "غافر"، وما بعدها، فإن جعل اسماً للسورة، فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ، وإن جعل حروفاً مسرودة على نمط التعديد، فلا محلّ له، وقوله: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } على الوجه الأوّل خبر ثان، وعلى الوجه الثاني خبر المبتدأ، وعلى الوجه الثالث خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ } ثم أخبر سبحانه بما يدل على قدرته الباهرة، فقال: {إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ لآيَـٰتٍ لّلْمُؤْمِنِينَ } أي: فيها نفسها، فإنها من فنون الآيات، أو في خلقها. قال الزجاج: ويدلّ على أن المعنى في خلق السمٰوات والأرض قوله: {وَفِى خَلْقِكُمْ } أي: في خلقكم أنفسكم على أطوار مختلفة. قال مقاتل: من تراب، ثم من نطفة إلى أن يصير إنساناً، {وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ ءايَـٰتٌ } أي: وفي خلق ما يبثّ من دابة، وارتفاع آيات على أنها مبتدأ مؤخر، وخبره الظرف قبله، وبالرفع قرأ الجمهور، وقرأ حمزة، والكسائي (آيات) بالنصب عطفاً على اسم إن، والخبر قوله: {وَفِى خَلْقِكُمْ } كأنه قيل: وإن في خلقكم وما يبثّ من دابة آيات، أو على أنها تأكيد لآيات الأولى. وقرأ الجمهور أيضاً {آيات لقوم يعقلون} بالرّفع، وقرأ حمزة، والكسائي بنصبها مع اتفاقهم على الجرّ في اختلاف، أما جرّ "اختلاف"، فهو على تقدير حرف الجرّ أي: في {َلَهُ ٱخْتِلَـٰف ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } آيات، فمن رفع آيات، فعلى أنها مبتدأ، وخبرها: في اختلاف، وأما النصب فهو من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين. قال الفراء: الرفع على الاستئناف بعد إنّ، تقول العرب: إنّ لي عليك مالاً، وعلى أخيك مال، ينصبون الثاني ويرفعونه، وللنحاة في هذا الموضع كلام طويل. والبحث في مسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين، وحجج المجوّزين له، وجوابات المانعين له مقرّر في علم النحو مبسوط في مطوّلاته. ومعنى: {مَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ }: ما يفرقه وينشره {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } تعاقبهما، أو تفاوتهما في الطول والقصر، وقوله: {وَمَا أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاء مَّن رِزْقٍ } معطوف على اختلاف، والرزق: المطر؛ لأنه سبب لكل ما يرزق الله العباد به، وإحياء الأرض: إخراج نباتها، و {مَوْتِهَا }: خلّوها عن النبات ومعنى {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ }: أنها تهب تارة من جهة وتارة من أخرى، وتارة تكون حارّة وتارة تكون باردة، وتارة نافعة، وتارة ضارّة {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } أي: هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه، ومحل: {نتلوها عليك} النصب على الحال، ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر اسم الإشارة، وآيات الله بيان له، أو بدل منه، وقوله: {بِٱلْحَقّ } حال من فاعل نتلو، أو من مفعوله أي: محقين، أو ملتبسة بالحقّ، ويجوز أن تكون الباء للسببية، فتتعلق بنفس الفعل {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} أي: بعد حديث الله وبعد آياته، وقيل إن المقصود: فبأي حديث بعد آيات الله، وذكر الاسم الشريف ليس إلاّ لقصد تعظيم الآيات، فيكون من باب: أعجبني زيد، وكرمه. وقيل المراد: بعد حديث الله، وهو القرآن كما في قوله: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } تفسير : [الزمر: 23]، وهو المراد بالآيات، والعطف لمجرّد التغاير العنواني. قرأ الجمهور: (تؤمنون) بالفوقية، وقرأ حمزة، والكسائي بالتحتية. والمعنى: يؤمنون بأيّ حديث، وإنما قدّم عليه؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام. {وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } أي: لكل كذاب كثير الإثم مرتكب لما يوجبه، والويل: واد في جهنم. ثم وصف هذا الأفاك بصفة أخرى، فقال: {يَسْمَعُ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ } وقيل: إن يسمع في محل نصب على الحال، وقيل: استئناف، والأول أولى، وقوله: {تُتْلَىٰ عَلَيْهِ } في محل نصب على الحال {ثُمَّ يُصِرُّ } على كفره، ويقيم على ما كان عليه حال كونه {مُسْتَكْبِراً } أي: يتمادى على كفره متعظماً في نفسه عن الانقياد للحقّ، والإصرار مأخوذ من إصرار الحمار على العانة وهو أن ينحني عليها صارًّا أذنيه. قال مقاتل: إذا سمع من آيات القرآن شيئًا اتخذها هزواً، وجملة: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا }: في محل نصب على الحال، أو مستأنفة؛ وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف {فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } هذا من باب التهكم أي: فبشّره على إصراره واستكباره، وعدم استماعه إلى الآيات بعذاب شديد الألم {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَـٰتِنَا شَيْئاً } قرأ الجمهور{علم} بفتح العين، وكسر اللام مخففة على البناء للفاعل. وقرأ قتادة، ومطر الورّاق على البناء للمفعول. والمعنى: أنه إذا وصل إليه علم شيء من آيات الله {ٱتَّخَذَهَا } أي: الآيات {هُزُواً } وقيل: الضمير في اتخذها عائد إلى {شيئًا}؛ لأنه عبارة عن الآيات، والأوّل أولى. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى كلّ أفاك متصف بتلك الصفات {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } بسبب ما فعلوا من الإصرار، والاستكبار عن سماع آيات الله، واتخاذها هزواً، والعذاب المهين: هو المشتمل على الإذلال، والفضيحة {مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ } أي: من وراء ما هم فيه من التعزز بالدنيا، والتكبر عن الحقّ جهنّم؛ فإنها من قدّامهم؛ لأنهم متوجهون إليها، وعبر بالوراء عن القدّام، كقوله: {أية : مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } تفسير : [الرعد: 16] وقول الشاعر:شعر : أليس ورائي إن تراخت منيتي تفسير : وقيل: جعلها باعتبار إعراضهم عنها، كأنها خلفهم {وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً } أي: لا يدفع عنهم ما كسبوا من أموالهم، وأولادهم شيئًا من عذاب الله، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } معطوف على ما كسبوا أي: ولا يغني عنهم ما اتخذوا من دون الله أولياء من الأصنام، و «ما» في الموضعين إما مصدرية، أو موصولة، وزيادة لا في الجملة الثانية للتأكيد {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } في جهنم التي هي من ورائهم {هَـٰذَا هُدًى } جملة مستأنفة من مبتدأ وخبر، يعني: هذا القرآن هدى للمهتدين به {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ } القرآنية {لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } الرجز: أشدّ العذاب. قرأ الجمهور: (أليم) بالجرّ صفة للرّجز. وقرأ ابن كثير، وحفص، وابن محيصن بالرفع صفة لعذاب {ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ } أي: جعله على صفة تتمكنون بها من الركوب عليه {لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ } أي: بإذنه وإقداره لكم {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } بالتجارة تارة، والغوص للدرّ، والمعالجة للصيد وغير ذلك {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي: لكي تشكروا النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ } أي: سخّر لعباده جميع ما خلقه في سماواته، وأرضه مما تتعلق به مصالحهم، وتقوم به معايشهم، ومما سخّره لهم من مخلوقات السمٰوات: الشمس والقمر، والنجوم النيرات، والمطر والسحاب والرّياح، وانتصاب {جميعاً} على الحال من {ما في السمٰوات وما في الأرض}، أو تأكيد له، وقوله: {منه} يجوز أن يتعلق بمحذوف هو صفة لـ {جميعاً} أي: كائنة منه، ويجوز أن يتعلق بسخر، ويجوز أن يكون حالاً من ما في السمٰوات، أو خبراً لمبتدأ محذوف، والمعنى: أن كل ذلك رحمة منه لعباده {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من التسخير {لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وخصّ المتفكرين؛ لأنه لا ينتفع بها إلاّ من تفكر فيها، فإنه ينتقل من التفكر إلى الاستدلال بها على التوحيد. {قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ } أي: قل لهم اغفروا يغفروا {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } وقيل: هو على حذف اللام، والتقدير: قل لهم ليغفروا. والمعنى: قل لهم يتجاوزوا عن الذين لا يرجون وقائع الله بأعدائه، أي: لا يتوقعونها، ومعنى الرجاء هنا: الخوف، وقيل: هو على معناه الحقيقي. والمعنى: لا يرجون ثوابه في الأوقات التي وقّتها الله لثواب المؤمنين، والأوّل أولى، والأيام يعبر بها عن الوقائع كما تقدّم في تفسير قوله: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } تفسير : [إبراهيم: 5] قال مقاتل: لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون به، فلا يخافون عقابه. وقيل المعنى: لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه، وقيل: لا يخافون البعث. قيل: والآية منسوخة بآية السيف {لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي: (لنجزي) بالنون أي: لنجزى نحن. وقرأ باقي السبعة بالتحتية مبنياً للفاعل. أي: ليجزي الله. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وعاصم بالتحتية مبنياً للمفعول مع نصب قوماً، فقيل: النائب عن الفاعل مصدر الفعل، أي: ليجزى الجزاء قوماً، وقيل: إن النائب الجارّ والمجرور، كما في قول الشاعر:شعر : ولو ولدت فقيرة جرو كلب لسبّ بذلك الجرو الكلابا تفسير : وقد أجاز ذلك الأخفش، والكوفيون، ومنعه البصريون، والجملة لتعليل الأمر بالمغفرة، والمراد بالقوم: المؤمنون، أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم القيامة بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار، والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه. وقيل: المعنى: ليجزي الكفار بما عملوا من السيئات كأنّه قال: لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن، والأوّل أولى. ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم، والمشركين وأعمالهم، فقال: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } والمعنى: أن عمل كل طائفة من إحسان، أو إساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره، وفيه ترغيب وتهديد {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } فيجازي كلاً بعمله إن كان خيراً فخير، وإن كان شرًّا فشرّ. وقد أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة، عن ابن عباس في قوله: {جَمِيعاً مّنْهُ } قال: منه النور والشمس والقمر. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال: كل شيء هو من الله. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن طاووس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله ممّ خلق الخلق؟ قال: من الماء، والنور والظلمة، والهواء والتراب، قال: فمم خلق هؤلاء؟ قال: لا أدري. ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير، فسأله، فقال مثل قول عبد الله بن عمرو، فأتى ابن عباس، فسأله ممّ خلق الخلق؟ فقال: من الماء، والنور والظلمة، والريح والتراب، قال: فممّ خلق هؤلاء؟ فقرأ ابن عباس {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ } فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلاّ رجل من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ } الآية قال: كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه، وكانوا يستهزئون به ويكذبونه، فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة، فكان هذا من المنسوخ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ} يعني القرآن. {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} وفي إضافة التنزيل إليه في هذا الموضع وفي أمثاله وجهان: أحدهما: افتتاح كتابه منه كما يفتتح الكاتب كتابه به. الثاني: تعظيماً لقدره وتضخيماً لشأنه عليه في الابتداء بإضافته إليه. قوله عز وجل: {وَاخْتِلاَفِ الليْلِ وَالنَّهَارِ} يحتمل وجهين: أحدهما: يعني اختلافهما بالطول والقصر. الثاني: اختلافهما بذهاب أحدهما ومجيء الآخر. {وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: المطر الذي ينبت به الزرع وتحيا به الأرض. الثاني: ما قضاه في السماء من أرزاق العباد. {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: تصريفها بإرسالها حيث يشاء. الثاني: ينقل الشمال جنوباً والجنوب شمالاً، قاله الحسن. الثالث: أن يجعلها تارة رحمة وتارة نقمة؛ قاله قتادة.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور. و: {تنزيل} رفع بالابتداء أو على خبر ابتداء مضمر. و: {العزيز} معناه عام في شدة أخذه إذا انتقم، ودفاعه إذا حمي ونصر وغير ذلك. و: {الحكيم} المحكم للأشياء. وذكر تبارك الآيات التي في السماوات والأرض مجملة غير مفصلة، فكأنها إحالة على غوامض تثيرها الفكر، ويخبر بكثير منها الشرع، فلذلك جعلها للمؤمنين، إذ في ضمن الإيمان العقل والتصديق. ثم ذكر تعالى خلق البشر والحيوان، وكأنه أغمض مما أحال عليه أولاً وأكثر تلخيصاً، فجعله للموقنين الذين لهم نظر يؤديهم إلى اليقين في معتقداتهم. ثم ذكر تعالى اختلاف الليل والنهار والعبرة بالمطر والرياح، فجعل ذلك {لقوم يعقلون}، إذ كل عاقل يحصل هذه ويفهم قدرها، وإن كان هذا النظر ليس بلازم ولا بد فإن اللفظ يعطيه. و: {يبث} معناه: ينشر في الأرض. والدابة: كل حيوان يدب، أو يمكن فيه أن يدب، يدخل في ذلك الطير والحوت، وشاهد الطير قول الشاعر: [الطويل] شعر : صواعقها لطيرهن دبيب تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : دبيب قطا البطحاء في كل منهل تفسير : وشاهد الحوت قول أبي موسى: و قد ألقى البحر دابة مثل الظرب ودواب البحر لفظ مشهور في اللغة. وقرأ حمزة والكسائي: "آياتٍ" بالنصب في الموضعين الآخرين. وقرأ الباقون والجمهور: "آياتٌ" بالرفع فيهما، فأما من قرأ بالنصب فحمل "آياتٍ" في الموضعين على نصب {إن} في قوله {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين} ولا يعرض في ذلك العطف على عاملين الذي لا يجيزه سيبويه وكثير من النحويين، لأنا نقدر {في} معادة في قوله: {واختلاف} وكذلك هي في مصحف ابن مسعود: "وفي اختلاف"، فكأنه قال على قراءة الجمهور: "وفي اختلاف الليل"، وذلك أن ذكرها قد تقدم في قوله: {وفي خلقكم} فلما تقدم ذكر الجار جاز حذفه من الثاني، ويقدر مثبتاً كما قدر سيبويه في قول الشاعر [أبو دؤاد الأيادي]: [المتقارب] شعر : أكل امرئ تحسبين امرأً ونار توقد بالليل نارا تفسير : أي وكل نار، وكما قال الآخر: [الرجز] شعر : أوصيت من برة قلباً حرّا بالكلب خيراً والحماة شرّا تفسير : أي وبالحمأة، وهذا الاعتراض كله إنما هو في {آيات} الثاني، لأن الأول قبله حرف الجر ظاهر. وفي قراءة أبي بن كعب وابن مسعود في الثلاثة المواضع: "لآيات". قال أبو علي: وهذا يدل على أن الكلام محمول على أن في قراءة من أسقط اللامات في الاثنين الآخرين، وأما من رفع "آياتٌ" في الموضعين فوجهه العطف على موضع {إن} وما عملت فيه، لأن موضعها رفع بالابتداء، ووجه آخر وهو أن يكون قوله: {وفي خلقكم وما يبث} مستأنفاً، ويكون الكلام جملة معطوفة على جملة، وقال بعض الناس: يجوز أن يكون جملة في موضع الحال فلا تكون غريبة على هذا. {واختلاف الليل والنهار} إما بالنور والظلام، وإما بكونهما خلفة. والرزق المنزل من السماء: هو المطر، سماه رزقاً بمآله، لأن جميع ما يرتزق فعن المطر هو. {وتصريف الرياح} هو بكونها صباً ودبوراً وجنوباً وشمالاً، وأيضاً فبكونها مرة رحمة ومرة عذاباً، قاله قتادة، وأيضاً بلينها وشدتها وبردها وحرها. وقرأ طلحة وعيسى: "وتصريف الريح" بالإفراد، وكذلك في جميع القرآن إلا ما كان فيه مبشرات وخالف عيسى في الحجر فقرأ: {أية : الرياح لواقح} تفسير : [الحجر: 22]. وقوله: {تلك آيات الله} إشارة إلى ما ذكر. وقوله: {نتلوها} فيه حذف مضاف، أي يتلو شأنها وتفسيرها وشرح العبرة لها، ويحتمل أن يريد بـ {آيات الله} القرآن المنزل في هذه المعاني فلا يكون في {نتلوها} حذف مضاف. وقوله: {بالحق} معناه: بالصدق والإعلام بحقائق الأمور في أنفسها. وقوله: {فبأي حديث} الآية توبيخ وتقريع، وفيه قوة التهديد. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وأبو جعفر والأعرج وشيبة وقتادة: "يؤمنون" بالياء من تحت وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم أيضاً والأعمش "تؤمنون" بالتاء على مخاطبة الكفار. وقرأ طلحة بن مصرف: "توقنون" بالتاء من فوق من اليقين.

النسفي

تفسير : {حـم } إن جعلتها إسماً للسورة فهو مرفوعة بالابتداء والخبر {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ } صلة للتنزيل، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ } مبتدأ والظرف خبراً {ٱلْعَزِيزِ} في انتقامه {ٱلْحَكِيمِ} في تدبيره {إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَـٰتٍ } لدلالات على وحدانيته، ويجوز أن يكون المعنى إن في خلق السماوات والأرض لآيات {لِلْمُؤْمِنِينَ } دليله قوله {وَفِى خَلْقِكُمْ } ويعطف {وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} على الخلق المضاف لأن المضاف إليه ضمير مجرور متصل يقبح العطف عليه {ءَايَـٰتُ } حمزة وعلي بالنصب. وغيرهما بالرفع مثل قولك إن زيداً في الدار وعمراً في السوق أو وعمرو في السوق {لِِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِزْقٍ } أي مطر وسمي به لأنه سبب الرزق {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ } {ٱلرّيحَ } حمزة وعلي.{ءَايٰتٌ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} بالنصب: علي وحمزة، وغيرهما بالرفع، وهذا من العطف على عاملين سواء نصبت أو رفعت فالعاملان إذا نصبت «إن» و «في». أقيمت الواو مقامهما فعملت الجر في {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } والنصب في {ءَايَـٰتُ }. وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و «في». عملت الواو الرفع في آيات والجر في {وَٱخْتِلَـٰف} هذا مذهب الأخفش لأنه يجوز العطف على عاملين، وأما سيبويه فإنه لا يجيزه وتخريج الآية عنده، أن يكون على اضمار «في» والذي حسنه تقديم ذكر «في» في الآيتين قبل هذه الآية ويؤيده قراءة ابن مسعود رضي الله عنه {وَفِى ٱخْتِلَـٰف ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } ويجوز أن ينتصب {ءايَـٰت} على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفاً على ما قبله، أو على التكرير توكيداً لآيات الأولى كأنه قيل: آيات آيات، ورفعها بإضمار هي. والمعنى في تقديم الإيمان على الإيقان وتوسيطه وتأخير الآخر، أن المنصفين من العباد إذا نظروا في السماوات والأرض نظراً صحيحاً علموا أنها مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا بالله، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وفي خلق ما ظهر على الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيماناً وأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم {تِلْكَ } إشارة إلى الآيات المتقدمة أي تلك الآيات {ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ} وقوله {نَتْلُوهَا } في محل الحال أي متلوة {عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} والعامل ما دل عليه {تِلْكَ } من معنى الإشارة {فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِ } أي بعد آيات الله كقولهم «أعجبني زيد وكرمه» يريدون أعجبني كرم زيد {يُؤْمِنُونَ } حجازي وأبو عمرو وسهل وحفص، وبالتاء غيرهم على تقدير قل يا محمد. {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ } كذاب {أَثِيمٍ } متبالغ في اقتراف الآثام {يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ } في موضع جر صفة {تُتْلَىٰ عَلَيْهِ } حال من آيات الله {ثُمَّ يُصِرُّ } يقبل على كفره ويقيم عليه {مُسْتَكْبِراً } عن الإيمان بالآيات والإذعان لما تنطق به من الحق مزدرياً لها معجباً بما عنده. قيل: نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث العجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن. والآية عامة في كل من كان مضاراً لدين الله. وجيء بـ «ثم» لأن الإصرار على الضلالة والاستكبار عن الإيمان عند سماع آيات القرآن مستبعد في العقول {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } «كأن» مخففة والأصل كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن ومحل الجملة النصب على الحال أي يصر مثل غير السامع {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فأخبره خبراً يظهر أثره على البشرة. {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْئاً } وإذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها {ٱتَّخَذَهَا } اتخذ الآيات {هُزُواً } ولم يقل اتخذه للإشعار بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، ويجوز أن يرجع الضمير إلى شيء لأنه في معنى الآية كقول أبي العتاهية: شعر : نفسي بشيء من الدنيا معلقة الله والقائم المهدي يكفيها تفسير : حيث أراد عتبة {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى كل أفاك أثيم لشموله الأفاكين {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } مخز {مِّن وَرَآئِهِمْ} من قدامهم الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام {جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ } من الأموال {شَيْئاً } من عذاب الله {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ } «ما» فيهما مصدرية أو موصلة {مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأوثان {أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في جهنم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السموات والأرض} أي إن في خلق السموات والأرض وهما خلقان عظيمان يدلان على قدرة القادر المختار وهو قوله {لآيات للمؤمنين وفي خلقكم} أي وخلق أنفسكم من تراب ثم من نطفة إلى أن يصير إنساناً ذا عقل وتمييز {وما يبث من دابة} أي وما يفرق في الأرض من جميع الحيوانات على اختلاف أجناسها في الخلق والشكل والصورة {آيات} دلالات تدل على وحدانية من خلقها وأنه الإله القادر المختار {لقوم يوقنون} يعني أنه لا إله غيره.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {وفي خلقكم} مدغماً: عباس. {آيات} بالنصب في الموضعين: حمزة وعلي ويعقوب {الريح} على التوحيد: حمزة وعلي وخلف {يؤمنون} على الغيبة: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو وسهل وحفص {أليم} مذكور في "سبأ" {لنجزي} بالنون: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف {ليجزي} بالياء مبنياً للمفعول {قوم} بالرفع: يزيد. الباقون: مبنياً للفاعل {قوماً} سواء بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص وروح وزيد {غشوة} بفتح الغين وسكون الشين من غير ألف: حمزة وعلي وخلف 3 {كل أمة تدعي} بالنصب على الإبدال من الأول: يعقوب {الساعة} بالنصب: حمزة {لا يخرجون} من الخروج حمزة وعلي وخلف. الوقوف: {حم} كوفي ه {الحكيم} ه {للمؤمنين} ه ط ومن نصب، {آيات} لم يقف لأنها عطف المفردين على المفردين وهما الخبر واسم أن المفردين {يوقنون} ه لا للعطف على {عاملين} كما يجيء {يعقلون} ه {بالحق} ج للاستفهام مع الفاء {يؤمنون} ه {أثيم} ه {يسمعها} ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب {أليم} ه {هزواً} ط {مهين} ه ط لأنه لو وصل اشتبه بأنها وصف {عذاب جهنم} ج لعطف المختلفين {أولياء} ج لذلك {عظيم} ه {هدى} ط لأن ما بعده مبتدأ مع العاطف {أليم} ه {تشكرون} ه ج للآية مع العطف {منه} ط {يتفكرون} ج {يكسبون} ه {فلنفسه} ج {فعليها} ز لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع اتحاد القصة {ترجعون} ه {العالمين} ه ج للآية والعطف {من الأمر} ج لعطف المختلفتين {بينهم} ط {يختلفون} ه {لا يعلمون} ه {شيئاً} ج {بعض} ج للتمييز بين الحالين المختلفين مع اتفاق الجملتين {المتقين} ه {يوقنون} ه {الصالحات} قف ومن نصب {سواء} لم يقف. {ومماتهم} ط {يحكمون} ه {لا يظلمون} ه {غشاوة} ط {من بعد الله} ط {تذكرون} ه {الدهر} ج لاحتمال الواو الحال {من علم} ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى {يظنون} ه {صادقين} ه {لا يعلمون} ه {والأرض} ط {المبطلون} ه {جاثية} قف لمن قرأ {كل} بالرفع {كتابها} ط {تعملون} ه {بالحق} ه ط {تعملون} ه {في رحمته} ط {المبين} ه {مجرمين} ه {ما الساعة} لا تحرزاً عن الابتداء بقول الكفار {بمستيقنين} ه {يستهزؤون} ه {ناصرين} ه {الدنيا} ج للعدول عن الخطاب إلى الغيبة {يستعتبون} ه {العالمين} ه {والأرض} ص لعطف الجملتين المتفقتين {الحكيم} ه. التفسير: إعراب أول السورة وتفسيرها كإعراب أول "المؤمن" وتفسيره وقوله {إن في السموات} إما أن يكون على ظاهره وآياتها الشمس والقمر والنجوم وحركاتها وأوضاعها وكذا العناصر والمواليد التي في الأرض مما يعجز الحاصر عن إدراك أعدادها، وإما أن يراد إن في خلق السموات والأرض فالآيات تشمل ما عددنا مع زيادة هيئتهما وما يتعلق بتشخيصهما. استدل الأخفش بالآية الثالثة على جواز العطف على عاملين. مختلفين وهما في قراءة النصب "أن" وفي أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في اختلاف الليل، والنصب في آيات وهما في قراءة الرفع الابتداء وفي. وخرج لسيبويه في جوابه وجهان: أحدهما أن قوله {آيات} تكرار محض للتأكيد فقط من غير حاجة إلى ذكرها كما تقول: إن في الدار زيداً وفي الحجرة زيداً والمسجد زيداً، وأنت تريد أن في الدار زيداً والحجرة والمسجد. والثاني إضمار في لدلالة الأول عليه، ويحتمل أن ينتصب {آيات} على الاختصاص. ويرتفع بإضمار هي. وتفسير هذه الآيات قد مر في نظائرها مراراً ولا سيما في أواسط "البقرة" ومما يختص بالمقام أنه خص المؤمنين بالذكر أولاً ثم قال {لقوم يوقنون} ثم {يعقلون} فما سبب هذا الترتيب؟ قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله: أراد إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإلا فإن كنتم طلاب الحق واليقين فافهموا هذه الدلائل، وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين، فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل، وقال جار الله: معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السموات والأرض النظر الصحيح علموا أنها لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال. وفي خلق ما بث من الدواب على ظهر الأرض، ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس، وإذا نظروا في سائر الحوادث كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار التي هي سبب الأرزاق وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً، عقلوا واستحكم عقلهم وخلص يقينهم. وأقول: الدلائل المذكورة في هذه الآيات قسمان: نفسية وخارجية. فالنفسية أولى بالإيقان لأنه لا شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، والخارجية بعضها فلكية وبعضها آثار علوية. فالفلكية لبعدها عن الإنسان اكتفى فيها بمجرد التصديق، وأما الآثار العلوية فكانت أولى بالنظر والاستدلال لقربها وللإحساس بها فلا جرم خصت بالتعقل والتدبر، وأما تقديم السموات على الأرض فلشمولها ولتقدمها في الوجود. {تلك} مبتدأ والتبعيد للتعظيم والمشار إليها الآيات المتقدمة و {نتلوها} في محل الحال. وقوله {بعد الله وآياته} كقولهم: أعجبني زيد وكرمه. وأصله بعد آيات الله. والمعنى أن من لم يؤمن بكلام الله فلن يؤمن بحديث سواه. وقيل: معناه القرآن آخر كتب الله، ومحمد آخر رسله. فإن لم يؤمنوا به فبأي كتاب بعده يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبي. ثم أوعد الناس المبالغين في الإثم وقد مر ما في الآية في سورة لقمان. قوله {وإذا علم} أي شعر وأحس بأنه من جملة القرآن المنزل خاض في الاستهزاء، وإذا وقف على آية لها محل في باب الطعن والقدح افترضه وحمله على الوجه الموجب للطعن كافتراض ابن الزبعري في قوله {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله} تفسير : [الأنبياء: 98] وإنما أنّث الضمير في قوله {اتخذها} لأن الشيء في معنى الآية أو لأنه أراد أن يتخذ جميع الآيات هزواً ولا يقتصر على الاستهزاء بما بلغه. قوله {من ورائهم جهنم} كل ما توارى عنك فهو وراء تقدم أو تأخر، وقد مر في سورة إبراهيم عليه السلام {هذا هدى} أي هذا القرآن كامل في باب الهداية والإرشاد. ثم ذكر دليلاً آخر على الوحدانية وهو تسخير البحر لبني آدم وقد سبق وجه الدلالة مراراً. وقوله {ولتبتغوا} أي بسبب التجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان أو باستخراج اللحم الطري. ثم عمم بعد التخصيص وقوله {منه} في موضع الحال أي سخر جميع ما في السموات والأرض كائنة منه، يريد أنه أوجدها بقدرته وحكمته ثم سخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه. عن ابن عباس برواية عطاء أن الصحابة نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر - يقال لها المريسيع - فأرسل عبد الله بن أبيّ غلامه ليستقي الماء فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على رأس البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبي وقرب أبي بكر وملأ لمولاه. فقال عبد الله: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله تعالى {قل للذين آمنوا} يعني عمر {يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} لا يتوقعون وقائعه بأعداء الله أو لا يأملون قوة المؤمنين في أيام الله الموعودة لهم، والمراد الصفح والإعراض. عن عبد الله بن أبي وفي رواية ميمون بن مهران عن ابن عباس: لما نزلت {أية : من ذا الذي يقرض الله}تفسير : [البقرة: 245] قال اليهودي فنحاص بن عازوراء: احتاج رب محمد فبلغ ذلك عمر فأخذ سيفه فخرج في طلبه، فجاء جبرائيل وأنزل الآية هذه. وليس المقصود أن لا تقتلوا ولا تقاتلوا حتى يلزم نسخها بآية القتال كما ذهب إليه كثير من المفسرين، ولكن الأولى أن يحمل على ترك المنازعة في المحقرات وفي أفعالهم الموحشة المؤذية، وإنما أنكر {قوماً} مع أنه أراد بقوم الذين آمنوا وهم معارف ليدل على مدحهم والثناء عليهم كأنه قيل: لنجزي قوماً كاملين في الصبر والإغضاء على أذى الأعداء {بما كانوا يكسبون} من الثواب العظيم بكظم الغيظ واحتمال المكروه، وقيل: القوم هم الكافرون الكاملون في النفاق. ثم فصل الجزاء وعمم الحكم بقوله {من عمل صالحاً} الآية. ثم بين أن للمتأخرين من الكفار أسوة بالمتقدمين منهم والكتاب التوراة والحكم بيان الشرائع والبينات من الأمر أدلة أمور الدين. وقال ابن عباس: يريد أنه تبين لهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه مهاجر من تهامة إلى يثرب. وقيل: هي المعجزات القاهرة على صحة نبوة موسى {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} فيه احتمالان: أحدهما علموا ثم عاندوا، والثاني جاءهم أسباب المعرفة التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق ولكنهم أظهروا النزاع حسداً. {ثم جعلناك على شريعة} أي منهاج وطريقة {من الأمر} أمر الدين وقيل: من الأمر الذي أمرنا به من قبلك من رسلنا. قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة ارجع إلى ملة آبائك وهم كانوا أفضل منك وأسن فزجره الله تعالى عن ذلك بقوله {ولا تتبع} إلى آخره أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفعه عنك. ثم أشار بعد النهي عن اتباع أهوائهم بقوله {ولا تتبع} أتباعهم إلى الفرق بين ولاة الظالمين وهم أشكالهم من الظلمة، وبين ولي المتقين وهو الله سبحانه. ومن جملة آثار ولايته وبركة عنايته {هذا} القرآن. وقيل: ما تقدم من اتباع الشريعة وترك طاعة الظالم وجعل القرآن مشاراً إليه أولى لقوله {بصائر من ربكم} إلى آخره. وقد مر في آخر "الأعراف" مثله. ثم بين الفرق بين الظالمين والمتقين من وجه آخر قائلاً {أم حسب} قال جار الله: "أم" منقطعة والآية نظيرة ما سلف في "ص" {أية : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين}تفسير : [الآية: 28] والاجتراح الاكتساب. من قرأ {سواء} بالنصب فمعناه مستوياً والظاهر بعده فاعله ويكون انتصابه على البدل من ثاني مفعولي {نجعل} وهو الكاف. من قرأ بالرفع بخبر {ومحياهم} مبتدأ والجملة بدل أيضاً لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً. والمعنى إنكار أن يستوي الفريقان حياة وموتاً، لأن المحسنين عاشوا على الطاعة وإنهم عاشوا على المعصية ومات أولئك على البشرى والرحمة، ومات هؤلاء على الضد. وقيل: معناه إنكار أن يستويا في الممات كما استووا في الحياة من حيث الصحة والرزق، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن. فالفرق المقتضي لسعادة المؤمن وشقاوة الكافر إنما يظهر بعد الوفاة. وقيل: إنه كلام مستأنف، والمراد أن كلاً من الفريقين يموت على حسب ما عاش عليه لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كما تعيشون تموتون" تفسير : وحين أفتى بأن المؤمن لا يساويه الكافر في درجات السعادات استدل على صحة هذه الدعوى بقوله {وخلق الله} الآية. قال جار الله: {ولتجزى} معطوف على {بالحق} لأنه في معنى التعليل أي للعدل، أو ليدل بها على قدرته وللجزاء. ويجوز أن يكون المعلل محذوفاً وهو فعلنا ونحوه. والحاصل أن الغاية من خلق السماء والأرض كان هو الإنسان الكامل فكيف يترك الله جزاءه وجزاء من هو ضده والتميز بينهما بموجب العدالة. ثم قرر أسباب ضلال المضلين قائلاً {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي يتبع ما تدعو إليه نفسه الأمارة وقد مر في الفرقان {وأضله الله على علم} بحالة أنه من أهل الخذلان والقهر، أو على علم الضلال في سابق القضاء، أو على علم بوجوه الهداية وإحاطته بالألطاف المحصلة لها. وقيل: أراد به المعاند لأن ضلاله عن علم {فمن يهديه من بعد} إضلال {الله} قال بعض العلماء: قدم السمع على القلب في هذه الآية وبالعكس في "البقرة" لأن كفار مكة كانوا يبغضونه بقلوبهم وما كانوا يستمعون إليه وكفار المدينة، كانوا يلقون إلى الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه. ففي هذه الصورة على هذا التقدير كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الأولى كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فورد ما في كل سورة على ترتيبه. ثم ذكر من أسباب الضلال سبباً آخر وهو إنكارهم البعث معتقدين أن لا حياة إلاّ هذه. وليس قولهم الدنيا تسلماً لثانية وإنما هو قول منهم على لسان المقرين وبزعمهم {نموت ونحيى} فيه تقديم وتأخير على أن الواو لا توجب الترتيب. وقيل: يموت الآباء وتحيا الأبناء وحياة الأبناء حياة الآباء، أو يموت بعض، ويحيا بعض، أو أرادوا بكونهم أمواتاً حال كونهم نطفاً، أو هو على مذهب أهل التناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في بدن آخر. ثم إنهم لم يقنعوا بإنكار المعاد حتى ضموا إليه إنكار المبدأ قائلين {وما يهلكنا إلا الدهر} اعتقدوا أن تولد الأشخاص وكون الممتزجات وفسادها ليس إلا بسبب مزاوجات الكواكب. ولا حاجة في هذا الباب إلى مبدىء المبادىء فأجاب الله عن شبهتهم بقوله {وما لهم بذلك من علم} أي ليس لهم على ما قالوه دليل وإنما ذكروا ذلك ظناً تخميناً واستبعاداً فلا ينبغي للعاقل أن يلتفت إلى قولهم، لأن الحجة قامت على نقيض ذلك وهي دليل المبدأ والمعاد المذكور مراراً وأطوراً. وليس قولهم {ائتوا بآبائنا} من الحجة في شيء لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال فإنه يمتنع حصوله في الاستقبال بدليل الحادث اليومي الممتنع حصوله في الأمس، فوجه الاستثناء أنه في أسلوب قوله: شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : وحين بكتهم وسكتهم صرح بما هو الحق وقال {قل الله يحييكم} إلى آخره. ثم أراد أن يختم السورة بوصف يوم القيامة وما سيجري على الكفار فيه فقال {ويوم تقوم الساعة} العامل فيه يخسر وقوله {يومئذ} بدل من {يوم} وفيه تأكيد للحصر المستفاد من تقديم الظرف. قال ابن عباس: الجاثية المجتمعة للحساب المترقبة لما يعمل بها. وقيل: باركة جلسة المدعي عند الحاكم. وقيل: مستوفزاً لا يصيب الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله. والجثو للكفار خاصة. وقيل: عام بدليل قوله بعد ذلك {فأما الذين آمنوا} {وأما الذين كفروا} {تدعى إلى كتابها} يريد كتاب الحفظة ليقرؤه. وقال الجاحظ: إلى كتاب نبيها فينظر هل عملوا به أم لا. ويقال: يا أهل التوراة يا أهل القرآن. {اليوم تجزون} بتقدير القول ومما يؤيد القول الأول قوله {هذا كتابنا} إلى قوله {إنا كنا نستنسخ} أي نأمر بالنسخ. وإضافة الكتاب تارة إليهم وأخرى إلى الله عز وجل صحيحة لأن الإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، فأضيف إليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، وأضيف إلى الله سبحانه لأنه أمر ملائكته بكتبه. قوله {أفلم تكن} القول فيه مقدر أي فيقال لهم ذلك قوله {إن نظن إلا ظناً} قال أبو علي والأخفش: هذا الكلام جار على غير الظاهر لأن كل من يظن فإنه لا يظن إلا الظن، فتأويله أن ينوي به التقديم أي ما نحن إلا نظن ظناً. وقال المازني: تقديره إن نظن نحن إلا ظناً منكم أي أنتم شاكون فيما تزعمون وما نحن بمستيقنين أنكم لا تظنون. وقال جار الله: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب. فأدخل أداة الحصر ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه وأقول: الظن قد يطلق على ما يقرب من العلم، ولا ريب أن لهذا الرجحان مراتب وكأنهم نفوا كل الظنون إلا الذي لا ثبوت علم فيه وأكدوا هذا المعنى بقوله {وما نحن بمستيقنين} وباقي السورة واضح مما سلف والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله عزَّ وجلَّ: {حمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ لأَيَـٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} قال أبو حيَّان: أجاز الفَخْرُ الرَّازِي في {ٱلعَزِيزِ ٱلحَكِيمِ} أنْ يكونا صفتينِ لـ«اللَّه»، وهو الراجح، أو لـ«الكتاب»؛ ورُدَّ بأنَّه لا يجوز أنْ يكونا صفتين للكتاب من وجوهٍ، انتهى. وذكر تبارَكَ وتعالَىٰ هنا الآياتِ الَّتِي في السَمٰوَاتِ والأرضِ مُجْمَلَةً غَيْرَ مُفَصَّلَةٍ، فكأَنَّها إحالةٌ على غوامِضَ تُثِيرُها الفِكَر، ويُخْبِرُ بكثير منها الشَّرْعُ؛ فلذلك جعلها للمؤمنين، ثم ذكر سبحانه خلق البشر والحيوان، وكأَنَّه أَغْمَضَ؛ فجعله للموقنين الذين لهم نظر يُؤَدِّيهم إلى اليقين، ثم ذكر اختلاف الليل والنهار، والعِبْرَة بالمطرِ والرياحِ، فجعل ذلك لقومٍ يعقلون؛ إذ كُلُّ عاقلٍ يُحَصِّلُ هذه ويفهم قَدْرَهَا. قال * ع *: وإنْ كان هذا النَّظَرُ لَيْسَ بلازِمٍ وَلاَ بُدَّ، فإن اللفظ يعطيه، والرزق المُنَزَّلُ من السماء هو: المَاءُ، وسَمَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ رِزْقاً بمآلِهِ، لأَنَّ جَمِيعَ ما يَرْتَزِقُ، فَعَنِ الماءِ هُوَ. وقوله: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أي: بالصدق والإعلام بحقائق الأمور في أنفسها. وقال جلَّتْ عظمته: {فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِ يُؤْمِنُونَ} آية تقريعٍ وتوبيخٍ، وفيها قُوَّةُ تهديدٍ، والأَفَّاكُ: الكَذَّابُ الذي يقَعُ منه الإفْكُ مِرَاراً، والأَثِيمُ: بناءُ مُبَالَغَةٍ، اسمُ فاعلٍ من أَثِمَ يأْثَمُ، ورُوِيَ أَنَّ سبب الآية أبو جَهْلٍ، وقيل: النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، والصواب أَنَّها عامَّةٌ فيهما وفي غيرهما، وأَنَّها تَعُمُّ كُلَّ مَنْ دخل تحت الأوصافِ المذكورة إلَىٰ يوم القيامة و{يُصِرُّ} معناه: يَثْبُتُ على عقيدته من الكُفْرِ. وقوله: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: مُؤْلِمٍ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {حمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} قد تقدم مثله أول غافرٍ. وقال أبو عبد الله الرازي: العزيز الحكيم إن كانا صفة لله كانا حقيقة، وإنْ كَانَا صفة للكتاب كانا مجازاً له. ورد عليه أبو حيان جعله إياهما صفة للكتاب. قال: إذ لو كان كذلك لوليت الصِّفَةُ موصوفَها فكان يقال: تنزيل الكتاب العزيزِ الحكيمِ مِنَ اللهِ. قال: لأن "من الله" إن تعلق "بتنزيل" و "تنزيل" خبر لـ "حم" أو لمبتدأ محذوف، لزم الفصل به بين الصفة والموصوف، ولا يجوز، كما لا يجوز: أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ بٍسَوْط الفَاضِل، أو في موضع الخبر وتنزيل مبتدأ، فلا يجوز الفصل به أيضاً لا يجوز: ضَرْبُ زَيْدٍ شَدِيدٌ الفَاضِلُ. قوله تعالى: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} إن كان قوله "حم" قسماً "فتنزيل الكتاب" نعت له، وجواب القسم: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} واعلم أن حصول الآيات في السموات والأرض ظاهر دال على وجود الله تعالى، وقدرته مثل مقاديرها وكيفياتها وحركاتها، وأيضاً الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار. وقد تقدم الكلام في كيفية دلالتها على وجود الإله القادر الفاعل المختار. وقوله: "لآياتِ لِلْمؤمِنِينَ" يقتضي كون هذه مختصةً بالمؤمنين. وقالت المعتزلة: إنها آيات للمؤمن والكافر، إلا أنه لما انتفع بها المؤمن دون الكافر أضيف كونها آياتٍ للمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة:2] فإنه هُدًى لكلّ الناس، كما قال تعالى: {أية : هُدًى لِّلنَّاسِ}تفسير : [البقرة:185] إلاَّ أنه لما نتفع به المؤمن خاصةً قيلَ: هدى للمتقين. قوله تعالى: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} فيه وجهان: أظهرهما: أن قوله: "وَمَا يَبُثُّ" معطوف على "خَلْقِكُمْ" المجرور بفي والتقدير: وفيمَا يَبُثُّ. الثاني: أنه معطوف على الضمير المخفوض بالخلق وذلك على مذهب من يرى العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار. واستقبحه الزمخشري وإن أُكِّدَ، نحو: مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ وَزَيْدٍ يشير بذلك إلى مذهب الجَرْميّ، فإنه يقول: إن أكّدَ جاز، وإِلاَّ فَلاَ. فقوله مذهب ثالث. قوله: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} وآيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وقرأ آيات بالكسر في الموضعين الأخوان والباقون برفعهما ولا خلاف في كسر الأولى؛ لأنها اسم "إن" فأما آيات لقوم يوقنون بالكسر فيجوز فيها وجهان: أحدهما: ِأنها معطوفة على اسم "إن" والخبر قوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ} كأنه قيل: وإنَّ فِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَات. والثاني: أن تكون كررت توكيداً "لآيَات" الأُوْلَى، ويكون "في خلقكم" معطوفاً على "السَّموَات" كرر معه حرف الجر توكيداً. ونظيره أن تقول: إنَّ في بَيِْتِكَ زَيْداً وفي السّوقِ زَيْداً فزيد الثاني توكيد للأول كأنك قلت: إنَّ زَيْداً زَيْداً فِي بَيْتِكَ وفِي السُّوق. وليس في هذا عطف على معمولي عاملين البتة وقد وهم أبو البقاء فجعلها من ذلك فقال: آيات لقوم يوقنون بكسر الثانية وفيه وجهان: أحدهما: أن "إن" مضمرة حذفت لدلالة "إن" الأولى عليها، وليست "آيات" معطوفة على آيات الأولى، لما فيه من العطف على معمولي عاملين. والثاني: أن تكمون كررت للتأكيد، لأنها من لفظ "آيات" الأولى، وإعرابها كإعرابها كقولك: إنَّ بِثَوْبِكَ دَماً وَبِثَوْبِ زَيْدٍ دماً، فَدَم الثاني مكرر، لأنك مستغنٍ عن ذكره انتهى. فقوله: وليست معطوفة على "آيات" الأولى لما فيه من العطف على معمولي عاملين وهمٌ أين معمول العامل الآخر؟ وكأنه توهم أن "في" ساقطة من قوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ} أو اختلطت عليه {آيات لقوم يعقلون} بهذه، لأن تِيكَ فيها ما يوهم العطف على عاملين. وقد ذكره هو أيضاً. وأما الرفع فمن وجهين أيضاً: أحدهما: أن يكون "فِي خَلْقِكُمْ" خبراً مقدماً، و "آياتٌ" مبتدأ مؤخراً، وهي جملة معطوفة على جملة مؤكدة بإِن. والثاني: أن تكون معطوفة على "آيات" الأولى اعتباراً بالمحل عند من يجيز ذلك، لا سيما عند من يقول: إنه يجوز ذلك بعد الخبر بإجماع. وأما قوله: {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} فقد تقدم أنَّ الأخوين يقرآن آياتٍ بالكسر وهي تحتاج إلى إيضاح، فإن الناس تكلموا فيها كثيراً وخرّجوها على أوجه مختلفة، وبها استدل على جواز العطف على عاملين قال شهاب الدين: والعطف على عاملين لا يختص بقراءة الأخوين، بل يجوز أن يستدل عليه أيضاً بقراءة الباقين كما سنقف عليه إنْ شَاءَ الله تعالى فأما قراءة الأخوين ففيها أَوْجهُ: أحدها: أن يكون "اخْتِلاَفُ اللَّيْلِ" مجروراً بـ "في" مضمرةً، وإنما حذفت لتقدم ذكرها مرتين وحرف الجر إذا دلّ عليه دليل (جاز حذفه وأيضاً عمله وأنشد الإمام الأستاذ سيبويه:) شعر : 4433ـ ألآن قَربَّتْ تهْجُونَا وتَشْتُمُنَا فَاذْهَبْ فَمَا بِكَ وَالأَيَّامِ مِنْ عَجَبِ تفسير : تقديره: وبالأَيامِ، لتقدم الباء في "بِكَ". ولا يجوز عطفه على الكاف لأنه ليس من مذهبه العطف على الضمير المجرور، دون إعادة الجارّ، فالتقدير في هذه الآية: "وَفِي اخْتِلاَفِ آيَاتِ"، فآيات على ما تقدم من الوجهين في آيات قبلها العطف أو التأكيد. قالوا: ويدلّ على ذلك قراءة عبد الله (وَفِي اخْتِلافِ) تصريحاً بفي. فهذان وجهان: الثالث: أن يعطف "اخْتِلافِ" على المجرور بفي، وآيات على المنصوب بإن وبهذا هو العطف على عاملين، وتحقيقه على معمولي عاملين، وذلك أنك عطفت "اخْتِلاَفِ" على "خَلْقِ" وهو مجرور بفي فهو معمول عامل، وعطف "آياتٍ" على اسم إنّ وهو معمول عامل آخر. فقد عطفت بحرف واحد وهو الواو معمولين وهما "اخْتِلافِ" و "آياتٍ" على معمولين قبلهما وهما "خلق وآيات". ويظاهرها استدل على من جوّز ذلك كالأخفش. وفي المسألة أربعة مذاهب، المنع مطلقاً، وهو مذهب سيبويه، وجمهور البصريين، قالوا: لأنه يؤدي إلى إقامة حرف العطف مقام عامليْن وهو لا يجوز؛ لأنه لو جاز في عاملين لجاز في ثلاثة، ولا قائل به، ولأن حرف العطف ضعيف، فلا يَقْوَى أن ينوب عن عاملين، ولأن القَائِلَ بجواز ذلك يستضعفه والأحسن عنده أن لا يجوز، فلا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، ولأنه بمنزلة التَّعْدِيَتَيْنِ بمُعَدِّ واحد، وهو غير جائز. قال ابن السراج: العطف على عاملين خطأ في القياس غير مسموع من العرب، ثم حمل ما في هذه الآية على التكرار والتأكيد. قال الرماني: هو كقولك: إنَّ فِي الدَّارِ زَيْداً وَالبَيْتِ زَيْداً، فهو جائز بالإجماع، وهذا الوجه الذي ذكره ابن السراج حَسَنٌ جداً لا يجوز أن يحمل كتاب الله إلا عليه وقد ثبتت القراءة بالكسر، ولا يعيب فيها في القرآن على وجه. والعطف على عاملين عيب عند من أجازه ومن لم يجزه فقد تَنَاهى في العيب فلا يجوز حمل هذه الآية على ما ذكره ابن السراج دون ما ذهب إليه غيره. قال شهاب الدين: وهذا الحَصْر منْهُ غير مُسَلَّم، فإن في الآية تخريجاتٍ أُخَر على ما ذكره ابنُ السراج، يجوز الحمل عليها. وقال الزجاج ومثله في الشعر: شعر : 4434ـ أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبيـنَ امْــرَءاً وَنَارٍ تَوَقَّــدُ بِاللَّيْـلِ نَـارا تفسير : وأنشد الفارسيّ للفرزدق: شعر : 4435ـ وبَاشَرُوا رَعْيَها الصَّلا بِلَبَانِهِ وَجَنْبَيْهِ حَرَّ النَّارِ مَا يتَحَرَّفُ تفسير : وقول الآخر: شعر : 4436ـ اَوْصَيْتَ مِـنْ بَــرَّةً قَلْبـاً حَـرًّا بِالكَلْبِ خَيْراً وَالحَمَـاةِ شَـرًّا تفسير : فأما البيت الأول فظاهره أنه عطف "وَنَارٍ" على "امرىء" المخفوض "بكل" و "نَاراً" الثانية على "امْرءاً" الثاني، والتقدير: أتَحْسَبِينَ كُلَّ نَارٍ نَاراً، فقد عطف على معمولي عاملين. والبيت الثاني: عطف عليه "وجَنْبَيْهِ" على "بِلَبَانِهِ" وعطف حرّ النار "على الصَّلا" والتقدير: وبَاشَرَ بجَنْبَيْه حَرَّ النَّارِ. والبيت الثالث: عطف فيه "الحَمَاةِ" على "الكلبِ" و "شرًّا" على "خيراً" تقديره: وأوْصَيْتَ بالحَمَاةِ شَرًّا. وسيبويه في جميع ذلك يرى الجر بخافض مقدر، لكنه عورض بأن إعمال حرف الجر مضمراً ضعيفٌ جداً، ألا ترى أنه لا يجوز: مَرَرْتُ زَيْدٍ بخفض "زَيْدٍ" إلاَّ في ضرورة كقوله: شعر : 4437ـ إِذَا قِيلَ أَيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ تفسير : يريد: إلى كليب، وقول الآخر: شعر : 4438ـ .............................. تَـبَـــذَّخَ فَارْتَـقَــى الأَعْــلاَمِ تفسير : أي إلى الأعلام. فقد فر من شيء فوقع في أضعف منه، وأجِيب عن ذلك: بأنه لما تقدم ذكر الحرف في اللفظ قويتِ الدّلالة عليه فكأنه ملفوظ به بخلاف ما أوردتموه في المِثَال والشِّعر. والمذهب الثاني: التفصيل، وهو مذهب الأخفش، وذكل أنه يجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون أحد العاملين جاراً، والثاني: أن يتصل المعطوف بالعاطف أو يفصل "بلا" مثال الأول: الآية الكريمة والأبيات المتقدمة، ولذلك استصوب المبرد اشتهاده بالآية ومثال الفصل "بلا" قولك: مَا فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَلاَ الحُجْرَةِ عَمْرٌو. فلو فقد الشرطان، نحو: إنَّ زَيْداً شَتَم بِشْراً، وَوَاللهِ خَالِداً (هِنْداً) أو فقد أحدهما، نحو: إنَّ زيداً ضَرَبَ بَكْراً، وخالداً بِشْراً، فقد نقل ابن مالك، الامتناع عن الجميع. وفيه نظر، لما سيأتي من الخِلاف. الثالث: أنه يجوز بشرط أن يكون أحد العاملين جارًّا، وأن يكون متقدماً نحو الآية الكريمة، فلو لم يتقدم نحو: إنَّ زَيْداً في الدارِ وعمرو السوقِ، لم يَجُز، وكذا لو لم يكن حرف جر كما تقدم تمثيله. الرابع: الجواز مطلقاً، ويُعْزَى للفراء. الوجه الرابع من أوجه تخريج القراءة المذكورة: أن ينتصب "آيات" على الاختصاص. قاله الزمخشري، كما سيأتي. وأما قراءة الرفع ففيها أوجه: أحدها: أن يكون الأول. والثاني: ما تقدم في {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. الثالث: أن تكون المسألة من باب العطف على عاملين، وذلك أن "اخْتِلاَفِ" عطف على "خَلْقكم" وهو معمول "لفِي" و "آيات" قبلها، وهي معمولة للابتداء فقد عطف على معمول عاملين في هذه القراءة أيضاً. قال الزمخشري: وقرىء: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بالرفع والنصب على قولك: إنَّ زَيْداً فِي الدَّارِ وعمرو في السوق أو عمراً في السُّوق. قال: وأما قوله: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} فمن العطف على عاملين سواء نصبت أم رفعت، فالعاملان في النصب (إنَّ) و (فِي)، أقيمت الواو مُقَامَهُما فعملت الجر في "اختلاف الليل والنهار" والنصب في "آيات" وإذا رفعت فالعاملان الابتداء و (في) عملت الرفع في "آيات" والجر في "اختلاف". ثُمَّ قال في توجيه النصب: والثاني: أن ينتصب على الاختصاص بعد انقضاء المجرور. والوجه الخامس: أن يرتفع "آياتٌ" على خبر ابتداء مضمر أي هِيَ آياتٌ. وناقشه أبو حيان فقال: ونسبة الجر والرفع والجر والنصب للواو ليس بصحيح؛ لأنّ الصحيحَ من المذاهب أن حرف العطف لا يعمل، وأيضاً ناقش أبو شامة فقال: فمنهم من يقول هو على هذه القراءة أيضاً ـ يعني قراءة الرفع ـ عطف على عاملين. وهما حرف "في" والابتداء المقتضي للرفع. ومنهم من لا يطلق هذه العبارة في هذه القراءة؛ لأن الابتداء ليس بعامل لفظي. وقرىء: واخْتِلاَفُ ـ بالرفع ـ آيَةٌ ـ بالرفع، والتوحيد ـ على الابتداء والخبر. وكذلك قرىء: وما يَبُيثُّ مِنْ دَابَّةٌ آيَةٌ بالتوحيد. وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وطلحة وعِيسَى: وتصْرِيف الرِّيح كذا قال أبو حيان. قال شهاب الدين: وقد قرأ بهذه القراءة حمزةُ والكسائيُّ أيضاً. وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. فصل اختلاف الليل والنهار فيه وجوه: الأول: تبديل النهار بالليل وبالعكس. الثاني: زيادة طول النهار على طول الليل والعكس. الثالث: اختلاف مطالع الشمس في أيام السنة. قوله: {وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ} يعني الرزق الذي هو سبب أرزاق العباد {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} وهذا يدل على وجوب القول بوجود الفاعل المختار من وجوه: أحدها: إنشاء السحاب وإنزال المطر فيه. وثانيها: تولد النبات من تلك الحبة الواقعة في الأرض. وثالثها: تولد الأنواع المختلفة وهي ساق الشجرة، وأغصانها، وأوراقها، وثمارها، ثم تلك الثمرة منها ما يكون القشر محيطاً باللّب، كالجَوْز، واللَّوز، ومنها ما يكون اللّب محيطاً بالقشر كالمِشْمِش والخوخ، ومنها ما يكون خالياً عن القشر كالتِّين. فتولد أقسام النبات على كثرة أقسامه وَتَبَايُنِها يدلّ على وجوب القول بوجود الفاعل المختار الحكيم الرحيم. قوله: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} هي أقسام كثير منها الشرقية، والغربية والشّمالية، والجنوبية، ومنها الحارّة، والباردة، آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُون. واعلم أنه تعالى جمع هذه الدلائل في سورة البقرة فقال: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة:164]. فذكر الله تعالى هذه الأقسام الثمانية من الدلائل، والتفاوت بين الوصفين من وجوه: الأول: أنه تعالى قال في سورة البقرة: {إنَّ في خلق السموات والأرض} وقال ههنا: {إن في السموات والأرض} والصحيح عند أهل السنة: إنَّ الخلق غير المخلوق، فذكر لفظ الخلق في سورة البقرة، ولم يذكره هَهُنَا تنبيهاً على أن لا تفاوت بين أن يفصل السموات أو خلق السموات فيكون هذا دليلاً على أن الخلق غير المخلوق. الثاني: أنه ذكر هناك ثمانيةَ أنواع من الدلائل، وذكر ههنا سبعة أنواع من الدلائل، وأهمل منها الفلك والسحاب، والسَّبَبُ فيه أن مَدَار حركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة، فذكر الرياح التي هي كالسبب يغني عن ذكرهما. الثالث: أنه جمع الكل وذكر لها مقطَعاً واحداً، وههنا رَتَّبَها على ثلاثة أنواع، والغرض منه التنبيه على أنه لا بدّ من إفراد كل احد منها بنظر تامٍّ سابقٍ. الرابع: أنه تعالى ذكر في هذا الموضع ثلاثة مقاطع: أحدها: للمؤمنين، وثانيها: "يوقنون". وثالثها: "يعقلون". قال ابن الخطيب: وأظنُّ أن سبب هذا الترتيب أن قوله: إن كنتم من المؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين (بل أنتم من طلاب الجَزْم واليقين، فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين) ولا من المُوقِنِينَ فلا أَقَلَّ أن تكونوا من زُمْرَةِ العقلاء فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل. قوله تعالى: {تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا} يجوز أن تكون "نتلوها" خبراً "لِتِلْكَ" و "آيَاتُ اللهِ"، بدل أو عطف بيان، ويجوز أن تكون "تِلْكَ آيَاتُ" مبتدأ وخبراً, و "نَتْلُوها" حال قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه "تلك" من معنى الإرشاد ونحوه: {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً}تفسير : [هود:72]. قال أبو حيان: وليس نحوه لأن في "وهَذَا بَعْلِي" حرف تنبيه؛ فقيل: العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تَنَبَّهْ وأما تلك فليس فيها حرف تنبيه، (فإذا كان حرف التنبيه عاملاً) بما فيه من معنى التنبيه لأن المعنى قد يعمل في الحال، فالمعنى تَنَبَّهْ لزيدٍ في حال شَيْخِه أو في حال قيامه. وقيل: العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى، أي انظر إليه في حال شيخه فلا يكون اسم الإشارة عاملاً ولا حرف التنبيه إن كان هناك. قال شهاب الدين: بل الآية نحو: هَذَا بَعْلِي شَيْخاً من حَيْثِيَّةِ نسبة العمل لاسم الإشارة غاية ما ثَمَّ أن في الآية الأخرى ما يَصْلُحُ أن يكون عاملاً، وهذا لا يَقْدَح في التنظير إذا قصدت جهةً مشتركةً، وأما إضمار الفعل فهو مشترك في الموضعين عند من يرى ذَلِكَ قال ابن عطية: وفي "نَتْلُوها" حذف مضاف، أي نتلو شأنها وشرح العبرة فيها ويحتمل أن يريد بآيات الله القرآن المنزل في هذا المعنى، فلا يكون فيها حذفُ مضاف. وقرأ بعضهم: يَتْلُوهَا بياء الغيبة، عائداً على الباري تعالى. قوله: "بالْحَقِّ" حال من الفاعل، أي ملتبسين بالحق، أو من المفعول، أي ملتبسةً بالحق. ويجوز أن تكون (الباء) للسببية فتتعلق بنفس "نَتْلُوهَا". قوله: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ} قال الزمخشري: أي بعد آيات الله، فهو كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ كَرَمُهُ، يريدون: كَرَمَ زَيْدٍ. وردَّه عليه أبو حيان بأنه ليس مراداً، بل المراد إعجابان، وبأنَّ فيه إقحاماً للأسماء من غير ضرورة، قال: وهذا قلب لحقائق النَّحْو. وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو وعاصمٌ ـ في رواية ـ "يُؤمِنُون" بياء الغيبة والباقون بتاء الخطاب. و "فَبِأَيِّ" متعلق به، قدم لأن له صدر الكلام. واختار أبو عبيد الياء، لأن فيه غيبة، وهو قوله: {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}، و {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. فإن قيل: في أول الكلام خطاب، وهو قوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ} قُلْنَا: الغيبة أقرب إلى الحرف المُخْتَلَفِ فيه فكان أولى. فصل ومعنى الآية أن من لم ينتفع بهذه الآيات، فلا شيء بعده يجوز أن ينتفع به. وهذه الآية تبطل القول بالتقليد، وتوجب على المكلف على التأمل في دلائل دين الله.

البقاعي

تفسير : {حم *} أي حكمة محمد إليها المنتهى كما تقدم في الدخان ما أفهم إنزاله من أم الكتاب جملة إلى بيت العزة، ودل على بركته مما دل على حكمة منزله وعزته بالبشارة والنذارة والإيقاع بالمجرمين بعد طول الحلم والأناة والنجاة للمتقين وغير ذلك من أمور هي في غاية الدلالة على ذلك لأنها راجعة إلى الحسن لمن ألقى السمع، وهو شهيد، وأشار إلى سهولتها على من تأمل هذا الذكر المترجم بلسان أعلى الخلق وأكملهم وأشرفهم خلائق وأفضلهم، ابتدأ هذه بالإعلام بأنه زاد ذلك يسراً وسهولة بإنزاله منجماً بحسب الوقائع مطابقاً لها أتم مطابقة بعد إنزاله جملة من أم الكتاب ثم مرتباً لما أنزل منه ترتيباً يفهم علوماً ويوضح أسراراً غامضة مهمة فقال: {تنزيل الكتاب} أي إنزال الجامع لكل خير مفرقاً لزيادة التسهيل في التفهيم والإبلاغ في اليسر في التعليم وغير ذلك من الفضل العميم وزاده عظماً بقوله: {من الله} أي كائن من المحيط بصفات الكمال. ولما كان - كما مضى - للعزة والحكمة أعظم بركة هنا قال: {العزيز الحكيم *} فكان كتابه عزيزاً حكيماً لا كما تقول الكفرة من أنه شعر أو كذب أو كهانة لأنه لا حكمة لذلك ولا عزة بحيث يلتبس أمره بأمره هذا الكتاب المحيط بدائرة الحكمة والصواب، ودل بشواهد القدرة وآثار الصنعة من نسخة هذا الكتاب على الصفتين وعلى وحدانيته فيهما اللازم منه تفرده المطلق فقال مؤكداً لأجل من ينكر ذلك ولو بالعمل، وترغيباً في تدقيق النظر بتأمل آيات الوجود التي هذا الكتاب شرح لمغلقها وتفصيل لمجملها. وإيماء إلى أنها أهل لصرف الأفكار إلى تأملها {إن في} ولما كانت الحواميم - كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن عباس رضي الله عنهما - لباب القرآن، حذف ما ذكر في البقرة من قوله "خلق" ليكون ما هنا أشمل فقال: {السماوات} أي ذواتها بما لها من الدلالة على صانعها وخلقها على ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة ما لها من الشفوف الدال على تعددها بما فيها من الكواكب {والأرض} كذلك وبما حوت من المعادن والمعايش والمنابع والمعاون {لآيات} أي دلائل على وحدانيته وجميع كماله، فإن من المعلوم أنه لا بد لكل من ذلك من صانع متصف بذلك {للمؤمنين *} أي لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم يهديهم بإيمانهم فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة، وأدلة الإلهية فيهما واضحة، ولعله أشار بالتعبير بالوصف إلى أنه لا بد في رد شبه أهل الطبائع من تقدم الإيمان، وأن من لم يكن راسخ الإيمان لم يخلص من شكوكهم. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما تضمنت السورة المتقدمة إيضاح أمر الكتاب وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور، كان أمر من كفر من العرب أعظم شيء لانقطاعهم عجزهم وقيام الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما قاموا بادعاء معارضته ولا تشوفوا إلى الإسناد إلى عظيم تلك المعارضة، أتبع ذلك تعالى تنبيهاً لنبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواه مما صد المعرض عن الاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه، ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، فقال تعالى بعد القسم بالكتاب المبين {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين} أي لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم تبيان{أية : أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى} تفسير : [الروم: 8] فلما نبه بخلق السماوات والأرض، أتبع بذكر ما بث في الأرض فقال {وفي خلقكم وما بث فيهما من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الّيل والنهار} أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار} ثم نبه على الاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقاً بحط القياس فقال {وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها} ثم قال {وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} الاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطاً يطول، ثم قال {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق} أي علاماته ودلائله {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} ثم قال {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون} أبعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهن من عجائب الدلائل الواضحة لأولي الألباب، فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا يعتبر، ثم أردف تعالى بقريعهم وتوبيخهم في تصميمهم مع وضوح الأمر فقال {ويل لكل أفاك أثيم} الآيات الثلاث، ثم قال {هذا هدى} وأشار إلى الكتاب وجعله نفس الهدى لتحمله كل أسباب الهدى وجميع جهاته، ثم توعد من كفر به ثم أردف ذلك بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائداً في توبيخهم، والتحمت الآي عاضدة هذا الغرض تقريعاً وتوبيخاً ووعيداً وتهديداً إلى آخر السورة - انتهى. ولما ذكر سبحانه بالنظر في آيات الآفاق، أتبعها آيات الأنفس فقال: {وفي خلقكم} أي المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار والقدرة على السار والضار {وما يبث} أي ينشر ويفرق بالحركة الاختيارية بثاً على سبيل التجدد والاستمرار {من دآبة} مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ذلك من مشاركتكم في الحركة بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزئيات ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال والمنافع والطبائع ونحوها {آيات} أي على صفات الكمال ولا سيما العزة والحكمة، وهي على قراءة حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب هنا، وفي الذي بعده عطف الآيتين على حيز إن في الآية الأولى من الاسم والخبر، فلهذه الآية نظر إلى التأكيد، وهو على قراءة الجماعة مبتدأ بالعطف على "إن" وما في حيزها، وهي أبلغ لأنها تشير إلى أن ما في تصوير الحيوان وجميع شأنه من عجيب الصنع ظاهر الدلالة على الله فهو بحيث لا ينكره أحد، فهو غني عن التأكيد، ويجوز أن تكون الآية على قراءة النصب من الاحتباك: حذف أولاً الخلق بما دل عليه ثانياً، وثانياً ذوات الأنفس بما دل عليه من ذوات السماوات أولاً. ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها من التجدد والاختلاف، قال: {لقوم} أي فيهم أهلية القيام بما يحاولونه {يوقنون *} أي يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف الإيقان، فلا يخالطهم شك في وحدانيته؛ قال الحرالي في تفسير {أو كالذي مر على قرية}: آية النفس منبهة على آية الحس، وآية الحس منبهة على آية النفس، إلا أن آية النفس أعلق، فهي لذلك أهدى، غاية آية الآفاق الإيمان، وغاية آية النفس اليقين. ولما ذكر الظرف وما خلق لأجله من الناس، ضم إليهم بعض ما خلقه لأجلهم لشرفه بالحياة، أتبعه ما أودع الظرف من المرافق لأجل الحيوان فقال: {واختلاف الّيل والنهار} بذهاب أحدهما ووجود الآخر بعد ذهابه على التعاقب آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد الإعدام بالبعث وغيره، وجر "اختلاف" بتقدير "في" فينوب حرف العطف مناب عامل واحد للابتداء عند من رفع "آيات"، ومناب "إن" عند من نصب، فلم يلزم نيابته مناب عاملين مختلفين في الابتداء في الرفع وفي "إن" في النصب. ولما كان المطر أدل مما مضى على البعث والعزة، لأن الشيء كلما قل الإلف له كان أمكن للتأمل فيه، أولاه إياه فقال: {وما أنزل الله} أي الذي تمت عظمته فنفذت كلمته. ولما كان الإنزال قد يستعمل فيما اتى من علو معنوي وإن لم يكن حسياً، بين أن المراد هنا الأمران فقال: {من السماء}. ولما كانت منافع السماء غير منحصرة في الماء قال: {من رزق} أي مطر وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق {فأحيا به} أي بسببه وتعقبه {الأرض} أي الصالحة للحياة، ولذلك قال: {بعد موتها} أي يبسها وتهشم ما كان فيها من النبات وانقلابه بالاختلاط بترابها تراباً، فإذا نزل عليها الماء جمعه منها فأخرجه على ما كان عليه كلما تجدد نزوله، ولذلك لم يأت بالجار إشارة إلى دوام الحياة بالقوة إن لم يكن بالفعل. ولما ذكر ما يشمل الماء، ذكر سبب السحاب الذي يحمله فقال: {وتصريف الرياح} في كل جهة من جهات الكون وفي كل معنى من رحمة وعذاب وغير ذلك من الأسباب، ولم يذكر الفلك والسحاب كما في البقرة لاقتضاء اللبابية المسماة بها الحواميم، ذلك لأنهما من جملة منافع التصريف، وتوحيد حمزة والكسائي أبلغ لأن تصريف الشيء الواحد في الوجوه الكثيرة أعجب {آيات} قراءة الرفع أبلغ لإشارتها بعدم الحاجة إلى التأكيد إلى أن ما في الآية ظاهر الدلالة على القدرة والاختيار للصانع بما في التصريف من الاختلاف، والماء بما يحدث عنه من الإنبات أوضح دلالة من بقيتها على البعث، ولأجل شدة ظهورها ناط الأمر فيها بالعقل فقال: {لقوم يعقلون *} وقال القالي: والمعنى أن المنصفين لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا، فإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيماناً فأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله‏:‏ ‏{‏وما أنزل الله من السماء من رزق‏} ‏ قال‏:‏ المطر‏.‏ وفي قوله ‏ {‏وتصريف الرياح‏} ‏ إذا شاء جعلها رحمة وإذا شاء جعلها عذابا‏ً.‏ وفي قوله ‏ {‏لكل أفاك أثيم‏} ‏ قال‏:‏ كذاب‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏لكل أفاك أثيم‏}‏ قال‏:‏ المغيرة بن مخزوم‏.

ابو السعود

تفسير : سورة الجلثية مكية وهي سبع أو ست وثلاثون آية {حـم} الكلامُ فيه كما مرَّ في فاتحةِ سورةِ المؤمنِ فإنْ جُعلَ اسماً للسورةِ، فمحلُّه الرفعُ على أنَّه خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي هذا مُسمَّى بحم. والإشارةُ إلى السورةِ قبل جريانِ ذكرِها قد وقفتَ على سرِّه مراراً، وإنْ جُعلَ مسروداً على نمطِ التعديدِ فلا حظَّ له من الإعرابِ. وقولُه تعالى: {تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ} على الأولِ خبرٌ بعدَ خبرٍ، على أنَّه مصدرٌ أطلقَ على المفعولِ مبالغةً، وعلى الثانِي خبرٌ لمبتدأٍ مضمرٍ يلوحُ به ما قبلَهُ أي المؤلفُ من جنسِ ما ذُكِرَ تنزيلُ الكتابِ وقيلَ: هو خبرٌ لحم أي المُسمَّى به تنزيلُ الخ وقد مرَّ مراراً أنَّ الذي يُجعلُ عُنواناً للموضوعِ حقَّه أنْ يكونَ قبلَ ذلكَ معلومَ الانتسابِ إليه، وإذ لا عهدَ بالتسميةِ بعدُ فحقُّها الإخبارُ بَها، وأما جعلُه خبراً له بتقديرِ المضافِ وإبقاءِ التنزيلِ على أصلِه أي تنزيلُ حم تنزيلُ الكتابِ فمعَ عرائهِ عن إفادةِ فائدةٍ يُعتدُّ بها تمحلٌ على تمحلٍ. وقولُه تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} كما مرَّ في صدرِ سورةِ الزمرُ على التفصيلِ، وقيلَ: حم مقسمٌ به، وتنزيلُ الكتابِ صفتُه، وجوابُ القسمِ قولُه تعالى: {إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لأَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} وهو على الوجوهِ المتقدمةِ كلامٌ مسأنفٌ مسوقٌ للتنبـيهِ على الآياتِ التكوينيةِ الآفاقيةِ والأنفسيةِ، ومحلُّ الآياتِ إمَّا نفسُ السمواتِ والأرضِ فإنَّهما منطويتانِ من فنونِ الآياتِ على ما يقصرُ عنه البـيانُ وإما خلقُهما كما في قولِه تعالى: { أية : إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [سورة البقرة، الآية 164] وهو الأوفقُ بقولِه تعالى {وَفِى خَلْقِكُمْ} أي من نطفةٍ ثم من علقةٍ متقلبةٍ في أطوارٍ مختلفةٍ إلى تمامِ الخلقِ {وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ} عطفٌ على المضافِ دونَ المضافِ إليه أي وفيمَا ينشرُه ويفرّقُه من دابةٍ. {ءايَـٰتُ} بالرفعِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُهُ الظرفُ المقدمُ. والجملةُ معطوفةُ على ما قبلَها من الجملةِ المصدرةِ بإنَّ وقيلَ: آياتٌ عطفٌ على ما قبلَها من آياتٍ باعتبارِ المحلِّ عندَ من يُجوِّزُه وقُرِيَء آيةٌ بالتوحيدِ، وقرىء آيات بالنصب عطفاً على ما قبلها من اسم إنَّ والخبر هو الخبر كأنه قيل: وإن في خلقكم ما يبث من دابة آياتٍ {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي من شأنِهم أنْ يُوقنوا بالأشياءِ على ما هيَ عليهِ.

القشيري

تفسير : {ٱلْعَزِيزِ}: في جلاله، {ٱلْحَكِيمِ}: في أفعاله. {ٱلْعَزِيزِ}: في آزاله، {ٱلْحَكِيمِ}: في لطفه بالعبد بوصف إقباله.

البقلي

تفسير : الحاء يدل على ان فى بحر حيوته حادث الارواح وفى ميادين محبته هامت الاسرار قال الاستاذ اى بحيوتى وموتى لا شئ احب على حياتى من لقائى.

اسماعيل حقي

تفسير : {حم} اى هذه السورة مسماة بحم وفى التأويلات النجمية يشير بالحاء الى حياته وبالميم الى مودته كائن قال بحياتى ومودتى لاوليائى لا شئ الى احب من لقاء احبابى ولا أعز ولا أحب على احبابى من لقائى وفى عرآئس البقلى الحاء يدل على ان فى بحر حياته حارت الارواح والميم تدل على ان فى ميادين محبته هامت الاسرار. يقول الفقير الحاء اشارة الى الحب الازلى المتقدم ولذا قدمه والميم اشارة الى المعرفة الابدية المتأخرة ولذا اخره كما دل عليه قوله تعالى لداود عليه السلام كنت كنزا مخفيا فاحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف فان المحبة فى هذا الحديث القدسى متقدمة على المعرفة وذلك نزولا وبالعكس عروجا كما لا يخفى على اهل الذوق

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {واختلاف الليل والنهار...} الآية؛ فيها العطف على عاملين، سواء نصبت "آيات" أو رفعتها، فالعاملان إذا نصبت "إن" و "في" أقيمت الواو مقامهما، فعملت الجر في {واختلاف} والنصب في {آيات}، وإذا رفعت فالعاملان الابتداء، وحرف "في" عملت الواو الرفع في "آيات" والجرّ في "واختلاف" وهذا مذهب الأخفش، فإنه يُجوِّز العطفَ على عاملين، وأما سيبويه فلا يُجيزه، وتخريج الآية عنده: أن يكونَ على إضمار "في"، والذي حسّنه: تقديم ذكر "في" الآيتين قبله، ويؤيده: قراءة ابن مسعود رضي الله عنه {وفي اختلاف الليل والنهار} وفيها أوجه أُخر. يقول الحق جلّ جلاله: {حمۤ} يا حبيب يا مجيد هذا {تنزيلُ الكتاب من الله العزيز الحكيم} فكونه من الله عزّ وجل دلّ أنه حق وصدق وصواب، وكونه من العزيز دلَّ أنه معجز،، يَغلِب ولا يُغلب، وكونه من الحكيم دلّ أنه مشتمل على الحِكَم البالغة، وأنه محكَم في نفسه، يَنسِخ ولا يُنْسَخ. ثم برهن على عزته، وباهر حكمته، فقال: {إِنَّ في خلق السماوات والأرض} إِما في نفس السماوات والأرض؛ فإن في شكلهما من بدائع وفنون الحِكَم ما يقصر عنه البيان، وإما في خلقهما وإظهارهما، كما في قوله تعالى:{أية : إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}تفسير : [آل عمران: 190] {لآياتٍ للمؤمنين} لدلالاتٍ على وحدانيته تعالى لأهل الإيمان، وهو الأوفق بقوله: {وفي خلقِكم} أي: من نطفة ثم من علقة متقلبة من أطوار مختلفة إلى تمام الخلق، {وما يَبُتُّ من دابةٍ} عطف على المضاف دون المضاف إليه، أي: وفي خلق ما يبث، أي: ينشر ويُصرّف من دابة {آياتٌ} ظاهرة على باهر قدرته وحكمته، {لقومٍ يُوقنون} أي: من شأنهم أن يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه، ويعرفوا فيها صانعها، {وفي اختلاف الليل والنهار} أي: تعاقبهما بالذهاب والمجيء، أو: تفاوتهما طولاً، وقصراً، {و} في {ما أنزل اللّهُ من السماءِ مِن رزقٍ} مطر؛ لأنه سبب الرزق، فعبَّر عن السبب بالمسبب؛ لأنه نتيجته، تنبيهاً على كونه آية من جهة القدرة والرحمة، {فأحيا به الأرضَ} بأن أخرج أصناف الزرع والثمرات والنبات {بعد موتها} أي: خلُوها عن آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها، وخُلوا أشجارها عن الثمار والأزهار. {وتصريفِ الرياح} أي: هبوبها من جهة إلى أخرى، ومن حال إلى حال، وتأخيره عن نزول المطر مع تقدمه عليه في الوجود، إما للإيذان بأنه آية مستقلة، ولو روعي الترتيب الوجودي لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح ونزول المطر آية واحدة، أو: لأن كون التصريف آية ليس مجرد كونه مبتدأ لإنشاء المطر، بل له ولسائر المنافع، التي من جملتها: سوق السفن في البحار، وإلقاح الأشجار، {آياتٌ لقوم يعقلون} يتدبّرون بعقولهم، فيصلون إلى صريح التوحيد. وفي تقديم الإيمان على الإيقان، وتأخير تدبُّر العقل؛ لأن العباد إذا نظروا في السموات والأرض نظراً صحيحاً؛ علموا أنها مصنوعة، وأنه لا بُدَّ لها من صانع، فآمنوا بالله، وإذا نظروا في خلق أنفسهم، وتنقلها من حالٍ إلى حال، وفي خلق ما ظَهَرَ على ظَهْر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيماناً وأيقنوا، فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدّد في كل وقت، كتعاقب الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، جنوباً وشمالاً، ودَبوراً وصباً، عقِلوا، واستحكم في عقولهم، وخلص يقينهم، فكانوا من ذوي الألباب. {تلك آياتُ الله} مبتدأ وخبر، و {نتلُوها عليك} حال، العامل: معنى الإشارة، أي: تلك الآيات المتقدمة هي آيات الله الدالة على وجوب وجوده واتصافه بأوصاف الكمال، حال كونها متلوةً عليك، ملتبسة {بالحق} أو: نتلوها محقين في ذلك: فالجار والمجرور: حال من المفعول أو الفاعل. {فبأيّ حديثٍ} من الأحاديث {بعد الله وآياتهِ} أي: بعد آيات الله، كقولك: أعجبني زيد وكرمه، أي: أعجبني كرم زيد، أو: بعد حديث الله، الذي هو القرآن، وآياته العامة في كل شيء، فيكون على حذف مضاف، أو: يُراد بها القرآن أيضاً، والعطف للتغاير العنواني، فالأول من جهة كونه حديثاً حسناً، والثاني باعتبار كونه معجزاً، أي: فبأي حديثٍ بعد أحسن الحديث وأبهر الآيات {يؤمنون} يُصدِّقون؟! ومَن قرأ بالخطاب يُقدر: قل يا محمد. الإشارة: قال القشيري: الحاء تدل على حياته، والميم تدل على مودته، كأنه قال: بحق حياتي ومودتي لأوليائي، لا شيء أعز على أحبائي من لقائي، العزيزُ في جلاله، الحكيم في فعاله، العزيز في أزله، الحكيم في لُطفه بالعبد بوصف إقباله. قوله تعالى: {إِنَّ في السماوات والأرض...} الآية؛ شواهد الربوبية لائحةٌ، وأدلة الإلهية واضحةٌ، فَمَنْ صحا فكره عن سُكر الغفلة، ووضعَ سِرَّه في محل العِبْرة، حَظِيَ - لا محالة - بحقائق الوصلة. هـ. قلت: إنما يحظى بالوصلة إذا نفذت بصيرته إلى شهود المكوِّن، ولم يقف مع شيء من حس الكائنات، بل نفذ إلى ما فيها من أسرار المعاني، فعرف فيها مولاها، وشاهد فيها المتجلي بها، وإلا بَقِيَ مسجوناً محصوراً في ذاته. قوله تعالى: {وفي خلقكم...} الآية، قال القشيري: إذا أنعم العبدُ النظرَ في استواء قدِّه وقامته، واستكمال خلقه، وتمام تمييزه، وما هو مخصوص به من جوارحه وحوائجه، ثم فكّر فيما عداه من الدواب، وأجزائها وأعضائها، ووقف على اختصاصه، وامتياز بني آدم من بين البريَّة من الحيوانات، في الفهم والعقل والتمييز والعلم، ثم في الإيمان والعرفان، ووجوه خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة من فنون الإحسان؛ عَرَف تخصيصهم بمناقبهم، وانفرادهم بفضلهم، فاستيقن أن الله أكرمهم، وعلى كثيرٍ من المخلوقات قَدَّمهم. ثم قال في قوله: {واختلاف الليل والنهار...} الآية. جعل الله العلومَ الدينية كسبيةً مُصحَّحةً بالدلائل، مُحتَفةً بالشواهد، فمَن لم يستبصرْ لها زلَّتْ قَدَمُه عن الصراط المستقيم، ووقع في عذاب الجحيم، فاليومَ في ظلمة الحيرة والتقليد، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد. هـ. قلت: النظر في دلائل الكائنات من غير تنوير، ولا صحبة أهل التنوير، لا تزيد إلا حيرة، ولذلك قال بعضهم: إيمان أهل علم الكلام كالخيط في الهواء، يميل مع كل ريح، فالتقليد حينئذ أسلم، والتمسك بظاهر الكتاب والسنة أتم، ومَن سقط على العارفين بالله، لم يحتج إلى دليل ولا شاهد، وأغناه شهود الشهيد عن كل شاهد. شعر : عجبت لمَن يبغي عليك شهادة وأنت الذي أشهدته كلَّ شاهد تفسير : كيف يُعرف بالمعارف مَن به عُرفت المعارف؟! تنزّه الحق تعالى أن يفتقر إلى دليل يدلّ عليه، بل به يستدل على غيره، فلا يجد غيره. تلك آيات شواهد نتلوها عليك لترانا فيها، لا لتراها مفروقةً عنا، ولذلك قال تعالى: {بالحق} أي: ملتبسة بنور الحق، الله نور السموات والأرض. قوله تعالى: {فبأي حديث...} الآية، قال القشيري: فَمَنْ لا يؤمن بها فبأي حديث يؤمن؟ ومن أي أصل ينشأ بعده؟ ومن أي بحر في التحقيق يغترف؟ هيهات ما بقي للإشكال في هذا مجال. هـ. ثم ذكر حال مَن أعرض عنها، فقال: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}.

الطوسي

تفسير : خمس آيات في الكوفي واربع في الباقي، عد الكوفيون {حم} ولم يعده الباقون. قرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {لآيات} بالكسر فى الثلاث مواضع. الباقون بالرفع فى الثاني. والثالث. من خفض التاء فعلى أنه في موضع نصب رداً على (إن) وإنما كسرت التاء، لانها تاء جمع التأنيث. وقال المبرد: هذا بعد الواو لانه عطف على عاملين على "إن" و "في" بحرف الواو، لانه يكون عطف "وإختلاف" على (في) وعطف على (إن) بهذه الواو وحدها، فأما "آيات" الثانية فأجاز عطفها على الاولى، لان معها (فى) وتقديره إن فى خلقكم. قال ابن خالويه ليس ذلك لحناً، لان من رفع أيضاً فقد عطف على عاملين، فيكون عطف جملة على جملة ويحتمل ان يكون عطف على موضع (إن) لان موضعها الرفع، والاخفش كان يجيز العطف على عاملين، فيقول مررت بزيد فى الدار والحجرة عمرو، ويحتج بقول الشاعر: شعر : اكل امرىء تحسبين امرأ ونار تأجج للحرب ناراً تفسير : عطف على ما عملت فيه (كل) وما عملت فيه (تحسبين) وأجود من العطف على عاملين أن يجعل (آيات) الثانية بدلا من الأول، فيكون غير عاطف على عاملين، وتقديره إن فى السموات والأرض لآيات للمؤمنين لآيات، كما تقول: ضربت زيداً زيداً، فلا يحتاج إلى حرف العطف، ومن رفع آيات الثانية حملها على الابتداء والخبر، وجعل الثالثة تكرير الثانية بالرفع، قال الزجاج: لأنه يرفع (آيات) عطفاً على ما قبلها، كما خفض (وإختلاف) عطفاً على ما قبلها. وقال ابو علي: وجه قراءة الكسائي أنه لم يحمل على موضع (إن) كما حمله من رفع (آيات) فى الموضعين أو قطعه واستأنف، لكنه حمله على لفظ (إن) دون موضعها، فحمل (آيات) في الموضعين على نصب (إن) في قوله {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين} ويكون على تقدير إن، وإن كانت محذوفة من اللفظ ويجعلها فى حكم المثبت فيه، لان ذكره قد تقدم فى قوله {إن في السماوات} وقوله {وفي خلقكم} فلما تقدم الجار في هذين الموضعين قدر فى الاثبات فى اللفظ، وإن كان محذوفاً منه كما قدر سيبويه فى قوله: شعر : اكل امرىء تحسبن امرءاً [ونار تأجج للجر ناراً] تفسير : وقيل (كل) في حكم الملفوظ به واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره، وكذلك فعلت العرب فى الجار ألا ترى أنهم لم يجيزوا (من تمرر أمرر) واجازوا (بمن تمرر أمرر) و (على أيهم تنزل انزل) فحذف الجار حسن لتقدم ذكر الجار، وعلى هذا قول الشاعر: شعر : ان الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوماً على من يتكل تفسير : لما ذكر (على) و (إن) كانت زائدة - فى قول سيبويه - حسن حذف الجار من الصلة، ولو لم تذكر لم يجزه. وحكي فى بعض القراءات عن أبي إنه قرأ فى المواضع الثلاث {لآيات في خلقكم وما يبث من دابة لآيات} وكذلك الآخر فدخول اللام يدل على أن الكلام محمول على (إن) وإذا كان محمولا عليها حسن النصب على قراءة حمزة والكسائي وصار كل موضع من ذلك كأن (إن) مذكورة فيه بدلالة دخول اللام، لأن هذه اللام إنما تدخل على خبر (إن) أو اسمها، وحكي أن أبياً قرأ {لآيات} بالرفع مع إدخال اللام عليها، وهذا لا يجيزه اكثر النحويين كالكسائي وغيره، كما لا يجوز في الدار لزيد، واجازه الفراء وانشد لحميد بن ثور: شعر : إن الخلافة بعدهم لذميمة وخلائف طرف لمما أحقر تفسير : وحكى الفراء أنه يقول العرب (إن) لي عليك مالا وعلى أبيك مال بالرفع والنصب، وحكى ابو علي: إنه يجوز أن يعمل الثاني على التأكيد للاول وكذلك في الثالث، ولا يكون عطفاً على عاملين، كما قال بعض شيوخنا في قوله {أية : ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له} تفسير : حمل الثاني على أنه تأكيد للاول. قد ذكرنا في ما تقدم ان (حم) اسم للسورة، وانه أجود الأقوال. قال الرماني: وفي تسمية السورة بـ (حم) دلالة على ان هذا القرآن المعجز كله من حروف المعجم، لأنه سمي به ليدل عليه بأوصافه، ومن اوصافه انه مفصل قد فصلت كل سورة من اختها. ومن اوصافه أنه هدى ونور، فكأنه قيل: هذا اسمه الدال عليه بأوصافه. ثم وصف تعالى الكتاب بأنه تنزيل من الله في مواضع من السور لاستفتاحه بتعظيم شأنه على تصريف القول بما يقتضي ذلك فيه من أضافته إلى الله تعالى من اكرم الوجوه وأجلها وما يتفق الوصف فيه يقتضى انه كالأول في علو المنزلة وجلالته عند الله وإذا أفاد هذا المعنى باقتضائه له لم يكن تكريراً، ويقول القائل: اللهم اغفر لي اللهم ارحمني اللهم عافني اللهم اوسع عليّ في رزقي فيأتى بما يؤذن أن تعظيمه لربه منعقد بكل ما يدعو به. وقوله {من الله} يدل على ان ابتداءه منه تعالى {العزيز} ومعناه القادر الذي لا يغالب {الحكيم} معناه العالم. وقد يكون بمعنى أن أفعاله حكمة وصواب ثم أخبر تعالى ان في السموات والارض لآيات للمؤمنين الذين يصدقون بالله ويقرون بتوحيده وصدق انبيائه وإنما اضاف الآيات إلى المؤمنين وإن كانت ادلة للكافرين ايضاً، لأن المؤمنين انتفعوا بها دون غيرهم من الكفار. والآيات هي الدلالات والحجج. وفي السموات والارض دلالات على الحق من وجوه كثيرة، منها أنه يدل بخلقها على ان لها خالقاً، وانه قادر لا يعجزه شيء وانه مخالف لها، فلا يشبهها وعلى انه عالم بما فيها من الاتقان والانتظام. وفي استحالة تعلق القدرة بها دلالة على ان صانعها قديم غير محدث وبوقوفها مع عظمها وثقل اجرامها بغير عمد ولا سند يدل على أن القادر عليها قادر على الاتيان بما لا يتناهى ولا يشبه احد من القادرين وانه خارج عن حد الطبيعة. ثم بين تعالى ان في خلقنا آيات، والوجه في الدلالة في خلقنا ضروب كثيرة: منها خلق النفس على ما هو به من وضع كل شيء موضعه لما يصلح له. وفي ذلك دلالة على أن صانعه عالم لأنه فعل الحواس الخمس على البنية التي تصلح له مما يختص كل واحد منها بادراك شيء بعينه، لا يشركه فيه الآخر، لان العين لا تصلح إلا لادراك المبصرات وكذلك الفم يصلح للذوق، والأنف للشم، والبشرة للمس، وكل شيء من ذلك يختص بما لا يشركه فيه الآخر وفى ذلك أوضح دلالة على ان صانعها عالم بها، وأنه لا يشبهه شيء، ولو لم يكن إلا خلق العقل الذي يهدي إلى كل أمر، ويتميز به العاقل من كل حيوان، ولا يشبهه شيء في جلالته وعظم منزلته لكان فيه كفاية على جلالة صانعه وعظم خالقه. وقيل: معنى اختلاف الليل والنهار تعاقبهما. وقيل: زيادتهما ونقصانهما، وإنزال الماء من السماء من الغيث والمطر واحياء الأرض بالنبات بعد الجدب والقحط فيثبت الله بذلك رزق الحيوان. وقوله {وبث فيها من كل دابة} أي فرق فيها من جميع الحيوان بأن خلقها وأوجدها، وتصريف الرياح بأن يجعلها تارة جنوباً وتارة شمالا ومرة دبوراً ومرة صباً - في قول الحسن - وقال قتادة: يجعلها رحمة مرة وعذاباً أخرى. وقال الحسن: كثافة السماء مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء إلى سماء فتق مسيرة خمسمائة عام وبين كل أرضين فتق مسيرة خمسمائة عام، وكثافة الأرض مسيرة خمسمائة عام.

الجنابذي

تفسير : {حمۤ تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} قد مضى مكرّراً انّ فى خلقة كلٍّ من السّماوات والارض آياتٍ عديدة من كواكب السّماء وكيفيّة حركاتها المتناسقة ومزاجها وتأثيراتها الغريبة، ومن كون الارض بسيطة ساكنة لا يغمر فيها الرّجل، وليست بصلبة حتّى لا يمكن التّصرّف فيها بالزّراعات والعمارات واجراء القنوات وغير ذلك، وفى ازدواج السّماوات والارض وتأثير السّماوات وما فيها فى الارض وتأثّر الارض وما فيها منها ايضاً آياتٍ، وفى خلقة كلّ من مواليد الارض بحيث يطلب كمال نوعه ويفرّ ممّا يضرّ بذاته وكماله وبحيث يتهيّؤ له ويجتمع فيه اسباب تحصيل كماله المفقود وحفظ كماله الموجود آياتٍ عديدة لكن كلّ ذلك آيات للمؤمنين البائعين البيعة العامّة او الخاصّة، او للمذعنين المنقادين الّذين القوا السّمع لا للغافلين المعرضين.

الأعقم

تفسير : {حم} قد بيَّنا ما قالوا فيه، وأن بعضهم قال: اسم السورة، وبعضهم قال إشارة إلى أن القرآن معجز، وبعضهم قال: إشارة إلى حدوث القرآن، وبعضهم قال: هي مفاتيح أسماء الله تعالى {تنزيل الكتاب} أي أنزله الله في كتابه {العزيز الحكيم} أي إنزاله دليل على مدبر صانع قادر عالم حي سميع، قال الحسن: مسافة كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وكنافة كل أرض مسيرة خمس مائة عام {وفي خلقكم} أي في خلق البشر من كونه نطفة في الرحم ونقلها من حال إلى حال {وما يبث من دابة} أي فرق من الحيوانات وفي الأرض من أنواع مختلفة وصور متفرقة {آيات لقوم يوقنون} يصدقون {واختلاف الليل والنهار} أي أحدهما يجيء خلف الآخر، وقيل: اختلاف حالهما من زيادة ونقصان {وما أنزل الله من السماء من رزق} أي سبب الرزق وهو المطر {فأحيا به الأرض بعد موتها} أي أحياها بالنبات {آيات لقوم يعقلون} ذلك ويتدبرون فيه {تلك آيات الله} ذكره آيات الله {نتلوها عليك بالحق} أي بالصدق {فبأي حديث بعد الله} أي بعد حديث الله وهو القرآن {وآياته يؤمنون} أي إن لم يؤمنوا بحديث الله وآياته مع انه أصدق القائلين فبأي حديث يؤمنون؟ والفرق بين الحديث الذي هو القرآن وبين الآيات أنَّ الحديث قصص واخبار بين الحق والباطل، والآيات الدالة بين الصحيح من الفاسد {ويلٌ}، قيل: كلمة وعيد وأد سائل من صديد جهنم {لكل أفاك أثيم} كذاب مذنب {يسمع آيات الله} يعني القرآن {تتلى عليه ثم يصرّ مستكبراً} يعني لا يؤمن بها بل يصر على كفره {كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم} وجيع {وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً} يستهزئ بها فيزداد ضلالاً {أولئك لهم عذاب مهين} ثم فسَّره فقال سبحانه: {من ورائهم جهنم} عبر بلفظ الجمع ومرة بلفظ الواحد لأنه أراد الجنس، والمعنى بين أيديهم جهنم يصيرون إليها {ولا يغني عنهم} ولا يكفي في المنع من عظم عذاب الله {ما كسبوا شيئاً} من أموالهم {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء}، قيل: الأوثان، وقيل: الرؤساء وعلماء السوء {ولهم عذاب عظيم}.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الجاثية، وهي مكية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {حـمۤ} قد قسّرناه فيما مضى من الحواميم. قال: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ} يعني القرآن {مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}. {إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: فيما يرون مما خلق الله فيهما {لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}. {وَفِي خَلْقِكُمْ} أي: في بدء خلقكم من تراب يوم خلق آدم، ثم من نطفة، أي: نسل آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، وفي الاسماع والأبصار وما لا يحصى من خلق الله في الإنسان {وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ} أي: وما يخلق من دابة من صغير وكبير في البرّ والبحر {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي: يؤمنون. قال: {وَاخْتِلاَفِ} أي: وفي اختلاف {الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن رِّزْقٍ} [يعني المطر، فيه أرزاق الخلق] {فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي بعد إذ كانت يابسة لي فيها نبات {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} في الرحمة والعذاب {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} وهم لمؤمنون.

اطفيش

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم {حم} مبتدأ اسم للسورة على حذف مضاف أي تنزيل {حم} وخبره {تَنزِيلُ الْكِتَابِ} وقوله* {مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} متعلق بتنزيل وان جعل {حم} تعداد للحروف (فتنزيل) مبتدأ (ومن الله) خبر ويجوز كون {حم} قسماً والجواب.

اطفيش

تفسير : {حم * تنزيلُ الكتاب من الله العَزيز الحَكيم * إنَّ فى السَّماوات والأرض لآياتٍ} دلالات على وحدانيته قال تعالى، وقدرته على البعث {للمؤمنين} إن فى خلق السماوات والأرض، فحذف المضاف كما ذكر، وصرح به فى آية أخرى، وكما ذكر فى قوله عز وجل: {وفي خَلْقكُم} والقرآن يفسر بعضه بعضا ولا يلزم ذلك، بل فى نفس السماوات والأرض آيات، إذ ثبتتا بلا أعمدة، ولا علاقة مع ثقلها وسعتهما، وهذا دليل عظيم على قدرته تعالى، وهذا أولى، أو يراد أن فى ما اشتملتا عليه آيات كالشمس والقمر، والنجوم والجبال، والمعادن والتحور والشجر، وإذا قدرنا فى خلق السموات والأرض وأريد ذلك باعتبار ما فيهما كان قوله: {وفى خلقكم} عطف خاص على عام فيما قيل: {وما يُبثُّ مِن دابَّةٍ} عطف على الكف، أى وفى خلق ما يبثه من دابة على جواز العطف على ضمير الجر بلا إعادة للجار، واختاره أبو حيان، ولا سيما أن الجار هنا الاسم، وأن الضمير هنا مفعول به تقديراً، وقد اختار بعضهم العطف على الضمير المجرور بالمضاف مطلقا، وباعتبار أن الانسان دابة يكون عطف عام على خاص، كما شمل الانسان فى قوله تعالى: "أية : وما من دابة في الأرض ولا طائرٍ" تفسير : [الأنعام: 38] وغيره. ويجوز أن تكون ما مصدرية، أى وفى بثه كذا قيل، ويتعطل عليه قوله: {من دابة} إلا بتكلف أن من للابتداء، أى يحصل الله البث من جهة الدابة، وعلى المنع من العطف على ضمير الجر إلا مع اعادة الجار يكون العطف على خلق، أى وفى ما يبث من دابة على تقدير مضاف، أى وفى خلق ما يبث أو بلا تقدير، فيكون المعنى: إن فى ما يبث من دابة آيات من حيث اختلاف صوره وألوانه، وكثرته، واختلاف طبائعه وإدراكاته وأعماله ورزقه، وغير ذلك، أو ما منصوب عطفا على محل المضاف اليه، لأنه مفعول به أضيف اليه مصدر، وفى خلقكم خبر للمبتدأ فى قوله سبحانه وتعالى: {آيات لقوم يُوقنون} من شأنهم الايقان بالأشياء على ما هى عليه، وانما قال هنا: {يوقنون} وفيما قبله {للمؤمنين} وفيما بعده {يعقلون} لأن المنصف اذا نظر فى السماوات والأرض النظر الصحيح، على أنها مصنوعة إذ لا صنعة بلا صانع، وأن من صنعها ليس من جنسها، ولا من جنس غيرها، وإلا كان محتاجا الى صانع فآمن بالله تعالى، ولا جنس له حاشاه وأقرَّ به، واذا نظر الى خلق نفسه وسائر الدواب، وتنقل ذلك من حال ازداد ايمانا، وأيقن وزال عنه اللبس. وإذا نظر الى سائر الحوادث المتجددة فى كل وقت، كاختلاف الليل والنهار، ونزول الأمطار، وحياة الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح جنوبا وشمالا، وقبولا ودبورا، وشدة وضعفا، وحرارة وبردة، وعقل واستحكم عقله، وخلص يقينه، وتنكير الآيات فى المواضع الثلاثة للتعظيم، ووجه آخر أن المراد ان كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل، والابل طلبتم الجزم واليقين فافهموا هذه الدلائل، وان لم تكونوا من أهل الايمان، ولا من أهل اليقين، فلا أقل من أن لكم عقولا تستعملونها فى هذه الدلائل والايمان مرتبة خاصة فى الايمان والعقل المؤيد بنور البصرة مدار للايمان والايقان، فجعل لخلوص الايقان من اعتراء الشكوك من كل وجه، وفى استحكامه كل خير. ولا يلزم أن تكون الآية الثانية أعظم من الأولى، ولا الثالثة من الثانية، لأن الجامع بين النظرين موقن، وبين الثلاثة عاقل، ونظر الانسان فى نفسه، والدواب أدخل فى نفى الشك للقرب والتكرار، وكثرة العدد، والتوافق فى الجنس، إلا أن المؤانسة والألفة قد تعطلان تجدد النظر، وعلى كل حال السموات والأرض أتم دلالة على القدرة، والنظر الى الاختلاف المذكور فى الآية بعداً دل على استحكام الايقان المتجدد حينا فحينا، والمغايرة بين ما هنا وما فى سورة البقرة للتفنن.

الالوسي

تفسير : {حمۤ} إن جعل اسماً للسورة فمحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هذا مسمى بحم.

سيد قطب

تفسير : هذه السورة المكية تصور جانباً من استقبال المشركين للدعوة الإسلامية، وطريقتهم في مواجهة حججها وآياتها، وتعنتهم في مواجهة حقائقها وقضاياها، واتباعهم للهوى اتباعاً كاملاً في غير ما تحرج من حق واضح أو برهان ذي سلطان. كذلك تصور كيف كان القرآن يعالج قلوبهم الجامحة الشاردة مع الهوى، المغلقة دون الهدى؛ وهو يواجهها بآيات الله القاطعة العميقة التأثير والدلالة، ويذكرهم عذابه، ويصور لهم ثوابه، ويقرر لهم سننه، ويعرفهم بنواميسه الماضية في هذا الوجود. ومن خلال آيات السورة وتصويرها للقوم الذين واجهوا الدعوة في مكة، نرى فريقاً من الناس مصرا على الضلالة، مكابراً في الحق، شديد العناد، سيئ الأدب في حق الله وحق كلامه، ترسمه هذه الآيات، وتواجهه بما يستحقه من الترذيل والتحذير والتهديد بعذاب الله المهين الأليم العظيم: {ويل لكل أفاك أثيم. يسمع آيات الله تتلى عليه، ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها، فبشره بعذاب أليم. وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً، أولئك لهم عذاب مهين. من ورائهم جهنم، ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما تخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم}.. ونرى جماعة من الناس، ربما كانوا من أهل الكتاب سيئي التصور والتقدير؛ لا يقيمون وزناً لحقيقة الإيمان الخالصة، لا يحسون بالفارق الأصيل بينهم وهم يعملون السيئات وبين المؤمنين الذي يعملون الصالحات. والقرآن يشعرهم بأن هناك فارقاً أصيلاً في ميزان الله بين الفريقين، ويقرر سوء حكمهم وسوء تصورهم للأمور؛ وقيام الأمر في ميزان الله على العدل الأصيل في صلب الوجود كله منذ بدء الخلق والتكوين: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، سواء محياهم ومماتهم؟ ساء ما يحكمون! وخلق الله السماوات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت، وهم لا يظلمون}.. ونرى فريقاً من الناس لا يعرف حكماً يرجع إليه إلا هواه، فهو إلهه الذي يتعبده، ويطيع كل ما يراه. نرى هذا الفريق من الناس مصوراً تصويراً فذاً في هذه الآية؛ وهو يعجب من أمره ويشهر بغفلته وعماه: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؟ فمن يهديه من بعد الله؟ أفلا تذكرون؟}.. ونرى هذا الفريق من الناس ينكر أمر الآخرة، ويشك كل الشك في قضية البعث والحساب، ويتعنت في الإنكار وفي طلب البرهان بما لا سبيل إليه في هذه الأرض. والقرآن يوجه هذا الفريق إلى الدلائل القائمة الحاضرة على صدق هذه القضية، وهم عنها معرضون: {أية : وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر. وما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يظنون. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين. قل: الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون }.. تفسير : ويجوز أن يكون هؤلاء جميعاً فريقاً واحداً من الناس يصدر منه هذا وذاك، ويصفه القرآن في السورة هنا وهناك. كما يجوز أن يكونوا فرقاً متعددة ممن واجهوا الدعوة في مكة. بما في ذلك بعض أهل الكتاب، وقليل منهم كان في مكة. ويجوز أن تكون هذه إشارة عن هذا الفريق ليعتبر بها أهل مكة دون أن يقتضي هذا وجوده في مكة بالذات في ذلك الحين. وعلى أية حال فقد واجه القرآن هؤلاء الناس بصفاتهم تلك وتصرفاتهم، وتحدث عنهم في هذه السورة ذلك الحديث.. كذلك واجههم بآيات الله في الآفاق وفي أنفسهم، وحذرهم حساب يوم القيامة، وبصرهم بما جرى لمن قبلهم ممن انحرفوا عن دين الله القويم. واجههم بآيات الله في هذا الأسلوب البسيط المؤثر العميق: {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين. وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون. واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون. تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق، فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟}.. وواجههم بها مرة أخرى في صورة نعم من أنعم الله عليهم يغفلون عن تذكرها وتدبرها: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. كذلك واجههم بحالهم يوم القيامة الذي ينكرونه أو يمارون فيه: {أية : ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون. وترى كل أمة جاثية. كل أمة تدعى إلى كتابها. اليوم تجزون ما كنتم تعملون. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته. ذلك هو الفوز المبين. وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوماً مجرمين؟ وإذا قيل: إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها. قلتم: ما ندري ما الساعة، إن نظن إلا ظناً، وما نحن بمستيقنين. وبدا لهم سيئات ما عملوا، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. وقيل: اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا، ومأواكم النار، وما لكم من ناصرين: ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون }.. تفسير : كذلك لم يدع أي لبس أو شك في عدالة الجزاء وفردية التبعة؛ فبين أن هذا الأصل عميق في تكوين الوجود كله، وعليه يقوم هذا الوجود. ذلك حين يقول: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون}.. وحين يرد على من يحسبون وهم يجترحون السيئات أنهم عند الله كالمؤمنين الذين يعملون الصالحات، فيقول: {وخلق الله السماوات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون}.. والسورة كلها وحدة في علاج موضوعها؛ ولكننا قسمناها إلى درسين اثنين لتيسير عرضها وتفصيلها. وهي تبدأ بالأحرف المقطعة: "حا. ميم". والإشارة إلى القرآن الكريم: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم}.. وتختم بحمد الله وربوبيته المطلقة، وتمجيده وتعظيمه، إزاء أولئك الذين يغفلون عن آياته ويستهزئون بها ويستكبرون عنها: {فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين. وله الكبرياء في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم}.. ويسير سياق السورة في عرض موضوعها في يسر وهوادة وإيضاح هادئ، وبيان دقيق عميق. على غير ما يسير سياق سورة الدخان قبلها في إيقاع عنيف كأنه مطارق تقرع القلوب. والله خالق القلوب، ومنزل هذا القرآن، يأخذ القلوب تارة بالقرع والطرق. وتارة باللمس الناعم الرفيق، وتارة بالبيان الهادئ الرقيق. حسب تنوعها هي واختلافها. وحسب تنوع حالاتها ومواقفها في ذاتها. وهو اللطيف الخبير. وهو العزيز الحكيم.. والآن نأخذ في التفصيل: {حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين. وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون. واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، آيات لقوم يعقلون}.. يذكر الحرفين: "حا. ميم" ويذكر بعدهما تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. وفيهما دلالة على مصدر الكتاب، كما أسلفنا الحديث عن الأحرف المقطعة في أوائل السور. من ناحية أن هذا الكتاب المعجز مصوغ من مثل هذه الأحرف، وهم لا يقدرون على شيء منه، فهذه دلالة قائمة على أن تنزيل هذا الكتاب من الله {العزيز} القادر الذي لا يعجزه شيء. {الحكيم} الذي يخلق كل شيء بقدر، ويمضي كل أمر بحكمة. وهو تعقيب يناسب جو السورة وما تتعرض له من ألوان النفوس. وقبل أن يعرض للقوم وموقفهم من هذا الكتاب؛ يشير إلى آيات الله المبثوثة في الكون من حولهم. وقد كانت وحدها كفيلة بتوجيههم إلى الإيمان. ويوجه قلوبهم إليها لعلها توقظها وتفتح مغاليقها، وتستجيش فيها الحساسية بالله منزل هذا الكتاب، وخالق هذا الكون العظيم: {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين}.. والآيات المبثوثة في السماوات والأرض لا تقتصر على شيء دون شيء، ولا حال دون حال. فحيثما مد الإنسان ببصره وجد آيات الله تطالعه في هذا الكون العجيب.. وأي شيء ليس آية؟ هذه السماوات بأجرامها الضخمة، وأفلاكها الهائلة، وهي ـ على ضخامتها ـ مبعثرة كالنثار الصغير في الفضاء.. الفضاء الهائل الرهيب.. الجميل..! ودورة هذه الأجرام في أفلاكها في دقة واطراد وتناسق.. تناسق جميل لا تشبع العين من النظر إليه، ولا يشبع القلب من تمليه! وهذه الأرض الواسعة العريضة بالقياس إلى البشر، وهي ذرة، أو هباءة بالقياس إلى النجوم الكبيرة. ثم بالقياس إلى هذا الفضاء الذي تتوه فيه.. تتوه لولا القدرة التي تمسك بها وتنتظمها في العقد الكوني الذي لا يتوه شيء فيه! وما أودعه الله طبيعة هذه الأرض في موقعها الكوني الخاص من صلاحية لنشوء الحياة فوقها، ومن خصائص دقيقة مقصودة متراكبة متجمعة متناسقة. لو اختلت خصيصة واحدة منها أو تخلفت ما أمكن أن تقوم فيها الحياة أو تدوم! وكل شيء في هذه الأرض وكل حي.. آية.. وكل جزء من كل شيء ومن كل حي في هذه الأرض.. آية.. والصغير الدقيق كالضخم الكبير.. آية.. هذه الورقة الصغيرة في هذه الشجرة الضخمة أو النبتة الهزيلة.. آية.. آية في شكلها وحجمها، آية في لونها وملمسها. آية في وظيفتها وتركيبها. وهذه الشعرة في جسم الحيوان أو الإنسان.. آية.. آية في خصائصها ولونها وحجمها. وهذه الريشة في جناح الطائر.. آية.. آية في مادتها وتنسيقها ووظيفتها. وحيثنما مد الإنسان ببصره في الأرض أو في السماء تزاحمت الآيات وتراكبت، وأعلنت عن نفسها لقلبه وسمعه وبصره. ولكن، من الذي يرى هذه الآيات ويستشعرها؟ لمن تعلن هذه الآيات عن نفسها؟ لمن؟ {للمؤمنين}.. فالإيمان هو الذي يفتح القلوب لتلقي الأصداء والأضواء والأنداد؛ والإحساس بما فيها من آيات الله المبثوثة في الأرض والسماء. والإيمان هو الذي تخالط القلوب بشاشته فتحيا وترق وتلطف؛ وتلتقط ما يذخر به الكون من إيحاءات خفية وظاهرة، تشير كلها إلى اليد الصانعة، وطابعها المميز في كل ما تصوغه وتبدعه من أشياء ومن أحياء. وكل ما خرج من هذه اليد فهو خارق معجز لا يقدر على إبداعه أحد من خلق الله. ثم ينتقل بهم السياق من آفاق الكون إلى ذوات أنفسهم؛ وهي أقرب إليهم، وهم بها أكثر حساسية: {وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون}.. وخلق هذا الإنسان بهذا التكوين العجيب، وبهذه الخصائص الفريدة، وبهذه الوظائف اللطيفة الدقيقة المتنوعة الكثيرة. خارقة. خارقة نسيناها لطول تكرارها، ولقربها منا! ولكن التركيب العضوي لجارحة واحدة من جوارح هذا الإنسان مسألة تدير الرأس عجباً ودهشة واستهوالاً لهذا التركيب العجيب! إن الحياة في أبسط صورها معجزة. في الإميبا ذات الخلية الواحدة. وفيما هو أصغر من الإميبا! فكيف بها في هذا الإنسان الشديد التركيب والتعقيد؟ وهو في تركيبه النفسي أشد تركباً وتعقداً من تركيبه العضوي! وحوله تلك الخلائق التي تدب على الأرض أنواعاً وأجناساً، وأشكالاً وأحجاماً، لا يحصيها إلا الله. وأصغرها كأكبرها معجز في خلقه. معجز في تصريفه. معجز في تناسب حيواته على هذه الأرض، بحيث لا يزيد جنس عن حدود معينة، تحفظ وجوده وامتداده، وتمنع طغيانه على الأجناس طغيان إبادة وإفناء. واليد الممسكة بزمام الأنواع والأجناس تزيد فيها وتنقص بحكمة وتقدير؛ وتركب في كل منها من الخصائص والقوى والوظائف ما يحفظ التوازن بينها جميعاً.. النسور جارحة ضارية وعمرها مديد. ولكنها في مقابل هذا نزرة قليلة البيض والفراخ بالقياس إلى العصافير والزرازير.. ولنا أن نتصور كيف كان الأمر يكون لو كان للنسور نسل العصافير؟ وكيف كانت تقضي على جميع الطيور! والأسود كذلك في عالم الحيوان كاسرة ضارية. فكيف لو كانت تنسل كالظباء والشاء؟ إنها ما كانت تبقي على لحم في الغابة ولا غذاء.. ولكن اليد التي تمسك بالزمام تجعل نسلها محدوداً بالقدر المطلوب! وتكثر من ذوات اللحوم من الظباء والشاء وما إليها لسبب معلوم. والذبابة الواحدة تبيض في الدورة الواحدة مئات الألوف.. وفي مقابل هذا لا تعيش إلا حوالي أسبوعين اثنين. فكيف لو أفلت الزمام فعاشت الذبابة الواحدة أشهراً أو سنين؟ لكان الذباب يغطي الأجسام ويأكل العيون؟ ولكن اليد المدبرة هناك تضبط الأمور وفق تقدير محسوب فيه حساب كل الحاجات والأحوال والظروف. وهكذا وهكذا. في الخلق ذاته. وفي خصائصه. وفي تدبيره وتقديره. في عالم الناس، وعالم الدواب.. في هذا كله آيات. آيات ناطقة. ولكن لمن؟ من الذي يراها ويتدبرها ويدركها؟ {لقوم يوقنون}.. واليقين هو الحالة المهيئة للقلوب كي تحس، وكي تتأثر، وكي تنيب.. اليقين الذي يدع القلوب تقر وتثبت وتطمئن؛ وتتلقى حقائق الكون في هدوء ويسر وثقة، وفي راحة من القلق والحيرة والزعزعة. فتصوغ من أقل ما تحصل، أكبر النتائج وأعظم الآثار في هذا الوجود. ثم ينتقل بهم من ذوات أنفسهم وحركة الأحياء حولهم، إلى الظواهر الكونية، وما ينشأ عنها من أسباب الحياة لهم وللأحياء جميعاً: {واختلاف الليل والنهار، وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، آيات لقوم يعقلون}.. واختلاف الليل والنهار ظاهرتان قد يُخلق جدتهما في نفوس البشر التكرار! ولكن آية عجيبة تطالع الحس البشري وهو يواجه الليل أول مرة أو يواجه النهار؟ إن القلب الشاعر المتفتح يرى هذه العجيبة دائماً، وينتفض لها دائماً؛ ويرى يد الله التي تدير الكون كله كلما رأى الليل والنهار. وتنمو معارف البشر، ويتسع علمهم عن بعض الظواهر الكونية، ويعرفون أن الليل والنهار ظاهرتان تنشآن عن دورة الأرض حول محورها أمام الشمس مرة في كل أربع وعشرين ساعة. ولكن العجيبة لا تنقص شيئاً بهذه المعرفة. فإن دورة الأرض هذه عجيبة أخرى. دورة هذا الجرم حول نفسه بهذه السرعة المنتظمة، وهو عائم في الهواء، سابح في الفضاء، غير مستند إلى شيء إلا إلى القدرة التي تمسك به وتديره كما شاءت بهذا النظام الذي لا يتخلف، وبهذا القدر الذي يسمح للأحياء والأشياء أن تظل على سطح هذا الكوكب السابح السارح الدائر في الفضاء! ويتوسع البشر في علمهم فيدركون أهمية هاتين الظاهرتين على سطح الأرض بالقياس إلى الحياة والأحياء؛ ويعرفون أن تقسيم الأوقات بين الليل والنهار بهذه النسبة على سطح هذا الكوكب عامل رئيسي لوجود الحياة وبقاء الأحياء؛ وأنه لو لم توجد هاتان الظاهرتان بهذا القدر وعلى هذا النظام لتغير كل شيء على هذه الأرض، وبخاصة تلك الحياة الإنسانية التي تخص المخاطبين. من الأحياء! ومن ثم تزداد هاتان الظاهرتان أهمية في الحس البشري ولا تنقصان! {وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها}.. والرزق قد يكون المقصود به هو الماء النازل من السماء. كما فهم منه القدماء. ولكن رزق السماء أوسع. فهذه الأشعة التي تنزل من السماء ليست أقل أثراً في إحياء الأرض من الماء. بل إنها لهي التي ينشأ عنها الماء بإذن الله. فحرارة الشمس هي التي تبخر الماء من البحار فتتكاثف وتنزل أمطاراً، وتجري عيوناً وأنهاراً؛ وتحيا بها الأرض بعد موتها. تحيا بالماء وتحيا بالحرارة والضياء سواء! {وتصريف الرياح}.. وهي تمضي شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، منحرفة ومستقيمة، دافئة وباردة، وفق النظام الدقيق المنسوق المقصود في تصميم هذا الكون العجيب؛ وحساب كل شيء فيه حساباً دقيقاً لا يترك شيئاً للمصادفة العمياء.. ولتصريف الرياح علاقة معروفة بدورة الأرض، وبظاهرتي الليل والنهار، وبالرزق الذي ينزل من السماء. وكلها تتعاون في تحقيق مشيئة الله في خلق هذا الكون، وتصريفه كما أراد. وفيها {آيات} معروضة في الكون. ولكن لمن؟ {لقوم يعقلون}.. فللعقل هنا عمل، وله في هذا الميدان مجال. هذه بعض آيات الله الكونية، يشير إليها هذه الإشارات الموحية للمؤمنين. الذين يوقنون والذين يعقلون. يشير إليها بآيات الله القرآنية، فتلمس القلوب، وتوقظ العقول، وتخاطب الفطر بلغتها المباشرة، بما بينها وبين هذا الكون من صلة عميقة باطنة، لا يحتاج إيقاظها إلا إلى كلمات موحية كآيات هذا القرآن. فمن لم يؤمن بهذه الآيات فلا رجاء في أن يؤمن بسواها؛ ومن لم توقظه هذه الإشارات الموحية فلن توقظه الصرخات من غير هذا الصوت المستجاب: {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟}.. إن أي كلام لن يبلغ كلام الله في القرآن. وإن أي إبداع لن يبلغ إبداع الله في الكون. وإن أية حقيقة لن تبلغ حقيقة الله في الثبوت والوضوح واليقين. {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون؟}.. وهنا لا يليق بمن لا يؤمن إلا التهديد والتنكيل: {ويل لكل أفاك أثيم. يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها. فبشره بعذاب أليم. وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً، أولئك لهم عذاب مهين. من ورائهم جهنم، ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء، ولهم عذاب عظيم}.. وتصور هذه الآيات ـ كما أسلفنا في تقديم السورة ـ جانباً من استقبال المشركين لهذه الدعوة في مكة، وإصرارهم على باطلهم، واستكبارهم عن سماع كلمة الحق البين، ومكابرتهم في هذا الحق كأنه لم يطرق أذهانهم، وسوء أدبهم مع الله وكلامه.. ومقابلة القرآن لهذا كله بالترذيل والتقبيح والتهديد والوعيد، والتلويح بالعذاب الأليم المهين العظيم. {ويل لكل أفاك أثيم}.. والويل الهلاك. والأفاك الكذاب المارد على الكذب. والأثيم الكثير المقارفة للإثم. والتهديد شامل لكل من هذه صفته. وهو تهديد صادر من الله القوي القاهر الجبار، القادر على الهلاك والدمار. الصادق الوعد والوعيد والإنذار. فهو تهديد رعيب مفزع مرهوب. هذا الأفاك الأثيم. آية إفكه وعلامة إثمه، أنه يصر على الباطل ويستكبر على الحق ويتعالى عن الخضوع لآيات الله، ولا يتأدب بالأدب اللائق مع الله: {يسمع آيات الله تتلى عليه، ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها}.. وهذه الصورة البغيضة ولو أنها صورة فريق من المشركين في مكة، إلا أنها تتكرر في كل جاهلية، وتتكرر اليوم وغداً. فكم في الأرض، وبين من يقال إنهم مسلمون، من يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها؛ لأنها لا توافق هواه، ولا تسير مع مألوفه، ولا تعاونه على باطله، ولا تقره على شره، ولا تتمشى له مع اتجاه! {فبشره بعذاب أليم}.. والبشارة للخير. فهي هنا للسخرية. فإذا كان لا يسمع النذير، فليأته الويل المنظور، في صوت البشير! زيادة في السخرية والتحقير! {وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذها هزواً}.. بعد أن يعلمها ويعرف مصدرها. وهذه أشد وأنكى. وهي صورة كذلك مكرورة في الجاهليات الأولى والأخيرة. وكم من الناس. وبين من يقال إنهم مسلمون. من يستهزئ بآيات الله التي يعلمها، ويتخذها مادة للسخرية منها وممن يؤمنون بها؛ ومن يريدون أن يرجعوا أمر الناس والحياة إليها. {أولئك لهم عذاب مهين}.. فالمهانة هي الجزاء المناسب لمن يستهزئ بآيات الله وهو يعلمها. وهو عذاب حاضر قريب؛ وإن كان موعده آتياً بعد حين. ولكنه في حقيقته قائم موجود: {من ورائهم جهنم}.. ولفظ {من ورائهم} مقصودة ظلاله فوق معناه. وظلاله.. أنهم لا يرونه لأنه من ورائهم ولا يتقونه لأنهم في غفلة عنه؛ ولا يفوتهم فهم سيقعون فيه! {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء}.. فليس شيء مما عملوا أو ملكوا بنافعهم شيئاً، فعملهم ـ ولو صلح ـ هباء لا يقدرون على شيء منه، وهو قائم على غير أساس من إيمان. وملكهم زائلٍ لا يصاحبهم منه شيء فيه غناء. وأولياؤهم من دون الله ـ آلهة أو أعواناً وجنداً أو خلاناً ـ لا يملكون لهم نصراً ولا شفاعة. {ولهم عذاب عظيم}.. فوق أنه مهين. فجرمهم في الاستهزاء بآيات الله قبيح يقتضي المهانة، جسيم يقتضي جسامة التعذيب.. وينتهي هذا المقطع، الذي ورد فيه ذكر الاستهزاء بآيات الله، والصد عنها والاستكبار، بكلمة عن حقيقة هذه الآيات؛ وجزاء من يكفر بهذه الحقيقة في إجمال: {هذا. هدى. والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم}.. إن حقيقة هذا القرآن أنه هدى. هدى خالص مصفى. هدى ممحض لا يشوبه ضلال. فالذي يكفر بعد ذلك بالآيات، وهذه حقيقتها، يستحق ألم العذاب. الذي يمثله توكيد معنى الشدة والإيلام. فالرجز هو العذاب الشديد. والعذاب الذي يهددون به هو عذاب من رجز أليم.. تكرار بعد تكرار. وتوكيد بعد توكيد. يليق بمن يكفر بالهدى الخالص الممحض الصريح. وبعد التهديد المخيف، والوعيد الرعيب، يعود فيلمس قلوبهم لمساً رفيقاً، بالتذكير بأنعم الله التي سخرها لهم في هذا الكون العريض: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. إن هذا المخلوق الصغير.. الإنسان.. يحظى من رعاية الله ـ سبحانه ـ بالقسط الوافر، الذي يتيح له أن يسخر الخلائق الكونية الهائلة، وينتفع بها على شتى الوجوه. وذلك بالاهتداء إلى طرف من سر الناموس الإلهي الذي يحكمها، والذي تسير وفقه ولا تعصاه! ولولا هذا الاهتداء إلى طرف السر ما استطاع الإنسان بقوته الهزيلة المحدودة أن ينتفع بشيء من قوى الكون الهائلة؛ بل ما استطاع أن يعيش معها؛ وهو هذا القزم الصغير، وهي هذه المردة الجبابرة من القوى والطاقات والأحجام والأجرام. والبحر أحد هذه الجبابرة الضخام التي سخرها الله للإنسان، فهداه إلى شيء من سر تكوينها وخصائصها؛ عرف منه هذه الفلك التي تمخر هذا الخلق الهائل، وهي تطفو على ثبج أمواجه الجبارة ولا تخشاها! {لتجري الفلك فيه بأمره}.. فهو ـ سبحانه ـ الذي خلق البحر بهذه الخصائص، وخلق مادة الفلك بهذه الخصائص، وجعل خصائص الضغط الجوي، وسرعة الرياح وجاذبية الأرض.. وسائر الخصائص الكونية الأخرى مساعدة على أن تجري الفلك في البحر. وهدى الإنسان إلى هذا كله فأمكنه أن ينتفع به، وأن ينتفع كذلك بالبحر في نواح أخرى: {ولتبتغوا من فضله} كالصيد للطعام وللزينة، وكذلك التجارة والمعرفة والتجربة والرياضة والنزهة؛ وسائر ما يبتغيه الحي من فضل الله في البحار. سخر الله للإنسان البحر والفلك، ليبتغي من فضل الله؛ وليتجه إليه بالشكر على التفضل والإنعام، وعلى التسخير والاهتداء: {ولعلكم تشكرون}.. وهو يوجه قلبه بهذا القرآن إلى الوفاء بهذا الحق، وإلى الارتباط بذلك الأفق، وإلى إدراك ما بينه وبين الكون من وحدة في المصدر ووحدة في الاتجاه.. إلى الله.. ومن تخصيص البحر بالذكر إلى التعميم والشمول. فلقد سخر الله لهذا الإنسان ما في السماوات وما في الأرض، من قوى وطاقات ونعم وخيرات مما يصلح له ويدخل في دائرة خلافته ـ: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}.. فكل شيء في هذا الوجود منه وإليه؛ وهو منشئه ومدبره؛ وهو مسخره أو مسلطه. وهذا المخلوق الصغير.. الإنسان.. مزود من الله بالاستعداد لمعرفة طرف من النواميس الكونية. يسخر به قوى في هذا الكون وطاقات تفوق قوته وطاقته بما لا يقاس! وكل ذلك من فضل الله عليه. وفي كل ذلك آيات لمن يفكر ويتدبر؛ ويتبع بقلبه وعقله لمسات اليد الصانعة المدبرة المصرفة لهذه القوى والطاقات: {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.. والفكر لا يكون صحيحاً وعميقاً وشاملاً، إلا حين يتجاوز القوى والطاقات التي يكشف سرها، إلى مصدر هذه القوى والطاقات؛ وإلى النواميس التي تحكمها؛ وإلى الصلة بين هذه النواميس وفطرة الإنسان. هذه الصلة التي تيسر للإنسان الاتصال بها وإدراكها. ولولاها ما اتصل ولا أدرك. ولا عرف ولا تمكن، ولا سخر ولا انتفع بشيء من هذه القوى والطاقات.. وحين يبلغ سياق السورة إلى هذا المقطع القوي الذي يصل قلب المؤمن بقلب هذا الوجود. ويشعره بمصدر القوة الحقيقي وهو الاهتداء إلى أسرار هذا الوجود.. عند هذا يدعو المؤمنين إلى الترفع والاستعلاء وسعة الأفق ورحابة الصدر في مواجهة الضعاف العاجزين الذين لا تتصل قلوبهم بذلك المصدر الثري الغني. كما يدعوهم إلى شيء من العطف على هؤلاء المساكين المحجوبين عن الحقائق المنيرة القوية العظيمة؛ من الذين لا يتطلعون إلى أيام الله، التي يظهر فيها عظمته وأسراره ونواميسه: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله، ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون. من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون}.. فهو توجيه كريم للذين آمنوا ليتسامحوا مع الذين لا يرجون أيام الله. تسامح المغفرة والعفو. وتسامح القوة والاستعلاء. وتسامح الكبر والارتفاع. والواقع أن الذين لا يرجون أيام الله مساكين يستحقون العطف أحياناً بحرمانهم من ذلك النبع الفياض، الذي يزخر بالنداوة والرحمة والقوة والثراء. نبع الإيمان بالله، والطمأنينة إليه، والاحتماء بركنه، واللجوء إليه في ساعات الكربة والضيق. وحرمانهم كذلك من المعرفة الحقيقية المتصلة بصميم النواميس الكونية وما وراءها من القوى والثروات. والمؤمنون الذين يملكون كنز الإيمان وذخره، ويتمتعون برحمته وفيضه أولى بالمغفرة لما يبدو من أولئك المحرومين من نزوات وحماقات. هذا من جانب. ومن الجانب الآخر، ليترك هؤلاء المؤمنون الأمر كله لله يتولى جزاء المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته. ويحسب لهم العفو والمغفرة عن المساءة في سجل الحسنات. ذلك فيما لا يظهر الفساد في الأرض، ويعتدي على حدود الله وحرماته بطبيعة الحال: {ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون}.. ويعقب على هذا بفردية التبعة، وعدالة الجزاء، وتوكيد الرجوع إلى الله وحده في نهاية المطاف: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها، ثم إلى ربكم ترجعون}.. بذلك يتسع صدر المؤمن، ويرتفع شعوره؛ ويحتمل المساءات الفردية والنزوات الحمقاء من المحجوبين المطموسين، في غير ضعف، وفي غير ضيق. فهو أكبر وأفسح وأقوى. وهو حامل مشعل الهدى للمحرومين من النور، وحامل بلسم الشفاء للمحرومين من النبع، وهو مجزيٌّ بعمله، لا يصيبه من وزر المسيء شيء. والأمر لله في النهاية، وإليه المرجع والمآب. بعد ذلك يتحدث عن القيادة المؤمنة للبشرية، وتركز هذه القيادة أخيراً في الرسالة الإسلامية؛ فيشير إلى اختلاف بني إسرائيل في كتابهم، بعدما آتاهم الله الكتاب والحكم والنبوة. وانتهاء راية القيادة والحكم إلى صاحب الدعوة الأخيرة. هذا وهو بعد في مكة. والدعوة بعد مطاردة محاصرة. ولكن طبيعتها هي هي منذ نشأتها، ومهمتها هي مهمتها: {ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على العالمين. وآتيناهم بينات من الأمر، فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم. إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً. وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين. هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}.. كانت القيادة ـ قبل الإسلام ـ لبني إسرائيل. كانوا هم أصحاب عقيدة السماء التي اختارها الله لتلك الفترة من التاريخ. ولا بد للبشر من قيادة مستمدة من السماء. فالأرض قيادتها هوى أو جهل أو قصور. والله خالق البشر هو وحده الذي يشرع لهم شريعته مبرأة من الهوى فكلهم عباده، مبرأة من الجهل والقصور فهو الذي خلقهم وهو أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير. {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة}.. فكان فيهم التوراة شريعة الله. وكان فيهم الحكم لإقامة الشريعة. وكان فيهم النبوة بعد رسالة موسى وكتابه للقيام على الشريعة والكتاب. وكثر فيهم الأنبياء وتتابعوا فترة طويلة نسبياً في التاريخ. {ورزقناهم من الطيبات}.. فكانت مملكتهم ونبواتهم في الأرض المقدسة، الطيبة، الكثيرة الخيرات بين النيل والفرات. {وفضلناهم على العالمين}.. وكان تفضيلهم على أهل زمانهم بطبيعة الحال؛ وكان مظهر هذا التفضيل الأول اختيارهم للقيادة بشريعة الله؛ وإيتاءهم الكتاب والحكم والنبوة: {وآتيناهم بينات من الأمر}.. فكان ما أوتوه من الشريعة بينا حاسماً فاصلاً، لا غموض فيه ولا لبس ولا عوج ولا انحراف؛ فلم يكن هناك ما يدعو إلى الاختلاف في هذا الشرع البين كما وقع منهم؛ وما كان هذا عن غموض في الأمر، ولا كان عن جهل منهم بالصحيح من الحكم: {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم}.. إنما كان ذلك عن تحاسد بينهم، ونزاع وظلم، مع معرفة الحق والصواب: {بغياً بينهم}.. وبذلك انتهت قيادتهم في الأرض، وبطل استخلافهم، وأمرهم بعد ذلك إلى الله يوم القيامة: {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.. ثم كتب الله الخلافة في الأرض لرسالة جديدة ورسول جديد، يرد إلى شريعة الله استقامتها، وإلى قيادة السماء نصاعتها؛ ويحكم شريعة الله لا أهواء البشر في هذه القيادة: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر؛ فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون}.. وهكذا يتمحض الأمر. فإما شريعة الله. وإما أهواء الذين لا يعلمون. وليس هنالك من فرض ثالث، ولا طريق وسط بين الشريعة المستقيمة والأهواء المتقلبة؛ وما يترك أحد شريعة الله إلا ليحكم الأهواء فكل ما عداها هوى يهفو إليه الذين لا يعلمون! والله ـ سبحانه ـ يحذر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يتبع أهواء الذين لا يعلمون، فهم لا يغنون عنه من الله شيئاً. وهم يتولون بعضهم بعضاً. وهم لا يملكون أن يضروه شيئاً حين يتولى بعضهم بعضاً، لأن الله هو مولاه: {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض. والله ولي المتقين}.. وإن هذه الآية مع التي قبلها لتعين سبيل صاحب الدعوة وتحدده، وتغني في هذا عن كل قول وعن كل تعليق أو تفصيل: {ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين}.. إنها شريعة واحدة هي التي تستحق هذا الوصف، وما عداها أهواء منبعها الجهل. وعلى صاحب الدعوة أن يتبع الشريعة وحدها، ويدع الأهواء كلها. وعليه ألا ينحرف عن شيء من الشريعة إلى شيء من الأهواء. فأصحاب هذه الأهواء أعجز من أن يغنوا عنه من الله صاحب الشريعة. وهم إلب عليه فبعضهم ولي لبعض. وهم يتساندون فيما بينهم ضد صاحب الشريعة فلا يجوز أن يأمل في بعضهم نصرة له أو جنوحاً عن الهوى الذي يربط بينهم برباطه. ولكنهم أضعف من أن يؤذوه. والله ولي المتقين. وأين ولاية من ولاية؟ وأين ضعاف جهال مهازيل يتولى بعضهم بعضاً؛ من صاحب شريعة يتولاه الله. ولي المتقين؟ وتعقيباً على هذا البيان الحاسم الجازم، يتحدث عن اليقين، وعما في هذا القول وأمثاله في القرآن من تبصرة وهدى ورحمة لأهل اليقين: {هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون}.. ووصف القرآن بأنه بصائر للناس يعمق معنى الهداية فيه والإنارة. فهو بذاته بصائر كاشفة كما أن البصائر تكشف لأصحابها عن الأمور. وهو بذاته هدى. وهو بذاته رحمة.. ولكن هذا كله يتوقف على اليقين. يتوقف على الثقة التي لا يخامرها شك، ولا يخالطها قلق، ولا تتسرب إليها ريبة. وحين يستيقن القلب ويستوثق يعرف طريقه، فلا يتلجلج ولا يتعلثم ولا يحيد. وعندئذ يبدو له الطريق واضحاً، والأفق منيراً، والغاية محددة، والنهج مستقيماً، وعندئذ يصبح هذا القرآن له نوراً وهدى ورحمة بهذا اليقين. ويعقب على الحديث عن ولاية الظالمين بعضهم لبعض وولاية الله للمتقين؛ وعن طبيعة هذا القرآن بالقياس إلى المتقين، وأنه بصائر وهدى ورحمة لأهل اليقين. يعقب على هذا الحديث بالتفرقة الحاسمة بين حال الذين يجترحون السيئات وحال الذين يعملون الصالحات وهم مؤمنون. ويستنكر أن يسوى بينهم في الحكم، وهم مختلفون في ميزان الله. والله قد أقام السماوات والأرض على أساس الحق والعدل؛ والحق أصيل في تصميم هذا الكون. {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات. سواء محياهم ومماتهم. ساء ما يحكمون. وخلق الله السماوات والأرض بالحق، ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون}.. ويجوز أن يكون الحديث هنا عن أهل الكتاب، الذين انحرفوا عن كتابهم، واجترحوا السيئات، وظلوا يحسبون أنفسهم في صفوف المؤمنين، ويجعلون أنفسهم أكفاء للمسلمين الذين يعملون الصالحات، أنداداً لهم في تقدير الله سواء في الحياة أو بعد الممات. أي عند الحساب والجزاء.. كما يجوز أن يكون حديثاً عاماً بقصد بيان قيم العباد في ميزان الله. ورجحان كفة المؤمنين أصحاب العمل الصالح؛ واستنكار التسوية بين مجترحي السيئات وفاعلي الحسنات، سواء في الحياة أو في الممات. ومخالفة هذا للقاعدة الثابتة الأصيلة في بناء الوجود كله. قاعدة الحق. الذي يتمثل في بناء الكون، كما يتمثل في شريعة الله. والذي يقوم به الكون كما تقوم به حياة الناس. والذي يتحقق في التفرقة بين المسيئين والمصلحين في جميع الأحوال؛ وفي مجازاة كل نفس بما كسبت من هدى أو ضلال؛ وفي تحقيق العدل للناس أجمعين: {وهم لا يظلمون}.. ومعنى أصالة الحق في بناء الكون، وارتباطه بشريعة الله للبشر، وحكمه عليهم يوم الحساب والجزاء، معنى يتكرر في القرآن الكريم، لأنه أصل من أصول هذه العقيدة، تجتمع عليه مسائلها المتفرقة، وترجع إليه في الأنفس والآفاق، وفي ناموس الكون وشريعة البشر. وهو أساس "فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان". وإلى جوار هذا الأصل الثابت يشير إلى الهوى المتقلب. الهوى الذي يجعل منه بعضهم إلهاً يتعبده. فيضل ضلالاً لا اهتداء بعده، والعياذ بالله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؟ فمن يهديه من بعد الله؟ أفلا تذكرون؟}.. والتعبير القرآني المبدع يرسم نموذجاً عجيباً للنفس البشرية حين تترك الأصل الثابت، وتتبع الهوى المتقلب؛ وحين تتعبد هواها، وتخضع له، وتجعله مصدر تصوراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها. وتقيمه إلهاً قاهراً لها، مستولياً عليها، تتلقى إشاراته المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول. يرسم هذه الصورة ويعجِّب منها في استنكار شديد: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه؟}.. أفرأيته؟ إنه كائن عجيب يستحق الفرجة والتعجيب! وهو يستحق من الله أن يضله، فلا يتداركه برحمة الهدى. فما أبقى في قلبه مكاناً للهدى وهو يتعبد هواه المريض! {وأضله الله على علم}.. على علم من الله باستحقاقه للضلالة. أو على علم منه بالحق، لا يقوم لهواه ولا يصده عن اتخاذه إلهاً يطاع. وهذا يقتضي إضلال الله له والإملاء له في عماه: {وختم على سمع وقلبه وجعل على بصره غشاوة}.. فانطمست فيه تلك المنافذ التي يدخل منها النور؛ وتلك المدارك التي يتسرب منها الهدى. وتعطلت فيه أدوات الإدراك بطاعة للهوى طاعته العبادة والتسليم. {فمن يهديه من بعد الله؟}.. والهدى هدى الله. وما من أحد يملك لأحد هدى أو ضلالة. فذلك من شأن الله، الذي لا يشاركه فيه أحد، حتى رسله المختارون. {أفلا تذكرون؟}.. ومن تذكر صحا وتنبه، وتخلص من ربقة الهوى، وعاد إلى النهج الثابت الواضح، الذي لا يضل سالكوه..

ابن عاشور

تفسير : تقدم القول في نظائره، وهذه جملة مستقلة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- حم: حرفان من الحروف الصوتية ابتدأت بهما هذه السورة على طريقة القرآن فى افتتاح بعض سوره بمثل هذه الحروف للإشارة إلى عجز المشركين عن الإتيان بمثله مع أنه مؤلف من الحروف التى يستعملونها فى كلامهم. 2- تنزيل القرآن من الله القوى المنيع، الحكيم فى تدبيره وصنعه. 3- إن فى خلق السموات والأرض من بديع صنع الله لدلالات قوية على ألوهيته ووحدانيته، يؤمن بها المصدقون بالله بفطرهم السليمة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: حـمۤ: هذا أحد الحروف الهجائية يكتب هكذا: حـمۤ ويقرأ هكذا: حَامِيمْ. تنزل الكتاب: أي القرآن. من الله العزيز الحكيم: أي من عند الله العزيز الانتقام من أعدائه الحكيم في تدبيره. إن في السماوات والأرض: أي إن في خلق السماوات والأرض. لآيات: أي لدلالات واضحات على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته وهي موجبات الربوبية والألوهية له وحده دون سواه. للمؤمنين: أي لأنهم بالإِيمان أحياء يبصرون ويسمعون فيرون الآيات. وفي خلقكم: أي وفي خلقكم أيها الناس وتركيب أعضائكم وسلامة بنيانكم. وما بث من دابة: أي وما خلق ونشر من أنواع الدواب من بهائم وغيرها. آيات لقوم يوقنون: أي علامات على قدرة الله تعالى على البعث الآخر إذ الخالق لهذه العوالم قادر على إعادتها بعد موتها، ولكن هذه الآيات لا يراها إلا القوم الموقنون في إيمانهم بربوبية الله وألوهيته وصفات الجلال والكمال له. واختلاف الليل والنهار: أي بمجيء هذا وذهاب ذاك وطول هذا وقصر ذاك على مدى الحياة. وما أنزل الله من السماء من رزق: أي من مطر، وسمي المطر رزقا لأنه يسببه. فأحيا به الأرض بعد موتها: أحيا بالمطر الأرض بعد موت نباتها بالجدب. وتصريف الرياح: أي من صبا إلى دبور، ومن شمال إلى جنوب، ومن سموم إلى باردة ومن نسيم إلى عاصفة. آيات لقوم يعقلون: أي في اختلاف الليل والنهار وإنزال المطر وإحياء الأرض وتصريف الرياح دلالات واضحة على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته واقتضاء ذلك ربوبية الله وألوهيته، لقوم يعقلون أي يستعملون عقولهم في إدراك الأشياء واستنتاج النتائج من مقدماتها. معنى الآيات: قوله تعالى: {حـمۤ}: الله أعلم بمراده به إذ هو من المتشابه الذي أُمرنا أن نؤمن به ونفوض أمر معناه إلى من أنزله سبحانه وتعالى. وقد ذكرنا مرات فائدتين لهذه الحروف المقطعة فلتراجع في أكثر السورة المفتتحة بالحروف المقطعة كحـمۤ الدخان السورة التي قبل هذه السورة. وقوله تعالى تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم أي تنزيل القرآن كان من عند الله العزيز أي الانتقام من أعدائه الحكيم في تدبير أمور خلقه، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي في خلقهما وإيجادهما وما فيها من عجائب الصنعة لآيات المؤمنين تدلهم على استحقاق ربهم للعبادة دون سواه من سائر خلقه، وخُصَّ المؤمنون بهذه الآيات لأنهم أحياء يسمعون ويبصرون ويعقلون فهم إذا نظروا في السماوات والأرض تجلت لهم حقائق أن الخالق لهذه العوالم لن يكون إلا قادراً عليماً حكيماً عزيزاً ومن ثم وجب أن لا يعبد إلا هو، وكل عبادة لغيره باطلة. وقوله: وفي خلقكم أيها الناس أي في أطوار خلقكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى بشر سوى الخلقة معتدل المزاج والتركيب له سمع وبصر ونطق وفكر. وما يبث من دابة أي وما يخلق وما يفرق وينشر في الأرض من أنواع الدواب والبهائم والحيوانات على اختلافها من برية وبحرية آيات لقوم يوقنون أي يوقنون في إيمانهم بالله تعالى وآياته، كما يوقنون بحقائق الأشياء الثابتة لها فالواحد مع الواحد اثنان والموجود ضد المعدوم، والأبيض خلاف الأسود،ة والابن لا بد له من أب، والعذب خلاف المر فأصحاب هذا اليقين يرون في خلق الإِنسان والحيوان آيات دالة على وجود الله وعلمه وعزته وحكمته وقدرته على البعث والجزاء الذي أنكره عادمو العقول من المشركين والكافرين. وقوله: {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي بتعاقبهما بمجيء الليل وذهاب النهار، والعكس كذلك وبطول أحدهما وقصر الآخر تارة والعكس كذلك وما أنزل الله من السماء من رزق أي من مطر هو سبب الرزق فأحيا به الأرض بعد موتها بِيُبْسِ النبات وموته عليها، وتصريف الرياح من صبا إلى دبور، ومن شمال إلى جنوب ومن رخاء لينة إلى عاصفة ذات برد أو سموم إن في المذكورات آيات حججاً ودلائل دالة على وجود عبادة الله وتوحيده في ذلك، ولكن لقوم يعقلون أي لذوي العقول النيرة السليمة. أما الذين لا عقول لهم فلا يرون ولا في غيرها آية فضلا عن آياتٍ. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- عظم شأن القرآن الكريم لأنه تنزيل الله العزيز الحكيم. 2- الإيمان أعم من اليقين ومقدم عليه في الترتيب واليقين أعلى في الرتبة. 3- فضل العقل السليم إن استخدم في الخير وما ينفع. 4- تقرير ألوهية الله تعالى بتقرير ربوبيته في الخلق والتدبير والعلم والحكمة.

القطان

تفسير : لآياتٍ: لعبراً ودلائل. يبثّ: ينشر. اختلاف الليل والنهار: تعاقبهما. تصريف الرياح: تغييرها من جهةٍ الى اخرى. حم: حرفان من الحروف الصوتية ابتدأت بهما هذه السورة وقد سبق الكلام عن مثله. إن هذا الكتابَ الكريم أنزله الله، الحكيمُ في تدبيره لهذا الكون العجيب ولكل ما خلق، وان في خلْق السماواتِ والأرض من بديع صُنْع الله لآياتٍ دالة على ألوهيته ووحدانيته يؤمن بها المصدّقون بالله العظيم. وكذلك في خلْق الناس على أحسنِ تقويم، وما ينشرُ في الأرض من الدواب - دلالات قوية واضحة {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. ومثل هذا في اختلافِ الليل والنهار وتعاقُبهما على نظام ثابت، وفيما أنزل اللهُ من السماء من ماءٍ فأحيا به الأرض بعد موتها ويبْسِها، و تصريف الرياح إلى جهاتٍ متعددة علاماتٌ واضحة {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. تلك آياتُ الله الكونية التي أقامها للناس، نتلوها عليك أيها الرسولُ مشتملةً على الحق، فاذا لم يؤمنوا بها {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}؟ قراءات: قرأ حمزة والكسائي ويعقوب: لآياتٍ بكسر التاء في المواضع الثلاثة، والباقون: لآياتٍ بكسر التاء الأولى، وفي الموضعين بعد ذلك آياتٌ لقوم، بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي: وتصريف الريح بالافراد. والباقون: وتصريف الرياح بالجمع. وقرأ الحجازيان وحفص وابو عمرو وروح: يؤمنون بالياء. والباقون: تؤمنون بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : (حَا. مِيمْ) (1) - اللهُ أَعْلَمُ بِمُرادِهِ.

الثعلبي

تفسير : {حمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ آيَاتٌ} قرأ حمزة والكسائي ويعقوب بكسر التاء من آيات وكذلك الّتي بعدها رداً على قوله: {لآيَاتٌ} وقرأ الباقون برفعها على خبر حرف الصفة. {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ} يعني الغيث سماه رزقاً لأنّه سبب أرزاق العباد وأقواتهم {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ}. أي بعد حديث الله وكلامه. {وَآيَاتِهِ} وحججه ودليله. {يُؤْمِنُونَ} قرأ أهل الكوفة بالتاء، وأختلف فيه عن عاصم ويعقوب عنهم بالياء. {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} كذّاب. {أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ} يعني قوله {مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} نزلت في أبي جهل وأصحابه. {مِّن وَرَآئِهِمْ} أمامهم. {جَهَنَّمُ} نظيره في سورة إبراهيم (عليه السلام). {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ} من الأموال. {شَيْئاً وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ} يعني الأوثان. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَـٰذَا} القرآن. {هُدًى وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} من عذاب موجع. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْه} فلا تجعلوا لله أنداداً. أخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا طلحة وعبد الله، قالا: حدثنا ابن مجاهد، حدثني ابن أبي مهران، حدثني أحمد بن يزيد، حدثنا شبابة، عن أبي سمبلة، عن عبد العزيز بن علي القريشي، حدثنا محمد بن عبد الله بن أيوب الثقفي، عن عثمان بن بشير، قال: سمعت ابن عباس يقرأ: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْه} مفتوحة (الميم)، مرفوعة (النون)، وبه رواية، عن ابن عمر، قال: سمعت مسلمة يقرأ: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأرض جَمِيعًا مِّنْه} مفتوحة (الميم) مرفوعة (النون) وهي مشددة، (والهاء) مضمومة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمه، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذلك أنّ رجلاً من بني غفار كان يشتمه فهمّ عمر أن يبطش به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالعفو. أخبرنا الحسين بن محمد بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله، حدثنا الحسن بن علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا محمد بن زياد الشكري، عن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [البقرة: 245]. قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج ربّ محمد. قال: فلما سمع بذلك عمر بن الخطاب إشتمل على سيفه وخرج في طلبه. فجاء جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ ربّك يقول: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ}، واعلم إنّ عمر بن الخطاب قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي». "حديث : فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه، فلما جاءه، قال: "ياعمر خرج سيفك؟". قال: صدقت يارسول الله، أَشهد أنّك أُرسلت بالحقّ، قال: "فإنّ ربّك يقول: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} ". تفسير : قال: لا جرم والّذي بعثك بالحقّ لا يُرى الغضب في وجهي. قال القرظي والسدي: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكّة كانوا في أذىً شديد من المشركين، قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى هذه الآية ثمّ نسختها آية القتال. {لِيَجْزِيَ قَوْماً} بفتح الياءين وكسر الزاء، وقرأ أبو جعفر بضم الياء الأُولى وجزم الثانية، قال أبو عمرو: وهو لحن ظاهر، وقال الكسائي: وهذه ليجري الجزاء قوماً، وقرأ الباقون بفتح اليائين على وجه الخبر عن الله تعالى، واختاره أبو عبيده وأبو حاتم لذكر الله تعالى قبل ذلك. {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} الحلالات، يعني المن والسلوى. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ * وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} يعني أحكام التوراة. {فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ} سنة وطريقة. {مِّنَ ٱلأَمْرِ} من الدّين. {فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني مُراد الكافرين الجاهلين، وذلك حين دُعي إلى دين آبائه. {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} إن إتبعت أهواءهم. {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ * هَـٰذَا} يعني هذا القرآن. {بَصَائِرُ} معالم. {لِلنَّاسِ} في الحدود والأحكام يبصرون بها. {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ} إكتسبوا. {ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني الكفر والمعاصي. {أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً} قرأ أهل الكوفة نصباً واختاره أبو عبيدة، وقال: معناه نجعلهم سواءً، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء والخبر، واختاره أبو حاتم، وقرأ الأعمش {وَمَمَاتُهُمْ} بنصب التاء على الظرف، أي في. {مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} بئس ما يقضون، قال المفسرون: معناه المؤمن في الدّنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدّنيا والآخرة كافر. نزلت هذه الآية في نفر من مشركي مكّة قالوا للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقاً لَنفضلنَّ عليكم في الآخرة، كما فضلنا عليكم في الدّنيا. أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا جعفر بن محمّد الفرماني، حدثنا محمّد بن الحسين البلخي، حدثنا عبد الله بن المبرك، أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحي، عن مسروق، قال: قال لي رجل من أهل مكّة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة، حتّى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، ويركع، ويسجد، ويبكي {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ}... الآية. أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثني أبو هشام زياد بن أيوب، حدثنا علي بن يزيد، حدثنا عبد الرحمن بن عجلان، عن بشير بن أبي طعمة، قال: بتّ عند الربيع بن خيثم ذات ليلة، فقام يصلي فمر بهذه الآية {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ} فمكث ليله حتّى اصبح ما يجوز هذه الآية إلى غيرها، ببكاء شديد، وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيراً ما رأيت الفضيل بن عياض، يردد من أول الليلة إلى آخرها هذه الآية ونظائرها {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} ثمّ يقول: يافضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه السورة أيضاً من الحواميم، وهي السور التي افتُتحت بقوله تعالى (حم)، وسبق الكلام فيها، لكن ما دام أن الحق كرَّرها فلا بدَّ لنا أنْ نتعرَّض لها بما يفتح الله به ولا يُعد هذا تكراراً. فإذا نظرنا إلى الحياة التي نراها وجدنا فيها مُلكاً مشاهداً، وملكوتاً غير مشاهد، وكل ما غاب عن حواسِّك فهو غَيْبٌ لا يعلمه إلا الله، خُذْ مثلاً العقائد والعبادات تجد أنها تقوم على هذين الجانبين الغيب والمشهد. فأنت تستطيع بالعقل أنْ تبرهن على وحدانية الله، وعلى وجوده سبحانه، وأنه خالق هذا الكون كله، فالإنسان طرأ على هذا الكون ووجده كما هو الآن، الشمس والقمر والنجوم، السماء والأرض، الماء والهواء. لذلك لم يدَّع أحدٌ أنه خلقه، قال سبحانه {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [لقمان: 25] وقال: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الزخرف: 87]. هذا مشهد، وفي العقائد أمور أخرى غَيْبٌ نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، كأمور الآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، خُذْ مثلاً من العبادات الصلاة نستطيع أنْ نفهم لها عللاً عقلية، فنقول: إن الله فرضها علينا خمْس مرات في اليوم والليلة ليتردد العبدُ على خالقه، وليستمدَّ منه القوة والعوْن، وليأنس بلقائه، وليأخذ من فيض عطائه وإشراقاته. والصلاة كذلك تُسوِّي بين العباد الغني والفقير، الرئيس والمرؤوس الكل ساجد لله، هذا استطراقٌ عبوديّ في الكون، هذا كله مشهد، لكن بالله قُلْ لي: لماذا كان الصبحُ ركعتين، والظهر أربعاً، والمغرب ثلاثاً؟ هذه غَيْبٌ نؤمن به كما هو، وكما أخبرنا به رسول الله المؤتمن على شرع الله. كذلك في القرآن الكريم غيب ومشهد، غيب في هذه الحروف المقطَّعة التي استأثر اللهُ بعلم معناها، وباقي القرآن بعد ذلك مشهدٌ لأنه بيِّن واضح المعنى ظاهرُ القصد، لأن الحق سبحانه يريد أنْ يتعبَّدنا بالغيب كما تعبدَّنا بالمشهد. والغيب هو محلُّ الإيمان. أما المشهد فليس مجالاً للإيمان أو الكفر، فلا تقول مثلاً: أومن بأن الشمس طالعةٌ، لكن أقول: أومن باليوم الآخر. فقوله تعالى هنا: (حَم) يعني: حروف مُقطَّعة في بداية بعض سور القرآن هي غيب نؤمن به ونترك معناه لمنْزله سبحانه {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ..} [الجاثية: 2] هذا هو المشهد، وفي السورة قبلها (حم) غَيْب {أية : وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} تفسير : [الدخان: 2] مشهد. {أية : إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ..} تفسير : [الدخان: 3] يعني: الاثنان الغيب والمشهد مُنزّل من عند الله، فهما سواء في التعبد لله تعالى، فكما تعبَّدك بالواضح المفهوم تعبَّدك بالغيب الذي لا تفهمه، وكُل ما هنالك أننا نحوم حولها، نحاول أنْ نستشفّ بعض أسرارها. لذلك نقول: إن القرآن كله مبنيٌّ على الوَصْل في الآيات وفي السور، حتى أن آخر كلمة في سورة الناس موصولة بأول كلمة في الفاتحة، فنقول: {مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} وهكذا. لذلك نُسمِّي قارئ القرآن (الحالّ المرتحل) يعني: ما يكاد ينتهي من القرآن حتى يبدأ من أوله. أما الحروف المقطّعة في أوائل السور فمبنيةٌ على الوقْف تقول: حا، ميم، ألف لام ميم، في حين أنك لا تقف على نفس الحروف في {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1]. إذن: لكل نطق علَّة وله أسرار، فهو أشبه بأسنان المفتاح الذي يفتح لك، فمفتاح يفتح لك بسِنٍّ واحد، ومفتاح يفتح لك بسنِّيْن، ومفتاح يفتح لك بثلاثة. وقوله: {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} [الجاثية: 2] اختار هنا اسم العزيز، لأن القرآن سينزل وسوف تجد من القوم مَنْ يكذِّبه، فلا تهتم لذلك ولا يغرَّنك تكذيبهم، فالله مُنزل هذا الكتاب عزيز لا يُغلب، وهذه العزة ليستْ بقهر، إنما عزة بحكمة {ٱلْحَكِيمِ} [الجاثية: 2] والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {يَبُثُّ} ينشر ويفرِّق {تَصْرِيفِ} تقليب، صرَّف الله الريح قلَّبها من جهة إلى جهة {وَيْلٌ} كلمة تستعمل في العذاب والدمار {أَفَّاكٍ} كذَّاب، والإِفك: الكذبُ {أَثِيمٍ} كثير الإِثم والإِجرام {رِّجْزٍ} أشد العذاب {يُصِرُّ} أصرَّ على الشيء: عزم على البقاء عليه بقوة وشدة {يُغْنِي} ينفع أو يدفع ومنه {أية : مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ} تفسير : [الحاقة: 28] {بَصَائِرُ} دلائل ومعالم. التفسِير: {حمۤ} الحروف المقطَّعة للتنبيه على إِعجاز القرآن {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} أي هذا القرآن تنزيلٌ من الله، العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه، الذي لا يصدر عنه إلا كل ما فيه حكمةٌ ومصلحة للعباد، ثم أخبر تعالى عن دلائل الوحدانية والقدرة فقال {إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} أي إنَّ في خلق السماواتِ والأرض وما فيهما من المخلوقات العجيبة، والأحوال الغريبة، والأمور البديعة، لعلامات باهرة على كمال قدرة الله وحكمته، لقوم يصدّقون بوجود الله ووحدانيته {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي وفي خلقكم أيها الناسُ من نطفةٍ ثم من علقة، متقلبة في أطوارٍ مختلفة إلى تمام الخلق، وفيما ينشره تعالى ويُفرقه من أنواع المخلوقات التي تدب على وجه الأرض، آياتٌ باهرةٌ أيضاً لقومٍ يصدّقون عن إذعانٍ ويقين بقدرة ربِّ العالمين {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي وفي تعاقب الليل والنهار، دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وذاك بضيائه، بنظام محكم دقيق {وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ} أي وفيما أنزله الله تبارك وتعالى من السحاب، من المطر الذي به حياة البشر في معاشهم وأرزاقهم قال ابن كثير: وسمَّى تعالى المطر رزقاً لأنه به يحصل الرزق {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي فأحيا بالمطر الأرض بعدما كانت هامدةً يابسة لا نبات فيها ولا زرع، فأخرج فيها من أنواع الزروع والثمرات والنبات {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} أي وفي تقليب الرياح جنوباً وشمالاً، باردة وحارة {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أي علامات ساطعة واضحة على وجود الله ووحدانيته، لقومٍ لهم عقول نيّرة وبصائر مشرقة قال الصاوي: ذكر الله سبحانه وتعالى من الدلائل ستةً في ثلاث آيات، ختم الأولى بـ {لِّلْمُؤْمِنِينَ}، والثانية بـ {يُوقِنُونَ} والثالثة بـ{يَعْقِلُونَ} ووجه التغاير بينها في التعبير أن الإِنسان إذا تأمل في السماواتِ والأرض، وأنه لا بدَّ لهما من صانع آمن، وإِذا نظر في خلق نفسه ونحوها ازداد إِيماناً فأيقن، وإِذا نظر في سائر الحوادث كمل عقله واستحكم علمه {تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أي هذه آيات الله وحججه وبراهينه، الدالة على وحدانيته وقدرته، نقصُّها عليك يا محمد بالحق المبين الذي لا غموض فيه ولا التباس {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}؟ أي وإِذا لم يصدِّق كفار مكة بكلام الله، ولم يؤمنوا بحججه وبراهينه، فبأي كلامٍ يؤمنون ويصدِّقون؟ والغرضُ استعظام تكذيبهم للقرآن بعد وضوح بيانه وإِعجازه {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} أي هلاك ودمارٌ لكل كذَّاب مبالغٍ في اقتراف الآثام قال الرازي: وهذا وعيدٌ عظيم، والأَفَّاك الكذَّاب، والأثيمُ المبالغ في اقتراف الآثام {يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ} أي يسمع آيات القرآن تُقرأ عليه، وهي في غاية الوضوح والبيان {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} أي ثم يدوم على حاله من الكفر، ويتمادى في غيّه وضلاله، مستكبراً عن الإِيمان بالآيات كأنه لم يسمعها {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي فبشّره يا محمد بعذاب شديد مؤلم، وسمَّاه "بشارة" تهكماً بهم، لأن البشارة هي الخبر السارُّ قال في التسهيل: وإِنما عطفه بـ "ثم" لاستعظام الإِصرار على الكفر بعد سماعه آيات الله، واستبعاد ذلك في العقل والطبع قال المفسرون: نزلت في "النضر بن الحارث" كان يشتري أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن، والآيةُ عامةٌ في كل من كان موصوفاً بالصفة المذكورة {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً} أي إِذا بلغه شيء من الآيات التي أنزلها الله على محمد، سخر واستهزأ بها {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي أولئك الأفاكون المستهزءون بالقرآن لهم عذاب شديد مع الذل والإِهانة {مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} أي أمامهم جهنم تنتظرهم لما كانوا فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً} أي لا ينفعهم ما ملكوه في الدينا من المال والولد {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ} أي ولا تنفعهم الأصنام التي عبدوها من دون الله {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي ولهم عذاب دائم مؤلم قال أبو السعود: وتوسيط النفي {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ} مع أن عدم إِغناء الأصنام أظهر وأجلى من عدم إِغناء الأموال والأولاد، مبنيٌ على زعمهم الفاسد حيث كانوا يطمعون في شفاعتهم، وفيه تهكم بهم {هَـٰذَا هُدًى} أي هذا القرآن كامل في الهداية لمن آمن به واتَّبعه {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أي جحدوا بالقرآن مع سطوعه، وفيه زيادة تشنيع على كفرهم به، وتفظيع حالهم {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} أي لهم عذاب من أشدِّ أنواع العذاب مؤلمٌ موجعٌ قال الزمخشري: والرجزُ أشدُّ العذاب، والمراد بـ {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} القرآن.. ثم لمَّا توعَّدهم بأنواع العذاب ذكَّرهم تعالى بنعمه الجليلة ليشكروه ويوحّدوه فقال {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ} أي الله تعالى بقدرته وحكمته هو الذي ذلَّل لكم البحر على ضخامته وعِظمه {لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} أي لتسير السفنُ على سطحه بمشيئته وإرادته، دون أن تغوص في أعماقه قال الإِمام الفخر: خلَق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها السفن، وخلق الخشبة على وجهٍ تبقى طافيةً على وجه الماء دون أن تغوص فيه، وذلك لا يقدر عليه أحد إلا الله {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي ولتطلبوا من فضل الله بسبب التجارة، والغوص على اللؤلؤ والمرجان، وصيد الأسماك وغيرها {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي ولأجل أَن تشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم وتفضَّل قال القرطبي: ذكر تعالى كمال قدرته، وتمام نعمته على عباده، وبيَّن أنه خلقَ ما خلق لمنافعهم، وكلُّ ذلك من فعله وخلقه، وإِحسانٌ منه وإِنعام {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} أي وخلق لكم كل ما في هذا الكون، من كواكب، وجبال، وبحار، وأنهار، ونباتٍ، وأشجار، الجميع من فضله وإِحسانه وامتنانه، من عنده وحده جلَّ وعلا {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} أي إِنَّ فيما ذُكر لعبراً وعظات لقوم يتأملون في بدائع صنع الله فيستدلون على قدرته ووحدانيته ويؤمنون، ثم لما بيَّن تعالى دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، أردفه بتعليم فضائل الأخلاق، ومحاسن الأفعال فقال {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} أي قل يا محمد للمؤمنين يصفحوا عن الكفار، ويتجاوزوا عمَّا يصدر عنهم من الأذى والأفعال الموحشة قال مقاتل: شتم رجلٌ من الكفار عمر بمكة فهمَّ أن يبطش به، فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية، والمرادُ من قوله {لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} أي لا يخافون بأسِِ الله وعقابه لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ولا بلقاء الله قال ابن كثير: أُمر المسلمون أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك تأليفاً لهم، ثم لما أصرُّوا على العناد، شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} وعيدٌ وتهديد أي ليجازي الكفرة المجرمين بما اقترفوه من الإِثم والإِجرام، والتنكيرُ للتحقير {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} أي من فعل خيراً في الدنيا فنفعُه لنفسه، ومن ارتكب سوءاً وشراً فضرره عائد عليها، ولا يكاد يسري عملٌ إلى غير عامله {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي ثم مرجعكم يوم القيامة إلى الله وحده، فيجازي كلاً بعمله، المحسنَ بإِحسانه، والمسيءَ بإِساءته.. ولما ذكَّر بالنعم العامة أردفه بذكر النعم الخاصة على بني إِسرائيل فقال {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} أي والله لقد أعطينا بني إِسرائيل التوراة، وفصل الحكومات بين الناس، وجعلنا فيهم الأنبياء والمرسلين {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي ورزقناهم من أنواع النعم الكثيرة من المآكل والمشارب، والأقوات والثمار {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ} أي وفضلناهم على سائر الأمم في زمانهم قال الصاوي: والمقصود من ذلك تسليته صلى الله عليه وسلم كأنه قال: لا تحزن يا محمد على كفر قومك، فإِننا آتينا بني إسرائيل الكتاب والنعم العظيمة، فلم يشكروا بل أصرُّوا على الكفر، فكذلك قومك {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} أي وبينا لهم في التوراة أمر الشريعة وأمر محمد صلى الله عليه وسلم على أكمل وجه قال ابن عباس: يعني أمر النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته بأنه يُهاجر من تهامة إلى يثرب وينصره أهلها {فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} أي فما اختلفوا في ذلك الأمر، إلا من بعد ما جاءتهم الحجج والبراهين والأدلة القاطعة على صدقه {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي حسداً وعناداً وطلباً للرياسة قال الإِمام الفخر: والمقصودُ من الآية التعجبُ من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وهٰهنا صار العلم سبباً لحصول الاختلاف، لأنه لم يكن مقصودهم نفس العلم وإِنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، فلذلك علموا وعاندوا {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي هو جل وعلا الذي يفصل بين العباد يوم القيامة فيما اختلفوا فيه من أمر الدين، وفي الآية زجرٌ للمشركين أن يسلكوا مسلك من سبقهم من الأمم العاتية الطاغية {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا} أي ثم جعلناك يا محمد على طريقةٍ واضحة، ومنهاجٍ سديد رشيد من أمر الدين، فاتبع ما أوحى إليك ربك من الدين القيّم {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} أي لا تتَّبع ضلالات المشركين قال البيضاوي: لا تتبع آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش حيث قالوا: ارجع إلى دين آبائك {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لن يدفعوا عنك شيئاً من العذاب إن سايرتهم على ضلالهم {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي وإِن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا ولا ولي لهم في الآخرة {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ} أي وهو تعالى ناصر ومعين المؤمنين المتقين في الدنيا والآخرة {هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي هذا القرآن نور وضياء للناس بمنزلة البصائر في القلوب، وهو رحمة لمن آمن به وأيقن.

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * حمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ * إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ} هذه السورة مكية وقيل إلا قوله: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} لآية. فمدني ومناسبة أولها لآخر ما قبلها في غاية الوضوح قال تعالى: {أية : فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ}تفسير : [الدخان: 58] وقال: {حمۤ * تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ ... إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} ذكر تعالى في البقرة ثمانية دلائل وهنا ستة ثم لم يذكر الفلك والسحاب والسبب في ذلك أن مدار الحركة الفلك والسحاب على الرياح المختلفة بذكر الرياح وهناك جعل مقطع الثمانية واحداً وهنا رتبها على مقاطع ثلاثة يؤمنون يوقنون يعقلون وأظن سبب هذا الترتيب إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن لم تكونوا مؤمنين ولا موقنين فلا أقل ان تكونوا من العاقلين فاجتهدوا وقال: هناك ان في خلق السماوات وهنا في السماوات فدل على أن الخلق غير المخلوق وهو الصحيح ولا تفاوت بين أن يقال ان في السماوات أو في خلق السماوات. قال الزمخشري: أقيمت الواو مقامها فعملت الجر في واختلاف الليل والنهار والنصب في آيات وإذا رفعت فالعاملان الابتداء وفي عملت الرفع في وآيات والجر في واختلاف "انتهى". فنسبة عمل الجر والنصب والجر والرفع للواو ليس بصحيح لأن الصحيح من المذاهب أن حروف العطف لا تعمل ومن منع العطف على مذهب الأخفش أضمر حرف الجر بعد وفي اختلاف فالعمل للحرف مضمر أو نابت الواو ومناسب عامل واحد ويدل على أن في مقدرة قراءة عبد الله وفي اختلاف مصرحاً بفي وحسن حذف في تقدمها في قوله: وفي خلقكم. {تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ} أي تلك الآيات وهي الدلائل المذكورة. {نَتْلُوهَا} أي نسردها عليك ملتبسة بالحق ونتلوها في موضع الحال أي متلوة. قال الزمخشري: والعامل ما دل عليه تلك من معنى الإِشارة ونحوه وهذا بعلى شيخنا "انتهى". ليس نحوه لأن في وهذا حرف تنبيه وقيل العامل في الحال ما دل عليه حرف التنبيه أي تنبه وأما تلك فليس فيها حرف التنبيه فإِذا كان حرف التنبيه عاملاً بما فيه من معنى التنبيه لأن الحرف قد يعمل في الحال فالمعنى تنبه لزيد في حال شيخه أو في حال قيامه وقيل العامل في مثل هذا التركيب فعل محذوف يدل عليه المعنى أي أنظر إليه في حال شيخه فلا يكون إسم الإِشارة عاملاً ولا حرف التنبيه إن كان هناك. قال الزمخشري: بعد الله وآياته أي بعد آيات الله كقولهم أعجبني زيد وكرمه يريدون أعجبني كرم زيد "انتهى". ليس هذا بشىء لأن فيه من حيث المعنى اقتحام الأسماء من غير ضرورة والعطف والمراد غير العطف من إخراجه إلى باب البدل لأن تقدير كرم زيد إنما يكون في أعجبني زيد كرمه بغير واو على البدل وهذا قلب لحقائق النحو وإنما المعنى في أعجبني زيد وكرمه إن ذات زيد أعجبته وأعجبه كرمه فهما إعجابان لا إعجاب واحد وقد رددنا عليه مثل هذا فيما تقدم. {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} قيل نزلت في النصر بن الحارث وغيره وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن والآية عامة في كل من كان مضار الدين الله تعالى وأفاك أثيم صفتا مبالغة وألفاظ هذه الآية تقدم الكلام عليها والإِشارة بأولئك إلى كل أفاك لشموله الأفاكين حمل أولاً على لفظ كل فأفرد ثم على المعنى فجمع كقوله: {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}تفسير : [المؤمنون: 53]. {مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} أي من مقدامهم والوراء ما توارى من خلف وإمام. {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ} من الأموال في متاجرهم. {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} من الأوثان. {هَـٰذَا} أي القرآن. {هُدًى} أي بالغ في الهداية كقولك هذا رجل أي كامل في الرجولية. {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ} هذه آية اعتبار. قال الزمخشري: ويجوز أن يكون يعني منه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي جميعاً وأن يكون وما في الأرض مبتدأ ومنه خبره "انتهى". لا يجوز هذان الوجهان إلا على قول الأخفش لأن جميعاً إذا ذاك حال والعامل فيها معنوي وهو الجار والمجرور فهو نظير زيد قائماً في الدار لا يجوز على مذهب الجمهور وقرىء: ليجزي مبنياً للفاعل أي ليجزي الله وترى: بالنون أي لنجزي نحن وبالياء بنياً للمفعول والأحسن أن يكون المفعول الذي لم يسم فاعله ضمير المصدر أي ليجزي هو أي الجزاء وينتصب قوماً بإِضمار فعل يدل عليه ما قبله تقديره يجزي قوماً. {فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ} تقدم الكلام عليه. {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا} الآية لما ذكر تعالى انعامه على بني إسرائيل واختلافهم بعد ذلك ذكر حال نبيه صلى الله عليه وسلم وما من به عليه من اصطفائه فقال: ثم جعلناك على شريعة من الأمر قيل الشريعة هي الأمر والنهي والحدود والفرائض. {هَـٰذَا بَصَائِرُ} أي هذا القرآن جعل ما فيه من معالم الدين بصائر للقلوب كما جعل روحاً وحياة وقرىء: هذه أي هذه الآيات.

الجيلاني

تفسير : {حـمۤ} يا حاوي الوحي والإلهام ومزيل الشبه الحادثة من الأوهام وذي الأحلام. {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} الجامع لجميع مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم على الإطلاق {مِنَ ٱللَّهِ} المحيط لعموم الأنفس والأفاق {ٱلْعَزِيزِ} المنيع ساحة عز حضوره عن أن يحيط به الإدراك {ٱلْحَكِيمِ} [الجاثية: 2] المتقن في أفعاله، بحيث لا يكتنه حكمته أصلاً. اعلموا أيها الأظلال الهالكة في شمس الذات {إِنَّ فِي} خلق {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} ورفعها وتنظيمها مطبقة {وَ} في خفض {ٱلأَرْضِ} وبسطها ممهدة {لأيَٰتٍ} دلائل واضحات وشواهد لائحات على كمال قدرة الصانع الحكيم ومتانة حكمته وتدبيراته {لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] الموقنين بوحدة الحق وكمال أسمائه وصفاته، هذا في خلق الآفاق. {وَفِي خَلْقِكُمْ} أي: في خلق أنفسكم وإيجادكم من كتم العدم {وَ} كذا في أنفس {مَا يَبُثُّ} ينتشر ويتفرق على الأرض {مِن دَآبَّةٍ} مركبة من العناصر متحركة على وجه الأرض من أنواع الحيوانات والحشرات وأصنافها {ءَايَٰتٌ} دلائل وشواهد واضحات {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] وحدة الحق وينكشفون بشؤونه وتجلياته التي لا تعد ولا تحصى. {وَ} كذا في {ٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} وإيلاجهما وازديادهما وانتقاصهما في الفصول الأربعة حسب الأوضاع الفلكية وأشكالها، وارتفاع الشمس وانحطاطها {وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ} المدبر لأمور عباده {مِنَ} جانب {ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ} بعد تصعيد الأبخرة والأدخنة وتراكمها سحباً وصيرورتها ماء في غاية الصفاء {فَأَحْيَا بِهِ} بإنزال المطر {ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} يبسها وجفافها {وَ} في {تَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} السائقة للسحب إلى الأراضي الميتة اليابسة، بعد تعلق إرادته سبحانه بإحيائها {ءَايَٰتٌ} أنواع من الدلائل القاطعة والبراهني الساطعة على وحدة القادر العليم الحكيم {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5] يستعلمون عقولهم في كيفية انبعاث هذه الأوضاع والحركات، وارتباط بعضهامع بعض، وترتب الأمور الغير المحصورة عليها، وانشعاب الحوادث الغير المتناهية منها. وبالجملة: {تَلْكَ} الآيات المجملة الكلية {ءَايَٰتُ ٱللَّهِ} أي: بعض آياته الدالة على نبذ من كمالاته، وإلا فلا يفي درك أحد من عباده لتفصيل كمالاتها كلها {نَتْلُوهَا} ونقصها {عَلَيْكَ} يا أكمل الرسل تأييداً لأمرك وتعظيماً لشأنك ملتبسة {بِٱلْحَقِّ} بلا ريب فيه وتردد، وإنما نتلوها عليك لتبين لهم بها طريق توحيدنا، وتنبههم على وحدة وكمالات أسمائنا وصفاتنا {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ} أي: فهم بأي كلام وقول {بَعْدَ} نزول كتاب {ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ} المنزلة من عنده المبينة لتوحيده {يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 6] يذعنون ويوقنون.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {حـمۤ} [الجاثية: 1]، يشير بالحاء إلى حياته وبالميم إلى مودته، كأنه قال: بحياتي ومودتي لأوليائي، لا شيء أحب علي من لقاء أحبائي، ولا أعز وأحب على أحبائي من لقائي، {تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ} [الجاثية: 2]؛ أي: هذا الكتاب تنزيل {مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} [الجاثية: 2]، على أوليائه وأحبائه. ثم أخبر: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [الجاثية: 3] الصورية والمعنوية {لأيَٰتٍ} [الجاثية: 3]، شواهد الربوبية لائحة، وأدلة الإلهية واضحة {لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] المحبين الذين صحا فكرتهم عن سكر الغفلة وجبت سيرهم في محال العبرة، وصفاء قلبهم عن دنس البشرية، وتجلي روحهم بإطلاق الربوبية؛ فحظوا بحقائق الوصلة. وبقوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4]، يشير إلى أن العبد إذا أمعن نظره في حسن استعداده ظاهراً وباطناً، وأنه خلق في أحسن تقويم يرى استواء قده وقامته وحسن صورته وسيرته واستكمال عقله وتمام تميزه، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه، ثم فكر فيما عداه من الدواب في أجزائها وأعضائها وأوصافها وطبائعها والتمييز والعلم، ثم وقف على اختصاصه، وامتياز بني آدم من بين البرية من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم ثم في الإيمان، ومن الملائكة في حمل الأمانة، وتعلم علم الأسماء، ووجوه لخصائص أهل الصفوة من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات والمخافيات وأنواع التجليات، وما صار به الإنسان خليفة الله ومسجود ملائكته المقربين، عرف تخصيصهم بمناقبهم وانفرادهم بفضائلهم؛ فاستيقن أن الله كرمهم، وعلى كثير من المخلوقات فضلهم، وإنهم محمولو العناية في بر الملك وبحر الملكوت. وبقوله: {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ} [الجاثية: 5]، يشير إلى اختلاف ليل البشرية ونهار الروحانية، وما أنزل الله تعالى من الواردات الربانية من سماء الأرواح، ومن غيث الرحمة رزقاً للقلوب؛ {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ} [الجاثية: 5] أرض القلوب {بَعْدَ مَوْتِهَا} [الجاثية: 5]، عند استيلاء أوصاف البشرية عليها في أوان الولادة إلى حد البلاغة، إذا كانت محرومة عن غداء تعيش به، وهو أوامر الشريعة ونواهيها المودع فيها نور الإيمان، الذي هو حياة القلوب، {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} [الجاثية: 5]، وهي رياح نفحات الحق تعالى {ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5]، التعرض لنفحات ألطاف الحق. وفيه إشارة أخرى: أن الله تعالى جعل العلوم الدينية كسبية مصححة بالدلائل، وموهبية محققة بالشواهد؛ فمن لم يستبصر بهما زلت قدمه عن الصراط، ووقع في عذاب الجحيم، فاليوم في ظلمة الحيرة والتقليد وفي الآخرة في الوعيد بالتخليد. وبقوله: {تَلْكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 6]، يشير إلى أن الإيمان الحقيقي لا يمكن حصوله في القلوب إلا بالله وكتابته في القلول، وبإراءته المؤمنين آياته، وإلا فلا يحصل بالدلائل المنطقية ولا بالبراهين العقلية؛ فافهم جدّاً. {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} [الجاثية: 7] مكذب {أَثِيمٍ} [الجاثية: 7] معرض عن الحق، {يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ} [الجاثية: 8]، في الظاهر؛ إذ {تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ} [الجاثية: 8]، على الإنكار والجحود {مُسْتَكْبِراً} [الجاثية: 8]، عن قبول الحق، يسمع الباطن {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} [الجاثية: 8]، فمن استمع باستماع الحق والفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذخر الدارين، وتصدى لعز المنزلين، ومن تصامم بحكم الخذلان والغفلة؛ {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية: 8] بوقوعه في وهدة الجهل.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى خبرا يتضمن الأمر بتعظيم القرآن والاعتناء به وأنه { تَنزيلُ } { مِنَ اللَّهِ } المألوه المعبود لما اتصف به من صفات الكمال وانفرد به من النعم الذي له العزة الكاملة والحكمة التامة. ثم أيد ذلك بما ذكره من الآيات الأفقية والنفسية من خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من الدواب وما أودع فيهما من المنافع وما أنزل الله من الماء الذي يحيي به الله البلاد والعباد. فهذه كلها آيات بينات وأدلة واضحات على صدق هذا القرآن العظيم وصحة ما اشتمل عليه من الحكم والأحكام، ودالات أيضا على ما لله تعالى من الكمال وعلى البعث والنشور. ثم قسم تعالى الناس بالنسبة إلى الانتفاع بآياته وعدمه إلى قسمين: قسم يستدلون بها ويتفكرون بها وينتفعون فيرتفعون وهم المؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر إيمانا تاما وصل بهم إلى درجة اليقين، فزكى منهم العقول وازدادت به معارفهم وألبابهم وعلومهم. وقسم يسمع آيات الله سماعا تقوم به الحجة عليه ثم يعرض عنها ويستكبر، كأنه ما سمعها لأنها لم تزك قلبه ولا طهرته بل بسبب استكباره عنها ازداد طغيانه. وأنه إذا علم من آيات الله شيئا اتخذها هزوا فتوعده الله تعالى بالويل فقال: { وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } أي: كذاب في مقاله أثيم في فعاله. وأخبر أن له عذابا أليما وأن { مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ } تكفي في عقوبتهم البليغة. وأنه { لا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا } من الأموال { وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ } يستنصرون بهم فخذلوهم أحوج ما كانوا إليهم لو نفعوا. فلما بين آياته القرآنية والعيانية وأن الناس فيها على قسمين أخبر أن القرآن المشتمل على هذه المطالب العالية أنه هدى فقال: { هَذَا هُدًى } وهذا وصف عام لجميع القرآن فإنه يهدي إلى معرفة الله تعالى بصفاته المقدسة وأفعاله الحميدة، ويهدي إلى معرفة رسله وأوليائه وأعدائه، وأوصافهم، ويهدي إلى الأعمال الصالحة ويدعو إليها ويبين الأعمال السيئة وينهى عنها، ويهدي إلى بيان الجزاء على الأعمال ويبين الجزاء الدنيوي والأخروي، فالمهتدون اهتدوا به فأفلحوا وسعدوا، { وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ } الواضحة القاطعة التي لا يكفر بها إلا من اشتد ظلمه وتضاعف طغيانه، { لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ }.