Verse. 4476 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

اِنَّ فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ لَاٰيٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِيْنَ۝۳ۭ
Inna fee alssamawati waalardi laayatin lilmumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن في السماوات والأرض» أي في خلقهما «لآيات» دالة على قدرة الله ووحدانيته تعالى «للمؤمنين».

3

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي في خلقهما {لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ} يعني المطر. {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تقدّم جميعه مستوفى في «البقرة» وغيرها. وقراءة العامة «وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ» «وتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ» بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بكسر التاء فيهما. ولا خلاف في الأوّل أنه بالنصب على اسم «إنّ» وخبرها «فِي السَّمَوَاتِ». ووجه الكسر في «آيَات» الثاني العطف على ما عملت فيه؛ التقدير: إن في خلقكم وما يبث من دابة آياتٍ. فأما الثالث فقيل: إن وجه النصب فيه تكرير «آيَاتٌ» لما طال الكلام؛ كما تقول: ضربت زيداً زيداً. وقيل: إنه على الحمل على ما عملت فيه «إنّ» على تقدير حذف «في»؛ التقدير: وفي ٱختلاف الليل والنهار آيات. فحذفت «في» لتقدّم ذكرها. وأنشد سيبويه في الحذف:شعر : أكُلَّ ٱمرىء تَحْسِبِين ٱمرأً ونارٍ تَوَقُّدُ بالليل نارا تفسير : فحذف «كل» المضاف إلى نار المجرورة لتقدّم ذكرها. وقيل: هو من باب العطف على عاملين. ولم يُجِزه سيبويه، وأجازه الأخفش وجماعة من الكوفيين؛ فعطف «واخْتِلاَفِ» على قوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ} ثم قال: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ آيَاتٌ} فيحتاج إلى العطف على عاملين، والعطف على عاملين قبيح من أجل أن حروف العطف تنوب مناب العامل، فلم تَقْوَ أن تنوب مناب عاملين مختلفين؛ إذ لو ناب مناب رافع وناصب لكان رافعاً ناصباً في حال. وأما قراءة الرفع فحملا على موضع «إن» مع ما عملت فيه. وقد ألزم النحويون في ذلك أيضاً العطف على عاملين؛ لأنه عَطَف «وَاخْتِلاَفِ» على «وفِي خَلْقِكُمْ»، وعطف «آيَات» على موضع «آيات» الأوّل، ولكنه يقدّر على تكرير «في». ويجوز أن يرفع على القطع مما قبله فيرفع بالابتداء، وما قبله خبره، ويكون عطف جملة على جملة. وحكى الفراء رفع «واختِلاف» و «آيات» جميعاً، وجعل الاختلاف هو الآيات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي في خلقهما {لأَيَـٰتٍ } دالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته تعالى {لِلْمُؤْمِنِينَ }.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}[3] قال: العلامات لمن أيقن بقلبه واستدل بكونها على مكونها.

السلمي

تفسير : قال سهل: علامات لمن أيقن بقلبه واستدل بكونها على مكون هذه الآيات الطاهرة. وقال أيضاً: فى خلقها دليل على وحدانيته لرفعه السماء بغير عمد.

القشيري

تفسير : شواهد الربوبية لائحةٌ، وأدلةُ الإلهية واضحةٌ؛ فمَنْ صحا مِنْ سَكْرَةِ الغفلة، ووضعَ سِرَّه في محالِّ العِبرة حَظِيَ - لا محالةَ - بحقائق الوصلة.

البقلي

تفسير : اى فى السماوات والارض ظهور انوار قدرته -----الابصار العارفين وبصائر المحبين قال سهل علامات لمن ايقن بقلبه واستدل بكونها على ملكوتى هذه الأيات الظاهرة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان فى السموات والارض} اى فى خلقهما وخلق ما فيهما من آثار القدرة كالكواكب والجبال والبحار ونحوها {لآيات للمؤمنين} لشواهد الربوبية لاهل التصديق وادلة الآلهية لاهل التوفيق خص المؤمنين بالذكر لانتفاعهم بتلك الآيات والدلالات فانهم يستدلون بالمخلوق على الخالق وبالمصنوع على الصانع فيوحدونه وهو اول الباب ولذا قدم الايمان على الايقان ولعل الوجه فى طى ذكر المضاف هنا وهو الخلق واثباته فى الآية الآتية ان خلق السموات والارض ليس بمشهود للخلق وان كانتا مخلوقتين كما قال تعالى {أية : ما اشهدتهم خلق السموات والارض} تفسير : بخلاف خلق الانسان وما يلحق به من خلق سائر الدواب فانه كما أنه يستدل بخلقه على خالقه فكذا يشاهد خلقه وتوالده فتكون المخلوقية فيه أظهر من الاول هكذا لاح بالبال والله اعلم بحقيقة الحال وهنا كلام آخر سيأتى

اطفيش

تفسير : {إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} على قدرة الله ووحدانيته والجملة بينهما معترضة وزعم بعض ان تنزيل صفة {حم} والمعنى ان في السموات والارض نفسهن أو يقدر مضاف في خلق السموات والارض ويدل له

الالوسي

تفسير : وهو على ما تقدم استئناف للتنبيه على الآيات التكوينية. وجوز أن يكون {أية : تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [الجاثية: 2] مبتدأ وخبراً والجملة جواب القسم، وهو خلاف الظاهر، وقيل: يقدر {حمۤ} على كونه مقسماً به مبتدأ محذوف الخبر أي حم قسمي ويكون {تَنزِيلَ } نعتاً له غير مقطوع، وعلى سائر الأوجه قوله سبحانه: {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ } نعت للاسم الجليل. وجوز الإمام كونه صفة للكتاب إلا أنه رجح الأول بعد احتياجه إلى ارتكاب المجاز مع زيادة قرب الصفة من الموصوف فيه، وأوجبه أبوحيان لما في الثاني من الفصل بين الصفة والموصوف الغير الجائز. وقوله عز وجل: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الخ يجوز أن يكون بتقدير مضاف أي إن في خلق السمٰوات كما رواه الواحدي عن الزجاج لما أنه قد صرح به في آية أخرى والقرآن يفسر بعضه بعضاً، ويناسبه قوله عز وجل: {وَفِي خَلْقِكُمْ ...}.

ابن عاشور

تفسير : موقع هذا الكلام موقع تفصيل المجمل لما جمعته جملة { أية : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } تفسير : [الجاثية: 2] باعتبار أن آيات السماوات والأرض وما عطف عليها إنما كانت آيات للمؤمنين الموقنين، وللذين حصل لهم العلم بسبب ما ذكرهم به القرآن، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: { أية : تلك آيات الله نتلوها عليك } تفسير : [الجاثية: 6]. وأكد بــ {إنَّ} وإن كان المخاطبون غير منكريه لتنزيلهم منزلة المنكر لذلك بسبب عدم انتفاعهم بما في هذه الكائنات من دلالة على وحدانية الله تعالى وإلا فقد قال الله تعالى: { أية : ولئن سألتهم من خَلَق السماوات والأرض ليقولُن خلقهنّ العزيز العليم } تفسير : في سورة الزّخرف (9). والخطاب موجه إلى المشركين ولذلك قال: {لآيات للمؤمنين} وقال: {آيات لقوم يوقنون} دون أن يقال: لآيات لكم أو آيات لكم، أي هي آيات لمن يعلمون دلالتها من المؤمنين ومن الذين يوقنون إشارة إلى أن تلك الآيات لا أثر لها في نفوس من هم بخلاف ذلك. والمراد بكون الآيات في السماوات والأرض أن ذات السماوات والأرض وعداد صفاتها دلائل على الوحدانية فجعلت السماوات والأرض بمنزلة الظرف لما أودعته من الآيات لأنها ملازمة لها بأدنى نظر وجعلت الآيات للمؤمنين لأنهم الذين انتفعوا بدلالتها وعلموا منها أن موجدها ومقدر نظامها واحد لا شريك له. وعطف جملة {وفي خلقكم} الخ على جملة {إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين} عطف خاص على عام لما في هذا الخاص من التذكير بنعمة إيجاد النوع استدعاء للشكر عليه. والبث: التوزيع والإكثار وهو يقتضي الخلق والإيجاد فكأنه قيل وفي خلق الله ما يبثّ من دابة. وتقدم البث في قوله تعالى: { أية : وبث فيها من كل دابّة } تفسير : في سورة البقرة (164). وعبر بالمضارع في {يبث} ليفيد تجدد البث وتكرره باعتبار اختلاف أجناس الدواب وأنواعها وأصنافها. والدابة تطلق على كل ما يدبّ على الأرض غير الإنسان وهذا أصل إطلاقها وقد تطلق على ما يدب بالأرجل دون الطائر كقوله: { أية : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه } تفسير : [الأنعام: 38]. والرزق أطلق هنا على المطر على طريقة المجاز المرسل لأن المطر سبب وجود الأقوات. والرزق: القوت. وقد ذكر في آية سورة البقرة (164) { أية : وما أنزل الله من السماء من ماء }. تفسير : وتقدمت نظائر هذه الآية في أواسط سورة البقرة وفي مواضع عدّة. والمراد بــ(المؤمنين)، وبـ(قوم يوقنون)، وبــ(قوم يعقلون) واحد، وهم المؤمنون بتوحيد الله فحصل لهم اليقين وكانوا يعقلون، أي يعلمون دلالة الآيات. والمعنى: أن المؤمنين والذين يُوقنون، أي يعلمون ولا يكابرون، والذين يعقلون دلالة الآثار على المؤثر ونظروا النظر الصحيح في شواهد السماوات والأرض فعلموا أن لا بد لها من صانع وأنه واحد فأيقن بذلك العاقل منهم الذي كان متردداً، وازداد إيماناً من كان مؤمناً فصار موقناً. فالمعنى: أن الذين انتفعوا بالآيات هم المؤمنون العاقلون، فوزعت هذه الأوصاف على فواصل هذه الآي لأن ذلك أوقع في نفس السامع من إتْلاَءِ بعضها لبعض. وقُدم المتصفون بالإيمان لشرفه وجعل خلق الناس والدواب آية للموصوفين بالإيقان لأن دلالة الخلق كائنة في نفس الإنسان وما يحيط به من الدواب، وجعل اختلاف الليل والنهار واختلافُ حوادث الجو آية للذين اتصفوا بالعقل لأن دلالتها على الوحدانية بواسطة لوزام مترتبة بإدراك العقل. وقد أومأ ذكر هذه الصفات إلى أن الذين لم يهتدوا بهذه الآيات ليسوا من أصحاب هذه الصفات ولذلك أعقبه بقوله: { أية : فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } تفسير : [الجاثية: 6] استفهاماً إنكارياً بمعنى النفي. واعلم أن هذا الكلام وإن كان موجهاً إلى قوم لا ينكرون وجود الإلـٰه وإنما يزعمون له شركاء، وكان مقصوداً منه ابتداء إثباتٌ الوحدانية، فهو أيضاً صالح لإقامة الحجة على المعَطِّلين الذين ينفون وجود الصانع المختار (وفي العرب فريق منهم). فإن أحوال السماوات كلها متغيرة دالة على تغير ما اتصفت بها، والتغير دليل الحدوث وهو الحاجة إلى الفاعل المختار الذي يوجدها بعد العدم ثم يُعدمها. وقرأ الجمهور قوله: {آيات لقوم يوقنون} وقوله: {آياتٌ لقوم يعقلون} برفع {آيات} فيهما على أنهما مبتدآن وخبراهما المجروران. وتقدّر (في) محذوفة في قوله {واختلاف الليل والنهار} لدلالة أختها عليها التي في قوله: {وفي خلقكم}. والعطف في كلتا الجملتين عطف جملة لا عطف مفرد. وقرأها حمزة والكسائي وخلف {لآيات} في الموضعين بكسرة نائبة عن الفتحة فـــ{آياتٍ} الأول عطف على اسم {إنَّ} و{في خلقكم} عطف على خبر {إنّ} فهو عطف على معمولي عامل واحد ولا إشكال في جوازه وأما {آيات لقوم يعقلون} فكذلك، إلا أنه عطف على معمولي عَامِلَيْن مختلفين، أي ليسا مترادفين هما (إنّ) و(في) على اعتبار أن الواو عاطفة {آيَات} وليست عاطفة جملة {في خلقكم} الآية، وهو جائز عند أكثر نحاة الكوفة وممنوع عند أكثر نحاة البصرة، ولذلك تأول سيبويه هذه القراءة بتقدير (في) عند قوله: {واختلاف الليل والنهار} لدلالة أختها عليها وتبقى الواو عاطفة {آياتٍ} على اسم (إنّ) فلا يكون من العطف على معمولي عاملين. والحق ما ذهب إليه جمهور الكوفيين وهو كثير كثرة تنبو عن التأويل. وجعل ابن الحاجب في «أماليه» قراءة الجمهور برفع {آياتٌ} في الموضعين أيضاً من العطف على معمولي عاملين لأن الرفع يحتاج إلى عَاملٍ كما أن النصب يحتاج إلى عَاملٍ قال: وأكثر الناس يفرض الإشكال في قراءة النصب لكون العامل لفظيًّا وهما سواء. وقرأ يعقوب {آياتٍ} الثانية فقط بكسر التاء على أنه حال متعدد من اختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق وتصريف الرياح، والسحاب.

الشنقيطي

تفسير : ذكر جل وعلا، في هذه الآيات الكريمة، من أول سورة الجاثية ست براهين، من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى. الأول: منها خلقه السماوات والأرض. الثاني: خلقه الناس. الثالث: خلقه الدواب. الرابع: اختلاف الليل والنهار. الخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به. السادس: تصريف الرياح. وذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما ينتفع بها المؤمنون، الموقنون الذين يعقلون عن الله حججه، وآياته. فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم. ولذا قال: {لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ}، ثم قال: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، ثم قال: {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. وهذه البراهين الستة المذكورة في أول هذه السورة الكريمة، جاءت موضحة في آيات كثيرة جداً كما هو معلوم. أما الأول منها وهو خلقه السماوات والأرض المذكور في قوله: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} فقد جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيب}تفسير : [ق: 6-8] وقوله تعالى:{أية : أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْض}تفسير : [سبأ: 9] الآية. وقوله:{أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس: 101] الآية. وقوله:{أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف: 185] الآية. وقوله:{أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الروم: 22 والشورى: 29] في الروم والشورى. وقوله:{أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}تفسير : [البقرة: 22] وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً}تفسير : [غافر: 64]، وقوله تعالى:{أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ}تفسير : [الذاريات: 47-48]. وقوله تعالى:{أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً}تفسير : [النبأ: 6] الى قوله{أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً}تفسير : [النبأ: 12] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً معروفة. وأما الثاني منها: وهو خلقه الناس المذكور في قوله: {وَفِي خَلْقِكُم} فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى:{أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ}تفسير : [الروم: 20] وقوله:{أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُم}تفسير : [البقرة: 21] الآية. وقوله تعالى عن نبيه نوح:{أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً}تفسير : نوح: [13-14]، وقوله تعالى:{أية : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}تفسير : [الزمر: 6] وقوله {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 21]، والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة. وأما الثالث منها: وهو خلقه الدواب المذكور في قوله:{وَمَا يَبُثُّ مِن دآبَّةٍ} فقد جاء أيضاً موضحاً في آيات كثيرة أيضاً من كتاب الله كقوله تعالى في سورة الشورى:{أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ وَهُوَ عَلَىٰ جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ}تفسير : [الشورى: 29]. وقوله تعالى في البقرة:{أية : وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ}تفسير : [البقرة: 164] الآية. وقوله تعالى:{أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [النور: 45]، وقوله تعالى{أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ}تفسير : [الزمر: 6] والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة. وأما الرابع منها: وهو اختلاف الليل والنهار المذكور في قوله: واختلاف الليل والنهار. فقد جاء موضحاً أيضاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى في البقرة:{أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ}تفسير : [البقرة: 164] الى قوله:{أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 164]. وقوله تعالى في آل عمران: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [آل عمران: 190]، وقوله تعالى في فصلت:{أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ}تفسير : [فصلت: 37] الآية، وقوله تعالى:{أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَٱلشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَـا}تفسير : [يس: 37-38] الآية. وقوله تعالى:{أية : يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ}تفسير : [النور: 44]، وقوله تعالى:{أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}تفسير : [القصص: 71-73]، وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلاَفُ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 80] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وأما الخامس منها وهو: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به وإنبات الرزق فيها المذكور في قوله: {وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فقد جاء موضحاً أيضاً في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى في البقرة:{أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}تفسير : [البقرة: 164] الى قوله {أية : لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}تفسير : [البقرة: 164]، وقوله تعالى:{أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً}تفسير : [عبس:24-27] الى قوله{أية : مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}تفسير : [عبس: 32] وإيضاح هذا البرهان باختصار أن قوله تعالى:{أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ}تفسير : [عبس: 24] أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه كالخبز الذي يأكله، ويعيش به من خلق الماء الذي كان سبباً لنباته. هل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟ الجواب: لا. ثم وهب أن الماء قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى الأرض، على هذا الوجه الذي يحصل به النفع، من غير ضرر بإنزاله على الأرض رشاً صغيراً، حتى تروى به الأرض تدريجاً. من غير أن يحصل به هدم، ولا غرق كما قال تعالى:{أية : فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}تفسير : [النور: 43 والروم: 48]. الجواب: لا. ثم هب أن الماء قد خلق فعلاً، وأنزل في الأرض، على ذلك الوجه الأتم الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض، ويخرج منها مسمار النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أن النبات خرج من الأرض، وانشقت عنه فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟ الجواب: لا. ثم هب أن السنبل خرج من النبات فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه وينقله من طور إلى طور حتى يدرك ويكون صالحاً للغذاء والقوت؟ الجواب: لا. وقد قال تعالى:{أية : ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأنعام: 99]، وكقوله تعالى:{أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً}تفسير : : [النبأ: 14-16]. وقوله تعالى:{أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ}تفسير : [يس: 33]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. واعلم أن إطلاقه تعالى الرزق على الماء، في آية الجاثية هذه، قد أوضحنا وجهه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى:{أية : هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزْقاً}تفسير : [غافر: 13] الآية. وأما السادس منها: وهو تصريف الرياح المذكور في قوله {وَتَصْرِيِفِ الرِّيَاحِ} فقد فقد جاء موضحاً أيضاً في آيات من كتاب الله كقوله في البقرة:{أية : وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}تفسير : [البقرة: 164] وقوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ}تفسير : [الروم: 46]، وقوله تعالى{أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}تفسير : [الحجر: 22] الى غير ذلك من الآيات. تنبيه اعلم أن هذه البراهين العظيمة المذكورة، في أول سورة الجاثية، هذه ثلاثة منها، من براهين البعث، التي يكثر في القرآن العظيم، الاستدلال بها على البعث، كثرة مستفيضة. وقد أوضحناها في مواضع من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة وسورة النحل وغيرهما، وأحلنا عليها مراراً كثيرة من هذا الكتاب المبارك وسنعيد طرفاً منها هنا لأهميتها إن شاء الله تعالى. والأول من البراهين المذكورة هو خلق السماوات والأرض هنا في سورة الجاثية هذه {إِنَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} لأن خلقه جل وعلا للسماوات والأرض، من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت لأن من خلق الأعظم الأكبر، لا شك في قدرته على خلق الأضعف الأصغر. والآيات الدالة على هذا كثيرة كقوله تعالى:{أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ}تفسير : [غافر: 57] أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، وقوله تعالى:{أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ}تفسير : {يس: 81]. وقوله تعالى:{أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الأحقاف: 33] وقوله تعالى:{أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ}تفسير : [الإسراء: 99] الآية. وقوله تعالى:{أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَاهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُم}تفسير : [النازعات: 27-33]. ونظير آية النازعات هذه قوله تعالى في أول الصافات:{أية : فَٱسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ}تفسير : [الصافات: 11] الآية، لأن قوله: {أَم مَّنْ خَلَقنَآ} يشير به إلى خلق السماوات والأرض، وما ذكر معهما المذكور في قوله تعالى:{أية : رَّبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ ٱلْمَشَارِقِ}تفسير : [الصافات: 5] الى قوله{أية : فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}تفسير : [الصافات: 10]. وأما الثاني من البراهين المذكورة: فهو خلقه تعالى للناس المرة الأولى، لأن من ابتدع خلقهم على غير مثال سابق، لا شك في قدرته على إعادة خلقهم، مرة أخرى كما لا يخفى. والاستدلال بهذا البرهان على البعث كثير جداً في كتاب الله كقوله تعالى:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَاب}تفسير : {الحج: 5] الى آخر الآيات. وقوله تعالى:{أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يس: 78-79] وقوله تعالى:{أية : وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً}تفسير : [مريم: 66-68] الآية. وقوله تعالى:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}تفسير : [الروم: 27] الآية. وقوله تعالى:{أية : فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الإسراء: 51] وقوله تعالى:{أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ}تفسير : [الأنبياء: 104] وقوله تعالى:{أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [ق: 15] وقوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الواقعة: 62] وقوله تعالى:{أية : وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ وَأَنَّ عَلَيْهِ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُخْرَىٰ}تفسير : [النجم: 45-47] وقوله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [القيامة: 36-40]. وقوله تعالى: {أية : وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}تفسير : [التين: 1-4] الى قوله:{أية : فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِٱلدِّينِ}تفسير : [التين: 7] يعني أي شئ يحملك على التكذيب بالدين أي بالبعث والجزاء، وقد علمت أني خلقتك الخلق الأول في أحسن تقويم، وأنت تعلم أنه لا يخفى على عاقل أن من ابتدع الإيجاد الأول لا شك في قدرته، على إعادته مرة أخرى إلى غير ذلك من الآيات. وأما البرهان الثالث منها: وهو إحياء الأرض بعد موتها المذكور في قوله تعالى في سورة الجاثية هذه: {وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}، فانه يكثر الاستدلال به أيضاً على البعث في القرآن العظيم، لأن من أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم، لأن الجميع أحياء بعد موت. فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [فصلت: 39] وقوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}تفسير : [الحج: 5-7] وقوله تعالى:{أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْييِ ٱلْمَوْتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [الروم: 50] وقوله تعالى:{أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}تفسير : [الأعراف: 57]. فقوله تعالى: {كَذَالِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى} أي نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت، وقوله تعالى:{أية : يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَيُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}تفسير : [الروم: 19] يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى:{أية : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ}تفسير : [ق: 11] إلى غير ذلك من الآيات.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {لآيَاتٍ} (3) - وَقَدْ خَلَقَ اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ السَّماواتِ والأَرضَ وَمَا فِيهنَّ مِنْ أَشياءَ باهرةٍ، وَنِظَامٍ بَدِيعٍ دَقِيقٍ، وَأَوْجبَ عَلَى خَلْقِهِ أن يَتَمعَّنُوا في هذا الخَلقِ العَظِيمِ البَدِيعِ، لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى وُجُودِ الخَالِق وَعَظَمتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَعَلَى أَنَّ هذا الخَلْقَ لم يُخْلَقْ عَبَثاً، وَإِنَّما خُلِقَ بِالحَقِّ، لِحِكْمَةٍ يَعْرِفُها وَيُقَدِّرُهَا اللهُ تَعَالى وَحْدَهُ. والمُؤمِنُونَ هُمْ وَحْدَهُمْ الذِينَ يُفَكِّرُونَ في هذا الخَلْقِ، وَيَتَوَصَّلُون بِفِكْرِهِمْ إِلى الإِيمانِ بِخَالِقِه.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} [الجاثية: 3] جعل السماوات والأرض ظرفاً فلا تنظر إلى السماوات والأرض في ذاتها، بل انظر لما فيهما من الآيات والأسرار، فهي مليئةٌ بالآيات التي يجلِّيها الله لوقتها، وكلما تفتحتْ العقول وتطوَّرتْ العلوم ظهر لنا آية من آيات الله في السماوات والأرض. انظر مثلاً إلى الثورة في مجال الاتصالات، وما في الهواء من ذبذبات وبثٍّ (للتلفزيون)، ومع ذلك لا تختلط ولا تتداخل، انظر إلى الفضاء الواسع وما توصَّل إليه الإنسان من غزو الفضاء وإطلاق سفن وصواريخ تصل إلى كواكب أخرى وتستقرّ عليها وترسل لنا صُوراً منها، كلُّ هذه آياتٌ من آيات الله يُجلِّيها سبحانه لنا في وقتها المناسب. إذن: آياتُ الله كثيرة في السماوات والأرض بل وتحت الأرض، لذلك يمتنُّ الله بنعمه علينا، فيقول: {أية : لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ} تفسير : [طه: 6]. لذلك سيدنا عبد الله بن مسعود يقول: أثيروا القرآن. يعني (هيجوه) مثل الأرض حينما نحرثها لنأخذ ما فيها من خيرات، كذلك كل شيء منسوب إلى الله تعالى فيه ما لا يُحصَى من كنوز الخير. وإذا كانت السماواتُ والأرض ظرفاً فلنا أنْ نسأل: أيهما أثمن الظرف أم المظروف فيه؟ فالخطاب أو الرسالة أثمن أم الظرف الذي تُوضَع فيه؟ الخزينة أو ما يوضع فيها أنفس. كذلك السماوات والأرض مع عظِمهما وقُوتهما، فما فيهما من آيات وعجائب أعظم منهما وأنفس، لذلك تذكرون أننا حرَّمنا أنْ نضع شيئاً بين أوراق المصحف، لماذا؟ حتى لا يكون كتاب الله تعالى ظرفاً لشيء، مهما كان غالياً وثميناً عندك، لأن القرآن أثمن وأغلى من أي شيء آخر، فلا تجعله ظرفاً لشيء. وقوله: {لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] آيات جمع آية، وهي الشيء البالغ في الحُسْن مَبْلغاً كما نقول: فلان آيةٌ في الحسن أو في البلاغة، أو في الكرم، إذن: آية تعني الشيء العجيب في بابه. وبيَّنا أن كلمة آية تُطلق على مَعانٍ ثلاثة: آيات كونية تثبت قدرة الخالق سبحانه وحكمته {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ..} تفسير : [فصلت: 37]. فإنْ كان هذا الشيء مُتفرداً بشيء عجيب دالٍّ على القدرة سُمِّي آية وحده، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ ..} تفسير : [الإسراء: 12] فكلٌّ منهما آية وحده. وقال في عيسى بن مريم عليه السلام وأمه مريم: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ..} تفسير : [المؤمنون: 50] فهما آية واحدة، لأن وجه العجب فيهما واحدة، والجامع بينهما في الإعجاز أمر واحد، فكانا آية واحدة. ثم بعد ذلك آيات معجزات تأتي مصاحبة للرسل لتؤيدهم وتُثبت صدقهم في البلاغ عن الله مثل: عصا موسى، وناقة صالح. ثم النوع الثالث من الآيات هي آيات الذكر الحكيم في القرآن الكريم، ويُسمُّونها حاملة الأحكام. فمعنى: {لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] يعني: أيها المؤمنون بي تنبهوا لهذه الآيات لتُقنعوا بها غيركم ممَّنْ لم يؤمن من الكافرين والملاحدة، لذلك نقعد (ندادي) فيهم ونقول لهم: انظروا كذا وانظروا كذا، تأملوا قدرة الله في كذا وكذا. هذه رسالتنا أنْ ندعو الناسَ، وأنْ ندلَّهم على الله بماذا؟ بآياته في الكون، لذلك ربنا سبحانه يُعلِّمنا كيف ندلُّ الناسَ بالآيات فيقول: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} تفسير : [فصلت: 37]. يعني: لا تغرنكم عظمة هذه الآيات؛ فخالقها أعظم، وأحلى من الحُسْن مَنْ خلق الحسن، فايَّاكم أنْ تنصرفوا بإعجابكم بالليل والنهار والشمس والقمر عن خالقها، فهو المستحق للعبادة وليس هي، وهذا يعني أن الخالق سبحانه حريصٌ على صَنْعته، حريصٌ على هداية الناس ونجاتهم مما يهلكهم. فكأن هذه الآية تقول للمؤمنين بالله إنَّ هذه الآيات الكونية جعلها الله لتقنعكم أولاً، ثم تقنعون بها غيركم. لذلك لو نظرنا إلى علماء الدين وعلماء الطبيعة في مجالات الإنسان والحيوان والنبات والجمادات وجدنا علماءَ الطبيعة أسبقَ لأن علماء الدين يُبيِّنون للناس الحلال والحرام، إنما ينطلقون أولاً من الإيمان بالله، فبيان الأحكام فرعُ الإيمان، فكأن النظر في الآيات الكونية والاستدلال بها على خالقها عز وجل أهمّ. ومن عجائب صُنْع الله في خلقه أنهم في أواخر العشرينيات قالوا عن السماوات السبع أنها الكواكب السبع التي تدور حول الشمس، وفي العام الذي يليه اكتشفوا كوكباً آخر إلى أنْ وصل عددهم إلى عشرة، ثم اكتشفوا كوكب الزُّهرة، وهكذا تغيرتْ كلّ النظريات القديمة. ومن عجائب الخَلْق في هذه الكواكب أننا نعرف أن اليوم أقلُّ في الزمن من السنة، لأن اليوم 1/365 من السنة، وبعد أنْ عرفنا علم الهندسة الفراغية وجدنا الزهرة وهو ثاني نجم بعد الشمس، وقبله عطارد. ومن العجيب أنهم وجدوا أن يوم الزهرة أطولُ من عام الزهرة، فاليوم عندنا هو دورة الأرض حول نفسها، والسنة دورتها حول الشمس، فلما لاحظوا يوم الزهرة قياساً على يوم الأرض وجدوا أن اليوم أطولُ من السنة، فيوم الزهرة 244 من أيام الأرض، والسنة 225 من أيام الأرض. وهذا صحيح لأن الجهة مُنفكَّة، فلكلِّ نجم حركته، وهذه الحركة قد تكون سريعة في دورانه حول نفسه، وبطيئة في دورانه حول الشمس أو العكس، ومن هنا يأتي الاختلاف ولا مانعَ أنْ يكونَ اليومُ أطولَ من السنة، وآخر هذه الكواكب بلوتو وجدوا أن يومه يساوي 6.5 يوم من أيام الأرض، وسنته 268 يوماً من أيام الأرض. نفهم من هذا قدرة الخالق سبحانه، وأن هذا الكون خُلِقَ بدقّة وإحكام ليس مصادفةً، وليس مجرد نظام رتيب مثل القوالب الجامدة، إنما طلاقة قدرة وقيومية تحرك هذا الكون وتديره بكلِّ دقَّة وإحكام. ثم لو نظر الإنسانُ في نفسه لوجد عالماً آخر مليئاً بالآيات، انظر إلى الناس واختلاف لغاتهم ولهجاتهم وتكوينهم وبصماتهم: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} تفسير : [الروم: 22]. ولو شاء سبحانه لَجعَلنا على لون واحد، ولسان واحد، لكن من حكمته تعالى في الخَلْق أنْ يجمعك بغيرك في شيء متفق، ثم يُميِّزك عنه بشيء آخر مختلف تماماً. كنا نعرف في التمييز بين الناس بصمة الإصبع، الآن وجدوا بصمة للصوت، وبصمة للفكِّ، وبصمة للرائحة، كل هذه البصمات تميز الإنسان، بمعنى أنها لا تتكرر في شخص آخر على كثرة العدد، أليس هذا إعجازاً في الخَلْق يدعونا إلى الإيمان بالخالق جلَّ وعلا؟ قلنا: من عجائب الخَلْق في جسم الإنسان أنه لا يحدث فيه استطراقٌ حراريٌّ كما يحدث في باقي الأجسام، فحرارة الجسم العادية 37 ْ تجدها في الإنسان عند خَطِّ الاستواء وفي الإنسان في القطب المتجمد، لأن الجسم يحتفظ في داخله بهذه الدرجة، ثم تجد لكل عضو من أعضاء الجسم حرارته المناسبة له كي يؤدي مهمته. فتتعجب حين تعلم أن العين لا تزيد حرارتها عن 9 ْ، في حين أن الكبد لا تقلّ حرارته عن 40 ْ، وهما في جسم واحد متصل، ومع ذلك لا يحدث فيه استطراقٌ حراريٌّ فتتعدَّى حرارة الكبد إلى حرارة العين مثلاً. لذلك كما اهتمَّ الإسلام بتشريع الحلال والحرام وبيانه للناس اهتمَّ بدرجة أكبر ببيان آيات الله الكونية في كُلِّ أنواع المخلوقات إنسان وحيوان ونبات وجماد. واقرأ إن شئت: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} تفسير : [فاطر: 27-28]. ها هنا حكم شرعي في الصلاة أو الحج أو الصيام؟ كلها دعوة للنظر وللتأمل في الكون، والعلماء هنا هم علماء الكونيات لا علماء الدين، فهم أعرفُ الناس بآيات الله، وهم أعرفُ الناس بالله وهم أكثرُ الناس لله خشية، لماذا؟ لأنهم وقفوا على آياته بأنفسهم، فهم أعرفُ الناس بها، لذلك لم يهمل الدين علماً من العلوم أبداً، لأن العلم يخدم قضية الإيمان وقضية التوحيد. الحق سبحانه وتعالى يعطينا في القرآن كلَّ هذه الأمثال لنأخذ منها الدليل على وجوده تعالى، ونأخذ منها صفات القهر والحكمة والعزة والرحمة .. الخ بل نأخذ من الآيات الكونية ما تستقيم به حياتنا وما نُصحِّح به مفاهيمنا عن الأشياء. فمثلاً خُذْ علاقة الرجل بالمرأة، البعض يرى أن الرجل ضد المرأة؛ وأنهما على طرفي نقيض، فنسمع أنصارَ المرأة ويقابلهم أنصار الرجل وكأنها معركة، في حين أننا نقرأ القرآن فنجد قوله تعالى {أية : وَٱلْلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ * وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ} تفسير : [الليل: 1-4]. فالمخلوقات المتقابلة لا تعني أنها متضادة، وإياك أنْ تظنَّ أن الليل ضدُّ النهار، نعم هو يقابله في طبيعة الأشياء لكن لا يضاده، فالليل يساند النهار ويساعده، والنهار يساند الليل ويساعده فهما متكاملان، الليل للراحة والنهار للعمل، وكلاهما مُهم للآخر، وكلاهما له مهمة في الحياة ودَوْرٌ. كذلك الحال في الذكر والأنثى. إذن: هذه الآية الكونية تُعلِّمنا درساً في حياتنا الاجتماعية، وأنه لا داعيَ لكلِّ هذه الضجة حول علاقة الرجل بالمرأة، وعودوا إلى القرآن ففيه الشفاء، وفيه حلول كل مشاكلنا. ثم يقول الحق سبحانه: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ ...}.