Verse. 4477 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

وَفِيْ خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَاۗبَّۃٍ اٰيٰتٌ لِّقَوْمٍ يُّوْقِنُوْنَ۝۴ۙ
Wafee khalqikum wama yabuththu min dabbatin ayatun liqawmin yooqinoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وفي خلقكم» أي في خلق كل منكم من نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن صار إنساناً «و» خلق «ما يبث» يفرق في الأرض «من دابة» هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم «آيات لقوم يوقنون» بالبعث.

4

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَفِى خَلْقِكُمْ } أي في خلق كل منكم من نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن صار إنساناً {وَ} خَلْق {مَا يَبُثُّ } يفرق في الأرض {مِن دَابَّةٍ } هي ما يدب على الأرض من الناس وغيرهم {ءَايـَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } بالبعث.

السلمي

تفسير : قال بعضهم: فى شواهد القدرة وآثار الصنع دلالات وآيات على وحدانيته فمن استشهد بها على وحدانيته فهو الموحد ومن كان نظره إلى القادر الصانع المبدى لها ثم رجع إلى الصنع والقدرة فهو العارف.

القشيري

تفسير : إذا أنعم العبدُ نَظَرَه في استواء قدِّه وقامته، واستكمال عقله وتمام تمييزه، وما هو مخصوص به في جوارحه وحوائجه، ثم فكَّرَ فيما عداه من الدواب؛ في أجزائها وأعضائها.. ثم وقف على اختصاص وامتياز بني آدم من بين البريَّة من الحيوانات في الفهم والعقل والتمييز والعلم، ثم في الإيمان والعرفان ووجوهِ خصائص أهل الصفوة من هذه الطائفة في فنون الإحسان - عَرَفَ تخصُّصَهم بمناقبهم، وانفرادَهم بفضائلهم، فاستيقن أن الله كَرَّمهم، وعلى كثيرٍ من الخلوقات قدَّمَهُم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} اى ما بان فى السّماوت والارض بان فى خلق الانسان والحيوان ايضا فما بان فى السماوات والارض للمؤمنين بان فى خلق الانسان والحيوان للموقنين لان ما بان فى خلق الانسان حقيقة مباشرة الصفة فى الفعل وذلك يوجب حقيقة اليقين وبين اليقين والايمان فروق كثيرة وحقيقة الايمان هو اليقين حين باشر الاسرار بظهور الانوار الا ترى كيف سال النبى صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم افى اسالك بما نايبا شر قلبى ويقينا ليس بعده كفر قال بعضهم فى شواهد القدرة وأثار الصنع دلالات وأيات على ووحدانيته فمن استشهد بهما على وحدانيته فهو الموحد ومن كان نظره الى القادر الصانع المبدى لها ثم يرجع الى الصنع والقدرة فهو العارف.

اسماعيل حقي

تفسير : {وفى خلقكم} اى من نطفة ثم من علقة متقلبة فى اطوار مختلفة الى تمام الخلق {وما يبث من دابة} عطف على المضاف دون المضاف اليه والا يكون عطفا على بعض الكلمة اذ المضاف والمضاف اليه كشئ واحد كالجار والمجرور قال سعدى المفتى رحمه الله العطف على الضمير المجرور من غير اعادة الجار منعه سيبويه وجمهور البصريين وأجازه الكوفيون ويونس والاخفش قال ابو حيان واختاره الشلوبين وهو الصحيح وفصل بعض النحويين فأجاز العطف على المجرور بالاضافة دون الحرف انتهى والمعنى وفى خلق ما ينشره الله تعالى ويفرقه من دابة وهى كل ما يدب على وجه الارض من الحيوان مع اختلاف صورها واشكالها وكثرة انواعها واضمر ذكر الله لقرب العهد منه بخلافه فى وما انزل الله كما سيأتى {آيات} بالرفع على انه مبتدأ خبره الظرف المقدم والجملة معطوفة على ما قبلها من الجملة المصدرة بان {لقوم يوقنون} اى من شأنهم ان يوقنوا بالاشياء على ما هى عليه واليقين علم فوق المعرفة والدراية ونحوهما وبينه وبين الايمان فروق كثيرة وحقيقة الايمان هو اليقين حين باشر الاسرار بظهور الانوار الا ترى كيف سأل عليه السلام بقوله "حديث : اللهم انى اسألك ايمانا يباشر قلبى ويقينا ليس بعده كفر " تفسير : يقول الفقير لم يقل للموقنين كمال قال للمؤمنين اشارة الى قلة هذا الفريق بالنسبة الى الاول وخص الايقان بخلق الانفس لان ما قبله من الايمان بالآفاق وهو ما خرج عنك وهذا من الايمان بالانفس وهو ما دخل فيك وهذا اخص درجات الايمان فانه اذا اكمل الايمان فى مرتبة الآفاق يترقى العبد الى المشاهدة فى مرتبة الانفس فكمال اليقين انما هو فى هذه المرتبة لا فى تلك المرتبة لان العلم بما دخل فيك اقوى منه بما خرج عنك اذ لا يكذبه شئ ولذا جاء العلم الضرورى اشد من العلم الاستدلالى وضم خلق الدواب الى خلق الانسان لاشتراك الكل فى معنى الجنس فافهم جدا واقنع وفى التأويلات النجمية ان العبد اذا امعن نظره فى حسن استعداده ظاهرا وباطنا وانه خلق فى احسن تقويم ورأى استوآء قده وقامته وحسن صورته وسيرته واستكمال عقله وتمام تمييزه وما هو مخصوص به فى جوارحه وجوانحه ثم تفكر فيما عداه من الدواب واجزآئها واعضائها واوصافها وطباعها وقف على اختصاص وامتياز بنى آدم بين البرية من الجن فى الفهم والعقل والتمييز ثم فى الايمان ومن الملائكة فى حمل الامانة وتعلم علم الاسماء ووجوه خصائص اهل الصفوة من المكاشفات والمشاهدات والمعاينات وانواع التجليات وما صار به الانسان خليفة ومسجود الملائكة المقربين وعرف تخصيصهم بمناقبهم وانفرادهم بفضائلهم فاستيقن ان الله كرمهم وعلى كثير من المخلوقات فضلهم وانهم محمولوا العناية فى بر الملك وبحر الملكوت (قال الصائب) اى رازنه فلك زوجودت عيان همه در دامن تو حاصل دريا وكان همه اسرار جار دفتر ومضمون نه كتاب. درنقطه توساخته ايزد نهان همه قدوسيان بحكم خداوند امر ونهى. بيش توسر كذاشته برآستان همه. روحانيان براى تماشاى جلوه ات. جون كودكان برآمده برآسمان همه

الجنابذي

تفسير : {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} اى من ذى روحٍ يكون له حركة {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} غيّر الاسلوب اشعاراً بانّ من حصل له اليقين لا يكون يقينه الاّ فى ازديادٍ وحصولٍ على التّدريج فانّ صاحب اليقين هو الّذى يكون له قلبٌ وليس الاّ من بايع البيعة الخاصّة واشتغل بنفسه ووجد بوجدانه آثار عمله، ومن صار كذلك يزداد يقينه العلمىّ والوجدانىّ الى ان حصل له اليقين الشّهودىّ واليقين التّحقّقىّ، ولمّا كان آيات خلق الانسان وخلق سائر الدّوابّ بالنّسبة الى آيات السّماوات والارض اخفى منها لا بدّ وان يكون للمؤمن يقينٌ بآثار ايمانه حتّى يدرك آيات خلقة الانسان خصوصاً آيات الانفس، فانّ ادراكها لا يكون الاّ بعد الاشتغال بالنّفس ووجدان صفات النّفس رذائلها وخصائلها واليقين بآثار الاعمال وضرر الرّذائل ونفع الخصائل، والاّ بعد اليقين بآثار صفات الله تعالى ووجدانها فى وجوده.

اطفيش

تفسير : {وَفِي خَلْقِكُمْ} من نطفة ثم علقة ثم مضغة الى غير ذلك {وَمَا يَبُثُّ} أي يفرق وما معطوف على خلقكم بتقدير مضاف أي وفي خلق ما ينبث أو بدون تقديره فان بثه وتنوعه واستجماعه لما يتم معاشه الى غير ذلك دلائل على وجود الصانع المختار ولا يعطف على الكاف لقبح العطف على ضمير الجر المتصل بلا اعادة خافض أو لمنعه ولو أعيد لقيل (وخلْق ما يبث) بسكون اللام لان الخافض المضاف ولو كان منفصلاً باستعارة لجاز نحو إنّا كأَنت وزيد بجر زيد عطفاً على أنت ومن أجاز ذلك فلا قبح عطف (ما) على (الكاف) ان شاء وعندي هنا وجه لم أره لغيرى وهو عطف (ما) على (محل الكاف) الذي هو النصب لا محله الذي هو (الجر) وذلك ان (الخلق) مصدر مضاف للمفعول وادعى الفخر جواز كون {أية : العزيز الحكيم} تفسير : نعتين لكتاب {مِن دَآبَّةٍ} بيان لها* {آيَاتٌ} مبتدأ {وَفِي خَلْقِكُمْ} خبره والعطف على ان ومعموليها وهذا أولى من قول القاضي بالعطف على محل ان واسمها وذلك في قراءة الرفع. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب على ان ذلك من باب العطف على معمولي عامل واحد المعمولان في السموات وآيات الأول والعامل ان فقوله (في خلقكم) عطف على {فِي السَّمَوَاتِ} وقوله {آيَاتٌ} معطوف على {آيَاتٌ}* {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بالبعث

الالوسي

تفسير : {وَفِي خَلْقِكُمْ } إلى آخره، ويجوز أن يكون على ظاهره وحينئذ يكون على أحد وجهين. أحدهما: إن فيهما لآيات أي ما فيهما من المخلوقات كالجبال والمعادن والكواكب والنيرين وعلى هذا يكون قوله سبحانه {وَفِي خَلْقِكُمْ } من عطف الخاص على العام. والثاني: إن أنفسهما لآيات لما فيها من فنون الدلالة على القادر الحكيم جل شأنه، وهذا أظهر وهو أبلغ من أن يقال: إن في خلقهما لآيات وإن كان المعنى آيلاً إليه، و {فِي خَلْقِكُمْ } خبر مقدم وقوله سبحاه: {وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} عطف على خلق، وجوز في {مَا } كونها مصدرية وكونها موصولة إما بتقدير مضاف أي وفي خلق ما ينشره ويفرقه من دابة أو بدونه. وجوز عطفه على الضمير المتصل المجرور بالإضافة وما موصولة لا غير على الظاهر، وهو مبني على جواز العطف على الضمير المتصل المجرور من غير إعادة الجار وذلك مذهب الكوفيين ويونس والأخفش؛ قال أبو حيان: ((وهو الصحيح، واختاره الأستاذ أبو علي الشلوبين))، ومذهب سيبويه وجمهور البصريين منع العطف المذكور سواء كان الضمير مجروراً بالحرف أو بالإضافة لشدة الاتصال فأشبه العطف على بعض الكلمة. وذكر ابن الحاجب في «شرح المفصل» في باب الوقف منه أن بعض النحويين يجوزون العطف في المجرور بالإضافة دون المجرور بالحرف لأن اتصال المجرور بالمضاف ليس كاتصاله بالجار لاستقلال كل واحد منهما بمعناه فلم يشتد اتصاله فيه اشتداد مع الحرف وأجاز الجرمي والزيادي العطف إذا أكد الضمير المتصل بمنفصل نحو مررت بك أنت وزيد وقوله تعالى: {ءايَـٰتُ } مبتدأ مؤخر والجملة معطوفة على جملة {أية : إِنَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [الجاثية: 3] الخ. وقرأ أبـي وعبد الله {لآيات } باللام كذا في «البحر» ولم يبين أن آيات مرفوع أو منصوب، فإن كان منصوباً فاللام زائدة في اسم إن المتقدم عليه خبرها وهو أحد مواضع زيادته المطردة الكثيرة، وإن كان مرفوعاً فهي زائدة في المبتدأ ويقل زيادتها فيه، وحسن زيادتها هنا تقدم (إن) في الجملة المعطوف عليها فهو كقوله:شعر : إن الخلافة بعدهم لذميمة وخلائف ظرف لمما أحقر تفسير : وقرأ زيد بن علي {آية} بالإفراد. وقرأ الأعمش والجحدري وحمزة والكسائي ويعقوب {آيات} بالجمع والنصب على أنها عطف على {آيات} السابق الواقع اسماً لإن و {فِي خَلْقِكُمْ } معطوف على {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } فكأنه قيل: وإن في خلقكم وما يبث من دابة آيات {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي من شأنهم أن يوقنوا بالأشياء على ما هي عليه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 4- وفى خلق الله لكم - أيها الناس - على ما أنتم عليه من حسن الصورة وبديع الصنع، وما يفرق وينشر من الدواب على اختلاف الصور والمنافع لدلالات قوية واضحة لقوم يَسْتَيْقِنونَ بأمورهم بالتدبر والتفكر. 5- وفى اختلاف الليل والنهار فى الطول والقصر والنور والظلام مع تعاقبهما على نظام ثابت، وفيما أنزل الله من السماء من مطر فأحيا به الأرض بالإنبات بعد موتها بالجدب، وتصريف الرياح إلى جهات متعددة مع اختلافها برودة وحرارة وقوة وضعفاً، علامات واضحة على كمال قدرة الله لقوم فكروا بعقولهم فخلص يقينهم. 6- تلك آيات الله الكونية التى أقامها الله للناس، نقرؤها عليك فى القرآن على لسان جبريل مشتملة على الحق، فإذا لم يؤمنوا بها فبأى حديث بعد حديث الله - وهو القرآن - وآياته يصدقون؟. 7- هلاك شديد لكل من افترى على الله أقبح الأكاذيب ولمن كثرت آثامه بذلك. 8- يسمع هذا المفترى آيات الله تتلى عليه ناطقة بالحق، ثم يُصر على الكفر متكبراً عن الإيمان، شأنه شأن من لم يسمع الآيات، فبشره أيها النبى - تهكماً - بعذاب أليم لإصراره على عمل ما يوصل إليه. 9- وإذا علم هذا العنيد أى شئ من آيات الله، جعل آيات الله كلها مادة لسخريته واستهزائه، أولئك الأفاكون الآثمون لهم عذاب مذل لكبريائهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتٌ} (4) - وَإِنَّ في خَلْقِ اللهِ النَّاسَ عَلَى أَطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وفي أَحسَنِ صُورةٍ وَتَقويمٍ، وفي خَلْقِ الحَيوانَاتِ والدَّوابِ... لأَدِلَّةً وَبَرَاهِينَ عَلَى وُجُودِ الخَالِق، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، لِقُومٍ يَتَفَكَّرُونَ في هذا الخَلْقِ فَيُؤْمِنُونَ بِوُجودِ خَالِقِهِ إِيماناً يَقِيِنِيّاً. يَبُثُّ - يَنْشُرُ وَيُفَرِّقُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : السياق القرآني هنا ينقلنا من النظر في آيات السماوات والأرض إلى النظر في ذات أنفسنا، كما قال سبحانه: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21] فالدليل على الوجود الأعلى لا يقتصر على آيات السماوات والأرض، فالإعجاز في الذرَّة كما هو في المجرَّة، وفي جسم الإنسان وأعضائه آيات وعجائب. وقد عبَّر الشاعر عن ذلك حين قال: شعر : وتَحسَبُ أنَّكَ جرْمٌ صَغيرٌ وَفيكَ انْطَوَى العَالَمُ الأكبر تفسير : وكلمة {خَلْقِكُمْ ..} [الجاثية: 4] ساعة تسمع كلمة الخَلْق تفهم منها الإيجادَ من العدم، كان الشيء معدوماً فأوجده الله، والخَلْق لا يُطلق على الحدث إنما يُطلق على المخلوق؛ لذلك قال تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ..} تفسير : [لقمان: 11] فمعنى خَلْق هنا يعني مخلوق. وبمعنى الحدث في {أية : مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِ ..} تفسير : [لقمان: 11]. فقوله: {وَفِي خَلْقِكُمْ ..} [الجاثية: 4] أي: من الآيات الكونية خلقكم أي البشر. عملية الخَلْق لها مراحل هي التي مَرَّ بها سيدنا آدم حيث لم يكُنْ موجوداً فأوجده الله من العدم، فكان طيناً فسوَّاه ونفخ فيه الروح فدبَّتْ فيه الحياة وصار إنساناً، ثم جعل نسله من بعده بالتزاوج بين الذكر والأنثى. إذن: في خَلْقنا مرحلتان مرحلة الخَلْق الأول لأبينا آدم، ومرحلة البَثِّ والنشْر عن طريق التكاثر، لذلك قال سبحانه في آية أخرى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..} تفسير : [النساء: 1]. إذن: لنا خَلْق من عدم وبَثٌّ أي نشر، وانتشار من التناسل، أما الدواب فلم يذكر فيها إلا مرحلة البث {وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ..} [الجاثية: 4] أي: ينشر، فأين مرحلة خَلْقها؟ أولاً: الدابة هي كلُّ ما يدبّ على الأرض غير الإنسان، وفي اللغة لوْنٌ من الأسلوب يُسمُّونه (الاحتباك) وهو باب من أبواب البلاغة يعرفه المتخصصون فيها. والاحتباك أن يكون في الكلام شيئان يُوضح أحدهما الآخرَ، ويغني عنه، وأوضح مثال على ذلك في القرآن قوله تعالى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ ..} تفسير : [آل عمران: 13]. فقوله {أية : وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ ..} تفسير : [آل عمران: 13] دلَّ على أن الأولى مؤمنة، أي: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فدلَّ المذكور على المحذوف بالمقابلة. فالمعنى في قوله تعالى: {وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} [الجاثية: 4] أتى بالخَلْق في الأولى وترك البث، وأتى بالبثِّ في الثانية وترك الخَلْق، وعليه يكون المعنى: وفي خلقكم وما بثَّ منكم، وفي خلق الدواب وما بثَّ منها. {ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] فالحق سبحانه عرَّفنا كيفية الخَلْق الأول من العدم بخلقه لآدم، وأخبرنا بمراحل هذا الخَلْق حتى استوى آدمُ إنساناً كاملاً يتحرَّك ويسعى في الأرض ولم يذكر تفاصيل خَلْق غيره لنقيسَ نحن على ما عرفناه. فلما تكلَّم عن حواء قال: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ..} تفسير : [النساء: 1] يعني: على طريقتها، كذلك لم يتكلم في خَلْق الدواب لأنها تُقاس على خَلْق آدم. ولا شكَّ أن المتأمل في خَلْق الإنسان والدوابّ يجد الكثير من الآيات والمعجزات الدالَّة على طلاقة القدرة للخالق سبحانه، ففي الخَلْق الأول طلاقَةُ قدرة حيث خلق من العدم وعلى غير مثال سابق، فأوجد آدم بلا أب وبلا أم، ثم خلق منه حواء فكانت من أب بلا أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وخلق عامة الخَلْق من أب وأم. إذن: طلاقة القدرة استوعبتْ كُلَّ احتمالات المسألة عقلياً، حتى ولو مرة واحدة ليحدثَ بها الدليلُ والإعجاز وليثبت الحقّ لنفسه سبحانه: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]. والذي يملك العطاء يملك المنع، فقد تتوافر دواعي الخَلْق والإنجاب لكن لا يحدث {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً ..} تفسير : [الشورى: 49-50]. وتعرفون من قصة سيدنا زكريا عليه السلام كيف أنه لم يُنجب حتى بلغ من الكِبر عِتياً، وكانت امرأته عاقراً حتى إنه يئس من هذه المسألة، فلما أراد الله أنْ ينجب طَوَّع له الأسباب وبشَّره بولد وأيضاً سمَّاه له. هذه كلها آياتٌ من آياتِ الخَلْق، وهي كثيرة وممتدة، ففي كل مرحلة من مراحلها إعجازٌ وقدرة، بدايةً من اللقاء بين الزوج والزوجة والتقاء الحيوان المنوي الذكري بالبويضة الأنثوية، فإنْ تمَّ تخصيب البويضة حدث الحمل وتحوَّل الدم في غذاء للجنين فهو رزقه حتى يُولد، وإن لم يحدث الحمل نزل هذا الدم في فترة الحيْض. وهذا يعني أن الخالق سبحانه حين يخلق الإنسانَ يخلق معه رزقه، فالجنينُ لا يتغذَّى بغذاء أمه إنما بغذائه الخاص، بدليل أن الأم لا تستفيد بهذا الدم إنْ لم يحدث حمل. وقوله سبحانه: {ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] من اليقين وهو الإيمان والعقيدة الراسخة التي استقرتْ في القلب، بحيث لا يتطرق إليها شك، وبحيث لا تطفو إلى العقل ليناقشها مرة أخرى، فهي عقيدة يعني القلب معقود عليها. وسبق أنْ بيَّنا هذه المسألة بأن الحواسَّ تنقل المحسَّات والقضايا إلى العقل الذي يُفاضل بينها ويُغربلها، فما اقتنع به استقرَّ في القلب عقيدةً ومبدأ يسير عليه ويؤمن به بحيث لا يطفو للعقل مرة أخرى. هذا اليقين درجاتٌ أولها علم اليقين، وعين اليقين، ثم حَقُّ اليقين، فعلم اليقين حين يُخبرك بالخبر صادقٌ لا تشكّ في صِدْقه، وعين اليقين حين تراه بعينك، وحَقُّ اليقين هو أنْ تباشره بنفسك. وقلتُ: أننا ذهبنا مرة إلى إندونيسيا، ورأينا هناك أصبع الموز قرابة نصف المتر، فلما عُدْتُ أخبرتُ أولادي بذلك، فصار عندهم علم بذلك لأنهم يثقون بي ويعرفون أنِّي لا أكذب. فلما رأيتُهم مندهشين من الخبر فتحت (الشنطة) وأخرجتُ منها أصابع الموز، فلما رأوْها صار عندهم عَيْنُ اليقين بهذه القضية، لكن لعله شيء آخر غير الموز أو نموذج من مادة أخرى، فأخذنا الموز وقطَّعناه وأكلنا منه فتحوَّلت المسألة إلى حق اليقين. وهذه المراحل الثلاث ذُكِرَتْ في القرآن الكريم في سورة التكاثر: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر: 5-7] وفي سورة الواقعة: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الواقعة: 95-96].

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ في قولهِ تعالى: {وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ} معناه يُفرِّقُ.