Verse. 4478 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

وَاخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّہَارِ وَمَاۗ اَنْزَلَ اللہُ مِنَ السَّمَاۗءِ مِنْ رِّزْقٍ فَاَحْيَا بِہِ الْاَرْضَ بَعْدَ مَوْتِہَا وَ تَصْرِيْفِ الرِّيٰحِ اٰيٰتٌ لِّقَوْمٍ يَّعْقِلُوْنَ۝۵
Waikhtilafi allayli waalnnahari wama anzala Allahu mina alssamai min rizqin faahya bihi alarda baAAda mawtiha watasreefi alrriyahi ayatun liqawmin yaAAqiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» في «اختلاف الليل والنهار» ذهابهما ومجيئهما «وما أنزل الله من السماء من رزق» مطر لأنه سبب الرزق «فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الريح» تقليبها مرة جنوباً ومرة شمالاً وباردة وحارة «آيات لقوم يعقلون» الدليل فيؤمنون.

5

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} في { ٱخْتِلَٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } ذهابهما ومجيئهما {وَمَا أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَّن رِزْقٍ } مطر لأنه سبب الرزق {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ } تقليبها مرة جنوباً ومرة شمالاً وباردة وحارّة {ءَايَـٰتٌ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الدليل فيؤمنون.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} بنقل الشمال جنوباً والجنوب شمالاً، أو إرسالها حيث شاء، أو تارة رحمة وتارة نقمة.

الخازن

تفسير : {واختلاف الليل والنهار} يعني بالظلام والضياء والطول والقصر {وما أنزل الله من السماء من رزق} يعني المطر الذي هو سبب أرزاق العباد {فأحيا به} أي بالمطر {الأرض بعد موتها} أي بعد يبسها {وتصريف الرياح} أي في مهابها فمنها الصبا والدبور والشمال والجنوب ومنها الحارة والباردة وغير ذلك {آيات لقوم يعقلون}. فإن قلت ما وجه هذا الترتيب في قوله {لآيات للمؤمنين} و {لقوم يوقنون} {ويعقلون}. قلت معناه إن المنصفين من العباد إذا نظروا في هذه الدلائل النظر الصحيح علموا أنها مصنوعة وأنه لا بد لها من صانع فآمنوا به وأقروا أنه الإله القادر على كل شيء ثم إذا أمعنوا النظر ازدادوا إيقاناً وزال عنهم اللبس فحينئذٍ استحكم علمهم وعدوا في زمرة العقلاء الذين عقلوا عن الله مراده في أسرار كتابه {تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله} أي بعد كتاب الله {وآياته يؤمنون} قوله تعالى: {ويل لكل أفاك أثيم} أي كذاب صاحب إثم يعني النضر بن الحارث {يسمع آيات الله} يعني القرآن {تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئاً} يعني آيات القرآن {اتخذها هزوا} أي سخر منها {أولئك} إشارة إلى من هذه صفته {لهم عذاب مهين} ثم وصفهم فقال تعالى: {من ورائهم جهنم} يعني أمامهم جهنم وذلك جهنم وذلك خزيهم في الدنيا ولهم في الآخرة النار {ولا يغني عنهم ما كسبوا} أي من الأموال {شيئاً ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء} أي ولا يغني عنهم ما عبدوا من دون الله من الآلهة {ولهم عذاب عظيم هذا} يعني القرآن {هدى} أي هو هدى من الضلالة {والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم}.

ابو السعود

تفسير : {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} بالجرِّ على إضمارِ الجارِّ المذكورِ في الآيتينِ قبلَهُ. وقد قُرِىءَ بذكرِه. والمرادُ باختلافِهما إمَّا تعاقُبهما أو تفاوتُهما طولاً وقِصَراً. {وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَاء} عطفٌ على اختلافِ {مِن رّزْقِ} أي من مطرٍ، وهو سببُ للرزقِ عُبرَ عنهُ بذلكَ تنبـيهاً على كونِه آيةً من جِهتَيْ القُدرةِ والرحمةِ. {فَأحْيَا بِهِ ٱلأَرْضُ} بأنْ أخرجَ منها أصنافَ الزروعِ والثمراتِ والنباتِ. {بَعْدَ مَوْتِهَا} وعرائها عن آثارِ الحياةِ وانتقاءِ قوةِ التنميةِ عنها وخُلوِّ أشجارِها عن الثمارِ. {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ} من جهةٍ إلى أُخرى، ومن حالٍ إلى حالٍ. وقُرىءَ بتوحيدِ الريحِ. وتأخيرُه عن إنزالِ المطرِ مع تقدمِه عليهِ في الوجودِ، إمَّا للإيذانِ بأنه آيةٌ مستقلةٌ حيثُ لو رُوعيَ الترتيبُ الوجوديُّ لربما تُوهم أنَّ مجموعَ تصريفِ الرياحِ وإنزالِ المطرِ آيةٌ واحدةٌ، وإمَّا لأنَّ كونَ التصريفِ آيةً ليسَ لمجردِ كونِه مبدأً لإنشاءِ المطرِ بل لهُ ولسائرِ المنافعِ التي من جُملتها سوقُ السفنِ في البحارِ. {ءَايَاتٌ لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} بالرفعِ على أنَّه مبتدأٌ خبرُهُ ما تقدمَ من الجارِّ والمجرورِ. والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها. وقُرِىءَ بالنصبِ على الاختصاصِ، وقيلَ: على أنَّها اسمُ أنَّ والمجرورُ المتقدمُ خبرُها بطريقِ العطفِ على معمولَيْ عاملينِ مختلفينِ هُمَا أنَّ وفي أقيمتِ الواوُ مُقامَهُما فعملتِ الجرَّ في اختلافِ والنصبَ في آياتٍ. وتنكيرُ آياتٍ في المواقعِ الثلاثةِ للتفخيمِ كماً وكيفاً واختلافُ الفواصلِ لاختلافِ مراتبِ الآياتِ في الدقةِ والجلاءِ. {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ} مبتدأٌ وخبرٌ. وقولُه تعالَى: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ} حالٌ عاملُها معنى الإشارةِ وقيلَ: هو الخبرُ وآياتُ الله بدلٌ أو عطفُ بـيانٍ {بِٱلْحَقّ} حالٌ من فاعلِ نتلُو ومن مفعولِه أي نتلُوها مُحِقينَ أو ملتبسةً بالحقِّ {فَبِأَىّ حَدِيثٍ} من الأحاديثِ {بَعْدَ ٱللَّهِ وَءايَـٰتِهِ} أي بعد آياتِ الله، وتقديمُ الاسمِ الجليلِ لتعظيمِها، كَما في قولِهم: أعجبنِي زيدٌ وكرمُه، أو بعدَ حديثِ الله الذي هُو القرآنُ حسبما نطقَ به قولُه تعالى: { أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} تفسير : [سورة الزمر، الآية 23] وهو المرادُ بآياتِه أيضاً ومناطُ العطفِ التغايرُ العُنوانِي. {يُؤْمِنُونَ} بصيغةِ الغَيبةِ وقُرِىءَ بالتاءِ. {وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ} كذابٍ {أَثِيمٍ} كثيرِ الآثامِ. {يَسْمَعُ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ} صفةٌ أخرى لأفَّاكٍ وقيلَ: حالٌ من الضميرِ في أثيمٍ. {تُتْلَىٰ عَلَيْهِ} حالٌ من آياتِ الله ولا مساغَ لجعلِه مفعولاً ثانياً ليسمعُ، لأنَّ شرطَهُ أنْ يكونَ ما بعَدهُ ممَّا لا يُسمعُ كقولِكَ سمعتُ زيداً يقرأُ. {ثُمَّ يُصِرُّ} أي يقيمُ على كُفره. وأصلُه من إصرارِ الحمارِ على العانة. {مُسْتَكْبِراً} عن الإيمانِ بما سمعهُ من آياتِ الله تعالى والإذعانِ لما تنطقُ بهِ من الحقِّ مُزدرياً لها مُعجَباً بما عندَهُ من الأباطيلِ. وقيلَ: نزلتْ في النَّضرِ بنِ الحارثِ وكان يشترِي من أحاديثِ الأعاجمِ ويشغلُ بها النَّاسَ عن استماعِ القُرآنِ، لكنَّها وردتْ بعبارةٍ عامةٍ ناعية عليهِ وعلى كلِّ من يسيرُ سيرتَهُ ما هم فيه من الشرِّ والفسادِ. وكلمةُ ثمَّ لاستبعادِ الإصرارِ والاستكبارِ بعد سماعِ الآياتِ التي حقُّها أنْ تُذعنَ لها القلوبُ وتخضعَ لها الرقابُ كَما في قولِ مَنْ قالَ شعر : يَرَى غَمَراتِ الموتِ ثمَّ يزورُهَا تفسير : {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} أي كأنَّه لم يسمعْهَا فخففَ وحُذفَ ضميرَ الشأنِ. والجملةُ حالٌ من يُصرُّ أي يصرُّ شبـيهاً بغيرِ السامعِ. {فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} على إصرارِه واستكبارِه.

القشيري

تفسير : جَعَلَ اللَّهُ العلومَ الدينية كسبيةً مُصَحَّحةً بالدلائل، مُحَقِّقةً بالشواهد. فَمَنْ لم يَسْتَبْصِرْ بها زَلَّتْ قَدَمُه عن الطراط المستقيم، ووقع في عذاب الجحيم؛ فاليومَ في ظلمة الحيرة والتقليد، وفي الآخرة في التخليد في الوعيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {واختلاف الليل والنهار} اى وفى اختلافهما بتعاقبهما او بتفاوتهما طولا وقصرا او بسواد الليل وبياض النهار {وما أنزل الله من السماء} عطف على اختلاف {من رزق} اى مطر وهو سبب الرزق عبر عنه بذلك تنبيها على كونه آية من جهتى القدرة والرحمة {فاحيا به الارض} بأن أخرج منها اصناف الزروع والثمرات والنباتات {بعد موتها} يبسها وعرائها عن آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها وخلو اشجارها عن الثمار ففيه تشبيه للرطوبة الارضية بالروح الحيوانى فى كونها مبدأ التوليد والتنمية وتشبيه زوالها بزوال الروح وموت الجسد وفيه اشارة الى أرض القلوب فانها عند استيلاء أوصاف البشرية عليها فى اوان الولادة الى حد البلوغ محرومة من غذاء تعيش به وهو اوامر الشريعة ونواهيها المودعة فيها نور الايمان الذى هو حياة القلوب فعند البلوغ ينزل غيث الرحمة رزقا لها فيحصل لها الحياة المعنوية {وتصريف الرياح} تحويلها من جهة الى اخرى وتبديلها من حال الى حال اذ منها مشرقية ومغربية وجنوبية وشمالية وحارة وباردة ونافعة وضارة وتأخيره عن انزال المطر مع تقدمه عليه فى الوجود اما للايذان بأنه آية مستقلة حيث لو روعى الترتيب الوجودى لربما توهم ان مجموع تصريف الرياح وانزال المطر آية واحدة واما لان كون التصريف آية ليس بمجرد كونه مبدأ لانشاء المطر بل له ولسائر المنافع التى من جملتها سوق السفن فى البحار {آيات لقوم يعقلون} بالرفع على أنه مبتدأ خبره ما تقدم من الجار والمجرور والجملة معطوفة على ما قبلها وتنكير آيات فى المواضع الثلاثة للتفخيم كما وكيفا والعقل يقال للقوة المتهيئة لقبول العلم ويقال للعلم الذى يستفيده الانسان بتلك القوة عقل ولهذا قال امير المؤمنين على كرم الله وجهه فان العقل عقلان. فمطبوع ومسموع. ولا ينفع مطبوع. اذا لم يك مسموع. كما لا ينفع الشمس. وضوء العين ممنوع. والى الاول اشار النبى عليه السلام بقوله "حديث : ما خلق الله خلقا اكرم عليه من العقل" تفسير : والى الثانى اشار بقوله "حديث : ما كسب احد شيئا افضل من عقل يهديه الى هدى او يرده عن ردى" تفسير : وهذا العقل هو المعنى بقوله تعالى {أية : وما يعقلها الا العالمون} تفسير : وكل موضع ذم الكفار بعدم العقل فاشارة الى الثانى دون الاول وكل موضع رفع التكليف عن العبد لعدم العقل فاشارة الى الاول كما فى المفردات والمعنى لقوم ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون لانها دلائل واضحة على وجود صانعها وعظيم قدرته وبالغ حكمته وخص العقلاء بالذكر لانه بالعقل يمكن الوقوف على الدلائل. يقول الفقير لعل سر تخصيص العقل بهذا المقام وتأخيره عن الايمان والايقان ان هذه الآية دائرة بين علوى وسفلى وما بينهما وللعقل مدخل تعقل كل ذلك واشتراك بين الايمان والايقان فافهم جدا وفيه اشارة الى ان الله تعالى جعل العلوم الدينية كسبية مصححة بالدلائلى وموهبية محققة بالشواهد فمن لم يستبصر بهما زلت قدمه عن الصراط المستقيم ووقع فى عذاب الجحيم فاليوم فى الحيرة والتقليد وفى الآخرة فى الوعيد بالتخليد جعلنا الله واياكم من أهل الدلائل والشواهد وعصمنا من عمى كل منكر جاحد انه هو الفرد الواحد

الجنابذي

تفسير : {وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} اى اختلاف اللّيل والنّهار الطّبيعيّين بتعاقبهما، وبالبرودة والحرارة وبالزّيادة والنّقيصة وبالظّلمة والاضاءة، وكذلك اختلاف عالم الطّبع وعالم المثال والسّقم والصّحّة والغمّ والسّرور وغير ذلك من مصاديق اللّيل والنّهار {وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ} من اسباب رزق من الامطار واشعّة الكواكب وبرودة الهواء وبرودة اللّيل وحرارة النّهار او من رزقٍ انسانىٍّ من الكمالات النّفسانيّة الّتى تنزل من سماء العقول والنّفوس، وأتى بالرّزق منكّراً تحقيراً بالنّسبة الى الرّزق الجسمانىّ وتفخيماً بالنّسبة الى الرّزق الانسانىّ {فَأَحْيَا بِهِ} اى باسباب الرّزق الجسمانىّ او بنفس الرّزق الانسانىّ {ٱلأَرْضَ} الطّبيعيّة بتهييج القوى والعروق المكمونة فيها والارض الانسانيّة بحياة العلم والدّين والايمان {بَعْدَ مَوْتِهَا} بعد كونها ميتةً {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} وفى تصريفها بقاء المواليد وحركات السّحاب وتوسعة الامطار فى البلاد ورفع العفونات عن الهواء {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} يدركون بعقولهم بعد اليقين او يصيرون عقلاء وصاحبى مقام العقل بعد ان كانوا موقنين وصاحبى مقام القلب، ولخفاء دلالتها على مبدءٍ مدبّرٍ حكيمٍ عليمٍ رؤفٍ رحيمٍ خصّصها بالعقلاء.

اطفيش

تفسير : {وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي ذهابهما ومجيئها وسواد وبياض وطول وقصر {وَمَآ أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ} أي من مطر وسماه رزقاً لانه يشرب ولانه سبب الرزق* {فَأَحْيَا بِهِ} أي بما أنزل من السماء من رزق وهو المطر* {الأَرْضَ} جعلها نامية كما ينمو الحيوان* {بَعْدَ مَوْتِهَا} بعد يبسها* {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} تقليبها في الجهات جنوباً وشمالاً والدبور والصبا وباردة وحارة. وقرأ حمزة والكسائى (الريح) بالافراد وعدم نموها كالميت* {آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} الدليل فيؤمنون وقرأ (آية) بالافراد هنا في قوله {أية : وما يبث من دابة آيات} تفسير : (وآيات) بالنصب معطوف على اسم ان {وَاخْتِلاَفِ} مجرور بالعطف على مجرور (في) وهذا عند من جوز العطف على معمولي عاملين مختلفين ومن منع جعل اختلافه مجروراً بفي محذوفة وهذا جائز في مثل الآية مما تقدم فيه مثل الجار لا مجروراً بالعطف فيكون في المقدرة ومجرورها معطوفين على المتقدمين اللذين هما خبر لان (وآيات) على اسم ان عطف معمولين على معمولي عامل واحد أو بعطف (اختلاف) على مجرور (في) وبنصب (آيات) بأَعنى محذوفاً وذلك قراءة حمزة والكسائى ويعقوب وقرأ غيرهما برفع (آيات) عطفاً على جر لاختلاف على مجرور (في) وعطفاً لآيات على محل (ان) واسمها ومحلها رفع على الابتداء فيما قيل أو على محل اسم (ان) بناء على عدم شرط وجود المحرز في العطف على المحل وذلك عطف على معمولى عاملين فعامل الرفع الابتداء وعامل الجر (في) ومن منع ذلك جعل الجر (بفي) مقدرة والجملة مبتدأ وخبر وجعل (آيات) خبر المحذوف أي (هي آيات) {وَاخْتِلاَفِ} معطوف على المجرور وقرئ برفع (اختلاف) (وآيات) على الابتداء والاخبار والجملة معطوفة على جملة (ان) ومعموليها ومن أجاز العطف على المحل مع عدم وجود المحرز أجاز عطف (اختلاف) بالرفع على محل اسم ان (آيات) على خبرها ويجوز عطف الاول محل (ان) واسمها الثاني على خبرها وفي ذلك عطف على معمولي عاملين قال ابن هشام: أما رفع {آياتٌ} وجر {اخْتِلافِ} فعلى نيابة الواو مناب الابتداء و (في) واما النصب في الآيات فعلى نيابتها مناب (ان) وفي قال وأجيب بتقدير في الجارة ويؤيده قراءة ابن مسعود قالوا: ونابت عن عامل واحد وهو الابتداء أو (ان) وبأن انتصاب (آيات) على التوكيد للاولى ورفعهما على تقدير مبتدأ وبأن النصب على اضمار (ان) واضمارها بعيد باختصار واختلف الفواصل (المؤمنين ويؤمنون ويعقلون) لاختلاف الآيات دقة وظهوراً الا أن المنصفين اذا نظروا النظر الصحيح في السموات والارض علموا انها مصنوعة ولا بد من صانع فيؤمنون واذا نظروا في خلق الناس وما على الأرض والتنقل من حال لأخرى ازدادوا ايماناً وأيقنوا وانتفي اللبس واذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد كالليل والنهار والمطر والريح استحكم علمهم وخلص يقينهم وعدوا فيمن عقل أسرار كتاب الله وآيات السموات والأرض بجملة يثيرها الفكر ويخبر بكثير منها الشرع فجعلها للمؤمنين وذكر خلق البشر والحيوان وكأنه أغمض فجعله للموقنين الذين نظرهم يؤديهم الى اليقين وذكر اختلاف الليل والعبرة بالامطار والرياح فجعل ذلك {لقوم يعقلون} اذ كل عاقل يحصلها وهذا النظر يعطيه اللفظ ولو كان غير اللازم

اطفيش

تفسير : {واختلاف الليل والنَّهار} طولا وقصرا، ونورا وظلمة، ومجيئا وذهابا بالجر عطفا على خلقكم وآيات بعد بالرفع عطفا على آيات الثانى، عطف معمولين على معمولى عاملين مختلفين، كقولك فى الدار زيد، والحجرة عمر، بجر الحجرة، ويسهله تلو المجرور العاطف والمانع يعطف اختلاف على خلقكم، ويجعل آيات لقوم يعقلون خبر المحذوف، أى هى آيات أو مبتدأ لمحذوف، أى فى ذلك آيات، وأجاز بعضهم ذلك بشرط التلو المذكور، ويدل على جواز ذلك العطف قراءة نصب آيات لقوم يعقلون عطفا له على آيات للموقنين، وعطفا لاختلاف على السموات، وفى خلقكم الخ معترض. {وما} عطف على اختلاف ولا تعرض فى ذلك باختلاف الماء وان عطف على الليل ففيه تعرض لاختلاف الماء بعضه نافع وبعضه مضر، وفى النفع والضر تفاوت بعض أنفع من بعض، وبعض أضر من بعض، وبعض ينفع نباتا دون نبات آخر، ويختلف ذلك بفصول السنة أيضا، وكأنه على هذا قيل: واختلاف ما {أنزل الله مِن السَّماء} جهة العلو، أو السحاب، أو سماء الدنيا ينزل منها بقدرة الله، أو ما قضى الله منه فى اللوح المحفوظ {من رزقٍ} مطر سمى رزقا لأنه سببه، أو الماء نفسه رزق، لأن الرزق ما ينتفع به هكذا، والماء ينتفع به فى معالجة الطعام والغسل، والمثار وفى النبات والعطش {فأحيا به الأرض} بأن أخرج منها أصناف الزرع والثمار النبات والكماة {بعْد موتها} خلوها عن ذلك خلو الميت عن التولد منه، وأما تدوده فاستحالة لا زيادة. {وتَصْريف الرياح} عطف على اختلاف، وجاز على الليل بحد ما مر، وتصريفها تكوينها من جهة لأخرى كما مر، ومن حال لحال، قيل: آخر ذكر تصريفها عن ذكر المطر مع تقدمه على المطر فى الوجود، للاعلام بأنه آية مستقلة، بحيث لو قدم لأمكن توهم أنه والمطر آية واحدة، ولأن كون التصريف آية لانشاء المطر وسائر المنافع، ومنها سوق السفن فى البحر لا لإنشاء المطر خاصة، ومعنى تقدم تصريف الرياح أنه اذا أراد الله الأمطار قدم عليه الريح {آيات لقومٍ يعقلون} فينتفعون بها.

الالوسي

تفسير : {وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } بالجر على إضمار في، وقد قرأ عبد الله بذكره. وجاء حذف الجار مع إبقاء عمله كما في قوله:شعر : إذا قيل أي الناس شر قبيلة أشارت كليب بالأكف الأصابع تفسير : وحسن ما هنا ذكر الجار في الآيتين قبل. وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ خبره {ءايَـٰتُ } بعد. والمراد باختلافهما تعاقبهما أو تفاوتهما طولاً وقصراً، وقيل: اختلافهما في أن أحدهما نور والآخر ظلمة. {وَمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ } عطف على {ٱخْتِلَـٰفُ } {مّنَ ٱلسَّمَاء } جهة العلو، وقيل: السحاب، وقيل: الجرم المعروف بضرب من التأويل. {مِن رّزْقِ } من مطر، وسمي رزقاً لأنه سببه فهو مجاز، ولو لم يؤل صح لأنه في نفسه رزق أيضاً. {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ } بأن أخرج منها أصناف الزرع والثمرات والنبات، والسببية عادية اقتضتها الحكمة / {بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها وعرائها عن آثار الحياة وانتفاء قوة التنمية عنها. {وَتَصْرِيفِ ٱلرّيَاحِ } من جهة إلى أخرى ومن حال إلى حال، وتأخيره عن إنزال المطر مع تقدمه عليه في الوجوه إما للإيذان بأنه آية مستقلة حيث لو روعي الترتيب الوجودي لربما توهم أن مجموع تصريف الرياح وإنزال المطر آية واحدة، وإما لأن كون التصريف آية ليس بمجرد كونه مبدأ لإنشاء المطر بل له ولسائر المنافع التي من جملتها سوق السفن في البحار. وقرأ زيد بن علي وطلحة وعيسى {وتصريف الريح} بالإفراد. {ءايَـٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} بالرفع على أنه مبتدأ خبره ما تقدم من الجار والمجرور أعني {فِي ٱخْتِلَـٰفِ } على ما سمعت. والجملة معطوفة على ما قبلها. وقيل: إن {ٱخْتِلَـٰفُ } بالجر عطف على {أية : خَلْقِكُمْ}تفسير : [الجاثية: 4] المجرور بفي قبله و {ءايَـٰت} عطف على {أية : ءايَـٰتٌ}تفسير : [الجاثية: 4] السابق المرفوع بالابتداء، وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، ومن الناس من يمنعة وهم أكثر البصريين، ومنهم من يجيزه وهم أكثر الكوفيين، ومنهم من يفصل فيقول: وهو جائز في نحو قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو وغير جائز في نحو قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة لأن الأول يلي المجرور فيه العاطف فقام العاطف مقام الجار، والثاني لم يل فيه المجرور العاطف فكان فيه إضمار الجار من غير عوض، وتمام الكلام في هذه المسألة في محله. وقيل: إن {ٱخْتِلَـٰفُ } عطف على المجرور قبل و {ءايَـٰتٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هي آيات؛ واختاره من لم يجوز العطف على معمولي عاملين ويقول بضعف حذف الجار مع بقاء عمله وإن تقدمه ذكر جار. وقال أبو البقاء: {ءايَـٰت } مرفوع على التأكيد لآيات السابق وهم يعيدون الشيء إذا طال الكلام في الجملة للتأكيد والتذكير. وتعقب بأن ذلك إنما يكون بعين ما تقدم واختلاف الصفات يدل على تغاير الموصوفات فلا وجه للتأكيد، وأيضاً فيه الفصل بين المعطوف المجرور والمعطوف عليه وبين المؤكد والمؤكد وهو إن جاز يورث تعقيداً ينافي فصاحة القرآن العظيم. وقرأ {ءايـٰت } هنا بالنصب من قرأها هناك به فهي مفعول لفعل محذوف أي أعني آيات. وقيل: العاطف في قوله تعالى: {وَٱخْتِلَـٰفُ } عطف اختلاف على المجرور بفي قبل وعطفها على اسم {أية : إِنَّ}تفسير : [الجاثية: 3] وهو مبني على جواز العطف على معمولي عاملين، وقال أبو البقاء: هي منصوبة على التأكيد والتكرير لاسم إن نحو إن بثوبك دماً وبثوب زيد دماً، ومر آنفاً ما فيه. وقال بعضهم: إنها اسم إن مضمرة وهي قد تضمر ويبقى عملها، ذكر أبو حيان في «الارتشاف» في الكلام على إن من خير الناس أو خيرهم زيد أن محمد بن يحيـى بن المبارك اليزيدي ذهب إلى نصب خيرهم ورفع زيد فاسم إن محذوف وأو خيرهم منصوب بإضمار إن لدلالة إن المذكورة تقديره إن من خير الناس زيداً وإن خيرهم زيد. وقد أقر الشاطبـي تخريج النصب في الآية على ذلك لكن نقله السفاقسي عن أبـي البقاء ورده بأن إن لا تضمر. وقال ابن هشام في آخر الباب الرابع من «المغني»: إنه بعيد، والظاهر أنه لا بد عليه من إضمار الجار في {ٱخْتِلَـٰفُ } وحينئذٍ لا يخفى حاله، وسائر القراءات مروية هنا عمن رويت عنه فيما تقدم. وتنكير {ءايَـٰتُ } في الآيات للتفخيم كماً وكيفاً، ((والمعنى إن المنصفين من العباد إذا نظروا في السمٰوات والأرض النظر الصحيح علموا أنها مصنوعة وأنها لا بد لها من صانع فآمنوا بالله تعالى وأقروا، وإذا نظروا في خلق أنفسهم وتنقلها من حال إلى حال وهيئة / إلى أخرى وفي خلق ما على ظهر الأرض من صنوف الحيوان ازدادوا إيماناً وأيقنوا وانتفى عنهم اللبس فإذا نظروا في سائر الحوادث التي تتجدد في كل وقت كاختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وحياة الأرض بها بعد موتها وتصريف الرياح جنوباً وشمالاً وقبولاً ودبوراً (وشدة وضعفاً وحرارة وبرودة) عقلوا واستحكم علمهم وخلص يقينهم)) كذا في «الكشاف» ومنه يعلم نكتة اختلاف الفواصل. وفي «الكشف» أنه ذكر ما حاصله أنه على سبيل الترقي وهو يوافق ما عليه الصوفية وغيرهم من أن الإيقان مرتبة خاصة في الإيمان، ثم العقل لما كان مدارهما أي الإيمان والإيقان ونعني به العقل المؤيد بنور البصيرة جعله لخلوص الإيقان من اعتراء الشكوك من كل وجه ففي استحكامه كل خير، وروعي في ترتيب الآيات ما روعي في ترتيب المراتب الثلاث من تقديم ما هو أقدم وجوداً، ولا يلزم أن تكون الآية الثانية أعظم من الأولى ولا الثالثة من الثانية لما ذكره من أن الجامع بين النظرين موقن وبين الثلاثة عاقل على أنها كذلك في تحصيل هذا الغرض فإن كانت أعظم من وجه آخر فلا بأس فإن النظر إلى حال نفسه وما هو من نوعه ثم جنسه من سائر الأناسي والحيوان للقرب والتكرر وكثرة العدد أدخل في انتفاء الشك وحصول اليقين وإن كان النظر في السماء والأرض أتم دلالة على كمال القدرة والعلم فذلك لا يضر ولا هو المطلوب هٰهنا ثم النظر إلى اختلاف المذكور أدل على استحكام ذلك اليقين من حيث إنه يتجدد حيناً فحيناً ويبعث على النظر والاعتبار كلما تجدد هذا، والتحقيق أن تمام النظر في الثاني يضطر إلى النظر في الأول لأن السمٰوات والأرض من أسباب تكون الحيوان بوجه، وكذلك النظر في الثالث يضطر إلى النظر في الأولين، أما على الأول فظاهر من أسباب تكون الحيوان بوجه، وكذلك النظر في الثالث يضطر إلى النظر في الأولين، أما على الأول فظاهر وأما على الثاني فلأنه العلة الغائية فلا بد من أن يكون جامعاً انتهى، وهو كلام نفيس جداً. وقال الإمام في ترتيب هذه الفواصل: ((أظن أن سببه أنه قيل إن كنتم مؤمنين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين بل كنتم من طلاب الجزم واليقين فافهموا هذه الدلائل وإن كنتم لستم من المؤمنين ولا من الموقنين فلا أقل من أن تكونوا من زمرة العاقلين فاجتهدوا في معرفة هذه الدلائل))، ولا يخفى أنه فاته ذلك التحقيق ولم يختر الترقي وهو بالاختيار حقيق. والمغايرة بين ما هنا وما في سورة [البقرة: 164] أعني {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ }تفسير : الآية للتفنن والكلام المعجز مملوء منه، وذكر الإمام في ذلك ما لا يهش له السامع فتأمل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱخْتِلاَفِ} {ٱللَّيْلِ} {ٱلرِّيَاحِ} {آيَاتٌ} (5) - وَإِنَّ في تَعَاقُبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عَلَى الخَلْقِ، وَتَقَارُضِهِما الطُّولَ والقِصَرَ، وَفِيمَا أَنزَلَ اللهُ تَعَالَى مِنْ مَطَرٍ مِنَ السَّماءِ تَحيَا بِهِ الأَرضُ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَيَخْرُجُ بِهِ فِيها مِنَ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُجدِبَةً يَابِسَةً، وَفي تَصْريفِ الرِّياحِ وَتَوْجِيهِهِا إِلى الجِهَاتِ المُخْتَلِفَةِ... ِإنَّ في ذلِكَ كُلِّهِ لأَدِلَّةً وَحُجَجاً للهِ عَلَى خَلْقِهِ، بِأَنَّهُ لم يَخْلُقهُمْ عَبَثاً وَبَاطِلاً، وَإِنَّما خَلَقَهُم لِيَعْبُدُوهُ. تَصرِيفِ الرِّيَاحِ - تَقْلِيبِها في مَهَابِّها وَأَحْوالِها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: من آياته الكونية الدالة على قدرته تعالى اختلافُ الليل والنهار، وفي آيات أخرى عرفنا أن الليل وحده آية والنهار وحده آية، والكلام هنا عن اختلاف الليل والنهار، ومجرد اختلافهما آية من آيات الله. فالليل والنهار مختلفان من عدَّة وجوه: مختلفان في ظلمة الليل ونور النهار، ومختلفان طولاً وقصَراً، وكذلك مختلفان في المهمة، وهما ظرفان لزمن الأحداث، وقد يطول الليل ويقصر النهار، أو يطول النهار ويقصر الليل، ثم يتساويان في المدة. فمثلاً نجد الليلَ يطولُ في الشتاء ويقصر في الصيف، وهذا لحكمة، فنحن نعمل طوال يوم الشتاء حيثُ اعتدال الجو الذي يساعد على العمل؛ لذلك نحتاج إلى فترة أطول للراحة، فنجد ذلك في ليل الشتاء الطويل. ثم لو نظرتَ إلى الليل والنهار بصورة أوسع تشمل الكرةَ الأرضية كلها وجدتَ أنهما مُتداخلان، فالنهار عندك ليلٌ عند غيرك، والليل عندك نهارٌ عند غيرك، فهما موجودان معاً، لكن في أماكن متباعدة من الأرض. وهكذا تجد كلَّ لحظة من لحظات الزمن يبدأ فيها ليلٌ وينتهي نهار، أو يبدأ فيها نهارٌ وينتهي ليل، إذن: هي حركة دائرة لا تنتهي، مواقيت مختلفة في الزمن كله. فلو أخذنا مثلاً الأذان لوجدناه يدور في كلِّ لحظة من لحظات الزمن بكلِّ لفظ من ألفاظه، ففي اللحظة التي تقول فيها (الله أكبر) غيرك يقول (أشهد ألا إله إلا الله) وغيرك يقول (أشهد أن محمداً رسول الله) وهكذا. والأمر كذلك في الصلاة، فحين تُصلي الظهر، غيرُك يصلي العصر، وغيرُك يصلي المغرب، وآخر يُصلي العشاء في اللحظة ذاتها. إذن: نستطيع أنْ نقول بوجود كلِّ الأوقات في كلِّ الأوقات، وأن الحق سبحانه يُعبد في كلِّ لحظة بكلِّ أنواع العبادات، وأن ألفاظ الأذان دائرةٌ في سَمْع الدنيا كلها، تستوعب كلَّ الزمان وكلَّ المكان. وهذا كلُّه من اختلاف الليل والنهار طُولاً وقِصَراً، والطول والقِصَر ناتج عن حركة الشمس، وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى دِقَّة في الملاحظة، فالشمس حين تشرق عندك تغيب عند غيرك، فكلُّ مشرق عند قوم مغربٌ عند آخرين. وهذه تفسر لنا قوله تعالى: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ} تفسير : [الرحمن: 17] فقال مشرقين ومغربين، لأن المشرق عندك مغرب عند غيرك في نفس الوقت. فإذا نظرتَ إلى امتداد الزمان في جزئياته الدقيقة بالثانية وجدتَ مشارق ومغارب، كما قال سبحانه: {أية : بِرَبِّ ٱلْمَشَٰرِقِ وَٱلْمَغَٰرِبِ ..} تفسير : [المعارج: 40] فإذا نظرتَ إلى المكان الواحد وجدتَ مشرقاً ومغرباً، وقد قال سبحانه {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ..} تفسير : [المزمل: 9] إذن: فهو صادق في كلِّ ما أخبرنا به سبحانه. ومن آيات الليل والنهار أيضاً أن الله جعلهما خلْفةً، يعني: الليل يخلُف النهارَ والنهارُ يخلُف الليلَ، قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} تفسير : [الفرقان: 62]. وقد فهمنا من هذه الآية أن الأرض كُروية، فهذه النظرية العلمية الحديثة أثبتها القرآنُ وسبق بها، فمعنى أن الليلَ والنهار خلفةٌ أن الأرض مثل الكرة بحيث في الخَلْق الأول خُلقت الأرض مواجهةً في ناحية منها للشمس. فكانت هذه الناحية النهار والمقابلة لها الليل، إذن: خُلِقَ الليل والنهار معاً، ووُلِدا معاً، ثم لما دارتْ الأرضُ خلفَ الليلُ النهارَ، وخلفَ النهارُ الليلَ، ولو لم تكن الأرض مُكوَّرَة ما حدث هذا. وهذه الحقيقة أكَّدها الحق سبحانه بصورة أوضح في قوله تعالى: {أية : لاَ ٱلشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ ٱلقَمَرَ وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} تفسير : [يس: 40] لأن العرب كانوا يعتقدون أن الليل أسبقُ من النهار، لذلك كانوا يُؤرِّخون للمناسك بدورة القمر، فالشمس نعرف منها اليوم، والقمر نعرف منه الشهر، ومن الشهر تكون السنة. كذلك رمضان يثبتُ بليله لا بنهاره، لأنه يعتمد على ظهور الهلال؛ لذلك اعتقدوا أن الليلَ أسبقُ من النهار فصوَّب لهم القرآن هذا الاعتقاد فقال: {أية : وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ..} تفسير : [يس: 40] فوافقهم في أن النهار لا يسبق الليل وعدَّل لهم {أية : وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ..} تفسير : [يس: 40]. إذن: خُلِقا في وقت واحد، وهذا لا يكون أبداً إلا إذا كانتْ الأرضُ مكوَّرة. فلا سبْقَ لأحدهما على الآخر. وقوله سبحانه: {وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ..} [الجاثية: 5] أنزل الله من السماء آياتٍ كثيرة منها المادي ومنها المعنوي، المعنوي هو الكتاب الذي أنزله على رسول الله لهداية الخلق، والمادي مثل المطر وسماه رزقاً لأنه سببُ الرزق حين ينزل على الأرض فيُحييها بالنبات والثمار. وكل رزق جاء من جهة العلو الخالقة فهو مُنزَّل، حتى لو كان في باطن الأرض؛ لذلك قال سبحانه عن الحديد: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [الحديد: 25] لذلك جعله اللهُ أداةً لإثبات قدرته تعالى للمعاندين للدين، فقال في ختام الآية: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ ..} تفسير : [الحديد: 25]. وقوله: {مِنَ ٱلسَّمَآءِ ..} [الجاثية: 5] معلوم أن السماء ليستْ محلاً للماء، الماء في السحاب وهو كما قلنا ضاحية من ضواحي الأرض وتابعٌ لها، أما السماء فشيء آخر أبعد من أن يتصوّره العقل، والمراد: من جهة السماء. والمتأمل في دورة الماء في الطبيعة يجد أنه في الأرض حيث ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء، وغالبه الماء المالح، وهذا لحكمة أنَّ نسبة الملح في الماء تحفظه من التغيُّر والعطن، وبالبخر تتكوَّن السُّحُب وينزل المطر يحمل الماء العَذْب الصالح للشرب وللزراعة وغيرها. ومن آيات الله في الماء أنْ تتسعَ رقعة الماء المالح لتتسع رقعة البخر، وبالتالي تزيد مساحة تبخُّر الماء العَذْب الذي يكفي بعد ذلك لحياة الأحياء على الأرض، ثم تجد مُلوحة الماء في البحار والمحيطات بالقدر المناسب الذي يحفظ الماء من الفساد ويسمح بمعيشة الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى. ولو زادتْ الملوحة عن هذا الحد لماتتْ فيها الثروة السمكية، كما نجد مثلاً في البحر الميت، حيث تزيد فيه نسبة الملوحة لأنه مُغلَق ولا يأتيه مَددٌ من روافد أخرى تُقلِّل من ملوحته. ولنعرف قدرة الله في إنزال الماء العذب من السحاب هذا الماء الذي يكفي للشرب ولزراعة الأرض، انظر كم تتكلَّف زجاجة الماء المقطر حين تُعدُّها في المعمل، هذا الماء ينزل لك من السماء عَذْباً صافياً زلالاً دون مجهود منك ودون نفقات. هذا الماء في حَدِّ ذاته آية من آيات الله، لأن به تكون الحياة، لذلك سمَّاه القرآن رزقاً، البعض قال: يعني سبب في الرزق والبعض قال: لا بل هو نفسه رزق، هو سبب في الرزق حينما نروي به الزرع، لكن هو رزقٌ حينما نشربه أو نُدخله في الطعام. وقوله: {فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ..} [الجاثية: 5] وهذه آية أخرى، والأرض الميتة هي الجرداء القاحلة التي لا نبْتَ فيها، فالله يُحييها بالنبات كما قال في آية أخرى: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ..} تفسير : [الحج: 5]. ثم ينتقل إلى آية أخرى {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ..} [الجاثية: 5]. تصريف الرياح يعني: تغيير اتجاهها من هنا إلى هناك، أو تغيير أحوالها، فهي مرة نسيم لطيف، ومرة ريح عاصف، ومرة تكون حارة، ومرة باردة، مرة مُعمِّرة ومرة مدمرة. هذه كلها أحوال للرياح يُصرِّفها خالقها عز وجلّ كيف يشاء، ولا يُصرِّفها غيره. وحين تُدقِّق وتتأمل في عملية تصريف الرياح تجد فيها مظهراً من مظاهر الإعجاز للخالق سبحانه، انظر إلى هذه الأبراج وناطحات السحاب، واسأل نفسك مَنْ يقيم هذه الأبنية العملاقة؟ ومَنْ يسندها فلا تميل رغم هبوب العواصف عليها؟ الذي يسندها هو الهواء الذي يحيط بها من كُلِّ ناحية، ولو فرَّغْتَ جانباً منها من الهواء لانهارتْ في هذا الجانب الفارغ من الهواء. إذن: الهواء هو الذي يحفظ توازنها، لذلك ساعة تجد القرآن يستعمل كلمة (الريح) بصيغة الجمع فاعلم أنها للعَمَار وللخير، وساعة تكون مفردة فهي للدمار وللخراب. الريح الواحدة تُدمر، والرياح تسند وتُعمر، لأن هذه تأتي من ناحية واحدة، وهذه تأتي من جميع النواحي فتحدث التوازن المطلوب. واقرأ هنا في سياق الحديث عن آيات الله وتعداد نعمه: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ ..} [الجاثية: 5] وفي آية أخرى قال سبحانه: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا ..} تفسير : [الأحقاف: 25] وقال: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} تفسير : [الذاريات: 41-42]. وقوله: {ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5] لأن العقل هو الذي يستقبل الأحداث ويناقشها ويُفاضل بين القضايا، ويستخلص منها الحقَّ، ويُلقيه إلى القلب فيصير عقيدةً راسخة لا تقبل الشَّكَّ. ورحم الله الفخر الرازي الذي أجرى مقارنة علمية دقيقة بين هذه الآيات في الجاثية بداية من قوله تعالى: {إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] إلى {لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5] وبين الآية 164 من سورة البقرة: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 164]. أولاً: وجد الاختلافَ الأول بين الموضعين أن الجاثية فيها {أية : إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجاثية: 3] أما البقرة {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [البقرة: 164] وهما بمعنى واحد، لأن الخَلْق حدثُ الإيجاد، فالحدث نفسه يسمى خَلْقاً، ويطلق أيضاً على المخلوق بدليل قوله تعالى: {أية : هَـٰذَا خَلْقُ ٱللَّهِ} تفسير : [لقمان: 11] أي مخلوقه. إذن: المعنى في الموضعين واحد. ثانياً: عدَّ الآيات الكونية المذكورة في الجاثية فوجدها ست آيات، وفي البقرة ثماني آيات، فلما بحث الزيادة في البقرة وجدها في قوله تعالى: {أية : وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ ..} تفسير : [البقرة: 164] {أية : وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [البقرة: 164]. فقال: هاتان الآيتان في الفلك وفي السحاب أغنى عنهما قوله تعالى في الجاثية {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ} [الجاثية: 5] لأنهما يجريان بحركة الرياح. الاختلاف الأخير بين الموضعين أن آية البقرة خُتمتْ بمقطع واحد هو {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] أما آيات الجاثية ففيها ثلاثة مقاطع هي: {لأيَٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الجاثية: 3] {ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 4] {ءَايَٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 5]. المؤمن ساعة يسمع من الله يُصدِّق ويؤمن بما أخبر الله به، واليقين يكون لدى طالب الحقيقة الذي يبحث عنها في قضية علمية يريد أن يصل إلى اليقين من خلالها. والإنسان إذا لم يكُنْ مؤمناً واثقاً ولا طالباً للحقيقة فلا أقلَّ من قَدْر من العقل يُميِّز به بين الأشياء، ويعرف به ماذا يأكل؟ وماذا يشرب؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يدع. إذن: هذه المقاطع الثلاثة تمثل مراحلَ الإدراك السليم. والتعقُّل هو أدْنى مرتبة، لذلك خُتِمَتْ بها آية البقرة.

همام الصنعاني

تفسير : 2829- [قال: حدثنا سلمة]: قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ}: [الآية: 5]، قال: يُصَرِّفُها، إنْ شاءَ جعلها رحمةً، وإن شاء جعلها عذاباً.