Verse. 4479 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

تِلْكَ اٰيٰتُ اللہِ نَتْلُوْہَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ۝۰ۚ فَبِاَيِّ حَدِيْثٍؚبَعْدَ اللہِ وَاٰيٰتِہٖ يُؤْمِنُوْنَ۝۶
Tilka ayatu Allahi natlooha AAalayka bialhaqqi fabiayyi hadeethin baAAda Allahi waayatihi yuminoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«تلك» الآيات المذكورة «آيات الله» حججه الدالة على وحدانيته «نتلوها» نقصها «عليك بالحق» متعلق بنتلو «فبأي حديث بعد الله» أي حديثه وهو القرآن «وآياته» حججه «يؤمنون» أي كفار مكة، أي لا يؤمنون، وفي قراءة بالتاء.

6

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ} أي هذه آيات الله؛ أي حججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وقدرته. {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أي بالصدق الذي لا باطل ولا كذب فيه. وقرىء «يَتْلُوهَا» بالياء. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ} وقيل بعد قرآنه {وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} وقراءة العامة بالياء على الخبر. وقرأ ابن مُحَيْصِن وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي «تُوْمِنُونَ» بالتاء على الخطاب.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ} يعني: القرآن بما فيه من الحجج والبينات {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} أي: متضمنة الحق من الحق، فإذا كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينقادون لها{تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}؟ ثم قال تعالى: { وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} أي: أفاك في قوله، كذاب حلاف مهين، أثيم في فعله وقلبه، كافر بآيات الله، ولهذا قال: {يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ} أي: تقرأ عليه {ثُمَّ يُصِرُّ} أي: على كفره وجحوده؛ استكباراً وعناداً {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} أي: كأنه ما سمعها، {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: فأخبره أن له عند الله تعالى يوم القيامة عذاباً أليماً موجعاً، {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً} أي: إذا حفظ شيئاً من القرآن، كفر به، واتخذه سخرياً وهزواً {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به، ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو؛ مخافة أن يناله العدو. ثم فسر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: {مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} أي: كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة {وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً} أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ} أي: ولا تغني عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئاً {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} ثم قال تبارك وتعالى: {هَـٰذَا هُدًى} يعني: القرآن {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـآيَـٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} وهو المؤلم الموجع. والله سبحانه وتعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {تِلْكَ } الآيات المذكورة {ءَايَٰتُ ٱللَّهِ } حججه الدالة على وحدانيته {نَتْلُوهَا } نقُصُّهَا {عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ } متعلق ب «نتلو» {فَبِأَىّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ } أي حديثه وهو القرآن {وَءَايَٰتِهِ } حججه {يُؤْمِنُونَ }؟ أي كفار مكة، أي لا يؤمنون وفي قراءة بالتاء.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الأفاك: الكذاب، قاله ابن جريج. الثاني: أنه المكذب بربه. الثالث: أنه الكاهن، قاله قتادة. {يَسْمَعُ ءَآيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ} يعني القرآن. {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً} فيه تأويلان: أحدها: يقيم على شركه مستكبراً عن طاعة ربه، وهو معنى قول يحيى بن سلام. الثاني: أن الإصرار على الشيء العقد بالعزم عليه، وهو مأخوذ من صَرَّ الصُّرَّةَ إذا شدها، قاله ابن عيسى. {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} في عدم الاتعاظ بها والقبول لها. {فَبِشَّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} قال ابن جريج نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث.

البقاعي

تفسير : ولما ذكر هذه الآيات العظيمات، وكانت كلها مشتركة في العظم، بعد ما أشار إلى تباين رتبها في الخفاء والجلاء بفواصلها، قال مشيراً إلى علو رتبها بأداة البعد: {تلك} أي الآيات الكبرى {آيات الله} أي دلائل المحيط بصفات الكمال التي لا شيء أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها. ولما كان كأنه قيل: ما لها؟ قال، أو يكون المراد: نشير إليها حال كوننا {نتلوها} أي نتابع قصها {عليك} سواء كانت مرئية أو مسموعة، متلبسة {بالحق} أي الأمر الثابت الذي لا يستطاع تحويله فليس بسحر ولا كذب، فتسبب عن ذلك حينئذ الإنكار عليهم وعلى من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعاً في إيمانهم في قوله تعالى: {فبأي حديث} أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به يستحق أن يتحدث به، واستغرق كل حديث فقال: {بعد الله} أي الحديث الأعظم عن الملك الأعلى {وآياته} أي والحديث عن دلالاته العظيمة {يؤمنون *} من خاطب - وهم الجمهور - ردوه على قوله "وفي خلقكم" وهو أقوى تبكيتاً، وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن عاصم وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {نتلوها عليك بالحق}. ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء فضلاً عن الإصرار بعد هذا البيان إلا من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد، قال على وجه الاستنتاج مهدداً: {ويل} أي مكان معروف في جهنم {لكل أفاك} أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه {أثيم *} أي مبالغ في اكتساب الإثم وهو الذنب، وعمل ما لا يحل مما يوجب العقاب، وفسر هذا بقوله: {يسمع آيات الله} أي دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها {تتلى} أي يواصل استماعه لها بلسان القال أو الحال من أيّ تال كان، عالية {عليه} بجميع ما فيها من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق. ولما كانت تلاوتها موجبة لإقلاعه فكان إصراره مع بعد رتبته في الشناعة مستبعداً كونه قال: {ثم يصر} أي يدوم دوماً عظيماً على قبيح ما هو فيه حال كونه {مستكبراً} أي طالباً الكبر عن الإذعان وموجداً له. ولما كان مع ما ذكر من حاله يجوز أن يكون سماعه لها، خفف من مبالغته في الكفر، بين أنها لم تؤثر فيه نوعاً من التأثير، فكان قلبه أشد قسوة من الحجر فقال: {كأن} أي كأنه {لم يسمعها} فعلم من ذلك ومن الإصرار وما قيد به من الاستكبار أن حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء، وقد علم بهذا الوصف أن كل من لم ترده آيات الله تعالى كان مبالغاً في الإثم والإفك، فكان له الويل. ولما كان الإصرار معناه الدوام المتحكم، لم يذكر الوقر الذي هو من الأمراض الثابتة كما ذكره في سورة لقمان، قال ابن القطاع وابن ظريف في أفعالهما، أصر على الذنب والمكروه: أقام، وقال عبد الغافر الفارسي في المجمع: أصررت على الشيء أي أقمت ودمت عليه، وقال ابن فارس في المجمل: والإصرار: العزم على الشيء والثبات عليه، وقال أبو عبد الله القزاز في ديوانه ونقله عن عبد الحق في واعيه: وأصل الصر الإمساك، ومنه يقال: أصر فلان على كذا، أي أقام عليه وأمسكه في نفسه وعقده لأنه قد يقول ما ليس في نفسه وما لا يعتقده، والرجل مصر على الذنب أي ممسك له معتقد عليه، ثم قال: من الإصرار عليه وهو العزم على أن لا يقلع عنه، وقال الأصفهاني تبعاً لصاحب الكشاف: وأصله من أصر الحمار على العانة، وهو أن ينحني عليها صاراً أذنيه. ولما أخبر عن ثباته على الخبث، سببب عنه تهديده في أسلوب دال - بما فيه من التهكم - على شدة الغضب وعلى أنه إن كان له بشارة فهي العذاب فلا بشارة له أصلاً فقال تعالى: {فبشره} أي على هذا الفعل الخبيث {بعذاب} لا يدع له عذوبة أصلاً {أليم *} أي بليغ الإيلام. ولما بين تعالى كفره بما يسمع من الآيات، أتبعه ما هو أعم منه فقال: {وإذا علم} أي أيّ نوع كان من أسباب العلم {من آياتنا} أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا {شيئاً} وراءه وكان كلما رأوا الإنسان في غاية التمكن منه، قال مبيناً للعذاب: {جهنم} أي تأخذهم لا محالة وهم في غاية الغفلة عنها بترك الاحتراز منها، ويحسن التعبير بالوراء أن الكلام في الأفاك، وهو انصراف الأمور عن أوجهها إلى اقفائها فهو ماش أبداً إلى ورائه فهو ماش إلى النار بظهره، ويستعمل، "وراء" في الإمام، فيكون حينئذ مجاراً عن الإحاطة أي تأخذهم من الجهة التي هم بها عالمون والجهة التي هم بها جاهلون، فتلقاهم بغاية التجهم والعبوسة والغيظ والكراهة ضد ما كانوا عليه عند العلم بالآيات المرئية والمسموعة من الاستهزاء الملازم للضحك والتمايل بطراً وأشراً، ومثل ما كانوا عليه عند الملاقاة للمصدقين بتلك الآيات. ولما كانوا يظهرون الركون إلى ما بأيديهم من الأعراض الفانية، قال: {ولا يغني عنهم} أي في دفع ذلك {ما كسبوا} أي حصلوا من الأمور التي أفادتهم العز الذي أورثهم الاستهزاء {شيئاً} أي من إغناء. ولما كان هؤلاء لما هم عليه من العمى يدعون إغناء آلهتهم عنهم، قال مصرحاً بها: {ولا ما اتخذوا} أي كلفوا أنفسهم أي كلفوا أنفسهم بأخذه مخالفين لما دعتهم إليها فطرهم الأولى السليمة من البعد عنها. ولما كان كفرهم إنما هو الإشراك، فكانوا يقولون "الله" أيضاً، قال معبراً بما يفهم سفول ما سواه: {من دون الله} أي أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم {أولياء} أي يطمعون في أن يفعلوا معهم ما يفعله القريب من النفع والذب والدفع {ولهم} مع عذابه بخيبة الأمر {عذاب عظيم *} لا يدع جهة من جهاتهم ولا زماناً من أزمانهم ولا عضواً من أعضائهم إلا ملأه. ولما أخبر عما لمن أعرض عن الآيات بما هو أجل موعظة وأردع زاجر عن الضلال، قال مشيراً إلى ما افتتح به الكلام من المتلو الذي هذا منه: {هذا} أي التنزيل المتلو عليكم {هدى} أي عظيم جداً بالغ في الهداية كامل فيها، فالذين اهتدوا بآيات ربهم لأنهم - لم يغتروا بالحاضر لكونه زائلاً فاستعملوا عقولهم فآمنوا به لهم نعيم مقيم {والذين كفروا} أي ستروا ما دلتهم عليهم مرائي عقولهم به - هكذا كان الأصل، ولكنه نبه على أن كل جملة من جمله، بل كل كلمة من كلماته دلالة واضحة عليه سبحانه فقال: {بآيات ربهم} أي وهذه التغطية بسبب التكذيب بالعلامات الدالة على وحدانية المحسن إليهم فضلوا عن السبيل لتفريطهم في النظر لغروهم بالحاضر الفاني {لهم عذاب} كائن {من رجز} أي عقاب قذر شديد جداً عظيم القلقلة والاضطراب متتابع الحركات، قال القزاز، الرجز والرجس واحد {أليم *} أي بليغ الإيلام، الآية من الاحتباك: ذكر الهدى أولاً دليلاً على الضلال ثانياً، والكفر والعذاب ثانياً دليلاً على ضدهما أولاً، وسره أنه ذكر السبب المسعد ترغيباً فيه، والمشقى ترهيباً منه. ولما ذكر سبحانه وتعالى صفة الربوبية، ذكر بعض آثارها وما فيها من أياته، فقال مستأنفاً دالاً على عظمتها بالاسم الأعظم: {الله} أي الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال. ولما كان آخر الآيات التي قدمها الرياح، ذكر ما يتصرف بتسييرها فقال: {الذي سخر} أي وحده من غير حول منكم في ذلك بوجه من الوجوه {لكم} أيها الناس بربكم وفاجركم {البحر} بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل بالاختيار من القبلية للسير فيه بالرقة والليونة والاستواء مع الريح الموافقة وأنه يطفوا عليه ما كان من الخشب مع ما علم من صنعته على هذا الوجه الذي تم به المراد {لتجري الفلك} أي السفن {فيه بأمره} ولو كانت موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها. ولما كان التقدير: لتعبروا بذلك فتعلموا أنه بقدرته خاصة لتؤمنوا به، عطف عليه قوله: {ولتبتغوا} أي تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد بالصيد والغوص وغير ذلك {من فضله} لم يصنع شيئاً منه سواه. ولما كان التقدير: لتظهر عليكم آثار نعمته، عطف عليه قوله تعالى: {ولعلكم تشكرون *} أي ولتكونوا بحيث يرجوا منكم من ينظر حالكم ذلك الشكر من أنعم عليكم به ليزيدكم من فضله في الدنيا والآخرة.

القشيري

تفسير : فَمَنْ لا يؤمن بها فبأي حديثٍ يؤمن؟ ومن أي أصل يستمد بعده؟ ومن أي بَحْرٍ في التحقيق يغترف؟ هيهات! ما بقي للإشكال في هذا مجال.

اسماعيل حقي

تفسير : {تلك} الآيات القرءانية من اول السورة وهو مبتدأ خبره قوله {آيات الله} المنبهة على الآيات التكوينية {نتلوها عليك} بواسطة جبرائيل حال كوننا {بالحق} اى محقين او حال كون الآيات ملتبسة بالحق والصدق بعيدة من الباطل والكذب وقال فى بحر العلوم نتلوها عليك حال عاملها معنى الاشارة كأنه قيل نشير اليها متلوة عليك تلاوة متلبسة بالحق مقترنة به بعيدة من الباطل واللعب والهزل كما قال {أية : وما هو بالهزل} تفسير : انتهى ويجوز ان تكون تلك اشارة الى الدلائل المذكورة اى تلك دلائله الواضحة على وجوده ووحدته وقدرته وعلمه وحكمته نتلوها عليك اى بتلاوة النظم الدال عليها {فبأى حديث} من الاحاديث وخبر من الاخبار {بعد الله وآياته} اى بعد آيات الله وتقديم الاسم الجليل لتعظيمه كما فى قولهم اعجبنى زيد وكرمه يريدون اعجبنى كرم زيد ونظيره قوله تعالى {أية : واعلموا انما غنمتم من شئ فان لله خمسه} تفسير : فان اسم الله هنا ايضا مذكور بطريق التعظيم كما سبق فقول ابى حيان فيه اقحام الاسماء من غير ضرورة غير مفيد او بعد حديث الله الذى هو القرءآن حسبما نطق به قول تعالى {أية : الله نزل احسن الحديث} تفسير : وهو المراد بآياته ايضا ومناط العطف التغاير العنوانى {يؤمنون} يعنى ان القرءآن من بين الكتب السماوية معجزة باهرة فحيث لم يؤمنوا به فبأى كتاب بعده يؤمنون اى لا يؤمنون بكتاب سواه وقيل معناه القرءآن آخر كتب الله محمد آخر رسله فان لم يؤمنوا به فبأى كتاب يؤمنون ولا كتاب بعده ولا نبى وفى الآية اشارة الى ان الايمان لا يمكن حصوله فى القلب الا بالله وكتابته فى القلوب وباراءته المؤمنين آياته والا فلا يحصل بالدلائل المنطقية ولا بالبراهين العقلية قال الامام الرازى لحضرة الشيخ نجم الدين قدس سره بم عرفت ربك قال بواردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها وروى ابن عباس رضى الله عنهما ان النبى عليه السلام قال "حديث : من أعجب الخلق ايمانا" قالوا الملائكة قال عليه السلام "وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الامر" قالوا فالنبيون قال عليه السلام "وكيف لا يؤمن النبيون والروح ينزل عليهم بالامر من السماء" قالوا فأصحابك قال عليه السلام "وكيف لا يؤمن اصحابى وهم يرون ما يرون ولكن اعجب الناس ايمانا قوم يجيئون بعدى يؤمنون بى ولم يرونى ويصدقوننى ولم يرونى فاولئك اخوانى" تفسير : وفى الحديث اشارة الى ان الايمان المبنى على الشواهد القلبية اعلى من الايمان المبنى على الدلائل الخارجية وفى الكل فضل بحسب مقامه فأهل الايمان والتوحيد مطلقا مغفور لهم وعن ابى ذر رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال "حديث : يا ابا ذر جدد ايمانك بكرة وعشيا فان سريعا يندرس الاسلام حتى لا يدرى احد ما الصلاة وما الصيام وان واحدا منهم يقول ان من كان قبلنا يقولون لا اله الا الله ويدخلون هذه البيوت" (اى المساجد) قيل يا رسول الله اذا لم يصلوا ولم يصوموا فما يغنى عنهم قولهم لا اله الا الله قال عليه السلام "بهذه الكلمة ينجون من نار جهنم" تفسير : وعن حذيفة رضى الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : مات رجل من بنى اسرائيل من قوم موسى عليه السلام فاذا كان يوم القيامة يقول الله لملائكته انظروا هل تجدون لعبدى من حسنة يفوز بها اليوم فيقولون انا لا نجد سوى ان نقش خاتمه لا اله الا الله فيقول الله تعالى ادخلوا عبدى الجنة فقد غفرت له "

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {تؤمنون} بالتاء على وجه الخطاب للكفار على تقدير قل لهم يا محمد. الباقون بالياء على وجه الاخبار عنهم والتعجب منهم. لما اخبر الله تعالى عن القرآن بأنه تنزيل من الله وأن في السموات والأرض آيات ودلالات لمن نظر فيها تدل على الحق وأن في أنفس الخلق وإنزال الماء من السماء وإخراج النبات وبث انواع الحيوان أدلة لخلقه تدلهم على توحيد الله وحكمته لمن انعم النظر فيها، بين ها هنا أن ما ذكره أدلة الله التي نصبها لخلقه المكلفين لازاحة علتهم وانه يتلوها بمعنى يقرؤها على نبيه محمد ليقرءها عليهم بالحق دون الباطل. والتلاوة الاتيان بالثانى في أثر الأول في القراءة، فتلاوة الحروف بعضها بعضاً يكون في الكتابة والقراءة، وفلان يتلو فلاناً أي يأتي بعده، وفلان يتلو القرآن أي يقرؤه، والحق الذي تتلى به الآيات هو كلام مدلوله على ما هو به في جميع أنواعه. والفرق بين حديث القرآن وآياته ان حديثه قصص تستخرج منه عبر تدل على الحق من الباطل، والآيات هي الأدلة التي تفصل بين الصحيح والفاسد فهو مصروف في الأمرين ليسلك الناظر فيه الطريقين، لما له في كل واحد منهما من الفائدة في القطع بأحد الحالين في أمور الدين. ثم قال على وجه التهجين لهم إن هؤلاء الكفار إن لم يصدقوا بما تلوناه فبأي شيء بعده يؤمنون. ثم قال مهدداً لهم {ويل لكل أفاك أثيم} فالويل قيل: إنه واد سائل من جهنم صديد أهلها. وقيل: إن الويل كلمة يتلقى بها الكفار والفساق تتضمن استحقاقهم العقاب، والأفاك الكذّاب ويطلق ذلك على من يكثر كذبه او يعظم كذبه وإن كان في خبر واحد، ككذب مسيلمة في ادعاه النبوة. والأثيم ذو الاثم، وهو صاحب المعصية التي يستحق بها العقاب. ثم وصف هذا الأفاك الاثيم، فقال {يسمع آيات الله} أي حججه {تتلى عليه} أي تقرأ {ثم يصر} أي يقيم مصرّاً على كفره {مستكبراً} متجبراً عن النظر في آيات الله لا ينظر فيها ولا يعتبر بها {كأن لم يسمعها} أصلا. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يبشر من هذه صفته فقال {فبشره بعذاب أليم} أي مؤلم موجع. ثم عاد تعالى إلى وصفه فقال {وإذا علم من آياتنا شيئاً} اتخذها هزواً أي إذا علم هذا الافاك الاثيم من حجج الله تعالى وأدلته شيئاً وسمعها {اتخذها هزواً} أي سخر منها وتلهى بها، كما فعل ابو جهل حين سمع قوله {أية : إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} تفسير : ثم قال أولئك يعني من هذه صفته {لهم عذاب مهين} أي مذل لهم. ثم قال {من ورائهم جهنم} أي من بين أيديهم يعني يوم القيامة (جهنم) معدة لهم وإنما قيل: لما بين ايديهم من ورائهم، والوراء هو الخلف، لانه يكون مستقبل أوقاتهم بعد تقضيهم ومعناه ما توارى عنهم قد يكون قداماً وخلفاً فهو لهذه العلة يصلح فيه الوجهان ثم قال تعالى {ولا يغني عنهم} إذا جعلوا في جهنم ما كسبوه في دار الدنيا من جمع الاموال ولا شيئاً يغني عنهم أيضا {ما اتخذوا من دون الله أولياء} يتولونهم ويحبونهم لينصروهم ويدفعوا عنهم {ولهم عذاب عظيم} ووصفه بأنه عظيم، لانه مؤبد نعوذ بالله منه.

الجنابذي

تفسير : {تَلْكَ} المذكورات {آيَاتُ ٱللَّهِ} الدّالّة عليه او النّاشئة منه {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} متلبّسين او متلبّساتٍ بالحقّ الّذى هو الولاية المطلقة {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ} بعد انكاره {وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} كذّاب {أَثِيمٍ} بالغ فى الاثم.

الهواري

تفسير : قال الله عز وجل: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} أي: يصدقون. أي: ليس بعد ذلك إلا الباطل. كقوله: (أية : فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ) تفسير : [يونس:32]. قوله: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} أي: كذّاب {أَثِيمٍ} يعني المشرك {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ} على ما هو عليه من الشرك {مُسْتَكْبِرًا} أي: عن عبادة الله {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} يعني آيات الله، أي: بلى قد سمعها وقامت عليه الحجة بها. وقال مجاهد: يعني جميع المصرّين. {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} أي: موجع. قال: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا} قال بعضهم هو النضر بن الحارث {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. {مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} أي: أمامهم، كقوله: (أية : وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ)تفسير : [سورة إبراهيم:17]. وهي كلمة عربية، تقول للرجل: من ورائك كذا، لأمر سيأتي عليه. قال: {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئًا}. تفسير الحسن: ما عملوا من الحسنات يبطل الله أعمالهم في الآخرة. قال: {وَلاَ مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء} قال: ولا يغني عنهم تلك الأوثان التي عبدوها من دون الله شيئاً {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. قوله: {هَذَا} يعني القرآن {هُدًى} أي: يهتدون به إلى الجنة {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} أي: موجع.

اطفيش

تفسير : {تِلْكَ} الآيات {آيَاتُ اللهِ} حجة الدالة على وحدانيته* {نَتْلُوهَا} حال من {آيَات} وعاملة معنى الاشارة والنون التفات من الغيبة للتكلم تعظيماً وقرئ بالياء* {عَلَيْكَ} يا محمد* {بِالْحَقِّ} متعلقان بنتلو ويتعلق قوله بالحق بمحذوف حال من ضمير الرفع المستتر أو من ضمير النصب ويجوز كون {عَلَيْكَ} اسم فعل (وبالحق) متعلق به والحق العدل والصدق والاعلام لحقائق الأمور* {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} أي بعد آياته وذكر (الله) للتعظيم كقول من يعظم زيد (أعجبنى زيد وكرمه) أصل كلامه (أعجبنى كرم زيد) ثم كرر (زيد) أولاً وكرمه ثانياً ليسند الاعجاب الى زيد ثم أتى كرمه أو يقدر مضاف أي (بعد حديث الله وآياته) فحديثه القرآن لقوله {أية : الله نزل أحسن الحديث} تفسير : (وآياته) دلائله أو القرآن أيضاً والعطف لتغاير أحسن الحديث والآيات مفهوماً وان تجد ما صدق. وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بالتاء المثناة فوق والاولى موافقة (ليعقلون ويوقنون) وفي الآية تهويل وتوبيخ

اطفيش

تفسير : {تِلْك} الآيات القرآنية، أو آيات السورة، أو السماوات والأرض وخلقكم، وما بث من دابة، واختلاف الملوين والماء والتصريف {آياتُ الله نَتلوها عَليْك} تلو قراءة بواسطة جبريل عليه السلام وإسناد التلو الى الله سحانه وتعالى مجاز عقلى، أو على حذف مضاف، أى يتلوها ملكنا جبريل، ومعنى تلو السماوات والأرض، وخلقكم وما يبث الخ قراءة الألفاظ الدالة عليها، كما فسرت بالسرد المفسر بالتلفظ، وقد علمت أن المتلفظ جبريل عليه السلام، أو التلو الجرى على أيدينا فى شأنها، والجملة حال من آيات، لأنه أخبر به عن الاشارة، وفى الاشارة حدث يصح تقيده بالحال {بالحقِّ} حال من ها، أو من المستتر، والباء للملابسة أو اللسببية الغائبة، وهكذا قل فى غير هذا الموضع. {فبأي حديثٍ} إذ لم يؤمنوا بآياتنا المذكورة ولا بغيرها، فبأى حديث {بَعْد الله وآياته يؤمنُون} قيل المراد بعد آيات الله وذكر لفظ الجلالة، وأضمر له ثانيا للتأكيد، كقولك أعجبنى زيد وكرمه، فى تأكيد أعجبنى زيد، وليس ذلك حكما بزيادة لفظ الجلالة، وزيادة العاطف، وابدال آيات بدل اشتمال من لفظ الجلالة، وقيل التقدير فبأى حديث بعد حديث الله أى القرآن، كما أطلق عليه لفظ الحديث فى قوله تعالى: "أية : الله نزل أحسن الحديث" تفسير : [الزمر: 23] أى الحديث الأحسن.

الالوسي

تفسير : {تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ} مبتدأ وخبر، وقوله تعالى: {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } حال عاملها معنى الإشارة نحو {أية : وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخًا } تفسير : [هود: 72] على المشهور، وقيل: هو الخبر و {آيَـٰتُ ٱللَّهِ} بدل أو عطف بيان وقوله سبحانه: {بِٱلْحَقّ } حال من فاعل {نَتْلُوهَا } أو من مفعوله أي نتلوها محقين أو ملتبسة بالحق فالباء للملابسة ويجوز أن تكون للسببية الغائية. والمراد بالآيات المشار إليها إما آيات القرآن أو السورة أو ما ذكر قبل من السمٰوات والأرض وغيرهما فتلاوتها بتلاوة ما يدل عليها، وفسرت بالسرد أي نسردها عليك. وقال ابن عطية: الكلام بتقدير مضاف أي نتلوا شأنها وشأن العبرة بها. وقرىء {يتلوها} بالياء على أن الفاعل ضميره تعالى والمراد على القراءتين تلاوتها عليه صلى الله عليه وسلم بواسطة الملك عليه السلام. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} هو من باب قولهم: أعجبني زيد وكرمه يريدون أعجبني كرم زيد إلا أنهم عدلوا عنه للمبالغة في الإعجاب أي فبأي حديث بعد هذه الآيات المتلوة بالحق يؤمنون، وفيه / دلالة على أنه لا بيان أزيد من هذا البيان ولا آية أدل من هذه الآية، وتفخيم شأن الآيات من اسم الإشارة وإضافتها إلى الله عز وجل. وجعل {نَتْلُوهَا } حالاً مع ضمير التعظيم ثم تكرير الاسم الجليل للنكتة المذكورة وإضافتها إليه بواسطة الضمير مرة أخرى، وقد ذكر ذلك الزمخشري وتعقبه أبو حيان بأنه ((ليس بشيء لأن فيه من حيث المعنى إقحام الأسماء من غير ضرورة والعطف، والمراد غير العطف من إخراجه إلى باب البدل لأن تقدير كرم زيد إنما يكون في أعجبني زيد كرمه بغير واو على البدل وهذا قلب لحقائق النحو، وإنما المعنى في المثال أن ذات زيد أعجبته وأعجبه كرمه فهما إعجابان لا إعجاب واحد)) وهو مبني على عدم التعمق في فهم كلام جار الله. ومن تعمق فيه لا يرى أنه قائل بالإقحام وإنما بيان حاصل المعنى يوهمه، وبين هذه الطريقة وطريقة البدل مغايرة تامة، فقد ذكر أن فائدة هذه الطريقة وهي طريقة إسناد الفعل إلى شيء والمقصود إسناده إلى ما عطف عليه قوة اختصاص المعطوف بالمعطوف عليه من جهة الدلالة على أنه صار من التلبس بحيث يصح أن يسند أوصافه وأفعاله وأحواله إلى الأول قصداً لأنه بمنزلته ولا كذلك البدل لأن المقصود فيه بالنسبة هو الثاني فقط وهنا هما مقصودان. فإن قلت: إذا لم يكن ذلك الوصف منسوباً للمعطوف عليه لزم إقحامه كما قال أبو حيان، وما يذكر من المبالغة لا يدفع المحذور، وعلى فرض تسليمه فدلالته على ما ذكر بأي طريق من طرق الدلالة المشهورة. أجيب بأنه غير منسوب إليه في الواقع لكن لما كان بينهما ملابسة تامة من جهة ما ككون الآيات هٰهنا بإذنه تعالى أو مرضية له عز وجل جعل كأنه المقصود بالنسبة وكنى بها عن ذلك الاختصاص كناية إيمائية ثم عطف عليه المنسوب إليه وجعل تابعاً فيها وبهذا غاير البدل مغايرة تامة غفل عنها المعترض فالنسبة بتمامها مجازية كذا قرره بعض المحققين. وقال الواحدي: أي فبأي حديث بعد حديث الله أي القرآن وقد جاء إطلاقه عليه في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ } تفسير : [الزمر: 23] وحسن الإضمار لقرينة تقدم الحديث، وقوله سبحانه: {وَءايَـٰتِهِ } عطف عليه لتغايرهما إجمالاً وتفصيلاً لأن الآيات هي ذلك الحديث ملحوظ الأجزاء، وإن أريد ما بين فيه من الآيات والدلائل فليس من عطف الخاص على العام لأن الآيات ليست من القرآن وإنما وجه دلالتها وإيرادها منه فيكون في هذا الوجه الدلالة أيضاً على حال البيان والمبين كما في الوجه الأول. وقال الضحاك: أي فبأي حديث بعد توحيد الله ولا يخفى أنه بظاهره مما لا معنى له فلعله أراد بعد حديث توحيده تعالى أي الحديث المتضمن ذلك أو هو بعد تقدير المضاف من باب أعجبني زيد وكرمه. وأياً ما كان فالفاء في جواب شرط مقدر والظرف صفة {حَدِيثُ } وجوز أن يكون متعلقاً بيؤمنون قدم للفاصلة. وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي {تؤمنون} بالتاء الفوقانية وهو موافق لقوله تعالى: {أية : وَفِي خَلْقِكُمْ } تفسير : [الجاثية: 4] بحسب الظاهر والصورة وإلا فالمراد هنا الكفار بخلاف ذلك. وقرأ طلحة {توقنون} بالتاء الفوقانية والقاف من الإيقان.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون الإشارة وبيانها بآيات الله إشارة إلى الآيات المذكورة في قوله { أية : لآيات للمؤمنين } تفسير : [الجاثية: 3] وقوله: { أية : آيات لقوم يوقنون } تفسير : [الجاثية: 4] وقوله: { أية : آيات لقوم يعقلون } تفسير : [الجاثية: 5]. وإضافتها إلى اسم الجلالة لأن خالقها على تلك الصفات التي كانت لها آيات للمستنصرين. وجملة {نتلوها عليك بالحق} في موضع الحال من {آيات الله} والعامل في اسم الإشارة من معنى الفعل على نحو قوله تعالى: { أية : وهذا بَعْلِي شيخاً } تفسير : [هود: 72]. والتلاوة: القراءة. ومعنى كون الآيات مَتلوة أنّ في ألفاظ القرآن المتلوة دلالة عليها فاستعمال فعل (نتلو) مجاز عقلي لأن المتلوَ ما يدل عليها. ويجوز أن تكون الإشارة إلى حاضر في الذهن غير مذكور لما دَل عليه قوله: { أية : الكتاب } تفسير : [الجاثية: 2] أي تلك آيات الله المنزلة في القرآن، فيكون استعمال فعل {نتلوها} في حقيقته. وإسناد التلاوةِ إلى الله مجاز عقلي أيضاً لأن الله موجد القرآن المتلو الدال على تلك الآيات. وقوله: {فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون}، و{بعد} هنا بمعنى (دون). فالمعنى: فبأي حديث دون الله وآياته، وتقدم قوله تعالى: { أية : ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده } تفسير : في سورة الشورى (44)، وفي الأعراف (185) { أية : فبأي حديث بعده يؤمنون }. تفسير : والاستفهام في قوله: {فبأي حديث} مستعمل في التأييس والتعجيب كقول الأعشى: شعر : فمن أيِّ ما تأتي الحوادث أفرَقُ تفسير : وإضافة {بعد} إلى اسم الجلالة على تقدير مضاف دل عليه ما تقدم من قوله: {فبأي حديث}، والتقدير: بعد حديث الله، أي بعد سماعه، كقول النابِغة: شعر : وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي على وعل في ذي المطارة عاقل تفسير : أي على مخافة وعل. واسم {بعد} مستعمل في حقيقته. والمراد بالحديث: الكلام، يعني القرآن كقوله: { أية : الله نَزَّل أحسن الحديث } تفسير : [الزمر: 23] وكما وقع إضافة حديث إلى ضمير القرآن في قوله في الأعراف (185) { أية : فبأيّ حديث بعده يؤمنون } تفسير : وفي آخر المرسلات (50) { أية : فبأيّ حديث بعده يؤمنون }. تفسير : وعطف و{آياته} على {حديث} لأن المراد بها الآيات غير القرآن من دلائل السموات والأرض مما تقدم في قوله: { أية : إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } تفسير : [الجاثية: 3]. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص وأبو جعفر وروح عن يعقوب {يؤمنون} بالتحتية. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ورويس عن يعقوب بالتاء الفوقية فهو التفات.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ}. أشار جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى آيات القرآن العظيم، وبين لنبيه أنه يتلوها عليه، متلبسة بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه. وما ذكره جل وعلا في آية الجاثية هذه، ذكره في آيات أخر بلفظه كقوله تعالى في البقرة: {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِين تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ}تفسير : [البقرة: 251-252] وقوله تعالى في آل عمران:{أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِين}تفسير : [آل عمران: 107-108] وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {تلك} بمعنى هذه. ومن أساليب اللغة العربية إطلاق الإشارة إلى البعيد على الإشارة إلى القريب كقوله:{أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ}تفسير : [البقرة: 2] بمعنى هذا الكتاب. كما حكاه البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ومن شواهده قول خفاف بن ندبة السلمي: شعر : فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمداً على عيني تيممت مالكا أقول له والرمح يأطر متنه تأمل خفافاً إنني أنا ذالكا تفسير : يعني أنا هذا. وقد أوضحنا هذا المبحث وذكرنا أوجهه في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب) في أول سورة البقرة وقوله تعالى: {نتلوها} أي نقرؤها عليك. وأسند جل وعلا تلاوتها إلى نفسه لأنها كلامه الذي أنزله على رسوله بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه عليه مبلغاً عنه جل وعلا. ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}تفسير : [القيامة: 16-19]. فقوله: فإذا قرأناه أي قرأه عليك المرسل به، من قبلنا مبلغاً عنا، وسمعته منه، فاتبع قرآنه أي فاتبع قراءته واقرأه كما سمعته يقرؤه. وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: {أية : وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}تفسير : [طه: 114]. وسماعه صلى الله عليه وسلم القرآن من الملك المبلغ عن الله كلام الله وفهمه له هو معنى تنزله إياه على قلبه في قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 97] وقوله تعالى:{أية : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}تفسير : [الشعراء: 192-195] وقوله تعالى في هذه الآية: {تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ}[الجاثية: 6] يعني آياته الشرعية الدينية. واعلم أن لفظ الآية، يطلق في اللغة العربية إطلاقين، وفي القرآن العظيم إطلاقين أيضاً. أما إطلاقاه في اللغة العربية. فالأول منهما وهو المشهور في كلام العرب، فهو إطلاق الآية بمعنى العلامة، وهذا مستفيض في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان: شعر : توهمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع تفسير : ثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار في قوله بعده: شعر : رماد ككحل العين لأياً أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع تفسير : وأما الثاني منهما فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء بآيتهم أي بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر: شعر : خرجنا من النقبين لا حي مثلنا بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا تفسير : وقوله: بآياتنا يعني بجماعتنا. وأما إطلاقاه في القرآن العظيم: فالأول منهما إطلاق الآية الشرعية الدينية كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله تعالى هنا: {تَلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ} الآية. وأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية كقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [آل عمران: 190]. أما الآية الكونية القدرية فهي بمعنى الآية اللغوية التي هي العلامة، لأن الآيات الكونية علامات قاطعة، على أن خالقها هو الرب المعبود وحده. وأما الآية الشرعية الدينية، فقال بعض العلماء: إنها أيضاً من الآية التي هي العلامة، لأن آيات هذا القرآن العظيم، علامات على صدق من جاء بها، لما تضمنته من برهان الإعجار، أو لأن فيها علامات يعرف بها مبدأ الآيات ومنتهاها. وقال بعض العلماء إنها من الآية بمعنى الجماعة، لتضمنها جملة من كلمات القرآن وحروفه. واختار غير واحد أن أصل الآية أيية بفتح الهمزة وفتح الياءين بعدها، فاجتمع في الياءين موجباً إعلال، لأن كلا منهما متحركة أصلية بعد فتح متصل، كما أشار له في الخلاصة بقوله: شعر : من واو وياء بتحريك أصل ألفاً أبدل بعد فتح متصل تفسير : إن حراك التالي.... الخ. والمعروف في علم والمعروف في علم التصريف، أنه إن اجتمع موجباً إعلال في كلمة واحدة فالأكثر في اللغة العربية تصحيح الأول منهما، وإعلال الثاني بإبداله ألفا كالهوى والنوى والطوى والشوى، وربما صحح الثاني وأعل الأول كغاية، وراية، وآية على الأصح، من أقوال عديدة، ومعلوم أن إعلالهما لا يصح، ولهذا أشار فى الخلاصة بقوله: شعر : من واو وياء بتحريك أصل ألفاً أبدل بعد فتح متصل تفسير : إن حرك التالي... إلخ. والمعروف في علم التصريف، أنه إن اجتمع موجباً إعلال في كلمة واحدة فالأكثر في اللغة العربية تصحيح الأول منها، وإعلال الثاني بإبداله ألفا كالهوى والنوى والطوى والشوى، وربما صحح الثاني وأعل الأول كغاية وراية، وآية على الأصح، من اقوال عديدة، ومعلوم أن إعلالهما لا يصح، ولهذا أشار في الخلاصة بقوله: شعر : وإن لحرفين ذا الإعلال استحق صحح أول وعكس قد يحق تفسير : قوله تعالى: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن من كفر بالله وبآيات الله ولم يؤمن بذلك مع ظهور الأدلة والبراهين على لزوم الإيمان بالله، وآياته أنه يستبعد، أن يؤمن بشئ آخر، لأنه لو كان يؤمن بحديث لآمن بالله وبآياته لظهور الأدلة على ذلك، وأن من لم يؤمن بآيات الله متوعد بالويل، وأنه أفاك أثيم، والأفاك: كثير الإفك وهو أسوأ الكذب، والأثيم: هو مرتكب الإثم بقلبه وجوارحه، فهو مجرم بقلبه ولسانه وجوارحه، قد ذكره تعالى في غير هذا الموضع فتوعد المكذبين لهذا القرآن، بالويل يوم القيامة، وبين استبعاد إيمانهم، بأي حديث بعد أن لم يؤمنوا بهذا القرآن، وذلك بقوله في آخر المرسلات: {أية : وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [المرسلات: 48-50] فقوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} كقوله هنا {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}. وقد كرر تعالى وعيد المكذبين بالويل في سورة المرسلات كما هو معلوم وقوله في آخر المرسلات: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} كقوله هنا في الجاثية: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}. ومعلوم أن الإيمان بالله على الوجه الصحيح، يستلزم الإيمان بآياته، وأن الإيمان بآياته كذلك يستلزم الإيمان به تعالى، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} يدل على أن من يسمع القرآن يتلى ثم يصر على الكفر والمعاصي في حالة كونه متكبراً عن الانقياد إلى الحق الذي تضمنته آيات القرآن كأنه لم يسمع آيات الله، له البشارة يوم القيامة بالعذاب الأليم وهو الخلود في النار، وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى في لقمان:{أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِيۤ أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [لقمان: 7] وقوله تعالى في الحج:{أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكُمُ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }تفسير : [الحج: 72] وقوله تعالى:{أية : وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ}تفسير : [محمد: 16]، فقوله تعالى عنهم: ماذا قال آنفاً: يدل على أنهم ما كانوا يبالون بما يتلو عليهم النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والهدى. وقد ذكرنا كثيراً من الآيات المتعلقة بهذا المبحث في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ}تفسير : [فصلت: 4-5] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} خففت فيه لفظة كأن، ومعلوم أن كأن إذا خففت كان اسمها مقدراً وهو ضمير الشأن والجملة خبرها كما قال في الخلاصة: شعر : وخففت كأن أيضاً فنوى منصوبها وثابتاً أيضاً روى تفسير : وقد قدمنا في أول سورة الكهف: أن البشارة تطلق غالباً على الإخبار بما يسر، وأنها ربما أطلقت في القرآن وفي كلام العرب على الإخبار بما يسوء أيضاً. وأوضحنا ذلك بشواهده العربية، وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}. قال بعض العلماء: {وَيْلٌ} واد في جهنم. والأظهر أن لفظة {وَيْلٌ} كلمة عذاب وهلاك، وأنها مصدر لا لفظ له من فعله، وأن المسوغ للابتداء بها مع أنها نكرة كونها في معرض الدعاء عليهم بالهلاك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {فَبَأَيّ حَدِيث بَعْدَ اللَّهِ وَءَايَاتِهِ يُؤْمِنُونَ}. قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو وحفص، عن عاصم: يؤمنون بياء الغيبة. وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم تؤمنون بتاء الخطاب. وقرأه ورش عن نافع والسوسي عن أبى عمرو يومنون بإبدال الهمزة واواً وصلاً ووقفاً. وقرأه حمزة بإبدال الهمزة واواً في الوقف دون الوصل. والباقون بتحقيق الهمزة مطلقاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تلك آيات الله: أي تلك الآيات المذكورة آيات الله أي حججه الدالة على وحدانيته. نتلوها عليك بالحق: أي نخبرك عنها بالحق لا بالباطل كما يخبر المشركون عن آلهتهم أنها تقربهم إلى الله زلفى كذبا وباطلا. فبأي حديث بعد الله وآياته: أي فبأي حديث أيها المشركون بعد حديث الله هذا الذي يتلوه عليكم وبعد حججه هذه. تؤمنون: أي تصدقون والجواب أنكم لا تؤمنون. ويل لكل أفاك أثيم: أي عذاب الويل لكل كذاب ذي آثام كبيرة وكثيرة. يسمع آيات الله تتلى عليه: أي يسمع آيات القرآن كتاب الله تقرأ عليه. ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها: أي ثم يصر على الكفر حال كونه مستكبرا عن الإيمان والتوحيد كأن لم يسمعها. وإذا علم من أياتنا شيئاً: أي إذا بلغه شيء من القرآن وعلم أنه من القرآن. اتخذها هزوا: أي اتخذ تلك الآية أو الآيات مهزواً بها متهكما ساخراً منها. لهم عذاب مهين: أي ذو إهانة لهم يهانون به وتكسر أنوفهم. من ورائهم جهنم: أي أمامهم جهنم وذلك يوم القيامة، والوراء يطلق على الأمام كذلك. ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيئاً: أي لا يكفى عنهم ما كسبوه من المال والأفعال التي كانوا يعتزون بها شيئاً من الإِغناء. ولا ما اتخذوا من دون الله من أولياء: أي ولا يغني عنهم كذلك ما اتخذوه من أصنام آلهة عبدوها دون الله تعالى. هذا هدىً: أي هذا القرآن الذي أنزله الله تعالى على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم هُدىً أي كله حجج وبراهين ودلالات هادية. والذين كفروا بآيات ربهم: أي والذين كفروا بالقرآن فلم يهتدوا به وبقوا على ضلالهم من الشرك والمعاصي. لهم عذاب من رجز أليم: أي لهم عذاب موجع من نوع الرجز وهو أشد أنواع العذاب. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في طلب هداية قريش فبعد أن بيّن تعالى آياته في الآفاق وفي الأنفس قال لرسوله صلى الله عليه وسلم تلك آيات الله أي تلك الآيات المذكورة أي آيات الله أي حججه الدالة على وجوده وعلمه وقدرته وموجبة لربوبيته على خلقه وألوهيته فهو الإِله الحق الذي لا إله إلا هو حق سواه. وقوله فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون أي إن لم يؤمن هؤلاء المشركون بالله رباً وإلهاً لا رب غيره ولا إله سواه، وبآياته القرآنية الحاملة للهدى والخير والنور فبأي شيء يؤمنون أي يصدقون لا شيء يؤمنون لأن الاستفهام إنكاري والإنكار كالنفي في معناه. وقوله {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها هذا وعيد من الله تعالى شديد لكل كذاب يقلب الكذب فيصف الطاهر بالخبيث والخبيث بالطيب والكاذب بالصادق، والصادق بالكاذب أثيم منغمس في كبائر الإثم والفواحش، يسمع هذا الأفاك الأثيم آيات الله تتلى عليه وهي القرآن الكريم، ثم يصر على الكفر مستكبرا عن الإيمان به وبما يدعو إليه من التوحيد، كأن لم يسمع تلك الآيات. قال تعالى لرسوله فبشره بعذاب أليم وقوله تعالى وإذا علم أي ذلك الأفاك الأثيم من آياتنا شيئاً كأن تبلغه الآية أو الآيات من القرآن اتخذها هزواً أي أخذ يهزأ بها ويسخر منها، ويواصل ذلك فيجعلها هزواً بها، قال تعالى: أولئك أي الأفاكون الآثمون وما أكثرهم لهم عذاب مهين أي فيه إهانة زائده تنكسر منها أنوفهم التي كانت تأنف الحق وتستكبر عنه. وقوله تعالى: {مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} هذا وعيد لهم تابع للأول إذ أخبر تعالى أن من ورائهم جهنم وذلك يوم القيامة ولفظ الوراء يطلق ويراد به الأمام فهو من الألفاظ المشتركة في معنيين فأكثر وقوله {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً} أي ولا يكفى عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا جاههم ولا كل ما كسبوا في هذه الدنيا أي لا يدفع ذلك عنهم شيئا من العذاب، وكذلك لا تغني عنهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله شيئا من دفع العذاب. ولهم عذاب عظيم لا يقادر قدره، وكيف والعظيم جل جلاله وصفه بأنه عظيم. وقوله تعالى: {هَـٰذَا هُدًى} أي هذا القرآن هدى أي يخرج من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإِيمان ومن الشرك إلى التوحيد لما فيه من الهدى والنور، ولما يدعو إليه من الحق والعدل والخير والذين كفروا به وأعرضوا عنه وهو آيات الله وحججه على خلقه هؤلاء لهم عذاب من رجز أليم أي عذاب هو من أشد أنواع العذاب لأنهم بالكفر بالآيات لم يزكوا أنفسهم ولم يطهروها فماتوا على أخبث النفوس وشرها فلا جزاء لهم إلا رجز العذاب. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- القرآن نور وأعظم نور فمن لم يهتد عليه لا يرجى له الهداية أبداً. 2- الوعيد الشديد لأهل الإِفك والآثام، والإِفك الكذب المقلوب. 3- شر الناس من إذا سمع آيات الله استهزأ وسخر منها أو ممن يتلوها. 4- لم يغن عمن مات على الكفر شيء من كسب في هذه الحياة الدنيا من مال وولده وجاه وسلطان. 5- لم يغن عمن المشرك ما كان يعبد من دون الله أو مع الله من أصنام وأوثان وملائكة أو أنبياء أو أولياء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُ} {وَآيَاتِهِ} (6) - هذِه آياتُ القُرآنِ، بِمَا فِيها مِنَ الحُجَجِ وَالبَيِّنَاتِ، نَتلُوهَا عَلَيكَ وَهِيَ مُتَضَمِّنةٌ الحَقَّ، فإِذا كَانُوا لا يُؤْمِنُون بِها، وَلاَ يَنْقَادُونَ إِليها، فَبِأَيِّ حَدِيثٍ، وَبِأَيَّةِ آيةٍ وَحُجَّةٍ يُؤْمِنُ هؤُلاءِ وَيُصَدِّقونَ، بَعْدَ حَدِيثِ اللهِ، وَبَعْدَ حُجَجِهِ وَبَراهِينهِ وَآيَاتِهِ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {تَلْكَ ..} [الجاثية: 6] إشارةٌ إلى آيات القرآن، أو إلى الآيات الكونية التي سبقتْ {نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ..} [الجاثية: 6] والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغيَّر ويقابله الباطل، الحق هو الحكم بقضية مطابقة للواقع، والباطل الحكم بقضية مخالفة للواقع. لذلك قلنا: إن شاهد الحق لا تتغيَّر أقواله مهما أعدْتَ عليه السؤال، أما شاهد الزور فهو لا بدَّ أنْ يُغيِّر في أقواله، ذلك لأن شاهد الحق يُصوِّر واقعاً فيأتي واحداً لا يتغير، وشاهد الزور يُصوِّر أوهاماً وتخيُّلات فلا بدَّ أنْ تتغيَّر. لذلك الحق سبحانه يريد منَّا أنْ نأخذَ بالحقِّ، وأن نجعله مقياساً للأشياء كلها كما نتخذ المتر مثلاً وحدةَ للقياس ولا نخرج عنها. يريد منا أنْ نحكم بالحقِّ وأنْ نجعله أساساً في بناء الأشياء، فالساعة لا تضبط لك التوقيت إلا إذا كانتْ هي في ذاتها منضبطة. لذلك قال تعالى في آيتي الشمس والقمر: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5] يعني: مخلوقان بحساب دقيق، ولأنهما خُلِقا بحسبان جعلهما الله تعالى آلةً لحساب الزمن، فالشيء الذي تعتبره مقياساً لا بدَّ أنْ تقيسه أولاً على الحق وتُقيمه على الحق. لذلك أخبر سبحانه أنه خلق السماوات والأرض بالحقِّ، فهي تسير بميزان دقيق محكم لا يتخلف أبداً منذ خلق اللهُ هذا الكونَ وإلى قيام الساعة. وقلنا: لأن الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغيَّر فهو الباقي، وهو المنتصر، وهو الذي يعلو في نهاية الصراع، وإنْ علاَ الباطل فلحين وليعطيَ فرصةً للباطل حتى يعضَّ الناس ويَِشْقى به المجتمع فيعود الناسُ إلى ساحة الحق. لذلك نقول: إن الباطل جنديٌّ من جنود الحق، وإذا كان الإسلامُ قد عَلاَ في جزيرة العرب لإعجاز القرآن، فكيف علاَ وانتشر في بلاد فارس والروم. قالوا: لأنهم كانوا في ذلك الوقت مقهورين بالباطل، فلما رأوا عدل الإسلام وسماحته أسرعوا إليه؛ لذلك فتح الإسلامُ نصف الدنيا في نصف قرن من الزمان، لأن الناسَ كانت مُتشوِّقة إلى مثل هذا الدين الحق. والحق سبحانه يريد أنْ يعطينا صورة محسوسة تُصوِّر الحق وتصور الباطل في لوحة واحدة، فيقول عز وجل: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. وقوله سبحانه: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِ يُؤْمِنُونَ} [الجاثية: 6] يعني: إذا لم تقنعهم كلُّ هذه الآيات الكونية وكلُّ هذا الإعجاز، وإذا لم يقنعهم كلام الله فبأيِّ شيء يؤمنون بعد ذلك. إذن: المسألة بالنسبة لهم عناد ولَدد، فإذا لم يُقنعهم حديثُ الله فأيُّ حديث بعده يقنعهم. ونسألهم: أهناك حديث أصدق من حديث الله؟ أو إخبار أصدق من إخباره؟ إنه سبحانه يتودَّد إليكم ببيان آياته في كونه لتؤمنوا وليأخذ بأيديكم إلى ساحة الإيمان وهو الغني عنكم، فقط يحرص عليكم لأنكم عباده وصَنْعته ويريدكم في أحسن حال. لذلك أرسل لكم الرسل، وأنزل لكم الكتب، وبيَّن لكم الحلال والحرام والحق والباطل فَلِمَ اللدد؟ ولِمَ العناد في الإيمان؟ مع أن الإيمان بالله شَرَفٌ، والعبودية له سبحانه عزة، كلمة عبودية كلمة ممقوتة تدل على الذلة والانكسار، أما مع الله فهي شرف وكرامة وعزة.