٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بيّن الآيات للكفار وبين أنهم بأي حديث يؤمنون إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها، أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: {وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } الأفاك الكذب والأثيم المبالغ في اقتراف الآثام، واعلم ن هذا الأثيم له مقامان: المقام الأول: أن يبقى مصراً على الإنكار والاستكبار، فقال تعالى: {يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ } أي يقيم على كفره إقامة بقوة وشدة {مستكبراً} عن الإيمان بالآيات معجباً بما عنده، قيل نزلت في النضر بن الحرث وما كان يشتري من أحاديث الأعاجم ويشغل بها الناس عن استماع القرآن والآية عامة في كل من كان موصوفاً بالصفة المذكورة، فإن قالوا ما معنى ثم في قوله {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً }؟، قلنا نظيره قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } إلى قوله { أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 1] ومعناه أنه تعالى لما كان خالقاً للسموات والأرض كان من المستبعد جعل هذه الأصنام مساوية له في العبودية كذا ههنا سماع آيات الله على قوتها وظهورها من المستبعد أن يقابل بالإنكار والإعراض. ثم قال تعالى: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } الأصل كأنه لم يسمعها والضمير ضمير الشأن ومحل الجملة النصب على الحال أي يصير مثل غير السامع. المقام الثاني: أن ينتقل من مقام الإصرار والاستكبار إلى مقام الاستهزاء فقال: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَـٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً } وكان من حق الكلام أن يقال اتخذه هزواً أي اتخذ ذلك الشيء هزواً إلا أنه تعالى قال: {ٱتَّخَذَهَا } للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم خاض في الاستهزاء بجميع الآيات ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد. ثم قال تعالى: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } أولئك إشارة إلى كل أفاك أثيم لشموله جميع الأفاكين، ثم وصف كيفية ذلك العذاب المهين فقال: {مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ } أي من قدامهم جهنم، قال صاحب «الكشاف»: الوراء اسم للجهة التي توارى بها الشخص من خلف أو قدام، ثم بيّن أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم فقال: {وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً }. ثم بيّن أن أصنامهم لا تنفعهم فقال: {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء }. ثم قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } فإن قالوا إنه قال قبل هذه الآية {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } فما الفائدة في قوله بعده {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } قلنا كون العذاب مهيناً يدل على حصول الإهانة مع العذاب وكونه عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في كونه ضرراً. ثم قال: {هَـٰذَا هُدًى } أي كامل في كونه هدىً {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } والرجز أشد العذاب بدلالة قوله تعالى: { أية : فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [البقرة: 59] وقوله { أية : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرّجْزَ } تفسير : [الأعراف: 134] وقرىء {أَلِيمٌ } بالجر والرفع، أما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً، ومن رفع كان المعنى له عذاب أليم ويكون المراد من الرجز الرجس الذي هو النجاسة ومعنى النجاسة فيه قوله { أية : وَيُسْقَىٰ مِن مَّاء صَدِيدٍ } تفسير : [إبراهيم: 16] وكأن المعنى لهم عذاب من تجرع رجس أو شرب رجس فتكون من تبييناً للعذاب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } «وَيْلٌ» وادٍ في جهنم. توعد من ترك الاستدلال بآياته. والأفّاك: الكذاب. والإفك الكذب. «أَثِيمٍ» أي مرتكب للإثم. والمراد فيما رُوِيَ: النضرُ بن الحارث وعن ابن عباس أنه الحارث بن كَلَدة. وحكى الثعلبي أنه أبو جهل وأصحابه. {يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ} يعني آيات القرآن. {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً} أي يتمادى على كفره متعظماً في نفسه عن الانقياد؛ مأخوذ من صرّ الصُّرة إذا شدّها. قال معناه ابن عباس وغيره. وقيل: أصله من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحني عليها صارًّا أذنيه. و «أنْ» من «كأَنْ» مخففة من الثقيلة؛ كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن؛ كما في قوله:شعر : كأَنْ ظَبْيَةً تَعْطُو إلى ناضر السَّلَمْ تفسير : ومحل الجملة النصب، أي يصرّ مثل غير السامع. وقد تقدّم في أوّل «لقمان» القول في معنى هذه الآية. وتقدّم معنى {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} في «البقرة».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيْلٌ } كلمة عذاب {لّكُلِّ أَفَّاكٍ } كذّاب {أَثِيمٍ } كثير الإِثم.
ابن عطية
تفسير : الويل في كلام العرب: المصائب والحزن والشدة من هذه المعاني، وهي لفظة تستعمل في الدعاء على الإنسان. وروي في بعض الآثار أن في جهنم وادياً اسمه: {ويل}، وذهب الطبري إلى أنه المراد بالآية، ومقتضى اللغة أنه الدعاء على أهل الإفك والإثم بالمعاني المتقدمة. والأفاك: الكذاب الذي يقع منه الإفك مراراً. والأثيم: بناء مبالغة، اسم فاعل من أثم يأثم. وروي أن سبب هذه الآية أبو جهل، وقيل النضر بن الحارث، والصواب أن سببها ما كان المذكوران وغيرهما يفعل، وأنها تعم كل من دخل تحت الأوصاف المذكورة إلى يوم القيامة: و: {يصر} معناه: يثبت على عقيدته من الكفر. وقوله: {فبشره بعذاب} حسن ذلك لما أفصح عن العذاب، ولو كانت البشارة غير مقيدة بشيء لما حصلت إلا على المحاب. وقرأ جمهور الناس: "وإذا عَلِمَ" بفتح العين وتخفيف اللام، والمعنى: وإذا أخبر بشيء {من آياتنا} فعلم نفس الخبر لا المعنى الذي تضمنه الخبر ولو علم المعاني التي تضمنها إخبار الشرع وعرف حقائقها لكان مؤمناً. وقرأ قتادة ومطر الوراق "عُلِّم" بضم العين وشد اللام. وقوله: {أولئك} رد على لفظ كل أفاك، لأنه اسم جنس له الصفات المذكورة بعد قوله: {من ورائهم جهنم} قال فيه بعض المفسرين معناه: من أمامهم، وهذا نحو الخلاف الذي في قوله تعالى: {أية : وكان وراءهم ملك} تفسير : [الكهف: 79] ولحظ قائل هذه المقالة الأمر من حيث تأول أن الإنسان كأنه من عمره يسير إلى جنة أو نار، فهما أمامه، وليس لفظ الوراء في اللغة كذلك، وإنما هو ما يأتي خلف الإنسان، وإذا اعتبر الأمر بالتقدم أو التأخر في الوجود، على أن الزمان كالطريق للأشياء استقام الأمر، فما يأتي بعد الشيء في الزمان فهو وراءه، فكأن الملك وأخذه السفينة وراء ركوب أولئك إياها، وجهنم وإحراقها للكفرة يأتي بعد كفرهم وأفعالهم، وهذا كما تقول: افعل كذا وأنا من ورائك عضداً، وكما تقول ذلك على التهديد، أنا من وراء التقصي عليك، ونحو هذا. وقوله تعالى: {ولا ما اتخذوا} يعني بذلك الأوثان. وقوله تعالى: {هذا هدى} إشارة إلى القرآن. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص: "أليمٌ" على النعت لـ {عذاب} وهي قراءة ابن محيصن وابن مصرف وأهل مكة. وقرأ الباقون: "أليمٍ" على النعت لـ {رجز} وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وشيبة وعيسى والأعمش. والرجز: أشد العذاب. وقوله: {لهم عذاب} بمنزلة قولك: لهم حظ، فمن هذه الجهة ومن جهة تغاير اللفظتين حسن قوله: {عذاب من رجز} إذ الرجز هو العذاب.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَفَّاكٍ} كذاب، أو مكذب بربه، أو كاهن.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ...} الآية لما بين الآيات للكفار، وبين أنهم إذا لم يؤمنوا بها مع ظهورها فبأي حديث بعدها يؤمنون أتبعه بوعيد عظيم لهم فقال: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} والأفاك الكذاب، والأثيم المُبَالغ في اقتراف الإثم، وهو أن يبقى مصراً على الإنكار، والاستكبار. قال المفسرون: يعني النَّضْرَ بن الحارث، والآية عامة في من كان موصوفاً بهذه الصفة. قوله: "يَسْمَعُ" يجوز أن يكون مستأنفاً، أي هو يسمع، أو دون إضمار "هو" وأن يكون حالاً من الضمير في "أثيم" وأن يكون صفة. قوله: "تُتْلَى عَلَيْهِ" حال من "آيَاتِ اللهِ"، ولا يجيء فيه الخلاف وهو أنه يجوز أن يكون في محل نصب مفعولاً ثانياً؛ لأن شرط ذلك أن يقع بعدها ما لا يسمع نحو "سَمِعْتُ زَيْداً يَقْرَأ" أما إذا وقع بعدها ما يسمع، نحو: سَمِعْتُ قِرَاءَةَ زَيْدٍ يَتَرنَّمُ بِهَا فهي متعدية لواحد فقط، و "الآيات" مما يسمع. قوله: "ثمَّ يُصِرُّ" قال الزمخشري: فإن قلتَ: ما معنى "ثم" في قوله: {ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً}؟ قلتُ: كمعناه في قول القائل: شعر : 4439ـ ........................... يَـرَى غَمَـرَاتِ الْمَـوْتِ ثُــمَّ يَـزُورُهَا تفسير : وذلك أن غمرات الموت حقيقة بأن ينجو رائيها بنفسه، ويطلب الفِرار منها، وأما زورانها والإقدام على مزاولتها فأمر مستبعد، فمعنى ثم الإيذان بأن فعل المقدم عليها بعدما رآها وعاينها شيء يستبعد في العادات والطباع وكذلك آيات الله الواضحة الناطقة بالحق من تُلِيَتْ عليه وسَمِعَها كان مستبعداً في العقول إصراره على الضلالة عندها واستنكاره عن الإيمان بها. قوله: {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} هذه الجملة يجوز أن تكون مستأنفةً، وأن يتكون حالاً، والأصل كأنه لم يسمعها، والضمير ضمير الشأن، ومحل الجملة النصب على الحال أي يَصِيرُ مِثْلَ غَيْرِ السَّامِع ثم قال: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. قوله: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً} العامة على فتح العين وكسر اللام خفيفة مبنياً للفاعل. وقتادةُ ومطر الوراق عُلِّم مبنياً للمفعول مشدداً. قوله: (اتَّخَذَهَا) الضمير المؤنث فيه وجهان: أحدهما: أنه عائد على "آيَاتِنَا" يعني القرآن. والثاني: أنه يعود على "شَيْءٍ" وإن كان مذكراً، لأنه بمعنى الآية كقول أبي العتاهية: شعر : 4440ـ نَفْسـي بِشَـيْءٍ مِـن الـدُّنْيَـا مُعَلَّقَـةٌ اللَّهُ وَالْقَائِـمُ المَهْـدِيُّ يَقْضِيهَـا تفسير : لأنه أراد "بشَيْء" جاريةً يقال لها: عتبة. فصل المعنى ذلك الشيء هُزُؤٌ، إلا أنه تعالى قال: اتَّخَذَها للإشعار بأن هذا الرجل إذا أحسّ بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات المنزلة على محمَّد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاض في الاستهزاء بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بذلك الواحد. قوله: "أُولَئِكَ" إشارة إلى معنى كل أفَّاكٍ أَثِيم ليدخل فيه جميع الأفاكين فَحُمِلَ أوَّلاً على لفظها فأفرد، ثم على معناها فجمع، كقوله: {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}تفسير : [المؤمنون:53]. قوله: {مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} لما قال: "أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَليمٌ" وصف كيفية ذلك العذاب فقال: من ورائهم جهنم أي أمامهم جهنم لأنهم في الدنيا. قال الزمخشري هي اسم للجهة التي يواجه بها الشخص من خَلْفه أو من قُدَّامِهِ. ثم بين أن ما ملكوه في الدنيا لا ينفعهم فقال: {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً} أي من الأموال. قوله: {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ} عطف على ما كسبوا و "ما" فيهما إما مصدرية أو بمعنى الذي أي لا يغني كَسْبُهُمْ ولا اتِخّاذُهُمْ، أو الذي كسبوه ولا الذي اتخذوه. فإن قِيلَ: إنه قال قبل هذه الآية: {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} ثم قال ههنا: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فما الفرق بينهما؟. فالجواب: كون العذاب مُهِيناً يدُلُّ على حصول الإهانة مع العذاب وكَوْنهُ عظيماً يدل على كونه بالغاً إلى أقصى الغايات في الضَّرَر. قوله: "هَذَا هُدًى" يعني هذا القرآ هدى أي كامل في كونه هدى من الضلالة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} وقد تقدم الكلام على الرجز الأليم في "سبأ" والرجز أَشَدُّ العذاب لقوله تعالى: {أية : رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة:59] وقوله: {أية : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ}تفسير : [الأعراف:134]. وقرىء "أليم" بالجر، والرفع، أما الرفع فتقديره لهم عذاب أليم، ويكون (المراد) من الرجز النَّجَسُ الذي هو النجاسة، ومعنى النجاسة فيه قوله: {أية : وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ}تفسير : [إبراهيم:16] وكأن المعنى لهم عذاب من تَجرُّع رجسٍ أو شرب رجس، فيكون تنبيهاً للعذاب، وأما الجر فتقديره لهم عذاب من عذاب أليم، وإذا كان عذابهم من عذاب أليم كان عذابهم أليماً.
القشيري
تفسير : كلُّ صامتٍ ناطقٌ، يصمت عن الكلام والقول وينطق بالبرهان في الحكم. فَمَنْ استمع بسمع الفهم، واستبصر بنور التوحيد فاز بذُخْرِ الدارين، وتصدَّى لِعِزِّ المنزلين. ومَنْ تصامم بحكم الغفلة وقع في وهدة الجهل، ووُسِم بكيِّ الهَجْر.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويل} كلمة عذاب بالفارسية سختئ عذاب {لكل افاك} كذاب والافك كل مصروف عن وجهه الذى يحق ان يكون عليه {اثيم} صيغة مبالغة بمعنى كثير الاثم كعليم بمعنى كثير العلم
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ويلٌ لكل أفَّاكٍ} كذَّاب {أثيم} كثير الآثام، {يسمع آيات الله} التنزيلية {تُتلى عليه} وجملة "يسمع" صفة أخرى لأفَاك، أو استئناف، أو حال من ضمير "أثيم"، "تتلى": حال من "آيات الله"، {ثم يُصِرُّ} أي: يُقيم على كفره، حال كونه {مستكبراً} عن الإيمان بالآيات، والإذعان لما تنطق به من الحق، مُزْدرياً بها، مُعجَباً بما عنده من الأباطيل. قيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان يشتري من أحاديث الأعاجم، ويشغل بها الناس عن سماع القرآن، والآية عامة في كل مَن كان مضاراً لدين الله وجيء بثمّ لأن الإصرارَ على الضلالة، والاستكبار عن الإيمان عند سماع آيات القرآن، مستبعدٌ في العقول. ثم قال: {كأن لم يسمعها} أي: كأنه لم يسمعها، فأن مخففة، ومحل الجملة النصب على الحال، أي: يُصر شبيهاً بغير السامع، {فبشِّره} على إصراره واستكباره {بعذابٍ أليم} أي: أخبره خبر يظهر أثره على البشرة، تهكُّماً به. {وإِذا عَلِمَ من آياتنا شيئاً} أي: إذا بلغه من آياتنا شيئاً يمكن أن يتشبّث بها المعاند، ويجد له محملاً فاسداً يتوسل به إلى الطعن والمغمزة، {اتخذها} أي: مهزوءاً بها، لا ما يسمعه فقط، وإنما لم يقل: اتخذه؛ للإشعار بأنه إذا أحسّ بشيء من الكلام فيه شيء بزعمه الركيك؛ لم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، بل يستهزئ بالجميع، ويجوز أن يرجع الضمير (لشيء) لأنه في معنى الآية. {أولئك لهم} بسبب جناياتهم المذكورة {عذابٌ مُهين} وصف العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم بآيات الله تعالى، وجمع الإشارة باعتبار ما في {كل أفَّاك أثيم} من الشمول، كما في قوله تعالى:{أية : كُلُّ حِزْبِ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}تفسير : [المؤمنون: 53]، وأفرد فيما سبق من الضمائر باعتبار كل واحدٍ واحد، {مِن ورائهم جهنمُ} أي: من قدّامهم، لأنهم متوجهون إلى ما أعدّ لهم، أو: مِن خلقهم؛ لأنهم معرضون عن ذلك، مقبلون على الدنيا، فإن الوراء: اسم للجهة التي يواريها الشخص من قدّام وخلف، {ولا يُغني عنهم} لا يدفع عنهم {ما كسبوا} من الأموال والأولاد {شيئاً} من عذاب الله تعالى، {ولا ما اتخذوا من دون الله أولياءَ} أي: الأصنام، و"ما" مصدرية، أو موصولة، وتوسيط حرف النفي بين المعطوفين ينبئ أن عدم إغناء الأصنام أظهر وأجلى من عدم إغناء الأموال والأولاد قطعاً، مبني على زعمهم الفاسد، حيث كانوا يطمعون في شفاعتهم {ولهم عذاب عظيم} لا يقادر قدره. {هذا} أي: القرآن {هُدىً} في غاية الكمال من الهداية، كأنه نفس الهدى، {والذين كفروا بآيات ربهم} أي: القرآن، وإنما وضع موضع ضميره الآيات لزيادة تشنيع كفرهم وتفظيع حالهم، {لهم عذابٌ من رِجْزٍ} من أشد العذاب {أليم} مؤلم، بالرفع صفة "عذاب"، وبالجر صفة "رِجز"، وتنوين عذاب في المواضع الثلاثة للتخيم. الإشارة: مَن لم يضبط لسانه وجوارحه، وتصاممت آذانُ قلبه عن تدبُّر القرآن، فالويل حاصل له، ويُبَشَّر بالخيبة والخسران من مراتب أهل العرفان، ومن ضبط أمور ظاهره بالتقوى، وفتحت آذان قلبه لسماع كلام المولى، فقد فَاز بعز الدارين. قال القشيري: فمَن استمع بسمع الفهم، واستبصر بنور التوحيد، فاز بذُخْر الدارين، وتصدَّى لعز المنزلتين، ومَن تصامم بحكم الغفلة، وقع في وهدة الجهل، ووُسِم بكى الهَجْر. هـ. قوله تعالى: {إذا علم من آياتنا شيئاً اتخذوها هزواً} قال القشيري: وقد يُكاشَفُ العبدُ من مواطن القلب بتعريفاتٍ لا يداخله فيها ريبٌ، ولا يتخلله فيها شكٌّ فيما هو فيه من حاله، فإذا استهان بها وقع في ذُلِّ الحجْبة، وحجاب الفرقة وهوانها. هـ. فإذا صفا القلب صار مرسى لتجلي الواردات الإلهية، وهي آية من آياته، فإذا تجلّى فيه شيء بأمر أو نهي فاستهان به وخالفه أدّبه الحق على ذلك، إما في ظاهره، وهو أخف، أو في باطنه بالحجبة أو الفرقة، ولقد سمعت شيخ شيخنا، مولاي العربي الدرقاوي رضي الله عنه يقول: لي ثلاثون سنة ما خالفت قلبي في شيء إلا أدّبني الحق تعالى عليه. هـ. أي: في ظاهره، وذلك لغاية صفائه. قوله تعالى: {من ورائهم جهنم..} الآية، لا عذاب أشد من الحجب بعد الإظهار، والفرقة بعد الوصال، وأنشدوا: شعر : فَخَلِّ سَبِيلَ الْعَيْنِ بَعْدَكَ لِلبُكَا فَلَيسَ لأيَّام الصَّفاء رجوعُ تفسير : انظر القشيري. ولمَّا ذكر ما منَّ به عليهم من النِعم الباطنة، وهي دلائل التوحيد، ذكر ما منَّ به عليهم من النعم الظاهرة، فقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ}.
اطفيش
تفسير : {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ} كذاب بصفة مبالغة {أَثِيمٍ} صفة مبالغة أيضاً أي كثير الآثام وعظيمها
اطفيش
تفسير : {ويلٌ لكلِّ أفَّاك} كثير الافك أو عظيمه وهو الكذب {أثيمٍ} كثير الاثم، أو عظيم الاثم، والآية عامة لفظا ومعنى، ولو نزلت فى أبى جهل، وقيل: النضر بن الحارث، الذى كان يشترى كلام الأعاجم وكتبها، ويشغل بها الناس عن استماع القرآن. {يَسْمع آيات الله} الجملة نعت آخر {تُتْلى عليْه} نعت آخر، والأصل لكل انسان أفاك أثيم، يسمع آيات الله، وإنما يتم النعت به لقوله: {ثمَّ يُصرُّ مُسْتكبراً كأن لَّم يسمَعْهَا} أو جملة تتلى الخ حال من آيات أولى من أن يكون حالا من المستتر فى يسمع للقرب، ولأن رابطها عمدة، ولو كانت الجملة مما يسمع، كقولك سمعت زيدا جاء، كانت مفعولا ثانيا للسَّمْع وكان مخففة واسمها ضمير الأفاك حذوفا، وهو أولى من ضمير الشأن، وشهر أنه ضمير الشأن، وقيل: لا تقدير فهى مهملة، ويسمع وتتلى للاستمرار، وثم للتراخى الرتبى لاستبعاد الشرع، والعقل الاصرار بعد هؤلاء الآيات، والاصرار على الشىء ملازمته، قيل من الصر وهو الشد، ومنه صرة الدراهم كذا يقال، ومثل هذا قابل للعكس، وجملة {كأن لم يسمعها} حال من ضمير يصر، أو ضمير مستكبرا. {فبشِّرهُ} لذلك الاصرار، أصل التبشير تغيير البشرة بأفراح أو أحزان أو لطخ شىء، وهى الجلدة، وخصه الغرف بتغييرها بالأفراح بأن تكون مبتهجة منبسطة، وهو هنا استعارة تهكمية، أو ما باب قوله: شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : كأنه قيل اجعل عذابا أليما بدل التبشير بالخير، وذلك لقوله: {بعَذابٍ أليمٍ} ويجوز ابقاؤه على أصله من مطلق التغيير، ومنه تغير بشرتهم الى السواد، والصورة القبيحة، وهكذا كل ما ورد فى الشر.
الالوسي
تفسير : {وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ } كثير الإفك أي الكذب {أَثِيمٍ } كثير الإثم. والآية نزلت في أبـي جهل، وقيل: في النضر بن الحرث وكان يشتري حديث الأعاجم ويشغل به الناس عن استماع القرآن لكنها عامة كما هو مقتضي كل ويدخل من نزلت فيه دخولاً أولياً. و {أَثِيمٍ } صفة {أَفَّاكٍ } وقوله تعالى:{يَسْمَعُ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ }.
ابن عاشور
تفسير : {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً}. أعقب ذكر المؤمنين الموقنين العَاقلين المنتفعين بدلالة آيات الله وما يفيده مفهوم تلك الصفات التي أجريت عليهم من تعريض بالذين لم ينتفعوا بها، بصريح ذكر أولئك الذين لم يؤمنوا ولم يعقلوها كما وصف لذلك قوله: { أية : فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } تفسير : [الجاثية: 6]. وافتتح ذكره بالويل له تعجيلاً لإنذاره وتهديده قبل ذكر حاله. و(ويل له) كلمة دعاء بالشكر وأصل الويل الشر وحلوله. و(الأفَّاك) القويّ الإفك، أي الكذب. والأثيم مبالغة أو صفة مشبهة وهو يدل على المبالغ في اقتراف الآثام، أي الخطايا. وفسره الفيروزآبادي في «القاموس» بالكذّاب وهو تسامح وإنما الكذب جزئي من جزئيات الأثيم. وجعلت حالتُه أنه يسمع آيات الله ثم يُصرّ مستكبراً لأن تلك الحالة وهي حالة تكرر سماعه آيات الله وتكرر إصراره مستكبراً عنها تحمله على تكرير تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وتكرير الإثم، فلا جرم أن يكون أفاكاً أثيماً بَلْهَ ما تلبس به من الشرك الذي كله كذب وإثم. والمراد بــ {كل أفّاك أثيم} جميع المشركين الذين كذبوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وعاندوا في معجزة القرآن وقالوا { أية : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه } تفسير : [سبإ: 31] وبخاصة زعماء أهل الشرك وأيمة الكفر مثل النضْر بنِ الحارث، وأبي جهل وقرنائهم. و{آيات الله} أي القرآن فإنها المتلوة. و{ثم} للتراخي الرتبي لأن ذلك الإصرار بعد سماع مثل تلك الآيات أعظم وأعجب، فهو يصر عند سماع آيات الله وليس إصراره متأخراً عن سماع الآيات. والإصرار: ملازمة الشيء وعدم الانفكاك عنه، وحُذف متعلق {يصِرّ} لدلالة المقام عليه، أي يُصرُّون على كفرهم كما دل على ذلك قوله: { أية : فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } تفسير : [الجاثية: 6]. وشبه حالهم في عدم انتفاعهم بالآيات بحالهم في انتفاء سماع الآيات، وهذا التشبيه كناية عن وضوح دلالة آيات القرآن بحيث أن من يسمعها يصدق بما دلت عليه فلولا إصرارهم واستكبارهم لانتفعوا بها. و{كَأنْ} أصلها (كأنَّ) المشددة فخففت فقدر اسمها وهو ضمير الشأن. وفرّع على حالتهم هذه إنذارهم بالعذاب الأليم وأطلق على الإنذار اسم البشارة التي هي الإخبار بما يسر على طريقة التهكم. والمراد بالعلم في قوله: {وإذا علم من آياتنا شيئاً} السمع، أي إذا ألقى سمعه إلى شيء من القرآن اتخذه هُزؤاً، أي لا يَتلقى شيئاً من القرآن إلا ليجعله ذريعة للهزء به، ففعل {عَلِم} هنا متعدّ إلى واحد لأنه بمعنى عَرف. وضمير التأنيث في {اتخذها} عائد إلى {آياتنا}، أي اتخذ الآيات هزؤاً لأنه يستهزىء بما علمه منها وبغيره، فهو إذا علم شيئاً منها استهزأ بما علمه وبغيره. ومعنى اتخاذهم الآيات هزؤاً: أنهم يلوكونها بأفواههم لوك المستهزىء بالكلام، وإلا فإن مطلق الاستهزاء بالآيات لا يتوقف على العِلم بشيء منها. ومن الاستهزاء ببعض الآيات تحريفُها على مواضعها وتحميلها غير المراد منها عمداً للاستهزاء، كقول أبي جهل لما سَمِع { أية : إنَّ شجرة الزقوم طعام الأثيم } تفسير : [الدخان: 43، 44] تجاهل بإظهار أن الزقوم اسم لمجموع الزبد والتمر فقال: «زقّمونا»، وقوله: لما سمع قوله تعالى: { أية : عليها تسعة عَشَر } تفسير : [المدثر: 30]: أنا أَلْقَاهُمْ وحدي. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. جيء باسم الإشارة للتنبيه على أن ما ذكر من الأوصاف من قوله تعالى: {لكل أفاك أثيم} إلى قوله {هزؤاً} على أن المشار إليهم أحرياء بهِ لأجْلِ ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف. وجملة {من ورائهم} بيان لجملة {لهم عذاب مهين}. وفي قوله: {من ورائهم} تحقيق لحصول العذاب وكونه قريباً منهم وأنهم غافلون عن اقترابه كغفلة المرء عن عدوّ يتبعه من ورائه ليأخذه فإذا نظر إلى أمامه حسب نفسه آمناً. ففي الوراء استعارة تمثيلية للاقتراب والغفلة، ومنه قوله تعالى: { أية : وكان وراءهم مَلِك يأخذ كلّ سفينة غصباً } تفسير : [الكهف: 79]، وقول لبيد: شعر : أليسَ ورائي إنْ تراخت منيتي لُزومُ العصا تُحنى عليها الأصابع تفسير : ومن فسر وراء بقُدّام، فما رعَى حق الكلام. وعطف جملة {ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئاً} على جملة {من ورائهم جهنم} لأن ذلك من جملة العذاب المهين فإن فقدان الفداء وفقدان الوليّ مما يزيد العذاب شدة ويكسب المعاقب إهانة. ومعنى الإغناء في قوله: {ولا يغني عنهم} الكفاية والنفع، أي لا ينفعهم. وعُدي بحرف (عن) لتضمينه معنى يدفع فكأنَّه عُبّر بفعلين لا يغنيهم وبالدفع عنهم، وتقدم في قوله:{أية : لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً}تفسير : في سورة آل عمران (10). و{ما كسبوا}: أموالهم. و{شيئاً} منصوب على المفعولية المطلقة، أي شيئاً من الإغناء لأن {شيئاً} من أسماء الأجناسِ العاليةِ فهو مفسر بما وقع قبله أو بعده، وتنكيره للتقليل، أي لا يدفع عنهم ولو قليلاً من جهنم، أي عذابها. {ولا ما اتخذوا} عطف على {ما كسبوا} وأعيد حرف النفي للتأكيد، و{أولياء} مفعول ثان لــ{اتخذوا}. وحذف مفعوله الأول وهو ضميرهم لوقوعه في حيز الصلة فإن حذف مثله في الصلة كثير. وأردف {عذاب مهين} بعطف {ولهم عذاب عظيم} لإفادة أن لهم عذاباً غير ذلك وهو عذاب الدنيا بالقتل والأسر، فالعذاب الذي في قوله: {ولهم عذاب عظيم} غير العذاب الذي في قوله: {أولئك لهم عذاب مهين}.
القطان
تفسير : أفاك: كذاب. أثيم: مذنب، مجرم كثير المعاصي. فبشّره بعذاب: جاء التعبير بالتبشير للاستهزاء به، لأن العذاب لا يبشَّر به. من ورائهم جهنم: تنتظرهم. يغني: يدفع عنهم. الرجز: عذاب من نوع شديد. سخر: هيأ. لتبتغوا من فضله: لتطلبوا من فضل الله. لا يرجون: لا يتوقعون حصولها. أيام الله: تطلق على ايام الخير، وأيام الشر. الهلاكُ والعذاب لكل كذّاب في قوله وأثيم في فعله.. يسمع هذا المفتري آياتِ الله تُقرأ عليه ثم يبقى مصرّاً على كفره مستكبراً كأنْ لم يسمعها، فبشّره أيها الرسولُ بأشدّ العذاب. وفي قوله تعالى {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تهكم واحتقار لهؤلاء المكذبين. واذا وصل مثلُ هذا الى علمه شيء من آياتنا واستهزأ بها وسخِر منها. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} من ورائهم جهنمُ تنتظرهم، ولا يدفعُ عنهم العذابَ ما كسبوا في الدنيا من الأموال والأولاد. ولا تُغني عنهم أصنامُهم التي عبدوها من دون الله شيئا، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. إن هذا القرآن هدى من عند الله، والذين كفروا بآياتِ ربّهم لهم العذابُ المؤلم يوم القيامة! أما يعلمون انه وحده الذي ذلل البحرَ تجري السفنُ فيه بأمره، تحمِلُ الناسَ وجميع ما يحتاجون!! بفضله يَسَعُكم أن تطلبوا من خيراتِ البحر بالتجارة والصيد واستخراج ما فيه من لآلئ وتشكروه على ما أفاض عليكم من هذه النعم. كذلك سخّر لكم جميع ما في السماوات وما في الأرض ليوفّر لكم منافعَ الحياة، وكل هذه النعم آياتٌ تدلّ على قدرته تعالى لقومٍ يتفكّرون في صنائع الله القدير. ناظرَ طبيبٌ نصراني من أطباء الرشيد عليّ بن الحسين الواقدي المَرْوَزِيَّ، في مجلس الرشيد فقال له: ان في كتابكم ما يدلّ على ان عيسى بن مريم جزءٌ من الله تعالى، وتلا قوله: {أية : إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء: 171]. فقرأ الواقدي قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} ثم قال: اذنْ يلزم ان تكونَ جميع تلك الأشياء جزءاً من الله! فانقطع الطبيب واسلم. وفرح الرشيد بذلك فرحاً شديدا، ووصَل الواقديَّ بصلةٍ فاخرة. ثم بعد ذلك أمر الله المؤمنين ان يتحلّوا بأحسنِ الأخلاق، فطلب اليهم ان يصفَحوا عن الكافرين ويحتملوا أذاهم، وعند الله جزاؤهم بقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} يا أيها الذين آمنوا: تسلَّحوا بالصبر، واغفِروا واصفَحوا تربحوا، فـَ {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} ثم إنكم جميعاً إلى خالقكم تُرجَعون للجزاء. قراءات: قرأ حفص وابن كثير: من رجز أليمٌ برفع ميم اليم. والباقون: من رجز أليمٍ بجر أليمٍ على انه صفة لرجز. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي: لنجزي بالنون. والباقون: ليجزي بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : (7) - فَالوَيْلُ وَالهَلاَكُ لِكُلِّ كَذَّابٍ فِي قَوْلِهِ، أَثِيمٍ في فِعْلِهِ وَقَلْبِهِ، كَافرٍ بِآياتِ اللهِ تَعَالى. وَيْلٌ - هَلاَكٌ وَحْسَرَةٌ وَشِدَّةُ عَذَابٍ. أَفَّاكٍ أثيمٍ - كَذَّابٍ كَثِيرِ الإِثْمِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (ويل) قالوا: وَادٍ في جهنم، أو هلاك لا مفرَّ منه ولا نجاة، وكلمة الويل تختلف حَسب قائلها المنذِر بها، فحين يقول لك واحد مثلك: ويلٌ لك. تتوقع أن يكون الويل على قدره، ويتناسب مع قدرته عليك، وتمكّنه من تنفيذ ما هدَّدك به من بطشه وفتكه. فإذا كان المتكلم بذلك التهديد هو الحق سبحانه فهمنا أنه هلاكٌ مُحتَّم لا قِبَلَ لأحد به، ويل كبير لا يُردُّ ولا يُدفع. فلمَن هذا التهديد؟ {لِّكُلِّ أَفَّاكٍ ..} [الجاثية: 7] الأفَّاك من الإفك، وهو قَلْب الشيء على وجهه أو قلْب الحقائق عَمْداً، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} تفسير : [النجم: 53] وهي القرى التي قَلَبها الله تعالى رأساً على عقب وجعل أعلاها سافلها. ومن ذلك أيضاً قصة الإفك في حَقِّ السيدة عائشة {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ..} تفسير : [النور: 11] إذن: الإفك هو أفظع أنواع الكذب؛ لأنه كذب متعمد يصرف الناسَ عن الحق إلى الباطل. وهو لا يضر واحداً، إنما يقع ضرره على جَمْع من الناس فشرُّه يتعدَّى ويلزمه عقوبة تناسب هذا التعدِّي على الخَلْق، لذلك ساعة تسمع كلمة (ويل) فاعلم أنها لذنب كبير. وكلمة {أَفَّاكٍ ..} [الجاثية: 7] صيغة مبالغة على وزن فعَّال، ولو كذب مرة واحدة لكان (آفِك) إنما تكرر منه هذا الذنب حتى بالغ فيه ومثله في المبالغة {أَثِيمٍ} [الجاثية: 7] يعني: كثير الإثم. فهي صيغة مبالغة أيضاً على وزن فعيل. أي: مُبالغ في الآثام. تقول: آثم وأثيم. مثل: عالم وعليم. فالمرء لو فهم علماً من العلوم سُمِّي عالم، أما عليم فيعني العلم في ذاته، لذلك لا تُقال إلا لله تعالى {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 76] فكأن هذا الآثِم قد تمرَّس في الإثم حتى صار طبعاً له وديدناً. ثم يصف الحق سبحانه هذا الأفاك الأثيم، فيقول: {يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ..} [الجاثية: 8] كأن الحق سبحانه يريد أنْ يُعرفنا الإفك على حقيقته، فالكذاب يكذب على مثله، أو يكذب على أسرة أو جماعة، لكن هذا يكذب على الدنيا كلها حين يُزوِّر الحقائق ويقلبها وهو متعمد. وهذا معنى {يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً ..} [الجاثية: 8] ولذلك في القانون يقولون مع سَبْق الإصرار والترصُّد {مُسْتَكْبِراً ..} [الجاثية: 8] أي: متعالياً على الحق. وفي الحديث الشريف "الكبر بَطر الحقِّ، وغَمْط الناس" فهو يتكبَّر لأنها تأتي له أي الآيات بواسطة من كان يعتقد أنه دونه، وبذلك اعتدى على الحق واعتدى على مُحقٍّ، كما حكى القرآن عنهم: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. إذن: المشكلة عندهم ليستْ في القرآن، لأنهم أهل فصاحة وبلاغة ويعلمون إعجاز القرآن وصِدْقه لكن يحسدون الرجل الذي جاء القرآنُ على يديه، يقيسونه بمقاييس الجاه والثراء عندهم. فالرسالة في نظرهم ينبغي أنْ تأتيَ على يد رجل غني من عظماء القوم وأهل السيادة، وهذا عجيبٌ منهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له مكانة عظيمة بينهم قبل البعثة، وكانوا يتحدثون بصدقه وأمانته، بدليل أنهم حكَّموه في أمر الحجر الأسود حينما أرادوا وضعه في مكانه واختلفوا عليه، فالتناقض في مواقفهم نحوه ظاهر، كانوا يقولون عنه ساحر وكاهن وكذاب وشاعر، فلما فَتَر عنه الوحي قالوا: إن رب محمد قلاه. وقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية: 8] معلوم أن البشارة إخبارٌ بخير قبل أوانه، وسمَّاها بشارة لأنها تُظهر البشْر والسعادة على الوجوه ساعة تسمع خبراً يسرُّك، فاستخدام البشارة في العذاب تكون على سبيل التهكُّم والسخرية وهي لَوْنٌ من ألوان العذاب والإهانة، مثل رجل كان يحثُّ ولده على المذاكرة والجد، ولكن الولد خالف أوامر أبيه، فلما ظهرتْ النتيجة وجد ولده راسباً فقال له: أبشر لقد رسبت، يريد أنْ يتهكَّم به ويعاقبه على إهماله.
الجيلاني
تفسير : وبعدما وضح محجة الحق واتضح دلائل توحيده: {وَيْلٌ} عظيم وهلائك شديد {لِّكُلِّ} مفتر كذاب {أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الجاثية: 7] منغمس في الإثم والعدوان، مغمور في العناد والطغيان، إلى حيث: {يَسْمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ} الدالة على عظمة ذاته حين {تُتْلَىٰ عَلَيْهِ} مع كمال وضوحها وسطوعها {ثُمَّ يُصِرُّ} يقيم ويديم على ما هو عليه من الكفر والضلال {مُسْتَكْبِراً} بلا علة وسند سوى العناد والاستكبار، ويصير من نهاية عتوه وعناده حين يسمعها {كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا} اغتراراً بما عنده من الجاه والثروة، وبالجملة: {فَبَشِّرْهُ} يا أكمل الرسل على إصراره وعناده {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية: 8] في غاية الإيلام، وهو انحطاطه عن رتبة الخلافة الإنسانية؛ إذ لا عذاب عند العارف أشد من ذلك. {وَ} من نهاية استكباره واغتراره {إِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا} الدالة على ضبط الظواهر وتهذيب البواطن {شَيْئاً} أي: آية {ٱتَّخَذَهَا} وأخذها من غاية تكبره وتجبره {هُزُواً} محل استهزاء وسخرية يستهزأ بها ويتهكم عليها {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء الأفاكون الضالون، المنحرفون عن منهج الحق وصراطه {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الجاثية: 9] في الدنيا بإعلاء كلمة الحق وإظهار دين الإسلام على الأديان كلها. ومع تلك الإهانة العاجلة {مِّن وَرَآئِهِمْ} أي: قدامهم {جَهَنَّمُ} البعد والخذلان، وسعير الطرد والحرمان {وَ} بالجملة: {لاَ يُغْنِي} ولا يدفع {عَنْهُم} يومئذ {مَّا كَسَبُواْ} وجمعوا من الأموال والأولاد والثروة والجاه {شَيْئاً} من الدفع والإغناء من غضب الله عليهم {وَ} كذا {لاَ} ينفعهم {مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ} الواحد الأحد الصمد، المستقل بالإلوهية، المتفرد بالربوبية {أَوْلِيَآءَ} من الأصنام والأوثان، يدعون ولايتهم كولاية الله، ويعبدونهم كعبادته عدواناً وظلماً، بل {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الجاثية: 10] لا عذاب أعظم منه. بالجملة: {هَـٰذَا} الذي في كتابك يا أكمل الرسل {هُدًى} يبين طريق الهداية والرشاد لأهل العناية والتوفيق {وَ} المسرفون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ} المنزلة في كتابك هذا، والتي نزلت في الكتب السالفة {لَهُمْ عَذَابٌ} نازل ناشئ {مِّن رِّجْزٍ} غضب عظيم من الله المقتدر على أنواع الانتقام {أَلِيمٌ} [الجاثية: 11] مؤلم أشد الإيلام.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):