٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
9
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً} نحو قوله في الزقوم: إنه الزبد والتمر، وقوله في خزنة جهنم: إن كانوا تسعة عشر فأنا ألقاهم وحدي. {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} مذل مخزٍ. {مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} أي من وراء ما هم فيه من التعزز في الدنيا والتكبر عن الحق جهنمُ. وقال ابن عباس: «مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ» أي أمامهم، نظيره: «مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ» أي من أمامه. قال: شعر : أليس ورائي إن تراخت منِيّتي أدُبّ مع الولدان أزْحَفُ كالنَّسْر تفسير : {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ شَيْئاً} أي من المال والولد؛ نظيره: {أية : لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [آل عمران:10] (أي من المال والولد). {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ} يعني الأصنام. {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي دائم مؤلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا } أي القرآن {شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً } أي مهزوءاً بها {أُوْلَٰئِكَ } أي الأفّاكون {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } ذو إهانة.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْئاً} أي: أُخْبِرَ بشيْءٍ من آياتنا، فعلم نَفْسَ الخبر لا المعنى الذي تضمَّنه الخَبَرُ، ولو عَلِمَ المعانِيَ الَّتِي تَضَمَّنَها أخبارُ الشَّرْعِ، وَعَرَفَ حقائِقَهَا ـــ لكان مؤمناً. * ت *: وفي هذا نظر؛ لأَنَّه ينحو إلى القَوْلِ بأَنَّ الكفر لا يُتَصَوَّرُ عناداً مَحْضاً، وقد تَقَدَّمَ اختيارُهُ ـــ رحمه اللَّه ـــ لذلك في غير هذا المَحَلِّ، فَقِفْ عليه، وخَشْيَةُ الإطالة منَعَتْنِي مِنْ تَكْرَارِهِ هنا.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَـٰتِنَا شَيْئاً} أي إذا بلغَهُ من آياتِنا شيءٌ وعلم أنَّه من آياتِنا لا أنه علمهُ كما هُو عليهِ فإنَّه بمعزلٍ عن ذلك العلمِ، وقيلَ: إذا علم منها شيئاً يمكنُ أنْ يتشبثَ به المعاندُ ويجدَ له محملاً فاسداً يتوصلُ به إلى الطعنِ والغميزةِ {ٱتَّخَذَهَا} أي الآياتِ كلَّها {هُزُواً} أي مَهْزُوءاً بَها لا ما سمَعهُ فقطْ، وقيلَ: الضميرُ للشيءِ، والتأنيثُ لأنَّه في معنى الآيةِ. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى كلِّ أفاكٍ من حيثُ الاتصافُ بما ذُكرَ من القبائِحِ، والجمعُ باعتبارِ الشمولِ للكلِّ كما في قولِه تعالى: { أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} تفسير : [سورة المؤمنون، الآية 5] كما أنَّ الإفرادَ فيما سبقَ من الضمائرِ باعتبارِ كلِّ واحدٍ واحدٍ. {لَهُمْ} بسببِ جناياتِهم المذكورةِ {عَذَابٌ مُّهِينٌ} وصف العذابِ بالإهانةِ توفيةً لحقِّ استكبارِهم واستهزائِهم بآياتِ الله سبحانه وتعالى. {مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ} أي من قُدامِهم لأنهم متوجهونَ إلى ما أُعدَّ لهُم، أو من خلفِهم لأنهم معرضونَ عن ذلكَ مقبلونَ على الدُّنيا فإن الوراءَ اسمٌ للجهةِ التي يُواريها الشخصُ من خلفٍ وقُدامٍ. {وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم} ولا يدفعُ {مَّا كَسَبُواْ} من الأموالِ والأولادِ {شَيْئاً} من عذابِ الله تعالى أو شيئاً من الإغناءِ {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء} أي الأصنامَ، وتوسيطُ حرفِ النفي بـينِ المعطوفينِ مع أنَّ عدمَ إغناءِ الأصنامِ أظهرُ وأجلى من عدمِ إغناءِ الأموالِ والأولادِ قطعاً مبنيٌّ على زعمِهم الفاسدِ حيثُ كانُوا يطمعونَ في شفاعتِهم وفيه تهكمٌ. {وَلَهُمْ} فيما وراءَهُم من جهنمَ {عَذَابٌ عظِيمٌ} لا يُقادرُ قدرُه. {هَـٰذَا} أي القرآنُ {هُدًى} في غايةِ الكمالِ من الهدايةِ كأنَّه نفسُها {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي بالقرآنِ وإنما وضعَ موضعَ ضميرِه في قوله تعالى: {بآيَـٰتِ رَبّهِمْ} لزيادةِ تشنيعِ كفرِهم به وتفظيعِ حالِهم {لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ} أي من أشدِّ العذابِ {أَلِيمٌ} بالرفعِ صفةُ عذابٌ، وقُرىءَ بالجرِّ على أنَّه صفة رجزٍ، وتنوينُ عذابٌ في المواقعِ الثلاثةِ للتفخيمِ، ورفعُه إما على الابتداء وإما على الفاعلية.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً} [الآية: 9]. قال ابن عطاء: من لم يجتهد فى طاعة الله ولم يصرف همته إلى الدخول فيها بشرط الأمر والخروج منها بشرط الأدب نزع الله حب الطاعة من قلبه وردّه إلى حوله وقوته قال الله: {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً} علمها علم استدلال لا علم حقيقة.
القشيري
تفسير : قابله بالعناد، وتأوَّله عَلَى ما يقع له من وجه المراد مِنْ دون تصحيحٍ بإسناد... فهؤلاء {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}: مُذِلٌّ. وقد يُكاشَفُ العبدُ من بواطن القلب بتعريفاتٍ لا يتداخله فيها ريبٌ، ولا يتخالجه منها شكٌّ فيما هو به من حاله... فإذا استهان بها وقع في ذُلِّ الحجبة وهوانِ الفرقة.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً} اتخذوها هزوا لما لم ينكشف لهم انوار الشاهد فى الشواهد لم يتمتعوا بلطائفها وصارت لهم زيادة الحجاب قال ابن عطا من لم يجد فى طاعة الله ولم يصرف همه الى الدخول فيها بشرط الامر والخروج منها بشرط الأداب نزع الله حب الطاعة من قلبه وردة الى حوله وقوته قال الله تعالى واذا علم من أياتنا شيئا اتخذها واعلمها علم استدلال لا علم حقيقة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا علم من آياتنا شيئا} اى اذا بلغه من آياتنا شئ وعلم انه من آياتنا لا انه علمه كما هو عليه فانه بمعزل من ذلك الكلام {اتخذها} اى الآيات كلها {هزوا} اى مهزواً بها لا ما سمعه فقط او الضمير للشئ والتأنيث باعتبار الآية. يعنى بآن افسوس كندوبصورنى باز نمايدكه از حق وصواب دور باشد. كالنضر استهزأ بها وعارضها بحديث الفرس يرى العوام انه لا حقيقة لذلك وكأبى جهل حيث اطعمهم الزبد والتمر وقال تزقموا فهذا ما يتوعدكم به محمد فحمل الزقوم على الزبد والتمر {اولئك} اشارة الى كل أفاك من حيث الانصاف بما ذكر من القبائح والجمع باعتبار شمول كل كما ان الافراد فى الضمائر السابقة باعتبار كل واحد {لهم} بسب جناياتهم المذكورة {عذاب مهين} يذلهم ويذهب بعزهم وصف العذاب بالاهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم بآيات الله
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا} القرآن* {شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً} حين العلم لان (اذا) متعلقة (باتخذ) من غير أن يرى سبت الهزؤ وضمير النصب بجميع الآيات أي (اذا سمع بآية خاض بالاستهزاء بجميع الآيات واثارة سماعها الى الاستهزاء بالكل أو لشيء) لان المراد به آية كذا ظهر لي ثم رأيت الاول للزمخشري وأجاز كون جواب (اذا) محذوفاً ناب عنه (اتخذ) والاصل اذا علم ما يمكن التمسك به طعناً افترضه واتخذ آيات الله هزوا كاعتراض النضر في {أية : انكم وما تعبدون} تفسير : الخ وفي {أية : شجرة الزقوم} تفسير : ويتخذون الآيات هزوا سواء علموا اللفظ أو اللفظ والمعنى أو الحقيقة لتصورهم كفرهم عناداً ولو عرفوا الحقيقة خلافاً لمن قال لو علموا الحقائق لآمنوا* {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} موقع في الهوان والاشارة للأفاكين الآثمين
اطفيش
تفسير : {وإذا عَلم من آياتنا شيئاً} بأن سمع منها شيئا {اتَّخذها} أى الشىء، وأنثه لأنه آية {هُزواً} صيرها نفس الهزؤ مبالغة أو مهزوءا بها، ومعنى اتخذها هزؤا تكرير الهزؤ بها فهو أبلغ من أن يقال، واذا علم من آياتنا شيئا هزأ بها قبل التأمل، وبعد التأمل فيما يعيبها به، والهزؤ اللعب بها، واحتقارها، والتكذيب بها، والجدال فيها بالباطل، كما اعترض ابن الزبعرى: "أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم" تفسير : [الأنبياء: 98] بأن الملائكة وعيسى وعزير عبدوا من دون الله، فهم حصب جهنم، ويجوز عود ضمير النصب الى الآيات كأنه استهزأ بهن كلهن صراحا حين استهزأ بما علم منهن، لأن الاستهزاء بواحدة منها استهزاء بها كلها، لما بينها من الاتفاق بأنهن من الله عز وجل وبالتماثل. {أولئك} الأفاكون المصرون بعد السمع، المتخذون الآيات هزؤا والجمع باعتبار معنى شمول كل، والافراد فى يسمع، وعليه، ويصر، وما بعد ذلك باعتبار فرد، واشارة البعد لبعد منزلتهم فى الشر {لَهُم} بسبب إفكهم وإثمهم، وما ذكر بعده {عَذابٌ مُهينٌ} محقر ومذل لهم ضد استكبارهم، ومقابلة لاستهزائهم جزاء وفاقا، ولهذه المقابلة والجزاء المضاد والماثل أخر قوله: {وإذا علم من آياتنا شيئاً اتخذوها هزواً} مع أنه من جملة نعوت الانسان الأفاك، إلا أنه بالعطف وأخبر عن الاشارة أيضا بقوله سبحانه. {مِن ورائهم جَهنَّم} من خلفهم لأنهم معرضون عما ينجيهم منها من التوحيد، والعمل الصالح، فهى كالشىء المنبوذ خلف الظهر، كأنه لم يكن، ولأنها بعد الأجل فهى كشىء يتبعهم من خلف، أو المراد من قدامهم جهنم، لأنهم متوجهون اليها لمضى أعمارهم شيئا فشيئا كالسائر الى موضع، أو بالاشتغال بما يقربهم اليها من الشرك وما دونه، ووجه ذلك أن الوراء اسم للجهة التى يواريها الشخص، فعمت الخلف والقدام، فانك موار خلفك عن قدامك، وقدامك عن خلفك، ولكن الأصل أنه بمعنى خلف، فالحمل عليه أولى، وأيضا خفاء ما وراءك وظهور ما قدامك أنسب، والجملة خبر ثان للاشارة. {ولا يُغني عنْهم ما كَسَبوا} ما كسبوه من الأولاد والأموال، أو كسبهم {شيئاً} أى إغناء، فهو مفعول مطلق أو لا يدفع عنهم شيئا من الضر، فهو مفعول به {ولا ما اتَّخذوا من دون الله أولياء} مفعول ثان، والأول محذوف، أى وما اتخذوه أولياء، أو ولا اتخاذهم غير الله أولياء، وهى الأصنام، وقيل ومن عبدوا من الملائكة وغيرها، والأولى، لأنهم يتحببون الى الأصنام ويرجونها ما لا يتحببون الىغيرها، ويرجونه للمشاهدة والقرب منها، وكانوا يطمعون فى شفاعتها، لطمعهم فيها، كروت لا مع أن عدم إغنائها أظهر من عدم واغناء الأولاد والأموال، وفى جمعها مع الأولاد والأموال، ونفى اغنائها كأنها شىء يمكن منه النفع تهكم {ولَهُم} فى جهنم التى وراءهم {عذابٌ عظيمٌ} لا يعلم قدره إلا الله.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءايَـٰتِنَا شَيْئاً } وإذا بلغه شيء من آياتنا وعلم أنه منها. {ٱتَّخَذَهَا هُزُواً } بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه، وجوز أن يكون المعنى وإذا علم من آياتنا شيئاً يمكن أن يتشبث به المعاند ويجد له محملاً يتسلق به على الطعن والغميزة افترصه واتخذ آيات الله تعالى هزواً وذلك نحو اعتراض ابن الزبعرى في قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] ومغالطته رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله على ما بعض الروايات: خصمتك، فضمير {ٱتَّخَذَهَا } على الوجهين للآيات، والفرق بينهما أن {شَيْئاً } على الثاني فيه تخصيص لقرينة {ٱتَّخَذَهَا هُزُواً } إذ لا يحتمل إلا ما يحسن أن يخيل فيه ذلك ثم يجعله دستوراً للباقي فيقول: الكل من هذا القبيل، وفرق بين الوجهين أيضاً بأن الأول الاتخاذ قبل التأمل وفي الثاني بعده وبعد تمييز آية عن أخرى. وقيل: الاستهزاء بما علمه من الآيات إلا أنه أرجع الضمير إلى الآيات لأن الاستهزاء بواحدة منها استهزاء بكلها لما بينها من التماثل. وجوز أن يرجع الضمير إلى شيء والتأنيث لأنه بمعنى الآية كقول أبـي العتاهية:شعر : نفسي بشيء من الدنيا معلقة الله والقائم المهدي يكفيها تفسير : يعني الشيء وأراد به عتبة جارية للمهدي من حظاياه وكان أبو العتاهية يهواها فقال ما قال. وقرأ قتادة ومطر الوراق {علم} بضم العين وشد اللام مبنياً للمفعول. {أُوْلَـٰئِكَ } إشارة إلى {أية : أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} تفسير : [الجاثية: 7] من حيث الاتصاف بما ذكر من القبائح، والجمع باعتبار الشمول للكل كما في قوله تعالى: {أية : كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } تفسير : [الروم: 32] كما أن الإفراد فيما سبق من الضمائر باعتبار كل واحد واحد، وأداة البعد للإشارة إلى بعد منزلتهم في الشر. {لَهُمْ } بسبب جناياتهم المذكورة {عَذَابٌ مُّهِينٌ } وصف العذاب بالإهانة توفية لحق استكبارهم واستهزائهم / بآيات الله عز وجل.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة توعد الأفاك الأثيم بالويل، والبشارة بالعذاب الأليم. وقد قدمنا قريباً أن من صفاته، أنه إذا سمع آيات الله تتلى عليه أصر مستكبراً كأن لم يسمعها، وذكر في هذه الآية الكريمة أنه إذا علم من آيات الله شيئاً اتخذها هزواً أي مهزوءاً بها، مستخفاً بها، ثم توعده على ذلك بالعذاب المهين. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفار يتخذون آيات الله هزواً، وأنهم سيعذبون على ذلك يوم القيامة، قد بينه تعالى في غير هذا الموضع كقوله تعالى في آخر الكهف: {أية : ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً}تفسير : [الكهف: 106] وقوله تعالى في الكهف أيضاً:{أية : وَيُجَادِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُواْ هُزُواً وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيِاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاه}تفسير : [الكهف: 56-57] الآية. وقوله تعالى في سورة الجاثية هذه:{أية : وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً}تفسير : [الجاثية: 34-35] الآية. وقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة وحفص عن عاصم هزؤاً بضم الزاي بعدها همزة محققة. وقرأه حفص عن عاصم بضم الزاي وإبدال الهمزة واواً. وقرأه حمزة هزءاً بسكون الزاي بعدها همزة محققة في حالة الوصل. وأما في حالة الوقف، فعن حمزة نقل حركة الهمزة إلى الزاي فتكون الزاي مفتوحة بعدها ألف، وعنه إبدالها واواً محركة بحركة الهمزة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} أي لأن عذاب الكفار الذين كانوا يستهزءون بآيات الله لا يراد به إلا إهانتهم وخزيهم وشدة إيلامهم بأنواع العذاب. وليس فيه تطهير ولا تمحيص لهم بخلاف عصاة المسلمين فإنهم وإن عذبوا فسيصيرون إلى الجنة بعد ذلك العذاب. فليس المقصود بعذابهم مجرد الإهانة بل ليؤلوا بعده إلى الرحمة ودار الكرامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتِنَا} {أُوْلَـٰئِكَ} (9) - وَإِذا وَصَلَ إِلى هذا الجَاحِدِ العَنيدِ المُسْتكْبِر، خَبَرُ شيءٍ من آياتِنا، جَعَلَها هُزواً وسُخْرِيةً. وهؤلاءِ الأَفّاكُونَ الآثِمُونَ المُتَّصِفُونَ بالصِّفَاتِ التي وَرَدَتْ في الآيتينِ السَّابِقَتينِ لَهُمْ عَذَابٌ في نَارِ جَهَنَّمَ مُذِل مهِينٌ، جَزاءً لَهُمْ عَلَى كُفْرِهم وَاسْتِهزائِهِمْ بِالْقرآنِ، واستِكبارِهِمْ فِي الأَرضِ. (هذهِ الآيةُ نَزَلَتْ في أبي جَهْلِ، فَحِينَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلَهُ الكَريمَ {أية : إِنَّ شَجَرَةَ ٱلزَّقُّومِ طَعَامُ ٱلأَثِيمِ} تفسير : دَعَا أَبْو جَهْلِ بِتَمْرٍ وَزبدٍ، وَقَالَ لأَصْحَابِهِ: تَزَقَّمُوا مِنْ هذا، مَا يَعِدُكُمْ مُحَمَّدٌ إِلاَّ شَهْداً. وَحِينَ سَمِعَ قَولَه تَعَالَى {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}تفسير : أَيْ عَلَى النَّارِ، قَالَ: (إِنْ كَانُوا تِسْعَةَ عَشَر فَأَنَا أَلقَاهُمْ وَحْدي).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لأنه بعد أنْ أصرَّ على الإعراض عن آيات الله، وبعد أنِ استكبر عليها لا بدّ أنْ يعود في لحظة ما إلى نفسه ويُعمل عقله فيما يسمع فيصله بعض العلم عن آيات الله {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً ٱتَّخَذَهَا هُزُواً ..} [الجاثية: 9] جعلها مجالاً للسخرية والاستهزاء {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الجاثية: 9] وقبل ذلك بشَّره رب العزة بأن له عذاباً أليماً. وهذه ألوان مختلفة من العذاب والعياذ بالله، فالعذاب الأليم الذي يُؤلم الحواسَّ ويُوجع وتتألم له المادة والأعضاء، وهذا غير العذاب المهين، فالجهة كما يقولون مُنفكَّة، والعذاب المهين هو عذاب النفس حيث يُهينها ويُذلّها ويهدم كرامتها، لأن بعض الناس قد لا يُؤلمه الضرب الحسِّي ولكن يُؤلمه أنْ تجرح كرامته ولو بكلمة. وهناك في آيات أخرى (عذابٍ عظيم) يعني: مبالغ فيه، وهكذا جمع عليهم الحق سبحانه كلَّ ألوان العذاب جزاء استكبارهم ولددهم وعنادهم في آيات الله، وهي أوضح من أنْ ينكرها منكر. وهنا استخدم المصدر {هُزُواً} [الجاثية: 9] ليدل على المبالغ، وأن الاستهزاء أصبح صفةً لازمة له لاصقة فيه كما نقول: فلان عادل، وفلان عدل كأنك جعلْتَه هو والعدل شيئاً واحداً. وفي الآية دليلٌ على أن الإنسان إذا تجرَّد للحق وأخْلى فكره ثم فكَّر بعقله في الأشياء بموضوعية لا بدَّ أنْ يصلَ إلى الخيط الذي يُوصِّله إلى الحق، فالعودة الصادقة إلى النفس تُؤدي إلى الحق. لذلك الحق سبحانه يُعلِّم الناس كيفية التفكير السليم وكيفية البحث عن الحق، فيقول: {أية : إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ ..} تفسير : [سبأ: 46] يعني: اتركوا تفكير الجماهير وتعصُّبهم لأنه غير مُنظم، يؤدي إلى فوضى يتوه فيها الحق. والفكر عمل العقل، والعقل هو السلطان الذي يعصمك من الآراء الضالة ويُرشدك ويأخذ بيدك إلى الحق، والعقل حتى في اسمه من العقال الذي يعقل الدابة حتى لا تشرد من صاحبها، كذلك العقل يعقل صاحبه. إذن: هؤلاء لما عادوا إلى أنفسهم واستعملوا عقولهم عقلوا ووصلوا إلى شيء من الحق، لكن كبرياءهم وعنادهم منعهم من اتباعه، وأدلُّ شيء على ذلك قول بعضهم لبعض: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26]. ولولا أنهم واثقون من صدق القرآن وتأثيره في النفوس ما قالوا هذا الكلام، لكن أسلوب القرآن أسَرهم وتغلغل في أعماقهم، ولو تركوا أنفسهم على طبيعتها لآمنوا، لكنهم استقبلوا القرآن بنفوس تملؤها نوازع الشر وحُب الانفلات من قيود المنهج الحق الذي أتى به هذا القرآن.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وقد وسم بكي الهجران والقطيعة، فآل أمره إلى أنه {وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَٰتِنَا شَيْئاً} [الجاثية: 9]، من عالم رباني {ٱتَّخَذَهَا هُزُواً} [الجاثية: 9]، قليل العناد وتأوله على ما نفع له من وجود المراد من دون تصحيح بإسناد، فهؤلاء: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [الجاثية: 9] مذل، وقد يكاشف حاله من بواطن قلبه بتعريفات من الغيب، لا يبدو فيها ريب ولا يتخالجه منها شك فيما هو به في حاله، فإذا استهان بها وقع في ذل الحجة وهوان الفرقة. {مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ} [الجاثية: 10] جهنم الحرص والأمل، {وَلاَ يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ} [الجاثية: 10] بالسوء وبالحرص {شَيْئاً} [الجاثية: 10]، القلوب {وَلاَ مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ} [الجاثية: 10] من الدنيا وأهلها، {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الجاثية: 10]، وهو هجران إله عظيم {هَـٰذَا هُدًى} [الجاثية: 11]؛ أي: هذا الذي ذكرنا من الآيات والدلالات والإشارات وأسباب الهداية لمن أراد الله به خيراً يسمعهم، {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ} [الجاثية: 11] أن أعرضوا عنها وأنكروا عليها، {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ} [الجاثية: 11]، وهو نظر قهر الحق بالقطيعة، وهو {أَلِيمٌ} [الجاثية: 11] مؤلم حقاً. ثم أخبر عن كرمه مع العبد بأنواع نعمه بقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} [الجاثية: 12]، يشير إلى أنه تعالى مسخر بحر العدم؛ لتجري فيه فلك الوجود بأمره، وهو أمر {أية : كُنْ} تفسير : [البقرة: 117]، والحكمة في هذا التسخير مختصة بالإنسان لا بالفلك، سخر البحر والفلك له وسخره لنفسه؛ ليكون خليفة مظهراً لذاته وصفاته تبارك وتعالى نعمة منه وفضلاً؛ لإظهار الكنز المخفي، فبحسب كل مسخر من الجزيئات والكليات يجب على العبد شكر، وشكره أن يستعمله في طلب الله بأمره ولا يستعمله في هوى نفسه، وله أن يعتبر من البحر الصوري، والذين يركبون البحر فربما تسلم سفينتهم وربما تغرق، كذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشي بهم رياح المشيئة، مرفوع لهم شراع التوكل من شيء في البحر بمجرى اليقين، فإن هبت رياح العناية تحث السفينة إلى ساحل السعادة، وإن هبت نكباء الفتنة لم يبق بيد الملاح شيء غرقت في لجة الشقاوة، فعلى العبد أن يكون ابتغاؤه فضل الله، ويسعى في الطلب بأداء شكر النعم، وذلك قوله: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12]. وبقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} [الجاثية: 13]، يشير إلى أن السماوات والأرض وما فيهن خلقت للإنسان، ووجودها تبع لوجوده، وناهيك عن هذا المعنى إن الله تعالى أسجد ملائكته لآدم عليه السلام، وهذا غاية التسخير وهم أكرم وأعز مما في السماوات والأرض، ومثال هذا أنه لما أراد أن يخلق ثمرة خلق شجرة، وسخرها للثمرة لتحمل، فالعالم بما فيه شجرة وثمرتها الإنسان؛ ولعظم هذا المعنى قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13]؛ أي: في هذا المعنى دلالات على شرف الإنسان، وكماليته {لِّقَوْمٍ} لهم قلوب منورة بنور الإيمان والعرفان، {يَتَفَكَّرُونَ} بفكر سليم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):