٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
11
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{هَـٰذَا هُدًى} ٱبتداء وخبر؛ يعني القرآن. وقال ابن عباس: يعني كل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} أي جحدوا دلائله. {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} الرجز العذاب؛ أي لهم عذاب من عذاب أليم؛ دليله قوله تعالى: {أية : فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة: 59] أي عذاباً. وقيل: الرجز القذر مثل الرجس؛ وهو كقوله تعالى: {أية : وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ}تفسير : [إبراهيم:16 ] أي لهم عذاب من تجرّع الشراب القذِر. وضم الراء من الرجز ابن محيصن حيث وقع. وقرأ ابن كَثير وابن محيصن وحفص «أَلِيمٌ» بالرفع؛ على معنى لهم عذاب أليم من رجز. الباقون بالخفض نعتاً للرجز.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَٰذَا } أي القرآن {هُدًى } من الضلالة {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَٰتِ رَبّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ } حظ {مّن رّجْزٍ } أي عذاب {أَلِيمٌ } موجع.
النسفي
تفسير : {هَـٰذَا هُدًى } إشارة إلى القرآن ويدل عليه {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبِّهِمْ } لأن آيات ربهم هي القرآن أي هذا القرآن كامل في الهداية كما تقول: زيد رجل أي كامل في الرجولية {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ } هو أشد العذاب {أَلِيمٌ } بالرفع: مكي ويعقوب وحفص صفة لـ {عذاب} وغيرهم بالجر صفة لـ {رجز} {ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ } بإذنه {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطري {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } هو تأكيد ما في السمٰوات وهو مفعول {سَخَّرَ } وقيل: {جَمِيعاً } نصب على الحال {مِّنْهُ } حال أي سخر هذه الأشياء كائنة منه حاصلة من عنده، أو خبر مبتدأ محذوف أي هذه النعم كلها منه، أو صفة للمصدر أي تسخيراً منه {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ } أي قل لهم اغفروا يغفروا فحذف المقول لأن الجواب يدل عليه. ومعنى يغفروا يعفوا ويصفحوا. وقيل: إنه مجزوم بلام مضمر تقديره ليغفرو فهو أمر مستأنف وجاز حذف اللام للدلالة على الأمر {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه من قولهم لوقائع العرب أيام العرب. وقيل: لا يؤملون الأوقات التي وقتها الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها. قيل: نزلت في عمر رضي الله عنه حين شتمه رجل من المشركين من بني غفار فهم أن يبطش به {لِيَجْزِىَ } تعليل للأمر بالمغفرة أي إنما أمروا بأن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة. وتنكير {قَوْماً } على المدح لهم كأنه قيل: ليجزي أيما قوم و {قَوْماً } مخصوصين بصبرهم على أذى أعدائهم. {لنجزى} شامي وحمزة وعلي. {ليُجْزَىَ قَوْماً } يزيد أي ليجزى الخير قوماً فأضمر الخير لدلالة الكلام عليه كما أضمر الشمس في قوله {أية : حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ }تفسير : [ص: 32] لأن قوله {أية : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىّ }تفسير : دليل على تواري الشمس، وليس التقدير ليجزي الجزاء قوماً لأن المصدر لا يقوم مقام الفاعل ومعك مفعول صحيح، أما إقامة المفعول الثاني مقام الفاعل فجائز وأنت تقول جزاك الله خيراً {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الإحسان. {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا } أي لها الثواب وعليها العقاب {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } أي إلى جزائه. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِى إِسْرٰءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة {وَٱلْحُكْمَ } الحكمة والفقه أو فصل الخصومات بين الناس لأن الملك كان فيهم {وَٱلنُّبُوَّةَ } خصها بالذكر لكثرة الأنبياء عليهم السلام فيهم {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ } مما أحل الله لهم وأطاب من الأرزاق {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمينَ } على عالمي زمانهم {وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍ } آيات ومعجزات {مِّنَ ٱلأَمْرِ } من أمر الدين {فَمَا ٱخْتَلَفُوآ} فما وقع الخلاف بينهم في الدين {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } أي إلا من بعد ما جاءهم ما هو موجب لزوال الخلاف وهو العلم وإنما اختلفوا لبغي حدث بينهم أي لعداوة وحسد بينهم {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } قيل: المراد اختلافهم في أوامر الله ونواهيه في التوراة حسداً وطلباً للرياسة لا عن جهل يكون الإنسان به معذوراً. {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ } بعد اختلاف أهل الكتاب {عَلَىٰ شَرِيعَةٍ } على طريقة ومنهاج {مِّنَ ٱلأَمْرِ } من أمر الدين {فَٱتَّبِعْهَا } فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج والدلائل {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال ودينهم المبني على هوى وبدعة وهم رؤساء قريش حين قالوا: ارجع إلى دين آبائك {إِنَّهُمْ } إن هؤلاء الكافرين {لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ } وهم موالوه وما أبين الفضل بين الولايتين. {هَـٰذَا } أي القرآن {بَصَٰئِرُ لِلنَّاسِ } جعل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب كما جعل روحاً وحياة {وَهُدَىً} من الضلالة {وَرَحْمَةٌ} من العذاب {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } لمن آمن وأيقن بالبعث {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ } «أم» منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان {ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَـٰتِ } اكتسبوا المعاصي والكفر ومنه الجوارح وفلان جارحة أهله أي كاسبهم {أَن نَّجْعَلَهُمْ } أن نصيرهم وهو من «جعل» المتعدي إلى مفعولين فأولهما الضمير والثاني الكاف في {كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } والجملة التي هي {سَوَآءً مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } بدل من الكاف لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، {سَوَآء } علي وحمزة وحفص بالنصب على الحال من الضمير في {نَّجْعَلَهُمْ } ويرتفع {مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } بـ {سَوَآء }. وقرأ الأعمش {وَمَمَـٰتُهُمْ } بالنصب جعل {مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } ظرفين كمقدم الحاج أي سواء في محياهم وفي مماتهم. والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً وأن يستووا مماتاً لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات وأولئك على اقتراف السيئات، ومماتاً حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة، وقيل: معناه إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة في الرزق والصحة، وعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كان يصلي ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكي ويردد إلى الصباح، وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول: يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ } بئس ما يقضون إذا حسبوا أنهم كالمؤمنين فليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقعد على مقام المخالفة بل نفرق بينهم فنعلي المؤمنين ونخزي الكافرين. {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} ليدل على قدرته {وَلِتُجْزَىٰ } معطوف على هذا المعلل المحذوف {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } أي هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } منه باختياره الضلال أو أنشأ فيه فعل الضلال على علم منه بذلك {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ } فلا يقبل وعظاً {وَقَلْبِهِ} فلا يعتقد حقاً {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً } فلا يبصر عبرة، {غِشَـٰوَةً } حمزة وعلي {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ } من بعد إضلال الله إياه {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } بالتخفيف: حمزة وعلي وحفص، وغيرهم بالتشديد. فأصل الشر متابعة الهوى والخير كله في مخالفته فنعم ما قال: شعر : إذا طلبتك النفس يوماً بشهوة وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما هويت فإنما هواك عدو والخلاف صديق تفسير : {وَقَالُواْ مَا هِىَ} أي ما الحياة لأنهم وعدوا حياة ثانية {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } التي نحن فيها {نَمُوتُ وَنَحْيَا } نموت نحن ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعض ويحيا بعض، أو نكون مواتاً نطفاً في الأصلاب ونحيا بعد ذلك، أو يصيبنا الأمران الموت والحياة يريدون الحياة في الدنيا والموت بعدها وليس وراء ذلك حياة. وقيل: هذا كلام من يقول بالتناسخ أي يموت الرجل ثم تجعل روحه في موات فيحيا به {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } كانوا يزعمون أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبضه الأرواح بإذن الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان ومنه قوله عليه السلام: «حديث : لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر»تفسير : أي فإن الله هو الآتي بالحوادث لا الدهر {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } وما يقولون ذلك من علم ويقين ولكن من ظن وتخمين.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {هَـٰذَا هُدًى} إشارة إلى القرآن. وقوله: {لَهُمْ عَذَابٌ} بمنزلة قولك: لهم حَظٌّ، فَمِنْ هذه الجهةِ ومِنْ جِهَةِ تَغَايُرِ اللفظَيْنِ حَسُنَ قوله: {عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ}، إذ الرِّجْزُ هو العذابُ. وقوله: {لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} أَقَامَ القُدْرَةَ والإذْنَ مُنَابَ أَنْ يَأْمُرَ البَحْرَ والنَّاسَ بذلك، وقرأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحَارِبٍ: «جَمِيعاً مِنْه» بضم التاء، وقرأ أيضاً: «جَمِيعاً مَنُّهُ» [بفتح الميم وشد النون والهاء] وقرأ ابن عباس: «مِنَّةً» بالنصب على المصدر. وقوله تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} قال الغَزَّاليُّ في «الإحياء»: الْفِكْرُ والذِّكْرُ أعلَىٰ مقامَاتِ الصالحين، وقال ـــ رحمه اللَّه ـــ: اعلم أَنَّ الناظرين بِأنوار البصيرة عَلِمُوا أنْ لا نجاةَ إلاَّ في لقاء اللَّه عزَّ وجلَّ، وأَنَّه لا سبيل إلى اللقاء إلاَّ بأَنْ يَمُوتَ العبد مُحِبًّا للَّه تعالَىٰ، وعارِفاً به، وأَنَّ المحبَّةَ والأُنْسَ لا يتحصَّلانِ إلاَّ بدوامِ ذِكْرِ المحبوب، وأَنَّ المعرفة لا تحصل إلاَّ بدوام الفِكْرِ، ولن يتيسَّر دوامُ الذِّكْرِ والفِكْر إلاَّ بوداع الدنيا وشهواتها وٱلاجتزاءِ منها بقَدْرِ البُلْغَةِ والضَّرُورَةِ،، ثم قال: والقرآنُ جامعٌ لفَضْلِ الذِّكْرِ والفِكْرِ والدُّعَاءِ مَهْمَا كان بِتَدَبُّرٍ، انتهى.
اسماعيل حقي
تفسير : {هذا} اى القرءآن {هدى} اى فى غاية الكمال من الهداية كأنه نفسها كقولك زيد عدل {والذين كفروا بآيات ربهم} القرءآنية {لهم عذاب من رجز} اى من شدة العذاب {أليم} بالرفع صفة عذاب وبالفارسية ازسخت ترين عذابى ألم رسانيده. وفى الآيات اشارات. منها ان بعض الناس يسمع آيات الله فى الظاهر اذ تتلى عليه ولا يسمعها بسمع الباطن ويتصامم بحكم الخذلان والغفلة فله عذاب أليم لاستكباره عن قبول الحق وعدم العمل بموجب الآيات وكذا اذا سمعها وتلاها بغير حضور القلب. تعتيست اين كه بر لهجه وصوت. شوداز توحضور خاطر فوت. فكر حسن غنا برد هوشت. متكلم شودفراموشت. نشودبردل توتابنده. كين كلام خداست يابنده. ومن استمع بسمع الحق والفهم واستبصر بنور التوحيد فاز بذخر الدارين وتصدى لعز المنزلين. ومنها ان العالم الربانى اذا افاد شيئا من العلم ينبغى ان يكون فى حيز القبول ولا يقابل بالعناد والتأول على المراد من غير أن يكون هناك تصحيح باسناد وذلك فان العبد يكاشف امورا بتعريفات الغيب لا يتداخله فيها ريب ولا يتخالجه منها شك فمن استهان بها وقع فى ذل الحجاب وجهنم البعد كما عليه أهل الانكار فى كل الاعصار حيث لا يقبلون اكثر ما ذكره مثل الامام الغزالى والامام المكى فيكونون كمن يؤمن ببعض ويكفر ببعض بموافقة الاهوآء والاغراض. ومنها ان القرءآن هداية لكن للمقرين لا للنكرين فمن اقر بعباراته واشاراته نجا من الخذلان والوقوع فى النيران ومن انكرها وقع فى عذاب عظيم يذل فيه ويهان
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وحفص {من رجز أليم} بالرفع جعلاه صفة للعذاب. الباقون بالخفض جعلوه صفة للرجز، فكأن قال: من رجز اليم، والرجز هو العذاب فلذلك صح وصفه بأنه أليم. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {لنجزي} قوماً بالنون على وجه الأخبار من الله عن نفسه بأنه يجازيهم، الباقون بالياء رداً إلى {الله} على الاخبار عنه. معنى قوله {هذا هدى} أي هذا القرآن الذي تلوناه والكلام الذي ذكرناه {هدى} أي دلالة موصلة إلى الفرق بين ما يستحق به الثواب والعقاب، ويفرق به بين الحق والباطل من امر الدين والدنيا. ثم قال تعالى {والذين كفروا بآيات الله} وجحدوها { لهم عذاب } من عند الله جزاء على كفرهم {من رجز أليم}. ثم نبه تعالى خلقه على وجه الدلالة على توحيده، فقال {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره} ووجه الدلالة من تسخير البحر لتجري الفلك فيه بأمره، لنبتغي بتسخيره من فضل الله، فهو محسن فى فعله يستحق الشكر به على وجه لا يجوز لغيره، وإن احسن، لانه أعظم من كل نعمة. وبين انه إنما فعل ذلك لكي يشكروه على نعمه. ثم قال {وسخر لكم} معاشر الخلق {ما في السماوات وما في الأرض جميعاً} من شمس وقمر ونجم وهواء وغيث وغير ذلك وجعل السماء سقفاً مزيناً وجوهراً كريماً وسخر الأرض للاستقرار عليها وما يخرج من الاقوات منها من ضروب النبات والثمار والبر فيها إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة من ضروب نعمه مما لا يحاط به علماً، وسهل الوصول إلى الانتفاع به تفضلا {منه} على خلقه. ثم بين {إن في ذلك} يعني فى ما بينه {لآيات} ودلالات {لقوم يتفكرون} فيه ويعتبرون به. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} أي لا يخافون عذاب الله إذا أنالوكم الأذى والمكروه، ولا يرجون ثوابه بالكف عنكم. وقيل: معناه لا يرجون ثواب الله للمؤمنين، إن الله يعرفهم عقاب سيآتهم بما عملوا من ذلك وغيره. ومعنى {يغفروا} ها هنا يتركوا مجازاتهم على أذاهم ولا يكافوهم ليتولى الله مجازاتهم. وقال ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك: هو من المنسوخ. وقال ابو صالح: نسخها قوله {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} تفسير : و (يغفروا) جواب أمر محذوف دل عليه الكلام، وتقديره: قل لهم اغفروا يغفروا وصار (قل لهم) على هذا الوجه يغني عنه. وقال الفراء: معناه فى الأصل حكاية بمنزلة الأمر كقولك: قل للذين آمنوا اغفروا، وإذا ظهر الأمر مصرحاً فهو مجزوم لأنه أمر وإن كان على الخبر مثل قوله {قل للذين آمنوا يغفروا} {أية : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة} تفسير : فهذا مجزوم تشبيهاً بالجزاء. وقوله {ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون} يحتمل معنيين: احدهما - قل لهم يغفروا لهم، فان الله يجازيهم يعني الكفار، فانهم اليه يرجعون. الثاني - ان يكون المعنى ليجزيهم الله يعني المؤمنين، ويعظم أجرهم على احتمالهم وصبرهم ولن يفوتوه يعني الكافرين بل اليه مرجعهم. ثم قال تعالى {من عمل صالحاً} يعني طاعة وخيراً {فلنفسه} لان ثواب ذلك عائد عليه {ومن أساء} بأن فعل المعصية {فعليها} أي على نفسه لان عقاب معصيته يناله دون غيره. ثم قال {ثم إلى ربكم ترجعون} الذي خلقكم ودبركم تردون يوم القيامة اليه أي إلى حيث لا يملك أحد الأمر والنهي والضر والنفع غيره، فيجازي كل إنسان على قدر علمه.
الجنابذي
تفسير : {هَـٰذَا} اى المذكور من الآيات او القرآن او قرآن ولاية علىٍّ (ع)، او هذا الامر من ولاية علىّ (ع) او الاسلام وقبوله واحكامه {هُدًى} الى الايمان {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} التّكوينيّة الآفاقيّة والانفسيّة وخصوصاً الآيات العظمى الّذين هم خلفاء الله فى الارض والتّدوينيّة {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} الرّجز اشدّ العذاب.
الأعقم
تفسير : {هذا هدى} القرآن دلالة على الدين {والذين} كذبوا بآيات الله {لهم عذابٌ من رجز أليم} {الله الذي سخَّر لكم} أي لمصالحكم ومنافعكم {ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} في الدلالة {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} الآية نزلت في عمر بن الخطاب وذلك أن رجلاً من غفار شتمه فهمّ عمر أن يبطش به فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمر بالعفو عنه، يعني يتركوا مجازاتهم على الأذى لهم، وقيل: هو وعيدٌ لهم كما يقال: دعني وفلاناً لا يرجون أيام الله، قيل: لا يرجون آياته نعمه وثوابه في الآخرة، وقيل: لا يخافون عقابه ونقمته {ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون} {من عمل صالحاً فلنفسه} أي منافعه {ومن أساء فعليها} أي من عمل معصية فعليها أي وبالها عليه {ثم إلى ربكم ترجعون} إلى الموضع الذي يحكم فيه بين عباده {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} يعني التوراة، قيل: كتب الأنبياء من بني إسرائيل {والحكم}، قيل: العلم بالدين، والحكم قيل: الفصل في الأمور بين الناس {والنبوّة} فبعث منهم أنبياء {ورزقناهم من الطيبات} أي أعطيناهم من أنواع الطيبات، وقيل: المراد به المن والسلوى {وفضّلناهم على العالمين}، قيل: على عالمي زمانهم {وآتيناهم بينات من الأمر} أحكام التوراة {فما اختلفوا} في أمر دينهم {إلا من بعدما جاءهم العلم بغياً بينهم} طلباً للرئاسة وترك الانابة إلى الله تعالى {إن ربك يقضي بينهم} أي يحكم ويفصل {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} فيقضي بين المحق والمبطل {ثم جعلناك على شريعة من الأمر} أي طريقة وسنة من الأمر من الدين وهو الإِسلام {فاتبعها} أي فاتبع الشريعة بأن تعمل {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} أي الجهال {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً} أي لا يدفعون عذاباً إن نزل بك {وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض} ينصر بعضهم بعضاً ويتولى بعضهم بعضاً {والله ولي المتقين} أي ناصرهم {هذا} أي القرآن {بصائر للناس} أي معالم في الدين يبصرون به أمر دينهم {وهدىً} بيان ودلالة {ورحمة} أي نعمة {لقوم يوقنون} خصهم لانتفاعهم به.
اطفيش
تفسير : {هَذا} أى القرآن المدلول عليه بقوله "أية : يسمع آيات الله"تفسير : [الجاثية: 8] "أية : وإذا علم من آياتنا" تفسير : [الجاثية: 9] و "أية : تلك آيات الله" تفسير : [الجاثية: 6] و {بآيات ربهم} {هُدى} دلالة عظيمة، وألفاظ القرآن دالة، والتلفظ بها دلالة السامع، وان فسرنا الهدى بهدى العصمة كان المعنى أن القرآن فى كمال الدلالة، كأنه نفس العصمة والتوفيق {والَّذين كَفَروا بآيات ربَّهم} أى القرآن، وعبر بهذا بدل كفروا به، أى بذلك الذى هو هدى لزيادة تقبيح كفرهم، أو الايات القرآن وسائر المعجزات أو ذلك كله، وسائر كتب الله {لَهُم عذابُ مِن رجزٍ} من أشد العذاب {أليمْ} أسند الألم الى الرجز مبالغة، ومما يذكر أنه بمعنى مؤلم بكسر اللام تفسير للوصف من الثلاثى بمعنى الوصف من الرباعى، كمصدر الثلاثى اذا كان بمعنى المصدر مما فوقه.
الالوسي
تفسير : {هَـٰذَا } أي القرآن كما يدل عليه ما بعد وكذا ماقبل كـ {أية : يَسْمَعُ آيَـٰتُ ٱللَّه} تفسير : [الجاثية: 8] و {أية : وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا} تفسير : [الجاثية: 9] و {أية : تِلْكَ آيَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا } تفسير : [الجاثية: 6] {هُدًى } في غاية الكمال من الهداية كأنه نفسها. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِمْ } يعني القرآن أيضاً على أن الإضافة للعهد، وكان الظاهر الإضمار لكن عدل عنه إلى ما في النظم الجليل لزيادة تشنيع كفرهم به وتفظيع حالهم، وجوز أن يراد بالآيات ما يشمله وغيره. {لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ } من أشد العذاب {أَلِيمٌ } بالرفع صفة {عَذَابِ } أخر للفاصلة. وقرأ غير واحد من السبعة {أليم } بالجر على أنه صفة {رِجْزَ }، وجعله صفة {عَذَابِ } أيضاً والجر للمجاورة مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، وقيل: على قراءة الرفع إن الرجز بمعنى الرجس الذي هو النجاسة، والمعنى لهم عذاب أليم من تجرع رجس أو شرب رجس والمراد به الصديد الذي يتجرعه الكافر ولا يكاد يسيغه ولا داعي لذلك كما لا يخفى. وتنوين {عَذَابِ } في المواقع الثلاثة للتفخيم، ورفعه إما على الابتداء وإما على الفاعلية للظرف.
ابن عاشور
تفسير : جملة {هذا هدى} استئناف ابتدائي انتُقل به من وصف القرآن في ذاته بأنه منزل من الله وأنه من آيات الله إلى وصفه بأفضل صفاته بأنه هدى، فالإشارة بقوله: {هذا} إلى القرآن الذي هو في حال النزول وَالتِلاوةِ فهو كالشيء المشاهد، ولأنه قد سبق من أوصافه من قوله: { أية : تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم } تفسير : [الجاثية: 2] وقوله: { أية : تلك آيات الله } تفسير : [الجاثية: 6] إلى آخره ما صيره متميزاً شخصاً بِحسن الإشارة إليه. ووصف القرآن بأنه {هدى} من الوصف بالمصدر للمبالغة، أي: هاد للناس، فمن آمن فقد اهتدى ومن كفر به فله عذاب لأنه حَرَمَ نفسه من الهدى فكان في الضلال وارتبق في المفاسد والآثام. فجملة {والذين كفروا} عطف على جملة {هذا هدى} والمناسبة أن القرآن من جملة آيات الله وأنه مذكِّر بها، فالذين كفروا بآيات الله كفروا بالقرآن في عموم الآيات، وهذا واقع موقع التذييل لما تقدمه ابتداء من قوله: { أية : ويل لكل أفاك أثيم } تفسير : [الجاثية: 7]. وجيء بالموصول وصلته لما تشعر به الصلة من أنهم حقيقون بالعقاب. واستُحْضِروا في هذا المقام بعنوان الكُفر دون عنواني الإصرار والاستكبار اللذين استحضروا بهما في قوله: { أية : ثم يُصِرّ مستكبراً } تفسير : [الجاثية: 8] لأن الغرض هنا النعي عليهم إهمالهم الانتفاع بالقرآن وهو النعمة العظمى التي جاءتهم من الله فقابلوها بالكفران عوضاً عن الشكر، كما جاء في قوله تعالى: { أية : وتجعلون رزقكم أنكم تكذّبون } تفسير : [الواقعة: 82]. والرجز: أشد العذاب، قال تعالى: { أية : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يَفْسُقون } تفسير : [البقرة: 59]. ويجوز أن يكون حرف {مِن} للبيان فالعذاب هو الرجز ويجوز أن يكون للتبعيض، أي عذاب مما يسمى بالرجز وهو أشده. و{أليم} يجوز أن يكون وصفاً لــ{عذاب} فيكون مرفوعاً وكذلك قرأه الجمهور. ويجوز أن يكون وصفاً لــ{رجزٍ} فيكون مجروراً كما قرأه ابن كثير وحفص عن عاصم.
الشنقيطي
تفسير : الإشارة في قوله {هَـٰذَا هُدًى} راجعة للقرآن العظيم المعبر عنه بآيات الله في قوله{أية : تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 252]. وقوله{أية : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ ٱللَّهِ وَآيَاتِهِ}تفسير : [الجاثية: 6] الآية. وقوله:{أية : يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ}تفسير : [الجاثية: 8] وقوله:{أية : وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً}تفسير : [الجاثية: 9]. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن هدى، وأن من كفر بآياته له العذاب الأليم، جاء موضحاً في غير هذا الموضع. أما كون القرآن هدى، فقد ذكره تعالى، في آيات كثيرة كقوله تعالى{أية : وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأعراف: 52]. وقوله تعالى:{أية : وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ}تفسير : [النحل: 89] وقوله تعالى{أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ }تفسير : [الإسراء: 9] وقوله تعالى{أية : شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَان}تفسير : [البقرة: 185] وقوله{أية : الۤمۤ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 1-2] وقوله تعالى:{أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ}تفسير : [فصلت: 44]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وأما كون من كفر بالقرآن يحصل له بسبب ذلك العذاب الأليم، فقد جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى{أية : وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ}تفسير : [هود: 17] الآية: وقوله تعالى{أية : وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً}تفسير : [طه: 99-101] وقوله تعالى:{أية : ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوۤاْ آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً}تفسير : [الكهف: 106] والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة. وقد قدمنا في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}تفسير : [فصلت: 17] الآية. وغير ذلك من المواضع، أن الهدى يطلق في القرآن إطلاقاً عاماً، بمعنى أن الهدى هو البيان والإرشاد وإيضاح الحق، كقوله {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ}تفسير : [فصلت: 17] أي بينا لهم الحق وأوضحناه وأرشدناهم إليه وإن لم يتبعوه، وكقوله{أية : هُدًى لِّلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 185] وقوله هنا {هَـٰذَا هُدًى} وأنه يطلق أيضاً في القرآن بمعناه الخاص وهو التفضل بالتوفيق إلى طريق الحق والاصطفاء كقوله{أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِين}تفسير : [البقرة: 2] وقوله {أية : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ}تفسير : [فصلت: 44] وقوله {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى}تفسير : [محمد: 17] وقوله{أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90] إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحنا في سورة فصلت أن معرفة إطلاق الهدى المذكورين، يزول بها الإشكال الواقع في آيات من كتاب الله. والهدى مصدر هداه على غير قياس، وهو هنا من جنس النعت بالمصدر، وبينا فيما مضى مراراً أن تنزيل المصدر منزلة الوصف إما على حذف مضاف، وإما على المبالغة. وعلى الأول فالمعنى هذا القرآن ذو هدى أي يحصل بسببه الهدى لمن اتبعه كقوله {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}تفسير : [الإسراء: 9]. وعلى الثاني فالمعنى أن المراد المبالغة في اتصاف القرآن بالهدى حتى أطلق عليه أنه هو نفس الهدى. وقوله في هذه الآية الكريمة، لهم عذاب من رجز أليم، أصح القولين فيه أن المراد بالرجز العذاب، ولا تكرار في الآية لأن العذاب أنواع متفاوتة والمعنى لهم عذاب، من جنس العذاب الأليم، والأليم معناه المؤلم. أي الموصوف بشدة الألم وفظاعته. والتحقيق إن شاء الله: أن العرب تطلق الفعيل وصفاً بمعنى المفعل، فما يذكر عن الأصمعي من أنه أنكر ذلك إن صح عنه فهو غلط منه، لأن إطلاق الفعيل بمعنى المفعل معروف في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومن إطلاقه في القرآن العظيم قوله تعالى: {أية : عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [البقرة: 10] أي مؤلم وقوله تعالى:{أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة: 117] أي مبدعهما وقوله تعالى:{أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ}تفسير : [سبأ 46] الآية. أي منذر لكم، ونظير ذلك من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب: شعر : أمن ريحانة الداعي السميع يؤرقني وأصحابي هجوع تفسير : فقوله الداعي السميع يعني الداعي المسمع. وقوله أيضاً: شعر : وخيل قد دلفت لها بخيل تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : أي موجع. وقول غيلان بن عقبة: شعر : ويرفع من صدور شمردلات يصك وجوهها وهج أليم تفسير : أي مؤلم. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم من رجز أليم بخفض أليم على أنه نعت لرجز. وقرأه ابن كثير وحفص عن عاصم من رجز أليم، برفع أليم على أنه نعت لعذاب.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِ} (11) - هذا القُرآنُ، الذِي أَنزلَهُ اللهُ تَعَالى عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، هُوَ هُدًى يَهدِي إِلى الحَقِّ، وإِلى صِراطِ اللهِ المُستَقِيمِ. والذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ، التِي أَنزَلَها عَلَى رُسُلِه، لَهُم في الآخِرةِ العَذَابُ الأَليمُ المُوجعُ. رِجْزٍ - أَشَدِّ العَذَابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {هَـٰذَا ..} [الجاثية: 11] إشارة إلى الهدى، وهو المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن، والهدى هو الذي يهديك يعني يدلُّك على الطريق الموصِّل للغاية من أقرب الطرق وأسهلها وأكثرها أمناً دون مشقة على النفس. وفي أول سورة البقرة {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..} تفسير : [البقرة: 5] فكأن الهدى مركب يحملك إلى غايتك، ودابة تسير بك حتى تنجيك. {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ ..} [الجاثية: 11] قال (ربهم) مع أنهم كافرون به، لأنه تعالى رَبُّ يتودَّد إليهم حتى مع كفرهم وجحودهم، وهذا كما قلنا عطاء الربوبية الذي لا يُفرِّق بين مؤمن وكافر فيعطي الكل ويتحنَّن إلى الجميع، فهم جميعاً عباده وصَنْعته. {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} [الجاثية: 11] مرة يقول: عذاب أليم، ومرة {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} [الجاثية: 11] والرجز هو أشد ألوان العذاب، والعذاب إيلام الحيِّ. وكلمة (العذاب) هذه حَلَّتْ كثيراً من الإشكالات بين العلماء، حيث قال البعض: إنه لا يوجد رَجْم في القرآن إنما يوجد الجَلْد، واستدلوا بقوله تعالى في الأمة: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} تفسير : [النساء: 25]. الكلام هنا على الحد يُقام على الحرَّة وعلى الأَمَة، معنى المحصنات يعني: الحرائر، فقالوا: إن الرجم لا يُنصِّف والذي يُنصِّف هو الجَلْد، تُجلد هذه مائة، وهذه خمسين، وما دام الرجم لا يُنصَّف. إذن: في الآية كلام. ونقول: قد يكون كلامهم صحيحاً إذا قال تعالى {أية : نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ ..} تفسير : [النساء: 25] وسكت ولكنه قال بعدها {أية : مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} تفسير : [النساء: 25] والعذاب إيلامُ الحيِّ ولكن الرجم إماتة. إذن: إيلامُ الحيِّ في أنْ يُجلد، إنما الرجم يذهب بالحياة فلا تتعذب. بدليل أن الحق سبحانه لما تكلم عن هدهد سيدنا سليمان - عليه السلام - قال: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ ..} تفسير : [النمل: 21] إذن: العذاب غير الذبح. ومعنى {كَفَرُواْ بِآيَٰتِ رَبِّهِمْ ..} [الجاثية: 11] يعني: ستروها وجحدوها، إذن: هي موجودة لكنهم أخفوْهَا، ومثله كفروا بالله يعني: ستروا وجوده سبحانه، فالسَّتْر لا يكون إلا لموجود أولاً ثم يُستر، فكأن الإيمانَ موجودٌ وأصله في النفس، ثم يأتي الكفر فيستره.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):