Verse. 4485 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

اَللہُ الَّذِيْ سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيْہِ بِاَمْرِہٖ وَلِتَبْتَغُوْا مِنْ فَضْلِہٖ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوْنَ۝۱۲ۚ
Allahu allathee sakhkhara lakumu albahra litajriya alfulku feehi biamrihi walitabtaghoo min fadlihi walaAAallakum tashkuroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك» السفن «فيه بأمره» بإذنه «ولتبتغوا» تطلبوا بالتجارة «من فضله ولعلكم تشكرون».

12

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى ذكر الاستدلال بكيفية جريان الفلك على وجه البحر وذلك لا يحصل إلا بسبب تسخير ثلاثة أشياء أحدها: الرياح التي تجري على وفق المراد ثانيها: خلق وجه الماء على الملاسة التي تجري عليها الفلك ثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تغوص فيه. وهذه الأحوال الثلاثة لا يقدر عليها واحد من البشر، فلا بد من موجد قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى، وقوله {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } معناه إما بسبب التجارة، أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لأجل استخراج اللحم الطري. ثم قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مّنْهُ } والمعنى لولا أن الله تعالى أوقف أجرام السموات والأرض في مقارها وأحيازها لما حصل الانتفاع، لأن بتقدير كون الأرض هابطة أو صاعدة لم يحصل الانتفاع بها، وبتقدير كون الأرض من الذهب والفضة أو الحديد لم يحصل الانتفاع، وكل ذلك قد بيناه، فإن قيل ما معنى {مِنْهُ } في قوله {جَمِيعاً مّنْهُ }؟ قلنا معناه أنها واقعة موقع الحال، والمعنى أنه سخّر هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده يعني أنه تعالى مكونها وموجودها بقدرته وحكمته ثم مسخرها لخلقه، قال صاحب «الكشاف» قرأ سلمة بن محارب منه على أن يكون منه فاعل سخر على الإسناد المجازي أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ذلك منه أو هو منه. واعلم أنه تعالى لم علم عباده دلائل التوحيد والقدرة والحكمة، أتبع ذلك بتعليم الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة بقوله {قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } والمراد بالذين لا يرجون أيام الله الكفار، واختلفوا في سبب نزول الآية قال ابن عباس {قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ } يعني عمر {يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } يعني عبد الله بن أُبي، وذلك أنهم نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال لها المريسيع، فأرسل عبد الله غلامة ليستقي الماء فأبطأ عليه، فلما أتاه قال له ما حبسك؟ قال غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أحد يستقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبي بكر وملأ لمولاه، فقال عبد الله ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمن كلبك يأكلك، فبلغ قوله عمر فاشتمل بسيفه يريد التوجه إليه، فأنزل الله هذه الآية، وقال مقاتل شتم رجل من كفار قريش عمر بمكة فهم أن يبطش به فأمر الله بالعفو والتجاوز وأنزل هذه الآية. وروى ميمون بن مهران أن فنحاص اليهودي لما أنزل قوله { أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } تفسير : [البقرة: 245] قال احتاج رب محمد، فسمع بذلك عمر فاشتمل على سيفه وخرج في طلبه، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى رده، وقوله {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } قال ابن عباس لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عقاب الأمم الخالية، وذكرنا تفسير أيام الله عند قوله { أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } تفسير : [إبراهيم: 5] وأكثر المفسرين يقولون إنه منسوخ، وإنما قالوا ذلك لأنه يدخل تحت الغفران أو لا يقتلوا، فما أمر الله بهذه المقاتلة كان نسخاً، والأقرب أن يقل إنه محمول على ترك المنازعة في المحقرات على التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية والأفعال الموحشة. ثم قال تعالى: {لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } أي لكي يجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير، قإن قيل: ما الفائدة في التنكير في قوله {ليجزي قَوْماً } مع أن المراد بهم هم المؤمنون المذكورون في قوله {قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ }؟ قلنا التنكير يدل على تعظيم شأنهم كأنه قيل: ليجزي قوماً وأي قوم من شأنهم الصفح عن السيئات والتجاوز عن المؤذيات وتحمل الوحشة وتجرع المكروه، وقال آخرون معنى الآية قل للمؤمنين يتجاوزوا عن الكفار، ليجزي الله الكفار بما كانوا يكسبون من الإثم، كأنه قيل لهم لا تكافئوهم أنتم حتى نكافئهم نحن، ثم ذكر الحكم العام فقال: {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ } وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون {وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } مثل ضربه للكفار الذين كانوا يقدمون على إيذاء الرسول والمؤمنين وعلى ما لا يحل، فبيّـن تعالى أن العمل الصالح يعود بالنفع العظيم على فاعله، والعمل الردىء يعود بالضرر على فاعله، وأنه تعالى أمر بهذا ونهى عن ذلك لحظ العبد لا لنفع يرجع إليه، وهذ ترغيب منه في العمل الصالح وزجر عن العمل الباطل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ذكر كمال قدرته وتمام نعمته على عباده، وبيّن أنه خلق ما خلق لمنافعهم. {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} يعني أن ذلك فعله وخلقه وإحسانٌ منه وإنعام. وقرأ ابن عباس والجحدرِي وغيرهما «جَمِيعاً مِنّةً» بكسر الميم وتشديد النون وتنوين الهاء، منصوباً على المصدر. قال أبو عمرو: وكذلك سمعت مسلمة يقرؤها «مِنّةً» أي تفضلاً وكرماً. وعن مسلمة بن محارب أيضاً «جميعاً مَنُّهُ» على إضافة المنّ إلى هاء الكناية. وهو عند أبي حاتم خبر ٱبتداء محذوف، أي ذلك، أو هو مَنُّه. وقراءة الجماعة ظاهرة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى نعمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر {لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ} وهي السفن فيه بأمره تعالى؛ فإنه هو الذي أمر البحر بحملها، {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي: في المتاجر والمكاسب، {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية، ثم قال عز وجل: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} أي: من الكواكب والجبال، والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به، أي: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه، ولهذا قال: {جَمِيعاً مِّنْهُ} أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك؛ كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْـئَرُونَ} تفسير : [النحل: 53] وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تبارك تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}: كل شيء هو من الله. وذلك الاسم فيه اسم من أسمائه، فذلك جميعاً منه ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن أنه كذلك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: مم خلق الخلق؟ قال: من النور والنار، والظلمة والثرى. قال: وائت ابن عباس رضي الله عنهما فاسأله، فأتاه، فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله مِمَّ خلق ذلك كله؟ فرجع إليه فسأله، فتلا: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} هذا أثر غريب، وفيه نكارة {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. وقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} أي: ليصفحوا عنهم، ويتحملوا الأذى منهم، وكان هذا في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب؛ ليكون ذلك كالتأليف لهم، ثم لما أصروا على العناد، شرع الله للمؤمنين الجلاد والجهاد. هكذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة، وقال مجاهد: {لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} لا ينالون نعم الله تعالى، وقوله تبارك وتعالى: {لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} أي: إذا صفحوا عنهم في الدنيا، فإن الله عز وجل مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة، ولهذا قال تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي: تعودون إليه يوم القيامة، فتعرضون بأعمالكم عليه، فيجزيكم بأعمالكم خيرها وشرها، والله سبحانه وتعالى أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ } السفن {فِيهِ بِأَمْرِهِ } بإذنه {وَلِتَبْتَغُواْ } تطلبوا بالتجارة {مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: لا ينالون نعم الله، قاله مجاهد. الثاني: لا يخشون عذاب الله، قاله الكلبي ومقاتل. الثالث: لا يطمعون في نصر الله في الدنيا ولا في الآخرة، قاله ابن بحر. وفي المراد بأيام الله وجهان: أحدهما: أيام إنعامه وانتقامه في الدنيا، لأنه ليس في الآخرة، وتكون الأيام وقتاً وإن تكن أياماً على الحقيقة. وفي الكلام أمر محذوف فتقديره: قل للذين آمنوا إغفروا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله. الغفران ها هنا العفو وترك المجازاة على الأذى. وحكى الكلبي أن هذه الآية نزلت في عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد شتمه رجل من المشركين فهمَّ أن يبطش به، فلما نزل ذلك فيه كف عنه. وفي نسخ هذه الآية قولان: أحدهما: أنها ثابتة في العفو عن الأذى في غير الدين. الثاني: أنها منسوخة وفيما نسخها قولان: أحدهما: بقوله سبحانه {فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} قاله قتادة. الثاني: بقوله {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُم ظُلِمُواْ} قاله أبو صالح.

ابن عطية

تفسير : هذه آية عبرة في جريان السفينة في البحر، وذلك أن الله تعالى سخر هذا المخلوق العظيم لهذا المخلوق الحقير الضعيف. وقوله: {بأمره} أقام القدرة والإذن مناب أن يأمر البحر والناس بذلك. والابتغاء من فضل الله: هو بالتجارة في الأغلب، وكذلك مقاصد البر من حج أو جهاد هي أيضاً ابتغاء فضل، والتصير فيه هو ابتغاء فضل. وتسخير {ما في السماوات}: هو تسخير الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح والهواء والملائكة الموكلة بهذا كله، ويروى أن بعض الأحبار نزل به ضيف فقدم إليه رغيفاً، فكأن الضيف احتقره فقال له المضيف: لا تحتقره فإنه لم يستدر حتى تسخر فيه من المخلوقات والملائكة ثلاثمائة وستون بين ما ذكرنا من مخلوقات السماء وبين الملائكة وبين صناع بني آدم الموصلين إلى استدارة الرغيف، وتسخير ما في الأرض هو تسخير البهائم والمياه والأودية والجبال وغير ذلك. ومعنى قوله: {جميعاً منه} قال ابن عباس: كل إنعام فهو من الله تعالى. وقرأ جمهور الناس: "منه" وهو وقف جيد. وقرأ مسلمة بن محارب: "مَنُّه" بفتح الميم وشد النون المضمومة بتقدير: هو منه. وقرأ ابن عباس: بكسر الميم وفتح النون المشددة ونصب التاء على المصدر. قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى ابن عباس مظلم، وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس وعبد الله بن عمر والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير. وقرأ مسلمة بن محارب أيضاً: "مِنةٌ" بكسر الميم وبالرفع في التاء. وقوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا} الآية، آية نزلت في صدر الإسلام، أمر الله المؤمنين فيها أن يتجاوزوا عن الكفار وأن لا يعاقبوهم بذنب، بل يأخذون أنفسهم بالصبر، قاله محمد بن كعب القرظي والسدي. قال أكثر الناس: وهذه آية منسوخة بآية القتال وقالت فرقة: الآية محكمة، والآية تتضمن الغفران عموماً، فينبغي أن يقال: إن الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة ونحو ذلك قد نسخ غفرانه آية السيف والجزية وما أحكمه الشرع لا محالة، وإن الأمور المحقرة كالجفاء في القول ونحو ذلك يحتمل أن يتقى محكمه، وأن يكون العفو عنها أقرب إلى التقوى. وقال ابن عباس لما نزلت: {أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً} تفسير : [البقرة: 245] قال فنحاص اليهودي. احتاج رب محمد، فأخذ عمر سيفه ومر ليقتله، فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : إن ربك يقول: {قل للذين آمنوا}"تفسير : الآية، فهذا احتجاج بها مع قدم نزولها. وقد ذكر مكي وغيره أنها نزلت بمكة في عمر رضي الله عنه لما أراد أن يبطش بمشرك شتمه. وأما الجزم في قوله: {يغفروا} فهو جواب شرط مقدر تقديره: قل اغفروا فإن يجيبوا يغفروا. وأخصر عندي من هذا أن {قل} هي بمثابة: أندب المؤمنين إلى الغفر. وقوله: {أيام الله} قالت فرقة معناه: أيام إنعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك، فـ {يرجون} على هذا هو من بابه. وقال مجاهد: {أيام الله} تعالى هي أيام نقمه وعذابه، فـ {يرجون} على هذا هي التي تتنزل منزلة يخافون، وإنما تنزلت منزلتها من حيث الرجاء والخوف متلازمان لا تجد أحدهما إلا والآخر معه مقترن، وقد تقدم شرح هذا غير مرة، وقرأ جمهور القراء "ليجزي" بالياء على معنى: ليجزي الله. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي والأعمش وأبو عبد الرحمن وابن وثاب: "لنجزي" بالنون. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بخلاف عنه "ليُجزَى" على بناء الفعل للمفعول "قوماً"، وهذا على أن يكون التقدير: ليجزي الجزاء قوماً، وباقي الآية وعيد.

الخازن

تفسير : {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله} أي بسبب التجارة واستخراج منافعه {ولعلكم تشكرون} نعمته على ذلك {وسخر لكم ما في السموات والأرض} يعني أنه تعالى خلقها ومنافعها فهي مسخرة لنا من حيث إنا ننتفع بها {جميعاً منه} قال ابن عباس: كل ذلك رحمه منه وقيل كل ذلك تفضل منه وإحسان {إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}. قوله عز وجل: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون بمقته، قال ابن عباس: نزلت في عمر بن الخطاب وذلك أن رجلاً من بني غفار شتمه بمكة فهم عمر أن يبطش به فأنزل الله هذه الآية وأمره أن يعفو عنه وقيل نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة كانوا في أذى شديد من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية ثم نسخها بآية القتال {ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون} أي من الأعمال ثم فسر ذلك فقال تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون}. قوله تعالى: {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} يعني التوراة {والحكم} يعني معرفة أحكام الله {والنبوة ورزقناهم من الطيبات} أي الحلالات وهو ما وسع عليهم في الدنيا وأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم وأنزل عليهم المن والسلوى {وفضلناهم على العالمين} أي على عالمي زمانهم، قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم {وآتيناهم بينات من الأمر} أي بيان الحلال والحرام وقيل العلم ببعث محمد صلى الله عليه وسلم وما بين لهم من أمره {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} معناه التعجب من حالهم وذلك لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الاختلاف وهنا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف وذلك أنه لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم وإنما كان مقصودهم منه طلب الرياسة والتقدم ثم إنهم لما علموا عاندوا وأظهروا النزاع والحسد والاختلاف {إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ...} الآية لما ذكر تعالى الاستدلال بكيفية جَرَيَان الفلك على وجه البحر؛ وذلك لا يحصل إلا بتسخير ثلاثة أشياء: أحدها: الرياح التي توافق المراد. وثانيها: خلق وجه الماء على المَلاَسَةِ التي تجري عليها الفُلك. وثالثها: خلق الخشبة على وجه تبقى طافية على وجه الماء ولا تَغْرقُ عنه. وهذه الأحوال لا يقدر عليها أحد من البشر ولا بدّ من موجود قادر عليها وهو الله سبحانه وتعالى. وقوله {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} إما بالتجارة وإما الغوص على اللؤلؤ والمرجان، أو لاستخراج اللَّحم الطَّرِيِّ. قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي خلقها مسخرة لنا. أي لنفعنا. قوله: "جميعاً" حال من {ما في السموات وما في الأرض} أو توكيد. وقد عدها ابن مالك في أَلْفَاظِهِ و "منه" يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة لـ "جميعاً" وأن يتعلق "بسَخَّر" أي هو صادر من جهته ومن عنده. وجوَّز الزمخشري في "منه" أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُنَّ جَمِيعاً منه، وأن يكون {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} مبتدأ و "منه" خبره. قال أبو حيان: وهَذَانِ لا يجوزان إلاَّ على رأي الأخفش، من حيث إنَّ الحال تقدمت يعني "جَمِيعاً" فقدمت على عاملها المعنوي يَعْنِي الجَار فهي نظير: زَيْدٌ قَائِماً فِي الدَّارِ والعامة على "مِنْهُ". وابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ بكسر الميم وتشديد النون ونصب التاء. جعله مصدراً مِنْ: "مَنَّ يَمُنُّ مِنَّةً" فانتصبا به عنده على المصدر المؤكد، وإما بعامل مضمر، وإما بسخَّر لأنه بمعناه. قال أبو حاتم: سند هذه القراءة إلى ابن عباس مظلم. قال شهاب الدين: قد رُوِيَتْ أيضاً عن جماعة جلة غير ابن عباس، فنقلها بن خالويه عنه وعن عُبَيْد بْنِ عُمَيْر ونقلها صاحب اللوامح وابن جني عن ابن عباس، وعبد الله بن عمرو والجَحْدَريّ وعبد الله بن عُبَيْد بن عُمَيْر. وقرأ مُسْلِمَةُ بْنُ مَحَارِب كذلك إلا أنه رفع التاء جعلها خَبَر ابْتداءٍ مضمر، أي هي مِنَّةً. وقرأ أيضاً في رواية أخرى بفتح الميم وتشديد النون و "ها" كناية مضمومة جعله مصدراً مضافاً لضمير الله تعالى. ورفعه من وجهين: أحدهما: بالفاعلية بسَخَّر، أي سَخَّرَ لَكُمْ هَذِهِ الأشياءَ مَنُّهُ عَلَيْكُمْ. والثاني: أن يكون خبر ابتداء مضمر، أي هُو، أو ذَلِكَ مَنُّهُ عليكم إنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. قوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ} تقدم نظيره في سورة إبراهيمَ، قال ابن عباس: ـ رضي الله عنهما ـ المراد بالَّذِينَ آمنوا عمرُ بنُ الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يَغْفِرُوا لاَ يَرْجَونَ أَيَّامَ اللهِ يعني عَبْد الله بْنَ أُبَيِّ، وذلك أنهم نزلوا في غَزَاةِ بني المصْطَلَق على بئرٍ يقال لها: المريسيع فأرسل عبد الله غلامه ليستقي الماء، فأبطأ عليه، فلما أتاه، قال له: ما حَبَسَك؟ فقال: غُلام عمر قعد على طَرف البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قُرَبَ النبي، وقُرَبَ أبي بكر، فقال عبد الله بن أُبَيٍّ: ما مِثْلُنا ومِثْلُ هؤلاء إلا كما قيل: سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأكُلْكَ، فبلغ ذَلِكَ عُمَر، فاشتمل بسيفه، يريد التوجه (له) فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: إنَّ رَجُلاً من بني غِفار شتم عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب ـ (رضي الله عنه) ـ بمكَّةَ، فهم عمر أن يَبْطِشَ به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالعفو والتَّجَاوز، وروى مَيْمُونُ بْنُ مهرانَ أَن فِنحاصَ اليهوديَّ لما نزل قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [البقرة:245] قال: احتاجَ رَبُّ محمَّد، فسمع ذلك عُمَرُ، فاشتمل على سيفه، وخرج في طلبه فبعث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إليه فردَّه. وقال القُرظِيُّ والسُّدِّيُّ: نزلت في ناسٍ من أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهل مكة كانوا في آَذًى كثير من المشركين قبل أن يؤمروا بالقتال فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأنزل الله هذه الآية ثم نَسَخَتْهَا آيةُ القِتَال. قال ابن الخطيب: وإنما قالوا بالنسخ، لأنه يدخل تحت الغفران أن لا يَقْتلُوا ولا يقاتِلوا فلما أمروا بالمقاتلة كان نسخاً. والأقرب أن يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز عما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية وقوله: {لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} قال ابن عباس: لا يرجون ثواب الله ولا يخافون عقابه ولا يخشون مثل عذاب الأمم الخالية وتقدير تفسير "أيام الله" عند قوله: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}تفسير : [إبراهيم:5]. قوله: {لِيَجْزِيَ قَوْماً} قرأ ابن عامر والأَخَوَانِ: لنَجْزِي بنون العظمة، أي لنَجْزي نَحْنُ. وباقي السبعة ليَجْزِي بالياء من تحت مبنياً للفاعل؛ أي ليجزي اللهُ. وأبو جعفر ـ بخلاف عنه وشيبةُ وعَاصمٌ ـ في رواية ـ كذلك إلا أنه مبني للمفعول هذا مع نصب "قوماً". وفي القائم مقام الفاعل ثلاثة أوجه: أحدها: ضمير المفعول الثاني، عاد الضمير عليه لدلالة السِّياق تقديره: ليجزي هو أي الخير قوماً والمفعول الثاني من باب أعطى، بقوم مقام الفاعل بلا خلافٍ، ونظيره: الدِّرْهَمَ أُعْطِيَ زَيْداً. الثاني: أن القائم مقامه ضمير المصدر المدلول عليه بالفعل، أي ليُجْزَى الجَزَاءَ. وفيه نظر لأنه لا يترك المفعول به، ويقام المصدر، لا سيما مع عدم التصريح به. الثالث: أن القائم مقامه الجار والمجرور، وفيه حجة للأخفش والكوفيين حيث يجيزون نيابة غير المفعول به مع وجوده وأنشدوا: شعر : 4441ـ ............................ لَسُبَّ بِذَلِكَ الجِـرْوِ الكِــلاَبَا تفسير : و: شعر : 4442ـ لَــمْ يُعْـــنَ بالْعَلْيَــاءِ إلاَّ سَيِّــدَا تفسير : والبصريون لا يُجِيزُونَه. فصل المعنى لكي نجازي بالمغفرة قوماً يعملون الخير. فإن قيل: ما الفائدة من تنكير "قَوْماً" مع أن المراد بهم المؤمنون المذكورون في قوله: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ}؟. فالجواب: أن التنكير بدل على تعظيم شأنهم، كأنه قيل: ليجزِي قَوْماً وأَيّ قوم قوماً من شأنهم الصَّفْحُ عن السّيئات، والتجاوز عن المؤذيات، وتجرع المكروه، كأنه قيل: لا تكافئوهم أنتم حتى نُكَافِئَهُمْ نحن. ثم ذكر الحكم العام فقال: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ} وهو مثل ضربه الله للذين يغفرون {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} مثل ضربه الله للكفار الذين كانوا يؤذون الرسول والمؤمنين {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر من طريق عكرمة رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لم يكن يفسر أربع آيات قوله ‏{‏وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه‏} ‏ والرقيم والغسلين‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال‏:‏ لم يفسر ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية إلا لندبة القارىء ‏ {‏وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه‏} ‏‏. وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه‏} ‏ نور الشمس والقمر‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه‏}‏ قال‏:‏ كل شيء هو من الله‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن طاوس رضي الله عنه قال‏:‏ جاء رجل إلى عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما فسأله: مم خلق الخلق‏؟‏ قال‏:‏ من الماء والنور والظلمة والريح والتراب‏.‏ قال‏:‏ فمم خلق هؤلاء‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري‏.‏ ثم أتى الرجل عبدالله بن الزبير رضي الله عنه فسأله فقال له مثل قول عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، فأتى ابن عباس رضي الله عنهما فسأله‏:‏ مم خلق الخلق‏؟‏ قال‏:‏ من الماء والنور والظلمة والريح والتراب‏.‏ قال‏:‏ فمم خلق هؤلاء‏؟‏ فقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه‏} ‏ فقال الرجل‏:‏ ما كان يأتي بهذا إلا رجلٌ من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

ابو السعود

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ} بأنْ جعلَه أملسَ السطحِ يطفُو عليهِ ما يتخللُ كالأخشابٍ ولا يمنعُ الغوضَ والخرقَ لمَيَعانه. {لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} وأنتم راكبوها {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} بالتجارةِ والغوصِ والصيدِ وغيرِها {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ولكيْ تشكرُوا النعَم المترتبةَ على ذلكَ {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِى وٱلأَرْضِ} من الموجوداتِ بأنْ جعلَها مداراً لمنافعِكم {جَمِيعاً} إما حالٌ مِنْ ما في السمواتِ والأرضِ، أو توكيدٌ له {مِنْهُ} متعلقٌ بمحذوفٍ هو صفةٌ لجميعاً أو حالٌ منْ مَا، أيْ جميعاً كائناً منْهُ تعالَى، أو سخَّر لكُم هذهِ الأشياءَ كائنةً منه مخلوقةً له تعالى أو خبرٌ لمحذوفٍ أيْ هي جميعاً منْهُ تعالَى. وقُرِىءَ منه عَلى المفعولِ لَهُ ومنه على أنه فاعلُ سخَّر على الإسنادِ المجازيِّ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ أي ذلكَ منْهُ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذُكِرَ من الأمورِ العظامِ {لآيَاتٍ} عظيمةَ الشأنِ كثيرةَ العددِ {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في بدائعِ صُنْعِ الله تعالى فإنَّهم يقفونَ بذلكَ على جلائلِ نعمهِ تعالى ودقائِقها ويوفقونَ لشكرِها. {قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ} حُذفَ المقولُ لدلالةِ {يَغْفِرُواْ} عليهِ فإنَّه جوابٌ للأمرِ باعتبارِ تعلقهِ به لا باعتبارِ نفسِه فقطْ أي قُلْ لهم اغفِروا يغفروا. {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} أي يعفُوا ويصفحوا عنِ الذينَ لا يتوقعونَ وقائعَهُ تعالى بأعدائِه من قولِهم أيامُ العربِ لوقائِعها، وقيلَ: لا يأملون الأوقاتَ التي وقَّتها الله تعالى لثوابِ المؤمنينَ ووعدهم الفوزَ فيها. قيلَ: نزلتْ قبلَ آيةِ القتالِ ثمَّ نُسختْ بها، وقيلَ: نزلتْ في عمرَ رضيَ الله عنه حينَ شتمَهُ غفاريٌّ فهَّم أنْ يبطشَ بهِ، وقيلَ: حينَ قالَ ابنُ أُبـيِّ ما قالَ، وذلكَ أنَّهم نزلُوا في غزوةِ بني المصطلِقِ على بئرٍ يقالُ لها المرُ يْسِيْعُ فأرسلَ ابنُ أُبـيَ غلامَهُ يستَقي فأبطأَ عليهِ فلمَّا أتاهُ قالَ له: ما حبسكَ؟ قال: غلامُ عمرَ قعدَ على طرفِ البئرِ فما تركَ أحداً يستَقي حتى ملأَ قُرَبَ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم وقُرَبَ أبـي بكرٍ، فقالَ ابنُ أُبـيَ: ما مثلُنا ومثلُ هؤلاءِ إلا كَما قيلَ: سمِّنْ كلْبكَ يأكلْكَ فبلغَ ذلكَ عمرَ رضيَ الله عنه فاشتملَ سيفَهُ يريدُ التوجَه إليهِ فأنزلَها الله تعالَى. {لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تعليلٌ للأمرِ بالمغفرةِ، والمرادُ بالقومِ المؤمنونَ والتنكيرِ لمدحِهم والثناءِ عليهم، أي أُمروا بذلكَ ليجزيَ يومَ القيامةِ قوماً أيَّما قومٍ قوماً مخصوصينَ بما كسبوا في الدُّنيا من الأعمالِ الحسنةِ التي من جُملتها الصبرُ على أذيةِ الكفارِ والإغضاءُ عنهم بكظمِ الغيظِ واحتمالِ المكروهِ ما يقصرُ عنه البـيانُ من الثوابِ العظيمِ. هذا وقد جُوِّزَ أنْ يرادَ بالقومِ الكفرةُ وبما كانُوا يكسبونَ سيئاتُهم التي من جُملتها ما حُكِيَ من الكلمةِ الخبـيثةِ، والتنكيرُ للتحقيرِ، وفيهِ أنَّ مطلقَ الجزاءِ لا يصلحُ تعليلاً للأمرِ بالمغفرةِ لتحققِه على تقديريْ المغفرةِ وعدمِها فلا بُدَّ من تخصيصِه بالكلِّ بأنْ لا يتحققَ بعضٌ منه في الدُّنيا أو بما يصدرُ عنه تعالى بالذاتِ وفي ذلكَ من التكلفِ ما لا يخفِى وأنْ يرادَ كلا الفريقينِ وهو أكثرُ تكلفاً وأشدُّ تمحلاً. وقُرِىءَ ليُجْزَى قومٌ وليُجْزَى قوماً أي ليُجْزَى الجزاءُ قوماً، وقُرِىءَ لنَجْزِي بنونِ العظمةِ.

القشيري

تفسير : عندما يركبون البحرَ فلربما تَسْلَمُ السفينةُ ولربما تغرق. وكذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشي به رياح العناية، وأَشْرِعَةُ التوكل مرفوعةٌ، والسُّبُلُ في بحر اليقين واضحة. وطالما تهب رياحُ السلامة فالسفينةُ ناجيةٌ. أمَّا إنْ هبَّت نكباتُ الفتنةِ فعندئذٍ لا يبْقى بيد الملاَّحِ شيءٌ، والمقاديرُ غالبةٌ، وسرعان ما تبلغ قلوبُ أهلِ السفينةِ الحناجرَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {الله الذى سخر لكم البحر} بأن جعله املس السطح يعلو عليه ما شأنه الغوص كالاخشاب ولا يمنع الغوص والحزق لميعانه فانه لو جعل خشن السطح بان كان ذا ارتفاع وانخفاض لم يتيسر جرى الفلك عليه وكذا لو جعله بحيث لا تطفو عليه الاخشاب ونحوها بل تسفلت وغرقت فيه لم يتيسر ذلك ايضا ولو جعله صلبا مصمتا يمنع الغوص فيه لم يمكن تحصيل المنافع المترتبة على الغوص {لتجرى الفلك فيه بأمره} اى باذنه وتيسيره وانتم راكبوها {ولتبتغوا من فضله} بالتجارة والغوص على اللؤلؤ والمرجان ونحوها من منافع البحر {ولعلكم تشكرون} ولكى تشكروا النعم المترتبة على ذلك بالاقرار بوحدانية المنعم بها وفى الاية اشارة الى انه تعالى سخر بحر العدم لتجرى فيه فلك الوجود بامره وهو امركن والحكمة فى هذا التسخير مختصة بالانسان لا بالفلك سخر البحر والفلك له وسخره لنفسه ليكون خليفته ومظهرا لذاته وصفاته نعمة منه وفضلا لاظهار الكنز المخفى فبحسب كل مسخر من الجزئيات والكليات يجب على العبد شكره وشكره ان يستعمله فى طلب الله بامره ولا يستعمله فى هوى نفسه وله ان يعتبر من البحر الصورى والذين يركبون البحر فربما تسلم سفينتهم وربما تغرق كذلك العبد فى فلك الاعتصام فى بحار التقدير بمشى به فى رياح المشيئة مرفوع له شراع التوكل مرسى فى بحر اليقين فان هبت رياح العناية نجت السفينة الى ساحل السعادة وان هبت نكباه الفتنة لم يبق بيد الملاح شئ وغرقت فى لجة الشقاوة فعلى العبد ان يبتغى فضل الله ويسعى فى الطلب بادآء شكر النعم كما فى التأويلات النجمية

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {اللّهُ الذي سخَّر لكم البحر} أي: ذلّله، بأن جعله أملس السطح، يطفو عليه ما فوقه، ولا يمنع الغوص فيه، لمَيَعَانه، {لتجري الفلكُ فيه بأمره} بإذنه، وأنتم راكبوها، {ولتبتغوا من فضله} بالتجارة، والغوص لابتغاء الحلية، كاللؤلؤ والمرجان، وكالصيد وغيرها، {ولعلكم تشكرون} ولكي تشكروا النعم المترتبة على ذلك، {وسخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض} من الموجودات. بأن جعلها مداراً لمنافعهم. قال القشيري: إذ ما من شيء من الأعيان الظاهرة، إلا وللإنسان به انتفاع من وجوه، فالسماء لها بناء، والأرض لهم مِهاد، وليتأمل العبدُ في كل شيء لو لم يكن، أيّ خلل يرجع إلى الخلق؟ لولا الشمس كيف كانوا يتصرفون بالنهار؟ ولولا الليل، كيف كانوا يسكنون؟ ولولا القمر هل كانوا يهتدون للحساب والآجال؟ وكذلك جميع المخلوقات. هـ. وقوله: {جميعاً منه} حال، وليس من التوكيد لعدم الضمير، ولو كان توكيداً لقال: جميعه ثم التوكيد بجميع قليل، فلا يحمل التنزيل عليه، قاله في المغني. والمنفي كونه توكيداً اصطلاحياً، فلا ينافي كونه حالاً مؤكدة في المعنى. {إِنَّ في ذلك} أي: فيما ذكر من الأمور العظام {للآياتٍ} عظيمة الشأن، كثيرة العدد، {لقوم يتفكرون} في بدائع صنعه تعالى، فإنهم يقفون بذلك على جلائل نعمه تعالى ودقائقها، ويُوفَّقون لشكرها. الإشارة: {الله الذي سخَّر لكم بحر} التوحيد الخاص، وهو تجلِّي عظمة الذات، لتجري فلكُ الأفكار في تيار بحر الذات ونور الصفات، فتراها تعوم تارة في أسرار الجبروت الأعلى، وتارة في أنوار الملكوت الأدنى، ولتبتغوا من فضل معرفته، وزيادة الترقي في كشف الأسرار، وهذا لمَن اتسع عليه فضاء الشهود، وزاحت عنه حُجب الكائنات، وأما مَن بقي مسجوناً فيها، السماء تُظله، والأرض تُقله، فلا يطمع أن تسرَحَ فكرته في هذه البحار، وحسبه أن يكون حَمّاراً يسافر في البَر، تعبه كثير، وربحه قليل، والغناء به بعيد، وسبب بقائه في تعب البر عدم صحبته للرجال البحرية، الذين هم رُيَّاس البحر، وشيوخ ركْب البر. وبالله التوفيق. قال القشيري: {الله الذي سخر لكم البحر} تركبونه، فربما تسْلَم السفينةُ، وربما تغرق، كذلك العبد في فلك الاعتصام في بحار التقدير، تمشي بهم رياح العناية، وترفع لهم شراع التوكُّل، تجري في البحر لتَجْر اليقين، فإن هبّت رياحُ السلامة نجت السفينة، وإن هبّت نكباء الفتنة لم يبقَ بيد الملاّح شيء، فعند ذلك المقادير غالبة، وبلغت قلوبُ أهل السفينة الحناجرَ. هـ. قلت: مَن ركب مع رائس ماهر؛ الغالب عليه السلامة. قوله تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه} في بعض الأثر: يقول الله تعالى:"حديث : يا ابن آدم؛ خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك لأجله"تفسير : أي: لا تنشغل بخدمة الكون عن خدمة المكوّن، فما أفلح مَن انشغل بدنياه، وآثر هواه على خدمة مولاه، كان حرّاً والأشياء كلها عبيد له، فصار عبداً لعبيده، بحبه للأشياء وتعشُّقه لها، كانت الأشياء تعشقه وتخدمه، ثم صار يخدم الأشياء ويعشقها، أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن، فإذا شَهِدت المكوّن كانت الأكوان معك، فاعرف قدرك أيها الإنسان، وارفع همتك عن الأكوان، وعلِّق قلبك بالملك الديّان، يُعطك الحق تعالى من العرش إلى الفرش، تتصرف فيه بهمتك كيف شئت، وما ذلك على الله بعزيز. ثم بيَّن الطريق الموصل إلى هذا، وهو حُسن الخلق مع كل مخلوق، فقال: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ}.

الجنابذي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ} كلام منقطع عن سابقه وتعداد لنعمه على خلقه مشيراً الى كونها آيات قدرته كما انّ ما سبق كان تعداداً لآيات قدرته مشيراً الى كونها من نعمه {لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} بجريان الفلك والتّجارات الرّابحة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمة تسخير البحر وجريان الفلك والارباح.

الهواري

تفسير : قوله: {اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ} يعني طلب التجارة في السفر {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا، أي: تؤمنوا. كقوله: (أية : لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ) تفسير : [النحل:81]. قال: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} أي: من الله، أي: كل ذلك تفضّلاً منه، أي: ما سخر لكم من السماوات، أي: الشمس والقمر والنجوم والمطر، وما في الأرض، اي: الأنهار والبحار وما ينبت في الأرض من النبات، وما يستخرج من الذهب والفضة والصفر والحديد والنحاس وغير ذلك مما ينتفع به مما في الأرض، فذلك كله تسخير الله. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} وهم المؤمنون. قوله: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُون أَيَّامَ اللَّهِ}، وهم المشركون. [أمر الله المؤمنين أن يغفروا لَهم]، وهي منسوخة، نسختها (أية : فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ) تفسير : [التوبة:5] قال: {لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كَانُوا يَكْسِبُونَ} أي: يعملون؛ يجزي المؤمنين بحلمهم عن المشركين، ويجزي المشركين بشركهم، وكان هذا قبل أن يؤمروا بقتالهم، ثم نسخ بالقتال. قوله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} أي: يجده عند الله {وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا} أي: فعلى نفسه. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} يوم القيامة. قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا} أي: أعطينا {بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: أنزلنا عليهم {الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ} قال بعضهم: الحكمة وهي السّنّة. {وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} أي: ما أحل الله لهم. وقال بعضهم: المنّ والسلوى. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}. أي: على عالم زمانهم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم.

اطفيش

تفسير : {اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ} مبتدأ وخبر أو خبر ونعت والمبتدأ محذوف أى (هو الله) الذي سخره لكم بأن جعله أملس السطح يعلوه نحو الخشب ويغوص فيه بقدر ما يتمكن* {لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} باذنه وتسخيره وأنتم فيها مع ما تريدون جملة* {وَلِتَبْتَغُواْ} تطلبوا* {مِن فَضْلِهِ} بالتجارة والغوص على اللؤلؤ والمرجان واستخراج اللحم الطرى وغير ذلك من منافع البحر* {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمة الله.

اطفيش

تفسير : {الله الذي سخَّر لكُم البَحر} لا تذهب الخشب المجوفة، ولا الخشب المتخللة الى أسفله {لتجْري الفُلْك فِيه بأمره} بتسخيره تعالى اياه، وتسخيره أمر من أموره، وقيل: بتكوينه كقوله تعالى: "أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون" تفسير : [يس: 82] وهذا على وجه أو باذنه وارادته، ولا يخفى أن الممتن به جريان الفلك فيه، وهم فيها، أو هم وأموالهم بلا تجر، أو به فهو أعم من قوله: {ولتَبتغُوا} السير فيه {مِن فَضله} بالتجر، وأخص منه من حيث ان الابتغاء من فضله يشمل الصيد والغوص لنحو لؤلؤ وغير ذلك، وذكر التسخير وما بعده تتميم للتفريع، كما يدل له ذكر الأغراض العاجلة المستوجبة للشكر كما قال: {ولعلَّكم تشْكُرون} كى تشكروا نعمة التسخير، وما ذكر، وكأنه قيل: تلك الآيات أولى بالشكر، ولذا عقب بما يعم العاجلة والآجلة وهو قوله: {وسخَّر لَكم ما في السَّماوات وما في الأرض} من المنافع الظاهرة والخفية، إذ ذكر التفكر بعد، وهو ملاك الأمر {جميعاً} حال من ما فى الموضعين، أو توكيد أى جميعها {منْه} حال من ما فى الموضعين، أو متعلق بسخر فيكون فيه عمل عامل واحد فى ضميرين لشىء واحد، وأنت خبير بجواز ذلك، اذا كان ذلك بحرف جر، روى الطبرانى: أن ابن عباس رضى الله عنهما قال فى تفسير ذلك: كل شىء من الله تعالى، فمعنى قول عكرمة: ان ابن عباس لم يفسرها أنه لم يبسط الكلام فيها، ويحتمل أن عكرمة لم يبلغه هذا التفسير، وسأل رجل عبد الله بن عمرو بن العاص: مم خلق الله الخلق؟ قال: من الماء والظلمة، والنور والريح والتراب، قال: فمم خلق هؤلاء؟ قال لا أدرى، وسأل الرجل عبد الله بن الزبير فقال كذلك، فسأل ابن عباس فقال: من الماء والنور الخ قال: فمم خلق هؤلاء؟ فقل: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه}. وظهر لى فى قول ابن عباس أنه أراد منعه من التسلسل، وأنه ان خلق هؤلاء من شىء، أو تتابعت أشياء فانها تنتهى الى شىء لم يخلقه الله تعالى من شىء، أو أراد أن كل شىء مستأنف من الله سبحانه ولو ذكر له الخلق من تلك الأشياء مؤانسة له، ومجاراة، وعاد الى التحقيق بأن الله لا يحتاج الى شىء يخلق منه شيئا، ولكن اقتضت حكمته التولد، والأسباب، وهو خالق لهما، ولا جزاءهما، وهما مستقلين، فكأنهما لم يكونا، وعن ابن عباس: كل ذلك رحمة منه وقيل كل ذلك تفضل منه واحسان، وعليهما فمنه خبر لمحذوف والمشهور أنه متعلق بسخر أو بمحذوف حال من ما فى الموضعين قيل: أو نعت لمصدر أى تسخيرا منه، وهذا يغنى عنه تعليقه بسخر {إنَّ في ذلك} المذكور من التسخير وما بعد {آياتٍ} كثيرة عظيمة {لقومٍ يتفكَّرون} فى خلقه، فيهتدون الى الايمان والايقان والشكر، ومن تفكر فى الله سبحانه أداه فكره الى تشبيهه بخلقه فيشرك.

الالوسي

تفسير : {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ } بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه {لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ } بتسخيره تعالى إياه وتسهيل استعمالها فيما يراد بها، وقيل: بتكوينه تعالى أو بإذنه عز وجل، وسياق الامتنان يقتضي أن يكون المعنى لتجري الفلك فيه وأنتم راكبوها. {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } بالتجارة والغوص والصيد وغيرها {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ولكي تشكروا النعم المترتبة على ذلك. وهذا أعني {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ } الخ ذكر تتميماً للتقريع ولهذا رتب عليه الأغراض العاجلة فإنه مما يستوجب الشكر غالباً للكافر أيضاً فكأنه قيل: تلك الآيات أولى بالشكر ولهذا عقب بما يعم القسمين أعني قوله سبحانه:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }.

ابن عاشور

تفسير : استئناف ابتدائي للانتقال من التذكير بما خلق الله من العوالم وتصاريف أحوَالِها من حيث إنها دلالات على الوحدانية، إلى التذكير بما سخر الله للناس من المخلوقات وتصاريفها من حيثُ كانت منافع للناس تقتضي أن يشكروا مقدِّرها فجحدوا بها إذ توجهوا بالعبادة إلى غير المنعم عليهم، ولذلك عُلق بفعليْ {سخر} في الموضعين مجرور بلام العلة بقوله: {لكم}؛ على أن هذه التصاريف آيات أيضاً مثلُ اختلاف الليل والنهار، وما أنزل الله من السماء من ماء، وتصريف الرياح، ولكن لُوحظ هنا ما فيها من النعم كما لوحظ هنالك ما فيها من الدلالة، والفَطِنُ يَستخلص من المقامين كلا الأمرين على ما يشبه الاحتباك. ومناسبة هذا الانتقال واضحة. واسم الجلالة مسند إليه والموصول مسند، وتعريف الجزأين مفيد الحصر وهو قَصر قلب بتنزيل المشركين منزلة من يحسب أن تسخير البحر وتسخير ما في السماوات والأرض إنعام من شركائهم كقوله تعالى: { أية : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء } تفسير : [الروم: 40]، فكان هذا القصر إبطالا لهذا الزعم الذي اقتضاه هذا التنزيل. وقوله: {لتجري الفلك فيه} بَدل اشتمال من {لكم} لأن في قوله: {لكم} إجمالاً أريد تفصيله. فتعريف {الفلك} تعريف الجنس، وليس جري الفلك في البحر بنعمة على الناس إلا باعتبار أنهما يجرونهما للسفر في البحر فلا حاجة إلى جعل الألف واللام عوضاً عن المضاف إليه من باب { أية : فإن الجنة هي المأوى } تفسير : [النازعات: 41]. وعطف عليه {ولتبتغوا من فضله} باعتبار ما فيه من عموم الاشتمال، فحصل من مجموع ذلك أن تسخير البحر لجري الفلك فيه للسفر لقضاء مختلف الحاجات حتى التنزه وزيارة الأهل. وعطف {ولعلكم تشكرون} على قوله: {لتجري الفلك فيه} لا باعتبار ما اشتمل عليه إجمالاً، بل باعتبار لفظه في التعليق بفعله. وهذا مناط سَوق هذا الكلام، أي لعلكم تشكرون فكفرتم، وتقدم نظير مفردات هذه الآية غير مرة ما أغنى عن إعادته.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً}تفسير : [النحل: 14] الآية، وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى:{أية : وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}تفسير : [الزخرف: 12-13].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الله الذي سخر لكم البحر: أي الله المعبود بحق لا الآلهة الباطلة سخر لكم أي لأجلكم البحر بأن جعله أملس تطفو فوقه الأخشاب ونحوها. لتجري الفلك فيه بأمره: أي جعله كذلك لتجري السفن فيه بإذن الله تعالى. ولتبتغوا من فضله: أي لتسافروا إلى طلب الرزق من إقليم إلى إقليم. ولعلكم تشكرون: أي رجاء أن تشكرو نعم الله عليكم. وسخر لكم ما في السماوات: أي من شمس وقمر ونجوم ورياح وماء أمطار. وما في الأرض جميعا: أي وما في الأرض من جبال وأنهار وأشجار ومعادن منه تعالى. إن في ذلك لآيات: أي علامات ودلائل وحجج على وجود الله وألوهيته. لقوم يتفكرون: أي لقوم يستخدمون عقولهم فيتفكرون في وجود هذه المخلوقات ومن أوجدها ولماذا أوجدها فتتجلى لهم حقائق وجود الله وعلمه وقدرته ورحمته فيؤمنوا ويوحدوا. قل للذين آمنوا يغفروا: أي قل يا رسولنا للمؤمنين من عبادنا يغفروا أي يتجاوزوا ولا يؤاخذوا. الذين لا يرجون أيام الله: أي لا يتوقعون أيام الله أي بالإِدالة منهم للمؤمنين فيذلهم الله وينصر المؤمنين عليهم وهم الرسول وأصحابه وهذا قبل الأمر بجهادهم. ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون: أي ليجزي تعالى يوم القيامة قوماً منهم وهم الذين علم تعالى أنهم لا يؤمنون بما كسبوه من أذى الرسول والمؤمنين. من عمل صالحاً فلنفسه : أي فهو الذي يرحم ويسعد به. ومن أساء فعليها: أي ومن عمل سوءاً فالعقوبة تحل به لا بغيره. ثم إلى ربكم ترجعون: أي بعد الموت ويحكم بينكم فيما كان بينكم من خلاف وأذى. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في هداية قوم النبي صلى الله عليه وسلم فقوله تعالى: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ} تذكير لأولئك المعرضين بالحجج والآيات الدالة على وجوب الإيمان بالله وتوحيده وطاعته فهو تعالى يعرفهم أن ما بهم من نعم هي من الله لا من غيره من تلك الآلهة الباطلة الله لا غيره هو الذي سخر لكم أي ذلل ويسر وسهل ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وسحب وأمطار ورياح لمنافعكم، وسخر لكم ما في الأرض من جبال وأشجار وأنهار وبحار ومعادن وحيوانات على اختلافها كل ذلك منه وهو وهبه لكم، إن في ذلك المذكور من إنعام الله عليكم بكل ما سخر لكم لأيات لقوم يتفكرون فيهديهم تفكيرهم إلى وجوب حمد الله تعالى وشكره بعد أن آمنوا به ووحدوه في ربوبيته وألوهيته، وقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}. يأمر تعالى رسوله أن يقول لصحابته أيام الخوف في مكة قبل الهجرة إصفحوا وتجاوزوا عمن يؤذيكم من كفار قريش، ولا تردوا الأذى بأذى مثله بل اغفروا لهم ذلك وتجاوزوا عنه، وقد نسخ هذا بالأمر بالجهاد. وقوله تعالى: {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تعليل للأمر بالصفح والتجاوز أي ليؤخر لهم ذلك إلى يوم القيامة ويجزيهم به أسوأ الجزاء لأنه كسب من شر المكاسب إنه أذية النبي والمؤمنين أولياء الله، وفي تنكير قوما يدل على أن بعضهم سيؤمن ولا يعذب يوم القيامة فلا يعذب إلا من مات على الكفر والشرك منهم. وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} أي من عمل صالحاً في هذه الحياة الدنيا من إيمان وطاعة لله ورسوله في أوامرهما ونواهيهما فزكت بذلك نفسه وتأهل لدخول الجنة فإن الله يدخله الجنة ويكون عمله الصالح قد عاد عليه ولم يعد على غيره إن الله غني عن عمل عباده، وغير العامل لا تطهر نفسه ولا تزكو بعمل لم يباشره بنفسه، وقوله ومن أساء أي في حياته فلم يؤمن ولم يعمل صالحاً يزكي به نفسه، فجزاء كسبه السيء من الشرك والمعاصي عائد على نفسه عذاباً في النار وخلوداً فيها. وقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} أي إنكم أيها الناس بعد هذه الحياة وما عملتم فيها من صالح وسيء ترجعون إلى الله يوم القيامة ويجزيكم كلاً بحسب عمله الخير بالخير والشر بمثله. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير التوحيد والبعث والجزاء والنبوة. 2- بيان علة الإِنعام الإلهي على العبد وهي أن يشكر الله تعالى بحمده والثناء عليه وصرف تلك النعم في مرضاته تعالى لا في معاصيه الموجبة لسخطه. 3- مشروعية التسامح مع الكفار والتجاوز عن أذاهم في حال ضعف المسلمين. 4- تقرير قاعدة أن المرء لا يؤخذ بجريرة غيره. 5- تقرير أن الكسب يؤثر في النفس ويكون صفة لها وبه يتم الجزاء في الدار الآخرة من خير وغيره قال تعالى سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (الأنعام).

د. أسعد حومد

تفسير : (12) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالى عَلَى عِبَادِهِ بِما سَخَّرَ لَهمْ مِنَ البَحْرِ لِتَسيرَ فيهِ السُّفُنُ وَالمَراكبُ بأَمرهِ تَعَالى، تَحمِلُهم مِنْ جِهَةٍ إِلى جِهَةٍ هُمْ وَبَضَائِعَهُم وأَمتِعَتَهُم. لِيتجِرُوا بِها، وَيؤمِّنُوا رِزْقَهم وَمَعَاشَهُمْ، وَما يَحْتَاجُونَ إِليهِ مِنَ الأقواتِ، وَليسْتَخرِجُوا من البَحر اللُؤْلُؤَ والمرجَانَ والأَسْماكَ، وغَيْرَ ذَلِكَ. وَقَدْ مَنَّ الله تَعَالى بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى عِبادِهِ لَعَلَّهُم يَشْكُرُونَه عَلَى هذهِ النِّعَمِ الوَفيرةِ، فَيعبُدُوهُ وَيُطِيعُوا أَمرَهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : التسخير يعني التذليل وأن يكون المسخّر رَهْناً لخدمة المسخّر له، وزمان كان في مصر نظام السُّخرة، وهو أنْ يعملَ العمال بدون أجر، فالحق سبحانه سخَّر لنا البحر وذلَّله لخدمتنا، ولولا ذلك ما استطعنا أبداً ركوبه، ولا السير فيه ولا الانتفاع به. ومن تسخير البحر ما عرفناه من قصة سيدنا موسى لما ألقتْه أمه في البحر تنفيذاً لأمر الله، قال سبحانه: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 7]. إذن: صدرت الأوامر إلى البحر أن يلقيه بالساحل، وألاَّ يأخذه إلى الداخل، كما قال سبحانه: {أية : فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ ..} تفسير : [طه: 39]. فالحق سبحانه كما يأمر العاقل يأمر الجمادات فتأتمر وتطيع، لذلك قال عن السماء: {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 2]. والتسخير تكليف الشيء تكليفاً قهرياً أنْ يكونَ في خدمة الخليفة وهو الإنسان، فالكون كله مُسخَّر له. يعني: يطيعه ويأتمر بأمره، ومن هذا التسخير سخَّر للإنسان جوارحه تُطيع مراده وتنفعل لإرادته انفعالاً تلقائياً سهلاً لا تكلُّفَ فيه. فاللسان ينطق بلا إله إلا الله لمجرد أنْ أردت ذلك وينطق بكلمة الكفر والعياذ بالله أيضاً لمجرد الإرادة، اليد والعَيْن والرِّجْل، وكلُّ جوارحك لا تعصي لك أمراً، تنفعل لك من حيث لا تدري لأن خالقها سخَّرها لك وذلَّلها لخدمتك. وقال لها: أطيعي عبدي، لأنني أريد أنْ أحاسبه بعد أنْ أعطيه الاختيار في أنْ يفعلَ أو لا يفعل، ولو كان الإيمانُ قهراً لقهرتُه عليه كما قهرتُ الملائكة، لكنني لا أريد قوالبَ تخضع، إنما أريد قلوباً تخشع، أريدك أنْ تأتي إليَّ طواعية وأنت قادر على الإعراض والانفلات. لذلك قلنا: إن السيف في الإسلام لا ليفرض على الناس عقيدة، إنما ليحميَ اختيارهم لعقائدهم، وبعد ذلك يتشدَّقون بأن الإسلام فُرِضَ بحدِّ السيف، وهذا غير صحيح بدليل بقاء كثيرين على دينهم بعد الفتح الإسلامي. والحق سبحانه حينما سخَّر كل شيء في الوجود لخدمة الإنسان قال سبحانه في الحديث القدسي: "حديث : يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتُك من أجلي، فلا تنشغل بما هو لك عما أنت له" تفسير : يعني: لا تنظر إلى عبيدك بل انظر أنت عبد لمن ومَنْ سيدك. وهذا التسخير للجوارح موقوتٌ بالحياة الدنيا، أما في الآخرة فسوف تنطلق الجوارح من هذه القيود وتنفك من هذا القهر وهذا التسخير، لأنه كان مرتبطاً بإرادة العبد، وحيث لا إرادة له في الآخرة. وأصبحت الإرادة للمريد الأعلى سبحانه، فلا طاعةَ له ولا خضوعَ لأوامره، فالأمرُ كله يومئذ لله {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. لذلك تتحول الأعضاء والجوارح إلى شهود، يشهدون بالحق أمام الواحد الأحد، فاللسان يقول: قُلْتُ. واليد تقول: بطشْتُ. والرِّجْل تقول: مشيتُ. والعينُ: رأيت، وهكذا. وقد شبَّهنا هذه المسألة بقائد الكتيبة يأمر الجنود، فيطيعون حتى لو كان المر خطأ، ثم حين يعودون للقائد الأعلى يقولون حدث من قائدنا كذا وكذا، ولم نخالف أوامره لأننا مأمورون بطاعة الأوامر ولو خطأ. والحق سبحانه حينما يُسخِّر لنا جوارحنا وأعضاءنا إنما ليعطينا مثالاً ونموذجاً لقيوميته تعالى على كل شيء، وأنه إذا أراد شيئاً أنْ يقول له كُنْ فيكون، فيقول للمكابر: قُلْ لي بالله ما هي العضلات التي تُحركها لتتكلم أو تقوم أو تقعد؟ ما هي الحركة التي تحدث بداخلك لتفعل؟ ما الأعصاب التي تشارك في هذه الحركات؟ أنت لا تعرف شيئاً عنها ولا تأمرها، بل مجرد أن تريدَ تنفعل لإرادتك وتطيع، فإذا كان هذا عطاء الله لك، ونعمة من نعمه عليك، فكيف تستبعده في حَقِّ الله عز وجل؟ وكيف تنكر أنه إذا أراد شيئاً أنْ يقول له كُنْ فيكون؟ وأول مظاهر تسخير البحر أنْ جعله الله صالحاً لسيْر السفن على ظهره، كما قال سبحانه: {أية : وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ ..} تفسير : [النحل: 14] وأول سفينة في الكون هي سفينةُ سيدنا نوح عليه السلام صنعها بأمر الله ووَحْيه إليه، حيث علَّمه كيفية صناعتها من ألواح ودُسر: {أية : وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} تفسير : [القمر: 13]. والسفينة لا تسير على صفحة الماء إلا إذا توفرتْ لها بعض القوانين، وهذا هو التسخير. أولاً: لا بدَّ أنْ يكون الماء سائلاً ليسمحَ بجريان السفينة حين يُحرِّكها الهواء ويدفعها، ولو كان جامداً ما حصل السير. ثانياً: يكون الماء خالياً من اللزوجة. ثالثاً: تكون كثافة الماء أقلَّ من كثافة السفينة، فلو أخذتَ مثلاً قطعة من المعدن ورميتَ بها في الماء فإنها تغرق فيه، إنما لو طرقتَ هذه القطعة وجعلتَها مفلطحة ووسَّعتَ مساحتها فإنها تعوم. فمن تسخير الله للبحر أنْ جعله صالحاً لسير السفن {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ ..} [الجاثية: 12] كما قال في موضع آخر: {أية : بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ..} تفسير : [هود: 41]. ومن تسخير الله للبحر أنْ جعله مصدراً لكثير من المأكولات والأرزاق {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..} [الجاثية: 12]. ففضلُ الله في البحر كثيرٌ، فيه القوت اللازم لاستبقاء الحياة، وفيه الترف والزينة مثل اللؤلؤ والمرجان وغيرهما من الأشياء الثمينة حتى قالوا: إن الثروات في أعماق البحار أكثر من الثروات فوق سطح الأرض. ثم على سطح الماء تسير بكم السفن إلى مواطن الأرزاق في أي مكان. وفي آيات أخرى فصَّل الحق سبحانه قوله: {وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ ..} [الجاثية: 12] فقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً ..} تفسير : [النحل: 14] وهو أنواع الأسماك والحيوانات البحرية التي تؤْكل: {أية : وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ..} تفسير : [النحل: 14]. والمراد اللؤلؤ والمرجان والأحجار الكريمة التي تُستخرج من أعماق البحار؛ لذلك قال العلماء: إن حلية البحر غير مُحرَّمة مع أنها أغلى من الذهب، لكن لم يأتِ النصُّ بتحريمها على الرجال كما فعل في الذهب، لماذا؟ لأن الذهب نَقْد يتعامل الناسُ به على شكل عملات وجنيهات نقدية، فغرضه أساساً التعامل بين الناس في البيع والشراء، وهو واسطة بين الإنتاج والاستهلاك، وليست حلية البحر كذلك. وقوله: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12] أمر بالشكر على النعمة، فكلما رأيتَ مظهراً من مظاهر نعمة الله قُلِ الحمد لله واعترف لله بالفضل، لذلك علَّمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء الركوب للسُّفن أو غيرها، ومن هذا الدعاء: "حديث : سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنَّا إلى ربنا لمنقلبون ".

الجيلاني

تفسير : وكيف تكفرون أيها الجاحدون المسرفون بآيات المنعم المفضل الكريم مع أنه: {ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ} وسهل عليكم العبور عنه بأن جعله أملس مستوي السطح، ساكناً على هيئته {لِتَجْرِيَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ} أي: بمقتضى تسخيره وحكمه {وَ} أنتم تركبون عليها {لِتَبْتَغُواْ} وتطلبوا {مِن فَضْلِهِ} بالتجارة والاصطياد والغوص، وغير ذلك من الأغراض {وَ} إنما سخر وسهل {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الجاثية: 12] نعمه، وتواظبون على أداء حقوق كرمه. {وَ} بالجملة: {سَخَّرَ لَكُمْ} وهيأ لتربيتكم وتدبير معاشكم مظاهر {مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} إذ أنتم زبدة الكائنات، وخلاصة الموجودات كل ذلك لكم منتشئة منه سبحانه، مستندة إليه أولاً وبالذات، فعليكم ألا تسندوها إلى الوسائل والأسباب العادية {مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لأيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13] في آلاء الله، وسوابغ نعمائه، وكيفية ظهور العالم منه سبحانه وصدروه عنه، وارتباطه له. ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير: {قُل} يا أكمل الرسل نيابة عنها: {لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تذكره للمؤمنين وتهذيباً لأخلاقهم: اغفروا واصفحوا واعفوا سيما المسيئين؛ ليكون العفو والغفران ديدنة راسخة في نفوسكم حتى {يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ} أي: للكافرين الذين {لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} أي: انعكاس الدول وتقبلها عليهم، اغتراراً لما عندهم من الثروة والجاه، وإنما أمر سبحانه المؤمنين بالصفح والعفو عن المسيء {لِيَجْزِيَ} سبحانه جزاء حسناً {قَوْماً} من المتخلقين بالعفو عند المقدرة، وكظم الغيظ عند الغضب {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14] من الإحسان بدل الإساءة؛ لأن {مَنْ عَمِلَ} عملاً {صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ} أي: يعود نفعه إليه {وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا} وبال إساءته {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية: 15] جميعاً، يحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم بمقتضاها، لكن ما أخذ الله سبحانه عباده إلا بعد أن يرسل عليهم رسلاً مبشرين ومنذرين وينزل عليهم كتباً مبينةً طريق الهداية والرشاد، فإن اهتدوا فقد فازا بصلاح الدارين وإن اعتدووا فقد ظلوا عن سواء السبيل، واستحقوا بالعذاب الأليم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى بفضله على عباده وإحسانه إليهم بتسخير البحر لسير المراكب والسفن بأمره وتيسيره، { لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ } بأنواع التجارات والمكاسب، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله تعالى فإنكم إذا شكرتموه زادكم من نعمه وأثابكم على شكركم أجرا جزيلا. { وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ } أي: من فضله وإحسانه، وهذا شامل لأجرام السماوات والأرض ولما أودع الله فيهما من الشمس والقمر والكواكب والثوابت والسيارات وأنواع الحيوانات وأصناف الأشجار والثمرات وأجناس المعادن وغير ذلك مما هو معد لمصالح بني آدم ومصالح ما هو من ضروراته، فهذا يوجب عليهم أن يبذلوا غاية جهدهم في شكر نعمته وأن تتغلغل أفكارهم في تدبر آياته وحكمه ولهذا قال: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } وجملة ذلك أن خلقها وتدبيرها وتسخيرها دال على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخلقة دال على كمال حكمته وعلمه، وما فيها من السعة والعظمة والكثرة دال على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها من التخصيصات والأشياء المتضادات دليل على أنه الفعال لما يريد، وما فيها من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية دليل على سعة رحمته، وشمول فضله وإحسانه وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دال على أنه وحده المألوه المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له وأن رسله صادقون فيما جاءوا به، فهذه أدلة عقلية واضحة لا تقبل ريبا ولا شكا.