٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} بأن خلقها نافعة لكم. {مِنْهُ} حال من ما أي سخر هذه الأشياء كائنة منه، أو خبر لمحذوف أي هي جميعاً منه، أو لـ {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ} {وَسَخَّرَ لَكُمُ} تكرير للتأكيد أو لـ {مَّا فِى ٱلأَرْضِ}، وقرىء منه على المفعول له ومنه على أنه فاعل {سَخَّرَ} على الإِسناد المجازي أو خبر محذوف. {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في صنائعه. {قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ} حذف المقول لدلالة الجواب عليه، والمعنى قل لهم اغفروا يغفروا أي يعفوا ويصفحوا. {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} لاَ يتوقعون وقائعه بأعدائه من قولهم أيام العرب لوقائعهم، أو لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لنصر المؤمنين وثوابهم ووعدهم بها. والآية نزلت في عمر رضي الله عنه شتمه غفاري فهم أن يبطش به، وقيل إنها منسوخة بآية القتال. {لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } علة للأمر، والقوم هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو الشيوع، والكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «لنجزي» بالنون وقرىء « لِيَجْزِىَ» قوم «وليجزي قوماً» أي ليجزي الخير أو الشر أو الجزاء، أعني ما يجزى به لا المصدر فإن الإسناد إليه سيما مع المفعول به ضعيف. {مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } أي لها ثواب العمل وعليها عقابه. {ثُمَّ إِلَىٰ رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } فَيجازيكم على أعمالكم. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ } التوراة. {وَٱلْحُكْمَ } والحكمة النظرية والعملية أو فصل الخصومات. {وَٱلنُّبُوَّةَ } إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثروا في غيرهم. {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ} مما أحل الله من اللذائذ. {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمينَ} حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم. {وَءاتَيْنَـٰهُم بَيّنَـٰتٍ مّنَ ٱلأَمْرِ} أدلة في أمر الدين ويندرج فيها المعجزات. وقيل آيات من أمر النبي عليه الصلاة والسلام مبينة لصدقه. {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ } في ذلك الأمر. {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } بحقيقة الحال. {بَغْياً بَيْنَهُمْ } عداوة وحسداً. {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بالمؤاخذة والمجازاة. {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ } طريقة {مِنَ ٱلأَمْرِ } من أمر الدين. {فَٱتَّبِعْهَا } فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } آراء الجهال التابعة للشهوات، وهم رؤساء قريش قالوا له ارجع إلى دين آبائك. {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } مما أراد بك. {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} إذ الجنسية علة الانضمام فلا توالهم باتباع أهوائهم. {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ } فواله بالتقى واتباع الشريعة. {هَـٰذَا} أي القرآن أو اتباع الشريعة. {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } بينات تبصرهم وجه الفلاح. {وَهَدَىٰ } من الضلالة. {وَرَحْمَةٌ} وَنعمة من الله. {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يطلبون اليقين. {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ } أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب ومنه الجارحة. {أَن نَّجْعَلَهُمْ } أن نصيرهم. {كَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } مثلهم وهو ثاني مفعولي نجعل وقوله: {سَوَاءً مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } بدل منه إن كان الضمير للموصول الأول لأن المماثلة فيه إذ المعنى انكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيـين في البهجة والكرامة كما هو للمؤمنين، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص {سَوَآء} بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف، أو المفعولية والكاف حال وإن كان للثاني فحال منه أو استئناف يبين المقتضى للانكار، وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني، وضمير الأول والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة، أو استئناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في الهدى والضلال، وقرىء«مَمَاتَهُمْ» بالنصب على أن {مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ} ظرفان كمقدم الحاج. {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} ساء حكمهم هذا أو بئس شيئاً حكموا به ذلك.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَاتِ } من شمس وقمر ونجوم وماء وغيره {وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيرها أي خلق ذلك لمنافعكم {جَمِيعاً } تأكيد {مِنْهُ } حال، أي سخرها كائنة منه تعالى {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لأَيَٰتٍ لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيها فيؤمنون.
البقاعي
تفسير : ولما ذكر آية البحر لعظمتها، عم بمنافع الخافقين دلالة على أنه ما خلق ذلك كله، على عظمه إلا لنا، تنبيهاً على أن الأمر عظيم فقال تعالى: {وسخر لكم} أي خاصة ولو شاء لمنعه {ما في السماوات} بإنزاله إليكم منبهاً على أنها بحيث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه، وأكد بإعادة الموصول لأن السياق للدلالة على عزته وحكمته الدالتين على توحده باستحقاق العبادة الذي هم له منكرون كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة وهم معترفون بذلك بألسنتهم، وأفعالهم أفعال من ينكره، فقال: {وما في الأرض} وأوصلكم إليه ولو شاء لجعلكم كما في السماء لا وصول لكم إليه، وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله: {جميعاً} حال كون ذلك كله من أعيان تلك الأشياء ومن تسخيرها {منه} لا صنع لأحد غيره في شيء منه في ذلك، قال الرازي في اللوامع: قال أبو يعقوب النهر جوري: سخر لك الكل لئلا يسخرك منها شيء، وتكون مسخراً لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى، فإنه يقبح بالمخدوم أن يخدم خادمه، وقال القشيري: ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا ومن وجه للانسان به انتفاع، فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك. ولما صح أنه لا شريك له في شيء من الخلق لا من الذوات ولا من المعاني، حسن جداً قوله، مؤكداً لأن عملهم يخالفه: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم وهو تسخيره لنا كل شيء في الكون {لآيات} أي دلالات واضحات على أنهم في الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا {لقوم} أي ناس فيهم أهلية للقيام بما يجعل إليهم {يتفكرون *} أنه المتوحد باستحقاق الإلهية فلا يشركون به شيئاً. ولما علمت دلائل التوحيد على وجه علم منه أنه قد بسط نعمه على جميع خلقه طائعهم وعاصيهم، فعلمت بواسطة ذلك الأخلاق الفاضلة والأفعال الحميدة، وكان على المقبل عليه المحب له التخلق بأوصافه، أنتج قوله مخاطباً لأفهم خلقه عنه وأطوعهم له الذي الأوامر إنما هي له من شدة طواعته تكوين لا تكليف: {قل} أي بقالك وحالك {للذين آمنوا} أي ادعوا التصديق بكل ما جاءهم من الله: اغفروا تسنناً به من أساء إليكم. ولما كان هذا الأمر في الذروة من اقتضاء الإحسان إلى المسيء فكيف بالصفح عنه، كان كأنه علة مستقلة في الإقبال عليه والقبول منه والإعراض عن مؤاخذة المسيء، فإن ذلك يقدح في كمال الإقبال عليه مع أن من كان يريد هو سبحانه الانتقام منه فهو يكفي أمره، ومن لم يرد ذلك منه فلا حيلة في كفه بوجه فالاشتغال به عبث فنبه على ذلك بأن جعل جواب الأمر قوله: {يغفروا} أي يستروا ستراً بالغاً. ولما كان العاقل من سعى جهده في نفع نفسه، وكان الأذى لعباد الله مظنة لتوقع الغضب منه وقادحاً فيما يرجى من إحسانه قال: {للذين} وعبر في موضع {أساؤوا إليهم} بقوله تعالى: {لا يرجون} أي حقيقة ومجازاً، والتعبير في موضع الخوف بالرجاء لما فيه من الاستجلاب والترغيب والتأليف والاستعطاف، وقال بعد ما نبه عليه بتلك العبارة من جليل الإشارة: {أيام الله} أي مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال في الأمم الخالية بإدالة الدول تارة لهم وأخرى عليهم، وفيه أعظم ترغيب في الحث على الغفران للموافق في الدين، وتنبيه على أنه لا يقدم على الإساءة إلى عبيده إلا من أعرض عنه، فصار حاله حال الآئس من صنائعه سبحانه في جزائه للمسيء والمحسن في الأيام والليالي، وعبر بالاسم الشريف تنبيهاً على ما له من الجلال والجمال في معاملة كل منهما، قال ابن برجان: وهذه الآية وشبهها من النسي المذكور في قوله تعالى{أية : ما ننسخ من آية أو ننسها}تفسير : [البقرة: 106] وليس بنسخ بل هو حكم يجيء ويذهب بحسب القدرة على الانتصار، وكان ينزل مثل هذا بمكة والمسلمون في ضعف، ونزل بعد الهجرة آية الجهاد والأمر بالمعروف، وتركت هذه وأمثالها مسطورة في القرآن لما عسى أن يدور من دوائر أيام الله ومن أيامه إزالة أهل الكفر تنبيهاً للمسلمين ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم وبين ربهم. ولما كان من قوصص على جنايته في الدنيا، سقط عنه أمرها في الآخرة، وكان المسلط للجاني في الحقيقة إنما هو الله تعالى وكان تسليطه إياه لحكم بالغة تظهر غاية الظهور في الآخرة، علل الأمر بالغفران مهدداً للجاني ومسلياً للمجني عليه: {ليجزي} أي الله في قراءة الجماعة بالتحتانية والبناء للفاعل، ونحن بما لنا من العظمة في قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون، وبناه أبو جعفر للمفعول فيكون النائب عن الفاعل الخير أو الشر بتقدير حرف الجر لجزائهم في الدنيا وفي الآخرة حيث يظهر الحكم وينجلي الظلم. ولما كان ربما جوزي جميع الجناة، وربما عفي عن بعضهم بالتوبة عليه أو غيرها تفضلاً لحكم أخرى ويثاب المظلوم على ظلامته لمثل ذلك قال: {قوماً} أي من الجناة وإن كانوا في غاية العلو الكبرياء والجبروت ومن المجني عليهم وإن كانوا في غاية الضعف {بما} أي بسبب الذي {كانوا} أي في جبلاتهم وأبرزوه إلى الخارج {يكسبون *} أي يفعلون على ظن أنه ينفعهم أو بسبب كسبهم من خير أو شر، والحاصل أنه تعالى يقول: أعرض عمن ظلمك وكل أمره إليّ فإني لا أظلمك ولا أظلم أحداً، فسوف أجزيك على صبرك أجزيه على بغيه وأنا قادر، وأفادت قراءة أبي جعفر الإبلاغ في تعظيم الفاعل وأنه معلوم، وتعظيم ما أقيم مقامه وهو الجزاء بجعله عمدة مسنداً إليه لأن عظمته على حسب ما أقيم مقامه، فالتقدير لكون الفعل يتعدى إلى مفعولين كما قال تعالى{أية : وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً}تفسير : [الدهر: 12] ليجزي الملك الأعظم الجزاء الأعظم من الخير للمؤمن والشر للكافر قوماً، فجعل الجزاء كالفاعل وإن كان مفعولاً كما جعل "زيد" فاعلاً في مات زيد وإن كان مفعولاً في المعنى: تنبيهاً على عظيم تأثير الفعل فإنه لا انفكاك عنه لأنه يجعل متمكناً من المجزي تمكن المجزي من جزائه ومحيصاً به لأن الله تعالى بعظم قدرته يجعل عمل الإنسان نفسه جزاء له، قال الله تعالى{أية : سيجزيهم وصفهم}تفسير : [الأنعام: 139] بما كانوا يعملون، ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ضمير "الذين" بالنظر إلى لفظه فيكون المعنى: سيجزي الذين آمنوا ناساً كانوا أقوياء على القيام في أذاهم بسبب أذاهم لهم فيجعل كلاًّ منهم فداء لكل منهم من النار، وربما رأوا بعض آثار ذلك في الدنيا، روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:حديث : ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد إلا رفعه الله عز وجلتفسير : . ولأحمد والترمذي واللفظ له وقال حسن صحيح عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، وما ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله باب فقرتفسير : - أو كلمة نحوها، وروى الحاكم وصحح إسناده، قال المنذري: وفيه انقطاع عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال:"حديث : من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه ". تفسير : ولما رغب سبحانه ورهب وتقرر أنه لا بد من الجزاء، زاد في الترغيب والترهيب بأن النفع والضر لا يعدوهم فقال شارحاً للحزاء: {من عمل صالحاً} قال أو جل {فلنفسه} أي خاصة عمله يرى جزاءه في الدنيا أو في الآخرة {ومن أساء} أي كذلك إساة قلت أو جلت {فعليها} خاصة إساءته كذلك، وذلك في غاية الطهور لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكاً يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان حكيماً وإن كانت نقائص النفوس قد غطت على كثير من العقول ذلك ومن جزائه أنه يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت له ليراجع حاله بالتوبة. ولما كان سبحانه قادراً لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى اليوم الموعود: {ثم} أي بد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ {إلى ربكم} أي المالك لكم وحده لا إلى غيره {ترجعون *}.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}[13] قال: إذا سكن قلب العبد إلى مولاه قويت حال العبد، فسخر له كل شيء، بل أنس به كل شيء، حتى الطيور والوحوش. وحكي عن الثوري قال خرجت مع شيبان الراعي إلى مكة فعرض لنا الأسد. فقلت: يا شيبان أما ترى هذا الكلب. فقال: لا تخف. فما هو إلا أن سمع الأسد كلام شيبان الراعي، حتى جعل يبصبص بذنبه، فأتاه شيبان فأخذ بأذنه وعركها. فقلت له: ما هذه الشهرة يا شيبان؟ فقال: وأي شهرة ترى يا ثوري، والله لولا مخافة الشهرة ما حملت زادي إلى مكة إلا على ظهره. وكان شيبان يحضر صلاة الجمعة، فبصر بذئب عند الغنم، فقال له: اقعد عند الغنم حتى إذا رجعت أعطيتك حملاً، فرجع من صلاة الجمعة، فإذا هو بالذئب قاعد يحفظ له الغنم، فأعطاه حملاً له. وكان سهل يقول لشاب يصحبه: إن كنت تخاف السباع فلا تصحبني. وسئل سهل: كيف يدرك الرجل منزلة الكرامات؟ فقال: من زهد في الدنيا أربعين يوماً صادقاً مخلصاً فقد ظهرت الكرامات من الله عزَّ وجلَّ له، ومن لم تظهر له فهو لما فقد من زهده من الصدق والإخلاص، أو كلاماً نحو هذا.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} [الآية: 13]. قال أبو يعقوب النهرجورى: سخر لك الكون وما فيها لئلا يسخرك منها شىء وتكون مسخراً لمن سخر لك الكل فمن ملكه شىء منها وأسرته زينة الدنيا ونجحتها فقد جحد نعم الله عنده وجهل فضله وآلاؤه عنده إذ خلقه حراً من الكل عبداً لنفسه واستعبد به الكل ولم يشتغل بعبودية الحق بحال.
القشيري
تفسير : {جَمِيعاً مِّنْهُ}: كلُّ ماخَلَقَ من وجوه الانتفاع بها - كلُّه منه سبحانه؛ فما من شيءٍ من الأعيان الظاهرة إلاّ - ومن وجهٍ - للإنسان به انتفاع... وكلها منه سبحانه؛ فالسماءُ لهم بناء، ولأرضُ لهم مهاد... إلى غير ذلك. ومِنَ الغَبْنِ أن يستسخرَك ما هو مُسَخَّرٌ لك! وَلْيتأملْ العبدُ كلَّ شيءٍ.. كيف إنْ كان خَلَلٌ في شيءٍ منها ماذا يمكن أن يكون؟! فلولا الشمسُ.. كيف كان يمكن أن يتصرَّف في النهار؟ ولم لم يكن الليلُ كيف كان يسكن بالليل؟ ولو لم يكن القمر.. كيف كان يهتدي إلا الحساب والآجال؟... إلى غير ذلك من جميع المخلوقات.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تسخير ما فى السماوات والارض التمتع بمشاهدة مكونها فيها لانها منه بدا منورا بنوره قال النهر جورى سخر لك لكون وما فيها لئلا يسخرك منها شئ وتكون مسخرا لمن سخر لك الكل فمن ملكه شئ منها واسرته زينتها وبهجتها فقد جحد نعمة الله عنده وجهل فضله وألاه عنده اذ خلقه حرا من الكل عبد النفسه فاستعبده الكل ولم يشتغل لعبوديته الحق بحال.
اسماعيل حقي
تفسير : {وسخر لكم ما فى السموات وما فى الارض} من الموجودات بان جعلها مدارا لمنافعكم ودلت الآية على ان نسبة الحوادث الارضية الى الاتصالات الفلكية جائزة {جميعا} اما حال من ما فى السموات وما فى الارض او تأكيد له {منه} صفة لجميعا اى كائنا منه تعالى او حال من ما اى سخر لكم هذه الاشياء كائنة منه مخلوقة له وخبر لمحذوف اى هى جميعا منه تعالى وفى فتح الرحمن جميعا منه اى كل انعام فهو من فضله لانه لا يستحق عليه احد شيئا بل هو يوجب على نفسه تكرما {ان فى ذلك} اى فيما ذكر من الامور العظام {لآيات} عظيمة الشأن كبيرة القدر دالة على وجود الصانع وصفاته {لقوم يتفكرون} فى بدائع صنع الله فانهم يقفون بذلك على جلائل نعمه تعالى ودقائقها ويوفقون لشكرها ديرجمله جهان زمغز تابوست هر ذره كواه قدرت اوست. روى انه عليه السلام مر على قوم يتفكرون فقال "حديث : تفكروا فى الخلق ولا تتفكروا فى الخالق" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الشيطان يأتى احدكم فيقول من خلق السموات فيقول الله ويقول من خلق الارض فيقول الله ويقول من خلق الله فاذا افتتن احدكم بذلك فليقل آمنت بالله ورسوله" تفسير : واعلم ان التفكر على العبادات وافضلها لان عمل القلب اعلى واجل من عمل النفس ولذلك قال عليه السلام "حديث : تفكر ساعة خير من عبادة سنة" تفسير : وفى رواية "حديث : ستين سنة" تفسير : وفى رواية "حديث : سبعين سنة" حديث : وروى المقداد بن الاسود رضى الله عنه دخلت على ابى هريرة رضى الله عنه فسمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تفكر ساعة خير من عبادة سنة" ثم دخلت على ابن عباس رضى الله عنهما فسمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تفكر ساعة خير من عبادة سبع سنين" ثم دخلت على ابى بكر رضى الله عنه فسمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة" فقال المقداد فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته بما قالوا فقال "صدقوا" ثم قال "ادعهم الى" فدعوتهم فقال لابى هريرة "كيف تفكرك وفيماذا" قال فى قول الله تعالى {ويتفكرون فى خلق السموات والارض} الآية قال "تفكرك خير من عبادة سنة" ثم سأل ابن عباس رضى الله عنهما عن تفكره فقال تفكرى فى الموت وهول المطلع قال "تفكرك خير من عبادة سبع سنين" ثم قال لابى بكر "كيف تفكرك" قال تفكرى فى النار وفى اهوالها واقول يا رب اجعلنى يوم القيامة من العظم بحال يملأ النار منى حتى تصدق وعدك ولا تعذب امة محمد فى النار فقال عليه السلام "تفكرك خير من عبادة سبعين سنة" ثم قال "أرأف امتى بامتى ابو بكر" تفسير : فالفضل راجع الى مراتب النيات. يقول الفقير وجه التخصيص فى الاول ان اختلاف الليل والنهار المذكور فى آية التفكر يدور على السنة فبمقدار بعد التفكر جاء الثواب وفى الثانى ان خوف الموت وما بعده ينتهى الى الجنة او الى النار والجنة فوق سبع سموات كما ان النار تحت سبع ارضين وفى الثالث ان بعد قعر جهنم سبعون سنة على ما ورد فى الحديث فلما كان الصديق رضى الله عنه بعيد التفكر بالنسبة الى الاولين اثيب بما ذكر وجاء اجره مناسبا لتفكره وفى الآية اشارة الى ان السموات والارض وما فيهن خلفت للانسان فان وجودها تبع لوجوده وناهيك من هذا المعنى ان الله تعالى أسجد ملائكته لآدم عليه السلام وهذا غاية التسخير وهم اكرم مما فى السموات والارض ومثال هذا ان الله تعالى لما اراد ان يخلق ثمرة خلق شجرة وسخرها للثمرة لتحملها فالعالم بما فيه شجرة وثمرتها الانسأن ولعظم هذا المعنى قال ان فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون اى فى هذا المعنى دلالات على شرف الانسان وكماليته لقوم لهم قلوب منورة بنور الايمان والعرفان اذ يتفكرون بفكر سليم كما فى التأويلات النجمية
الجنابذي
تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمْ} اى لانتفاعكم او جعل مسخّراً لكم {مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} فانّ السّماوات والسّماويّات مسخّراتٌ لله لانتفاع جميع الكائنات ومسخّراتٌ لبعض النّفوس الانسانيّة، والارض والارضيّات مسخّراتٌ لله لانتفاع الانسان، وبعض الارضيّات مسخّراتٌ للانسان ايضاً {مِّنْهُ} قرئ منه بلفظ من الجارّة والضّمير والمعنى سخّر من قبله لا من قبلكم ومن قبل اسبابكم الطّبيعيّة او المعنى ذلك رحمة منه، وقرئ منّة بتشديد النّون والتّاء بالرّفع والنّصب {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} باستعمال المبادئ المشهودة والمعقولة واخذ النّتائج منها سواء كان المستعمل مؤمناً او موقناً او عاقلاً.
اطفيش
تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تنتفعون به خلق ما في السموات من نجوم وقمر وشمس وماء وما في الأرض من دابة وشجر ونبات وأنهار وغيرها وسخرها للنفع جميعاً. قال بعض {جَمِيعاً} توكيد ورده ابن هشام بقلة التوكيد بـ {جَمِيعاً} ويحذف الضمير وقيل حال من ماء ومنه حال آخر ومتعلق (بسخر) خبر المحذوف أي ذلك منه و {جَمِيعاً} حالاً من ضمير استقرار منه بناء على جواز تقديم حال أما في {السَّمَوَاتِ} مبتدأ و {مِّنْهُ} خبر وجميعاً حال من (ضمير) الاستقرار وعلى هذا (فسخر لكم) توكيد للاول و (ما في الأرض) مبتدأ و (منه) خبر و{جَمِيعاً} كما مر آنفاً و {مَّا فِي السَّمَوَاتِ} مفعول سخر. وقرأ ابن عباس {مِّنْهُ} بالمثناة فوق والنصب على المفعولية المطلقة (لسخر) أو لفعل محذوف أي فمنه أو مفعول لأجله. وقرأ مسلم بن محارب بالمثناة والرفع على انه خبر لمحذوف أي ذلك منه أو فاعل سخر على الاسناد المجازي كما تقول أشبعنا جوده. وقرأ مسلمة أيضاً بالهاء وعن بعض اذا سكن القلب لمولاه قوي حاله وسخر له كل شيء وآنس به كل شيء من الوحوش والطيور كما جرى لشيبان خرج مع أحد فعرضهما أسد فقال أما ترى هذا يا شيبان فقال: لا تخف فلما سمع الأسد كلامه أتاه يبصبص له بذنبه فأخذه بأذنه فعركها فقال له: ما هذه الشهرة؟ فقال: لا شهرة لولا مخافتها ما حملت زادى الى مكة الا على ظهره وكان اذا حضر صلاة الجمعة نادى ذئباً أحرس غنمي حتى نرجع من الصلاة نعطك الاجرة وكان يقول لشاب صاحبه في سياحة ان كنت تخاف فلا تصاحبني* {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} في صنائعه
الالوسي
تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي من الموجودات بأن جعل فيها منافع لكم، منها ظاهرة ومنها خفية، وعقب بالتفكر لينبه على أن التفكر هو الذي يؤدي إلى ما ذكر من الأولوية ويدل به على أن التفكر ملاك الأمر في ترتيب الغرض على ما جعل آية من الإيمان والإيقان والشكر {جَمِيعاً } حال / من {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أو توكيد له وقوله تعالى: {مِنْهُ } حال من ذلك أيضاً، والمعنى سخر هذه الأشياء جميعاً كائنة منه وحاصلة من عنده يعني أنه سبحانه مكونها وموجودها بقدرته وحكمته ثم مسخرها لخلقه. وجوز فيه أوجه أخر. الأول أن يكون خبر مبتدأ محذوف فقيل «جميعاً» حينئذ حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور بناء على جواز تقدم الحال على مثل هذا العامل أو من المبتدأ بناء على تجويز الحال منه أي هي جميعاً منه تعالى وقيل: جميعاً على ما كان ويلاحظ في تصوير المعنى فالضمير المبتدأ يقدر بعده ويعتبر رجوعه إلى ما تقدم بقيد (جميعاً)، والجملة على القولين استئناف جيء به تأكيداً لقوله تعالى: {سَخَّرَ } أي أنه عز وجل أوجدها ثم سخرها لا أنها حصلت له سبحانه من غيره كالملوك. الثاني أن يجعل {ما في السمٰوات} مبتدأ ويكون هو خبره و {جَمِيعاً } حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور الواقع صلة ويكون {وَسَخَّرَ لَكُمُ } تأكيداً للأول أي سخر وسخر، وفي العطف إيماء إلى أن التسخير الثاني كأنه غير الأول دلالة على أن المتفكر كلما فكر يزداد إيماناً بكمال التسخير والمنة عليه. وجملة {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } الخ مستأنفة لمزيد بيان القدرة والحكمة. واعترض بأنه إن أريد التأكيد اللغوي فهو لا يخلو من الضعف لأن عطف مثله في الجمل غير معهود، وإن أريد التأكيد الاصطلاحي كما قيل به في قوله تعالى: {أية : كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [التكاثر: 3-4] فهو مخالف لما ذكره ابن مالك في «التسهيل» من أن عطف التأكيد يختص بثم، وقال الرضي: يكون بالفاء أيضاً وهو هٰهنا بالواو ولم يجوزه أحد منهم وإن لم يذكروا وجه الفرق على أنه قد تقرر في المعاني أنه لا يجري في التأكيد العطف مطلقاً لشدة الاتصال، واعترض أيضاً بأن فيه حذف مفعول {سَخَّرَ } من غير قرينة وهذا كما ترى. الثالث أن يكون {مَّا فِي ٱلأَرْضِ } مبتدأ و {مِنْهُ } خبره ولا يخفى أنه ضعيف بحسب المساق. وأخرج ابن المنذر من طريق عكرمة أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لم يكن يفسر هذه الآية، ولعله إن صح محمول على أنه لم يبسط الكلام فيها، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال: فيها كل شيء هو من الله تعالى. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حيمد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن طاوس قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال: فمم خلق هؤلاء؟ قال: لا أدري ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال مثل قول عبد الله بن عمرو فأتى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فسأله مم خلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب قال: فمم خلق هؤلاء؟ فقرأ ابن عباس {وسخر لكم ما في السمٰوات وما في الأرض جميعاً منه} فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبـي صلى الله عليه وسلم. واختلف أهل العلم فيما أراد ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بذلك فقال البيهقي: أراد أن مصدر الجميع منه تعالى أي من خلقه وإبداعه واختراعه خلق الماء أولاً أو الماء وما شاء عز وجل من خلقه لا عن أصل ولا عن مثال سبق ثم جعله تعالى أصلاً لما خلق بعده فهو جل شأنه المبدع وهو سبحانه البارىء لا إله غيره ولا خالق سواه اهـ، وعليه جميع المحدثين والمفسرين ومن حذا حذوهم. وقال الشيخ إبراهيم الكوراني من الصوفية: إن المخلوقات تعينات الوجود المفاض الذي هو صورة النفس الرحماني المسمى بالعماء وذلك أن / العماء قد انبسط على الحقائق التي هي أمور عدمية متميزة في نفس الأمر والانبساط حادث والعماء من حيث اقترانه بالماهيات غير ذات الحق تعالى فإنه سبحانه الوجود المحض الغير المقترن بها فالموجودات صور حادثة في العماء قائمة به والله تعالى قيومها لأنه جل وعلا الأول الباطن الممد لتلك الصور بالبقاء ولا يلزم من ذلك قيام الحوادث بذات الحق تعالى ولا كونه سبحانه مادة لها لأن وجوده تعالى مجرد عن الماهيات غير مقترن بها والمتعين بحسبها هو العماء الذي هو الوجود المفاض فأراد ابن عباس أن الأشياء جميعاً منه تعالى أي من نوره سبحانه المفاض الذي هو العماء والوجود المفاض منه تعالى بإيجاده جل شأنه، وبهذا ينطبق الجواب على السؤال من غير تكلف ولا محذور، ولو كان مراد ابن عباس مجرد ما ذكره البيهقي من أن مصدر الجميع من خلقه تعالى كان يكفي في ذلك قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلّ شَيْء } تفسير : [الرعد: 16] لكن السؤال إنما وقع بمم ووقع الجواب بمنه في تلاوته الآية فالظاهر أن ما فهمه السائل من تلاوته رضي الله تعالى عنه ليس مجرد ما ذكره بقرينة مدحه بقوله: ما كان ليأتي بهذا الخ فإن ما ذكره البيهقي يعرفه كل من آمن بقوله تعالى: {ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَيْء } فلا يظهر حينئذ وجه لقول كل من ابن عمرو وابن الزبير لا أدري فإنهما من أفضل المؤمنين بأن الله تعالى خالق كل شيء بل ما فهمه هو ما أشرنا إليه اهـ، وعليه عامة أهل الوحدة. {وأَجابَ ٱلأَوَّلُونَ } بأن مراد ابن عباس قطع التسليل في السؤال بعد ذكر مادة لبعضها بأن مرجع الأمر أن الأشياء كلها خلقت بقدرته تعالى لا من شيء وهو كلام حكيم يمدح قائله لم يهتد إليه ابن الزبير وابن عمرو، ولا يعكر على هذا قوله تعالى: {أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْء } تفسير : [الطور: 35] لما قاله المفسرون فيه وسيأتي إن شاء الله تعالى في محله فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك. وقد أورد الحسين بن علي بن واقد في مجلس الرشيد هذه الآية رداً على بعض النصارى في زعمه ان قوله تعالى في عيسى عليه السلام: {أية : وروحٌ منه} تفسير : [النساء:171] يدل على ما يزعمه فيه عليه السلام من أنه ابن الله سبحانه وتعالى عما يصفون. وحكى أبو الفتح وصاحب «اللوامح» عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو والجحدري وعبد الله بن عبيد بن عمير أنهم قرؤوا «منة» بكسر الميم وشد النون ونصب التاء على أنه مفعول له أي سخر لكم ذلك نعمة عليكم، وحكاها عن ابن عباس أيضاً ابن خالويه، ولكن قال أبو حاتم: إن سند هذه القراءة إليه مظلم فإذا صح السند يمكن أن يقال فيما تقدم من حديث طاوس: إنه ذكر الآية على قراءة الجمهور ويحتمل أن له قراءتين فيها. وقرأ مسلمة بن محارب كذلك إلا أنه ضم التاء على تقدير هو أو هي منة، وعنه أيضاً فتح الميم وشد النون وهاء الكناية عائدة على الله تعالى أي إنعامه وهو فاعل {سَخَّرَ} على الإسناد المجازي كما تقول: كرم الملك أنعشني أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هذا أو هو منه تعالى، وجوزت الفاعلية في قراءته الأولى، وتذكير الفعل لأن الفاعل ليس مؤنثاً حقيقياً مع وجود الفاصل، والوجه الأول أولى وإن كان فيه تقدير {إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي فيما ذكر {لآيَاتٍ } عظيمة الشأن كثيرة العدد {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في بدائع صنعه تعالى وعظائم شأنه جل شأنه فإن ذلك يجرهم إلى الإيمان والإيقان والشكر.
ابن عاشور
تفسير : {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}. هذا تعميم بعد تخصيص اقتضاه الاهتمام أولاً ثم التعميم ثانياً. و{ما في السمٰوات وما في الأرض} عام مخصوص بما تحصل للناس فائدة من وجوده: كالشمس للضياء، والمطر للشراب، أو من بعض أحواله: كالكواكب للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر، والشجر للاستظلال، والأنعام للركوب والحرث ونحو ذلك. وأما ما في السماوات والأرض مما لا يفيد الناس فغير مراد مثل الملائكة في السماء والأهوية المنحبسة في باطن الأرض التي يأتي منها الزلزال. وانتصب {جميعاً} على الحال من {ما في السمٰوات وما في الأرض}. وتنوينه تنوين عوض عن المضاف إليه، أي جميع ذلك مثل تنوين (كل) في قوله: { أية : كلاً هدينا } تفسير : [الأنعام: 84]. و(من) ابتدائية، أي جميع ذلك من عند الله ليس لغيره فيه أدنى شركة. وموقع قوله: {منه} موقع الحال من المضاف إليه المحذوف المعوّض عنه التنوين أو من ضمير {جميعاً} لأنه في معنى مجموعاً. {إِنَّ فِى ذَلِكَ لاََيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. أي في ذلك المذكور من تسخير البحر وتسخير ما في السموات والأرض دلائل على تفرد الله بالإلـٰهية فهي وإن كانت منناً يحق أن يشكرها الناس فإنها أيضاً دلائل إذا تفكر فيها المنعَم عليهم اهتدوا بها، فحصلت لهم منها ملائمات جسمانية ومعارف نفسانية، وبهذا الاعتبار كانت في عداد الآيات المذكورةِ قبلها من قوله: { أية : إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين } تفسير : [الجاثية: 3]، وإنما أُخرت عنها لأنها ذكرت في معرض الامتنان بأنها نعم، ثم عُقبت بالتنبيه على أنها أيضاً دلائل على تفرد الله بالخلق. وأوثر التفكر بالذكر في آخر صفات المستدلين بالآيات، لأن الفكر هو منبع الإيمان والإيقان والعلم المتقدمة في قوله: { أية : لآيات للمؤمنين } تفسير : [الجاثية: 3] { أية : آياتٌ لقوم يوقنون } تفسير : [الجاثية: 4] { أية : آياتٌ لقوم يعقلون } تفسير : [الجاثية: 5].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {لآيَاتٍ} (13) - وسَخَّرَ اللهُ تَعَالَى لِعِبادِهِ ما في السَّماواتِ مِنْ نُجومٍ وَكَواكِبَ، وَمَا في الأَرضِ مِنْ بِحَارٍ وَأَنْهَارٍ وَدَوابَّ وَأَشْجَارٍ، وَنَباتَاتٍ، وَريَاحٍ، وَأَمْطَارٍ .. لِتَقُومَ بِهِ مَعَايِشُهُمْ وَمَصَالِحُهُمْ، وَفي كُلِّ ذلكَ آياتٌ تدلُّ أَصْحَابَ العُقولِ السَّليمةِ عَلَى أَنَّ الخَالِقَ الرَّازِقَ، المُسَخِّرَ لِكُلِّ ذَلِكَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى ينقلنا من تسخير البحر إلى تسخير السماوات والأرض، فهي مسخَّرة للإنسان منذ خلقها الله، لكن لم يعلم الإنسان وجوه هذا التسخير مرة واحدة، إنما يعلمها بمرور الزمن وتطوُّر العلوم. كما قال سبحانه: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..} تفسير : [فصلت: 53]. فأنت مثلاً حين تقرأ قوله تعالى في الفُلْك {أية : وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَئَاتُ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الرحمن: 24] لا بد أنْ تُعمِلَ العقل وتسأل كما سألنا: متى عرف الناس السفن ذات الأدوار؟ فكلمة المنشآت تدل على البناء، وكالأعلام يعني: عالية ومرتفعة كالجبال، قالوا: عرف الإنسانُ السفنَ ذات الأدوار في أواخر القرن الثامن عشر، وكانت قبل ذلك عبارةً عن سطح لا شيءَ عليه. فمَنْ أخبر سيدنا رسول الله بأن السفن سيكون منها منشآت كالأعلام، كذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} تفسير : [الزخرف: 33]. والمعارج جمع معراج، وهو بلغة اليوم (الأسنسير) والحضارة الحديثة لم تعرف (الأسنسير) إلا في أواخر القرن العشرين، إذن: هذه مظاهر لإعجاز القرآن وصِدْقه وصِدْق المبلِّغ للقرآن، فصدق اللهُ وصدق رسوله. وهذا يدلُّ على أن هذه المستحدثات موجودة في علمه تعالى ولها (ماكيت) قبل أنْ يصل إليها فكر البشر، والله يظهرها لعباده حسْب حاجتهم ومع مرور الزمن وتطور العلوم، وهذا معنى {أية : سَنُرِيهِمْ ..} تفسير : [فصلت: 53]. قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} [الجاثية: 13] قلنا: كلٌّ من السماوات والأرض ظَرْف لأشياء كثيرة، منها ما نعلمه، ومنها ما لم نتوصل إليه حتى الآن، فالسماء ننظر إليها من جهة العلو، ولا نرى من مخلوقات الله فيها إلا الشمس والقمر والنجوم والسحاب، وهذا كله في السماء الدنيا. لذلك قال سبحانه: {أية : وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَٰبِيحَ ..} تفسير : [فصلت: 12] أما السماوات السبع فشيء آخر لا نعرف عنه شيئاً، ويكفي أنْ تعرف أن بينك وبين الشمس ثمانيَ دقائق ضوئية، وهناك مخلوقات بينك وبينها مائة سنة ضوئية اضربها في 365 يوماً في 24 ساعة في 60 دقيقة في سرعة الضوء. إذن: فوقك عالم آخر فوق ما يتصوَّره عقلك، لذلك قال تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47] بأيد، أي بقوة. فيكفي أنْ تتأمل في مجال تسخير الكون لك أنْ تنظر إلى الشمس، وكيف سخَّرها الخالق لك فتعطيك النور والدفء والطاقة والأشعة المختلفة دون أنْ تبذل في سبيل ذلك شيئاً، ودون صيانة، ودون وقود، ودون أنْ تصلَ إليها أصلاً. فهي تعمل في خدمتك منذ خلقها الله وإلى أنْ تقوم الساعة لا تحتاج منك إلى شيء، فقط عليك أنْ تستفيد منها، وأنْ تفكر في طبيعتها وكيفية استغلالها فيما ينفعك، ومثلها القمر يعطيك النور الحالم الهادئ، وبه نهتدي في ظلمة الليل: {أية : وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النحل: 16]. والشمس والقمر خلقهما الله على هيئة الحركة، فهما متحركان منذ خلقهما الله وإلى قيام الساعة، يتحركان دون وقود وبلا طاقة بقانون العطالة كما قلنا، وهو أنْ يظلَّ المتحركُ متحركاً ما لم تُسكنه، ويظل الساكن ساكناً ما لم تحركه. وهذه الحركة قلنا بحساب دقيق محكم {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5]. والأرض كذلك ظرف لأشياء كثيرة وأجناس متعددة، ففيها الجماد وهو أدنى الأجناس، فإذا أضيفَ إليه النمو كان النبات، فإذا أضيف إليه الإحساسُ كان الحيوان، فإذا أضيف إليه العقل كان الإنسان وهو أعلى هذه الأجناس وأكرمها على الله. لذلك سخَّر الله له كلّ هذه الأجناس وجعلها في خدمته، وجعله سيداً عليها وخليفة له في أرضه. والحق سبحانه عندما تكلم عن الجماد قال: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} تفسير : [فاطر: 27] فقدَّم الثمار وهي من النبات قدَّمها على الجماد، لأننا لا نأكل الجماد وإنما نأكل النبات والثمار هي محصلته وما يهمني منه، وهي من مُقوِّمات الحياة. ثم تكلم عن الجبال وهي مصدر الخيرات والثروات والمعادن والأحجار الكريمة؛ لذلك قال عنها في آية أخرى: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ..} تفسير : [فصلت: 10] أي: في الجبال. وسبق أنْ بيَّنا أن الجبال هي مصادر القوت ومخازنه في الأرض، ذلك لأنها مصدر التربة الغنية الخِصْبة التي تنساب مع ماء المطر، وتنتشر في أنحاء الأرض فتزيد من خصوبتها: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21]. فأجناس الخلق كلها فيها آيات، فالجماد انظر مثلاً إلى الجبال وما فيها من خيرات وألوان شتَّى فيها الرخام والجرانيت والمرمر وغيرها، والنبات ويمثل المصدر الأساسي للقوت، انظر مثلاً إلى النخلة العربية وقارنها بالنخلة الأفرنجي، فالنخلة عندنا مصدرٌ للقوت وننتفع بكل شيء فيها بحيث لا يُرمى منها شيء أبداً. لذلك تجد لها درجاً يمكنك من الصعود عليها لتقليم جريدها أو جمع ثمارها، أما النخلة الأفرنجي فهي للزينة، لذلك تجدها ملساء يصعب الصعود عليها، هذا من حكمة الخلق ودقته، فتبارك الله أحسن الخالقين. تأمل جريدة النخيل تجدها عريضة من أصلها ونحيفة رفيعة من طرفها، والورق فيها على عكس ذلك فهو مسطَّح منبسط من أعلى، ثم يأخذ (ينبرم) إلى أنْ يصيرَ شوكاً عند أصل الجريدة، القريب من الثمر، وذلك لأن هذه الأشواك تحمي الثمار من الفئران، ثم تأمل أن هذه الأشواك تنتهي عند أصل الجريدة، ولا تمتد إلى الشماريخ التي تحمل الثمار. ثم تأمل الساق فهي في النخلة طويلة مستقيمة على خلاف الأشجار الأخرى تجدها قصيرة ومتفرعة، لأن الثمار عليها صغيرة يسهل حملُها على الفروع، أما ثمرة البطيخ مثلاً فهي على ساق رفيع لولبيٍّ يتمدد على الأرض، لأن الثمرة ثقيلة. إذن: المسألة قدرة ليست (ميكانيكا)، وفي الأكل تأكل مثلاً قشرة المشمش وتترك اللبّ بعكس اللوز فتأكل اللب وتترك القشرة، هذه طلاقة قدرة وحكمة عالية للخالق عز وجل، ثمرة التين تأكلها كلها فليس لها قشرة، أما البرتقال أو اليوسفي فله قشرة، ثم تأمل اختلاف الألوان والطعوم في النباتات وهي تُسقى بماء واحد. وقُلْ: سبحان الخالق. تأمل الأشجار تجد منها أشجاراً خضراء ليس لها ثمار وتظن أنها لا فائدة منها، لكن لا بدَّ أن يكون لها فائدة إما لك وإما لغيرك من المخلوقات، ويكفي أنها زينة وجمال ومصدر للأكسوجين وربما كانت لها فوائد أنت لا تعرفها، تجد مثلاً من هذه الأشجار لها أزهار مختلفة الأشكال والألوان والروائح. وهذا عالم آخر من الإبداع الجمالي في الطبيعة، ولهذه الألوان والروائح المختلفة حكمة لأنها تجذب الفراشات والحشرات التي تقوم بعملية التلقيح للمزروعات، ولكل فراشة أو حشرة مزاج في اللون وفي الرائحة. لذلك لما انتشرت المبيدات الحشرية قلَّتْ هذه الظاهرة ولم نعُد نرى الأزهار في الحقول لماذا؟ لأن المبيدات قتلتْ الفراشات التي تقوم بمهمة التلقيح. وحين تتأمل عملية التلقيح ذاتها تجد فيها آية من آيات الخَلْق وبديع صُنْع الله تعالى، فمن المزروعات ما نعرف كيفية تلقيحه كالنخيل مثلاً، ونعرف أن منه الذكر ومنه الأنثى، وهذا واضح في شكل الشجرة لكن شجرة المانجو مثلاً لا نعرف كيف تتم فيها عملية التلقيح؟ وحين ترى كل هذا الجمال في الخَلْق، عليك أنْ تذكر الخالق وتقول: تبارك الله أحسن الخالقين. وأجمل من الحُسْن مَنْ خلق الحُسْن. وكلمة {جَمِيعاً مِّنْهُ ..} [الجاثية: 13] كلمة جميع من كلمات التوكيد، فهي تعني كل ما في السماوات وما في الأرض من الله بلا استثناء، فكل صغيرة وكل كبيرة من الذرَّة إلى المجرَّة من فضل الله، ما تعرفه وما لم يُحط به علمك. وكلمة (مِنْهُ) قرأها بعضهم (منة) والمعنى لم يبعد عن المراد فهي من الله، وهي منة من الله. وأنتم تعرفون أن القرآن أول ما جُمع جُمعَ بدون نقاط وبدون تشكيل اعتماداً على المَلَكة العربية في فهم المعاني واستنباطها، ويُروى أن حماداً الراوية كان لا يحفظ القرآن، فلما جاءوا له بالمصحف قرأ: {أية : عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ ..} تفسير : [الأعراف: 156] وبالسين يظل المعنى صحيحاً، لكن لفظ القرآن (أشاء). وقرأ: صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة. فنطق الغين عيناً وهي نفس المعنى. إذن: عطاء القرآن عطاء ممتد، ويستطيع المتذوّق للعربية أنْ يصلَ إلى معانيه وحكمه. لكن لما فسدتْ الملَكات اضطروا للنَّقْط والتشكيل ليتضح المعنى، مع أنهم كانوا زمان يعتبرون تشكيلَ الكتاب سُوءَ ظنٍّ بالمكتوب له، لأن في ذلك اتهاماً له بعدم الفهم. ثم يقول سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ ..} [الجاثية: 13] أي: في هذه المخلوقات المسخّرة لكم {لأيَٰتٍ ..} [الجاثية: 13] عجائب ودلائل {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 13]. إذن: هذه دعوة للإيمان، فالحق سبحانه يعرض علينا صنعته وإبداعه في الكون، ويدعونا أنْ نتأمل فيه، وأنْ نُعملَ فيه عقولنا، والصانع لا يفعل هذا بصنعته إلا إذا كان واثقاً من جودتها. قلنا: لو أنك ذهبتَ إلى بائع القماش تشتري منه مثلاً بدلة صوف فتراه يعرض عليك أثوابَ القماش، ويُبيِّن لك جودتها، ثم يأخذ منها (فتلة) ويشعل فيها النار أمامك ليظهر لك حقيقة هذه الجودة، وهو لا يفعل ذلك إلا لثقته في بضاعته. أما الآخر صاحب البضاعة الفاسدة المغشوشة (فيُدوّك) عليك ويُوهمك بالكلام والتدليس والزور، ولا يجرؤ أنْ يبينَ لك حقيقة ما عنده. إذن: حينما يخاطبك ربك: اعقل، تدبَّر، تذكَّر، فهذا يعني أنك لو أعملتَ الفكر في هذه الآية لأوصلتْكَ إلى الحق وإلى مراده منك، لذلك يحذر الحق عباده من الإعراض عن الآيات {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. ثم يقول الحق سبحانه: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ...}.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 889 : 1 : 16 - سفين عن عبد الله بن عمرو (في) قوله {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} قال، الخلق من خمسة: من نار ونور وظلمة وماء وتراب. [الآية 13].
همام الصنعاني
تفسير : 2835- عبد الرزاق، قال: أنبأنا عمر بن حبيب المكي، عن حميد الأعرج قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله، فقال: مِمَّ خُلِق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتُّراب، قال: فَمِمَّ خُلِقَ هَؤُلاء؟ قَالَ: لاَ أَدرِي، قال: ثم أتى عبد الله بن الزبير فسأله، فقال: مِثل قول عبد الله بن عمرو، فأتى ابن عباس فَسَأله، فقال: ممَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، قال: فَمِمَّ خُلِقَ هؤلاء؟ قال: فتلا ابن عباس: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}: [الآية: 13]، فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهْل بيت النبي صلى الله عليه وسلم. 2836- حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}: [الآية: 13]، قال: منه النور والشمس والقمر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):