٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ} جزم على جواب «قُلْ» تشبيهاً بالشرط والجزاء؛ كقولك: قم تُصِب خيراً. وقيل: هو على حذف اللام. وقيل: على معنى قل لهم اغفروا يغفروا؛ فهو جواب أمر محذوف دلّ الكلام عليه؛ قاله عليّ بن عيسى وٱختاره ابن العربيّ. ونزلت الآية بسبب أن رجلاً من قريش شتم عمر بن الخطاب فهمَّ أن يبطش به. قال ٱبن العربيّ: وهذا لم يصح. وذكر الواحديّ والقشيريّ وغيرهما عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمر مع عبد الله بن أُبَيّ في غَزْوة بني المُصْطَلِق، فإنهم نزلوا على بئر يقال لها «المُرَيْسِيع» فأرسل عبد الله غلامه ليستقي، وأبطأ عليه فقال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر بن الخطاب قعد على فم البئر، فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قِرب النبيّ صلى الله عليه وسلم وقِرب أبي بكر، وملأ لمولاه. فقال عبد الله: ما مَثَلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سَمِّن كلبك يأكلك. فبلغ عمرَ رضي الله عنه قولُه، فاشتمل على سيفه يريد التوجه إليه ليقتله؛ فأنزل الله هذه الآية. هذه رواية عطاء عن ابن عباس. وروى عنه ميمون بن مِهران قال: حديث : لما نزلت {مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} [البقرة: 245] قال يهوديّ بالمدينة يقال له فِنحاص: ٱحتاج ربّ محمد! قال: فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه؛ فجاء جبريل عليه السلام إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: «إن ربّك يقول لك قُلْ لِلَّذِين آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِين لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ». وأعلمَ أن عمر قد ٱشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، فلما جاء قال:«يا عمر، ضع سيفك» قال: يا رسول الله، صدقت، أشهد أنك أرسلت بالحق. قال: «فإن ربك يقول: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ}» قال: لا جرم! والذي بعثك بالحق لا ترى الغضب في وجهي.تفسير : قلت: وما ذكره المهدوِيّ والنحاس فهو رواية الضحاك عن ابن عباس، وهو قول القُرَظيّ والسُّدّي، وعليه يتوجه النسخ في الآية. وعلى أن الآية نزلت بالمدينة أو في غزوة بني المُصْطَلِق فليست بمنسوخة. ومعنى: «يَغْفِرُوا» يعفوا ويتجاوزوا. ومعنى: «لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ» أي لا يرجون ثوابه. وقيل: أي لا يخافون بأس الله ونقمه. وقيل: الرجاء بمعنى الخوف؛ كقوله: {أية : مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } تفسير : [نوح: 13] أي لا تخافون له عظمة. والمعنى: لا تخشون مثل عذاب الأمم الخالية. والأيام يعبّر بها عن الوقائع. وقيل: لا يأمُلون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه. وقيل: المعنى لا يخافون البعث. {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} قراءة العامة «لِيَجْزِيَ» بالياء على معنى ليجزي الله. وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر «لِنَجْزيَ» بالنون على التعظيم. وقرأ أبو جعفر والأعرج وشيبة «لِيُجْزَى» بياء مضموم وفتح الزاي على الفعل المجهول، «وقَوْماً» بالنصب. قال أبو عمرو: وهذا لحن ظاهر. وقال الكسائيّ: معناه ليجزي الجزاءُ قوماً، نظيره: {أية : وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الأنبياء: 88] على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة «الأنبياء». قال الشاعر:شعر : ولو وَلَدَتْ قُفَيْرَةُ جرْوَ كَلْبٍ لَسُبَّ بذلك الجَرْوِ الكلابا تفسير : أي لَسُبَّ السَّبُّ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ } يخافون {أَيَّامَ ٱللَّهِ } وقائعه، أي اغفروا للكفار ما وقع منهم من الأذى لكم وهذا قبل الأمر بجهادهم [4:47] {لِيَجْزِىَ } أي الله وفي قراءة بالنون {قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الغفر للكفار أذاهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {لا يَرْجُونَ} لا يبالون نِعم الله أو لا يخشون عقاباً ولا يطمعون في نصره في الدنيا ولا في الآخرة وأراد بالأيام أيام النعم والنقم في الدنيا إذ ليس في الآخرة ليل ولا نهار، أو أيام ثواب الآخرة وعقابها فعبّر عن الوقت بالأيام {يَغْفِرُواْ} تقديره "قل اغفروا" يغفر بالعفو وترك المجازاة على الأذى نزلت في عمرـ رضي الله تعالى عنه ـ سبّه مشرك فهمَّ أن يبطش به فلما نزلت كف عنه وهي محكمة في العفو عن الأذى في غير الدين، أو نسختها آية السيف، أو قوله { أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ}تفسير : [الحج: 39].
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ...} الآية، قال أَكْثَرُ النَّاسِ: هذه الآيةُ منسوخٌة بِآية القتال، وقالَتْ فرقةٌ: بل هي مُحْكَمَةٌ؛ قال * ع *: الآية تتضمَّن الغُفْرَانَ عُمُوماً، فينبغي أَنْ يقال: إنَّ الأُمور العظام، كالقتل والكُفْرِ مُجَاهَرَةً ونحو ذلك ـــ قد نَسَخَتْ غفرانَهُ، آيةُ السَّيْفِ والجِزْيَةِ، وما أحكمه الشَّرْعُ لا محالة، وأَنَّ الأُمورَ الحقيرةَ كالجَفَاءِ في القول ونحوِ ذلك تحتملُ أنْ تبقَىٰ مُحْكَمَةً، وأنْ يكونَ العفْوُ عنها أقربَ إلى التقوى. وقوله {أَيَّامَ ٱللَّهِ} قالت فرقة: معناه: أيام إنعامه، ونَصْرِهِ، وتنعيمه في الجنة، وغَيْرُ ذلك، وقال مجاهد: {أَيَّامَ ٱللَّهِ}: أيامُ نِقَمِهِ وعَذَابِهِ، وباقي الآية بَيِّنٌ. وقوله سبحانه: {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ...} الآيةُ، قَدْ تَقَدَّم بيان نظيرها في سورة يُونُسَ وغيرها.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {قل للذين آمنوا يغفروا} الآية قال: ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالعفو، ويحث عليه ويرغب فيه حتى أمر أن يعفو عمن لا يرجو أيام الله، وذكر أنها منسوخة نسختها الآية التي في الأنفال أية : {فإما تثقفنهم في الحرب}تفسير : [الأنفال: 57] الآية. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {قل للذين آمنوا يغفروا} الآية قال: كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا أذوه، وكان يستهزؤون به، ويكذبونه، فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة، فكان هذا من المنسوخ. وأخرج أبو داود في تاريخه وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله}. قال: الذين لا يدرون أنعم الله عليهم أم لم ينعم، قال سفيان رضي الله عنه: بلغني أنها نسختها آية القتال. وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في المصاحف عن قتادة رضي الله عنه في قوله {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} قال: هي منسوخة بقول الله {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}. وأخرج ابن عساكر عن أبي مسلم الخولاني رضي الله عنه أنه قال لجارية له: لولا أن الله تعالى يقول {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله} لأوجعتك. فقالت: والله إني لممن يرجو أيامه، فما لك لا توجعني؟ فقال: إن الله تعالى يأمرني أن أغفر للذين لا يرجون أيامه، فعمّن يرجو أيامه أحرى، انطلقي فأنت حرة.
القشيري
تفسير : نَدَبَهم إلى حُسْنِ الخُلق، وجميلِ العِشْرَة، والتجاوزِ عن الجهل، والتنقي من كدورات البشرية. ومقتضياتِ الشُّحِّ. وَبيَّنَ أَنَّ اللَّهَ - سبحانه - لا يفوته أحدٌ. فَمَنْ أراد أَنْ يعرِفَ كيف يحفظ أولياءَه، وكيف يُدَمِّر أعداءَه. فَلْيَصبِرْ أياماً قلائلَ لَيَعْلَمَ كيف صارت عواقبُهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل للذين آمنوا} اغفروا يعنى در كذرانيدوعفو كنيد. وهو مقول القول حذف لدلالة الجواب عليه وهو قوله {يغفروا للذين لا يرجون ايام الله} كما فى قوله تعالى {أية : قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة} تفسير : اى قل لهم اقيموا الصلاة يقيموا الصلوة قال صاحب الكشاف وجوزوا ان يكون يقيموا بمعنى ليقميوا ويكون هذا هو المقول قالوا وانما جاز حذف اللام لان الامر الذى هو قل عوض عنه ولو قيل يقيموا ابتدآء بحذف اللام لم يجز وحقيقة الرجاء تكون فى المحبوب فهو هنا محمول على المجاز وهو التوقع والخوف والمعنى يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقعون ولا يخافون وقائعه تعالى باعدآئه فى الامم الماضية لقولهم ايام العرب لوقائعها كيوم بعاث وهو كغراب ويثلث موضع بقرب المدينة ويومه معروف كما فى القاموس وقيل لا يأملون الاوقات التى وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها واضافتها الى الله كبيت الله وهذه الآية نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بها وذلك لان السورة مكية بالاتفاق الا ان المارودى استثنى هذه الاية وقال انها مدنية نزلت فى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وعزاه الى ابن عباس رضى الله عنهما وقتادة وذلك ان عمر رضى الله عنه شتمه غفارى فهم ان يبطش به فنزلت فى حقه قال فى القاموس وبنوا غفار ككتاب رهط ابى ذر الغفارى وقيل نزلت حين قال رئيس المنافقين عبد الله بن ابى ما قال وذلك انهم نزلوا فى غزوة بنى المصطلق على بئر يقال لها مريسيع مصغر مرسوع فارسل ابن ابى غلامه يستقى فابطأ عليه فلما اتاه قال له ما حبسك قال غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك احدا يستقى حتى ملأ قرب النبى عليه السلام وقرب ابى بكر وعمر فقال ابن ابى ما مثلنا ومثل هؤلاء الا كما قيل سمن كلبك يأكلك فبلغ ذلك عمر فاشتمل سيفه يريد التوجه اليه فأنزلها الله. ودر تفسير اما ثعلبى مذكور است كه بعد از نزول آيت من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فنحاص عاذور اليهودى بر سبيل طنز كفت خداى تعالى مكر محتاج است كه قرض ميطلبد ابن خبر يفاروق رضى الله عنه رسيده بر جست وشمشير كشيد ورى بجست وجوى اونهاد تاهر جابيند بقتلش رساند حضرت عليه السلام بطلب عمر فرستاد جون حاضر شد كفت اى عمر شمشير بنه كه حق سبحانه وتعالى بعفو فرموده وآيت بروى خواند عمر كفت يا رسول الله بدان خداىكه ترابحق بخلق فرستادكه ديكراثر غضب درروى من نه ييندودمقابله كناه جزصفت عفواز من مشاهده نكند. جويد بينى زخلق ودر كذارى. ترازيبد طريق بردبارى. اكرجه دامنت رامى دردخار. توكل باش ودهان برخنده ميدار {ليجزى قوما بما كانوا يكسبون} تعليل للامر بالمغفرة والمراد بالقوم المؤمنون والتنكير لمدحهم والثناء عليهم اى امرو بذلك ليجزى الله يومه القيامة قوما اى قوم لا قوما مخصوصين بما كسبوا فى الدنيا من الاعمال الحسنة التى من جملتها الصبر على اذية الكفار والمنافقين والاغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه وما يقصر عنه البيان من الثواب العظيم وقد جوز أن يراد بالقوم الكفرة وبما كانوا يكسبون سيئاتهم التى من جملتها ما حكى من الكلمة الخبيثة والتنكير للتحقير فان قلت مطلق الجزآء لا يصلح تعليلا للامر بالمغفرة لتحققه على تقديرى المغفرة وعدمها قلت لعل المعنى قل للمؤمنين يتجاوزوا عن اساءة المشركين والمنافقين ولا يباشروا بأنفسهم لمجازاتهم ليجزيهم الله يوم القيامة جزآء كاملا يكافى سيئاتهم ويدل على هذا المعنى الآية الآتية وايضا ان الكسب فى اكثر ما ورد فى القرءآن كسب الكفار ويجوز أن يكون المعنى ليجزيهم الله وقت الجزآء كيوم بدر ونحوه وفى الاية اشارة الى ان المؤمن اذا غفر لاهل الجرآئم وان لم يكونوا اهل المغفرة لاصرارهم على الكفر والاذى يصير متخلقا باخلاق الحق ثم الله تعالى يجزى كل قوم جزآء عملهم من الخير والشر اما فى الدنيا والآخرة او فى الاخرة
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {يغفِروا} قيل: جواب الأمر المذكور، أي: إن تقل يغفروا، وقيل لأمر محذوف، أي: قل لهم اغفروا يغفروا، وقيل: حذف لام الأمر، أي: ليغفروا، وقرأ أبو جعفر: (ليُجزي قوماً) بالبناء للمفعول، ونصب (قوماً) إما على نيابة المصدر، أي: ليجزي الجزاء قوماً، أو ليجزي الخيرُ قوماً، فأضمر الخير؛ لدلالة الكلام عليه، أو ناب الجار مع وجود المفعول به، وهو قليل. يقول الحق جلّ جلاله: {قل للذين آمنوا يغفِروا للذين لا يرجون أيامَ الله} أي: يعفوا ويصفحوا عن الذين لا يتوقعون نِقَمه ووقائعه بأعدائه، من قولهم: "أيام العرب" لوقائعها، أو: لا يأمّلون الأوقات التي وقّتها الله تعالى لثواب المؤمنين، ووعدهم بالفوز فيها. قيل: نزلت قبل آية القتال ثم نُسخت، قال ابن عطية: ينبغي أن يقال: إن الأمور العظام، كالقتل والكفر مجاهدة ونحو ذلك، قد نَسخ غفرانَه آيةُ السيف والجزية، وإن الأمور الحقيرة، كالجفاءِ في القول ونحو ذلك، يحتمل أن تبقى مُحكمة، وأن يكون العفو عنها أقرب للتقوى. هـ. قيل: نزلت في عمر رضي الله عنه حين شتمه رجل من غفار، فهَمَّ أن يبطشَ به، فنزلت. وقيل: نزلت في ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا في أذّى شديد من المشركين، قبل أن يُؤمروا بالقتال، فشكَوْا ذلك إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا تكون الآية مكية. وقال ابن عباس: لما نزل:{أية : مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [البقرة: 245] قال فنحاص: افتقر رَبُّ محمد، فلما بلغ ذلك عُمر، طلبه بالسيف؛ ليقتله، فنزلت، فوضع السيف، وقال: والذي بعثك بالحق لا يُرى الغضب في وجهي. وقيل: في شأن أُبيّ ابن سلول، رأس المنافقين، لَمّا قال في غزوة المريسيع: ما مثلُنا ومثل هؤلاء - يعني المهاجرين - إلا كما قيل: سَمِّنْ كلبَك يأكلك، فبلغ ذلك عمر، فاشتمل السيف، يريد التوجه إليه، فنزلت. وعلى هذا تكون مدنية. {لِيَجزيَ قوماً بما كانوا يكسبون} أي: إنما أُمروا أن يغفروا ليوفيهم جزاء مغفرتهم يوم القيامة. وتنكير (قوم) مدح لهم، كأنه قيل: لِيَجزي قوماً - أيَّما قوم، أو قوماً مخصوصين - بالصبر بسبب ما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة، التي من جملتها الصبر على إذاية الكفار، والإغضاء عنهم، بكظم الغيظ، واحتمال المكروه، ما يقصر عنه البيان من الثواب العظيم، ويجوز أن يُراد بالقوم: الكفرة، وبما كانوا يكسبون: سيئاتهم، التي من جملتها ما كانوا يؤذون به المسلمين. {من عَمِلَ صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها} أي: لها الثواب وعليها العقاب، لا يكاد يسري عمل إلى غير عامله، {ثم إِلى ربكم تُرجعون} فيجازيكم على أعمالكم، خيراً كان أو شرّاً. الإشارة: مذهب الصوفية: العفو عمن ظلمهم، والإحسان إلى مَن أساء إليهم؛ لأنهم رحمة للعباد، ومقصدهم بذلك رضا الله، لأن الخلق عيال الله، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله. قال اللجائي رضي الله عنه في شمائل الخصوص: قصد السادات بالعفو عمن ظلمهم، ابتغاء مرضاة الله، لا ابتغاء الثواب، فإنه تعالى يحب العفو، وتسمَّى به. ومقصدهم بالعفو أيضاً: قطع العداوة الحِقد عن الظالم، وترك الانتصار منه، بيدٍ أو لسان، استعداداً منهم لسلامة الصدور. ومقصدهم أيضاً: زوال الذِّلة عن الظالم في موقف الحساب، من أجل ما يطالَبُ به من الحقوق، وهو ضرب من الشفقة على العبيد، وهو مقام محمود، فشأنهم رضا الله عنهم إذا حلّ بالعباد في الموقف بلاء، أرادوا أن يكونوا للخلق فداء، فهذا أدنى مقام في العفو. هـ. وفي الحديث:"حديث : إذا جمع الله الخلائقَ يوم القيامة، نادى مناد: أين أهل الفضل، فيقوم ناس، وهم يَسير، فينطلقون إلى الجنة سِراعاً، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إنَّا نراكم سراعاً؟ فيقولون: نحن أهل الفضل، فيقولون: ما فضلُكُم؟ فيقولون: كنا إذا ظُلِمنا صَبَرْنا، وإذا جُهلَ عينا حَلُمنا، فيقال لهم: ادخلوا الجنة: فنعم أجر العاملين ". تفسير : قال القشيري بعد كلام: فمَن أراد أن يعرف كيف يحفظ أولياءَه، وكيف يُدمِّر أعداءَه، فليصبرْ على أيامٍ قلائل، ليعلم كيف صارت عواقبُهم، مَن عمل صالحاً فله مَهْناه، ومَن ارتكب سيئة قاسى بلواه، ثم مرجعه إلى مولاه. هـ. ثم ذكر ما منَّ به على بني إسرائيل، بعدما ذكر ما منَّ به على عباده جملة، فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ}.
الجنابذي
تفسير : {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ} قد سبق مكرّراً انَه تعالى للاشارة الى انّ توجّه محمّدٍ (ص) مؤثّر فيهم بحيث يجعلهم على اوصاف الرّوحانيّين لم يأت بمقول قوله ويقتصر على لفظ قل فى جزم المضارع الآتى بعده كأنّه قال: قل ما شئت وتوجّه اليهم ان تقل لهم قولاً يغفروا بدون امرك لهم بالمغفرة {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} قد مرّ بيان ايّام الله فى سورة ابراهيم عند قوله تعالى: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} تفسير : [إبراهيم:5] والمراد من الّذين لا يرجون ايّام الله الّذين اشتغلوا عن دينهم بدنياهم ولا يترقّبون من دينهم الاّ اصلاح دنياهم، والّذين لم يعتقدوا مبدءً او لم يعتقدوا معاداً فانّ ايّام الله عبارة عن مقامات الآخرة ودرجاتها، ومن رجا درجات الآخرة ومقاماتها يكون ناظراً اليها متوجّهاً فى اعماله واحواله الى جهتها، ومن لم يعتقدها او لم يكن عمله لها لم يكن راجياً لها، والمقصود تأديب المؤمنين الّذين بايعوا البيعة الخاصّة بان لا ينظروا الى ظاهر افعالهم واحوالهم فيتركوا معاشرتهم ونصحهم ودلالتهم على خيرهم فانّهم كانوا كذلك فمنّ الله عليهم بالايمان ورجاء ايّام الله، وشكر هذه النّعمة ان يرحموا عباد الله ويظهروا ما انعم الله به عليهم ويدلّوا غيرهم عليها فانّ الله اذا انعم على عبدٍ احبّ ان يراها عليه، ومن لم يظهرها كان كافراً لتلك النّعمة، عن الصّادق (ع) انّه قال: قل للّذين مننّا عليهم بمعرفتنا ان يعرفوا الّذين لا يعملون فاذا عرفوهم فقد غفروا لهم {لِيَجْزِيَ قَوْماً} قرئ بالغيبة والبناء للفاعل، والفاعل هو الله وبالبناء للمفعول وضمير المصدر يكون نائباً عن الفاعل، وقرئ بالنّون {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} قيل: يقول الله تعالى لائمّة الحقّ: لا تدعوا على ائمّة الجور حتّى يكون الله هو الّذى يعاقبهم.
فرات الكوفي
تفسير : {قل للذين آمنوا: يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون 14 - 21} قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد قال: حدثنا أبو العباس محمد بن ذران [ب: زادان] القطان قال: حدثنا عبد الله بن محمد القيسي قال: حدثنا أبو جعفر القمي محمد بن عبد الله قال: حدثنا حديث : سليمان الديلمي قال: كنت عند أبي عبد الله [عليه السلام. أ، ب]!! فلم نلبث أن سمعنا تلبية فإذا علي قد طلع على عنقه حطب فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعانقه حتى رئي بياض من تحت أيديهما ثم قال: يا علي إني سألت الله أن يجعلك معي في الجنة ففعل، وسألته أن يزيدني فزادني [ر، أ (خ ل): فزادك] زوجتك، [وسألته أن يزيدني فزادني ذريتك.أ، ب]، وسألته أن يزيدني فزادني محبيك، ثم زادني [ن: فزادني] من غير أن استزيده محبي محبيك. ففرح بذلك [أمير المؤمنين. ر] علي [بن أبي طالب. ر] عليه السلام ثم قال: بأبي أنت وأمي محب محبي؟ قال: نعم. يا علي إذا كان يوم القيامة وضع لي منبر من ياقوتة حمراء مكلل بزبرجدة خضراء له سبعون ألف مرقاة بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس القارح ثلاثة أيام فأصعد عليه، ثم يدعى بك فيتطاول إليك الخلائق فيقولون ما يعرف [ب: يؤت] في النبيين فينادي مناد هذا سيد الوصيين ثم تصعد فتعانقني عليه ثم تأخذ بحجزتي وأخذ بحجزة الله [ألا إن حجزة الله، أ، ب] هي الحق، وتأخذ ذريتك بحجزتك وتأخذ شيعتك بحجزة ذريتك، فأين يذهب بالحق [ب: الحق إلا] إلى الجنة، فإذا دخلتم [إلى. أ، ب] الجنة فتبوأتم مع أزواجكم ونزلتم منازلكم أوحى الله إلى مالك ان افتح باب جهنم لينظر أوليائي إلى ما فضلتم على عدوهم، فيفتح أبواب جهنم ويطلعون [ر (ظ): يطلون] عليهم فاذا وجدوا روح رائحة الجنة قالوا: يا مالك أنطمع [أ: أتطمع] الله لنا في تخفيف العذاب عنا؟ إنا لنجد روحاً. فيقول لهم مالك: إن الله أوحى إلي: أن افتح أبواب جهنم لينظر أولياءه [ظ] إليكم فيرفعون رؤوسهم فيقول هذا: يا فلان ألم تك تجوع فأشبعك؟ ويقول هذا: يا فلان ألم تك تعرى فأكسوك؟ ويقول هذا: يا فلان ألم تك تخاف فآويك؟ ويقول هذا: يا فلان ألم تك تحدث فأكتم عليك؟ فتقولون: بلى. فيقولون: استوهبنا من ربكم فيدعون لهم فيخرجون من النار إلى الجنة فيكونون فيها بلا مأوى ملومين ويسمون الجهنميين فيقولون: سألتم ربكم فأنقذنا من عذابه فادعوه يذهب عنا بهذا الاسم ويجعل لنا في الجنة [مأوى. خ] فيدعون فيوحي الله إلى ريح فتهب على أفواه أهل الجنة فينسيهم ذلك الاسم ويجعل لهم في الجنة مأوى. ونزلت هذه الآيات: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزى قوماً بما كانوا يكسبون} إلى قوله {ساء ما يحكمون} .
اطفيش
تفسير : {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ} اغفروا فحذف هذا القول الذي هو اغفروا لدلالة قوله* {يَغْفِرُواْ} المجروم في جواب الامر أو بأن الشرطية المحذوفة أي بأن قلت اغفروا يغفروا وقيل مجزوم بلام الامر محذوفة والمجموع هو المقول* {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ} قال مجاهد لا يخافون ولا يتوقعون وقائعه بأعدائه من قولهم لوقائع العرب أيام العرب والحق عندي ان المعنى لا يأملون أيام انعامه ونصره وتنعيمه في الجنة وغير ذلك والآية منسوخة بآية السيف عند الاكثر والحق انها محكمة والمراد العفو الجائز بعد الأمر بالقتال وعن بعض انها تتضمن الغفران عموماً فينبغى أن يقال ان الأمور العظام كالقتل والكفر مجاهرة نسخ غفرانه وغيرها كالخفاء في القول يحتمل أن تكون حكمة فيه وأن يكون العفو أقرب الى التقوى. وقال ابن عباس: (نزلت في عمر شتمه رجل من غفار في مكة فهم يبطشه) وقيل ان ناساً من الصحابة من أهل مكة آذاهم المشركون أذى شديداً فشكوا له صلى الله عليه وسلم فنزلت. وروي عن ابن عباس أيضاً أراد (بالذين آمنوا) عمر و (بالذين لا يرجون) عبدالله بن أبيّ وذلك انهم نزلوا في غزوة بنى المصطلق على بئر يقال له المريسيع فأرسل عبدالله بن أبيّ غلامه ليسقى له فأبطأ فقال: ما حبسك قال: غلام عمر قعد على البئر فما ترك أحدا يسقي حتى ملأ قرب النبي صلى الله عليه وسلم وقرب أبى بكر وملأ لمولاه فقال عبد الله ما مثلنا ومثل هؤلاء الا كما قيل: (سمن كلبك يأكلك فبلغ قوله عمر واشتمل بسيفه يريد التوجه اليه فنزلت وعن ابن عباس أيضاً لما نزل {أية : من ذا الذي يقرض الله} تفسير : الخ قال يهودي اسمه فِنحاص احتاج رب محمد فاشتمل عمر بسيفه وخرج اليه فنزلت الآية وأعلمه جبريل بما هم عمر فأرسل اليه فرجع فقال: ضع سيفك فقال صدقت يا رسول الله صدقت يا محمد أشهد انك أرسلت بالحق فقرأ له الآية* {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تعليل لقل (والقوم) المؤمنون والتنكير للتعظيم أي قوماً مخصوصين صابرين على أذى المشركين (والكسب) العفو المورث ثواباً عظيماً بكظم الغيظ. وعن سعيد بن المسيب كنا بين يدي عمر فقرأ الآية فقال: ليجزي عمر بما صنع أي بصبره واحتماله فقال عند نزول الآية: والله لا ترى الغضب في وجهي والمراد (بالقوم) الكفار فالتنكير للتحقير والكسب الاساءة أو المراد (بالقوم) المؤمنون والكافرون (وبالكسب) العمل مطلقاً ويدل له ما بعده وفاعل (يجزي) ضمير الله وقرئ (ليُجزي قوم) بالبناء للمفعول ورفع قوم. وقرأ أبو جعفر بالبناء له ونصبه على أن النائب المجرور أو مصدر الفعل مضمراً أو الخير أو الشر كذلك وفيهما نيابة المفعول الاول مع وجود الثاني وهي مرجوحة واختارهما بعض على نيابة المصدر قائلاً ان الاسناد اليه ضعيف ولا سيما مع المفعول به. وقال ابن هشام: النائب ضمير الغفران وقال في توضيحه أجاز الكوفيون نيابة غير المفعول به مع وجوده ومثل بالآية وأجيب بما مر وبشذوذ تلك القراءة وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائى (لنجزي قوماً) بالنون
اطفيش
تفسير : {قُل} يا محمد {للَّذين آمنُوا} اغفروا للذين لا يرجون أيام الله، ويعفوا أو يصفحوا فيما علموا منهم من شتم أو مال أو ضرب أو غير ذلك {يغفروا} مجزوم بلازم الأمر محذوفة، أى قل لهم ليغفروا، والمعنى قل لهم اغفروا، أو مجزوم فى جواب قل، ولا يصح أن يجزم جواب اغفروا المقدر، إذ لا معنى لقولك: اغفروا يغفروا، والقول لا ينسحب على يغفروا، لأن يغفروا لم يدخل فى الحكاية. {للَّذين لا يرجُون أيَّام الله} أو فاته ثواب المؤمنين وفوزهم لانكارهم ذلك، أو للرجاء بمعنى توقع السوء من الله بالانتقام منهم، قال: يوم من أيام العرب، أى حرب، وذلك مجاز مرسل لعلاقة التضاد أو لعلاقة الاطلاق والتقييد، بأن وضع الرجاء لانتظار الخير، ثم اعتبر لمطلق الانتظار، وأخذ من هذا المطلق انتظار الشر، نفى الله تعالى من المشركين انتظاره لتكذيبهم به، وهذا الشر دنيوى أو أخروى، أو كل منهما، ومثل ذلك يقال فى المشركين قبل الأمر بالقتال وبعده، فلا نسخ. وروى أن عمر رضى الله عنه شتمه مشرك من غفار بمكة، فهم أن يبطش به، فنزلت الآية، فهى مكية، وقيل: هم أن يبطش به بعد الهجرة، لأنه قبلها لا يقدر على البطش به، قلت لا دليل على هذا، لأن للمسلمين فيها قدرة على الانتقام اذا كان لأمر بدنى أو مالى، أو شتم لا لدينى يظهره، فلو انتقم لدينى يظهره لقوة قلبه وشجاعته وهيبته فى الناس، ولا سيما أنه قيل: شاتمه رجل من غفار، وذلك الغفران باظهار العفو، أو ما يدل له من حسن كلام أو عشرة أو غير ذلك، والأمر بالغفران أمر بترك الانتقام فى القلب لقصد الثواب، وقيل: آذى المشركون المسلمين فى مكة، وشكوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. وروى عن ابن عباس ما يدل أن الآية مدنية، أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه نزل فى غزوة المصطلق على بئر يقال لها المريسيع، فأرسل ابن أبى غلامه ليستقى فأبطأ فقال: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أحدا يستقى حتى ملأ قرب النبى صلى الله عليه وسلم، وقرب أبى بكر رضى الله عنه، فقال ابن أبى: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل: سمن كلبك يأكلك، فبلغ ذلك عمر رضى الله عنه، فاشتمل على سيفه يريد التوجه اليه، فأنزل الله تعالى الآية، وعن ميمون بن مهران: لما أنزل الله تعالى: "أية : من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حَسَناً" تفسير : [البقرة: 245] قال فنحاص اليهودى: احتاج رب محمد، فسمع عمر بذلك فاشتمل سيفه وخرج، فبعث النبى صلى الله عليه وسلم فى طلبه حتى رده، ونزلت الآية، فهى مدنية. {ليجْزيَ} الله يوم القيامة متعلق باغفروا المقدر، أو بقل، لأن قوله: {اغفروا} سبب لأن يغفروا لهم، وغفرانهم يترتب عليه الجزاء، وسببه هو القول، فهو مترتب على القول بالواسطة فصح تعليل القول بالجزاء، وجه جعله تعليلا أنه بلا واسطة، لكن فيه تعليل ما حذف، ووجه جعله تعليلا للقول أنه مذكور، لكن فيه الواسطة، والأول أولى، لان ذلك المحذوف كالمذكور، ويجوز تعليقه بيغفروا أى مرهم بالغفران فيتنبهوا فيقصدوا بالغفران الجزاء، ويجوز أن يكون ليجزى الخ داخلا فى المقول، فمقتضى الظاهر على هذا: ليجزيكم بما تكتسبون، فذكره الله بالاظهار {قوماً} عظام الشأن بصبرهم على الأذى لوجه الله، واقامة دينه، وهم المؤمنون الصابرون على الأذى من المشركين الغافرون، وفى التنكير تعظيم من جهة أخرى، وهى التلويح بأنهم معروفون، عرفوا أو نكروا مع العلم بأن المجزى لا يكون إلا العامل وهو الغافر فى الآية. {بمَا كانُوا يكْسِبُون} بما كانوا يكسبونه من الصبر على ذلك والعفو، أو بكونهم يكسبونهما، لأن الكلام عليهما أو بهما وبغيرهما من الأعمال الصالحة، فيتوفر أجرهم أكثر من توافره لو لم يؤمروا بالصبر، فلم يصبروا أو لم يصبروا وقد أمروا بالصبر لحبطت أعمالهم، والباء للسبية أو للمقابلة، أو صلة بيجزى كما تقول: جزيته بدرهم، ويجوز أن يرد بالقوم الكافرون بمعنى ليجزهم بسيئاتهم بلا نقص منها، فانهم ان انتقموا بما لأنفسهم سقط ما قاله عن المشركين، لكن يبقى اصرارهم، فالتنكير حينئذ للتحقير، ويجوز أن يراد بالقوم الأمة المؤمن والمشرك، المؤمن يجزى على صبره وعمله، والمشرك جزى بسيئاته كلها، هذا الايذاء وسائر أعماله وما ذكرت أولا أولى، ويدل له ما روى من سعيد بن المسيب: كنا عند عمر فقرأ قارىء: ليجزى عمر بما صنع، ولم ينهه عمر، وذلك قراءة تفسير لا قراءة ما نزل، أو قرأ الآية كما نزلت، ثم قال: هذا تفسير، لكن ظاهر قول الراوى قرأ أنه قرأ الآية بذلك للتفسير.
الالوسي
تفسير : {قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ } حذف المقول لدلالة «يغفروا» عليه فإنه جواب للأمر باعتبار تعلقه به لا باعتبار نفسه فقط أي قل لهم اغفروا يغفروا {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } أي يعفوا ويصفحوا عن / الذين لا يتوقعون وقائعه تعالى بأعدائه ونقمته فيهم فالرجاء مجاز عن التوقع وكذا الأيام مجاز عن الوقائع من قولهم: أيام العرب لوقائعها وهو مجاز مشهور وروي ذلك عن مجاهد، أو لا يأملون الأوقات التي وقتها الله تعالى لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها. والآية قيل نزلت قبل آية القتال ثم نسخت بها. وقال بعضهم: لا نسخ لأن المراد هنا ترك النزاع في المحقرات والتجاوز عن بعض ما يؤذي ويوحش، وحكى النحاس والمهدوي عن ابن عباس أنها نزلت في عمر رضي الله تعالى عنه شتمه مشرك بمكة قبل الهجرة فَهَمَّ أن يبطش به فنزلت وروي ذلك عن مقاتل وهذا ظاهر في كونها مكية كأخواتها. وإرادة فَهَمَّ أن يبطش به بعد الهجرة لأن المسلمين بمكة قبلها عاجزون مقهورون لا يمكنهم الانتصار من المشركين والعاجز لا يؤمر بالعفو والصفح غير ظاهر محتاج إلى نقل، ودوام عجز كل من المسلمين غير معلوم بل من وقف على أحوال أبـي حفص رضي الله تعالى عنه لا يتوقف في أنه قادر على ما هَمَّ به لا يبالي بما يترتب عليه. وهذا أولى في الجواب من أن يقال: إن الأمر بفعل ذلك بينه وبين الله تعالى بقلبه ليثاب عليه. نعم قيل: إن النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نزلوا في غزوة بني المصطلق على بئر يقال له المريسيع فأرسل ابن أبـي غلامَه ليستقي فأبطأ عليه فلما أتاه قال له: ما حبسك؟ قال: غلام عمر قعد على طرف البئر فما ترك أحداً يستقي حتى ملأ قرب النبـي صلى الله عليه وسلم وقرب أبـي بكر رضي الله تعالى عنه قال ابن أبـي: ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل سمن كلبك بأكلك فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه فأنزل الله تعالى الآية؛ وحكاه الإمام عن ابن عباس وهو يدل على أنها مدنية، وكذا ما روي عن ميمون بن مهران قال: إن فنحاصاً اليهودي قال: لما أنزل الله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } تفسير : [البقرة: 245] احتاج رب محمد فسمع بذلك عمر رضي الله تعالى عنه فاشتمل سيفه وخرج فبعث النبـي صلى الله عليه وسلم في طلبه حتى رده ونزلت الآية. {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} تعليل للأمر بالمغفرة، وجوز أن يكون تعليلاً للأمر بالقول لأنه سبب لامتثالهم المجازي عليه. والمراد بالقوم المؤمنون الغافرون والتنكير للتعظيم، ولفظ القوم في نفسه اسم مدح على ما يرشد إليه الاشتقاق والاستعمال في نحو يا ابن القوم. وفي هذا التنكير كمال التعريف والتنبيه على أنهم لا يخفون نكروا أو عرفوا مع العلم بأن المجزي لا يكون إلا العامل وهو الغافر هٰهنا أي أمروا بذلك ليجزي الله تعالى يوم القيامة قوماً أيما قوم وقوماً مخصوصين بما كسبوا في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار والإغضاء عنهم بكظم الغيظ واحتمال المكروه ما لا يحيط به نطاق البيان من الثواب العظيم، ومنهم من خص ما كسبوه بالمغفرة والصبر على الأذية، و {مَا } في الوجهين موصولة وجوز أن تكون مصدرية، والباء للسببية أو للمقابلة أو صلة {يَجْزِيَ}. وجوز أن يراد بالقوم الكفرة وبما كسبوا سيآتهم التي من جملتها إيذاؤهم المؤمنين والتنكير للتحقير. وتعقب بأن مطلق الجزاء لا يصلح تعليلاً للأمر بالمغفرة لتحققه على تقديري المغفرة وعدمها فلا بد من تخصيصه بالكل بأن لا يتحقق بعض منه في الدنيا أو بما يصدر عنه تعالى بالذات، وفي ذلك من التكلف ما لا يخفى. وأن يراد كلا الفريقين والتنكير للشيوع، وتعقب بأنه أكثر تكلماً وأشد تمحلاً، والذي يشهد للوجه السابق ما روي عن سعيد بن المسيب قال: كنا بين يدي عمر رضي الله تعالى عنه فقرأ قارىء هذه الآية فقال: ليجزى عمر بما صنع. وقرأ زيد بن علي وأبو عبد الرحمن والأعمش / وأبو خليد وابن عامر وحمزة والكسائي {لنجزي} بنون العظمة، وقرىء {ليجزى } بالياء والبناء للمفعول {قَوْمٌ } بالرفع على أنه نائب الفاعل، وقرأ شيبة وأبو جعفر بخلاف عنه كذلك إلا أنهما نصباً {قَوْماً } وروي ذلك عن عاصم، واحتج به من يجوز نيابة الجار والمجرور عن الفاعل مع وجود المفعول الصريح فيقول: ضرب بسوط زيداً فبما كسبوا نائب الفاعل هٰهنا ولا يجيز ذلك الجمهور، وخرجت هذه القراءة على أن القائم مقام الفاعل ضمير المصدر أي ليجزي هو أي الجزاء. ورد بأنه لا يقام مقامه عند وجود المفعول به أيضاً على الصحيح، وأجازه الكوفيون على خلاف في الإطلاق والاستحسان أو على أنه ضمير المفعول الثاني وهو الجزاء بمعنى المجزي به كما في قوله تعالى: {أية : جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ } تفسير : [البينة: 8] وأضمر لدلالة السياق كما في قوله سبحانه: {أية : وَلأَبَوَيْهِ } تفسير : [النساء: 11] والمفعول الثاني في باب أعطى يقوم مقام الفاعل بلا خلاف وهذا من ذاك، وأبو البقاء اعتبر الخير بدل الجزاء المذكور أو على أن {قَوْماً } منصوب بأعني أو جزى مضمراً لدلالة المجهول على أن ثم جازياً واختاره أبو حيان، و {لِيَجْزِيَ } حينئذ من باب يعطي ويمنع وحيل بين العير والنزوان فمعناه ليفعل الجزاء ويكون هناك جملتان.
ابن عاشور
تفسير : إن كانت هذه متصلة بالآي التي قبلها في النزول ولم يصح ما روي عن ابن عباس في سبب نزولها فمناسبة وقعها هنا أن قوله: { أية : ويل لكل أفّاك أثيم } تفسير : [الجاثية: 7] إلى قوله: { أية : لهم عذاب من رجز أليم } تفسير : [الجاثية: 11] يثير غضب المسلمين على المستهزئين بالقرآن. وَقد أخذ المسلمون يعتزون بكثرتهم فكان ما ذكر من استهزاء المشركين بالقرآن واستكبارهم عن سماعه يتوقع منه أن يبطش بعض المسلمين ببعض المشركين، ويحتمل أن يكون بَدَرَ من بعض المسلمين غضب أو توعد وأن الله علم ذلك من بعضهم. قال القرطبي والسدي: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة أصابهم أذى شديد من المشركين فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم الله بالتجاوز عن ذلك لمصلحة في استبقاء الهدوء بمكة والمتاركة بين المسلمين والمشركين ففي ذلك مصالح جمّة من شيوع القرآن بين أهل مكة وبين القبائل النازلين حولها فإن شيوعه لا يخلو من أن يأخذ بمجامع قلوبهم بالرغم على ما يبدونه من إِعراض واستكبار واستهزاء فتتهَيَّأ نفوسهم إلى الدخول في الدين عند زوال ممانعة سادتهم بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وبعد استئصال صناديد قريش يوم بدر. وقد تكرر في القرآن مثل هذا من الأمر بالصفح عن المشركين والعفو عنهم والإعراض عن أذاهم، ولكن كان أكثر الآيات أمراً للنبي صلى الله عليه وسلم في نفسه وكانت هذه أمراً له بأن يبلغ للمؤمنين ذلك، وذلك يشعر بأن الآية نزلت في وقت كان المسلمون قد كثروا فيه وأحسّوا بعزتهم. فأمروا بالعفو وأن يكلوا أمر نصرهم إلى الله تعالى، وإن كانت نزلت على سبب خاص عرض في أثناء نزول السورة فمناسبتها لأغراض السورة واضحة لأنها تعليم لما يصلح به مقام المسلمين بمكة بين المضادين لهم واحتمال ما يلاقونه من صَلفهم وتجبرهم إلى أن يقضي الله بينهم. وقد روي في سبب نزولها أخبار متفاوتة الضعف، فروى مكي بن أبي طالب أن رجلاً من المشركين شتم عمر بن الخطاب فَهَمّ أن يبطش به قال ابن العربي: «وهذا لم يصح». وفي «الكشاف» أن عمر شتمه رجل من غِفار فَهَمَّ أن يبطش به فنزلت. وعن سعيد بن المسيب «كنا بين يدي عمر بن الخطاب فقرأ قارىء هذه الآية فقال عمر: ليَجزِيَ عُمَرَ بما صنع» (يعني أنه سبب نزول الآية). وروى الواحدي والقشيري عن ابن عباس: إنها نزلت في غزوة بني المصطلق: نزلوا على بئر يقال لها: المُرَيَسْع فأرسَل عبدُ الله بن أُبَيّ غلامه ليستقي من البئر فأبطأ، فلما أتاه قال: ما حسبك. قال: غلام عُمر قعد على فم البئر فما ترك أحداً يسقي حتى مَلأ قِرَبَ النبي صلى الله عليه وسلم وقِرَب أبي بكر ومَلأ لمولاه، فقال عبد الله بن أُبيّ: ما مَثلُنا ومثَلُ هؤلاء إلا كما قال القائل: «سَمِّن كلبَك يأكُلك» فهَمَّ عمر بن الخطاب بقتله، فنزلت. وروى ابن مهران عن ابن عباس لما نزل قوله تعالى: { أية : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً } تفسير : [البقرة: 245] الآية قال فنحاص اليهودي: احتاج ربّ محمد، فلما سمع عمر بذلك اشتمل على سيفه وخرج في طلبه فنزلت الآية، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه فلما جاء قال: ضع سيفك. وهاتان روايتان ضعيفتان ومن أجلهما روي عن عطاء وقتادة وابن عباس أن هذه الآية مدنية. وأقرب هذه الأخبار ما قاله مكي بن أبي طالب. ولو صحت ما كان فيه ما يفكك انتظام الآيات سواء صادف نزولها تلك الحادثة أو أمر الله بوضعها في هذا الموضع. وجزْم {يغفروا} على تقدير لام الأمر محذوفاً، أي قل لهم ليغفروا، أو هو مجزوم في جواب {قل}، والمقول محذوف دل عليه الجواب. والتقدير: قل للذين آمنوا اغفروا يغفروا. وهذا ثقة بالمؤمنين أنهم إذا قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم امتثلوا. والوجهان يتأتَّيان في مثل هذا التركيب كلما وقع في الكلام، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة } تفسير : في سورة إبراهيم (31). و{الذين لا يرجون أيام الله} يراد بهم المشركون من أهل مكة. والرجاء: ترقب وتطلب الأمر المحبوب، وهذا أشهر إطلاقاته وهو الظاهر في هذه الآية. والأيام: جمع يوم، وهذا الجمع أو مفرده إذا أضيف إلى اسم أحد أو قوم أو قبيلة كان المراد به اليوم الذي حصل فيه لمَن أضيف هو إليه نَصر وغلب على معاند أو مُقاتل، ومنه أطلق على أيام القتال المشهورة بين قبائل العرب: أيامُ العرب، أي التي كان فيها قتال بين قبائل منهم فانتصر بعضهم على بعض، كما يقال أيام عبس، وأيام داحس والغبراء، وأيام البَسوس، قال عمرو بن كلثوم : شعر : وأيام لنَا غرٌّ طِوال عَصينا المَلْك فيها إن نَدِينا تفسير : فإذا قالوا: أيام بني فلان، أرادوا الأيام التي انتصر فيها من أضيفت الأيام إلى اسمه، ويقولون: أيام بني فلان على بني فلان فيريدون أن المجرور بحرف الاستعلاء مغلوب لتضمن لفظ {أيام} أو (يوم) معنى الانتصار والغلب. وبذلك التضمّن كان المجرور متعلقاً بلفظ {أيام} أو (يوم) وإن كان جامداً، فمعنى {أيام الله} على هذا هو من قبيل قولهم: أيام بني فلان، فيحصل من محمل الرجاء على ظاهر استعماله. ومحمل {أيام الله} على محمل أمثاله أن معنى الآية للذين لا تترقب نفوسهم أيام نصر الله، أي نصر الله لهم: إما لأنهم لا يتوكلون على الله ولا يستنصرونه بل توجّههم إلى الأصنام، وإما لأنهم لا يخطر ببالهم إلا أنهم منصورون بحولهم وقوتهم فلا يخطر ببالهم سؤال نصر الله أو رجاؤه وهم معروفون بهذه الصلة بين المسلمين فلذلك أجريت عليهم هنا وعرفوا بها. وأوثر تعريفهم بهذه الصلة ليكون في ذلك تعريض بأن الله ينصر الذين يرجون أيام نصره وهم المؤمنون. والغرض من هذا التعريض الإيماء بالموصول إلى وجه أمر المؤمنين أن يغفِروا للمشركين ويصفحوا عن أذى المشركين ولا يتكلفوا الانتصار لأنفسهم لأن الله ضمن لهم النصر. وقد يطلق {أيام الله} في القرآن على الأيام التي حصل فيها فضله ونعمته على قوم، وهو أحد تفسيرين لقوله تعالى: { أية : وذَكِّرهم بأيام الله } تفسير : [إبراهيم: 5]. ومعنى {لا يرجون أيام الله} على هذا التأويل أنهم في شغل عن ترقب نعم الله بما هم فيه من إسناد فعل الخير إلى أصنامهم بانكبابهم على عبادة الأصنام دون عبادة الله ويأتي في هذا الوجه من التعريض والتحريض مثل ما ذكر في الوجه الأول لأن المؤمنين هم الذين يرجون نعمة الله. وفسر به قوله تعالى: { أية : وقال الذين لا يرجون لقاءنا } تفسير : [الفرقان: 21] وقوله: { أية : ما لكم لا تَرْجَون لله وقاراً } تفسير : [نوح: 13]، فيكون المراد بــ {أيام الله}: أيام جزائه في الآخرة لأنها أيام ظهور حكمه وعزته فهي تقارب الأيام بالمعنى الأول، ومنه قوله تعالى: { أية : ذلك اليوم الحقّ } تفسير : [النبأ: 39]، أي ذلك يوم النصر الذي يحق أن يطلق عليه (يوم) فيكون معنى هذه الآية: أنهم لا يخافون تمكن الله من عقابهم لأنهم لا يؤمنون بالبعث. ومعنى الآية أن المؤمنين أمروا بالعفو عن أذى المشركين وقد تكرر ذلك في القرآن قال تعالى: { أية : ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } تفسير : [آل عمران: 186]. وفي «صحيح البخاري» عن أسامة بن زيد في هذه الآية: «وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى». وقوله: {ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون} تعليل للأمر المستفاد من قوله: {يغفروا} أي ليغفروا ويصفحوا عن أذى المشركين فلا ينتصروا لأنفسهم ليجزيهم الله على إيمانهم وعلى ما أوذوا في سبيله فإن الانتصار للنفس توفية للحق وماذا عساهم يبلغون من شفاء أنفسهم بالتصدّي للانتقام من المشركين على قلتهم وكثرة أولئك فإذا توكلوا على نصر ربّهم كان نصره لهم أتم وأخضد لشوكة المشركين كما قال نوح { أية : إني مغلوب فانتصر } تفسير : [القمر: 10]. وهذا من معنى قوله تعالى: { أية : وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل } تفسير : [الحجر: 85]. وكان مقتضى الظاهر أن يقال ليجزيهم بما كانوا يكسبون، فعدل إلى الإظهار في مقام الإضمار ليكون لفظُ {قوماً} مشعراً بأنهم ليسوا بمضيعة عند الله فإن لفظ (قوم) مشعر بفريق له قِوامه وعزته { أية : ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا } تفسير : [محمد: 11]. وتنكير {قوماً} للتعظيم، فكأنه قيل: ليجزي أيما قوم، أي قوماً مخصوصين. وهذا مدح لهم وثناء عليهم. ونحْوُه ما ذكر الطيبي عن ابن جنِّي عن أبي علي الفارسي في قول الشاعر: شعر : أفآت بنو مروان ظلماً دماءنا وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل تفسير : قال أبو علي: هو تعالى أعرف المعارف وسماه الشاعر: حكماً عدلاً وأخرج اللفظ مخرج التنكير، ألا ترى كيف آل الكلام من لفظ التنكير إلى معنى التعريف اهــ. قيل: والأظهر أن {قوماً} مراد به الإبهام وتنوينه للتنكير فقط. والمعنى: ليجزي الله كل قوم بما كانوا يكسبون من خير أو شر بما يناسب كسبهم فيكون وعيداً للمشركين المعتدين على المؤمنين ووعداً للمؤمنين المأمورين بالصفح والتجاوز عن أذى المشركين، وهذا وجه عدم تعليق الجزاء بضمير الموقنين لأنه أريد العموم فليس ثمة إظهار في مقام الإضمار ويؤيد هذا قوله: { أية : من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها } تفسير : [فصلت: 46]. وهذا كالتفصيل للإجمال الذي في قوله: {ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون}. ولذلك فصلت الجملة ولم تعطف على سابقتها، وتقدم نظيره في سورة فصّلت. وقرأ الجمهور {ليجزي قوماً} بتحتية في أوله، والضمير المستتر عائد إلى اسم الجلالة في قوله: {يَرْجُونَ أَيَّامَ}. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بنون العظمة في أوله على الالتفات. وقرأه أبو جعفر بتحتية في أوله مضمومة وبفتح الزاي على البناء للمجهول ونَصبَ {قوماً}. وتأويلها أن نائب الفاعل مصدر مأخوذ من فعل (يُجْزي). والتقدير: ليجزَى الجزاءُ. {وقوماً} مفعول ثان لفعل (يجزى) من باب كسا وأعطى. وليس هذا من إنابة المصدر الذي هو مفعول مطلق وقد منعه نحاة البصرة بل جعل المصدر مفعولاً أول من باب أعطى وهو في المعنى مفعول ثان لفعل جزى، وإنابة المفعول الثاني في باب كسا وأعطى متفق على جوازه وإن كان الغالب إنابة المفعول الأول كقوله تعالى: { أية : ثم يُجزاه الجزاءَ الأوفى } تفسير : [النجم: 41]. وقوله: {ثم إلى ربّكم ترجعون} أي بعد الأعمال في الدنيا تصيرون إلى حكم الله تعالى فيجازيكم على أعمالكم الصالحة والسيئة بما يناسب أعمالكم. وأطلق على المصير إلى حكم الله أنه رجُوع إلى الله على طريقة التمثيل بحال من كان بعيداً عن سيده أو أميره فعمل ما شاء ثم رجع إلى سيده أو أميره فإنه يلاقي جزاء ما عمله، وقد تقدمت نظائره.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} (14) - يَأْمرُ اللهُ تَعَالى المُؤْمِنينَ - وَكَانَ ذَلِكَ في بَدْءِ أَمرِ الإِسْلامِ - بِأَنْ يَصْبِرُوا عَلَى أَذَى المُشْرِكِينَ، وَأهْلِ الكِتَابِ، الذِينَ لاَ يَخَافُونَ عَذَابَ اللهِ وَنِقَمَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ تَألُّفاً لِقًُلُوبِهِمْ، فَإِذَا صَفَحُوا عَنْهُمْ فِي الدُّنيا، فَإِنَّ اللهَ يُجَازِيهِمْ بِأَعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ يَوْمَ القِيَامةِ. ثُمَّ لمَّا اسْتَمَرَّ هؤلاءِ عَلَى كُفْرهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَإِيذَائِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، شَرَعَ اللهُ تَعَالى الجِهَادَ لِلْمُؤمِنين، وَدَفْعَ الأَذى عَنْ دِينِهِمْ وَعَنْ أَنفُسِهِمْ. (حديث : وَرَوَى ابنُ عَبَّاسٍ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هذِهِ الآيةِ هُوَ أَنَّ يَهُودِياً اسمُهُ فَنْحَاصُ سَمِعَ قَولَ اللهِ تَعالى (مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً). فَقالَ اليَهُودِيُّ: أَحتَاجَ رَبُّ محمَّدٍ؟. فََلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ذَلِكَ استَلَّ سَيْفَهُ، وَخَرَج في طَلَبِ اليَهُودِيِّ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، عََلَيهِ السَّلامُ، بهذِه الآيةِ إِلى رَسُولِ اللهِ، فَأرسَلَ الرَّسُولُ يَطْلُبُ عُمَرَ، فَلَمَّا جَاءَهُ أَمَرَهُ بِوَضْعِ سَيفِهِ)تفسير : . لاَ يَرجُونَ أَيَّامَ اللهِ - لاَ يَتَوقَّعُونَ وَقَائِعَهُ بِأَعْدَائِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة (قُلْ) دلَّتْ على دقَّة رسول الله في البلاغ عن الله، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يأتي بشيء من عند نفسه ولا يبلغ كلام الله بالمعنى إنما بالحرف، وإلا فقد كان بإمكانه في قوله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] أنْ يقول للناس: الله أحد. وأنت مثلاً حين ترسل ولدك إلى عمه وتقول له: قُلْ لعمِّك: أبي يريدك، فالولد يذهب ويقول لعمه: أبي يريدك، فالمعنى وصل بهذا اللفظ وتم التعبير عنه بدون قُلْ. أما رسول الله فينطق بما نطق الله به، ولا يتدخل في نصِّ ما أُلقي إليه، كأنه يقول لنا: هذا الكلام ليس من عندي إنما هو كلام الله يبلغه كما سمعه. والعجيب أنْ نسمع مَنْ ينادي بحذف هذه الكلمة من المصحف ويدَّعي أنها لا تضيف شيئاً للمعنى: ونقول له: يكفي أن الله نطق بها ونطق بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إن لها مهمةً كما بيَّنا. {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ ..} [الجاثية: 14] أي: يصفحوا ويتجاوزوا ولا يؤاخذوهم على التفاهات ما دام أنها لا تتجاوز القول إلى الفعل. {لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ..} [الجاثية: 14] أي: الذين لا يخافون أيام الله ولا يعتبرون بها ولا يعملون لها حساباً، والرجاء نوع من الطلب، وفيه معنى تمنٍّ والطمع في حصول ما ترجوه، فالرجاء طلب الشيء المتوقَّع الحدوث. والممكن على خلاف التمنِّي، وهو طلب المحال البعيد المنال، كما قال الشاعر: شعر : أَلاَ لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَوْماً فَأُخبرُه بمَا فَعَلَ المشيبُ تفسير : أما الرجاء فهو مظنة أنْ يتحقق، تقول: أرجو أنْ أُوفق أو أسافر. ومعنى {أَيَّامَ ٱللَّهِ ..} [الجاثية: 14] كما نقول مثلاً أيام العرب يعني: وقائعهم والأحداث الكبار التي مرَّتْ بهم، فأيام الله يعني وقائعه بأعدائه، فأيام الله على المؤمنين نَصْره لهم وعلى الكافرين هزيمتهم، فهم لا يقفون عند هذه الأحداث ولا يتأملونها ولا يأخذون منها عبرةً ويمرُّون عليها مَرَّ الكرام أو مرورَ الغافل عن حكم الأشياء، وهؤلاء هم المنافقون. ولهذه الآية قصة، ففي غزوة بني المصطلق كان هناك بئر يشربون منه اسمه المريسيع، وعلى هذا البئر اجتمع غلامٌ لعمر بن الخطاب وغلام لعبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين، فغلام عمر منع الآخر، وقال: لا حتى أسقي لرسول الله أولاً، فقال الآخر: أفرغتَ؟ قال: لا، لا يزال دَلْو أبي بكر، ثم دَلْو عمر، قال: هذا لعلمه أنه منافق. فأبطأ العبد على عبد الله بن أُبيٍّ فقال: ما أبطأك؟ قال: مولىً لعمر بن الخطاب فعل كذا وكذا، فهزّ رأسه هزَّة المنافق وقال: إنّا وإياهم كما قال القائل: سَمِّنْ كلبك يأكلك، قال هذه الكلمة ليشفى بها ما في صدره، ووصلتْ هذه الكلمة إلى عمر فأخذ سيفه وأراد أنْ يقتله فأنزل الله هذه الآية: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ ..} [الجاثية: 14]. نعم يغفرون لهم ويتجاوزون عن هذه الهفوات لأنها في حَيِّز القول ولم تصل إلى مستوى الأفعال، فإذا وصلتْ إلى الفعل كان لها شأنٌ آخر كما حدث في مسألة المرأة المسلمة في بني قَيْنقاع لما رفع واحد منهم ذيْلَ ثوبها إلى أعلى، فلما قامت انكشفتْ عورتها فكان لا بدَّ من قول يؤدبهم. أما الكلام فلا بأسَ من التسامح فيه مع هؤلاء المنافقين، وحسبك في المنافق أنه يذل نفسه بالنفاق لأنه يفعل ما لا يعتقده ولا يؤمن به. ثم إن النفاق في حَدِّ ذاته دليلٌ على قوة الإيمان، حيث أصبح الإيمان قوةً تُنافَق، وهذه من عزة الإيمان وذلة النفاق. ولذلك حكى القرآن قولهم: {أية : لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلأَعَزُّ مِنْهَا ٱلأَذَلَّ ..} تفسير : [المنافقون: 8] فصدَّق الله على قولهم أنْ يُخرج الأعز الأذل، لكن مَن الأعز ومَن الأذل؟ فقال سبحانه: {أية : وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ..} تفسير : [المنافقون: 8]. يكفي أن هؤلاء المنافقين كانوا يقفون في الصلاة في الصف الأول ليَستروا بذلك نفاقهم، ففي داخلهم تناقض وتردد، وهذه ذلة أمام أنفسهم أولاً. ورُوي أن فنحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..} تفسير : [البقرة: 245] ضحك وقال: افتقر رب محمد ويطلب منا السلف، وهي كلمة شفى بها ما في صدره من غِلٍّ، ومع ذلك كانوا في كل معركة وفي كل صلاة في الصف الأول. فالحق سبحانه وتعالى حين أمر المؤمنين أنْ يغفروا لهؤلاء المنافقين إنما ليُذلَّ المنافق أمام نفسه، لذلك أثار المستشرقون ضجة حول قوله تعالى: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ..} تفسير : [المنافقون: 1] فكيف يقول بعدها {أية : وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} تفسير : [المنافقون: 1]. ذلك لأن هناك فرقاً بين القول ومقول القول، فهم صادقون في مقول القول، وهو {أية : إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المنافقون: 1] لكنهم كاذبون في القول لأنهم منافقون. فالحق سبحانه لم يُكذِّبهم في إنك رسول الله. إنما كذَّبهم في قولهم {أية : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المنافقون: 1] لأن الشهادة تعني موافقة القلب للسان، والمنافق قلبه في وَادٍ ولسانه في وادٍ آخر. إذن: معنى {أَيَّامَ ٱللَّهِ ..} [الجاثية: 14] الأحداث المشهورة مثل يوم بدر وأُحُد والحديبية، وهذه الأيام فيها نصْر للمسلمين يُفرحهم ويُثلج صدورهم، وفيها هزيمة للكافرين تحزنهم وتكدر حياتهم، ومثلها الوقائع التي حدثت في الأمم المكذِّبة للرسل. وهؤلاء المنافقون لا يخافون هذه الوقائع بمعنى لا يعتبرون بها، لذلك لم تصرفهم عن اللدد والجدال والعناد، وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا ..} تفسير : [العنكبوت: 40]. وقوله سبحانه: {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14] فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: اتركهم لي. إذن: الأمر بالمغفرة لهؤلاء ليس إكراماً لهم ولا رحمةً بهم إنما ليُوقع بهم عذاباً أكبر وأشدّ، وليتولى الحق سبحانه تأديبهم بقوته سبحانه. إذن: خلوا ساحتهم لانتقام الله منهم، لأنهم في واقع الأمر لا يقفون ضدكم، إنما يقفون ضد الحق سبحانه. ثم إن المغفرة لها أصولٌ ولها حدودٌ، فأنت تغفر لمن أساء وتغفر وتغفر، ولا تجد في المقابل إلا اللدد والجحود، وعندها لا بدَّ أنْ تتحول من الحلم إلى الجهل فهو أنفع وأنسب في هذا الموقف. وقد فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى: فقال: شعر : مِنَ الحِلْم أنْ تستعملَ الجَهْل دُونَهُ إذَا اتسَعتْ في الحِلْم طُرْقُ المظالم تفسير : وقال الآخر: شعر : صَفَحْنا عَنْ بَني ذُهْلٍ وقُلْنَا القَوْمُ إخْوانُ عَسَى الأيامُ أنْ يرجعْنَ قوْماً كالذي كَانُوا فلمّا صرّح الشرّ وَأَمْسَى وهْوَ عرْيانُ مشيْنا مِشْيةَ الليْثِ غَدَا وَالليْثُ غضبانُ بضربٍ فيه تَوْهِينٌ وإضعافٌ وإقرانُ وطعْنٍ كفم الزِّقِّ غَدَا والزِّقُّ مَلآنُ وبعْضُ الحِلْم عِنْدَ الجَهْل لِلذلَّة إذْعَانُ وفي الشرِّ نجاةٌ حينَ لا يُنجيكَ إحسَانُ تفسير : وقوله تعالى {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14] سبق أنْ أوضحنا أن كسب تُقال في الخير واكتسب للشر، لأن فيها افتعالاً، فالخير يأتي من فاعله طبيعياً لا تكلّف فيه والكسب في اللغة هو الزيادة في ثمن البيع عن ثمن الشراء، وهذا أمر محمود. لكن قد يتعود المرء المعصية ويألفها، ولا يأنف من ارتكابها، وربما تباهي بها فتصير في حقه كسباً فيفعل المعصية كما تفعل أنت الطاعة، يعني لا يندم على فعلها ولا تُؤنبه نفسه عليها، فكأن هؤلاء يعتبرون المعصية كسباً يفرحون به، لذلك قال: {بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14] ولم يقُل: يكتسبون. إذن: أمر الحق سبحانه المؤمنين أنْ يغفروا الزَلَّة الخفيفة دفعاً بالتي هي أحسن لعل المقابل يرتدع، قال تعالى: {أية : ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} تفسير : [فصلت: 34]. فالشارع الحكيم يحرص كل الحرص على الإبقاء على الروابط بين الناس، حتى في أعنف معارك العداوة وهي القتل تراه يبيح القصاص {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ ..} تفسير : [البقرة: 179]. وفي ذات الوقت يدعو إلى العفو: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [البقرة: 178] تأمل كلمة (أخيه) هنا، فرغم العداوة هم إخوة: {أية : فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ..} تفسير : [البقرة: 178]. وكثيراً ما نسمع مَنْ يقول: دفعتُ بالتي هي أحسن ولم أجد النتيجة التي أخبر الله بها، نقول له: أنت في الواقع لم تدفع بالتي هي أحسن لأنك لو فعلتَ لوجدتَ الجواب كما أخبر الله، لكنك تخيلت أنك دفعتَ بالتي هي أحسن وجعلتها تجربة مع الله، والتجربة مع الله شكّ. ثم يرتقي الحق سبحانه بالنفس الإنسانية إلى مرتبة أعلى من الغفر، لأنك قد تغفر لمن أساء إليك، لكن يبقى في نفسك منه شيء فيدعوك إلى أنْ تتخلص من آثار الإساءة ثم ينقلك إلى مرتبة أعلى، وهي أنْ تحسن لمن أساء إليك: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. وقد سُئل الحسن البصري فقال: لأن الذي يسيئ إليك يجعل ربك في جانبك، والذي يجعل ربي في جانبي يستحق أنْ يُكافأ، ثم هو بعد ذلك نقل إليَّ حسناته. لذلك الرجل الصوفي لمَّا بلغه أن رجلاً سبّه في مجلس أرسل إليه هدية طبقاً من الرطب وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقُل له: سيدي يُهديك هذا لأنك أهديتَ إليه حسناته بالأمس. ونحن نرى في واقع حياتنا العملية حينما يضرب أحدُ الأولاد أخاه تجد الوالد يعطف على المضروب و (يطبطب) عليه وينهر الضارب ويُؤنِّبه، فكأن الضرب جاء في مصلحة المضروب. إذن: الحق سبحانه يريد أنْ يُحنِّن الخلق بعضهم على بعض، ومعنى ذلك أن الحياة تُبنى على المودة والمحبة لا على البغضاء والشحناء، تُبنى على التساند ولا على التعاند. لذلك العلماء لما عالجوا هذه المسألة جعلوا المصيبة التي تصيب المرء على قسمين: مصيبة تصيبك ولك فيها خصمٌ، ومصيبة ليس لك فيها خصم، الأولى يتسبّب فيها شخص فتأخذه خصماً لك، وهذه تكون أشد على النفس لأنها تدعوك إلى الانتقام. والأخرى هي التي تكون من الله لا دخلَ لإنسان فيها، وهذه أهون وأخفّ على النفس حيث لا خصم فيها، فالخصم من شأنه أنْ يحرِّك في نفسك نوازع الانتقام كلما رأيته. لذلك جاء في وصية لقمان لولده: {أية : وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [لقمان: 17] والمراد هنا المصيبة تصيبك من الله، لذلك لم يأت أمر بالمغفرة والتسامح، وحينما يتكلم عن المصيبة تصيبك من البشر يقول: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ ..} تفسير : [الشورى: 43] أي: غفر للخصم. {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] فزاد هنا التأكيد باللام في {أية : لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] لأن الصبر في هذه الحالة أشقّ، ويحتاج إلى مجهود ومجاهدة أكثر من الأولى. وقوله تعالى في آخر الآية: {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14] دلَّ على عدالة الجزاء، وأنه من جنس العمل، وقد أوضح الحق سبحانه هذه المسألة في الآية بعدها: {مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله، عز وجل: {يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} [الآية: 14]. يقول: لا يبالون نعم الله. لا يشكرونها، لا يعرفونها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا عقبة الأَصم عن مالك بن دينار، قال: سمعت عكرمة يقول في قوله: {وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} [الآية: 16]. قال: الحكم اللب. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} [الآية: 21]. يقول: المؤمن في الدنيا مؤمن. والكافر في الدنيا والآخرة كافر.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} معناه لا يَخافُونَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : وبقوله: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ} [الجاثية: 14]، يشير إلى أن المؤمنين إذا غفروا لأهل الجرائم، وإن لم يكونوا أهل المغفرة لإصرارهم على الكفر والإيذاء يصير متخلقاً بأخلاق الحق، ثم الله تعالى يجزي كل قوم جزاء عملهم، كما قال: {لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الجاثية: 14] من الخير والشر. {مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً} [الجاثية: 15]، من العفو للجرم {فَلِنَفْسِهِ} [الجاثية: 15]؛ يعني: نفسه تتصف بصفة العفو والمغفرة وهي من صفات الله، {وَمَنْ أَسَآءَ} [الجاثية: 15]، من المعصية والظلم {فَعَلَيْهَا} [الجاثية: 15]؛ أي: تصير نفسه متصفة بالعصيان والظلم، وهو من صفات الشيطان، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [الجاثية: 15] على حسب صفاتكم وأعمالكم، إن كنتم من الأبرار فإن الأبرار لفي نعيم، وإن كنتم فجاراً فإن الفجار لفي جحيم. وبقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} [الجاثية: 16]، يشير إلى القلب وصفاته؛ لأنه محل تنزيل الكتاب، وهو الإلهامات الربانية والإشارات والخواطر الرحمانية، وكشف المعاني الحكمية، وشواهد الأسرار [الربانية]؛ إنما هو القلب وصفاته، {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} [الجاثية: 16]؛ وهي الواردات الرحمانية الطيبة من حيث صفات النفس والشيطان، {وَفَضَّلْنَاهُمْ} [الجاثية: 16]؛ أي: القلوب {عَلَى ٱلْعَالَمينَ} [الجاثية: 16]؛ أي: على أهل عالم قالبهم من الروح والسر والخفى، وإن كان الروح في بدء الأمر أشرف من القلب؛ لإفاضة فيضه عليه، ولما صار عرش القلب استواء صفة رحمانية الحق تعالى فضله الله على الروح بهذه الخاصية. {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} [الجاثية: 17]، وهو بيان كشف العيان، {فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ} [الجاثية: 17]؛ يعني: النفس والقلب في الإعراض والإقبال على الله، {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} [الجاثية: 17]، العياني والبياني {بَغْياً بَيْنَهُمْ} [الجاثية: 17]، من طبيعة النفس وهواها {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [الجاثية: 17]؛ أي: يوم إحياء القلوب بنور الصدق والمحبة {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الجاثية: 17]، من الإعراض النفساني والإقبال القلبي. ثم أخبر عن الشريعة النبوية المصطفية بقوله تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا} [الجاثية: 18]، يشير إلى أنا أفردناك من جملة الأنبياء بلطائف فاعرفها، وخصصناك بحقائق فأدركها، وسننا لك طريق فاسلكها، وأثبتنا لك الشرائع فاتبعها، ولا تتجاوز عنه ولا يحتاج إلى متابعة غيرك، ولو كان موسى وعيسى حياً لما وسعهما إلا إتباعك. ثم قال: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} [الجاثية: 18-19].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بحسن الخلق والصبر على أذية المشركين به، الذين لا يرجون أيام الله أي: لا يرجون ثوابه ولا يخافون وقائعه في العاصين فإنه تعالى سيجزي كل قوم بما كانوا يكسبون. فأنتم يا معشر المؤمنين يجزيكم على إيمانكم وصفحكم وصبركم، ثوابا جزيلا. وهم إن استمروا على تكذيبهم فلا يحل بكم ما حل بهم من العذاب الشديد والخزي ولهذا قال: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ }.
همام الصنعاني
تفسير : 2830- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ}: [الآية: 14]، قَالَ نَسَخَتْها: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : : [التوبة: 5].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):