Verse. 4489 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

وَلَقَدْ اٰتَيْنَا بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ الْكِتٰبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّۃَ وَرَزَقْنٰہُمْ مِّنَ الطَّيِّبٰتِ وَفَضَّلْنٰہُمْ عَلَي الْعٰلَمِيْنَ۝۱۶ۚ
Walaqad atayna banee israeela alkitaba waalhukma waalnnubuwwata warazaqnahum mina alttayyibati wafaddalnahum AAala alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب» التوراة «والحكم» به بين الناس «والنبوة» لموسى وهارون منهم «ورزقناهم من الطيبات» الحلالات كالمنّ والسلوى «وفضلناهم على العالمين» عالمي زمانهم العقلاء.

16

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى بيّـن أنه أنعم بنعم كثيرة على بني إسرائيل، مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبيل البغي والحسد: والمقصود أن يبين أن طريقة قومه كطريقة من تقدم. واعلم أن النعم على قسمين: نعم الدين، ونعم الدنيا، ونعم الدين أفضل من نعم الدنيا، فلهذا بدأ الله تعالى بذكر نعم الدين، فقال {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ } والأقرب أن كل واحد من هذه الثلاثة يجب أن يكون مغايراً لصاحبه، أما الكتاب فهو التوراة، وأما الحكم ففيه وجوه، يجوز أن يكون المراد العلم والحكمة، ويجوز أن يكون المراد العلم بفصل الحكومات، ويجوز أن يكون المراد معرفة أحكام الله تعالى وهو علم الفقه، وأما النبوة فمعلومة، وأما نعم الدنيا فهي المراد من قوله تعالى: {وَرَزَقناهم مِّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } وذلك لأنه تعالى وسع عليهم في الدنيا، فأورثهم أموال قوم فرعون وديارهم ثم أنزل عليهم المن والسلوى، ولما بيّـن تعالى أنه أعطاهم من نعم الدين ونعم الدنيا نصيباً وافراً، قال: {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمينَ } يعني أنهم كانوا أكبر درجة وأرفع منقبة ممن سواهم في وقتهم، فلهذا المعنى قال المفسرون المراد: وفضلناهم عن عالمي زمانهم. ثم قال تعالى: {وَءاتَيْنَـٰهُم بَيّنَـٰتٍ مّنَ ٱلأَمْرِ } وفيه وجوه الأول: أنه آتاهم بينات من الأمر، أي أدلة على أمور الدنيا الثاني: قال ابن عباس: يعني بيّـن لهم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهل يثرب الثالث: المراد {وَءاتَيْنَـٰهُم بَيّنَـٰتٍ } أي معجزات قاهرة على صحة نبوتهم، والمراد معجزات موسى عليه السلام. ثم قال تعالى: {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ } وهذا مفسر في سورة { أية : حـم * عسق } تفسير : [الشورى: 1، 2] والمقصود من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة، لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههنا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف، وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما المقصود منه طلب الرياسة والتقدم، ثم ههنا احتمالات يريد أنهم علموا ثم عاندوا، ويجوز أن يريد بالعلم الدلالة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحق، لكنهم على وجه الحسد والعناد اختلفوا وأظهروا النزاع. ثم قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضي بَيْنَهم يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } والمرد أنه لا ينبغي أن يغتر المبطل بنعم الدنيا، فإنها وإن ساوت نعم المحق أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسؤوه، وذلك كالزجر لهم، ولما بيّـن تعالى أنهم أعرضوا عن الحق لأجل البغي والسحد، أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعدل عن تلك الطريقة، وأن يتمسك بالحق، وأن لا يكون له غرض سوى إظهار الحق وتقرير الصدق، فقال تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مّنَ ٱلأَمْرِ } أي على طريقة ومنهاج من أمر الدين، فاتبع شريعتك الثابتة بالدلائل والبينات، ولا تتبع ما لا حجة عليه من أهواء الجهال وأديانهم المبنية على الأهواء والجهل، قال الكلبي: إن رؤساء قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة: ارجع إلى ملة آبائك فهم كانوا أفضل منك وأسن، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم قال تعالى: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي لو ملت إلى أديانهم الباطلة فصرت مستحقاً للعذاب، فهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، ثم بيّـن تعالى أن الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وفي الآخرة، ولا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثواب وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون، فالله وليهم وناصرهم وهم موالوه، وما أبين الفرق بين الولايتين، ولما بيّـن الله تعالى هذه البيانات الباقية النافعة، قال: {هَـٰذَا بَصَـٰئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } وقد فسرناه في آخر سورة الأعراف، والمعنى هذا القرآن بصائر للناس جعل ما فيه من البيانات الشافية، والبينات الكافية بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعل في سائر الآيات روحاً وحياة، وهو هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن آمن وأيقن، ولم بيّـن الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه الذي تقدم، بيّـن الفرق بينهما من وجه آخر، فقال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات } وفيه مباحث: البحث الأول: {أَمْ } كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر، سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً، والتقدير ههنا: أفيعلم المشركون هذا، أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين؟ البحث الثاني: الاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم، قال تعالى: { أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ } تفسير : [الأنعام: 60]. البحث الثالث: قال الكلبي: نزلت هذه الآية في علي وحمزة وأبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وفي ثلاثة من المشركين: عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء، ولو كان ما تقولون حقاً لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة، كما أنا أفضل حالاً منكم في الدنيا، فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبيّـن أنه لا يمكن أن يكون حال لمؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب، ومنازل السعادات. واعلم أن لفظ {حَسِبَ } يستدعي مفعولين أحدهما: الضمير المذكور في قوله {أَن نَّجْعَلَهُمْ } والثاني: الكاف في قوله {كَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } والمعنى أحسب هؤلاء المجترحين أن نجعلهم أمثال الذين آمنوا؟ ونظيره قوله تعالى: { أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } تفسير : [السجدة: 18] وقوله { أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوء ٱلدَّارِ } تفسير : [غافر: 51، 52] وقوله تعالى: { أية : أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كالمجرمين * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } تفسير : [القلم: 35، 36] وقوله { أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [ص:28]. ثم قال تعالى: {سَوَاء مَّحْيَـاهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم {سواء} بالنصب، والباقون بالرفع، واختيار أبي عبيد النصب، أما وجه القراءة بالرفع، فهو أن قوله {مَّحْيَـاهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } مبتدأ والجملة في حكم المفرد في محل النصب على البدل من المفعول الثاني لقوله {أَمْ نَجْعَلُ } وهو الكاف في قوله {كَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } ونظيره قوله: ظننت زيداً أبوه منطلق، وأما وجه القراءة بالنصب فقال صاحب «الكشاف» أجرى سواء مجرى مستوياً، فارتفع محياهم ومماتهم على الفاعلية وكان مفرداً غير جملة، ومن قرأ {وَمَمَـٰتُهُمْ } بالنصب جعل {مَّحْيَـاهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } ظرفين كمقدم الحاج، وخفوق النجم، أي سواء في محياهم وفي مماتهم، قال أبو علي من نصب سواء جعل المحيا والممات بدلاً من الضمير المنصوب في نجعلهم فيصير التقدير أن نجعله محياهم ومماتهم سواء، قال ويجوز أن نجعله حالاً ويكون المفعول الثاني هو الكاف في قوله {كَٱلَّذِينَ }. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله {مَّحْيَـاهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } قال مجاهد عن ابن عباس يعني أحسبوا أن حياتهم ومماتهم كحياة المؤمنين وموتهم، كلا فإنهم يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، وذلك لأن المؤمن ما دام يكون في الدينا فإنه يكون وليه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه، والكافر بالضد منه، كما ذكره في قوله {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } وعند القرب إلى الموت، فإن حال المؤمن ما ذكره في قوله تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ طَيّبِينَ يَقُولُونَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [النمل: 32] وحال الكافر ما ذكره في قوله: { أية : ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [النحل: 28] وأما في القيامة فقال تعالى: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ * ضَـٰحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } تفسير : [عبس: 38 ـ 41] فهذا هو الإشارة إلى بيان وقوع التفاوت بين الحالتين والوجه الثاني: في تأويل الآية أن يكون المعنى إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، وذلك لأن المؤمن والكافر قد يستوي محياهم في الصحة والرزق والكفاية بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنما يظهر الفرق بينهما في الممات والوجه الثالث: في التأويل أن قوله {سَوَاء مَّحْيَـاهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } مستأنف على معنى أن محيا المسيئين ومماتهم سواء فكذلك محيا المسحنين ومماتهم،أي كل يموت على حسب ما عاش عليه، ثم إنه تعالى صرح بإنكار تلك التسوية فقال: {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } وهو ظاهر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة. {وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} الحكم: الفهم في الكتاب. وقيل: الحكم على الناس والقضاء. «والنُّبُوّةَ» يعني الأنبياء من وقت يوسف عليه السلام إلى زمن عيسى عليه السلام. {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي الحلال من الأقوات والثمار والأطعمة التي كانت بالشام. وقيل: يعني المَنّ والسَّلْوَى في التِّيه. {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ} أي على عالَمِي زمانهم؛ على ما تقدّم في «الدخان» بيانه. {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} قال ابن عباس: يعني أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم، وشواهد نبوّته بأنه يهاجر من تِهامة إلى يَثْرِب، وينصره أهل يثرب. وقيل: بيّنات الأمرِ شرائعُ واضحات في الحلال والحرام ومعجزات. {فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} يريد يُوشَع بن نُون؛ فآمن بعضهم وكفر بعضهم؛ حكاه النقاش. وقيل: «إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ» نبوّة النبيّ صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها. {بَغْياً بَيْنَهُمْ} أي حسداً على النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قال معناه الضحاك. قيل: معنى «بَغْياً» أي بغى بعضهم على بعض يطلب الفضل والرياسة، وقتلوا الأنبياء؛ فكذا مشركو عصرك يا محمد، قد جاءتهم البيّنات ولكن أعرضوا عنها للمنافسة في الرياسة. {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ} أي يحكم ويفصِل. {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} في الدنيا.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل، من إنزال الكتب عليهم، وإرسال الرسل إليهم، وجعله الملك فيهم، ولهذا قال تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي: من المآكل والمشارب {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمينَ} أي: في زمانهم {وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} أي: حججاً وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحجج، ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة، وإنما كان ذلك بغياً منهم على بعضهم بعضاً {إِنَّ رَبَّكَ} يا محمد {يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي: سيفصل بينهم بحكمه العدل، وهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم، ولهذا قال جل وعلا: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا} أي: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين، وقال جل جلاله ههنا: { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي: وماذا تغني عنهم ولايتهم لبعضهم بعضاً؛ فإنهم لا يزيدونهم إلا خساراً ودماراً وهلاكاً {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ} وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، ثم قال عز وجل: {هَـٰذَا بَصَـٰئِرُ لِلنَّاسِ} يعني: القرآن {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {وَٱلْحُكْمَ } به بين الناس {وَٱلنُّبُوَّةَ } لموسى وهٰرون منهم {وَرَزَقْنَـٰهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ } الحلالات كالمنّ والسلوى {وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمينَ } عالمي زمانهم العقلاء.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ } المراد بالكتاب: التوراة، وبالحكم: الفهم والفقه الذي يكون بهما الحكم بين الناس وفصل خصوماتهم، وبالنبوّة: من بعثه الله من الأنبياء فيهم {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } أي: المستلذات التي أحلها الله لهم، ومن ذلك المنّ والسلوى {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمينَ } من أهل زمانهم حيث آتيناهم ما لم نؤت من عداهم من فلق البحر ونحوه، وقد تقدّم بيان هذا في سورة الدخان {وَءاتَيْنَـٰهُم بَيّنَـٰتٍ مّنَ ٱلأمْرِ } أي: شرائع واضحات في الحلال والحرام، أو معجزات ظاهرات، وقيل: العلم بمبعث النبي، وشواهد نبوّته، وتعيين مهاجره: {فَمَا ٱخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } أي: فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلاّ بعد مجيء العلم إليهم ببيانه، وإيضاح معناه، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجباً لثبوته، وقيل: المراد بالعلم: يوشع بن نون، فإنه آمن به بعضهم وكفر بعضهم، وقيل: نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فاختلفوا فيها حسداً وبغياً، وقيل: {بَغِيّاً } من بعضهم على بعض بطلب الرئاسة {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين، فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مّنَ ٱلأمْرِ } الشريعة في اللغة: المذهب، والملة، والمنهاج، ويقال: لمشرعة الماء وهي مورد شاربيه: شريعة، ومنه الشارع؛ لأنه طريق إلى المقصد، فالمراد بالشريعة هنا: ما شرعه الله لعباده من الدين، والجمع شرائع، أي: جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق {فَٱتَّبِعْهَا }: فاعمل بأحكامها في أمتك {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } توحيد الله وشرائعه لعباده، وهم كفار قريش ومن وافقهم {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي: لا يدفعون عنك شيئًا مما أراده الله بك إن اتبعت أهواءهم {وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } أي: أنصار ينصر بعضهم بعضاً. قال ابن زيد: إن المنافقين أولياء اليهود {وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ } أي: ناصرهم، والمراد بالمتقين: الذين اتقوا الشرك والمعاصي، والإشارة بقوله: {هَـٰذَا } إلى القرآن، أو إلى اتباع الشريعة، وهو مبتدأ وخبره {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } أي: براهين ودلائل لهم فيما يحتاجون إليه من أحكام الدين، جعل ذلك بمنزلة البصائر في القلوب، وقرىء: (هٰذه بصائر) أي: هذه الآيات؛ لأن القرآن بمعناها، كما قال الشاعر:شعر : سائل بني أسد ما هذه الصوت تفسير : لأن الصوت بمعنى الصيحة {وَهَدَىٰ } أي: رشد، وطريق يؤدي إلى الجنة لمن عمل به {وَرَحْمَةٌ} من الله في الآخرة {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي: من شأنهم الإيقان، وعدم الشك، والتزلزل بالشُّبه {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ } أم هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان، والاجتراح: الاكتساب، ومنه الجوارح، وقد تقدّم في المائدة، والجملة مستأنفة؛ لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين، وهو معنى قوله: {أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي: نسوّي بينهم مع اجتراحهم السيئات، وبين أهل الحسنات {سَوَاء مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } في دار الدنيا وفي الآخرة، كلا لا يستوون، فإن حال أهل السعادة فيهما غير حال أهل الشقاوة. وقيل المراد: إنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة. قرأ الجمهور: {سواء} بالرفع على أنه خبر مقدّم، والمبتدأ محياهم ومماتهم والمعنى: إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم، سواء. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص {سواء} بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور في قوله: {كَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } أو على أنه مفعول ثان لحسب، واختار قراءة النصب أبو عبيد، وقال معناه: نجعلهم سواء، وقرأ الأعمش، وعيسى بن عمر (مماتهم) بالنصب على معنى: سواء في محياهم ومماتهم، فلما سقط الخافض انتصب، أو على البدل من مفعول نجعلهم بدل اشتمال {سَاء مَا يَحْكُمُونَ } أي: ساء حكمهم هذا الذي حكموا به. {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ بِٱلْحَقّ } أي: بالحقّ المقتضي للعدل بين العباد، ومحل بالحقّ النصب على الحال من الفاعل، أو من المفعول، أو الباء للسببية، وقوله: {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } يجوز أن يكون على الحقّ؛ لأن كلا منهما سبب، فعطف السبب على السبب، ويجوز أن يكون معطوفاً على محذوف، والتقدير: خلق الله السمٰوات والأرض؛ ليدلّ بهما على قدرته ولتجزى، ويجوز أن تكون اللام للصيرورة {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } أي: النفوس المدلول عليها بكل نفس لا يظلمون بنقص ثواب، أو زيادة عقاب، ثم عجب سبحانه من حال الكفار، فقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } قال الحسن، وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئًا إلاّ ركبه، وقال عكرمة: يعبد ما يهواه، أو يستحسنه، فإذا استحسن شيئًا، وهواه اتخذه إلٰهاً. قال سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } أي: على علم قد علمه، وقيل المعنى: أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه، وقال مقاتل: على علم منه أنه ضالّ؛ لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضرّ. قال الزجاج: على سوء في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه، ومحل {على علم} النصب على الحال من الفاعل، أو المفعول {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } أي: طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً } أي: غطاء حتى لا يبصر الرشد. قرأ الجمهور {غشاوة} بالألف مع كسر الغين، وقرأ حمزة، والكسائي (غشوة) بغير ألف مع فتح الغين، ومنه قول الشاعر:شعر : لئن كنت ألبستني غشوة لقد كنت أصفيتك الودّ حينا تفسير : وقرأ ابن مسعود، والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين وهي لغة ربيعة، وقرأ الحسن، وعكرمة بضمها وهي لغة عكل {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ } أي: من بعد إضلال الله له {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } تذكر اعتبار حتى تعلموا حقيقة الحال؟ ثم بيّن سبحانه بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال: {وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } أي: ما الحياة إلاّ الحياة التي نحن فيها {نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي: يصيبنا الموت والحياة فيها، وليس وراء ذلك حياة، وقيل: نموت نحن، ويحيا فيها أولادنا، وقيل: نكون نطفاً ميتة، ثم نصير أحياء. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، أي: نحيا ونموت، وكذا قرأ ابن مسعود، وعلى كل تقدير، فمرادهم بهذه المقالة: إنكار البعث وتكذيب الآخرة {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } أي: إلاّ مرور الأيام والليالي، قال مجاهد: يعني: السنين والأيام. وقال قتادة: إلاّ العمر، والمعنى واحد. وقال قطرب: المعنى: وما يهلكنا إلاَّ الموت. وقال عكرمة: وما يهلكنا إلاّ الله {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } أي: ما قالوا هذه المقالة إلاّ شاكين غير عالمين بالحقيقة، ثم بيّن كون ذلك صادراً منهم لا عن علم، فقال: {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } أي: ما هم إلاّ قوم غاية ما عندهم الظنّ، فما يتكلمون إلاّ به، ولا يستندون إلاّ إليه. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ } أي: إذا تليت آيات القرآن على المشركين حال كونها بينات واضحات ظاهرة المعنى، والدلالة على البعث {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِـئَابَائِنَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أنا نبعث بعد الموت! أي: ما كان لهم حجة، ولا متمسك إلاّ هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شيء، وإنما سماه حجة تهكماً بهم. قرأ الجمهور بنصب {حجتهم} على أنه خبر كان، واسمها {إِلاَّ أَن قَالُواْ } وقرأ زيد بن عليّ، وعمرو بن عبيد، وعبيد بن عمرو برفع {حجتهم} على أنها اسم كان، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يردّ عليهم، فقال: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ } أي: في الدنيا {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } بالبعث والنشور {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي: في جمعكم؛ لأن من قدر على ابتداء الخلق قدر على إعادته {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } بذلك، فلهذا حصل معهم الشكّ في البعث، وجاءوا في دفعه بما هو أوهن من بيت العنكبوت، ولو نظروا حقّ النظر لحصلوا على العلم اليقين، واندفع عنهم الرّيب وأراحوا أنفسهم من ورطة الشكّ والحيرة. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مّنَ ٱلأمْرِ } يقول: على هدًى من أمر دينه. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: {سَوَاء مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } قال: المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } قال: ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدًى من الله، ولا برهان {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } يقول: أضله في سابق علمه. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه قال: كان الرّجل من العرب يعبد الحجر، فإذا وجد أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، فقال الله في كتابه: {وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } قال الله: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما من حديث أبي هريرة سمعت رسول الله يقول: «حديث : قال الله عزّ وجلّ: يؤذيني ابن آدم يسبّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَءَاتَينَاهُم بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ} فيه وجهان: أحدهما: ذكر الرسول وشواهد نبوته. الثاني: بيان الحلال والحرام، قاله السدي. {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ} فيه قولان: أحدهما: من بعد يوشع بن نون فآمن بعضهم وكفر بعضهم، حكاه النقاش. الثاني: بعدما أعلمهم الله ما في التوراة. {بَغْياً بَيْنَهُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: طلباً للرسالة وأنفة من الإذعان للصواب، حكاه ابن عيسى. الثاني: بغياً على رسول الله صلى عليه وسلم في جحود ما في كتابهم من نبوة وصفته، قاله الضحاك. الثاني: أنهم أرادوا الدنيا ورخاءها فغيروا كتابهم وأحلوا فيه ما شاؤوا وحرموا ما شاؤوا، قاله يحيى بن آدم. قوله عز وجل: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ} أي على طريقة من الدين كالشريعة التي هي طريق إلى الماء، ومنه الشارع لأنه طريق إلى القصد. وفي المراد بالشريعة أربعة أقاويل: احدها: أنها الدين، قاله ابن زيد، لأنه طريق للنجاة. الثاني: أنها الفرائض والحدود والأمر والنهي، قاله قتادة لأنها طريق إلى الدين. الثالث: أنها البينة، قاله مقاتل: لأنها طريق الحق. الرابع: السنة، حكاه الكلبي لأنه يستنّ بطريقة من قبله من الأنبياء.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة {وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ} والمراد بهذه الآية أنه تعالى بين أنه أنعم بنعم كثيرة على بني إسرائيل مع أنه حصل بينهم الاختلاف على سبي البغي والحسد، والمقصود منه أن يبين أن طريقة قومِهِ كطريقة مَنْ تَقَدَّم. واعلم أن المراد بالكتاب التوراة أما الحكم، فقيل: المراد به العِلْم والحُكْمُ. وقيل: المراد العلم بفصل الحكومات. وقيل: معرفة أحكام الله وهو علم الفقه. وأما النبوة فمعلومة {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} الحَلاَلاَت، يعني المَنَّ والسَّلْوى {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ}. قال المفسرون: على عالَمِي زمانهم, قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ لم يكن أحد من العالمين أكرم على الله ولا أحبَّ إليه منهم. ثم قال: {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ يعني العلم بمَبْعَثِ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما بين لهم من أمره وأنه يهاجر من تِهامةَ إلى يثربَ، ويكون أنصاره من أهل يثربَ. وقيل: المراد بالبيِّنات المعجزات القاهرة على صحة نبوتهم والمراد معجزات موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ. ثم قال تعالى: {فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ} وتقدم تفسير هذا في سورة "حم عسق". والمراد من ذكر هذا الكلام التعجب من هذه الحالة؛ لأن حصول العلم يوجب ارتفاع الخلاف، وههُنَا صار مجيء العلم سبباً لحصول الاختلاف؛ وذلك لأنهم لم يكن مقصودهم من العلم نفس العلم، وإنما مقصودهم طلب الرِّيَاسَةِ والتَّقَدُّم، فيجوز أنه علموا ثم عاندوا. ويجوز أن يريد بالعلم الإدلة التي توصل إلى العلم، والمعنى أنه تعالى وضع الدلائل والبينات التي لو تأملوا فيها لعرفوا الحقَّ، لكنهم اختلفوا وأظهروا النزاع على وجه الحسد، ثم قال: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} والمعنى أنه لا ينبغي أن يغتر المُبْطِل بِنعَم الدنيا، فإنها وإن ساوت نِعَمَ المحقّ أو زادت عليها، فإنه سيرى في الآخرة ما يسوؤه وذلك كالزجر لهم. ولما بين تعالى أنهم أعرضوا عن الحق بغياً وحسداً، أمَرَ رسوله بأن يَعْدِلَ عن تلك الطريقة، وأن يتمسَّك بالحقّ وأن لا يكون له غَرَض سوى إظهار الحق فقال: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} أي جعلناك يا محمد على سنة وطريقة بعد موسى "مِنَ الأَمْر" من الدِّين {فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني مراد الكافرين وأديانهم الخبيثة. قال الكلبي: إن رؤساءَ قريشٍ قالوا للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو بمكة ارجع إلى دين آبائك فهم كانوا أفْضَلَ منْك وأسَنّ، فأَنْزَل الله تَعَالَى هذه الآية. قوله: "عَلَى شَرِيعةٍ" هو المفعول الثاني لجَعَلْنَاك والشريعة في الأصل ما يرده الناس من الماء في الأنهار، ويقال لذلك الموضع شريعة، والجمع شرائع قال: شعر : 4443ـ وَفِي الشَّرَائِع مِنْ جَيْلاَن مُقْتَنَصٌ رَثُّ الثِّيابِ خَفِيُّ الشَّخْصِ مُنْسَرِبُ تفسير : فاستعير ذلك للدين، لأن العباد يردون ما يحيى به نفوسهم. قوله: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي إن اتبعت أهواءهم {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} والمعنى إنك لو ملت أديانهم الباطلة لصرت مستحقاً للعذاب وهم لا يقدرون على دفع عذاب الله عنك، وإنَّ الظالمين يتولى بعضهم بعضاً في الدنيا وأما في الآخرة، فلا ولي لهم ينفعهم في إيصال الثوب، وإزالة العقاب، وأما المتقون المهتدون فالله وليهم وناصرهم.

البقاعي

تفسير : ولما علم بهذه الحكم ما افتتحت به السورة من أن منزل هذا الكتاب عزيز حكيم، فكان التقدير فذلكة لذلك: لفقد آتيناك الكتاب والحكم والنبوة وفضلناك وأمتك على العالمين وأرسلناك لتنبه الناس على ما أمامهم وكان قومه بعد ائتلافهم على الضلال قد اختلفوا بهذا الكتاب الذي كان ينبغي لهم أن يشتد اجماعهم به واستنصارهم من أجله، عطف عليه مسلياً قوله: {ولقد آتينا} أي على ما لنا من العظمة والقدرة الباهرة {بني إسرائيل} نبي الله ابن عمكم إسحاق نبي الله ابن أبيكم إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسلام {الكتاب} الجامع للخيرات وهو يعم التوارة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم {والحكم} أي العلم والعمل الثابتين ثبات الاحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما للعلم من الزينة بالعمل، وللعمل من الإتقان بالعلم {والنبوة} التي تدرك بها الأخبار العظيمة التي لا يمكن اطلاع الخلق عليها بنوع اكتساب منهم، فأكثرنا فيهم من الأنبياء {ورزقناهم} بعظمتنا لإقامة أبدانهم {من الطيبات} من المن والسلوى وغيرهما من الأرزاق اللدنية وغيرها {وفضلناهم} بما لنا من العزة {على العالمين} وهم الذين تحقق إيجادنا لهم في زمانهم وما قبله فإنا آتيناهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثرنا فيهم من الأنبياء ما لم نفعله لغيرهم ممن سبق، وكل ذلك فضيلة ظاهرة {وآتيناهم} مع ذلك {بينات من الأمر} الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات، ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم وغير ذلك مما هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته، وذلك أمر يقتضي الألفة والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافاً يسيراً لا يضر مثله ولا يعد اختلافاً. ولما كان حالهم بعد هذا الإيتاء مجملاً، فصله فقال تعالى: {فما اختلفوا} أي أوقعوا الاختلاف والافتراق بغاية جهدهم، ولما لم يكن اختلافهم مستغرقاً لجميع الزمن الذي بعد الإيتاء، أثبت الجار فقال: {إلا من بعد ما جاءهم العلم} الذي من شأنه الجمع على المعلوم، فكان ما هو سبب الاجتماع سبباً لهم في الافتراق لأن الله تعالى أراد ذلك وهو عزيز. ولما كان هذا عجباً، بين علته محذراً من مثلها فقال: {بغياً} أي للمجاوزة في الحدود التي اقتضاها لهم طلب الرئاسة والحسد وغيرهما من نقائص النفوس. ولما كان البغي على البعيد مذموماً، زاده عجباً بقوله: {بينهم} واقعاً فيهم لم يعدهم إلى غيرهم، وقد كانوا قبل ذلك وهم تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل، ولذلك استأنف قوله الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن خالف أوامرهم، مؤكداً لأجل إنكارهم. {إن ربك} أي المحسن إليك بإرسالك وتكثير أمتك وحفظهم مما ضل به القرون الأولى وبيان يوم الفصل الذي هو محط الحكمة بياناً لم يبينه على لسان أحد ممن سلف {يقضي بينهم} بإحصاء الأعمال والجزاء عليها، لأن هذا مقتضى الحكمة والعزة {يوم القيامة} الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك مع أنه لايجوز في الحكمة إنكاره {فيما كانوا} أي بما هو لهم كالجبلة {فيه يختلفون *} بغاية الجهد متعمدين له بخلاف ما كان يقع منهم خطأ فإنه يجوز في الحكمة أن يتفضل عليهم بالعفو عنه فقد علم أنه لا يجوز في الحكمة أصلاً أن يترك المختلفون من غير حكم بينهم لأن هذا لا يرضاه أقل الملوك فإنه لايعرف الملك إلا بالقهر والعزة ولا يعرف كونه حكيماً إلا بالعدل، وإذا كان هذا لا يرضاه ملك فكيف يرضاه ملك الملوك، وإذا كان هذا القضاء مقتضى الحكمة كان لا فرق فيه بين ناس وناس، فهو يقتضي بينكم أيضاً كذلك، ومن التأكيد للوعد بذلك اليوم التعبير باسم الرب مضافاً إليه صلى الله عليه وسلم. ولما كان معنى هذا أنه سبحانه وتعالى جعل بني إسرائيل على شريعة وهددهم على الخلاف فيها، فكان تهديدهم تهديداً لنا، قال مصرحاً بما اقتضاه سوق الكلام وغيره من تهديدنا منبهاً على علو شريعتنا: {ثم} أي بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على رتبة شريعتهم {جعلناك} أي بعظمتنا {على شريعة} أي طريقة واسعة عظيمة ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ويخالطوها مبتدئة {من الأمر} الذي هو وحينا وهو حياة الأرواح كما أن الأرواح حياة الأشباح. ولما بين بهذه العبارة بعض فضلها على ما كان قبلها، سبب عنه قوله موجهاً الخطاب إلى الإمام بما أراد به المأمومين ليكون أدعى إلى اجتهادهم، فإن أمرهم تكليف وأمر إمامهم تكوين: {فاتبعها} أي بغاية جهدك. ولما كانت الشريعة العقل المحفوظ الذي أخبر الله أنه به يأخذ وبه يعطي، كان الإعراض عنها إلى غيرها إنما هو هوى، ولما كان أحاد الأمة غير معصومين أشار إلى العفو عن هفواتهم بقوله تعالى: {ولا تتبع} أي تتعمدا أن تتبعوا {أهواء الذين لا يعلمون *} أي لا علم لهم أو لهم علم ولكنهم يعملون عمل من ليس لهم علم أصلاً من كفار العرب وغيرهم، فإن من تعمد اتباعهم فعلت بهم ما فعلت ببني إسرائيل حيث لعنتهم على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام بعد ما لعنتهم على لسان موسى عليه الصلاة والسلام، ثم علل هذا النهي مهدداً بقوله: مؤكداً تنبيهاً على أن من خالف أمر الله لأجل أحد كان عمله عمل من يظن أنه يحميه: {إنهم} وأكد النفي فقال تعالى: {لن يغنوا عنك} أي لا يتجدد لهم نوع إغناء مبتدىء {من الله} المحيط بكل شيء قدرة وعلماً واصل إليه، وكل ما لا يكون ذا وصلة به فهو عدم {شيئاً} من إغناء إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم. ولما كان التقدير: فإنهم ظلمة لا يضعون شيئاً في موضعه، ومن اتبعهم فهو منهم قال تعالى عاطفاً عليه: {وإن} وكان الأصل: وإنهم ولكنه أظهر للاعلام بوصفهم فقال: {الظالمين} أي العريقين في هذا الوصف الذميم {بعضهم أولياء بعض} فلا ولاية - أي قرب - بينهم وبين الحكيم أصلاً لتباعد ما بين الوصفين فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس خلافاً لمن يظن بها غير ذلك تقيداً بالأمور الظاهرة في هذه الدار {والله} أي الذي له جميع صفات الجلال والجمال والعز والكمال {ولي المتقين *} الذين همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله ولا ولاية بينه وبين الظالمين.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم‏}‏ قال‏:‏ اللب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ‏ {‏ثم جعلناك على شريعة‏}‏ قال‏:‏ على طريقة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏ {‏ثم جعلناك على شريعة من الأمر‏}‏ يقول‏:‏ على هدى من الأمر وبينة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ثم جعلناك على شريعة من الأمر‏} ‏ قال‏:‏ الشريعة الفرائض والحدود والأمر والنهي‏.‏ وأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وعبدالله بن أحمد في زوائد الزهد، والطبراني عن أبي الضحى رضي الله عنه قال‏:‏ قرأ تميم الداري رضي الله عنه سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية ‏{‏أم حسب الذين اجترحوا السيئات‏}‏ الآية، فلم يزل يكررها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خيثم رضي الله عنه قال‏:‏ قام تميم الداري يصلي فمر بهذه الآية ‏ {‏أم حسب الذين اجترحوا السيئات‏}‏ فلم يزل يرددها حتى أصبح‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سواء محياهم ومماتهم‏} ‏ قال‏:‏ المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر‏.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ}. كَرَّر في غير موضع ذِكْرِ موسى وذِكْرَ بني إسرائيل... بعضه على الجملة وبعضه على التفصيل. وهنا أجْمَلَ في هذا الموضِع، ثم عقبه حديث نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، فقال: قوله جلّ ذكره: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}. إفردناك بلطائفَ فاعرفْها، وسَنَنَّا لكَ طرائقَ فاسلُكْها، وأثبتنا لك حقائقَ فلا تتجاوزْها، ولا تجنحْ إلى متابعة غيرك: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. إن أرادَ بكَ نعمةً فلا يمنعها أحدٌ، وإن أراد بك فتنةً فلا يَصْرِفها عنك أحدٌ. فلا تُعَلِّقْ بمخلوقٍ فكْرَك، ولا تتوجهْ بضميرك إلى شيء، وثِقْ بربِّك، وتوكَّلْ عليه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد آتينا بنى اسرآئيل الكتاب} اى التوراة قال سعدى المفتى ولعل الاولى ان يحمل الكتاب على الجنس حتى يشمل الزبور والانجيل ايضا انتهى وذلك لان موسى وداود وعيسى عليهم السلام كانوا فى بنى اسرآئيل {والحكم} اى الحكمة النظرية والعملية والفقه فى الدين او فصل الخصومات بين الناس اذ كان الملك فيهم {والنبوة} حيث كثر فيهم الانبياء ما لم تكثر فى غيرهم فان ابراهيم عليه السلام كان شجرة الانبياء عليهم السلام {ورزقناهم من الطيبات} من اللذآئذ كالمن والسلوى {وفضلناهم على العالمين} حيث آتيناهم ما لم نؤت من عداهم من فلق البحر وتظليل الغمام ونظائرهما ولا يلزم منه تفضيلهم على غيرهم بحسب الدين والثواب او على عالمى زمانهم فانه لم يكن احد من العالمين فى زمانهم اكرم على الله ولا احب اليه منهم وقد سبق تحقيق المقام فى السورة السابقة

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {ولقد آتينا بني إِسرائيل الكتابَ والحُكْمَ} أي: الفصل بين العباد، لأن الملك لم يزل فيهم حتى غيّروا، أو: الحكمة النظرية والعملية والفقه في الدين، {والنبوة} حيث كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثر في غيرهم. {ورزقناهم من الطيبات} ما أحلّ الله لهم من اللذائذ، كالمن والسلوى، وغيره من الأرزاق، {وفضلناهم على العالَمين} على عالمي زمانهم. {وآتيناهم بيناتٍ من الأمر} دلائل ظاهرة من أمر الدين، ومعجزات قاهرة. قال ابن عباس: هو العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وما بُيّن لهم من أمره، وأنه يُهاجر من تهامة إلى يثرب، ويكون أنصاره أهل يثرب، {فَما اختلفوا} في ذلك الأمر {إِلا من بعد ما جاءهم العلمُ} بحقيقته وحقيّته، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجباً له، {بغياً بينهم} أي: عداوة وحسداً، حديث بينهم، لا شك وقع لهم فيه، {إِن ربك يقضي بينهم يوم القيامة} بالمؤاخذة والجزاء {فيما كانوا فيه يختلفون} من أمر الدين. الإشارة: كانت بنو إسرائيل في أول أمرها متمسكة بكتاب ربها، عاملة بما شرعت لها أنبياؤها، فرفع الله بذلك قدرها، حتى تحاسدوا، وتهاجروا على الدنيا والرئاسة، فأعقبهم الله ذل الأبد، فهذه سُنَّة الله تعالى في عباده، مَن تمسّك بالكتاب والسنّة، وزهد في الدنيا، وتواضع لعباد الله، رفعه الله وأعزّه، فإذا خرج عن هذا الوصف انعكس حاله إلى أسفل، والعياذ بالله. ولما ذكر شريعة موسى أعقبه بشريعة نبينا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فقال: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ}.

الطوسي

تفسير : هذا قسم به من الله تعالى بأنه أعطى بني إسرائيل الكتاب يعني التوراة وآتاهم الحكم، وهو العلم بالفصل بين الخصمين وبين المحق والمبطل، يقال: حكم في الامر يحكم حكما، وحكمته فى أمري تحكيماً، واحكم العمل إحكاماً، واستحكم الشيء استحكاماً، وحاكمته إلى الحاكم محاكمة {ورزقناهم من الطيبات} فالرزق العطاء الجاري على توقيت وتوظيف فى الحكم، وإنما قلنا فى الحكم، لانه لو حكم بالعطاء الموقت فى الأوقات الدائرة على الاستمرار لكان رازقاً وإن أقتطعه ظالم عن ذلك العطاء. ثم قال {وفضلناهم على العالمين} والتفضيل جعل الشيء أفضل من غيره باعطائه من الخير مالم يعط غيره أو بالحكم لأنه افضل منه، فالله تعالى فضل بني إسرائيل بما أعطاهم على عالمي زمانهم. قال الحسن: فضلهم الله على أهل زمانهم وقال قوم: فضلهم بكثرة الأنبياء منهم على سائر الامم، وإن كانت أمة محمد صلى الله عليه وآله أفضل فى كثرة المطيعين لله، وكثرة العلماء منهم، كما تقول هذا أفضل فى علم النحو، وذاك فى علم الفقه، فأمة محمد صلى الله عليه وآله افضل فى علو منزلة نبيها عند الله على سائر الانبياء، وكثرة العلماء منهم والعاملين بالحق لقوله تعالى {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس} تفسير : فأولئك خالف اكثرهم أنبياءهم ووافق كثير من هؤلاء علماءهم واخذوا عنهم واقتبسوا من نورهم، والفضل الخير الزائد على غيره وأمة محمد صلى الله عليه وآله أفضل بفضل نبيها. ثم قال {وآتيناهم} يعني اعطيناهم {بينات من الأمر} أي دلالات وبراهين واضحات من الأمر ثم قال {فما اختلفوا} أي لم يختلفوا {إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم} فالاختلاف اعتقاد كل واحد من النفيسين ضد ما يعتقده الآخر إذا كان اختلافاً فى المذهب، وقد يكون الاختلاف فى الطريق بأن يذهب احدهما يمنة، والآخر يسرة، وقد يكون الاختلاف فى المعاني بأن لا يسد احدهما مسد الآخر في ما يرجع إلى ذاته. وإختلاف بني إسرائيل كان في ما يرجع إلى المذاهب. وقوله {بغياً بينهم} نصب على المصدر، ويجوز ان يكون على انه مفعول له أي اختلفوا للبغي وطلب الرياسة. ومعنى البغي الاستعلاء بالظلم، وهو خلاف الاستعلاء بالحجة. والبغي يدعو إلى الاختلاف لما فيه من طلب الرفعة بما لا يرجع إلى حقيقة ولا يسوغ فى الحكمة، وإنما كان ذلك طلباً للرياسة والامتناع من الانقياد للحق بالانفة، ثم قال {إن ربك} يا محمد {يقضي بينهم يوم القيامة} أي يحكم ويفصل بين المحق منهم والمبطل في ما كانوا يختلفون في دار التكليف، وقيل: الحكم العلم بالفصل بين الناس فى الامور. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {ثم جعلناك} يا محمد {على شريعة من الأمر} فالشريعة السنة التي من سلك طريقها أدته إلى البغية كالشريعة التي هي طريق إلى الماء، وهي علامة منصوبة على الطريق إلى الجنة كأداء هذا الى الوصول إلى الماء، فالشريعة العلامات المنصوبة من الأمر والنهي المؤدية إلى الجنة، ثم قال {فاتبعها} يعني اعمل بهذه الشريعة {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} الحق ولا يفصلون بينه وبين الباطل. ثم اخبر النبي صلى الله عليه وآله فقال {إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً} يعني هؤلاء الكفار لا يغنون عنك شيئاً {وإن الظالمين} نفوسهم {بعضهم أولياء بعض} بفعل المعاصي {والله ولي المتقين} الذين يجتنبون معاصيه ويفعلون طاعاته. ثم قال {هذا} يعني هذا الذي ذكرناه {بصائر للناس} أي ما يتبصرون به واحدها بصيرة {وهدى} أي ودلالة واضحة {ورحمة} أي ونعمة من الله عليهم {لقوم يوقنون} بحقيقة ذلك. وإنما اضافه إلى المؤمنين لانهم الذين انتفعوا به دون الكفار الذين لا يفكروا فيه.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا} أعطينا* {بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ} التوراة* {وَالْحُكْمَ} الفتيا بأحكام الله وما في التوراة أو الحكمة والفقه أو العمل بأحكام الله أو السلطة* {وَالنُّبُوَّةَ} لموسى وهارون ومن بعدهما كثرت الانبياء فيهم ما لم تكثر في غيرهم* {وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} مما أحله الله وأطابه من الأرزاق وسع عليهم في الدنيا وأورثهم أموال فرعون وديارهم وأنزل عليهم المن والسلوى* {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} جميعاً ما خلا هذه الامة فهي أفضل أو المراد في زمانهم حيث أتاهم ما لم يؤت أحداً. قال ابن عباس: لم يكن أحد من العالمين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب اليه منهم والمراد عقلاء العالمين لان التفضيل على الناقص تنقيص

اطفيش

تفسير : {ولقَد آتيْنا بني إسرائيل الكتاب} المعهود لهم وهو التوراة المشتملة على الأحكام الكثيرة، ويقال: لم يتسع لنبى فقه الأحكام ما اتسع لموسى عليه السلام، وقلت الأحكام فى الانجيل، وأكثر أحكام عيسى من التوراة، وأما الزبور فأدعيه ومناجاة، والصحف مواعظ، ولا مانع من أن يراد بالكتاب الجنس الشامل لذلك كله لأنها كلها لأنبياء بنى اسرائيل يمتن الله تعالى بها عليهم، وأحكام القرآن كثير، وباعتبار ما يستخرج منه العلماء تكون أكثر مما فى التوراة {والحُكْمَ} القضاء بين الناس، وكان المُلْك فيهم أو الفقه فى الدين، أو الحكم النظرية الأصلية والعملية الفرعية {والنبوة} ما كثرت النبوة والرسالة الا فيهم {ورزقناهُم مِن الطيِّبات} أعطيناهم الرزق الطيب وأنزلنا عليهم المن والسَّلوى {وفضلناهم على العالمين} كلهم من حيث كثرة النبيين والكتب والمعجزات، لا من كل وجه، فان هذه الأمة أفضل من حيث إن نبيها أفضل الأنبياء، وكتابها أفضل الكتب، تشهد بذلك أنبياء اسرائيل وكتبهم، ومر كلام فى مثل هذه الآية، وذلك كما قال الله عز وجل: {وآتيناهم بينات من الأمْر} قال ابن عباس: من أمر النبى صلى الله عليه وسلم، وعلامات مبينة لصدقه عليه الصلاة والسلام، ككونه يهاجر من مكة الى يثرب، ويكون أنصاره أهلها، والآيات الدلائل الظاهرة فى أمر الدين، ومن بمعنى فى، وشملت معجزات موسى عليه السلام، وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعض شأنه، وفسرها بعض بمعجزات سيدنا موسى عليه السلام {فَما اخْتَلفوا إلاَّ مِن بعْد ما جاءهم العِلم} فى كتابهم بحقيقة الحال، فجعلوا ما هو موجب لعدم الخلاف موجبا لرسوخ الخلاف، ومن ذلك الباب أنهم كانوا مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بعث وأنزل عليه الكتاب أنكروه، وقل من آمن منهم، فذلك اختلافهم، أو المراد أنهم خالفوا على أنه لم يعتد بمن آمن لقتله، ووجه الرسوخ قوة دلائل التوراة، وما كفروا معها إلا رسوخ كفرهم، فيجوز أن يكون العلم القرآن وهو أولى فى تسبب كفرهم، أو المراد كتبهم والقرآن. {بغْياً} عدواة وحسدا لا شكا فى التوراة أو فى القرآن، وما زالوا فى ذلك حتى رسخ الانكار فيمن بعدهم، ولم يذعنوا فى قلوبهم وألسنتهم، حتى كانوا مثل مشركى العرب، ومن لا كتاب له، والآن قل من يقول: محمد رسول العرب، أو رسول الله من لا كتاب له وكذبوا، بل رسول الى الناس كلهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كان أخي موسى حياً لم يسعه إلاَّ اتباعي" تفسير : {إنَّ ربَّك يقْضي بيْنَهم} بالجزاء {يَوم القيامة فيما كانُوا فيه يَخْتلفون} من أمر الدين فيثيب المحق، ويعاقب المبطل كالمجسمة منهم، ومُحرفى التوراة، ومنكرى عيسى والانجيل، وسيدنا محمد صلى الله عليهما وسلم، والقرآن.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ ٱلْكِتَـٰبَ } وهو التوراة على أن التعريف للعهد، وجوز جعله للجنس ليشمل الزبور والإنجيل ولا يضر في ذلك كون الزبور أدعية ومناجاة والإنجيل أحكامه قليلة جداً ومعظم أحكام عيسى عليه السلام من التوراة لأن إيتاء الكتاب مطلقاً منة {وَٱلْحُكْمَ } القضاء وفصل الأمور بين الناس لأن الملك كان فيهم واختاره أبو حيان، أو الفقه في الدين ويقال: لم يتسع فقه الأحكام على نبـي ما اتسع على لسان موسى عليه السلام، أو الحكم النظرية الأصلية والعملية الفرعية {وَٱلنُّبُوَّةَ } حيث كثر فيهم الأنبياء عليهم السلام ما لم يكثر في غيرهم {وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ ٱلطَّيّبَاتِ } المستلذات الحلال وبذلك تتم النعمة وذلك كالمن والسلوى {وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمينَ } حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم من فلق البحر وإظلال الغمام ونظائرهما فالمراد تفضيلهم على العالمين مطلقاً من بعض الوجوه لا من كلها ولا من جهة المرتبة والثواب فلا ينافي ذلك تفضيل أمة محمد صلى الله عليه وسلم عليهم من وجه آخر ومن جهة المرتبة والثواب. وقيل: المراد بالعالمين عالمو زمانهم.

ابن عاشور

تفسير : الوجه أن يكون سَوق خبر بني إسرائيل هنا توطئةً وتمهيداً لقوله بعده { أية : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها } تفسير : [الجاثية: 18] أثار ذلك ما تقدم من قوله: { أية : ويل لكلّ أفّاك أثيم يسمع آيات الله تُتْلَى عليه } تفسير : [الجاثية: 7] إلى قوله: { أية : اتخذها هزؤا } تفسير : [الجاثية: 9] ثم قوله: { أية : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } تفسير : [الجاثية: 14] فكان المقصدُ قولَه { أية : ثم جعلناك على شريعة من الأمر } تفسير : [الجاثية: 18] ولذلك عطفت الجملة بحرف {ثمَّ} الدال على التراخي الرتبي، أي على أهمية ما عطف بها. ومقتضى ظاهر النظم أن يقع قوله: ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} الآيتين بعد قوله: { أية : جعلناك على شريعة من الأمر } تفسير : [الجاثية: 18] فيكونَ دليلاً وحجة له فأخرج النظم على خلاف مقتضى الظاهر فجعلت الحجة تمهيداً قصداً للتشويق لما بعده، وليقع ما بعده معطوفاً بــ{ثم} الدالةِ على أهمية ما بعدها. وقد عرف من تورك المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم في شأن القرآن ما حكاه الله عنهم في قوله: { أية : فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى } تفسير : [القصص: 48] وقولهم: { أية : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } تفسير : [الفرقان: 32]، فمن أجل ذلك وقع هذا بعد قوله: { أية : ويل لكل أفّاك أثيم}تفسير : [الجاثية: 7] إلى قوله: {أية : وإذا عَلم من آياتنا شيئاً اتخذها هزؤا } تفسير : [الجاثية: 9] وقوله: { أية : قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } تفسير : [الجاثية: 14]، فالجملة معطوفة على تلك الجمل. وأدمج في خلالها ما اختلف فيه بنو إسرائيل على ما دعتهم إليه شريعتهم، لما فيه من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على مخالفة قومه دعوته تنظيراً في أصل الاختلاف دون أسبابه وعوارضه. ولما كان في الكلام ما القصد منه التسلية والاعتبار بأحوال الأمم حَسن تأكيد الخبر بلام القسم وحرفِ التحقيق، فمصب هذا التحقيق هو التفريع الذي في قوله: { أية : فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } تفسير : [يونس: 93] تأكيداً للمؤمنين بأن الله يقضي بينهم وبين المشركين كشأنه فيما حدث بين بني إسرائيل. وقد بُسِط في ذكر النظير في بني إسرائيل من وصف حالهم حينما حدث الاختلاف بينهم، ومن التصريح بالداعي للاختلاف بينهم ما طُوي من مِثلِ بعضِه من حال المشركين حين جاءهم الإسلام فاختلفوا مع أهله إيجازاً في الكلام للاعتماد على ما يفهمه السامعون بطريق المقايسة على أن أكثره قد وقع تفصيله في الآيات السابقة مثل قوله: { أية : تِلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } تفسير : [الجاثية: 6] وقوله {أية : هذا هدى} تفسير : [الجاثية: 11] فإن ذلك يقابل قولَه هنا {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحُكم والنبوءة} ومثل قوله: { أية : وسخَّر لكم ما في السماوات وما في الأرض } تفسير : [الجاثية: 13] فإنه يقابل قولَه هنا {ورَزقناهم من الطيبات}، ومثل قوله: { أية : يسمع آيات الله تُتْلَى عليه ثم يُصرّ مستكبراً } تفسير : [الجاثية: 8] إلى قوله { أية : لهم عذاب مهين } تفسير : [الجاثية: 9] فإنه يقابل قوله هنا {وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم}، ومثل قوله: { أية : ليجزي قوماً بما كانوا يكسبون } تفسير : [الجاثية: 14] فإنه مقابل قوله هنا {إن ربك يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}. و{الكتاب}: التوراة. و{الحكم} يصح أن يكون بمعنى الحِكمة، أي الفهم في الدّين وعلم محاسن الأخلاق كقوله تعالى: { أية : وآتيناه الحُكم صبيّاً } تفسير : [مريم: 12]، يعني يحيــى، ويصح أن يكون بمعنى السيادة، أي أنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم ولا تحكمهم أمة أخرى كقوله تعالى و { أية : جَعلَكم ملوكاً } تفسير : [المائدة: 20]، و{النبوءة} أن يقوم فيهم أنبياء. ومعنى إيتائهم هذه الأمور الثلاثة: إيجادها في الأمة وإيجاد القائمين بها لأن نفع ذلك عائد على الأمة جمعاء فكان كل فرد من الأمة كمن أوتي تلك الأمور. وأما رزقهم من الطيبات فبأن يسّر لهم امتلاك بلاد الشام التي تفيض لبناً وعسلاً كما في التوراة في وعد إبراهيم والتي تجبى إليها ثمرات الأرضين المجاورة لها وتَرد عليها سلع الأمم المقابلة لها على سواحل البحر فتزخر مراسيها بمختلف الطعام واللباس والفواكه والثمار والزخارف، وذلك بحُسن موقِعِ البلاد من بين المشرق براً والمغرب بحراً. و{الطيبات}: هي التي تطيب عند الناس وتحسن طعْماً ومنظراً ونفعاً وزينة. وأما تفضيلهم على العالمين فبأن جمع الله لهم بين استقامة الدّين والخَلق، وبين حكم أنفسهم بأنفسهم، وبث أصول العدل فيهم، وبين حسن العيش والأمن والرخاء، فإن أمماً أخرى كانوا في بحبوحة من العيش ولكن ينقص بعضَها استقامةُ الدّين والخلق، وبعضها عزة حكم النفس وبعضَها الأمن بسبب كثرة الفتن. والمراد بــ {العالمين}: أمم زمانهم وكل ذلك إخبار عما مضى من شأن بني إسرائيل في عنفوان أمرهم لا عَمَّا آل إليه أمرهم بعد أن اختلفوا واضمحل ملكهم ونسخت شريعتهم. و{بيّنات} صفة نزلت منزلة الجامد، فالبينة: الحجة الظاهرة، أي آتيناهم حججاً، أي علمناهم بواسطة كتبهم وبواسطة علمائهم حجج الحق والهدى التي من شأنها أن لا تترك للشك والخطإ إلى نفوسهم سبلاً إلا سدتها. و{الأمر}: الشأن كما في قوله: { أية : وما أمر فرعون برشيدٍ } تفسير : [هود: 97] والتعريف في {الأمر} للتعظيم، أي من شؤون عظيمة، أي شأن الأمة وما به قوام نظامها إذْ لم يترك موسى والأنبياء من بعده شيئاً مُهماً من مصالحهم إلا وقد وضحوه وبينوه وحذروا من الالتباس فيه. و{مِن} في قوله {من الأمر} بمعنى (في) الظرفيّة فيحصل من هذا أن معنى {وءاتيناهم بينات من الأمر}: علمناهم حججاً وعلوماً في أمر دينهم ونظامهم بحيث يكونون على بصيرة في تدبير مجتمعهم وعلى سلامة من مخاطر الخطإ والخطل. وفُرع على ذلك قولُه {فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم} تفريعَ إدماج لمناسبته للحالة التي أريد تنظيرها. وتقدير الكلام: فاختلفوا وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم، فحذف المفرَّع لدلالة ما بعده عليه على طريقة الإيجاز إذ المقصود هو التعجيب من حالهم كيف اختلفوا حينَ لا مظنة للاختلاف إذ كان الاختلاف بينهم بعدما جاءهم العلم المعهود بالذكر آنفاً من الكتاب والحُكم والنبوءة والبينات من الأمر، ولو اختلفوا قبل ذلك لكان لهم عذر في الاختلاف وهذا كقوله تعالى: { أية : وأضلّه الله على علم } تفسير : [الجاثية: 23]. وهذا الكلام كناية عن عدم التعجيب من اختلاف المشركين مع المؤمنين حيث أن المشركين ليسوا على علم ولا هدى ليعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ملطوف به في رسالته. والبغي: الظلم. والمراد: أن اختلافهم عن عمد ومكابرة بعضهم لبعض وليس عن غفلة أو تأويل، وهذا الظلم هو ظلم الحسد فإن الحسد من أعظم الظلم، أي فكذلك حال نظرائهم من المشركين ما اختلفوا على النبي صلى الله عليه وسلم إلا بغياً منهم عليه مع علمهم بصدقه بدلالة إعجاز القرآن لفظاً ومعاني. وانتصب {بغياً} إمّا على المفعول لأجله، وإمّا على الحال بتأويل المصدر باسم الفاعل، وعلى كلا الوجهين فالعامل فيه فعل {اختلفوا}، وإن كان منفياً في اللفظ لأن الاستثناء أبطل النفي إذ ما أريد إلا نفي أن يكون الاختلاف في وقت قبل أن يحثهم العلم فلما استفيد ذلك بالاستثناء صار الاختلاف ثابتاً وما عدا ذلك غير منفي. وجملة {إن ربّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن خبرَهم العجيب يثير سؤالاً في نفس سامعه عن جزاء الله إياهم على فعلهم، وهذا جواب فيه إجمال لتهويل ما سيُقضَى به بينهم في الخير والشر لأن الخلاف يقتضي محقّاً ومبطلاً. ونظير هذه الآية قوله تعالى: { أية : ولقد بوَّأنا بني إسرائيل مُبَوّأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ربّك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } تفسير : في سورة يونس (93).

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه فضل بني إسرائيل على العالمين. وذكر هذا المعنى في موضع آخر من كتابه كقوله تعالى في سورة البقرة: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [البقرة: 47] في الموضعين. وقوله في الدخان: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الدخان: 32]، وقوله في الأعراف:{أية : قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأعراف: 140]. ولكن الله جل وعلا بين أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، خير من بني إسرائيل وأكرم على الله، كما صرح بذلك في قوله:{أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ}تفسير : [آل عمران: 110] الآية. فخير صيغة تفضيل والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم، بني إسرائيل وغيرهم. ومما يزيد ذلك إيضاحاً حديث معاوية بن حيدة القشيري رضي الله عنهحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في امته: "أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله"تفسير : : وقد رواه عنه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم هو حديث مشهور. وقال ابن كثير: حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ولا شك في صحة معنى حديث معاوية بن حيدة المذكور رضي الله عنه. لأنه يشهد له النص المعصوم المتواتر في قوله تعالى:{أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110]، وقد قال تعالى:{أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ}تفسير : [البقرة: 143]. وقوله: {وسطا} أي خياراً عدولاً. واعلم أن ما ذكرنا من كون أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من بني إسرائيل كما دلت عليه الآية والحديث المذكوران وغيرهما من الأدلة لا يعارض الآيات المذكورات آنفاً في تفضيل بني إسرائيل. لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد صلى الله عليه وسلم. والمعدوم في حال عدمه ليس بشئ حتى يفضل أو يفضل عليه. ولكنه تعالى بعد وجود أمة محمد صلى الله عليه وسلم صرح بأنها هي خير الأمم. وهذا واضح لأن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل. إنما يراد به ذكر أحوال سابقة. لأنهم في وقت نزول القرآن كفروا به وكذبوا كما قال تعالى:{أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة: 89]. ومعلوم أن الله لم يذكر لهم في القرآن فضلاً إلا ما يراد به أنه كان في زمنهم السابق لا في وقت نزول القرآن. ومعلوم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن موجودة في ذلك الزمن السابق الذي هو ظرف تفضيل بني إسرائيل، وأنها بعد وجودها، صرح الله بأنها هي خير الأمم، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 16- أقسم لقد أعطينا بنى إسرائيل التوراة والحكم بما فيها، والنبوة الملهمة من قبل الله، ورزقناهم من الخيرات المتنوعة، وفضلناهم بكثير من النعم على الخلق أجمعين. 17- وأعطيناهم دلائل واضحة من أمر دينهم فما وقع بينهم اختلاف إلا من بعد ما جاءهم العلم بحقيقة الدين وأحكامه عداوة وحسداً فيما بينهم، إن ربك يفصل بين المختلفين يوم القيامة فى الأمر الذى كانوا فيه يختلفون. 18- ثم جعلناك - يا محمد - بعد اختلاف أهل الكتاب مبعوثاً على منهاج واضح من أمر الدين الذى شرعناه لك ولمن قبلك من رسلنا، فاتبع شريعتك الحقة الثابتة بالحُجج والدلائل، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون طريق الحق. 19- إن المبطلين الطامعين فى اتباعك لهم لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئاً أن اتبعتهم، وإن المتجاوزين لحدود الله بعضهم أنصار بعض على الباطل، والله ناصر الذين يخشونه فلا ينالهم ظلم الظالمين. 20- هذا القرآن - المنزل عليك - دلائل للناس تبصرهم بالدين الحق، وهدى يرشدهم إلى مسالك الخير، ونعمة لقوم يستيقنون بثواب الله وعقابه. 21- بل حسب الذين اكتسبوا ما يسوء من الكفر والمعاصى أن نجعلهم كالذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات من الأعمال، فنسوِّى بين الفريقين فى الحياة ونسِّوى بين الفريقين فى الممات؟، بئس ما يقضون إذا أحسوا أنهم كالمؤمنين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الكتاب: أي التوراة لأنها الحاوية للأحكام الشرعية بخلاف الزبور والإنجيل. والحكم: أي الفصل في القضايا بين المتنازعين على الوجه الذي يحقق العدل. والنبوة ورزقناهم من الطيبات: أي جعلنا فيهم النبوة كنبوة موسى وهارون وداود وسليمان، ورزقهم من الطيبات كالمنّ والسلوى وغيرهما. وفضلناهم على العالمين: أي على عالمي زمانهم من الأمم المعاصرة لهم. إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم: أي لم يختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم ببعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بغيا بينهم أي حسداً للعرب أولاد إسماعيل أن تكون النبوة فيهم. ثم جعلناك على شريعة من الأمر: أي ثم جعلناك يا رسولنا على شريعة من أمر الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده. فاتبعها: أي الزم الأخذ بها والسير على طريقها فأنها تفضي بك إلى سعادة الدارين. ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون: من مشركي العرب ومن ضلال أهل الكتاب. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً: أي إنْ أنت تركت ما شرع لك واتبعت ما يقترحون عليك أن تفعله مما يوافق أهواءهم إنك إن اتبعتهم لن يدفعوا عنك من العذاب الدنيوي والآخروي شيئاً. وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض: أي ينصر بعضهم بعضا في الدنيا أما في الآخرة فإنهم لا ينصرون. والله ولي المتقين: أي متوليهم في أمورهم كلها وناصرهم على أعدائهم. هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون: أي هذا القرآن أي أنوار هداية يهتدون به إلى ما يكملهم ويسعدهم، وهدى ورحمة، ولكن لأهل اليقين في إيمانهم فهم الذين يهتدون به ويرحمون عليه أما غير الموقنين فلا يرون هداه ولا يجدون رحمته لأن شكهم وعدم إيقانهم يتعذر معهما أن يعملوا به في جد وصدق وإخلاص. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في طلب هداية قوم النبي صلى الله عليه وسلم فعرض عليهم حالاً شبيهة بحالهم لعلهم يجدون فيها ما يذكرهم ويعظهم فيؤمنوا ويوحدوا قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي أعطينا بني إسرائيل وهم أولاد يعقوب الملقب بإسرائيل وهو ابن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن آتيناهم {ٱلْكِتَابَ} التوراة {وَٱلْحُكْمَ} وهو الفقه بأحكام الشرع والإصابة في العمل والحق فيها ثمرة إيمانهم وتقواهم {وَٱلنُّبُوَّةَ} فجعلنا منهم أنبياء ورسلاً كموسى وهارون ويوسف وداود وسليمان وعيسى، وفضلناهم على العالمين أي على فرعون وقومه من الأقباط، وعلى من جاور بلادهم من الناس، وذلك أيام إيمانهم واستقامتهم، وآتيناهم بينات من الأمر أمر الدين تحملها التوراة والإنجيل {فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} الإلهي يحمله القرآن ونبيه فاختلفوا فيما كان عندهم من الأنباء عن نبيّ آخر الزمان ونعوته وما سيورثه الله وأمته من الكمال الدنيوي والآخروي فحملهم بغي حدث بينهم وهو الحسد على الكفر فكفروا به وكذبوه فهذه الآية نظيرها آية البقرة: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الآية: 89] وكقوله في سورة البينة {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ ٱللَّهِ يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً}تفسير : [الآية: 1-2] وهو محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة، ومن جهة أخرى إعلام منه تعالى بأنه سبحكم بينهم ويفصل ويؤدى كل واحد ثمرة كسبه من خير وشر في هذه الحياة وذلك يوم القيامة. وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلأَمْرِ} أي من أمر ديننا الإسلام الذي هو دين الأنبياء من قبلك فلم تختلف شريعتك في أصولها على شرائعهم، وعليه فاتبعها ولاتَحِدْ عنها متبعا أهواء الذين لا يعلمون من زعماء قريش الذين يقدمون لك اقتراحاتهم من الوقت إلى الوقت ولا أهواء ضلال أهل الكتابين من اليهود والنصارى إنهم جهال لا يعلمون هدى الله، ولا ما هو سبيل النجاة من النار والفوز بالجنة في الآخرة، ولا هو سبيل العزة والكرامة والدولة والقوة في الدنيا. وقوله: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي إنَّك إِنْ اتبعت أهواءهم واستوجبت العذاب لن يدفعوا عنك ولن يكفوك شيئا منه، وقوله: {وَإِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} أي في الدنيا فيتعاونون على الباطل والشر أما في الآخرة فلا ينصر بعضهم بعضا ولا هم ينصرون من قبل أحد والله ولي المتقين، أما المتقون فالله وليهم في الدنيا والآخرة، فعليك بولاية الله، ودع ولاية أعدائه، فإنها لن تغني عنك شيئاً. وقوله تعالى: {هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ} يريد القرآن الكريم إنه عيون القلوب بها تبصر النافع من الضار والحق من الباطل فمن آمن به وعمل بما فيه اهتدى إلى سعادته وكماله ومن لم يؤمن به ولم يعمل بما فيه ضل وشقى. وقوله {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي أن القرآن الكريم كتاب هداية ورحمة عليه يهتدي المهتدون، ويرحم المرحومون وهم الذين أيقنوا بهدايته ورحمته فعملوا به عقائد وعبادات وأحكاماً وآداباً وأخلاقاً فحصل لهم ذلك كما حصل للسلف الصالح من هذه الأمة، وما زال القرآن كتاب هداية ورحمة لكل من آمن به وأيقن فعمل وطبق بجد وصدق أحكامه وشرائعه وآدابه وأخلاقه التي جاء بها وقد كان خلق النبي صلى الله عليه وسلم القرآن لقول عائشة رضي الله عنها في الصحيح كان خلقه القرآن. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن كفر أهل الكتاب كان حسداً للنبي صلى الله عليه وسلم وقومه من العرب. 2- بيان إفضال الله تعالى على بني إسرائيل حيث أعطاهم الكتاب والحكم والنبوة. ومع هذا اختلفوا في الحق حسداً وطمعاً في الرئاسة وإقامة مملكة بني إسرائيل من النيل إلى الفرات. 3- تقرير البعث والجزاء والنبوة والتوحيد. 4- وجوب لزوم تطبيق الشريعة الإسلامية وعدم التنازل عن شيء منها. 5- تقرير ولاية الله تعالى لأهل الإيمان به وتقواه بفعل محابه وترك مساخطه. 6- بيان أن القرآن كتاب هداية وإصلاح، ولا يتم شيء من هداية الناس وإصلاحهم إلا عليه.

القطان

تفسير : الكتاب: التوراة. الحكم: الفصل بين الناس وفهم ما في الكتاب. الطيبات: كل رزق حسن. بيّنات من الأمر: دلائل واضحات من امر الدين. بَغياً: حسدا وعنادا. على شريعة من الأمر: على طريقة ومنهاج في امر الدين، وأصل الشريعة: الماء في الانهار ونحوها مما يَرِدُ الناس عليها، وشريعة الدين يتبصر فيها الناس في امور دينهم. بصائر للناس: معالم للدين يتبصر بها الناس. لقوم يوقنون: يطلبون علم اليقين. يأتي الحديث هنا عن القيادة المؤمنة للبشرية، وأن هذه القيادة تركّزت أخيراً في الاسم. والله سبحانه يُقسِم بأنه اعطى بني إسرائيلَ التوراةَ والحكم بما فيها النبوة، ورَزَقَهم من الخيرات المتنوعة وفضّلهم بكثيرٍ من النعم على الخلْق في عصرهم. وأعطاهم دلائلَ واضحةً في أمرِ دينهم، فما حدثَ فيهم هذا الخلافُ إلا من بعدِ ما جاءهم العلمُ بحقيقة الدين وأحكامه، بغياً بينهم بطلب الرياسة والتكالب على الدنيا، والجشعَ في جمع الأموال. {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. وفي هذا تحذيرٌ لنا يا أمةَ محمد، وقد سلك الكثيرُ منا مسلكهم، واستهوتْهم الدنيا، وغرِقوا في متاعها ولذّاتها، فلْنحذَر الانحدارَ الى الهاوية. ولما بيّن ما آل اليه بنو إسرائيل بإعراضهم عن الحق بغياً وحسَدا، أمر رسولَه الكريم ان يبعد عن هذه الطريقة، وان يستمسك بالحقّ الذي أرسله به. ثم جعلْناك يا محمدُ (بعد بني إسرائيل الذين تقدمتْ صفاتُهم) على نهج خاصٍّ من أمرِ الدين الذي شرعناه لك، فاتبعْ ما أُوحيَ إليك. {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} من المشرِكين الجاهلين، ذلك ان هؤلاء الكافرين لا يدفعون عنك شيئاً من عذابِ الله إنِ اتّبعتهم، وان الكافرين بعضهم أولياء بعض. {وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ} هو ناصرُهم، فلا ينالهم ظلم الظالمين. وهذه كانت بشرى من الله للرسول وللمؤمنين وهم لا يزالون في مكة. وبعد هذا كله يبين الله فضل القرآن، وما فيه من الهداية والرحمة للناس اجمعين فيقول: {هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}. إن هذا القرآن وما فيه من احكام واخلاق وتهذيب دلائلُ للناس تبصّرهم في أمور دينهم ودنياهم، وهدى يرشدُهم إلى مسالك الخير، ورحمةٌ من الله لقوم يوقنون به ويؤمنون بالله ورسوله.

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَا} {ۤ إِسْرَائِيلَ} {ٱلْكِتَابَ} {وَرَزَقْنَاهُمْ} {ٱلطَّيِّبَاتِ} {فَضَّلْنَاهُمْ} {ٱلْعَالَمينَ} (16) - يَذْكُرُ اللهُ تَعَالى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ إِنزَالِ الكُتُبِ عَلَيهم، وَإرسَالِ الرُّسُلِ إِليهِم، وَمِنْ جَعْلِهِ المُلْكَ فِيهِمْ، وَمِنْ رِزْقِهِ إِيَّاهُمْ طَيِّباتِ المآكِلِ وَالمَشَارِبِ، وَمِنْ تَفْضِيلِهِمْ عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِمْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ في أُمَّةٍ منَ الأَنبياءِ مِثْلُمَا كَانَ فِيهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت عانى فيه أشد المعاناة من المعاصرين له من صناديد الكفر عناداً وجحوداً واستكباراً وإيذاءً بالقول وبالفعل وبالمكر والتآمر، فلم يتركوا شيئاً يؤذي رسول الله إلا فعلوه. لذلك يُسلِّيه ربه يقول له: لستَ بدْعاً في ذلك، فقد واجه إخوانك الأنبياء السابقون مثل هذا العنت والتكذيب، فخُذْ من تاريخ الدعوة قبلك سَلْوى، لأنك جئتهم بالحق وهم يريدون الباطل، فلا بدَّ أنْ يصادموك. يقول تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ ..} [الجاثية: 16] أي: التوراة كما أنزل عليك القرآن {وَٱلْحُكْمَ ..} [الجاثية: 16] أي: مقاييس العدل التي بها تستقيم أمور الخلق. والحكم في بني إسرائيل مثل السُّنة عندنا مثلاً؛ لذلك خاطب الحق سبحانه نساء النبي بقوله: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الأحزاب: 34] أي: القرآن {أية : وَٱلْحِكْـمَةِ} تفسير : أي: أحاديث رسول الله. {وَٱلنُّبُوَّةَ ..} [الجاثية: 16] حيث جعل الحق سبحانه النبوة في بني إسرائيل أكثر من أيِّ أمة أخرى، حتى إنهم ليفتخرون على باقي الأمم بهذه المسألة، والواقع أنها ليستْ مجالاً للفخر بل دلتْ على عيب فيهم ومأخذ يُؤخذ عليهم، لأن كثرة الأنبياء تدل على فساد الخلق، فالأمة لا تحتاج إلى رسول جديد إلا إذا استشرى فيها الفساد. إذن: كثرة الأنبياء دلتْ دلتْ على كثرة الفساد فيهم. إذن: كثرة الأنبياء فيهم ليست شهادة لهم، بل عليهم، لذلك وجدناهم يكثرون من قتْل الأنبياء بما لم يحدث في أي أمة أخرى، لذلك وجدناهم يتآمرون لقتل محمد هو الآخر لكن هيهات. الحق سبحانه وتعالى بيَّن لهم أن هذه المسألة خاصة بكم أنتم ومقتصرة على أنبيائكم فقط فحبسها عليهم، فقال تعالى: {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ ..} تفسير : [البقرة: 91] يعني: هذا الكلام كان زمان، أما الآن فلا ولن تتمكنوا منه أبداً. وقوله تعالى: {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ ..} [الجاثية: 16] ومن هذه الطيبات المنّ والسّلْوى التي أنزلها الله عليهم في فترة التيه، حيث لا استقرار ولا أرض تُزرع، فأنزل الله عليهم المنّ وهو سائلٌ يشبه العسل ينزل على أوراق الشجر حبيبات شفافة تتساقط في الصباح، طعمه حلو كأنه خليط من العسل والقشدة. أما السلوى فهو طائر مهاجر مثل السمان ويتوافر فيه البروتين، إذن: من المن والسلوى أعطاهم الغذاء الكامل، ومع ذلك غلبت عليهم ماديتهم، وأرادوا أنْ يأكلوا مما تحت أيديهم مما تُخرج الأرض، يقولون إن هذا الطعام الجاهز قد لا يأتي، فقد لا ينزل المنّ ولا يأتيهم السلوى. لذلك قالوا لموسى: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ..} تفسير : [البقرة: 61]. بل وصلتْ بهم مادّيتهم إلى أن طلبوا من موسى عليه السلام رؤية الحق سبحانه فقالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً ..} تفسير : [البقرة: 55]. وقوله سبحانه: {وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى ٱلْعَالَمينَ} [الجاثية: 16] قالوا: عالَمِي زمانهم، ليست على إطلاقها، لأن بني إسرائيل عاشوا في زمن ساد فيه الكفر والوثنية، وكانوا هم أهلَ كتاب يؤمنون بالله، فكانوا هم أفضلَ ممَّنْ عاصرهم.

الجيلاني

تفسير : كما أخبر سبحانه حكاية عن ضلال بني إسرائيل وانحرافهم عن سواء السبيل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا} بمقتضى فضلنا وجودنا {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ٱلْكِتَابَ} أي: التوراة المبينة لهم طريق الهداية والرشاد {وَٱلْحُكْمَ} أي: الحكمة المنبئة عن العدالة الإلهية في قطع الخصومات {وَٱلنُّبُوَّةَ} أذ أكثر الأنبياء بعث منهم وإليهم {وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ} أي: الرزق الصوري والمعنوي {وَ} بالجملة {فَضَّلْنَاهُمْ} بإفاضة النعم الجليلة عليهم {عَلَى ٱلْعَالَمينَ} [الجاثية: 16] من أهل عصرهم. {وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ} دلائل مبينات منبهات موضحات {مِّنَ ٱلأَمْرِ} أي: التوحيد الذاتي الذي أنت يأ أكمل الرسل تبعث عليه وعلى تبيينه، وبالجملة: {فَمَا ٱخْتَلَفُوۤاْ} في شأنك أي: {إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ} القطع في كتبهم وعلى ألسنة رسلهم بأنك وكتابك ودينك يا أكمل الرسل على الحق، وما أنكروا لك إلا {بَغْياً} وطغياناً ناشئاً بينهم حسداً وعدواناً بلا مستند عقلي أو نقلي، فاصبر يا أكمل الرسل على مضضهم، وغيظهم {بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ} الذي اصطفاك بكرامته، واجتباك لرسالته {يَقْضِي} ويحكم {بِيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [الجاثية: 17] يعني: في شأنك ودينك وكتابك، بعدما عرفوا صدقك وحقية كتابك بالدلائل العقلية والنقلية بأنواع المؤاخذة والمجازاة. {ثُمَّ} اعلم يا أكمل الرسل إنا من مقام فضلنا وجودنا {جَعَلْنَاكَ} تابعاً مقتدياً مقتفياً {عَلَىٰ شَرِيعَةٍ} وطريقة منبئة موضحة {مِّنَ ٱلأَمْرِ} الذي أنت تظهر عليه، وأتيت لتنبيهه، ألا وهي الحقيقة التي هي عبارة عن الوحدة الذاتية الإلهية {فَٱتَّبِعْهَا} أي: الشريعة الموصلة إلى الحقيقة بالعزيمة الخالصة {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 18] فكيف ينكشفون بسرائرها وحكمها، ولا تقبل منهم أباطيلهم الناشئة وآراءهم الفاسدة وأحلامهم السخيفة الكاسدة. وبالجملة: {إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ} غضب {ٱللَّهِ شَيْئاً} إن تعلقت مشيئته بطردك ومقتك بسبب موالاتهم ومتابعتهم {وَ} بالجملة: {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ} الخارجين عن مقتضى الحدود والإلهية، المنحرفين عن جادة العدالة الفطرية {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} لكمال مناسبتهم وموالاتهم؛ إذ الجنسية علة الانضمام وعلامة الالتئام بينهم، فعليك الإعراض والانصراف عنهم وعن موالاتهم {وَٱللَّهُ} المطلع على عموم ما في ضمائر عباده {وَلِيُّ ٱلْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 19] الذين يتقون عن محارم الله، ويوالون ألوياء الله لله وفي الله. {هَـٰذَا} الذي ذكر في كتابك من الأخلاق المرضية، والمنبهة على القسط الحقيقي والعدل الإلهي {بَصَائِرُ لِلنَّاسِ} يبصرهم طريق الهداية، ويوصلهم إلى التوحيد الذاتي، إن استقاموا عليها بالعزيمة الصادقة الصحيحة {وَهُدًى} يهديهم إلى سواء السبيل {وَرَحْمَةٌ} نازلة من قبل الحق {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20] يوفقون للإيمان والإيقان والكشف والعيان.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ولقد أنعمنا على بني إسرائيل نعما لم تحصل لغيرهم من الناس، وآتيناهم { الكتاب } أي: التوراة والإنجيل { والحكم } بين الناس { والنبوة } التي امتازوا بها وصارت النبوة في ذرية إبراهيم عليه السلام، أكثرهم من بني إسرائيل، { وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } من المآكل والمشارب والملابس وإنزال المن والسلوى عليهم { وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ } أي: على الخلق بهذه النعم ويخرج من هذا العموم اللفظي هذه الأمة فإنهم خير أمة أخرجت للناس. والسياق يدل على أن المراد غير هذه الأمة فإن الله يقص علينا ما امتن به على بني إسرائيل وميزهم عن غيرهم، وأيضا فإن الفضائل التي فاق بها بنو إسرائيل من الكتاب والحكم والنبوة وغيرها من النعوت قد حصلت كلها لهذه الأمة، وزادت عليهم هذه الأمة فضائل كثيرة فهذه الشريعة شريعة بني إسرائيل جزء منها، فإن هذا الكتاب مهيمن على سائر الكتب السابقة، ومحمد صلى الله عليه وسلم مصدق لجميع المرسلين. { وَآتَيْنَاهُمْ } أي: آتينا بني إسرائيل { بَيِّنَاتٍ } أي: دلالات تبين الحق من الباطل { مِنَ الأمْرِ } القدري الذي أوصله الله إليهم. وتلك الآيات هي المعجزات التي رأوها على يد موسى عليه السلام، فهذه النعم التي أنعم الله بها على بني إسرائيل تقتضي الحال أن يقوموا بها على أكمل الوجوه وأن يجتمعوا على الحق الذي بينه الله لهم، ولكن انعكس الأمر فعاملوها بعكس ما يجب. وافترقوا فيما أمروا بالاجتماع به ولهذا قال: { فَمَا اخْتَلَفُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ } أي: الموجب لعدم الاختلاف، وإنما حملهم على الاختلاف البغي من بعضهم على بعض والظلم. { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيميز المحق من المبطل والذي حمله على الاختلاف الهوى أو غيره.