٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
20
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ} ابتداء وخبر؛ أي هذا الذي أنزلت عليك براهين ودلائل ومعالم للناس في الحدود والأحكام. وقرىء «هَذِهِ بَصَائِرُ» أي هذه الآيات. {وَهُدًى} أي رشد وطريق يؤدّي إلى الجنة لمن أخذ به. {وَرَحْمَةً} في الآخرة {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هَٰذَا } القرآن {بَصَائِرُ لِلنَّاسِ } معالم يتبصرون بها في الأحكام والحدود {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } بالبعث.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {هَـٰذَا بَصَائِرُ} أي هذا القرآن، جمع خَبَرُهُ باعتبار ما فيه. وقرىء: "هَذِه" رجوعاً إلى الآيات ولأن القرآن بمعناها كقوله: شعر : 4444ـ ........................... سَائِلْ بَنِي أَسَـدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ؟ تفسير : لأنه بمعنى الصيحة، والمعنى بصائر للناس، أي معالم للناس في الحُدُودِ والأحكام يبصرون بها. وتقدم تفسيره في سورة الأعراف {وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} هدى من الضلالة، ورحمة من العذاب لمن اتقى وآمن. قوله: "أَمْ حَسِبَ" أم منقطعة فتقدر ببل والهمزة أو ببل وحدها، أو بالهمزة وَحْدَها وتقدم تحقيق هذا. قوله: "كَالَّذِينَ آمَنُوا" هنو المفعول الثاني للجَعْل، أي أن نَجْعَلَهُمْ كائنين كالذين آمنوا أي لا يحسبون ذلك. وَقَدْ تقدم في سورة الحج أنَّ الأخَوَيْنِ وحفصاً قرأوا هنا: سَوَاءً بالنصب والباقون بالرفع. وتقدم الوعد عليه بالكلام هنا فنقول: أما قراءة النصب ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أن ينتصب على الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور وهما: "كَالَّذِينَ آمَنُوا" ويكون المفعول الثاني للجعل "كالذين آمنوا" أي أحسبوا أنْ نَجْعَلَهُم مثلهم في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ؟ ليس الأمر كذلك. الثاني: أن يكون "سواءً" هو المفعول الثاني للجَعْل. و "كَالَّذِينَ" في محل نصب على الحال، أي أن نجعلهم حال كونهم مِثْلَهم سواءً. وليس معناه بذاك. الثالث: أن يكون "سواه" مفعولاً ثانياً "لحسب". وهذا الوجه نحا إليه أبو البقاء. قال شهاب الدين: وأظنه غلطاً؛ لما سيظهر لك، فإنه قال: ويقرأ بالنصب وفيه وجهان: أحدهما: هو حال من الضمير في "الكاف" أي نجعلهم مثل المؤمنين في هذه الحال. الثاني: أن يكون مفعولاً ثانياً لحسب والكاف حال، وقد دخل استواء محياهم ومماتهم في الحِسْبان وعلى هذا الوجه {مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} مرفوعان (بسواء) لأنه قد قَوِيَ باعتماده انتهى. فقد صرح بأنه مفعول ثاني للحسبان، وهذا لا يصح ألبتّة، لأن "حسب" وأخواتها إذا وقع بعدها "أَنَّ" المشددة و "أَنْ" المخففة أو الناصبة سَدَّت مسدَّ المفعولين، وهنا قد وقع بعد الحسبان "أَنْ" الناصبة، فهي سادّة مسدَّ المفعولين فمِنْ أين يكون "سواءًَ" مفعولاً ثانياً لحسب؟!. فإن قلت: هذا الذي قلته رأي الجمهور، سيبويه وغيره، وأما غيرهم كالأخفش فيدَّعي أنها تسد مسدّ واحدٍ. وإذا تقرر هذا فقد يجوز أن أبا البقاء ذهب المذهب فأَعْرَبَ "أنْ نَجْعَلَهُمْ" مفعولاً أول (لـ "حَسِبَ") و "سَوَاءً" مفعولاً ثانياً. فالجواب: أن الأخفش صرح بأن المفعول الثاني حينئذ يكون محذوفاً، ولئن سلمنا أنه لا يحذف امتنع من وجه آخر وهو أنه قد رفع به (مُحياهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) لأنه بمعنى مستو كما تقدم، ولا ضمير يرجع من مرفوعه إلى المفعول الأول بل رفع أجنبيًّا من المفعول الأول وهو نظير: حَسِبْتُ قِيَامَكَ مُسْتَوِياً ذهابك وعدمه. ومن قرأ بالرفع فيحتمل قراءته وجهين: أحدهما: أن يكون "سواء" خبراً مقدماً، و "مَحْيَاهُم" مبتدأ مؤخراً، ويكون "سواء" مبتدأ و "محياهم" خبره كذا أعربوه. وفيه نظر تقدم في سورة الحج، وهو أنه نكرة لا مسوغ فيها وأنه متى اجتمع معرفة ونكرة جعلت النكرة خبراً لا مبتدأ. ثم في هذه الجملة ثلاثة أوجه: أحدها: أنها استئنافية. والثاني: أنها تبدل من الكاف الواقعة مفعولاً ثانياً. قال الزمخشري: لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد، ألا تراك لو قلت: أن نجعلهم سواءً محياهم ومماتهم كان سديداً، كما تقول: ظَنَنْتُ زَيْداً أبوه مُنْطَلِق. قال أبو حيان: وهذا ـ أعني إبدال الجملة من المفرد ـ أجازه ابن جني وابن مالك ومنعه ابن العِلْجِ، ثم ذكر عنه كلاماً كثيراً في تقريره ذلك. ثم قال: "والذي يظهر أنه لا يجوز ـ يعني ما جوزه الزمخشري ـ قال: لأنها بمعنى التَّصْيِير، ولا يجوز: صَيَّرْتُ زيداً أبوه قائمٌ؛ لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصفٍ فيها، وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكر فلا يجوز. قال شهاب الدين: ولقائل أن يقول: بل فيها انتقال من وصف في الذات إلى وصف فيها، لأن النحاة نصوا على جواز وقوع الحمل صفة وحالاً، نحو: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ أبُوهُ قائِمٌ، وجاء زيد أبوه قائمٌ، فالذي حكموا عليه بالوصفية والحالية يجوز أن يقع في حيِّز التصيير؛ إذ لا فرق بين صفة وصفة من هذه الحيثية. الثالث: أن تكون الجملة حالاً (و) التقدير: أم حسب الكفار أن نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء مَحْيَاهُمْ وَمَماتِهِم؟! ليسوا كذلك بل هم مقترفون. وهذا هو الظاهر عند أبي حيان وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة داخلة في حيِّز الحسبان، وإلى ذلك نحا ابن عطية فإنه قال: مقتضى هذا الكلام أن لفظ الآية خبر، ويظهر أن قوله: سواء محياهم ومماتهم داخل في الحسبة المنكرة السيئة، وهذا احتمال حسن، والأول جيِّد انتهى. ولم يبين كيفية دخوله في الحسبان وكيفة أحد الوجهين الأخيرين إما البدل وإما الحالية كما عرفته. وقرأ الأعمش "سواءً" نصباً محياهُمْ ومَمَاتَهُمْ. بالنصب أيضاً، فأما سواء فمفعول ثان، أو حال كما تقدم. وأما نصب محياهم ومماتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن يكونا ظرفي زمان، وانتصبا على البدل من مفعول (نجعلهم) بدل اشتمال ويكون سواء على هذا هو المفعول الثاني، والتقدير: أنْ نَجْعَلَ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ (سَوَاءً). والثاني: أن ينتصبا على الظرف الزماني، والعامل إما الجعل أو سواء، والتقدير أن نجعلهم في هذين الوقتين سواء أو نجعلهم مُسْتَويَيْنِ في هذين الوقتين. قال الزمخشري مُقرراً لهذه الوجه: ومن قرأ بالنصب جعل "مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتَهُمْ" ظرفين كمقدم الحاجِّ وخُفُوقَ النَّجم. قال أبو حيان: وتمثيله بخفوق النجم ليس بجيد، لأن خفوق مصدر ليس على مَفْعَل فهو في الحقيقة على حذف مضاف أي وقت خُفُوقِ (النَّجْم) بخلاف (محيا) و(ممات) و(مقدم) فإنها موضوعة على الاشتراك بين ثلاثة معان المصدرية والزمانية والمكانية فإذا استعملت مصدراً كان ذلك بطريق الوضع، لا على حذف مضاف كخُفُوق، فإنه لا بد من حذف مضاف، لكونه موضوعاً للمصدرية وهذا أمر قريب، لأنه إنما أراد أنه وقع هذا اللفظ مراداً به الزمان. أما كونه بطريق الأصالة أو الفرعية فلا يضر ذلك. والضمير في "محياهم ومماتهم" يجوز أن يعود على القبيلين بمعنى أن مَحْيَا المؤمنين ومماتهم سواء عند الله في الكرامة، ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في الإهانة عنده. فَلَفَّ الكلام اتكالاً على ذهن السامع وفهمه. ويجوز أن يعود على المجترحين فقط أخبر أن حالهم في الزمانين سواء. وقال أبو البقاء: ويقرأ مَمَاتَهُمْ بالنصب أي محياهم ومماتهم. والعامل: نجعل أو سواء. وقيل: هو ظرف. قال شهاب الدين: هو القول الأول بعينه. (فصل) لما بين الله تعالى الفرق بين الظالمين وبين المتقين من الوجه المتقدم بين الفرق بينهما من وجه آخر فقال: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} (و) كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على شيء آخر سواء كان ذلك المعطوف مذكوراً أو مضمراً. والتقدير: هنا: أفيعلم المشركون هنا أم يحسبون أنا نتولاهم كما نتولى المتقين. والاجتراح: الاكتساب أي اكتسبوا المعاصي والكفر، ومنه الجوارح، وفلان جارحة أهله، أي كاسبهم. قال تعالى: {أية : وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ}تفسير : [الأنعام:60]. وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في عليِّ وحمزة، وأبي عُبيدة بن الجرَّاح ـ رضي الله عنهم ـ وفي ثلاثة من المشركين عُتْبَة، وشيبةً، والوليد بْنِ عُتْبَة قالوا للمؤمنين: والله ما أنتم على شيء فلو كان ما تقولونه حقًّا لكان حالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما كنا أفضل حالاً منكم في الدنيا. فأنكر الله عليهم هذا الكلام، وبين أنه لا يمكن أن يكون حال المؤمن المطيع مساوياً لحال الكافر العاصي في درجات الثواب ومنازل السَّعَادات. ثم قال: {سواءً محياهم ومماتُهُمْ}. قال مجاهد عن ابن عباس: معناه أحسبوا أن حياتَهُم ومماتهم كحياة المؤمنين؟! كلا فإنه يعيشون كافرين ويموتون كافرين والمؤمنون يعيشون مؤمنين ويموتون مؤمنين، فالمؤمن ما دام حياً في الدنيا فإنَّ وليَّه هو الله وأنصاره المؤمنون وحجة الله معه. الكافر بالضِّدِّ منه، كما ذكره الله تعالى في قوله: {وإِنَّ الظَّالِمينَ بَعْضَهُمْ أَوْليَاءُ بَعْض} {واللهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ} والمؤمنون تتوفاهم الملائكة طَيِّبين يقولون: سلام عليكم أدْخلوا الجَنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ وأما الكفار فتتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم. وأما في القيامة فقال تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ}تفسير : [عبس:38ـ42] وقيل: معنى الآية لا يستوون في الممات، كما استووا في الحياة، لأن المؤمن والكافر قد يستويان في الصحة والرزق والكفاية، بل قد يكون الكافر أرجح حالاً من المؤمن، وإنَّما يظهر الفرق بينهم في الممات. وقيل: إنَّ قوله {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} مستأنف والمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء وكذلك محيا الكفار ومماتهم سواء أي كل يموت على حسب ما عاش عليه. ثم إنه تعالى صرح بإنكار التسوية فقال: {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي بئس ما يقضون. قال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تَمِيم الدَّاريِّ، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصْبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد (بها) ويبكي {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ...} الآية. قوله تعالى: {وخلق الله السموات والأرض بالحق} لما بين أن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السَّعادة أتبعه بالدلائل الظاهرة على صحة هذه الفتوى فقال: {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي لو لم يوجد البعث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل لأنه تعالى لو خلق الظالم وسلطه على المظلوم الضعيف ولا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً ولو كان ظالماً لبطل أنه ما خلق السموات والأرض إلا بالحق. وتقدم تقريره في سورة يُونُس. قوله: "بِالْحَقِّ" فيه ثلاثة أوجه إما حال من الفاعل، أو من المفعول أو الباء للسببية. قوله: "وَلتُجْزَى" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون عطفاً على "بالحق" في المعنى، لأن كلاًّ منهما سبب فعطف الصلة على مثلها. الثاني: أنها معطوفة على معلل محذوف، والتقدير: خَلَقَ اللهُ السمواتِ والأَرْضَ ليدل بها على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العالم إظهار العدل والرحمة، وذلك لا يتم إلاَّ إذا حصل البعث والقيامة، وحصل التفاوت بين الدَّركات والدرجات بين المحقين والمبطلين. الثالث: أن تكون لام الصيرورة أي وصار الأمر منها من يث اهتدى بها قوم وضلَّ عنها آخرون. قوله: "أفَرَأْيت" بمعنى أخبرني وتقدم حكمها مشروحاً، المفعول الأوّل من اتخذ والثاني محذوف، تقديره: بعد غشاوة أيهتدي؟ ودل عليه قوله: ِ"فَمَنْ يَهْدِيهِ". وإنما قدرت بعد غشاوة، لأجل صلات الموصول. واعلم أنه تعالى عاد إلى شرح أحوال الكفار، وقبائح طرائقهم فقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قال ابن عباس والحسن وقتادة: وذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخافه. وقرىء "آلِهَتَهُ" هواه، لأنه كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه والمعنى اتخذ معبوده هواه، فيعبد ما تهواه نفسه. قال سعيد بن جبير: كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رَموه وكسروه وعبدوا الآخر. قال الشعبي: إنما سمي الهوى لأنه يَهوِي بصاحبه في النار. قوله: "عَلَى عِلْمٍ" حال من الجلالة أي كَائِناً عَلَى عِلْمٍ منه بعاقبة أمره أنه أهل لذلك. وقيل: حال من المفعول، أي أضله وهو عالم، وهذا أشنع لَهُ. وقرأ الأَعرجُ: آلِهَةً على الجمع، وعنه كذلك مضافة لضميره آلهته هواه. قوله: {وختم على سمعه وقلبه} يسمع الهوى وقلبه لم يعقل الهدى وهو المراد من قوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}تفسير : [البقرة:7] وقد تقدم. قوله: "غشاوة" قرأ الأخوان غَشْوَةً بفتح الغين، وسكون الشين. والأعمش وابن مِصْرف كذلك إلا أنهما كسرا الغين. وباقي السبعة غِشاوة بكسر الغين. وابن مسعود والأعمش أيضاً بفتحها وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة. وعبدالله أيضاً بضمها، وهي لغة محكيَّة وتقدم الكلام في ذلك في أول سورة البقرة، وأنه قرىء هناك بالعَيْن المُهْملة. قوله: {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} أي من بعد إضلال الله إياه. قال الواحدي: ليس يبقى لِلْقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة؛ لأن الله تعالى صرح منعه إياهم عن الهدى بعد أن أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره. ثم قال: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} قرأ العامة بالتشديد، والجَحْدريّ بتخفيفها والأعمش تتذكرون بتاءين. قوله: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} تقدم نظيره. وقرأ زيد بن على نُحْيَا بضم النون. فإن قيل: الحياة متقدمة على الموت في الدنيا فمنكر القيامة كان يجب أن يقول: نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟. فالجواب: من وجوه: الأول: المراد بقوله: "نموت" حال كونهم نُطَفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات وبقوله: "نحيا" ما حصل بعد ذلك في الدنيا. الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا. الثالث: قال الزّجاج: الواو للاجتماع والمعنى: يموت بعضٌ ويحيا بعضٌ. الرابع: قال ابن الخطيب: إنَّه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} ثم قال بعده: {نَمُوتُ وَنَحْيَا} يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا ومنها ما لم يطرأ عليه الموت بعد، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد. قوله: {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} أي وما يُفنينا إلا مرُّ الزمان، وطول العمر، واختلافُ الليل والنهار {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ} الذي قالوه {مِنْ عِلْمٍ} أي لم يقولوه عن علم عَلِموه {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ}. روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: "حديث : قال الله تعالى: "لاَ يَقُل ابْنُ آدَمَ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُرْسِلُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ فَإِذَا شِئْتُ قَبَضْتُها""تفسير : وعنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : لا يَسُبَّ أحدُكُمْ الدَّهْرَ فإنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللهُ، وَلاَ يَقُولَنَّ لِلْعِنَبِ الكرْمَ، فإنََّ الكَرْمَ هُوَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ"تفسير : . ومعنى الحديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل، لأنهم كانوا ينسبون إليه ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون: أصابتهم قوارعُ الدهر، وأبادهم الدهرُ، كما أخبر الله عنهم: {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد سبوا فاعلها فكان يرجع سَبُّهم إلى الله ـ عز وجل ـ؛ إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهُوا عن سبِّ الدهر. قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قرأ العامة بنصب "حجتهم". وزيدُ بْنُ عليٍّ، وعمروُ بْنُ عُبَيد، وعُبَيْدُ ابن عَمرو بالرفع وتقدم تأويل ذلك و "ما كان" جواب "إذا" الشرطية. وجعله أبو حيان دليلاً على عدم إعمال جواب "إذا" فيها لأن "ما" لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. قال: وخالفت غيرها من أدوات الشرط، حيث لم يقترن بالفاء جوابها إذا نفي بما. فصل سمى قولهم حجة لوجوه: الاول: لزعمهم أنه حجة. الثاني: أن من كانت حجته هذا فليس له ألبتة حجة كقوله: شعر : 4445ـ ............................... تَحِيَّـةُ بَيْنِهِـمْ ضَـرْبٌ وَجيــعُ تفسير : الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. واعلم أنهم احتجوا على إنكار البعث بهذه الشبهة وهي شبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال يجب أن يمتنع حصوله فإن كان حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي خلقنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عدم حُصُولِنا في الأزل إلى وقت خلقنا يدل على امتناع حصولنا وذلك باطلٌ. قوله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ}. فإن قيل: هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول: {ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدَّهر} وهذا القائل ينكر وجود الإله ووجود القيامة فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله: {قُل ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ}؟ وهل هذا إلا إثْبَات الشيء بنفسه، وهو باطل؟!. فالجواب: أنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الإله القادر الفاعل الحكيم مراراً فقوله: ههنا: {قُل ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ} إشارة إلى تلك الدلائل التي بينها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أنّ الإحياء من الله، وثبت أن الإعادة مثل الإحياء ألأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله ثبت أن الله تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقاً. وقوله تعالى: {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} إشارة إلى ما تقدم في الآية المتقدمة، وهو أن كونه تعالى عادلاً خالقاً منزهاً عن الجَوْز والظلم يقتضي صحة البعث والقيامة، ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} دلالة حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداء، وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.
البقاعي
تفسير : ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان، الفائت لقوى الإنسان، قال مترجماً عنه: {هذا} أي الوحي المنزل. ولما كان في عظم بيانه وإزالة اللبس عن كل ملبس دق أو جل بحيث لا يلحقه شيء من خفاء، جعله نفس البصيرة، مجموعة جمع كثرة بصيغة منتهى الجموع كما جعله روحاً فقال: {بصائر للناس} أي الذين هم في أدنى المراتب، يبصرهم بما يضرهم وما ينفعهم، فما ظنك بمن فوقهم من الذين آمنوا ثم الذين يؤمنون ومن فوقهم. ولما بين ما هو لأهل السفول، بين ما هو لأهل العلو فقال تعالى: {وهدى} أي قائد إلى كل خير، مانع من كل زيغ {ورحمة} أي كرامة وفوز ونعمة {لقوم يوقنون *} أي ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له أبداً. ولما كان التقدير بعد هذا البيان الذي لم يدع لبساً في أمر الحساب بما حده من الملك الذي يوجب ما له من العظمة والحكمة أن يحاسب عبيده لثواب المحسن وعقاب المسيء: أعلم هؤلاء المخاطبون - لأنهم لا يعدون أن يكونوا من الناس أو من الذين يوقنون بهذه البصائر لما لهم من حسن الغرائز المعلية لهم عن حضيض الحيوان إلى أوج الإنسان أنا نفرق بين المسيئين الذين بعضهم أولياء بعض وبين المحسنين الذين نحن أولياؤهم، عطف عليه سبحانه وتعالى قوله: {أم} قال الأصبهاني: قال الإمام: كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفاً على آخر سواء كان المعطوف مذكوراً أو مضمراً - انتهى. وكان الأصل: حسبوا، ولكنه عدل عنه للتنبيه على أن ارتكاب السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما أفاده التعبير بالحسبان كما تقدم بيانه في البقرة فقال: {حسب الذين اجترحوا} أي فعلوا بغاية جهدهم ونزوع شهواتهم {السيئات أن نجعلهم} مع ما لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة {كالذين آمنوا وعملوا} تصديقاً لإقرارهم ظاهراً وباطناً وسراً وعلانية {الصالحات} بأن نتركهم بلا حساب للفصل بين المحسن والمسيء. ولما كانت المماثلة مجملة، بينهما استئنافاً بقوله مقدماً ما هو عين المقصود من الجملة الأولى: {سواء} أي مستو استواء عظيماً {محياهم ومماتهم} أي حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه في الارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني. ولما كان هذا مما لا يرضاه أحد لمن تحت يده ولا لغيره، قال معبراً بمجمع الذم: {ساء ما يحكمون *} أي بلغ حكمهم هذا في نفسه ولا سيما وهم بإصرارهم عليه في تجديد له كل ساعة أقصى نهايات السوء، فهو مما يتعجب منه، لأنه لا يدري الحامل عليه، وذلك أنه نسبوا الحكيم الذي لا حكيم في الحقيقة غيره إلى ما لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده. ولما أنكر التسوية وذمهم على الحكم بها، أتبع ذلك الدليل القطعي على أن الفريقين لا يستويان وإلا لما كان الخالق لهذا الوجود عزيزاً ولا حكيماً، فقال دالاً على إنكار التسوية وسوء حكمهم بها، عاطفاً على ما تقديره: فقد خلق الله الناس كلهم بالحق وهو الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، وهو ثبات أعمال المحسنين وبطلان أفعال المسيئين، عطف عليه قوله: {وخلق الله} أي الذي له جميع أوصاف الكمال ولا يصح ولا يتصور أن يحلقه نوع نقص {السماوات والأرض} اللتين هما ظرف لكم وابتدئت السورة بالتنبيه على آياتهما، خلقاً ملتبساً {بالحق} فلا يطابق الواقع فيهما أبداً شيئاً باطلاً، فمتى وجد سبب الشيء وانتفى مانعه وجد، ومتى وجد مانع الشيء وانتفى سببه انتفى، لا يتخلف ذلك أصلاً، ولذلك جملة ما وقع من خلقهما طابقه الواقع الذي هو قدرة الله وعلمه وحكمته وجميع ما له من صفات الكمال التي دل خلقهما عليها، فإذا كان الظرف على هذا الإحكام فما الظن بالمظروف الذي ما خلق الظرف إلا من أجله، هل يمكن في الحكمة أن يكون على غير ذلك فيكون الواقع الذي هو تفضيل المحسن على المسيء غير مطابق لأحوالهم، ومن جملة المظروف ما بينهما فلذا لم يذكر هنا، ولو كان ذلك من غير بعث ومجازاة بحسب الأعمال لما كان هذا الخلق العظيم بالحق بل بالباطل الذي تعالى عنه الحكيم فكيف وهو أحكم الحاكمين. ولما كان التقدير: ليكون كل مسبب مطابقاً لأسبابه، عطف عليه قوله: {ولتجزى} بأيسر أمر {كل نفس} أي منكم ومن غيركم {بما} أي بسبب الأمر الذي. ولما كان السياق للعموم، وكان المؤمن لا يجزى إلا بما عمله على عمد منه وقصد ليكتب في أعماله، عبر بالكسب الذي هو أخص من العمل فقال: {كسبت} أي كسبها من خير أو شر، فيكون ما وقع الوعد به مطابقاً لكسبها {وهم} أي والحال أنهم {لا يظلمون *} أي لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير موضعه، وهذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل، ولو وجد منه سبحانه غير ذلك لم يكن ظلماً منه لأنه المالك المطلق والملك الأعظم، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم لهم في نفس الأمر، فهذا الخطاب إنما هو على ما نتعارفه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر.
القشيري
تفسير : أنوارُ البصيرةِ إذا تلألأتْ انكشفت دونها تهمةُ التجويز. وَنَظَرُ الناسِ على مراتب: فمِنْ ناظرٍ بنور نجومه - وهو صاحب عقل، ومن ناظرٍ بنو فراسته وهو صاحب ظنِّ يُقَوِّيه لَوْحٌ - ولكنه من وراء السَّرِّ، ومن ناظرٍ بيقين عِلْم بحكم برهانٍ وشَرْطِ فكْرٍ، ومِنْ ناظرٍ بعين إيمان بوصف اتِّباع، ومن ناظرٍ بنور بصيرةٍ هو على نهار، وشمسُه طالعة وسماؤه من السحاب مصحية.
اسماعيل حقي
تفسير : {هذا} القرءآن {بصائر للناس} فان ما فيه من معالم الدين والشرآئع بمنزلة البصائر فى القلوب كأنه بمنزلة الروح والحياة فمن عرى من القرءآن فقد عدم بصره وبصيرته وصار كالميت والجماد الذى لا حس له ولا حياة فحمل البصائر على القرءآن باعتبار اجزآئه ونظيره قوله تعالى فـ {أية : قد جاءكم بصائر من ربكم} تفسير : اى القرءآن وآياته وقوله تعالى فى حق الآيات التسع لموسى عليه السلام {أية : قال لقد علمت ما انزل هؤلاء الا رب السموات والارض بصائر} تفسير : والبصائر جمع بصيرة وهو النور الذى به تبصر النفس المعقولات كما ان البصر نور به تبصر العين المحسوسات ويجوز أن يكون هذا اشارة الى اتباع الشريعة فحمل البصائر عليه لان المصدر المضاف من صيغ العموم فكأنه قيل جميع اتباعاتها {وهدى} من ورطة الضلالة {ورحمة} عظيمة ونعمة كاملة من الله فان الفوز بجميع السعادات الدنيوية والاخروية انما يحصل به {لقوم يوقنون} من شأنهم الايقان بالامور وبالفارسية مركروهى راكه بىكمان شوند يعنى از باديه كمان كذشته طالب سرمنزل يقين باشند وفى التأويلات النجمية المستعدين للوصول الى مقام اليقين بأنوار البصيرة فاذا تلألأت انكشف بها الحق والباطل فنظر الناس على مراتب من ناظر بنور العقل ومن ناظر بنور الفراسة ومن ناظر بنور الايمان ومن ناظر بنور الايقان ومن ناظر بنور الاحسان ومن ناظر بنور العرفان ومن ناظر بنور العيان ومن ناظر بنور العين فهو على بصيرة شمسها طالعة وسماؤها عن السحاب مصحية انتهى وعن النبى عليه السلام "حديث : القرءآن يدلكم على دائكم ودوائكم اما داؤكم فالذنوب واما دواؤكم فالاستغفار" تفسير : وأعظم الذنوب الشرك وعلاجه التوحيد وهو على مراتب بحسب الافعال والصفات والذات وللاشارة الى المرتبة الاولى قال تعالى {أية : وعلى الله فليتوكل المؤمنون} تفسير : فان التوكل نتيجة توحيد الافعال والتوكل كلمة الامر كله الى مالكه والتعويل على وكالته وللاشارة الى المرتبة الثانية قال تعالى {أية : يا ايتها النفس المطمئنة ارجعى الى ربك راضية مرضية} تفسير : فان الرضى لارادته الازلية وترك الاعتراض وسرور القلب بمر القضاء ثمرة توحيد الصفات ومن هذا المقام قال ابو على الدقاق رحمه الله التوحيد هو أن يقرضك بمقاريض القدرة فى امضاء الاحكام قطعة قطعة وانت ساكت حامد وللاشارة الى المرتبة الثالثة قال تعالى {أية : كل شئ هالك الا وجهه} تفسير : (حكى) ان واحدا من اصحاب ابى تراب النخشبى توجه الى الحج فزار ابا يزيد البسطامى قدس سره فسأله عن شيخه فقال انه يقول لو صارت السماء والارض حديدا ما شككت فى رزقى فاستقبحه ابو يزيد لان فيه فناء الافعال دون الصفات والذات وقال كيف تقوم الارض التى هو عليها فرجع فأخبر القصة لابى تراب فقال قل له كيف انت فجاء وسال فكتب بسم الله الرحمن الرحيم بايزيد نيست فلما رآه ابو تراب وكان فى الاحتضار قال آمنت بالله ثم توفى قال مولانا قدس سره هيج بغضى نيست در جانم زتو زانكه اين را من نمى دانم زتو آلت حقى توفاعل دست حق جون زنم بر آلت حق طعن ودق (وقال ايضا) آدمى راكى رسد اثبات تو اى بخود معروف وعارف ذات تو. فعليك بتدبر الآيات القرءآنية والانتفاع بالبصائر النورانية لتكون من العلماء الربانية قال بعض الكبار العلماء اربعة عالم حظه من الله الله وهو مقام السر والحقيقة قال الله تعالى {أية : شهد الله انه لا اله الا هو} تفسير : وعالم حظه من الله العلم والمعرفة بالله وهو مقام الروح والمعرفة وعالم حظه علم السير الى الله وهو مقام النفس والطريقة وعالم حظه علم السير الى الآخرة وهو مقام الطبيعة والشريعة لانه بالاعمال الصالحة يحصل السير الاخروى واعلى الكل هو الاول قال بعض الكبار رأيت ابا يزيد قعد فى مسجد بعد العشاء الى الصبح فقلت اخبرنى عما رأيت فقال ارانى الله ما فى السموات والارض ثم قال ما اعجبك فقلت ما اعجبنى غيرك فبعضهم طلب منك المشى على الماء وبعضهم كرامة اخرى وانا لا اريد غيرك قال فقلت له لم لم تطلب منه معرفته فقال مه لا اريد أن يعرفه غيره قال بعضهم مقام التوحيد فوق مقام المعرفة (حكى) ان اثنين من الفقرآء التقيا فتكلما على المعارف الآلهية كثيرا ثم قال احدهما للآخر رضى الله عنك اذ حصل لى ذوق عظيم من صحبتك من المعارف وقال الآخر ولا رضى عنك اذا استقطعتنى بصحبتك من مقام التوحيد الى مقام المعرفة فاذا كملت المعرفة حصل الشهود والفناء والسكون (قال الشيخ سعدى) اى مرغ سحر عشق زبروانه بياموز. كان سوخته را جان شدو آوز نيامد. اين مدعيان در طلبش بى خبرانند. كانراكه خبرشدخبرى بازنيامد (وقال) كركسى وصف اوزمن برسد بى ذل ازبى نشان جه كويدباز. عاشقان كشتكان معشوقند. برنيايدز كشتكان آواز نسأل الله سبحانه وتعالى ان يجعلنا من الجامعين للمراتب والواصلين الى اعلى المطالب فان له ملك الوجود ومنه الكرم والفيض والوجود والارشاد الى حقيقة الفناء والسجود
الجنابذي
تفسير : {هَـٰذَا} المذكور من اوّل السّورة او هذا القرآن او قرآن ولاية علىٍّ او علىّ (ع) {بَصَائِرُ} ما يتبصّر به لكن لمّا لم يكن بدون الولاية يحصل بصيرة لاحدٍ كان المراد به الولاية {لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ} فى المنزلة والمقام {كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المراد بالايمان ههنا البيعة الخاصّة، او الحال الحاصلة بالبيعة الخاصّة او البيعة العامّة او الحال الحاصلة بالبيعة العامّة، وعلى هذا يكون المراد بالعمل الصّالح البيعة الخاصّة {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} الضّمير ان لمجترحى السّيّئات يعنى حالكونهم لا ننظر اليهم والى اعمالهم ومجازاتها او للفريقين والمعنى واضح {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ ٱللَّهُ} جملة حاليّة يعنى والحال انّ الله خلق {ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} ولازم خلقتهما بالحقّ ان لا يكون شيءٌ فيهما لغواً {وَلِتُجْزَىٰ} اى خلق لتجزى {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} بنفس ما كسبت او بجزاء ما كسبت {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فى ذلك لانّ الجزاء نتيجة اعمالهم فاذا كان الامر فى هذا المنوال فكيف يهملهم ولا يحييهم فى الآخرة.
الهواري
تفسير : قوله: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ} يعني القرآن، أي: لمن آمن به {وَهُدًى} يهتدون به إلى الجنة. {وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ} وهم المؤمنون. والمؤمن الموقن واحد. قوله عزّ وجلّ: {أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا} أي اكتسبوا {السَّيِّئَاتِ} والسيئات ها هنا الشرك. {أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وذلك كقول أحدهم {وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي}، كما تقولون، {إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى}، أي الجنة، إن كانت جنة، أي: لا نجعلهم مثلهم؛ الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنة، والمشركون في النار. قال: {سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ} وهي تقرأ على وجهين: مقرأ مجاهد بالرفع؛ سواءٌ محيا المؤمن ومماته، هو في الدنيا مؤمن وفي الآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا كافر، وفي الآخرة كافر. ومقرأ الحسن: (سَوَاءً) بالنصب، على معنى أن يكونوا، يعني المؤمنين والمشركين، سواء فيما حسب المشركون، أي: ليسوا سواء. أي: إن مات المؤمنون على الإيمان يرزقون الجنة، وأما المشركون الذين ماتوا على الشرك فهم يدخلون النار. قال الله عز وجل: {سَاء} أي: بئس {مَا يَحْكُمُونَ} أي: أن نجعلهم سواء. قوله: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: للبعث والحساب والجنة والنار. قال الله عز وجل: {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.
اطفيش
تفسير : {هَذَا} القرآن* {بَصَآئِرُ} بينات تبصرهم الدين هي في القلب كالبصر في الوجه والمفرد البصيرة وهى المعتقد الوثيق في الشيء* {وَهُدًى} من الضلال وقرئ (هذه) أي (هذه الآيات) بصائر وهدى* {وَرَحْمَةٌ} أي نعمة* {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} يطلبون اليقين أو يصدقون بالبعث
اطفيش
تفسير : {هَذا} أى القرآن أو الأمر المشروع منه، ومن سائر الوحى اليك أو الاتباع المعلوم من قوله: "تعبها" ولتعدد ما تضمنه اسم الاشارة المفرد أخبر عنه بالجمع إذ قال {بصائر للنَّاس} أى بمنزلة البصائر فى القلوب، مع أنه ما هو إلا سببها، أو بمنزلة العيون التى يبصر بها، فانه مشتمل على معالم الدين {وهُدى} من الجهل والضلال والهلاك {ورحْمةٌ} عظيمة {لقوم يُوقنُونَ} خارجين عن الشك، وليس لفظ القوم دالا على المدح، كما قيل: ولو كان أصله من القيام، وإنما يدل أمر خارج كالايقان، وكسب الخير، وعمل القوم عملا حسنا ألا ترى إن أطلق على الأقوام الكفرة كعاد وثمود، ودعوى أنه عبر عنهم بما هو عندهم من المدح غير ظاهر، ولا دليل عليه، وخلاف الأصل، واذا مدح الرجل بقولك يا ابن القوم، فانما هو فيمن قومه كرام، أو ادعى لهم الكرم، ولا يقال لكل أحد يا ابن القوم.
الالوسي
تفسير : {هَـٰذَا } أي القرآن {بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } فإن ما فيه من معالم الدين وشعائر الشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، وقيل: الإشارة إلى اتباع الشريعة والكلام من باب التشبيه البليغ، وجمع الخبر على الوجهين باعتبار تعدد ما تضمنه المبتدأ واتباع مصدر مضاف فيعم ويخبر عنه بمتعدد أيضاً. وقرىء {هَـٰذِهِ } أي الآيات {وَهُدًى} جليل من ورطة الضلالة {وَرَحْمَةٌ } عظيمة {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } من شأنهم الإيقان بالأمور.
ابن عاشور
تفسير : إن كانت الإشارة إلى الكلام المتقدم وما فيه من ضرب المثل بموسى وقومه ومن تفضيل شريعة محمد على شريعة موسى عليهما الصلاة والسلام والأمر بملازمة اتباعها والتحذير من اتباع رغائب الذين لا يعلمون، فهذه الجملة بمنزلة التذييل لما قبلها والتهيئةِ لأغراضها تنبيهاً لما في طيها من عواصمَ عن الشك والباطل بمنزلة قوله تعالى بعد عدة آيات في آخر سورة الأحقاف (35) { أية : بلاغ } تفسير : وقوله في سورة الأنبياء (105، 106) { أية : ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون إن في هذا لبلاغاً لقومٍ عابدين }. تفسير : وإن كانت الإشارة إلى القرآن إذ هو حاضر في الأذهان كانت الجملة استئنافاً أعيد بها التنويه بشأن القرآن ومتبعيه والتعريضُ بتحميق الذين أعرضوا عنه، وتكون مفيدة تأكيد قوله آنفاً { أية : هذا هدىً والذين كفروا بآيات ربّهم لهم عذابٌ من رجزٍ أليم } تفسير : [الجاثية: 11]، وتكون الجملة المتقدمة صريحة في وعيد الذين كفروا بآياته وهذه تعريضاً بأنهم لم يَحْظَواْ بهذه البصائر، وكلا الاحتمالين رشيق، وكل بأن يكون مقصوداً حقيق. و{بصائر}: جمع بصيرة وهي إدراك العقل الأمور على حقائقها، شبهت ببصر العين، وفرق بينهما بصيغة فعلية للمبالغة قال تعالى: { أية : أدْعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومَن اتّبعني } تفسير : في سورة يوسف (108). وقال: { أية : قال لقد علمتَ ما أنزل هؤلاء إلا ربّ السماوات والأرض بصائر } تفسير : في سورة الإسراء (102) وقوله: { أية : ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس } تفسير : في سورة القصص (43). ووصف الآيات السابقة أو القرآن بالبصائر مجاز عقلي لأن ذلك سبب البصائر. وجمع البصائر: إن كانت الإشارة إلى القرآن باعتبار المتبصرين بسببه كما اقتضاه قوله: للناس} لأن لكل أحد بصيرته الخاصة فهي أمر جزئي بالتبع لكَون صاحبِ كل بصيرة جزئياً مشخصاً فناسب أن تُورد جمعاً، فالبصيرة: الحاسَّة من الحواس الباطنة، وهذا بخلاف إفراد {هدى ورحمة} لأن الهدى والرحمة معنيان كليان يصلحان للعدد الكثير قال تعالى: { أية : هدى للناس } تفسير : [آل عمران: 4] وقال: { أية : وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين } تفسير : [الأنبياء: 107]. وإنما كان هدى لأنه طريق نفع لمن اتبع إرشاده فاتباعه كالاهتداء للطريق الموصلة إلى المقصود. وإنّما كان رحمة لأن في اتباع هديه نجاح الناس أفراداً وجَماعاتٍ في الدنيا لأنه نظام مجتمعهم ومناط أمنهم، وفي الآخرة لأنه سبب نوالهم درجات النعيم الأبدي. وكان بصائر لأنه يبين للناس الخير والشر ويحَرضهم على الخير ويحذرهم من الشر ويعدهم على فعل الخير ويوعدهم على فعل الشرور فعمله عمل البصيرة. وجُعل البصائر للناس لأنه بيان للناس عامة وجعل الهدى والرحمة لقوم يوقنون لأنه لا يهتدي ببيانه إلا الموقن بحقيقته ولا يرحم به إلا من اتبعه المؤمن بحقيته. وذكر لفظ (قوم) للإيماء إلى أن الإيقان متمكن من نفوسهم كأنه من مقومات قوميتهم التي تميزهم عن أقوام آخرين. والإيقان: العلم الذي لا يتردد فيه صاحبه. وحذف متعلقه لأنه معلوم بما جاءت به آيات الله.
الشنقيطي
تفسير : الإشارة في قوله {هذا} للقرآن العظيم. والبصائر جمع بصيرة والمراد بها البرهان القاطع الذي لا يترك في حق لبساً كقوله تعالى:{أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ}تفسير : [يونس: 108] أي على علم ودليل واضح. والمعنى أن هذا القرآن براهين قاطعة، وأدلة ساطعة، على أن الله هو المعبود وحده، وأن ما جاء به محمد حق. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن القرآن بصائر للناس جاء موضحاً في مواضع أخر من كتاب الله كقوله تعالى في أخريات الأعراف {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الأعراف: 203] وقوله تعالى في الأنعام {أية : قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}تفسير : [الأنعام: 104]. وما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة، ذكر تعالى مثله في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}تفسير : [القصص: 43]. وما تضمنته آية الجاثية هذه من كون القرآن هدى ورحمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع. أما كونه هدى فقد ذكرنا الآيات الموضحة قريباً. وأما كونه رحمة فقد ذكرنا الآيات الموضحة له في الكهف في الكلام على قوله تعالى{أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا}تفسير : [الكهف: 65]، وفي أولها في الكلام على قوله تعالى {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَاب}تفسير : [الكهف: 1]. وفي فاطر في الكلام على قوله تعالى{أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}تفسير : [فاطر: 2]. وفي الزخرف في الكلام على قوله:{أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ}تفسير : [الزخرف: 32] الآية. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي لأنهم المنتفعون به. وفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف. وهو أن المبتدأ الذي هو قوله {هذا} اسم إشارة إلى مذكر مفرد، والخبر الذي هو بصائر جمع مكسر مؤنث. فيقال: كيف يسند الجمع المؤنث المكسر إلى المفرد المذكر؟ والجواب: أن مجموع القرآن كتاب واحد، تصح الإشارة إليه بهذا، وهذا الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله عليها كما لا يخفى.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَصَائِرُ} (20) - إِنَّ هذا القُرآنَ هُدى ودَلائِلُ للنَّاسِ فِيمَا يحتَاجُونَ إِليهِ في أَمرِ دِينِهم، وَهُوَ بَيِّنَاتٌ تُبَصِّرُهُم، وَتُعَرِّفُهُم بِواجِبَاتِهِمْ نَحْوَ رَبِّهمْ، وَهُوَ هُدًى يَهدِيهم إِلى مَا فيهِ خَيرهُمُ وَصَلاحُ أمرِهِم، وَفيهِ الرَّحمةُ لِقومٍ يُوقِنُونَ بِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ رَبِّ العَالمينَ. بَصَائِرُ للنَّاسِ - بَيِّنَاتٌ تُبَصِّرُهُمْ سَبيل الفَلاَحِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة {بَصَائِرُ ..} [الجاثية: 20] جمع بصيرة، وهي ما يُوجد في وجدان الإنسان من نور الحق، فالبصر يرى الماديات، والبصيرة ترى المعنويات والقيم وتميزها. إذن: محلها القلب، فهي نور يقذفه الله تعالى في قلب عبده، نقول: فلان عنده بصيرة، يعني: نظر ثاقب للأمور، ويمكنه أنْ يتنبأ بالشيء فيأتي وفْقَ تنبؤه. والهدى أو الهداية أنْ تصلَ إلى الحق من أقرب طريق وأيسره عليك، فليس في الهدى مشقَّة، لذلك وصف اللهُ المؤمنين بقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..} تفسير : [البقرة: 5] فهم على الهدى كأنه دابةٌ تحملهم إلى غايتهم، وإلى مراد الحق منهم. {وَرَحْمَةٌ ..} [الجاثية: 20] هذه كلها أوصاف للقرآن الكريم، فهو بصائر للناس وهو هدى وهو رحمة، وفي آية أخرى قال سبحانه: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..} تفسير : [الإسراء: 82]. وقلنا: هناك فَرْق بين الشفاء والرحمة، فالشفاء يعني وجودَ داءٍ يعالجه القرآن أو اعوجاج يُقوِّمه القرآن ويُصحِّح مساره، فالقرآن يجبر ما فينا من نقص، ومن تقصير، ومن غفلة، ومن انحراف ويُعدل مسارنا إلى الطريق الصحيح وإلى الحركة البناءة. مثل التلميذ حين ينصرف عن دروسه، فإنه يرسب ويفشل فإنْ عاد إلى الصواب وذاكر ينجح كذلك، فنحن إنْ غفلنا عن كتاب ربنا وعن منهجه أصابتنا الأمراض فإنْ عُدْنا إليه شفانا. أما الرحمة فتعني ألاَّ يأتي الداءُ أصلاً. وقوله سبحانه: {هَـٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [الجاثية: 20] أي: أن هذا الأثر للقرآن لا يكون إلا للموقنين المؤمنين به وبصدقه، وأنه هو المنهج الحق الذي يحوي النور والهداية والشفاء والرحمة.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: { هَذَا } القرآن الكريم والذكر الحكيم { بَصَائِر لِلنَّاسِ } أي: يحصل به التبصرة في جميع الأمور للناس فيحصل به الانتفاع للمؤمنين، والهدى والرحمة. { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } فيهتدون به إلى الصراط المستقيم في أصول الدين وفروعه ويحصل به الخير والسرور والسعادة في الدنيا والآخرة وهي الرحمة. فتزكو به نفوسهم وتزداد به عقولهم ويزيد به إيمانهم ويقينهم، وتقوم به الحجة على من أصر وعاند.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):