Verse. 4494 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

اَمْ حَسِبَ الَّذِيْنَ اجْتَرَحُوا السَّيِّاٰتِ اَنْ نَّجْعَلَہُمْ كَالَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ۝۰ۙ سَوَاۗءً مَّحْيَاہُمْ وَمَمَاتُہُمْ۝۰ۭ سَاۗءَ مَا يَحْكُمُوْنَ۝۲۱ۧ
Am hasiba allatheena ijtarahoo alssayyiati an najAAalahum kaallatheena amanoo waAAamiloo alssalihati sawaan mahyahum wamamatuhum saa ma yahkumoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم» بمعنى همزة الإنكار «حسب الذين اجترحوا» اكتسبوا «السيئات» الكفر والمعاصي «أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً» خبر «محياهم ومماتهم» مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من الكاف والضميران للكفار، المعنى: أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين في رغد من العيش مساو لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين: لئن بعثنا لنُعطى من الخير مثل ما تعطون قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة: «ساءَ ما يحكمون» أي ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب على خلاف عيشهم في الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بعملهم الصالحات في الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك، وما مصدرية، أي بئس حكماً حكمهم هذا.

21

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} أي ٱكتسبوها. والاْجتراح: الاْكتساب؛ ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة. {أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} قال الكلبي: «الَّذِينَ اجْتَرَحُوا» عُتبة وشَيبة ٱبنا ربيعة والوليد بن عتبة. و «الَّذِينَ آمَنُوا» عليّ وحمزة وعُبيدة بن الحارث ـ رضي الله عنهم ـ حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم. وقيل: نزلت في قوم من المشركين قالوا: إنهم يعطون في الآخرة خيراً مما يعطاه المؤمن؛ كما أخبر الربّ عنهم في قوله:{أية : وَلَئِن رُّجِّعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ} تفسير : [فصلت: 50]. وقوله: «أَمْ حَسِبَ» ٱستفهام معطوف معناه الإنكار. وأهل العربية يجوّزون ذلك من غير عطف إذا كان متوسطاً للخطاب. وقوم يقولون: فيه إضمار؛ أي والله وليّ المتقين أفيعلم المشركون ذلك أم حسبوا أنا نسوّي بينهم. وقيل: هي أم المنقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان. وقراءة العامة «سَوَاءٌ» بالرفع على أنه خبر ٱبتداء مقدّم، أي محياهم ومماتهم سواء. والضمير في «مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ» يعود على الكفار، أي محياهم محيا سوء ومماتهم كذلك. وقرأ حمزة والكسائي والأعمش «سَوَاء» بالنصب، واختاره أبو عبيد قال: معناه نجعلهم سواء. وقرأ الأعمش أيضاً وعيسى بن عمر «وَمَمَاتَهم» بالنصب؛ على معنى سواء في محياهم ومماتهم؛ فلما أسقط الخافض انتصب. ويجوز أن يكون «مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ» بدلاً من الهاء والميم في نجعلهم؛ المعنى: أن نجعل محياهم ومماتهم سواء كمحيا الذين آمنوا ومماتهم. ويجوز أن يكون الضمير في «مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ» للكفار والمؤمنين جميعاً. قال مجاهد: المؤمن يموت مؤمناً ويبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويبعث كافراً. وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرّة عن أبي الضّحا عن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يُصبح يقرأ آية من كتاب الله ويركع ويسجد ويبكي {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية كلها. وقال بشير: بِتّ عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي فمرّ بهذه الآية فمكث ليله حتى أصبح لم يَعْدُها ببكاء شديد. وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيراً ما رأيت الفُضيل بن عياض يردّد من أوّل الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟ وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون؛ كما قال عز وجل: {أية : لاَ يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} تفسير : [الحشر: 20] وقال تبارك وتعالى هاهنا: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَـٰتِ} أي: عملوها وكسبوها {أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءً مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ} أي: نساويهم بهم في الدنيا والآخرة {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي: ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار، في الدار الآخرة وفي هذه الدار. قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مؤمل بن إهاب، حدثنا بكير بن عثمان التنوخي، حدثنا الوضين بن عطاء عن يزيد بن مرثد الباجي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إن الله تعالى بنى دينه على أربعة أركان، فمن صبر عليهن، ولم يعمل بهن، لقي الله من الفاسقين، قيل: وما هن يا أبا ذر؟ قال: يسلم حلال الله لله، وحرام الله لله، وأمر الله لله، ونهي الله لله، لا يؤتمن عليهن إلا الله. قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم «حديث : كما أنه لا يجتنى من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار»تفسير : . هذا حديث غريب من هذا الوجه، وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أنهم وجدوا حجراً بمكة في أس الكعبة مكتوب عليه: تعملون السيئات، وترجون الحسنات، أجل كما يجنى من الشوك العنب. وروى الطبراني من حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن مسروق: أن تميماً الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَـٰتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ}؟ ولهذا قال تعالى: {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} وقال عز وجل: {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي: بالعدل {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. ثم قال جل وعلا: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}؟ أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسناً فعله، ومهما رآه قبيحاً تركه، وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، وعن مالك فيما روي عنه من التفسير: لا يهوى شيئاً إلا عبده، وقوله: {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} يحتمل قولين: أحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك، والآخر: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً} أي: فلا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئاً يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها. ولهذا قال تعالى: {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}؟ كقوله تعالى: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ } بمعنى همزة الإِنكار {حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ } اكتسبوا {ٱلسَّيِّئَاتِ } الكفر والمعاصي { أَن نَّجْعَلَهُمْ كَـٱلّذِين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلْصَّٰلِحَـٰتِ سَوَاءٌ} خبر {مَّحْيَٰهُمْ وَمَمَٰتُهُمْ } مبتدأ ومعطوف والجملة بدل من الكاف والضميران للكفار، والمعنى: أحسبوا أن نجعلهم في الآخرة في خير كالمؤمنين أي في رغد من العيش مُساوٍ لعيشهم في الدنيا حيث قالوا للمؤمنين: لئن بعثنا لنعطىٰ من الخير مثل ما تعطون؟ قال تعالى على وفق إنكاره بالهمزة: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي ليس الأمر كذلك فهم في الآخرة في العذاب على خلاف عيشهم في الدنيا والمؤمنون في الآخرة في الثواب بعملهم الصالحات في الدنيا من الصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك و «ما» مصدرية أي بئس حكماً حكمهم هذا.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ} أي اكتسبوا الشرك. قال الكلبي: الذين أريد بهم هذه الآية عتبه وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة. {أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} قال الكلبي أريد بهم علي بن أبي طالب وحمزة بن عبد المطلب وعبيدة بن الحارث حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم. قوله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أفرأيت من اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلا ركبه، قاله ابن عباس. الثاني: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه ويستحسنه، فإذا استحسن شيئاً وهو به اتخذه إلهاً، قاله عكرمة، قاله سعيد بن جبير: كان أحدهم يعبد الحجر. فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. الثالث: أفرأيت من ينقاد لهواه انقياده لإلهه ومعبوده تعجباً لذوي العقول من هذا الجهل. {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} فيه تأويلان: أحدهما: وجده ضالاً، حكاه ابن بحر. الثاني: معناه ضل عن الله. ومنه قول الشاعر: شعر : هبوني امرأً منكم اضلَّ بعيره له ذمة إن الذمام كثير تفسير : أي ضل عنه بعيره. وفي قوله: {عَلَى عِلْمٍ} وجهان: أحدهما: على علم منه أنه ضال، قاله مقاتل. الثاني: قاله ابن عباس أي في سابق علمه أنه سيضل. {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى. {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غَشَاوَةً} حتى لا يبصرالرشد. ثم في هذا الكلام وجهان: أحدهما: أنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم. الثاني: أنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم. وحكى ابن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة، وحكى الضحاك أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف.

ابن عبد السلام

تفسير : {اجْتَرَحُواْ السَّيِّئَاتِ} اكتسبوا الشرك يريد عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة {كَالَّذِينَ ءَامَنُواْ} علي وحمزة وعبيدة بن الحارث حين برزوا لهم يوم يوم بدر فقتلوهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَـٰتِ} قيل: إنَّ الآية نزلَتْ بسبب ٱفتخارٍ كان للكُفَّارِ على المؤمنين، قالوا: لَئِنْ كَانَتْ آخِرَةٌ، كما تزعمون، لَنُفَضَّلَنَّ عليكم فيها، كما فُضِّلْنَا في الدُّنْيَا. و{ٱجْتَرَحُواْ} معناه: اكتسبوا، وهذه الآية متناولة بلفظها حالَ العُصَاةِ من حال أهل التقوى، وهي موقف للعارفين يَبْكُونَ عنده، ورُوِيَ عن الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، أَنَّهُ كانَ يُرَدِّدُهَا ليلةً حتَّى أَصْبَحَ، وكذلك عن الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وكان يقول لنفسه: لَيْتَ شِعْرِي! مِنْ أيِّ الفَرِيقَيْنِ أَنْتَ؟ وقال الثعلبيُّ: كانت هذه الآية تُسَمَّى مَبْكَاةَ العابدين، قال * ع *: وأَمَّا لفظها فيعطى أَنَّه اجتراحُ الكُفْرِ، بدليل معادلته بالإِيمان، ويحتمل أَنْ تكونَ المعادلة بَيْنَ الاِجتراحِ وَعَمَلِ الصالحات، ويكونَ الإيمانُ في الفريقَيْنِ، ولهذا بكى الخائفون ـــ رضي اللَّه عنهم ـــ. * ت *: وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده؛ أَن تَمِيماً الدَّارِيَّ ـــ رضي اللَّه عنه ـــ باتَ ليلةً إلى الصَّبَاحِ، يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ، وَيُرَدِّدُ هذه الآية: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَـٰتِ} الآية، ويبكي ـــ رضي اللَّه عنه ـــ، انتهى. وقوله: {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}: «ما» مصدريةٌ، والتقدير: ساء الحُكْمُ حْكْمُهُم.

ابو السعود

تفسير : {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيانِ تباينِ حالَيْ المسيئينَ والمحسنين إثرَ تباينِ حالَيْ الظالمينَ والمتقينَ. وأَمْ منقطعةٌ وما فيها مِنْ مَعْنى بَلْ للانتقالِ من البـيانِ الأولِ إلى الثَّانِي. والهمزةُ لإنكارِ الحُسبانِ لكنْ لا بطريقِ إنكارِ الوقوعِ ونفيهِ كَما في قولِه تعالَى: { أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} تفسير : [سورة ص، الآية 28] بل بطريقِ إنكارِ الواقعِ واستقباحِه والتوبـيخِ عليه، والاجتراحُ الاكتسابُ {أَن نَّجْعَلَهُمْ} أي نُصيَّرهُم في الحُكمِ والاعتبارِ وهُم على ما هُم عليهِ منْ مَسَاوِي الأحوالِ. {كَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} وهُم فيمَا هُم فيهِ من محاسنِ الأعمالِ ونعاملُهُم معاملتهم في الكرامةِ ورفعِ الدرجةِ. وقولُه تعالَى: {سَوَاء مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ} أيْ محيَا الفريقينِ جميعاً ومماتُهم. حالٌ من الضميرِ في الظرفِ والموصولِ معاً لاشتمالِه على ضميريِهما على أنَّ السواءَ بمَعْنى المُستوى، ومحياهُم ومماتُهم مرتفعانِ بهِ على الفاعليةِ. والمعَنْى أمْ حسبُوا أنْ نجعلَهم كائنينَ مثلَهمُ حالَ كونِ الكُلِّ مستوياً محياهُم ومماتُهم، كلاَّ لا يستوونَ في شيءٍ منهُمَا فإنَّ هؤلاءِ في عزِّ الإيمانِ والطاعةِ وشرفِهما في المَحيا وفي رحمةِ الله تعالَى ورضوانِه في المماتِ وأولئكَ في ذُلِّ الكُفرِ والمَعَاصِي وهوانِهما في المَحيا وفي لعنةِ الله والعذابِ الخالدِ في المماتِ شتانَ بـينهما. وقد قيلَ: المراد إنكارُ أنْ يستووا في المماتِ كما استَووا في الحياةِ لأن المسيئينَ والمحسنينَ مستوٍ محياهُم في الرزقِ والصحةِ وإنما يفترقونَ في المماتِ. وَقُرِىءَ محياهم ومماتَهم بالنصبِ على أنَّهما ظرفانِ كمقْدَمِ الحاجِّ، وسواءً حالٌ على حالِه أي حالَ كونِهم مستوينَ في محياهُم ومماتِهم وقد ذُكرَ في الآيةِ الكريمةِ وجوُهُ أُخرُ من الإعرابِ والذي يليقُ بجزالةِ التنزيلِ هُو الأولُ فتدبرْ. وقُرِىءَ سواءٌ بالرفعِ على أنَّه خبرٌ ومحياهُم مبتدأٌ فقيلَ الجملةُ بدل من الكافِ وقيل: حالٌ وأيَّا ما كانَ فنسبةُ حسبانِ التَّساوي إليهم في ضمنِ الإنكارِ التوبـيخيِّ مع أنَّهم بمعزلٍ منه جازمونَ بفضلِهم على المؤمنينَ للمبالغةِ في الإنكارِ والتشديدِ في التوبـيخِ فإنَّ إنكارَ حسبانِ التَّساوِي والتوبـيخِ عليه إنكارٌ لحسبانِ الجزمِ بالفضلِ وتوبـيخٌ عليهِ على أبلغِ وجهٍ وآكدِه. {سَاء مَا يَحْكُمُونَ} أي ساءَ حكمُهم هَذا أو بئسَ شيئاً حكموا به ذلكَ. {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ} استئنافٌ مقررٌ لما سبقَ من الحكمِ فإنَّ خلقَ الله تعالى لَهُما وَلِما فيهما بالحقِّ المُقتضِي للعدلِ يستدعِي لا محالةَ تفصيلَ المُحْسنِ على المُسيءِ في المَحْيا والمَمَاتِ وانتصارَ المظلومِ من الظالمِ وإذَا لم يطّردْ ذلك في المَحيا فهُو بعد المماتِ حَتْماً {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} عطفٌ عَلى بالحقِّ لأنَّ فيهِ مَعْنى التعليلِ إذْ معناهُ خلَقَها مقرونةً بالحكمةِ والصوابِ دُونَ العبثِ والباطلِ فحاصلُه خلقَها لأجلِ ذلكَ ولتُجزَى الخ أو على علةٍ محذوفةٍ مثلُ ليدلَّ بَها على قدرتِه أو ليعدل ولتُجزى {وَهُمْ} أي النفوسُ المدلولُ عليها بكلِّ نفسٍ {لاَ يُظْلَمُونَ} بنقصِ ثوابٍ أو بزيادةِ عقابٍ، وتسميةُ ذلكَ ظُلماً معَ أنَّه ليسَ كذلكَ على ما عُرفَ من قاعدةِ أهلِ السنةِ لبـيانِ غايةِ تنزهِ ساحةِ لُطفهِ تعالى عمَّا ذُكرَ تنزيلُه منزلةَ الظلمِ الذي يستحيلُ صدورُه عنْهُ تعالَى.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ}[21] الآية، قال: ليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقيم في مقام المخالفة، فإن بساط الموافقة يجر بصاحبه إلى مقاعد الصدق، ومقام المخالفة يهوي بصاحبه في لظى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} [الآية: 21]. قال سهل: ليس من أقعد على بساط الموافقة كمن أقيم فى المخالفة فإن بساط الموافقة يجر صاحبه إلى مقاعد الصدق ومقام المخالفة يهوى بصاحبه فى لظى. قال القناد فى قوله: {ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} اتبعو شهوات نفوسهم أم كالذين لزموا حدود الأمر واتبعوا السنن وطرق الأئمة.

القشيري

تفسير : أَمَنْ خفضناه في حضيض الضَّعةِ كَمَنْ رفعناه إلى أعالي المَنَعَة؟ أَمَن ْأخذنا بيده ورحمناه كَمَنْ داسَه الخذلانُ فرجمناه.؟ أَمَنْ وهبناه بَسْطَ وقتٍ وأُنْسَ حالٍ ورَوْحَ لُطْفٍ حتى خَصَصْناه ورَقَيْنَاه، ثم قَرَّبْناه وأَدْنَيَْناه كَمَنْ ترك جُدَه واستفراغَ وسعه وإسبالَ دَمْعِه واحتراق قلبه... فما أنعشناه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام حسب الذين اجترحوا السيئات} ام منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الاول الى الثانى والهمزة لانكار الحسبان بطريق انكار الواقع واستقباحه والتوبيخ عليه لا بطريق انكار الوقوع ونفيه والاجتراح الاكتساب ومنه الجوارح للاعضاء الكاسبة قال فى المفردات سمى الصائد من الكلاب والفهود والطير جارحة وجمعها جوارح اما لانها تجرح واما لانها تكسب وسميت الاعضاء الكاسبة جوارح تشبيها بها لاحد هذين انتهى والمراد بالسيئات الكفر والمعاصى {ان نجعلهم} ان نصيرهم فى الحكم والاعتبار مع مالهم من مساوى الاحوال وهو مع ما عمل فيه ساد مسد مفعولى الحسبان {كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} مع مالهم من محاسن الاعمال ونعاملهم معاملتهم فى الكرامة ورفع الدرجة والكاف مفعول ثان للجعل {سوآء محياهم ومماتهم} اى محيى الفريقين جميعا ومماتهم حال من الضمير فى الظرف والموصول معا لاشتماله على ضميريهما على ان السوآء بمعنى المستوى ومحياهم ومماتهم مرتفعان به على الفاعلية والمعنى ام حسبوا ان نجعلهم كائنين مثلهم حال كون الكل مستويا محياهم ومماتهم كلا لا يستوون فى شئ منهما فان هؤلاء فى عز الايمان والطاعة وشرفهما فى المحيى وفى رحمة الله ورضوانه فى الممات ولذا قال عليه السلام لما رأى اصحاب الصفة فى المسجد "حديث : المحيى محياكم والممات مماتكم" تفسير : واولئك فى ذل الكفر والمعاصى وهوانهما فى المحيى وفى لعنة الله والعذاب الخالد فى الممات (ع) كل وخار وكل وكوهرنه برابر باشد. وكان كفار قريش يقولون نحن احسن حالا من المؤمنين فى الآخرة اى على تقدير وقوع الساعة كما قالوا نحن اكثر اموالا واولادا وما نحن بمعذبين اى فان العزيز فى الدنيا عزيز فى الآخرة وقد قيل المراد انكار ان يستووا فى الممات كما استووا فى الحياة لان المسيئين والمحسنين مستوٍ محياهم فى الرزق والصحة وانما يفترقون فى الممات {ساء ما يحكمون} اى ساء حكمهم هذا على ان ما مصدرية والفعل للاخبار عن قبح حكمهم او بئس شيئا حكموا به ذلك على ان ساء بمعنى بئس وما نكرة موصوفة بمعنى شئ والفعل لانشاء الذم وبالفارسية بدحكميست كه ايشان ميكندد ونتيجه شرك وتوحيدرا برابر ميدارند (ع) نيست يكسان لاى زهر آميز باآب حيات. وعن تميم الدارى رضى الله عنه انه كان يصلى ذات ليلة عند المقام فبلغ هذه الآية فجعل يبكى ويردد الى الصباح وعن الفضيل رحمه الله انه بلغها فجعل يرددها ويبكى ويقول يا فضيل ليت شعرى من اى الفريقين انت فلا يطمعن البطال فى ثواب العمال ولا الجباء فى مقام الابطال ولا الجاهل فى ثواب العالم ولا النائم فى ثواب القائم فعلى قدر اجتهاد المرء يزيد اجره وبقدر تقصيره ينحط قدره وفى بعض الكتب السابقة ان لله مناديا ينادى كل يوم ابناء الخمسين زرع دنا حصاده ابناء الستين هلموا الى الحساب ابناء السبعين ماذا قدمتم وماذا أخرتم ابناء الثمانين لا عذر لكم ليت الخلق لم يخلقوا وليتهم اذا خلقوا علموا لماذا خلقوا وتجالسوا بينهم فتذكروا ما عملوا الا أتتكم الساعة فخذوا حذركم وفى الخبر "حديث : اذا اراد الله بعبد خيرا بعث اليه ملكا من عامه الذى يموت فيه فيسدده وييسره فاذا كان عند موته اتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فقال يا أيتها النفس المطمئنة اخرجى الى مغفرة من الله ورضوان فذلك حين يحب لقاء الله ويحب الله لقاءه واذا اراد بعبد شرا بعث اليه شيطانا من عامه الذى يموت فيه فأغواه فاذا كان عند موته اتاه ملك الموت فقعد عند رأسه فيقول يا أيتها النفس الخبيثة اخرجى الى سخط من الله وغضب فتفرق فى جسده فذلك حين يبغض لقاء الله ويبغض الله لقاءه" تفسير : ويقال اذا اراد الله ان ينقل العبد من ذل المعصية الى عز الطاعة آنسه بالوحدة واغناه بالقناعة وبصره بعيوب نفسه فمن اعطى ذلك فقد أعطى خير الدنيا والآخرة كما انه فرق بين مطيع وفاسق فكذا فرق بين مطيع ومطيع وللتفاضل فى الاطاعة والنيات تتفاضل المقامات والدرجات ولذا يرى بعض اهل الجنة البعض كما يرى فى الدنيا الكوكب الدرى وعن عبيد بن خالد رضى الله عنه حديث : ان النبى آخى بين رجلين فقتل احدهما فى سبيل الله ثم مات الآخر بعده بجمعة او نحوها فصلوا عليه فقال عليه السلام "ما قلتم" قالوا دعونا الله ان يغفر له ويرحمه ويلحقه بصاحبه فقال النبى عليه السلام "فأين صلاته بعد صلاته وعمله بعد عمله" او قال "صيامه بعد صيامه" تفسير : لما ان بينهما أبعد مما بين السماء والارض وقد ورد فى بعض الاخبار ان الموتى يتأسفون على انقطاع الاعمال عنهم حتى يتحسرون على رد السلام وثوابه فليحذر العاقل من حسرة السباق وفجيعة الفراق اما حسرة السباق فانهم اذا قاموا من قبورهم وركب الابرار نجائب الانوار وقدمت بين ايديهم نجائب المقربين بقى المسبوق فى جملة المحرومين واما فجيعة الفراق فانه اذا جمع الله الخلق فى مقام واحد امر ملكا ينادى ايها الناس امتازوا فان المتقين قد فازوا كما قال {أية : وامتازوا اليوم ايها المجرمون} تفسير : فيمتاز الولد من والديه والزوج من زوجته والحبيب من حبيبه فهذا يحمل مبجلا الى رياض النعيم وهذا يساق مسلسلا الى عذاب الجحيم قال بعض الاخيار رأيت الشيخ ابا اسحق ابراهيم بن على بن يوسف الشيرازى قدس سره فى النوم بعد وفاته وعليه ثياب بيض وعلى رأسه تاج فقلت له ما هذا البياض فقال شرف الطاعة قلت والتاج قال عز العلم وعن ابى بكر الوراق قدس سره طلبنا أربعة فوجدناها فى اربعة وجدنا رضى الله فى طاعة الله تعالى وسعة المعاش فى صلاة الضحى وسلامة الدين فى حفظ اللسان ونور القلب فى صلاة الليل فعليك بالتدارك قبل فوت الوقت فان الوقت سيف قاطع (قال الشيخ سعدى) سر ازحبيب غفلت برآوركنون كه فردانمانى بخجلت نكون. قيامت كه نيكان باعلى رسند زقعر ثرى بر ثريا رسند تراخود كه در روى نيكان شوى سرمسار

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أم}: منقطعة، والهمزة لإنكار الحسبان، مَن قرأ "سواء" بالرفع؛ فخبر مقدّم، و {محياهم}: مبتدأ، ومَن قرأ بالنصب؛ فحال من ضمير الظرف، أي: كائنين كالذين آمنوا، حال كونهم مستوياً محياهم ومماتهم، و"محياهم"- حينئذ - فاعل بسواء، وقرأ الأعمش: "ومماتهم" بالنصب على الظرفية. يقول الحق جلّ جلاله: {أم حَسِبَ الذين اجْتَرحوا} اكتسبوا {السيئات} من الكفر والمعاصي، وسميت الأعضاء جوارح؛ لاكتسابها الخير والشر، ويقال: فلان جارحة أهله؛ أي: كاسبهم، أي: أظنُّوا أن نصيِّرهم {كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} وهم فيما هم فيه من محاسن الأعمال، ونعاملهم معاملتهم في رفع الدرجات، أي: حتى يكونوا {سواءً} في {محياهم ومماتهم} كلاَّ، بل نجعل أهل الإيمان في محياهم ومماتهم متنعمين بطاعة مولاهم، مطمئنين به، يَحيون حياة طيبة، ويموتون موتة حسنة، وفي مماتهم مكرمين بلقاء مولاهم، في روح وريحان، وجنات نعيم، ونجعل أهل الكفر والعصيان في محياهم في ذُلّ المعصية، وكد الحرص وكدر العيش، وفي الممات في ضيق العذاب الخالد، {ساء ما يحكمون} أي: ساء حكمهم هذا، أو: بئس شيئاً حكموا به. قال النسفي: والمعنى إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياً ومماتاً؛ لافتراق أحوالهم أحياء، حيث عاش هؤلاء على القيام بالطاعات، وأولئك على اقتراف السيئات، ومماتاً حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والكرامة، وأولئك على اليأس من الرحمة والندامة. وقيل: معناه: إنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة في الرزق والصحة. ساء ما يحكمون، فليس مَن أُقْعِدَ على بساط الموافقة، كمَن أُبعد في مقام المخالفة، بل تفرّق بينهم، فنعلي المؤمنين، ونخزي الكافرين. هـ. وسبب نزول الآية: افتخار وقع للكفار على المؤمنين، قالوا: لئن كانت آخرة كما تزعمون لنفضلن فيها كما فضلنا في الدنيا، فردّ الله عليهم، وأبطل أمنيتهم. {وخلق اللّهُ السماوات والأرض بالحق} لتدل على قدرته على البعث وغيره، قال البيضاوي: كأنه دليل على الحُكم السابق، من حيث إن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل، يقتضي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المحسن والمسيء، إذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات. هـ. {ولتُجزى كلُّ نفسٍ بما كَسَبَتْ} عطف على هذه العلة المحذوفة، أي: لتدل ولتُجزى، أو على "بالحق" لأن فيه معنى التعليل؛ إذ معناه: خلقها مقرونة بالحكمة والصواب، دون العبث ولتُجزى... الخ، أو: ليعدل وتُجزى كل نفس بما كسبت، {وهم} أي: النفوس، المدلول عليها بكل نفس {لا يُظلمون} بنقص الثواب أو زيادة عقاب. الإشارة: أم حَسِبَ الذين ماتوا على دنس الإصرار، أن نجعلهم كالمطهرين الأبرار أم حسب الذين عاشوا في البطالة والتقصير أن نجعلهم كالذين عاشوا في الجد والتشمير؟ "أم حَسِبَ الذين عاشوا في غم الحجاب، وصاروا إلى سوء الحساب، أن نجعلهم كالذين تهذّبوا حتى ارتفع عنهم الحجاب، وصاروا إلى غاية الكرامة والاقتراب؟ لا استواء بينهم في المحيا ولا في الممات، الأولون عاشوا معيشة ضنكاً، وصاروا بعد الموت إلى الندامة والحسرة، والآخرون عاشوا عيشة راضية، وماتوا موتة طيبة، وصاروا إلى كرامة أبدية، ولهذا بكت الأكابرُ عند قراءتها، فَرُويَ عن تميم الداري: أنه كان يُصلي ليلة عند المقام، فبلغ هذه الآية، فجعل يبكي ويرددها إلى الصباح. وعن الفُضيل: أنه بلغها، فجعل يبكي، ويقول: يا فضيل! ليت شعري من أيّ الفريقين أنت؟ وعن الربيع بن خيثم: أنه قام يصلي ليلة، فمرّ بهذه الآية، فمكث ليلةً حتى أصبح يبكي بكاءً شديداً، وكانت تُسمى مَبْكاة العابدين. وسبب تسوية العاصي مع المطيع الانهماك في الهوى، كما أبان ذلك الحق تعالى بقوله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {سواء} نصباً. الباقون بالرفع. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً {غشوة} على التوحيد الباقون {غشاوة} على الجمع. من رفع {سواء} جعله مبتدأ وما بعده خبراً عنه، ويكون الوقف على قوله {وعملوا الصالحات} تاماً. ويجعل الجملة فى موضع النصب، لأنها خبر لـ (جعل) ورفع (سواء) لانه اسم جنس لا يجري على ما قبله كما لا تجري الصفة المشبهة بالمشبهة إذا كانت لسبب الاول كذلك نحو قولك: مررت بزيد خير منه أبوه. فمثل هذا فى الحال والخبر والصفة سبيلة واحد إذا كانت لسبب الاول. ومن نصب {محياهم ومماتهم} جعل (سواء) فى موضع (مستو) وعامله تلك المعاملة، فجعل في موضع المفعول الثاني (أن نجعلهم) والهاء والميم المفعول الاول، وإن جعلت {كالذين آمنوا} المفعول الثاني نصب (سواء) على الحال وهو وقف حسن. ويرفع (محياهم) بمعنى استوى محياهم ومماتهم. ومن قرأ {غشوة} جعله كالرجفة والخطفة. ومن قرأ {غشاوة} جعله مصدراً مجهولا، والفعلة المرة الواحدة، وقال قوم هما لغتان بمعنى واحد. وحكي الضم ايضاً. وقيل: في الضمير في قوله {سواء محياهم ومماتهم} قولان: احدهما - إنه ضمير للكفار دون الذين آمنوا. والثاني - انه ضمير للقبيلين. فمن جعل الضمير للكفار قال (سواء) على هذا القول مرتفع بأنه خبر ابتداء متقدم وتقديره محياهم ومماتهم سواء أي محياهم محيا سواء ومماتهم كذلك، فعلى هذا لا يجوز النصب في (سواء) لانه إثبات الخبر بأن محياهم ومماتهم يستويان في الذم والبعد من رحمة الله. ومن قال الضمير يرجع إلى القبيلين قال يجوز ان ينتصب (سواء) على انه مفعول ثان لانه ملتبس بالقبيلين جميعاً، وليس كذلك الوجه الاول، لأنه للكفار دون المؤمنين، فلا يلتبس بالمؤمن حيث كان للكفار دونهم يقول الله تعالى على وجه التوبيخ للكفار على معاصيهم بكفرهم بلفظ الاستفهام {أم حسب} ومعنى (أم) يحتمل ان تكون الهمزة وتقديره أحسب الذين اجترحوا السيئات، والحسبان هو الظن. وقد بيناه في ما مضى. والأجتراح الاكتساب اجترح السيئة اجتراحاً أي اكتسبها من الجراح، لأن له تأثيراً كتأثير الجراح. ومثله الاقتراف، وهو مشتق من قرف القرحة. والسيئة التي يسواء صاحبها، وهي الفعلة القبيحة التي يستحق بها الذم، والحسنة هي التي يسر صاحبها بأستحقاق المدح بها عليها، ووصفها بهذا يفيد هذا المعنى. وقال الرماني: القبيح ما ليس للقادر عليه ان يفعله. والحسن هو ما للقادر عليه أن يفعله قال: وكل فعل وقع لا لأمر من الأمور، فهو لغو لا ينسب إلى الحكمة ولا السفه. والجعل تصيير الشيء على صفة لم يكن عليها، وهو انقلاب الشيء عما كان قادراً عليه. والمعنى أيظن هؤلاء الكفار المرتكبون للمعاصي الذين اكتسبوا القبائح أن يحكم لهم بحكم المؤمنين المعترفين بتوحيد الله المصدقين لرسله العاملين بطاعته؟!. ثم اخبر عن الكفار فقال {سواء محياهم ومماتهم} أي هم متساون حال كونهم أحياء وحال كونهم أمواتاً، لأن الحي متى لم يفعل الطاعات فهو بمنزلة الميت وقال مجاهد: المؤمن يموت على ايمانه ويبعث عليه. والكافر يموت على كفره ويبعث عليه. ثم قال {ساء ما يحكمون} أي بئس الشيء الذي يحكمون به في هذه القصة. وإنما قال {يحكمون} مع ان الحكم مأخوذ من الحكمة، وهي حسنة لأن المراد على ما يدعون من الحكمة، كما قال {أية : حجتهم داحضة عند ربهم} تفسير : وقوله {ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين}. ثم قال تعالى {وخلق الله السماوات والأرض بالحق} أي للحق لم يخلقهما عبثاً، وانما خلقهما لمنافع خلقه بأن يكلفهم فيها ويعرضهم للثواب الجزيل {ولتجزى كل نفس بما كسبت} من ثواب طاعة او عقاب على معصية {وهم لا يظلمون} أي لا يبخسون حقوقهم. ثم قال {أفرأيت من اتخذ} يا محمد {إلهه هواه} وانما سمي الهوى إلهاً من حيث أن العاصي يتبع هواه ويرتكب ما يدعوه اليه ولم يريد انه يعبد هواه أو يعتقد أنه يحق له العبادة، لأن ذلك لا يعتقده احد. قال الحسن: معناه اتخذ إلهه بهواه، لأن الله يحب أن يعرف بحجة العقل لا بالهوى. وقال سعيد بن جبير كانوا يعبدون العزى وهو حجر أبيض حيناً من الدهر، فاذا وجدوا ما هو أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الآخر. وقال ابن عباس: معناه أفرايت من اتخذ دينه ما يهواه لانه يتخذه بغير هدى من الله ولا برهان. وقوله {وأضله الله على علم} معناه حكم الله بضلاله عالماً بعدوله عن الحق. ويحتمل ان يكون المعنى يعدل الله به عن طريق الجنة إلى طريق النار جزاء على فعله، عالماً بأنه يستحق ذلك {وختم على سمعه وقلبه} وقد فسرناه في ما مضى. ومعناه أنه يجعل عليهما علامة تدل على كفره وضلاله واستحقاقه للعقاب، لا أنه يفعل فيهما ما يمنع من فعل الايمان والطاعات {وجعل على بصره غشاوة} شبهه بمن كان على عينه غشاوة تمنعه من الابصار، لان الكافر إذا كان لا ينتفع بما يراه ولا يعتبر به، فكأنه لم يره، ثم قال {فمن يهديه} إلى طريق الجنة او من يحكم بهدايته {من بعد الله} إن حكم الله بخلافه {أفلا تذكرون} أي افلا تتفكرون فتعلمون ان الأمر على ما قلناه. ثم حكى تعالى عن الكفار أنهم {قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا} أي ليس الحياة إلا هذه الحياة التي نحن فيها فى دار الدنيا {نموت ونحيا} وقيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - انه على التقديم والتأخير وتقديره ونحيا ونموت من غير رجوع ولا بعث على ما تدعون. والثاني - ان يكون المراد نموت ويحيا أولادنا كما يقال ما مات من خلف ابناً مثل فلان والثالث - ان يكون المعنى يموت بعضنا ويحيا بعضنا، كما قال تعالى {أية : فاقتلوا أنفسكم}تفسير : أي ليقتل بعضكم بعضاً. ثم حكى انهم يقولون {وما يهلكنا إلا الدهر} يعنون مرور الليل والنهار والشهور والاعوام ثم اخبر تعالى فقال {وما لهم بذلك من علم} أي ليس لهم بما يقولونه علم {إن هم إلا يظنون} أي وليس هم في ما يذكرونه إلا ظانين وإنما الأمر فيه بخلافه. ثم قال تعالى {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي إذا قرئت عليهم حججنا الظاهرة {ما كان حجتهم إلا أن قالوا} يعني لم يكن لهم فى مقابلتها حجة إلا قولهم {ائتوا بآبائنا} الذين ماتوا وبادوا {إن كنتم صادقين} فى أن الله يعيد الأموات ويبعثهم يوم القيامة. وإنما لم يجبهم الله إلى ذلك، لانهم قالوا ذلك متعنتين مقترحين لا طالبين الحجة.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبِي صَالِحٍ، عن: ابنِ عَبَاسٍ: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ}. فَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وأَمَّا الَّذِيْنَ اجْتَرَحُوْا السَّيِّئَاتِ، فَبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ.

الأعقم

تفسير : {أم حسب الذين اجترحوا السيئات} الآية نزلت في نفر من قريش شيبة وعتبة والوليد بن المغيرة قالوا للمؤمنين: إن كان ما تقولون حقا لنفضلن عليكم في الآخرة كما فضّلنا في الدنيا فنزلت أي عملوا المعاصي {أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} أي يطلبون استواء حال المطيع والعاصي في الثواب بئس الحكم ذلك {وخلق الله السماوات والأرض بالحق}، قيل: الحق الجزاء، وقيل: الحق الغرض صحيحٌ حقٌّ {ولتجزى كل نفس بما كسبت} عملت {وهم لا يظلمون} {أفرأيت} يا محمد {من اتخذ إلهه هواه}، قيل: دينه ما يهواه في أموره لا بحجَّة تقوى، وقيل: اتخذه معبوداً هواه فيعبد ما يهوى دون ما دلت الدلالة على أن العبادة تحق له، وكانت العرب تعبد العزى وهو حجر أبيض وحسا من آلهته، وكانوا يعبدون الحجارة والذهب والفضة وإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رموه وكسروه وألقوه في بئر وعبدوا الثاني فأنزل الله: {أفرأيت من اتخذ آلهة هواه}، وقيل: نزلت في الحارث بن قيس السهمي كان يعبد ما تهوى نفسه، وهو أحد المستهزئين {وأضلّه الله على علم}، قيل: وجده الله ضالاً على علم أنه يضل، وقيل: ظهور الضلال منه أي عالم بأنه ضال، وقيل: أضله عن ثوابه وجنته {وختم على سمعه وقلبه}، قيل: وسم عليها الملائكة علامة، وقيل: خذله وخلاه على ما اختاره حتى استحكم عبادة السوء في قلبه، فلم يسمع الحق ولا يفهمه فكأنه مختوم على قلبه وعينه {وجعل على بصره غشاوة} أي غطاء، يعني يصير كأنه كذلك من حيث لا يبصر الحق تشبيهاً {فمن يهديه من بعد الله} أي إن لم يهتدي بهدى الله فمن يهديه سواه، وقيل: إذا لم يهده الله إلى الجنة فمن يهديه {أفلا تذكّرون} يعني أفلا تتفكرون في هذا حتى تفهموه {وقالوا ما هي إلاَّ حياتنا الدنيا} أي لا دار سوى هذه الدار {نموت ونحيا} أي نموت فيها ونحيى نحن من غير صانع قيل: هو على التقديم والتأخير، أي يموت بعضنا ويحيى بعضنا {وما يهلكنا إلاَّ الدهر} أي ما يهلكنا إلا مرور الزمان وطول العمر {وما لهم بذلك من علم} أي ما يقولونه ليس كذلك عن حجة وعلم بل ظناً وتقليداً {إن هم إلا يظُنُّون} {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات {ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بأبآئنا إن كنتم صادقين} أي جيئوا بآبائنا الذين ماتوا إن كنتم صادقين في دعواكم {قل الله يحييكم ثم يميتكم} ثم يحييكم في الدنيا ثم يميتكم فيها {ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} أي لا شك {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} الله حق معرفته حتى يعلمون صحة البعث، وقيل: لا يعلمون من الباطل.

اطفيش

تفسير : {أَمْ} منقطعة بمعنى بل الانتقالية والانكار أو بمعنى بل الابطالية أبطلت عدم يقين من لم يوقن أي ليس بشيء والانكار أيضاً والمراد بالانكار انكار الحساب. {حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُواْ} اكتسبوا ومنه الجوارح وفلان جارحة أهلهم كاسبهم* {السَّيِّئَاتِ} الكفر والمعاصي نزلت لان الكفار قالوا لئن كانت آخرة كما تزعمون لنفضلن عليكم فيها كما فضلنا في الدنيا وهذه الآية تتناول بلفظها حال العصاة من أهل التقوى وهو موقف العارفين بكون عنده. وكان تميم الداري يصلي ذات ليلة عن المقام فبلغ هذه الآية فجعل يرددها ويبكي حتى أصبح. ورددها الربيع بن خيثم ليلة فبكى حتى أصبح. وكذا الفضل ابن عياض وكان الفضل يقول لنفسه ليت شعرى من أي الفريقين أنت وتسمى الآية مبكاة العابدين. قال بعضهم: ولفظها يعطي اجتراح الشرك بدليل المعادلة بالايمان فيحتمل أن تكون المعادلة بين الاجتراح وعمل الصالحات ويكون الايمان في الفريقين ولهذا بكى الخائفون وهذا هو المذهب* {أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} {كَالَّذِينَ} مفعول (ثان) لنجعل و (نجعل) في تأويل مصدر مفعول لحسب ناب مناب مفعولين وهو أول والثاني أي حسبوا جعلهم كالذين الخ يوجد* {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} {سَوَآءٌ} خبر مقدم و (محيا) مبتدأ مؤخر وانما أخبر به عن اثنين المحيا والممات لانه مصدر لكنه بمعنى اسم الفاعل والجملة مفعول ثان بعد مفعول ثان لنجعل كما يتعدد خبر المبتدأ. وقال الزمخشري: بدل من الكاف لانها تحل محله فهي في حكم المفرد كقولك (ظننت زيداً أبوه قائم) ويجوز كون (محيا وممات) مصدرين ميميين أو اسمي زمان أو اسمي مكان وذلك الاعراب بناء على أن الضميرين للموصول الاول أنكر أن يكون حياة الكفار وموتهم سواء في البهجة والكرامة فانهم أكلوا طيباتهم في الحياة حيث أقاموا على المعاصي والشهوات وانما كرامة الموت للمؤمنين لطاعة الله ويدل لذلك قراءة حمزة والكسائى وحفص بنصب (سواء) على انه من تعدد المفعول الثاني أو حال من ضمير الاستقرار في قوله (كالذين) أو من ضمير الكاف على انها اسم فيه ضمير مستتر كما في قوله مماثل أو مفعول ثان (كالذين) حال من هاء نجعلهم أي (مثل اللذين) الخ في زعمهم أو (كالذين) مفعول ثان (وسواء) بدل من الكاف على انها اسم أو من مقدر منفرد ان جعلت حرفاً (ومحيا) فاعل (سواء) والمصدر برفع الفاعل ولا سيما انه هنا بمعنى (مستو وصفا) والوصف يرفع الفاعل ولو لم يعتمد على الصحيح وان جعلنا (سواء) حالاً أو مفعولاً للجعل وقد اعتمد على صاحب الحال وعلى المبتدأ في الأصل وقرئ بنصب (ممات) فهو (ومحيا) ظرفا زمان أو مكان شذوذاً لانهما ميميان وعاملهما من غير لفظهما ومعناهما أو لا شذوذاً بل مصدران ميميان نابا عن ظرف الزمان وان أرجعنا الضميرين في {محياهم ومماتهم} للموصول الثاني فالحالية منه أو الجملة استئناف لبيان مقتضى الانكار أي (موتهم وحياتهم على الاسلام) وان أرجعناه للثاني أو الأول فبدل أو استئناف لبيان تساوى (محيا) كل صنف (ومماته) في الهدى والضلال كل يموت على ما عاش أو لانكار الاستواء بعد الموت في الكرامة وترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة قيل: أو حال من ضمير الاول وضمير الثاني وفيه اختلاف عاملين في الحال* {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} ما مصدرية أي (ساء الحكم حكمهم) أو (ساء حكماً حكمهم) هذا و (ساء) كـ (بئس) أو اسم أي (ساء الحكم الذي يحكمونه) أو (ساء الذي يحكمونه) أي يثبتونه. قال مسروق: قال لى رجل مكي هذا مقام أخيك تميم الداري ولقد رأيته قام ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ {أم حسب الذين} الآية يركع بها ويسجد ويبكى

اطفيش

تفسير : {أمْ حَسِب} إضرابٌ انتقالى توبيخى انكارى الى بيان حال المسيئين وحال المحسنين بالايمان، والعمل بعد بيان حال الظالمين والمتقين أنهم لا يستوون، وانما تغايرهم بعنوان الظلم والاتقاء، وكسب للسيئات، والايمان، والعمل الصالح، والا فالمجترحون للسيئات هم الظالمون، والمؤمنون العاملون هم المتقون {الَّذين اجْتَرحوا} اكتسبوا، ومنه تسمية الأعضاء جوارح، وقولهم فلان جارحة أهله، أى كاسب لهم، وكلب الصيد وطائر الصيد جارحة أنه يكسب لسيده {السِّيئات} سيئات الشرك. روى قومنا: أن عتبه وابنه الوليد وشيبة قالوا لعلى وحمزة والمؤمنين: والله ما أنتم على شىء، ولئن كان ما تقولون حقا لحالنا أفضل من حالكم يوم القيامة، كما هو أفضل فى الدنيا، فنزلت الآية رداً عليهم، ويؤخذ من ذلك حكم الموحد الفاسق، والموحد الموفى فالفاسق فى النار، والموفى فى الجنة، ولا مانع من حمل الآية عليهما وعلى المشرك، وعلى هذا ففيها زيادة اقناط المشركين اذا كان الموحد الفاسق فى النار، فالمشرك أولى بها، وكذا إن حملت على الموحد المجترح للسيئات التائب، والموحد الموفى، ولا يعارض شمولهما قوله: {ساء ما يحكمون} إذ لا مانع من أن يقال للموحد المخطىء فى حكمه: ساء ما يحكم، وقد تمثل بالآية تميم الدارى، والربيع بن خيثم ونحوهما للموحد الفاسق، والموحد الموفى، مع ابقائها فى أهل الشرك، أو حملوها على العموم فيها، وفى المشرك، أو فسروها بهما، قال أبو الضحا: قرأ تميم الدارى سورة الجاثية، فلما أتى على قوله: {أم حسب الذين} الخ لم يزل يبكى ويكررها حتى أصبح عند المقام. قال مسروق: قال لى رجل من أهل مكة: هذا مقام أخيك تميم الدارى، ولقد رأيته ذات ليلة قائما لها حتى أصبح، أو قرب أن يصبح، يقرأ آية من كتاب الله عز وجل، يركع بها، يركع عنها أو يصلى بها، لورود النهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود، أو جاز ذلك فى النفل، وروى ابن أبى شيبة، عن بشير مولى الربيع بن خيثم: أن الربيع كان يصلى فمر بهذه الآية: {أم حسب} الخ فكررها حتى أصبح، وكان الفضيل بن عياض اذا قرأها قال لنفسه: ليت شعرى من أى الفريقين أنت؟ وكان الخائفون يبكون لهذه الآية، حتى انها تسمى مبكاة العابدين. ويؤخذ بالقياس أن الموحد المستغرق فى السيئات، التائب لا يساوى العبد غير المستغرق فيها، إلا إن كان أمر خارج أفضى الى المساواة أو العكس، فان حاصل الآية مقابلة كل أحد بعمله، إذ قال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات}. {أنْ نَجعَلهُم كالَّذين آمنُوا وعملوا الصالحات} فى دخول الجنة كلا، لا يدخلها مشرك، ولا يترك عقابه، أو فى استواء درجات الموحدين لا، ومصدر نجعل مفعول به لحسب، ولما اشتمل الفعل على المسند والمسند اليه قبل التأويل بالمصدر اكتفى به عن المفعولين أو حذف الثانى وجوبا، أى سواء جعلهم كالذين آمنوا ثابتاً، وهكذا فى مثل هذا المقام {سواء} خبر مقدم، لأنه نكرة {مَحياهم} مبتدأ لأنه معرفة والهاء فيه وفى قوله: {وممَاتُهم} للذين اجترحوا السيئات وجاز أن تكون للمؤمنين، وأن تكون للفريقين، والجملة بدل من الكاف على أنها اسم، أو من ثابتين بدل اشتمال بدل جملة من مفرد، أجازه الفارسى وابن مالك، ولا أقول بذلك، بل نقدر الاستقرار فعلا، أى يثبتون أو ثبتوا، تكون الجملة بدلا من الجملة أو نبدلها من الجار والمجرور لنيابتهما عن الجملة المقدرة، أو هذه الجملة مفعول ثان بعد مفعول ثان، كما يتعدد خبر المبتدأ تقول: علمت زيدا عالما عاقلا، ولا مانع من أن يقال: نصيرهم كالذين آمنوا ونصير محياهم ومماتهم سواء. وأجيز أن تكون بدل بعض أو كل لأنهما كما يكونان فى المفرد يكونان فى الجملة بلا ضمير يرجع للجملة، إذ لا يرجع الضمير للجملة، ويجوز أن تكون مستأنفة غير داخلة فى قوله: {أم حسب} بمعنى أنه لا بد من الانتصار للمظلوم من الظالم فى الدنيا والآخرة، بحسب الأصل، فان لم يكن فى الدنيا حال الحياة كان بعد الموت، ومعنى انتفاء استواء حياتهم ومماتهم، أنه لا يُرحم الكافرون كما يرحم المؤمنون، ولا يُعذب المؤمنون كما يعذب المشركون، ولو استووا فى الدنيا بالحياة ومطلق الرزق، والمؤمنون مرحومون دنيا وأخرى، والكفار دنيا فقط، وحياة المؤمن على الطاعة، والكافر على المعصية، وموت المؤمن بالرضوان، والكافر بالخذلان، ولا يستوى المؤمن والكافر فى الآخرة، كما استويا فى رزق الدنيا وحياتها، بل للكافر النار، للمؤمن الجنة {ساءَ ما يحْكمُون} ساء حكمهم بالمساواة على طريق الأخبار، ويجوز أن يكون إنشاء للذم والمخصوص محذوف أى ساء حكمهم.

الالوسي

تفسير : {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ } إلى آخره استئناف مسوق لبيان حال المسيئين والمحسنين إثر بيان حال الظالمين والمتقين. و {أَمْ } منقطعة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان على معنى أنه لا يليق ولا ينبغي لظهور خلافه. والاجتراح الاكتساب ومنه الجارحة للأعضاء التي يكتسب بها كالأيدي، وجاء هو جارحة أهله أي كاسبهم، وقال الراغب: الاجتراح اكتساب الإثم وأصله من الجراحة كما أن الاقتراف من قرف القرحة، والظاهر تفسيره هٰهنا بالاكتساب لمكان {ٱلسَّيّئَاتِ } والمراد بها على ما في «البحر» سيئات الكفر. وقوله تعالى: {أَن نَّجْعَلَهُمْ } ساد مسد مفعولي الحسبان، والجعل بمعنى التصيير وهم مفعوله الأول، وقوله سبحانه: {كَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } مفعوله الثاني، وقوله عز وجل: {سَوَآءً } بدل من الكاف بناء على أنها اسم بمعنى مثل، وقوله تعالى: {مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } فاعل {سَوَآءً}أجري مجرى مستوٍ كما قالوا: مررت برجل سواء هو والعدم، وضمير الجمع للمجترحين، والمعنى على إنكار حسبان جعل محيا المجترحين ومماتهم مستويين مثلهما للمؤمنين، ومصب الإنكار استواء ذلك فإن المؤمنين تتوافق حالاهم لأنهم مرحومون في المحيا والممات وأولئك تتضاد حالاهم فإنهم مرحومون حياة لا موتاً؛ وجوز أن يكون {سَوَآءً } حالاً من الضمير في الكاف بناء على ما سمعت من معناها. / وتعقب بأنها اسم جامد على صورة الحرف فلا يصح استتار الضمير فيها وقد صرح الفارسي بمنع ذلك، نعم يجوز أن يكون {كَٱلَّذِينَ } جاراً ومجروراً في موضع المفعول الثاني و {سَوَآءً } حالا من الضمير المستتر فيه، وقيل: يجوز أيضاً كونه حالاً من ضمير {نَّجْعَلَهُمْ} وكذا يجوز كونه المفعول الثاني، وكون الكاف أو الجار والمجرور حالاً من هذا الضمير، وما ذكر أولاً أظهر وأولى، وجوز كون ضمير الجمع في {مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } للمؤمنين فسواء حال من الموصول الثاني ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في {كَٱلَّذِينَ } لفساد المعنى وكون الضمير للفريقين فسواء حال من مجموع الموصول الثاني وضمير الأول، والمعنى على إنكار حسبان أن يستوي الفريقان بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استويا ظاهراً في الرزق والصحة في الحياة، وجوز أن يكون المعنى على إنكار حسبان جعل الحياتين مستويتين لأن المؤمنين على الطاعة وأولئك على المعاصي وكذلك الموتان لأنهم ملقون بالبشرى والرضوان وأولئك بالسوء والخذلان، وقيل: به على تقدير كون الضمير للمجترحين أيضاً. ولم يجوز المدقق الإبدال من الكاف على تقدير اشتراك الضمير إذ المثل هو المشبه و {سَوَآء } جار على المشبه والمشبه به. وقرأ جمهور القراء {سَوَاءٌ مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ} برفع سواء وما بعده على أن سواء خبر مقدم وما بعده مبتدأ لا العكس لأن سواء نكرة ولا مسوغ للابتداء بها والضمير للمجترحين. والجملة قيل: بدل من المفعول الثاني لنجعل بدل كل من كل أو بدل اشتمال أو بدل بعض، وأياً ما كان ففيه إبدال الجملة من المفرد وقد أجازه أبو الفتح واختاره ابن مالك، وأورد عليه شواهد، قال أبو حيان: لا يتعين فيها البدل. وقال محمد بن عبد الله الاشبيلي المعروف بابن العلج في كتابه «البسيط» في النحو: ((لا يصح أن تكون جملة معمولة للأول في موضع البدل فإن كانت غير معمولة فهل تكون جملة بدلاً من جملة لا يبعد عندي جواز ذلك كالعطف والتأكيد اللفظي)). وظاهره أنه لا يجوز الإبدال هٰهنا. وفي «البحر» ((يظهر لي أنه لا يجوز إبدال هذه الجملة من ذلك المفعول لأن الجعل بمعنى التصيير ولا يجوز صيرت زيداً أبوه قائم ولا صيرت زيداً غلامه منطلق لأن في ذلك انتقالا من ذات إلى ذات أو من وصف في الذات إلى وصف آخر فيها وليس في تلك الجملة المقدرة مفعولاً ثانياً انتقال مما ذكرنا)) وفيه بحث لا يخفى. والزمخشري قد نص على جعل الجملة بدلاً من الكاف وهو إمام في العربية، لكن أفاد صاحب «الكشف» أنه أراد أنه بدل من حيث المعنى لا أنه بدل من ذاك لفظاً قال: لأنه مفرد دال على الذات باعتبار المعنى وهذا دال على المعنى وإن كان الذات يلزم من طريق الضرورة إلا أن يقدر له موصوف محذوف بأن يقدر رجالاً سواء محياهم ومماتهم مثلاً، والمعنى على البدلية كما سمعت في قراءة النصب، وجوز كون الجملة مفعولاً ثانياً و {كَٱلَّذِينَ } حال من ضمير {نَّجْعَلَهُمْ } ولا يخفى عليك ما عليه وما له. وإذا كان الضمير للمؤمنين فالجملة قيل: حال من الموصول الثاني لا من الضمير في المفعول الثاني للفساد، وتعقب بأن فيه اكتفاء الاسمية الحالية بالضمير وهو غير فصيح على ما قيل. وقيل: استئناف يبين المقتضي للإنكار على حسبان التماثل وهو أن المؤمنين سواء حالهم عند الله تعالى في الدارين بهجة وكرامة فكيف يماثلهم المجترحون، وجوز أن تكون بياناً لوجه الشبه المجمل، وإذا كان الضمير للفريقين فالظاهر أن الجملة كلام مستأنف غير داخل في حكم الإنكار والتساوي حينئذ بين حال المؤمنين بالنسبة إليهم خاصة وحال المجترحين كذلك وتكون الجملة تعليلاً للإنكار في المعنى دالاً على عدم المماثلة لا في الدنيا ولا في الآخرة لأن المؤمنين متساوو المحيا والممات في الرحمة وأولئك متساوو المحيا والممات في النقمة إذ المعنى كما يعيشون يموتون فلما افترق حال هؤلاء وحال هؤلاء حياة فكذلك / موتاً، وأما الإبدال فقد علم حاله فتأمل. وقرأ الأعمش {سوآء} بالنصب {محياهم ومماتهم} به أيضاً، وخرج الأول على ما سمعت ونصب (محياهم ومماتهم) على الظرفية لأنهما اسما زمان أو مصدران أقيما مقام الزمان والعامل إما {سَوَآءً} أو {نَّجْعَلَهُمْ }. هذا والآية وإن كانت في الكفار على ما نقل عن «البحر» - وهو ظاهر ما روي عن الكلـبي من أن عتبة وشيبة والوليد بن عتبة قالوا لعلي كرم الله تعالى وجهه وحمزة رضي الله تعالى عنه والمؤمنين: والله ما أنتم على شيء ولئن كان ما تقولون حقاً لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما هو أفضل في الدنيا فنزلت الآية: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيّئَـٰتِ } الخ وهي متضمنة للرد عليهم على جميع أوجهها كما يعرف بأدنى تدبر - يستنبط منها تباين حالي المؤمن العاصي والمؤمن الطائع ولهذا كان كثير من العباد يبكون عند تلاوتها حتى إنها تسمى مبكاة العابدين لذلك، فقد أخرج عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» والطبراني وجماعة عن أبـي الضحى قال: قرأ تميم الداري سورة الجاثية فلما أتى على قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ} الآية لم يزل يكررها ويبكي حتى أصبح وهو عند المقام. وأخرج ابن أبـي شيبة عن بشير مولى الربيع بن خيثم أن الربيع كان يصلي فمر بهذه الآية {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ} الخ فلم يزل يرددها حتى أصبح، وكان الفضيل بن عياض يقول لنفسه إذا قرأها: ليت شعري من أي الفريقين أنت. وقال ابن عطية: ((إن لفظها يعطي أن اجتراح السيئات هو اجتراح الكفر لمعادلته بالإيمان، ويحتمل أن تكون المعادلة بالاجتراح وعمل الصالحات ويكون الإيمان في الفريقين ولهذا بكى الخائفون عند تلاوتها)). ورأيت كثيراً من المغرورين المستغرقين ليلهم ونهارهم بالفسق والفجور يقولون بلسان القال والحال: نحن يوم القيامة أفضل حالاً من كثير من العابدين وهذا منهم - والعياذ بالله تعالى - ضلال بعيد وغرور ما عليه مزيد. {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } أي ساء حكمهم هذا وهو الحكم بالتساوي فما مصدرية والكلام إخبار عن قبح حكمهم المعهود. ويجوز أن يكون لإنشاء ذمهم على أن {سَاءَ } بمعنى بئس فما فيه نكرة موصوفة وقعت تمييزاً مفسراً لضمير الفاعل المبهم والمخصوص بالذم محذوف أي بئس شيئاً حكموا به ذلك.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من وصف تكذيبهم بالآيات واستهزائهم بها ثم من أمر المؤمنين بالصفح عنهم وإيكال جزاء صنائعهم إلى الله ثم من التثبيت على ملازمة الشريعة الإسلامية إلى وصف صنف آخر من ضلالهم واستهزائهم بالوعد والوعيد وإحالتهم الحياة بعد الموت والجزاءَ على الأعمال وتخييلهم للناس أنهم يصيرون في الآخرة، على الحال التي كانوا عليها في الدنيا، عظيمهم في الدنيا عظيمهم في الآخرة، وضعيفهم في الدنيا ضعيفهم في الآخرة، وهذا الانتقال رجوع إلى بيان قوله: { أية : من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربّكم ترجعون } تفسير : [الجاثية: 15]. فحرف {أم} للإضراب الانتقالي، والاستفهام الذي يلزم تقديره بعد {أمْ} استفهام إنكاري، والتقدير: لا يحسب الذين اجترحوا السيئات أنهم كالذين آمنوا لا في الحياة وفي في الممات. و{الذين اجترحوا السيئات} في نقل عن ابن عباس: أنهم المشركون كما يؤذن به الانتقال من الغرض السابق إلى هذا الغرض وإنما عبر عنهم بهذا العنوان لما في الصلة من تعليل إنكار المشابهة والمساواة بينهم وبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند الله في عالم الخلد ولأن اكتساب السيئات من شعار أهل الشرك إذ ليس لهم دين وازع يزعهم عن السيئات ولا هم مؤمنون بالبعث والجزاء، فيكون إيمانهم به مرغباً في الجزاء، ولذلك كثُر في القرآن الكناية عن المشركين بالتلبس بالسيئات كقوله: { أية : ويلٌ للمطففين } تفسير : [المطففين: 1] إلى قوله: { أية : ألاَ يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم } تفسير : [المطففين: 5] وكقوله: { أية : ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين } تفسير : [المدثر: 42 ـــ 46] وقوله: { أية : أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدعّ اليتيم ولا يحضّ على طعام المسكين } تفسير : [الماعون: 1 ـــ 3] ونظيره { أية : أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون } تفسير : [العنكبوت: 4]، فإن ذلك حال الكفار، وأما المؤمن العاصي فلا تبلغ به حاله أن يحسب أنه مفلت من قدرة الله. قيل: نزلت في قوم من المشركين. قال البغوي: نزلت في نفر من مشركي مكة قالوا للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقاً لنفضلنّ عليكم في الآخرة كما فضّلنا عليكم في الدنيا. وعن الكلبي: أن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة قالوا لعلي وحمزة وبعض المسلمين: والله ما أنتم على شيء ولئن كان ما تقولون حقاً (أي إن كان البعث حقاً) لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما أنّا أفضل حالاً منكم في الدنيا. وتأويل نزول هذه الآية على هذا السبب أن حدوث قول هؤلاء النفر صادف وقت نزول هذه الآيات من السورة أو أن قولهم هذا متكرر فناسب تعرض الآية له حقه. ونزول الآية على هذا السبب لإبطال كلامهم في ظاهر حاله وإن كانوا لم يقولوه عن اعتقاد وإنما قالوه استهزاء، لئلا يروج كلامهم على دهمائهم وَالحديثين في الإسلام لأن شأن التصدّي للإرشاد أن لا يغادر مغمزاً لرواج الباطل إلا سدّه، كما في قوله تعالى: { أية : أفرأيتَ الذي كفر بآياتنا وقال لأُوتَيّن مالاً وولداً أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمان عهداً } تفسير : [مريم: 77، 78] وله نظائر في القرآن. وزاد القرطبي في حكاية كلام الكلبي أنهم قالوه حين برزوا لهم يوم بدر، وهو لا يستقيم لأن السورة مكية ولم ينقل عن أحد استثناء هذه الآية منها. والاجتراح: الاكتساب، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة، وهو مشتق من الجرح فأطلق على اكتساب السباع ونحوها، ولذلك سميت كلاب الصيد جوارحَ وسمي به اكتساب الناس لأن غالب كسبهم في الجاهلية كان من الإغارة على إبل القوم وهي بالرماح، قالت أم زرع: "فنكحتُ بعدَه رَجُلاً سريّاً، ركب شَريّاً، وأخذ خطباً وأراح عليَّ نَعَماً ثَرَياً"، ولذلك غلب إطلاق الاجتراح على اكتساب الإثم والخبيث. وظاهر تركيب الآية أن قوله: {سواء محياهم ومماتهم} داخل في الحسبان المنكور فيكون المعنى: إنكار أن يستوي المشركون مع المؤمنين لا في الحياة ولا بعد الممات، فكما خالف الله بين حالَيْهم في الحياة الدنيا فجعل فريقاً كفرة مسيئين وفريقاً مؤمنين محسنين، فكذلك سيخالف بين حاليهم في الممات فيموت المشركون على اليأس من رحمة الله إذ لا يوقنون بالبعث ويلاقون بعد الممات هول ما توعدهم الله به، ويموت المؤمنون رجاء رحمة الله والبشرى بما وُعدوا به ويلاقون بعد الممات ثواب الله ورضوانه. وقرأ الجمهور: {سواء} مرفوعاً فيكون موقع جملة {سواء محياهم} موقع البدل من كاف التشبيه التي هي بمعنى مِثل على ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» يريد أنه بدل مطابق لأن الجملة تبدل من المفرد على الأصح، والبدل المطابق هو عطف البيان عند التحقيق، فيكون جملة {سواء محياهم ومماتهم} بيانَ ما حسبه المشركون. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف منصوباً، فلفظُ {سواء} وحده بدل من كاف المماثلة، بَدَل مفرد من مفرد أو حال من ضمير النصب في {نجعلهم}. وهذا لأن المشركين قالوا للمسلمين: سنكون بعد الموت خيراً منكم كما كنا في الحياة خيراً منكم. فضمير {محياهم} وضمير {مماتهم} عائدان لكل من الذين اجترحوا السيئات والذين آمنوا على التوزيع، أي مَحْيَا كلِّ مساوٍ لمماته، أي لا يتبدل حال الفريقين بعد الممات بل يكُونون بعد الممات كما كانوا في الحياة غير أن موقع كاف التمثيل في قوله: {كالذين آمنوا} ليس واضح الملاقاة لحُسبان المشركين المسلطِ عليه الإنكار لأنهم إنما حسبوا أن يكونوا بعد الممات (على تقدير وقوع البعث) أحسنَ حالاً من المؤمنين لا أن يكونوا مثل المؤمنين لأنهم قالوا ذلك في مقام التطاول على المؤمنين، وإرادة إفحامهم بسفسطتهم. فبِنا أن نبين موقع هذا الكاف في الآية. والذي أرى: أن موقعه الإيماء إلى أن الله قدّر للمؤمنين حسن الحال بعد الممات حتى صار ذلك المقدَّر مَضرِبَ الأمثال ومناط التشبيه، وإلى أن حُسبان المشركين أنفسَهم في الآخرة على حالة حسنة باطل، فعبر عن حسبانهم الباطلِ بأنهم أثبتوا لأنفسهم في الآخرة الحال التي هي حال المؤمنين، أي حسب المشركون بزعمهم أن يكونوا بعد الموت في حالة إذا أراد الواصف أن يصفها وصفها بمشابهة حال المؤمنين في عندِ الله وفي نفس الأمر، وليس المراد أن المشركين مَثَّلوا حالهم بحال المؤمنين فيؤول قوله: {كالذين آمنوا} إلى حكاية الكلام المحكي بعبارة تساويه لا بعبارة قائله، وذلك مما يتوسع فيه في حكاية الأقوال كقوله تعالى حكاية عن عيسى { أية : ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله، ربّي وربّكم } تفسير : [المائدة: 117] فإن ما أمره الله به: أن اعبدوا الله ربَّك وربّهم، وذلك من خلاف مقتضى الظاهر دعا الله هنا قصد التنويه بالمؤمنين والعناية بزلفاهم عند الله، فكأنه قيل: أحسبوا أن نجعلهم في حالة حسنة ولكن هذا المأمول في حسبانهم هو في نفس الأمر حال المؤمنين لا حالُهم. فأُوجز الكلام، وفَهْم السامع يبسطه. والمواجه بهذا الكلام هم النبي والمؤمنون تكملة للغرض المبتدأ به في قوله: { أية : قل للذي آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله } تفسير : [الجاثية: 14] على أن لك أن تجعل قوله تعالى: {كالذين آمنوا} معترضاً بين مفعولي (نجعل) وهما ضميرا الغائبين وجملة {سواء محياهم} أو ولفظ {سواء} في قراءة نصبه فلا يكون مراداً إدخاله في حسبان المشركين. ويجوز على هذا أن يكون قوله: {كالذين آمنوا} تهكماً على المشركين في حسبانهم تأكيداً للإنكار عليهم. ومِن خلاف ظاهر التركيب ما قيل: إن مدلول {سواء محياهم ومماتهم} ليس من حسبان المشركين المنكور ولكنه كلام مستأنف، والمعنى: أنه لما أنكر حسبان استواء الكافرين والمؤمنين خطر ببال السامع أن يسأل كيف واقعُ حال الفريقين فأجيب بأن حال محياهم هو مقياس حال مماتهم، أي حالهم في الآخرة مختلف كما هو في الدنيا مختلف، فالمؤمنون يحيون في الإقبال على ربهم ورجاء فضله، والكافرون يعيشون معرضين عن عبادة ربّهم آيسين من البعث والجزاء. وهذا ليس عين الجواب ولكنه من الاكتفاء بعلة الجواب عن ذكره. والتقدير: حال الفريقين مختلف في الآخرة كما كان مختلفاً في الحياة. وجملة {ساء ما يحكمون} تذييل لما قبلها من إنكار حسبانهم وما اتصل بذلك الإنكار من المعاني. واعلم أن هذه الآية وإن كان موردها في تخالف حالي المشركين والمؤمنين فإن نوط الحكم فيها بصلة {الذين اجترحوا السيئات} يجعل منها إيماء إلى تفاوت حالي المسيئين والمحسنين من أهل الإيمان وإن لم يحسب أحد من المؤمنين ذلك وعن تميم الداري أنه بات ليلة يقرأ هذه الآية ويركع ويسجد ويبكي إلى الصباح. وروي مثل ذلك عن الربيع بن خيثم وعن الفضيل بن عياض: أنه كان كثيراً ما يردد من أول الليل هذه الآية ثم يقول: ليت شعري من أي الفريقين أنت. (يخاطب نفسه) فكانت هذه الآية تسمى مَبكاة العابدين. والمحيا والممات: مصدران ميميان أو اسما زَمان، أي حياتهم وموتهم، وهو على كلا الاعتبارين بتقدير مضاف، أي حالة محياهم وحالات مماتهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة (ص) في الكلام على قوله تعالى:{أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ}تفسير : [ص: 28].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اجترحوا السيئات: أي اكتسبوا بجوارحهم الشرك والمعاصي. سواء محياهم ومماتهم: أي محياهم ومماتهم سواء، لا لا المؤمنون في الجنة والمشركون في النار. ساء ما يحكمون: أي ساء حكماً حكمهم بالتساوي مع المؤمنين. ولتجزى كل نفس بما كسبت: أي وليجزى الله كل نفس ما كسبت من خير وشر. أفرأيت من اتخذ إلهه هواه: أي أخبرني عمن اتخذ أي جعل إلهه أي معبوده هواه. وأضله الله على علم: أي على علم من الله تعالى بأنه أهل للإِضلال وعدم الهداية. وجعل على بصره غشاوة: أي ظلمة على عينيه فلا يبصر الآيات والدلائل. أفلا تذكرون: أي أفلا تتذكرون أيها الناس فتتعظون. معنى الآيات لما ذكر تعالى في الآيات قبل هذه الظالمين والمتقين وجزاء كل منهم وأنه كان مختلفا باختلاف نفوس الظالمين والمتقين خبثا وطهراً ذكر هنا ما يقرر ذلك الحكم وهو اختلاف جزاء الظالمين والمتقين فقام: أم حسب الذين اجترحوا السيئات أي اكتسبوها بجوارحهم، والمراد بها الشرك والمعاصي أن نجعلهم كالذين آمنوا بالله ربا وإلهاً وبكل ما أمر تعالى بالإيمان به، وعملوا الصالحات من إقام الصلاة وآيتاه الزكاة وصيام رمضان والجهاد والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما إلى ذلك من الصالحات. سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون أي ساء حكما حكمهم هذا ومعنى هذا أن الله تعالى أنكر على من يحسب هذا الحسبان ويظن هذا الظن الفاسد وهو أن يعيش الكافر والمؤمن في هذه الحياة الكافر يعيش على المعاصي والذنوب والمؤمن على الطاعة والحسنات ثم يموتون ولا يجزى الكافر على كفره والمؤمن على إيمانه، وأسوأ من هذا الظن ظن آخر كان ليعضهم وهو أنهم إذا ماتوا يكرمون وينعم عليهم بخير ما يكرم به المؤمنون وينعم به عليهم. وهذا غرور عجيب، فأنكر تعالى عليهم هذا الظن الباطل وحكم انه لا يسوى بين بر وفاجر، ولا بين مؤمن وكافر لأن ذلك مناف للعدل والحق والله خلق السماوات والأرض بالحق، وأنزل الشرائع وأرسل الرسل ليعمل الناس في هذه الحياة الدنيا فمن آمن وعمل صالحاً كانت الحسنى له جزاء، ومن كفر وعمل سوءاً كانت جهنم جزاءه، وهو معنى قوله تعالى: {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أي من خير وشر، وهم لا يظلمون لأن العدالة الإلهية هي التي تسود يوم القيامة وتحكم. وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} أي جعل معبوده ما تهواه نفسه فما هويت قولا إلا قاله، ولا عملا إلا عمله ولا اعتقاداً إلا اعتقده ضارباً بالعقل والشرع عرض الحائط فلا يلتفت إليهما ولا يستمع إلى ندائهما. وقوله تعالى {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} أي منه تعالى حيث سبق في علمه أن هذا الإنسان لا يهتدي ولو جاءته كل آية فكتب ذلك عليه فهو كائن لا محالة، وقوله {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} أي وختم تعالى على سمعه حسب سنته في ذلك فأصبح لا يسمع الهدى ولا الحق كأنه أصم لا يسمع، وأصبح لا يعقل معاني ما يسمع وما يقال له كأنه لا قلب له، وأصبح لما على بصره من ظلمة لا يرى الأدلة ولا العلامات الهادية إلى الحق وإلى الطريق المستقيم المفضي بسالكه إلى النجاة من النار ودخول الجنة، وقوله تعالى: {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} وقد أضله الله والجواب لا أحد. كقوله تعالى من سورة النحل {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ}تفسير : [الآية: 37] أي من أضله الله تعالى حسب سنته في الإِضلال وهي أن يدعى العبد إلى أحد بعد أن أضله الله تعالى. وقوله تعالى: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تذكرون فتتعظون أيها الناس فتؤمنوا وتوحدوا وتعملوا الصالحات فتكملوا وتسعدوا في الدنيا وتنجو من النار وتدخلوا الجنة في الآخرة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بطلان اعتقاد الكافرين في أن الناس يحيون ويموتون بلا جزاء على الكسب صالحه وفاسده. 2- تقرير البعث والجزاء. 3- موعظة كبيرة في هذه الآية أم حسب الذين اجترحوا السيئات إلى آخرها حتى إن أحد رجال السلف الصالح قام يتهجد من الليل فقرأ حتى انتهى إلى هذه الآية فأخذ يرددها ويبكي حتى طلع الفجر. 4- التنديد بالهوى والتحذير من اتباعه فقد يفضي بالعيد إلى ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فيصبح معبوده هواه لا الرب تعالى مولاه. 5- التحذير من ارتكاب سنن الضلال المفضي بالعبد إلى الضلال الذي لا هداية معه.

القطان

تفسير : اجترحوا السيئات: اكتسبوا الخطايا والكفر. مَحياهم: حياتهم. مَماتهم: موتهم. اتخذ إلهه هواه: من اتخذ هواه معبودا له يجري وراء متعته ولذاته ولا يتقيد بشرع ولا دين. وما يُهلكنا الا الدهر: هؤلاء الملاحدة الذين لا يؤمنون باله يقولون: لا وجود للاله وانما نولد ونموت طبيعيا. لا يمكن ان يكون المحسنُ والمسيء في منزلة واحدة، ولا يجوز ان نسوّيَ بين الفريقين في الحياة الدنيا، وفي دار الآخرة. كلا لا يستوون في شيء منهما. كما قال تعالى: {أية : لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} تفسير : [الحشر: 20]. فالله سبحانه وتعالى قد أقام هذا الكون بما فيه على نظام ثابت، وعلى اساس الحق والعدل، فاذا استوى المؤمن والكافر ينتفي العدل. وهذا محالٌ على الله تعالى. وكذلك قال في آية اخرى: {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ} تفسير : [السجدة: 18]. يتكرّرُ ذكر اقامة هذا الكون على اساس العدل والحق كثيرا في القرآن الكريم، لأنه أصلٌ من أصول هذه العقيدة. من ثم علينا ألا نأسف عندما نرى أناساً يتقلبون في النعيم، وهم من الفَجَرة الفسقة، فان وراءهم حساباً عسيرا، فلا نعيمُ الحياة الدنيا دليل على رضا الله، ولا بؤسُها دليل على غضبه. ولذلك يقول تعالى: {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وفي هذه الآية تعليل قويّ لنفي المساواة بين المحسن والمسيء، وهو أن تُجزى كل نفس بما كسبت من خير او شر {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. ثم يُتبع الله ذلك بصورة عجيبة لأولئك الناس الذين لا يتقيّدون بدين، ولا يتمسكون بخلُق: أرأيتَ أيها الرسُول مَن ركب رأسه، وترك الهدى، وأطاع هواه فجعله معبوداً له، وضل عن سبيل الحق وهو يعلم بهذا السبيل {عَلَىٰ عِلْمٍ مِنْهُ} ثم مضى سادِراً في ملذّاته غير آبهٍ بدين ولا خلق!؟ لقد أغلقَ سمعه فلا يقبل وعظاً، وقلبه فلا يعتقد حقا {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}، يا مشركي قريشٍ هذا؟ انها صورة عجيبة من الواقع الذي نراه دائماً، وما اكثر هذا الصنف من الناس. واتباعُ الهوى هذا قد ذمّه اللهُ في عدة آيات من القرآن الكريم. {أية : وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} تفسير : [الأعراف: 176] {أية : وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}تفسير : [الكهف: 28]. {أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [ص: 26]. نسأل الله السلامة. ثم بعد ذلك يذكر اللهُ مقالةَ المنكرين للبعث، والذين يقال لهم الدَّهرِيّون. هؤلاء الناس أنكروا البعث وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا هذه، نموتُ ونحيا وما يُهلكنا الا الدهر. {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} إنهم لا يقولون ذلك عن علمٍ ويقين، ولكن عن ظنّ وتخمين، واوهامٍ لا مستَنَدَ لها من نقل او عقل. ولمّا لم يجدوا حجةً يقولونها تعلّلوا بقولهم: ان كان ما تقوله يا محمد حقاً فلْتُرجِع آباءنا الموتى الى الحياة {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. وهنا أمر الله تعالى رسولَه الكريم ان يقول لهم: الله يحييكم في الدنيا من العدَم ثم يميتكم فيها عند انقضاء آجالكم، ثم يجمعُكم يومَ القيامة الذي لا شك فيه، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} قدرةَ الله على البعث، لإعراضهم عن التأمل في آيات الله وملكوته. قراءات قرأ حمزة والكسائي وحفص: سواءً محياهم، بنصب سواء. والباقون: سواءٌ بالرفع. وقرأ حمزة والكسائي: غشوة، والباقون: غشاوة. قال في لسان العرب الغشاء: الغطاء، وعلى بصره وقلبه غشوة وغشوة مثلثة العين، وغشاوة وغشاوة بفتح الغين وكسرها، وكلها معناها الغطاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {مَّحْيَاهُمْ} (21) - أيَظُنُّ الذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ، وَاكتَسَبُوا الآثَامَ وَالمَعَاصِيَ في الدُّنيا، فَكَفُروا باللهِ، وكَذَّبوا رسُلَهُ، وخَالَفُوا أوامِرَه.. أَن يُسَاوِيَهُمُ اللهُ بالذِينَ آمنُوا بِهِ، وَصَدَّقوا رُسُلَه، وَعَمِلُوا الأَعمالَ الصَّالحةَ في الدُّنيا؟ إِن اللهَ تَعَالى لا يُسَاوِي بَينَ هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ في الدُّنيا، وَفي رَحمةِ اللهِ ورِضْوانِهِ في الآخِرةِ. وَجَعَلَ اللهُ الكَفَرَةَ الفَجَرةَ في ذُلِّ الكُفْرِ وَالمَعَاصي في الدُّنيا، وفي لَعْنَةِ اللهِ وَعَذَابِهِ الخَالِدِ في نَارِ جَهنَّمَ في الآخِرَةِ. فَشَتَّانَ مَا بينَ هؤلاءِ وَهؤلاءِ، وَسَاءَ مَا ظَنَّهُ، وَمَا قَدَّرَهُ هؤُلاءِ المُجرِمُونَ، تَعَالى اللهُ مِنْ أَنْ يُسَاوِيَهُمْ بِالمُؤمِنينَ الأَطْهَارِ. اجترَحُوا السَّيئَاتِ - اكتَسَبُوا الكُفْرَ والمَعَاصِي.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الفعل {حَسِبَ ..} [الجاثية: 21] بكسر السين يعني: ظنَّ، وهناك حسب بالفتح من الحساب والعَدِّ. ومعنى {ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ..} [الجاثية: 21] يعني: فعلوها واكتسبوها لذلك نُسمِّي الجوارح من الطيور (الكاسبات) لأنها تُستخدم للصيد، فهي كواسب. والسيئة هي كل ما يسوء صاحبه، يسوءه عقاباً أو ذماً. وفي الآية استفهامٌ يفيد الإنكار والتعجب من هذا الظن، فكيف نُسوِّي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين الطائعين والعاصين، فالذين انصرفوا عن دعوتك يا محمد، وظنوا أنْ نُسوِّيهم بالذين آمنوا ظنهم خاطئ. فشتَّان بين هذا وذاك، ولن نعاملهم كما نعاملكم، بل نعاملهم في الدنيا بالهزيمة، ونعاملكم بالنصْرة والتمكين، ونعاملهم في الآخرة بالعذاب، ونعاملكم بالنعيم والثواب. {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ..} [الجاثية: 21] يعني: لا نُسوِّي بينكم وبينهم، لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] فمَنْ يحكم بالمساواة هنا ساء حكمه وبطل، لأنه حُكْم جائر مُنافٍ للحق وللعدل. فكأن ظنهم هذا هو الذي أرداهم وأغراهم بعدم الإيمان بك، وإلا لو أيقنوا أن الغاية مختلفة، وأن الجزاء مختلف لآمنوا وعملوا الصالحات.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما حكى تعالى ضلالات بني إِسرائيل، وبيَّن أن القرآن نور وهداية لمن تمسَّك به، أعقبه ببيان أنه لا يتساوى المؤمن مع الكافر، ولا البر مع الفاجر، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ثم ذكر الأدلة على البعث والنشور. اللغَة: {ٱجْتَرَحُواْ} اكتسبوا والاجتراحُ الاكتساب ومنه الجوارح {غِشَاوَةً} غطاء وغشَّى الشيءَ غطَّاه {جَاثِيَةً} باركةً على الركب لشدة الهول جثا - يجثو إِذا قعد على ركبتيه {نَسْتَنسِخُ} استنسخ الشيء أمر بكتابته وتدوينه {حَاقَ} نزل وأحاط {يُسْتَعَتَبُونَ} يُطلب منهم إِرضاء ربهم يقال: استعتبتهُ فأعتبني أي استرضيتُه فقبل مني عذري {ٱلْكِبْرِيَآءُ} العظمة والمُلك والجلال. سَبَبُ النّزول: روي أن أبا جهلٍ طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل: واللهِ إني لأعلم أنه لصادق، فقال له: مهْ، وما دلَّك على ذلك؟ فقال يا أبا عبد شمسٍ: كنا نسميه في صباه الصادق الأمين، فلما تمَّ عقلهُ وكمُل رشده نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لأعلم أنه لصادق، قال: فما يمنعك أن تصدِّقه وتُؤمن به؟ قال: تتحدث عني بنات قريش أني اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسْرة واللاتِ والعُزَّى لا أتَّبعه أبداً فنزلت {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ..} الآية. التفسِير: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} الاستفهام للإِنكار والمعنى هل يظنُّ الكفار الفجار الذين اكتسبوا المعاصي والآثام {أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي أن نجعلهم كالمؤمنين الأبرار {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} أي نساوي بينهم في المحيا والممات؟ لا يمكن أن نساوي بين المؤمنين والكفار، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فإِن المؤمنين عاشو على التقوى والطاعة، والكفار عاشوا على الكفر والمعصية، وشتان بين الفريقين كقوله {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ}تفسير : [السجدة: 18]؟ قال مجاهد: المؤمنُ يموت مؤمناً ويُبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويُبعث كافراً {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} أي ساء حكمهم في تسويتهم بين أنفسهم وبين المؤمنين قال ابن كثير: ساء ما ظنّوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأَبرار والفجار، فكما لا يُجتنى من الشوكِ العنبُ، كذلك لا ينال الفُجَّار منازل الأبرار {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي وخلق الله السماواتِ والأرض بالعدل والأمر الحقِّ ليدل بهما على قدرته ووحدانيته {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي ولكي يُجزى كل إِنسان بعمله، وبما اكتسب من خير أو شر، دون أن يُنقص في ثواب المؤمن أو يُزاد في عذاب الكافر قال شيخ زاده: لمّا خلق تعالى السماواتِ الأرض لإِجل إِظهار الحق، وكان خلقهما من جملة حكمته وعدله، لزم من ذلك أن ينتقم من الظالم لأجل المظلوم، فبثت بذلك حشر الخلائق للحساب {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} أي أخبرني يا محمد عن حال من ترك عبادة الله وعبد هواه!! قال في البحر: أي هو مطواعٌ لهوى نفسه يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلَهه قال ابن عباس: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلاّ ركبه {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} أي وأضلَّ الله ذلك الشقي في حال كونه عالماً بالحق غير جاهل به، فهو أشدُّ قبحاً وشناعةً ممن يضل عن جهل، لأنه يُعرض عن الحقِّ والهُدى عناداً كقوله تعالى {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً}تفسير : [النمل: 14] {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} أي وطبع على سمعه وقلبه بحيث لا يتأثر بالمواعظ، ولا يتفكر في الآيات والنُّذر {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} أي وجعل على بصره غطاء حتى لا يبصر الرشد، ولا يرى حجة يستضيء بها {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ}؟ أي فمن الذي يستطيع أن يهديه بعد أن أضله الله؟ لا أحد يقدر على ذلك {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أفلا تعتبرون أيها الناس وتتعظون؟ قال الصاوي: وصف تعالى الكفار بأربعة أوصاف: الأول: عبادة الهوى، والثاني: ضلالهم على علم الثالث: الطبع على أسماعهم وقلوبهم الرابع: جعل الغشاوة على أبصارهم، وكلَّ وصفٍ منها مقتضٍ للضلالة، فلا يمكن إِيصال الهدى إليهم بوجهٍ من الوجوه.. ثم حكى تعالى عن المشركين شبهتهم في إنكار القيامة، وفي إِنكار الإِله القادر العليم فقال {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي وقال المشركون: لا حياة إلا هذه الحياة الدنيا، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، ولا آخرة، ولا بعث، ولا نشور قال ابن كثير: هذا قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد، ومرادهم ما ثمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وليس هناك معادٌ ولا قيامة، وهذا قول الفلاسفة الدهريين، المنكرين للصانع، المعتقدين أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} أي وما يهلكنا إلا مرورُ الزمان، وتعاقبُ الأيام قال الرازي: يريدون أن الموجب للحياة والموت تأثيراتُ الطبائع وحركاتُ الأفلاك، ولا حاجة إلى إثبات الخالق المختار، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإِله وبين إِنكار البعث والقيامة، قال تعالى رداً عليهم {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي وليس لهم مستندٌ من عقل أو نقل، ولذلك أنكروا وجود الله من غير حجةٍ ولا بينة {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} أي ما هم إلا قوم يتوهمون ويتخيلون، يتكلمون بالظن من غير يقين {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي وإِذا قرئت آياتُ القرآن على المشركين، واضحات الدلالة على البعث والنشور {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي ما كان متمسكهم في دفع الحق الصريح إلا أن يقولوا: أحْيوا لنا آباءنا الأولين، إِن كان ما تقولونه حقاً، سُمِّيَ قولهم الباطل حجةً على سبيل التهكم {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} أي قل لهم يا محمد: اللهُ الذي خلقكم ابتداءً حين كنتم نُطفاً هو الذي يميتكم عند انقضاء آجالكم، لا كما زعمتم أنكم تحيون وتموتون بحكم الدهر {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي ثم بعد الموت يبعثكم للحساب والجزاء كما أحياكم في الدنيا، فإِنَّ من قدر على البدء قدر على الإِعادة، والحكمةُ اقتضت الجمع للجزاء في يوم القيامة، الذي لا شك فيه ولا ارتياب {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ أكثر الناس لجهلهم وقصورهم في النظر والتفكر، لا يعلمون قدرة الله فينكرون البعث والجزاء.. ثم بيَّن إمكان الحشر والنشر ذكر تفاصيل أحوال يوم القيامة فقال {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي هو جل وعلا المالك لجميع الكائنات العلوية والسفلية {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ} أي ويوم القيامة يخسر الكافرون الجاحدون بآيات الله {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} أي وترى أيها المخاطب كل أمةٍ من الأمم جالسةً على الركب من شدة الهول والفزع، كما يجثوا الخصوم بين يدي الحاكم بهيئة الخائف الذليل قال ابن كثير: وهذا إذا جيء بجهنم فإِنها تزفر زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا جثا على ركبتيه {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا} أي كلُّ أمةٍ من تلك الأمم تُدعى إلى صحائف أعمالها {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي يقال لهم: في هذا اليوم الرهيب تنالون جزاء أعمالكم من خيرٍ أو شر {هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} أي هذا كتابُ أعمالكم يشهد عليكم بالحق من غير زيادةٍ ولا نقصان قال في التسهيل: فإِن قيل: كيف أضاف الكتاب تارةً إِليهم وتارةً إلى الله تعالى؟ فالجواب أنه أضافه إِليهم لأن أعمالهم ثابتةٌ فيه، وأضافه إلى الله تعالى لأنه مالكه وأنه هو الذي أمر الملائكة أن يكتبوه {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي كنَّا نأمر الملائكة بكتابة أعمالكم، وإِثباتها عليكم قال المفسرون: تنسخ هنا بمعنى تكتب، وحقيقة النسخ هو النقل من أصلٍ إلى آخر، وقال ابن عباس: تكتب الملائكة أعمال العباد ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابل الملائكة الموكلون بديوان الأعمال ما كتبه الحفظة، مما قد أُبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القِدم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً، فذلك هو الاستنساخ، وكان ابن عباس يقول: ألستم عرباً، هل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟ ثم بيَّن تعالى أحوال كلٍ من المطيعين والعاصين فقال {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} أي فأما المؤمنون الصالحون المتقون لله في الحياة الدنيا، فيدخلهم الله في الجنة، سُميت الجنة رحمةً لأنها مكان تنزل رحمةِ الله {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} أي ذلك هو الفوز العظيم، البيّن الظاهر الذي لا فوز وراءه {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي وأمَّا الكافرون فيقال لهم توبيخاً وتقريعاً: أفلم تكن الرسل تتلو عليكم آيات الله؟ {فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} أي فتكبرتم عن الإِيمان بها، وأعرضتم عن سماعها، وكنتم قوماً مغرقين في الإِجرام {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي وإِذا قيل لكم إن البعث كائن لا محالة {وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا} أي والقيامة آتيةٌ لا شك في ذلك ولا ريب {قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ} أي قلتم لغاية عتوكم، أيُّ شيء هي؟ أحقٌّ أم باطل؟ قال البيضاوي: قالوا هذا استغراباً واستبعاداً وإِنكاراً لها {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً} أي لا نصدِّق بها ولكن نسمع الناس يقولون: إِنَّ هناك آخرة فنتوهم بها توهماً {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} أي ولسنا مصدِّقين بالآخرة يقيناً، وهذا تأكيد منهم لإِنكار القيامة {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي وظهر لهم في الآخرة قبائح أعمالهم {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي ونزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به في الدنيا {وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} أي ويقال لهم: اليوم نتركُكم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، كما تركتم الطاعة التي هي الزاد ليوم المعاد فلم تعملوا لآخرتكم {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أي ومستقركم في نار جهنم {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } أي وليس لكم من ينصركم ويخلصكم من عذاب الله {ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً} أي إِنما جازيناكم هذا الجزاء، بسبب أنكم سخرتم من كلام الله واستهزأتم به {وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي خدعتكم الدنيا بزخارفها وأباطيلها، حتى ظننتم ألاَّ حياة سواها، وأَلاَّ بعث ولا نشور {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} أي فاليوم لا يُخْرجون من النار، ولا يُطلبُ منهم أن يرضوا ربَّهُم بالتوبة والطاعة لعدم نفعها يومئذٍ {فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي فلله الحمد خاصة لا يستحق الحمد أحدٌ سواه لأنه الخالق والمالك لجميع المخلوقات والكائنات {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي وله العظمة والجلال، والبقاء والكمال في السماوات والأرض {وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي الغالب الذي لا يغلب، الحكيم في صنعه وفعله وتدبيره. البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التأكيد بأنَّ واللام {أية : إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ}تفسير : [الجاثية: 3] لأن المخاطبين منكرون لوحدانية الله. 2- صيغة المبالغة {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}تفسير : [الجاثية: 7] لأن فعّال وفعيل من صيغ المبالغة. 3- الأسلوب التهكمي {أية : فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [الجاثية: 8] لأن البشارة تكون بالخير واستعمالها بالشر تهكمٌ. 4- المجاز المرسل {أية : وَمَآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَّن رِّزْقٍ}تفسير : [الجاثية: 5] أي مطر، مجاز مرسل علاقته المسببية لأن الرزق لا ينزل من السماء، ولكن ينزل المطر الذي ينشأ عنه النبات والرزق. 5- التشبيه المرسل {أية : يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا}تفسير : [الجاثية: 8] أي كأنه لم يسمع آيات القرآن. 6- المبالغة بذكر المصدر {أية : هَـٰذَا هُدًى}تفسير : [الجاثية: 11] كأن القرآن لوضوح حجته عين الهُدى. 7- الإِطناب بتكرار اللفظ {أية : سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ.. وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الجاثية:12ـ13] لإِظهار الامتنان. 8- طباق السلب {أية : فَٱتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الجاثية: 18]. 9- المجاز المرسل {فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} أي في الجنة لأنها مكان تنزل رحمة الله. 10- الطباق بين {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا}تفسير : [الجاثية: 15] وبين {نَمُوتُ وَنَحْيَا} وبين {يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}. 11- الاستعارة التصريحية {هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} أي يشهد عليكم، والاستعارة هنا أبلغ من الحقيقة، لأن شهادة الكتاب ببيانه أقوى من شهادة الإِنسان بلسانه. 12- الالتفات {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا} فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة لإِسقاطهم من رتبة الخطاب. 13- الاستعارة التمثيلية {ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} مثَّل تركهم في العذاب بمن حُبس في مكانٍ ثم نسيه السَّجان من الطعام والشراب حتى هلك بطريق الاستعارة التمثيلية، والمراد من الآية نترككم في العذاب ونعاملكم معاملة الناسي، لأن الله تعالى لا ينسى ولا يعرض عليه النسيان.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} معناه اكتَسبوها. وقوله تعالى: {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} معناه يبعَثُ المُؤمن على إيمانهِ، والكَافرُ على كُفرهِ.

الأندلسي

تفسير : {أَمْ حَسِبَ} أم منقطعة تتقدر ببل والهمزة وهو استفهام إنكار قال الكلبي: نزلت في علي وحمزة وعبيدة بن الحٰرث. قال شيبة والوليد بن عتبة وعتبة قالوا للمؤمنين والله ما أنتم على شىء ولئن كان ما تقولون حقاً لحالنا أفضل من حالكم في الآخرة كما هو أفضل في الدنيا واجترحوا اكتسبوا والسيئات هنا سيئات الكفر ونجعلهم نصيرهم والمفعول الثاني هو كالذين وبه تمام المعنى واحتمل الضمير في محياهم ومماتهم أن يعود على الذين اجترحوا أخبر ان حالهم في الزمانين سواء وأن يعود على المجترحين والصالحين بمعنى أن محيا المؤمنين ومماتهم سواء في الكرامة عند الله تعالى ومحيا المجترحين ومماتهم سواء في إهانتهم عند الله تعالى وعدم كرامتهم عليه ويكون اللفظ قد لف هذا المعنى وذهن السامع يفصله إذ قد تقدم ابعاد الله أن يجعل هؤلاء كهؤلاء. قال الزمخشري: والجملة التي هي سواء محياهم ومماتهم بدل من الكاف لأن الجملة تقع مفعولاً ثانياً فكانت في حكم المفرد ألا تراك لو قلت أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم كان سديداً كما تقول ظننت زيداً أبوه منطلق "انتهى". هذا الذي ذهب إليه الزمخشري من إبدال الجملة من المفرد قد أجازه أبو الفتح واختاره ابن مالك وأما تجويزه أن نجعلهم سواء محياهم ومماتهم فيظهر لي أنه لا يجوز لأنها بمعنى التصيير ولا يجوز صيرت زيداً غلامه منطلق ولا صيرت زيداً غلامه منطلق، ولا صيرت زيداً أبوه قائم لأن التصيير انتقال من ذات إلى ذات ومن وصف في الذات إلى وصف فيها وتلك الجملة الواقعة بعد مفعول صيرت المقدرة مفعولاً ثانياً ليس فيها انتقال مما ذكرنا فلا يجوز والذي يظهر لي أنا إذا قلنا يتشبث هذه الجملة بما قبلها أن تكون الجملة في موضع الحال والتقدير أم حسب الكفار ان نصيرهم مثل المؤمنين في حال استواء محياهم ومماتهم ليسوا كذلك بل هم يفترون أي افتراق في الحالين وتكون هذه الحال مبينة ما نبهم في المثلية الدالة عليها الكاف. {أَفَرَأَيْتَ} قال مقاتل: نزلت في الحٰرث بن قيس وأفرأيت هي بمعنى أخبرني والمفعول الأول من هو اتخذوا الثاني محذوف تقديره بعد الصلاة التي لمن أي أيهتدى ويدل عليه قوله: بعد فمن يهديه من بعد الله أي لا أحد يهديه من بعد إضلال الله إياه. {مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} أي هو مطاوع لهوى نفسه يتبع ما تدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلٰهه. {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} أي من الله تعالى سابق أو على علم من هذا الضال بأن الحق هو الدين ويعرض عنه عناداً فيكون كقوله {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ} تفسير : [النمل: 14] والظاهر أن قولهم غوت وتحيا حكم على النوع بجملته من غير اعتبار تقديم ولا تأخير أي تموت طائفة وتحيا طائفة وان المراد بالموت مفارقة الروح للجسد وجواب إذا ما كان حجتهم لأن إذا للاستقبال وخالفت أدوات الشرط بأن جوابها إذا كان منفياً بما لم تدخل الفاء بخلاف أدوات الشرط فلا بد من الفاء تقول إن تزرنا فما جفوتنا أي فما تجفونا وفي كون الجواب منفياً بما دليل على ما اخترناه من أن جواب إذ لا يعمل فيها لأن ما بعد ما النافية لا يعمل فيما قبلها. {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية العامل في ويوم يخسر ويومئذٍ بدل من يوم نقوم والمبطلون الداخلون في الباطل. {جَاثِيَةً} باركة على الركب مستوفزة وهي هيئة المذنب الخائف وقرىء: جاذية بالذال والجذ وأشد استيفازاً من الجثو لأن الجاذي الذي يجلس على أطراف أصابعه وعن ابن عباس جاثية أي مجتمعة وقرىء: كل أمة تدعي بنصب كل على البدل بدل النكرة الموصوفة من النكرة والظاهر عموم كل أمة من مؤمن وكافر. {تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا} المنزل عليها فتحاكم إليه هل وافقته أو خالفته وأفرد كتابها اكتفاءً بإِسم الجنس كقوله ووضع الكتاب. {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} أي يقال لهم اليوم تجزون. {هَـٰذَا كِتَابُنَا} هو الذي دعيت إليه كل أمة وصحت إضافته إليه تعالى لأنه مالكه والآمر بكتبه وإليهم لأن أعمالهم مثبتة فيه والإِضافة تكون بأدنى ملابسة فلذلك صحت إضافته إليهم وإليه تعالى. {يَنطِقُ عَلَيْكُم} أي يشهد. {بِٱلْحَقِّ} من غير زيادة ولا نقصان. {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ} أي الملائكة أي نجعلها تنسخ أي تكتب وحقيقة النسخ نقل خط من أصل ينظم فيه فأعمال العباد كأنها الأصل. وقرىء: والساعة بالرفع على الإِبتداء وبالنصب عطفاً على وعد الله. {إِلاَّ ظَنّاً} أي ظناً ضعيفاً وقال الأعشى: شعر : وجد به الشيب أثقاله وما اغتره الشيب إلا اغتراراً تفسير : اغتراراً بينا. وقال الزمخشري: فإِن قلت ما معنى أن نظن إلا ظناً قلت: أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب وأدخل حرف النفي والإِستثناء ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه وزيد نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: وما نحن بمستيقنين "انتهى". وهذا كلام من لا شعور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل ومفعول وغيره إلا المصدر المؤكد فإِنه لا يكون فيه وقولهم: أن نظن دليل على أن الكفار قد أخبروا بأنهم ظنوا البعث واقعاً ودل قولهم قبل ان هي إلا حياتنا الدنيا على أنهم منكرون البعث فهم والله أعلم فرقتان. {وَبَدَا لَهُمْ} أي قبائح أعمالهم. {وَحَاقَ بِهِم} أي أحاط بهم ولا تستعمل حاق إلا في المكروه ننساكم نترككم في العذاب كالشىء المنسي الملقى غير المبالى به. {كَمَا نَسِيتُمْ} أي لقاء جزاء الله على أعمالكم وأضاف اللقاء لليوم توسعاً. {مِنْهَا} أي من النار. {وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} أي تطلب منهم مراجعة إلى عمل صالح وتقدم الكلام عليه في الاستعتاب.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه: {أَمْ حَسِبَ} الغافلون الضالون المسرفون {ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ} واكتسبوا طول عمرهم {ٱلسَّيِّئَاتِ} المبعدة لهم عن طريق الحق وسبيل الهداية {أَن نَّجْعَلَهُمْ} ونصيرهم بعدما رجعوا إلينا {كَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة لهم إلى الحق وتوحيده، أي: مثلهم بلا مزية لهم عليهم، بل ظنوا أنهم وهم {سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ} السياق يدل على أن التفسير على قراءة بن عامر ونافع وغيرهما: {سَوَآءً} يعني: حياة المشركين ومماتهم عندنا كحياة الموحدين المخلصين ومماتهم؟ كلا وحاشا {سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] أي: حكمهم هذا، وما حكموا به لأنفسهم أولئك الجاحدون الجاهلون. {وَ} كيف يحكم الحكيم المتقن في عموم أحكامه وأفعاله بمساواة المطيع والعاصي، مع أنه {خَلَقَ ٱللَّهُ} المستوى بالعدل القويم على عروش عموم المظاهر {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ} ملتبسة بالحق، أي: بالعدالة الصورية المنبئة عن العدالة المعنوية الحقيقية، وإنما خلقها كذلك {بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} من خير وشر، بعدما أمر الحق بما أمر، ونهى عن ما منهى {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 22] في أجور أعمالهم وجزائهم زيادة ونقصاناً. {أَفَرَأَيْتَ} أيها المعتبر الرائي إلى {مَنِ ٱتَّخَذَ} أي: إلى الجاحد الجاهل المعاند الذي اتخذ {إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} أي: ما يهواه، وكيف أطاع من يتمناه وعبد إلى ما يحبه ويرضاه ولم يفوض أمره إلى مولاه {وَ} ما ذلك إلا أن {أَضَلَّهُ ٱللَّهُ} العليم الحكيم باسمه المذل المضل مع أنه أظهره سبحانه {عَلَىٰ} صورة ذي {عِلْمٍ} وجبله على فطرة أولى المعرفة والتوحيد {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ} لئلا يسمع كلامه الحق من أهله {وَخَتَمَ} أيضاً {وَقَلْبِهِ} لئلا يتفكر في آيات الله ودلائل توحيده {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} غليظة وغطاء كثيفاً، لئلا يعتبر من عجائب مصنوعاته سبحانه وغرائب مخترعاته، مع انه خلقه سبحانه كذلك {فَمَن يَهْدِيهِ} ويرشده أي: ينقذه من الضلال {مِن بَعْدِ} إضلال {ٱللَّهِ} إياه وإذلاله {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] وتتفطنون من تبدل أحواله أيها العقلاء المجبولون على فطرة العبرة والعظة من غاية غوايتهم وضلالهم، عن مقتضى كمال قدرة الله، وعدم تنبههم وتفطنهم بوحدة ذاته، وكمال أسمائه وصفاته، واستقلاله في تدبيراته وتصرفاته. {وَقَالُواْ} منكرين الحشر والنشر: {مَا هِيَ} أي: ما الحال والحياة {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} فيها لا منزل لنا سواها، ولا سكن لنا غيرها {وَ} بالجملة: {مَا يُهْلِكُنَآ} ويميتنا فيها {إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} أي: مر الزمان وكر الأعوام، لا فاعل سواه، ولا متصرف إلا هو {وَ} الحال أنه {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ} الذي صدر عنهم {مِنْ عِلْمٍ} عقلي أو نقلي أو كشفي بل أن {إِنْ هُمْ} أي: ما هم باعتقادهم هذا {إِلاَّ يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] ظنَّا على وجه التقليد والتخمين بلا سند لهم يستندون إليه، سوى الأُلف بالمسحوسات والتقليد بالرسوم والعادات.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: أم حسب المسيئون المكثرون من الذنوب المقصرون في حقوق ربهم. { أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بأن قاموا بحقوق ربهم، واجتنبوا مساخطه ولم يزالوا مؤثرين رضاه على هوى أنفسهم؟ أي: أحسبوا أن يكونوا { سَوَاءً } في الدنيا والآخرة؟ ساء ما ظنوا وحسبوا وساء ما حكموا به، فإنه حكم يخالف حكمة أحكم الحاكمين وخير العادلين ويناقض العقول السليمة والفطر المستقيمة، ويضاد ما نزلت به الكتب وأخبرت به الرسل، بل الحكم الواقع القطعي أن المؤمنين العاملين الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة والثواب في العاجل والآجل كل على قدر إحسانه، وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة والعذاب والشقاء في الدنيا والآخرة.