Verse. 4495 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

وَ خَلَقَ اللہُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزٰى كُلُّ نَفْسٍؚبِمَا كَسَبَتْ وَہُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ۝۲۲
Wakhalaqa Allahu alssamawati waalarda bialhaqqi walitujza kullu nafsin bima kasabat wahum la yuthlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وخلق الله السماوات» خلق «والأرض بالحق» متعلق بخلق ليدل على قدرته ووحدانيته «ولتجزى كل نفس بما كسبت» من المعاصي والطاعات فلا يساوي الكافر المؤمن «وهم لا يظلمون».

22

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم إنه تعالى لما أفتى بأن المؤمن لا يساوي الكافر في درجات السعادات، أتبعه بالدلالة الظاهرة على صحة هذه الفتوى، فقال: {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } ولو لم يوجد البحث لما كان ذلك بالحق بل كان بالباطل، لأنه تعالى لما خلق الظالم وسلّطه على المظلوم الضعيف، ثم لا ينتقم للمظلوم من الظالم كان ظالماً، ولو كان ظالماً لبطل أنه خلق السموات والأرض بالحق وتمام تقرير هذه الدلائل مذكور في أول سورة يونس، قال القاضي هذه الآية تدل على أن في مقدور الله ما لو حصل لكان ظلماً، وذلك لا يصح إلا على مذهب المجبرة الذين يقولون لو فعل كل شيء أراده لم يكن ظلماً، وعلى قول من يقول إنه لا يوصف بالقدرة على الظلم، وأجاب الأصحاب عنه بأن المراد فعل ما لو فعله غيره لكان ظلماً كما أن المراد من الابتلاء والاختبار فعل ما لو فعله غيره لكان ابتلاءً واختباراً، وقوله تعالى: {ولتجزى} فيه وجهان: الأول: أنه معطوف على قوله {بِٱلْحَقّ } فيكون التقدير وخلق الله السموات والأرض لأجل إظهار الحق ولتجزى كل نفس، الثاني: أن يكون العطف على محذوف، والتقدير: وخلق الله السموات والأرض بالحق ليدل بهما على قدرته ولتجزى كل نفس والمعنى أن المقصود من خلق هذا العلم إظهار العدل والرحمة، وذلك لا يتم إلا إذا حصل البعث والقيامة وحصل التفاوت في الدرجات والدركات بين المحقين وبين المبطلين، ثم عاد تعالى إلى شرح أحوال الكفار وقبائح طوائفهم، فقال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } يعني تركوا متابعة الهدى وأقبلوا على متابعة الهوى فكانوا يعبدون الهوى كما يعبد الرجل إلهه، وقرىء (آلهته هَوَاهُ ) كلما مال طبعه إلى شيء اتبعه وذهب خلفه، فكأنه اتخذ هواه آلهة شتى يعبد كل وقت واحداً منها. ثم قال تعالى: {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } يعني على علم بأن جوهر روحه لا يقبل الصلاح، ونظيره في جانب التعظيم قوله تعالى: { أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] وتحقيق الكلام فيه أن جواهر الأرواح البشرية مختلفة فمنها مشرقة نورانية علوية إلهية، ومنها كدرة ظلمانية سفلية عظيمة الميل إلى الشهوات الجسمانية، فهو تعالى يقابل كلاً منهم بحسب ما يليق بجوهره وماهيته، وهو المراد من قوله {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } في حق المردودين وبقوله {ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } في حق المقبولين. ثم قال: {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً } فقوله {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } هو المذكور في قوله { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [البقرة: 6] إلى قوله { أية : لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [البقرة: 6] وقوله {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً} هو المراد من قوله { أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ } تفسير : [البقرة: 7] وكل ذلك قد مرّ تفسيره في سورة البقرة باللاستقصاء، والتفاوت بين الآيتين أنه في هذه الآية قدم ذكر السمع على القلب، وفي سورة البقرة قدم القلب على السمع، والفرق أن الإنسان قد يسمع كلاماً فيقع في قلبه منه أثر، مثل أن جماعة من الكفار كانوا يلقون إلى الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم شاعر وكاهن وأنه يطلب الملك والرياسة، فالسامعون إذا سمعوا ذلك أبغضوه ونفرت قلوبهم عنه، وأما كفار مكة فهم كانوا يبغضونه بقلوبهم بسبب الحسد الشديد فكانوا يستمعون إليه، ولو سمعوا كلامه ما فهموا منه شيئاً نافعاً، ففي الصورة الأولى كان الأثر يصعد من البدن إلى جوهر النفس، وفي الصورة الثانية كان الأثر ينزل من جوهر النفس إلى قرار البدن، فلما اختلف القسمان لا جرم أرشد الله تعالى إلى كلا هذين القسمين بهذين الترتيبين اللذين نبهنا عليهما ولما ذكر الله تعالى هذا الكلام قال: {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ } أي من بعد أن أضله الله {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أيها الناس، قال الواحدي وليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة، لأن الله تعالى صرّح بمنعه إياهم عن الهدى حين أخبر أنه ختم على سمع هذا الكافر وقلبه وبصره، وأقول هذه المناظرة قد سبقت بالاستقصاء في أول سورة البقرة. واعلم أنه تعالى حكى عنهم بعد ذلك شبهتهم في إنكار القيامة وفي إنكار الإله القادر، أما شبهتهم في إنكار القيامة فهي قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } فإن قالوا الحياة مقدمة على الموت في الدينا فمنكرو القيامة كان يجب أن يقولوا نحيا ونموت، فما السبب في تقديم ذكر الموت على الحياة؟ قلنا فيه وجوه الأول: المراد بقوله {نَمُوتُ } حال كونهم نطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، وبقوله {نحيا} ما حصل بعد ذلك في الدينا الثاني: نموت نحن ونحيا بسبب بقاء أولادنا الثالث: يموت بعض ويحيا بعض الرابع: وهو الذي خطر بالبال عند كتابة هذا الموضع أنه تعالى قدم ذكر الحياة فقال: {مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } ثم قال بعده: {نَمُوتُ وَنَحْيَا } يعني أن تلك الحياة منها ما يطرأ عليها الموت وذلك في حق الذين ماتوا، ومنها ما لم يطرأ الموت عليها، وذلك في حق الأحياء الذين لم يموتوا بعد، وأما شبهتهم في إنكار الإلٱه الفاعل المختار، فهو قولهم {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } يعني تولد الأشخاص إنما كان بسبب حركات الأفلاك الموجبة لامتزاجات الطبائع، وإذا وقعت تلك الامتزاجات على وجه خاص حصلت الحياة، وإذا وقعت على وجه آخر حصل الموت، فالموجب للحياة والموت تأثيرات الطبائع وحركات الأفلاك، ولا حاجة في هذا الباب إلى إثبات الفاعل المختار، فهذه الطائفة جمعوا بين إنكار الإلٱه وبين إنكار البعث والقيامة. ثم قال تعالى: {وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} والمعنى أن قبل النظر ومعرفة الدليل الاحتمالات بأسرها قائمة، فالذي قالوه يحتمل وضده أيضاً يحتمل، وذلك هو أن يكون القول بالبعث والقيامة حقاً، وأن يكون القول بوجود الإلٱه الحكيم حقاً، فإنهم لم يذكروا شبهة ضعيفة ولا قوية في أن هذا الاحتمال الثاني باطل، ولكنه خطر ببالهم ذلك الاحتمال الأول فجزموة به وأصروا عليه من غير حجة ولا بينة، فثبت أنه ليس علم ولا جزم ولا يقين في صحة القول الذي اختاروه بسبب الظن والحسبان وميل القلب إليه من غير موجب، وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بغير حجة وبيّنة قول باطل فاسد، وأن متابعة الظن والحسبان منكر عند الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء حجتهم بالنصب والرفع على تقديم خبر كان وتأخيره. المسألة الثانية: سمى قولهم حجة لوجوه الأول: أنه في زعمهم حجة الثاني: أن يكون المراد من كان حجتهم هذا فليس لهم ألبتة حجة كقوله: شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : (أي ليس بينهم تحية لمنافاة الضرب للتحية) الثالث: أنهم ذكروها في معرض الاحتجاج بها. المسألة الثالثة: أن حجتهم على إنكار البعث أن قالوا لو صح ذلك فائتوا بآبائنا الذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحة البعث. واعلم أن هذه الشبهة ضعيفة جداً، لأنه ليس كل ما لا يحصل في الحال وجب أن يكون ممتنع الحصول، فإن حصول كل واحد منا كان معدوماً من الأزل إلى الوقت الذي حصلنا فيه، ولو كان عدم الحصول في وقت معين يدل على امتناع الحصول لكان عدم حصولنا كذلك، وذلك باطل بالاتفاق. ثم قال تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } فإن قيل هذا الكلام مذكور لأجل جواب من يقول {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } فهذا القائل كان منكراً لوجود الإله ولوجود يوم القيامة، فكيف يجوز إبطال كلامه بقوله {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } وهل هذا إلا إثبات للشيء بنفسه وهو باطل، قلنا إنه تعالى ذكر الاستدلال بحدوث الحيوان والإنسان على وجود الفاعل الحكيم في القرآن مراراً وأطواراً. فقوله ها هنا {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ } إشارة إلى تلك الدلائل التي بيّنها وأوضحها مراراً، وليس المقصود من ذكر هذا الكلام إثبات الإلٱه بقول الإله، بل المقصود منه التنبيه على ما هو الدليل الحق القاطع في نفس الأمر. ولما ثبت أن الإحياء من الله تعالى، وثبت أن الإعادا مثل الإحياء الأول، وثبت أن القادر على الشيء قادر على مثله، ثبت أنه تعالى قادر على الإعادة، وثبت أن الإعادة ممكنة في نفسها، وثبت أن القادر الحكيم أخبر عن وقت وقوعها فوجب القطع بكونها حقة. وأما قوله تعالى: {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } فهو إشارة إلى ما تقدم ذكره في الآية المتقدمة، وهو أن كونه تعالى، عادلاً خالقاً بالحق منزّهاً عن الجور والظلم، يقتضي صحة البعث والقيامة. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لكن أكثر الناس لا يعلمون دلالة حدوث الإنسان والحيوان والنبات على وجود الإله القادر الحكيم، ولا يعلمون أيضاً أنه تعالى لما كان قادراً على الإيجاد ابتداءً وجب أن يكون قادراً على الإعادة ثانياً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ} أي بالأمر الحق. {وَلِتُجْزَىٰ} أي ولكي تجزى. {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} أي في الآخرة. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

البيضاوي

تفسير : {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } كأنه دليل على الحكم السابق من حيث أن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم، والتفاوت بين المسيء والمحسن وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات. {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } عَطف على بالحق لأنه في معنى العلة أو على علة محذوفة مثل ليدل بها على قدرته أو ليعدل {ولتجزي }. {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص ثواب وتضعيف عقاب، وتسمية ذلك ظلماً ولو فعله الله لم يكن منه ظلماً لأنه لو فعله غيره لكان ظلماً كالابتلاء والاختبار. {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى فكأنه يعبده، وقرىء «آلهة هواه» لأنه كان أحدهم يستحسن حجراً فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه. {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ } وخذله. {عَلَىٰ عِلْمٍ } عالِماً بضلاله وفساد جوهر روحه. {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات. {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً } فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار، وقرأ حمزة والكسائي «غشوة». {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ } من بعد إضلاله. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } وقرىء «تتذكرون». {وَقَالُواْ مَا هِىَ } ما الحياة أو الحال. {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } التي نحن فيها. {نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي نكون أمواتاً نطفاً وما قبلها ونحيا بعد ذلك، أو نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا، أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا، أو يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة ويحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان. {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } إلا مرور الزمان وهو في الأصل مدة بقاء العالم من دهره إذا غلبه. {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال، أو إنكار البعث أو كليهما. {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } إذ لا دليل لهم عليه وإنما قالوه بناء على التقليد والإِنكار لما لم يحسوا به. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ } واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم أو مبينات له. {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } ما كان لهم متشبث يعارضونها به. {إِلاَّ أَنَّ قَالُوا أئْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ} وإنما سماه حجة على حسبانهم ومساقهم، أو على أسلوب قولهم.شعر : تحية بَيْنَهمْ ضَرْبٌ وجِيعٌتفسير : فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالاً امتناعه مطلقاً. {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} على ما دلت عليه الحجج. {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة، والحكمة اقتضت الجمع للمجازاة على ما قرر مراراً، والوعد المصدق بالآيات دل على وقوعها، وإذا كان كذلك أمكن الإتيان بآبائهم لكن الحكمة اقتضت أن يعادوه يوم الجمع للجزاء. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} لقلة تفكرهم وقصور نظرهم على ما يحسونه. {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تعميم للقدرة بعد تخصيصها. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي ويخسر يوم تقوم و {يَوْمَئِذٍ } بدل منه. {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} مجتمعة من الجثوة وهي الجماعة، أو باركة مستوفزة على الركب. وقرىء «جاذية» أي جالسة على أطراف الأصابع لاستيفازهم. {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا } صحيفة أعمالها. وقرأ يعقوب {كُلٌّ } على أنه بدل من الأول وتدعى صفة أو مفعول ثان. {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } محمول على القول. {هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا} أضاف صحائف أعمالهم إلى نفسه لأنه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم.. {يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ } يشهد عليكم بما عملتم بلا زيادة ولا نقصان. {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ } نستكتب الملائكة. {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أعمالكم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَ } خلق {ٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ } متعلق بخلق ليدلّ على وحدانيته وقدرته {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } من المعاصي والطاعات فلا يساوي الكافر المؤمن {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ }.

ابن عطية

تفسير : {وخلق الله السماوات والأرض بالحق} معناه: بأن خلقها حق واجب متأكد في نفسه لما فيه من فيض الخيرات ولتدل عليه ولتكون صنعة حاكمة لصانع وقيل لبعض الحكماء: لم خلق الله السماوات والأرض؟ قال ليظهر جوده. واللام في قوله: {لتجزى} يظهر أن تكون لام كي، فكأن الجزاء من أسباب خلق السماوات، ويحتمل أن تكون لام الصيرورة أي صار الأمر فيها من حيث اهتدى بها قوم وضل عنها آخرون لأن يجازى كل أحد بعلمه وبما اكتسب من خير أو شر. وقوله تعالى: {أفرأيت} سهل بعض القراء الهمزة وخففها قوم، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود مخففة، وفي مصحف أبي بن كعب: "أفرايت" دون همز. وهذه الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم عن المعرضين عن الإيمان، أي لا تعجل بهم ولا تهتم بأمرهم، فليس فيهم حيلة لبشر، لأن الله تعالى أضلهم. وقال ابن جبير: قوله: {إلهه هواه} إشارة إلى الأصنام إذ كانوا يعبدون ما يهوون من الحجارة. وقال قتادة المعنى: لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله، وهذا كما يقال: الهوى إله معبود. وقرأ الأعرج وابن جبير: "آلهة هواه" على التأنيث في "آلهة". وهذه الآية وإن كانت نزلت في هوى الكفر فهي متناولة جميع هوى النفس الأمارة، قال ابن عباس: ما ذكر الله هوى إلا ذمة. وقال الشعبي: سمي هوى لهويه بصاحبه. وقال النبي عليه السلام: حديث : والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله تفسير : وقال سهل التستري: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال سهل: إذا شككت في خير أمرين، فانظر أبعدهما من هواك فأته. ومن حكمة الشعر في هذا قول القائل: شعر : إذا أنت لم تعص الهوى قادك الـ ـهوى إلى كل ما فيه عليك مقال تفسير : وقوله تعالى: {على علم} قال ابن عباس المعنى: على علم من الله تعالى سابق. وقالت فرقة: أي على علم من هذا الضال بأن الحق هو الذي يترك ويعرض عنه، فتكون الآية على هذا من آيات العناد من نحو قوله: {أية : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم} تفسير : [النمل: 14] وعلى كلا التأويلين: فـ {على علم}، حال. وقوله تعالى: {وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} استعارت كلها، إذ هو الضال لا ينفعه ما يسمع ولا ما يفهم ولا ما يرى، فكأنه بهذه الأوصاف المذكورة، وهذه الآية لا حجة للجبرية فيها، لأن التكسب فيها منصوص عليه في قوله: {اتخذ} وفي قوله: {على علم} على التأويل الأخير فيه، ولو لم ينص على الاكتساب لكان مراداً في المعنى. وقرأ أكثر القراء "غِشاوة" بكسر الغين. وقرأ عبد الله بن مسعود: "غَشاوة" بفتح الغين وهي لغة ربيعة، وحكي عن الحسن وعكرمة: "غُشاوة" بضم الغين وهي لغة عكل، وقرأ حمزة والكسائي: "غَشْوة" بفتح الغين وإسكان الشين. و قرأ الأعمش وابن مصرف بكسر الغين دون ألف. وقوله: {من بعد الله} فيه حذف مضاف تقديره: من بعد إضلال الله إياه. وقرأ عاصم وأراه الجحدري: "تذكرون" بتخفيف الذال. وقرأ جمهور الناس: "تذّكرون" على الخطاب أيضاً بتشديد الذال. وقرأ الأعمش: "تتذكرون" بتاءين. وقوله تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا} الآية حكاية مقالة بعض قريش، وهذه صنيفة دهرية من كفار العرب. ومعنى قولهم: ما في الوجود إلا هذه الحياة التي نحن فيها وليست ثم آخرة ولا بعث. واختلف المفسرون في معنى قولهم: {نموت ونحيا} فقالت فرقة المعنى: نحن موتى قبل أن نوجد، ثم نحيا في وقت وجودنا. وقالت فرقة: المعنى: {نموت} حين نحن نطف ودم، ثم {نحيا} بالأرواح فينا، وهذا قول قريب من الأول، ويسقط على القولين ذكر الموت المعروف الذي هو خروج الروح من الجسد، وهو الأهم في الذكر. وقالت فرقة المعنى نحيا ونموت، فوقع في اللفظ تقديم وتأخير. وقالت فرقة: الغرض من اللفظ العبارة عن حال النوع، فكأن النوع بجملته يقول: إنما نحن تموت طائفة وتحيا طائفة دأباً. وقولهم: {وما يهلكنا إلا الدهر} أي طول الزمان هو الملهك، لأن الآفات تستوي فيه كمالاتها، فنفى الله تعالى علمهم بهذا وأعلم انها ظنون وتخرص تفضي بهم إلى الإشراك بالله تعالى. و {الدهر} والزمان تستعمله الغرب بمعنى واحد. وفي قراءة ابن مسعود: "وما يهلكنا إلا دهر يمر". وقال مجاهد: {الدهر} هنا الزمان، وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: "حديث : كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار"تفسير : ، ويفارق هذا الاستعمال قول النبي عليه السلام: "حديث : لا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى هو الدهر" تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : قال الله تعالى يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر بيدي الليل والنهار"، تفسير : ومعنى هذا الحديث: فإن الله تعالى يفعل ما تنسبونه إلى الدهر وتسبونه بسبه. وإذا تأملت مثالات هذا في الكلام ظهرت إن شاء الله تعالى.

اسماعيل حقي

تفسير : {وخلق الله السموات والارض بالحق} اى بسبب الحق ولاجل ظهوره وحقيقته بالامر الايجادى والتجلى الحيى الاحدى فما من ذرة من ذرات العالم الا والله سبحانه متجل فيها باسمائه وصفاته لكنه لا يشاهده الا أهل الشهود وبظهور هذا الحق والوجود زهق الباطل والعدم وعليه يدور سر قوله تعالى {أية : ثم استوى على العرش} تفسير : فان الله تعالى عن الاستواء بنفسه كما يقول الظالمون {ولتجزى كل نفس بما كسبت} من خير وشر عطف على بالحق لان فيه معنى التعليل لان الباء للسببية وبيانه ان الحكمة فى خلق العالم هو الجزاء اذ لو لم يكن الجزاء كما يقول الكافرون لاستوى المطيع والعاصى فالجزاء مترتب على الطاعة والعصيان وهما موقوفان على وجود العالم اذ التكليف لا يحصل الا فى هذه الدار وقد سبق فى سورة الدخان عند قوله تعالى {أية : وما خلقنا السموات} تفسير : الآية {وهم} اى النفوس المدلول عليها بكل نفس {لا يظلمون} بنقص ثواب المحسن وزيادة عقاب المسيئ بلكه هر كس را فراخور عمل اوجزادهد. وتسمية ذلك ظلما مع انه ليس كذلك على ما عرف من قاعدة اهل السنة لبيان غاية تنزه ساحة لطفه تعالى عما ذكره بتنزيله منزلة الظلم الذى يستحيل صدوره عنه تعالى فهذه الآية اخبار بأن التسوية فى الجزاء سفه والله تعالى خلق العالم بالحق ليتميز المطيع من العاصى لا بالسفه فلا بد من المجازاة على وفق الاعمال بين شدل وفضل بلا ظلم وجهل فعليك بالمسارعة الى الاعمال الصالحة لا سيما التوحيد وذكر الله تعالى اذ به تحصل المعرفة المقصودة من خلق الثقلين ولفضل المعرفة قال عليه السلام فى جواب من قال اى الاعمال أفضل "حديث : العلم بالله" تفسير : وبين معرفة ومعرفة فرق عظيم لذلك قال حافظ قبر ابى يزيد البسطامى قدس سره للسلطان محمود الغزنوى ان ابا جهل لم يبصر النبى عليه السلام الا بانه يتيم عبد المطلب وابى طالب ولو نظر بأنه رسول الله وحبيب رب العالمين وعرف ذلك لآمن به ولا بد فى العبادة من الاخلاص فمن عبد الله حبا أعلى رتبة ممن عبده خوف العقوبة. يحكى ان محمديا عبد الله أربعين سنة يجزى بأكثر من اسرائيلى عبد الله تعالى اربعمائة سنة فيقول الاسرائيلى يا رب انت العادل فيقول الله تعالى انتم تخافون العقوبة العاجلة وتعبدوننى وامة محمد يعبدوننى مع الأمن (قال المولى الجامى) جيست اخلاص آنكه كسب وعمل باك سازى زشوب نفس ودغل نه در آن صاحب غرض باشى نه ازان طالب عوض باشى كيسه خود از وبير دازى سايه خود برونيندازى

اطفيش

تفسير : {وَخَلقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي بالعدل كأنه دليل على أن عدم جعل هؤلاء كهؤلاء عدل وتهديد لهؤلاء الكفار بالعدل ينصر المظلوم ويثيبه دون الظالم والثواب في الآخرة وان لم يكن النصر في الدنيا، وهذا كما تهدد سارقاً بقولك الأمير يحكم بكتاب الله* {وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} العطف على (الخلق) لان فيه معنى التعليل أو على محذوف أى خلقهن ليدل بهن على قدرته (ولتجزى) أو ليعدل ولتجزي {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} قيل المقصود من هذا الحق اظهار العدل والرحمة ولا يثيب أو يعاقب أحداً على خلاف ما تأهل له من عمل بل اتابته زيادة وسمي ذلك ظلماً لانه لو فعله أحد لكان ظلماً ولو نقص الله من ثواب أو ضعف عذاباً لم يكن ظلماً

اطفيش

تفسير : {وخَلَق الله السَّماوات والأرض بالحقِّ} بالعدل، فلا بد من العدل بين المؤمن والكافر، وترك التسوية بينهما، والحياة والموت سواء فى ذلك، فان لم يكن فى الدنيا كان فى الآخرة {ولتُجزى كلُّ نفْسٍ بما كَسَبت} بما كسبته، أو بكسبها، وذلك تعليل معطوف على سببية، وباء بالحق سببية، وان جعلناها للملابسة فالملابسة تقضى التعليل، لأن المعنى خلقها ملابسا بالحق، أو ملتبسين به، وحاصله أنه خلقهما لأجل الحق، والأول أولى، ويليه العطف على محذوف، أى وخلق الله السماوات والأرض بالحق، ليدل بهما على قدرته ليجزى الخ، أى ليعدل فيما خلق فيهما {وهم} أى النفوس المدلول عليها بقوله عز وجل: {كل نفس} والواو للحال {لا يُظلَمُون} بترك ثواب أو نقصه، أو زيادة عذاب، أو بعذاب من لا يستحق العذاب، ولو فعل ذلك لم يكن ظلما، لأنهم ملكه، والظلم تصرف فى ملك الغير، لكن سماه ظلما ونفاه، لأنه لو فعله غيره كان ظلما على الاستعارة التمثيلية، بأن شبه فعلهم الخير والشر، وفعله ذلك بهم بفعل أحد شيئا، وظلم غيره له على ذلك الفعل، والجامع استنكار العقل ذلك أو استعارة مفردة فى ظلم بأن شبه خلف الوعد بالظلم فسماه ظلما ونفاه.

الالوسي

تفسير : {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ } كأنه دليل على إنكار حسبانهم السابق أو دليل على تساوي محيا كل فريق ومماته وبيان لحكمته على تقدير كون قوله تعالى: {أية : سَوَاء مَّحْيَـٰهُمْ وَمَمَـٰتُهُمْ } تفسير : [الجاثية: 21] استئنافاً وذلك من حيث إن خلق العالم بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصاف المظلوم من الظالم والتفاوت بين المسيء والمحسن وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات حتماً. {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } عطف على {بِٱلْحَقّ } لأنه في معنى العلة سواء كانت الباء للسببية الغائية أو الملابسة، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن المعنى خلقها ملتبسة ومقرونة بالحكمة والصواب دون العبث والباطل وحاصله خلقها لأجل ذلك أو عطف على علة محذوفة مثل ليدل سبحانه بها على قدرته أو ليعدل، و(ما) موصولة أو مصدرية أي ليجزى كل نفس بالذي كسبته أو بكسبها. {وَهُمْ } أي النفوس المدلول عليها بكل نفس {لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب وتضعيف عذاب. والجملة في موضع الحال. وتسمية ذلك ظلماً مع أنه ليس كذلك لأنه منه سبحانه تصرف في ملكه والظلم صرف في ملك الغير بغير إذنه لأنه لو فعله غيره عز وجل كان ظلماً / فالكلام على الاستعارة التمثيلية أو أنه لما كان مخالفاً لوعده سبحانه الحق سماه تعالى ظلماً.

ابن عاشور

تفسير : الجملة معترضة والواو اعتراضية وهو اعتراض بين الكلام المتقدم وبين ما فرع عليه من قوله: { أية : أفرأيت من اتخذ إلـٰهه هواه } تفسير : [الجاثية: 23] هو كالدليل على انتفاء أن يكون الذين اجترحوا السيئات الذين هم في بحبوحة عيش مدة حياتهم أن يكونوا في نعيم بعد مماتهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات مدة حياتهم فكان جزاؤهم النعيم بعد مماتهم، أي بعد حياتهم الثانية بأنَّ خلق السماواتتِ والأرض بالعدل يستدعي التفاوت بين المسيء والمحسن، والانتصاف للمعتدَى عليه من المعتدي. ووجه الاستدلال أن خلق السماوات والأرض تبين كونه في تمام الإتقان والنظام بحيث إن دلائل إرادة العدل في تصاريفها قائمة، وما أودعه الخالق في المخلوقات من القوى مناسب لتحصيل ذلك النظام الذي فيه صلاحهم فإذا استعملوها في الإفساد والإساءة كان من إتمام إقامة النظام أن يُعاقبوا على تلك الإساءة والمشاهدُ أن المسيء كثير ما عكَف على إساءته حتى المماتِ، فلو لم يكن الجزاء بعد الموت حصل اختلال في نظام خلق المخلوقات وخلقِ القوى الصادرِ عنها الإحسان والإساءة، وهذا المعنى تكرر في آيات كثيرة وكلما ذكر شيء منه أتبع بذكر الجزاء، وقد تقدم في سورة آل عمران (191) قوله: { أية : ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربَّنا ما خلقتَ هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار } تفسير : وقوله في سورة الدخان [38 - 40] {أية : وما خلقْنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين}.تفسير : والباء في قوله: {بالحق} للسببية أو للملابسة، أي خلقاً للسبب الحق أو ملابساً للحق لا يتخلف الحق عن حال من أحواله. والحق: اسم جامع لما شأنه أن يَحقّ ويثبت، ومن شأن الحكمة والحكيم أن يقيمه، ولذلك أشير بقوله: {وخلق الله} فإن اسم الجلالة جامع لصفات الكمال وتصرفات الحكمة. وعطف {ولتجزى كل نفس بما كسبت} على {بالحق} لأن المعطوف عليه المجرور بالياء فيه معنى التعليل، وهذا تفصيل بعد إجمال فإن الجزاء على الفعل بما يناسبه هو من الحق، ولأن تعليل الخلق بعلة الجزاء من تفصيل معنى الحق وآثارِ كون الحق سبباً لخلق السماوات والأرض أو ملابساً لأحوال خلقهما، فظهرت المناسبة بين الباء في المعطوف عليه واللام في المعطوف. والباء في {بما كسبت} للتعويض. وما كسبته النفس لا تجزى به بل تجازَى بمثله وما يناسبه، فالكلام على حذف مضاف، أي بمثل ما كسبته. وهذه المماثلة مماثلة في النوع، وأما تقدير تلك المماثلة فذلك موكول إلى الله تعالى ومراعًى فيه عظمة عالَم الجزاء في الخير والشر ومقدار تمرد المسيء وامتثال المحسن، بخلاف الحدود والزواجر فإنها مقدرة بما يناسب عالم الدنيا من الضعف. ولهذا أعقبه بقوله: {وهم لا يظلمون} فضمير {وهم} عائد إلى {كل نفس}، فإن ذلك الجزاء مما اقتضاه العدل الذي جُعل سبباً أو ملابساً لخلق السماوات والأرض وما فيهما، فهو عدل، فليس من الظلم في شيء فالمُجازَى غير مظلوم، وبالجزاء أيضاً ينتفي أثر ظلم الظالم عن المظلوم إذ لو ترك الجزاء لاستمر المظلوم مظلوماً.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 22- وخلق الله السموات والأرض متلبساً بالحكمة والنظام، لتظهر دلائل أُلوهيته وقدرته، ولتجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر، وهم لا ينقصون شيئاً من جزائهم. 23- أنظرت فرأيت - أيها الرسول - مَنْ اتخذ هواه معبوداً له فخضع له وأطاعه، وضل عن سبيل الحق على علم منه بهذا السبيل، وأغلق سمعه فلا يقبل وعظاً، وقلبه فلا يعتقد حقاً، وجعل على بصره غطاء فلا يبصر عبرة، فمن يهديه من بعد إعراض الله عنه، أتتركون النظر فلا تذكرون. 24- وقال المنكرون للبعث: ما الحياة إلا حياتنا الدنيا التى نحن فيها نحيا ونموت، وليس وراء ذلك حياة بعد الموت، وما يُهلكنا إلا مرور الزمان. وما يقولون ذلك عن علم ويقين ولكن عن ظن وتخمين. 25- وإذا قُرِئت عليهم آيات الله واضحات الدلالة على قدرته على البعث ما كان حجتهم إلا مقالتهم - فراراً من الحق -: أحيوا آباءنا إن كنتم صادقين فى دعوى وقوع البعث. 26- قل لهم - يا محمد - الله يحييكم فى الدنيا من العدم ثم يميتكم فيها عند انقضاء آجالكم، ثم يجمعكم فى يوم القيامة لا شك فى هذا الجمع، ولكن أكثر الناس لا يعلمون قدرة الله على البعث، لإعراضهم عن التأمل فى الدلائل، والقادر على ذلك قادر على الإتيان بآبائكم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (22) - لَقَد خَلَقَ اللهُ تَعَالى السَّماواتِ والأَرضَ بِالحقِّ والعَدْلِ، وَلَم يَخْلُقْهُما لِلْعَبثِ واللهُوِ، وَمِنَ العَدْلِ أَنْ لاَ يُسَوِّيَ في المُعَامَلَةِ بَينَ الكَفَرَةِ المُجْرِمِينَ، وَبَينَ المُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ، وَاللهُ تَعَالَى يَجْزِي كُلَّ نَفْسٍ بِأَعْمَالِها، وَلاَ يَظْلِمُ أَحَداً شَيئاً، فَلا يَحْمِلُ عَلَى نَفْسٍ مَا لم تَعْمَلْهُ مِنْ سُوءٍ، وَلاَ يُنْقِصُهَا أجرَ عَمَلٍ عَمِلَتْهُ.

الثعلبي

تفسير : {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}. قال ابن عباس والحسين وقتادة: ذلك الكافر إتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاً إلاّ ركبه، إِنّه لا يؤمن بالله ولا يخافه ولا يحرم ما حرم الله ولا يحل ما أحل الله، إنّما دينه ما هويت نفسه يعمل به ولا يحجزه عن ذلك تقوى. وقال آخرون: معناه أفرأيت من إتخذ معبوده هواه، فيعبد ما يهوى. قال سعيد بن جبير: كانت قريش تعبد العُزي وهو حجر أبيض حيناً من الدهر، وكانت العرب تعبد الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا شيئاً أحسن من الأول رموه أو كسروه أو ألقوه في بئر، وعبدوا الآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس التميمي أحد المستهترين، وذلك إنّه كان يعبد ما تهواه نفسه. أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا طلحة وعبيد الله، قالا: حدثنا ابن مجاهد، حدثني ابن أبي مهران، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: قال سفيان بن عيينة: إنّما عبدوا الحجارة لإنّ البيت حجارة. وقال الحسين بن الفضل: في هذه الآية تقديم وتأخير مجازها: أَفرأيت من أتخذ هواه إلهه. أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا محمد بن عمران بن هارون، حدثنا أبو عبيد الله المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن شبرمه، عن الشعبي، قال: إنّما سمي الهوى لإنّه يهوي بصاحبه في النّار. وبه عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: ما ذكر الله عز وجل هوى في القرآن إلاَّ ذمه. فروى أبو أُمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم إنّه، قال: "حديث : ما عبد تحت السّماء إله أبغض إلى الله من هوى ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه ". تفسير : وروى ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس إنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من إتبع نفسه هواها وتمنى على الله ". تفسير : وقال مضر القاضي: لنحت الجبال بالأظافير حتّى تتقطع الأوصال، أهون من مخالفة الهوى إذا تمكن في النفوس. وسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوانٌ سرقت نونه، فنظمه الشاعر: شعر : نون الهوان من الهوى مسروقة فاذا هويت فقد لقيت هوانا تفسير : وقال آخر: شعر : إنّ الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد كسبت هوانا وإذا هويت فقد تعبدك الهوى فإخضع لحبّك كائناً من كانا تفسير : أنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا أبو حاتم محمّد بن حيان المسني، قال: ولم ار أكمل منه. قال: وأنشدنا محمد بن علي الحلاري لعبد الله المبرك: شعر : ومن البلاء للبلاء علامة أن لا يرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها والحر يشبع تارة ويجوع تفسير : وأنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي، أنشدنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي، أنشدنا أبو المثنى معاذ بن المثنى العنبري، عن أبيه لأبي العتاهية: شعر : فإعص هوى النفس ولا ترضها إنك إن أسخطتها زانكا حتّى متى تطلب مرضاتها وإنّها تطلب عدوانكا تفسير : وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا أبو عبيد الطوسي: شعر : والنفس إن أعطيتها مناها فاغرة نحو هواها فاها تفسير : وسمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا نصر بن منصور بن عبد الله الأصبهاني بهراة يقول: سمعت أبا الحسن عمرو بن واصل البحتري يقول: سئل سهل بن عبد الله التستري عن الهوى؛ فقال للسائل: هواك يأمرك فإن خالفته فرّط بك، وقال: إذا عرض لك أمران شككت خيرها فإنظر أبعدهما من هواك فإنه. وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال المشاشي بمرو وأنشدني أبو بكر الزيدي: شعر : إذا طالبتك النفس يوماً بشهوة وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما هويت فإنما هواك عدوٌّ والخلاف صديق تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} منه بعاقبة أمره. {وَخَتَمَ} طبع. {عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} قرأ حمزة والكسائي وخلف (غِشَاوَةً) بفتح (الغين) من غير (ألف) والباقون {غِشَاوَةً} (بالألف) وكسر (الغين). {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَقَالُواْ} يعني المشركين. {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} يموت الآباء ويحيا الأبناء. {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} وما يفنينا إِلاَّ الزمان وطول العمر وفي حرف عبد الله وما يهلكنا الدهر يمر. {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} أخبرنا الحسين بن فنجويه بقراءتي حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي الدينوري، حدثنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي، حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، حدثنا سفيان بن عيينة بن ابي عمران، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان أهل الجاهلية يقولون: إنّما الليل والنهار هو الّذي يهلكنا يميتنا ويحيينا"تفسير : فقال الله تعالى في كتابه: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} فيسبون الدّهر. فقال الله تعالى: يؤذيني إبن آدم يسب الدّهر وأنا الدّهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار. أخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون بقراءتي عليه في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة فاقرّبه، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن، حدثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر وأحمد بن يوسف، قالوا: حدثنا عبد الرزاق بن همام، أخبرنا معمر بن راشد، عن همام بن منبه بن كامل بن سيج، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال الله تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإنّي أنا الدهر، أُرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما ". تفسير : أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة، حدثنا عبد الملك بن أحمد البغدادي، حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سفيان بن محمد الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (عليه السلام): "حديث : لا تسبوا الدهر فإنّ الله تعالى هو الدهر ". تفسير : قال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير هذا الحديث: إنّ هذا مما لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه وذلك أن من شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب [......] إجتاحهم الدهر وتخوفتهم الأيام وأتى عليهم الزمان وما أشبه ذلك حتّى ذكروها في أشعارهم، [ونسبوا الأحداث إليه]. قال عمرو بن قميئة: شعر : رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يرمي وليس برام فلو أنَّها نَبلٌ إذاً لاتقيتها ولكنّني أرمي بغير سهام على الراحتين مرة وعلى العصا أنوء ثلاثاً بعدهنْ من قيامي تفسير : وروي إنّ الشعببي دخل على عبد الملك بن مروان وقد ضعف. فسأله عن حاله، فأنشده هذه الأبيات: شعر : فاستأثر الدهر الغداة بهم والدهر يرميني ولا أرمي يا دهر قد أكثرت فجعتنا بسراتنا ووقرت في العظم وتركتنا لحم على وضم لو كنت تستبقي من اللحم وسلبتنا ما لست تعقبنا يا دهر ما أنصفت في الحكم تفسير : وأنشدنا أبو القاسم السدوسي، أنشدنا عبد السميع بن محمد الهاشمي، أخبرنا أبو الحسن العبسي لإبن لنكك في هذا المعنى: شعر : قل لدهر عن المكارم عطل يا قبيح الفعال جهم المحيا كم كريم حططته من بقاع ولئيم ألحقته بالثريا تفسير : قال أبو عبيده: وناظرت بعض الملاحدة. فقال: إلاّ تراه يقول: فإنّ الله هو الدهر. فقلت له: وهل كان أحد يسب الله في أياد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى: شعر : استأثر الله بالوفاء وبالعدل وولى الملامة الرجلا تفسير : قال: فتأويل قوله صلى الله عليه وسلم "إنّ الله هو الدهر"، إن الله جل ذكره هو الّذي يأتي بالدهر والشدائد والمصائب فإذا سببت الدهر وقع السب على الله تعالى لأنّه فاعل هذه الأشياء وقاضيها ومدبرها. وقال الحسين بن الفضل: مجازه: فإنّ الله هو مدهّر الدهور. وروي عن علي رضي الله عنه في خطبة له: مُدهّر الدهور، ومن عنده الميسور، ومن لدنه المعسور. ودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن النيسابوري، حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكارزي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن القاسم الجمحي، حدثنا عسر بن أحمد، قال: بلغني إنّ سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيراً ما يذكر الدهر، فزجرهُ أبوه عبد الله بن عمر، وقال له: يا بني إياك وذكر الدهر، وأنشد: شعر : فما الدهر بالجاني لشيء لحينه ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا ولكن متى ما يبعث الله باعثاً على معشر يجعل مياسيرهم عُسْرَا تفسير : وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا الشيخ أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنشدنا معاذ بن نجدة بن العريان: شعر : دار الزمان على الأمور فإنّه [إن لحدا أزراك] بالآلام وذو الزمان على الملام فإنما يحكي الزمان مجاري الأقلام يُشكى الزمان ويستزاد وإنّما بيد المليك ساند الأحكام تفسير : وأنشدنا الأستاذ أبو القاسم، أنشدني أبي، أنشدني أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي: شعر : يا عاتبَ الدهر إذا نابَهُ لا تلم الدّهر على عذره ألدهر مأمور له آمرٌ وينتهي الدهر إلى أمره كم كافر أمواله جمة تزداد أضعافاً على كفره ومؤمن ليس له درهم يزدادا ايماناً على فقره تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} يعني ليوم القيامة. {لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ * وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} مجتمعة مستوفرة على ركبها من هول ذلك اليوم، وأصل الجثوة الجماعة من كلّ شيء. قال طرفة يصف قبرين: شعر : ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صم من صفيح مصمد تفسير : أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا موسى بن محمد الحلواني، حدثنا يعقوب بن إسحاق العلوي. حدثنا عبد الله بن يحيى الثقفي، حدثنا أبو عران، عن عاصم الأحول، عن ابن عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: في القيامة ساعة هي عشر سنين يكون الناس فيها جثاة على ركبهم حتّى إبراهيم (عليه السلام) لينادي "لا أسألك اليوم إلأنفسي". {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا} الّذي فيه أعمالها. {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} فيه ديوان الحفظة وقيل اللوح المحفوظ. أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عمر بن نوح البجلي، حدثنا أبو خليفة، حدثنا عثمان بن عبد الله الشامي، حدثنا عقبة بن الوليد، عن أرطأة بن المنذر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أول شيء خلق الله القلم من نور مسيره خمسمائة عام، واللوح من نور مسيره خمسمائة عام، فقال للقلم: إجر فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، بردها وحرها، ورطبها ويابسها، ثمّ قرأ هذه الآية {هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} ". تفسير : {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} قال: وهل يكون النسخ إلاّ من كتاب قد فرغ منه، ومعنى نستنسخ يأمر بالنسخ، وقال الضحاك: نثبث. السدي نكتب. الحسن: نحفظ. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ} جنّته {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} الظفر الطاهر. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ} فيقال لهم: {أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ * وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لاَ رَيْبَ فِيهَا} قرأه العامة بالرفع على الابتداء وخبره فيما بعده ودليلهم قوله: {أية : إِنَّ ٱلأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الأعراف: 128]. قرأ أبو رجاء وحمزة {وَٱلسَّاعَةُ} نصباً عطفاً بها على الوعد لا ريب فيها. {قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} إنّها كائنة. {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي جزاؤها. {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ} نترككم في النّار. {كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} كما تركتم الإيمان بيومكم هذا. {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ * ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ}. قرأه العامة بضم الياء، وقرأ أهل الكوفة إِلاَّ عاصم بفتحة. {مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} يسترضون. {فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قرأه العامة بكسر (الباء) في ثلاثتها، وقرأ ابن محيصن رفعاً على معنى هو ربُّ. {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه أن الظن الجائر والخاطئ من الكافرين، وهو أنْ نُسوِّيهم بالذين آمنوا. وبعد أنْ بيَّن سبحانه وجه الظلم في هذا الظن يُحدِّثنا هنا عن عدله سبحانه، وعن ميزان الحق الذي به قامتْ السماوات والأرض بداية، وقبل أنْ يخلقَ الإنسان، وقبل أنْ يوجد المؤمن والكافر. فبالحق خلق الله السماوات والأرض، وأنشأهما بحساب دقيق وعدل مطلق، فعدالة السماء لا تقتصر على جزاء الآخرة كُلٌّ بعمله، إنما هي عدالة أزلية بها قامتْ عملية الخلق. {وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 22] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، ونحن نرى آيات الله في الكون سمائه وأرضه نجدها آيات ثابتة تسير بنظام محكم دقيق لا يتخلف أبداً ولا يتبدل، لأنها بُنيت بدايةً على الحق. وكأن الله تعالى يعطينا إشارة ويلفت أنظارنا إلى أن حركة حياتنا في هذه الدنيا لن تستقيم ولن تسير في سلام إلا إذا قامتْ على الحق وبُنيت بميزان الحق، الذي به قامتْ السماوات والأرض. اقرأ مثلاً: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} تفسير : [الرحمن: 5] أي: خُلِقَتْ بحساب دقيق {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ} تفسير : [الرحمن: 6-7]. وتأمل ختام الآية: {وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 22] فما دام الأمر قائماً على الحق، فلا بدَّ أنْ تتحقق العدالة في الجزاء، وأنْ ينتفي الظلم. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: خلق الله السماوات والأرض بالحكمة وليعبد وحده لا شريك له، ثم يجازي بعد ذلك من أمرهم بعبادته وأنعم عليم بالنعم الظاهرة والباطنة هل شكروا الله تعالى وقاموا بالمأمور؟ أم كفروا فاستحقوا جزاء الكفور؟