٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
القرطبي
تفسير : قال ٱبن عباس والحسن وقتادة: ذلك الكافر ٱتخذ دينه ما يهواه؛ فلا يهوى شيئاً إلا ركبه. وقال عكرمة: أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه؛ فإذا ٱستحسن شيئاً وهَوِيَهُ ٱتخذه إلٰهاً. قال سعيد بن جُبير: كان أحدهم يعبد الحجر؛ فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين، لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه. وقال سفيان بن عيينة: إنما عبدوا الحجارة لأن البيت حجارة. وقيل: المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيباً لذوي العقول من هذا الجهل. وقال الحسن بن الفضل: في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازه: أفرأيت من ٱتخذ هواه إلٰهه. وقال الشَّعْبيّ: إنما سُمِّي الهوى (هَوًى) لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس: ما ذكر الله هَوًى في القرآن إلا ذمّه، قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} تفسير : [الأعراف: 176]. وقال تعالى: {أية : وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} تفسير : [الكهف:8 2]. وقال تعالى: {أية : بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}تفسير : [الروم:9 2]. وقال تعالى: {أية : وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [القصص: 50]. وقال تعالى:{أية : وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [صۤ:6 2]. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تَبعاً لما جئت به»تفسير : . وقال أبو أمامة: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما عُبِد تحت السماء إلٰه أبغض إلى الله من الهوى»تفسير : . وقال شدّاد بن أوس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الكَيِّس من دان نفسه وعمِل لما بعد الموت. والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله»تفسير : . وقال عليه السلام: «حديث : إذا رأيت شُحًّا مطاعاً وهَوًى مُتَّبَعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة نفسك ودَعْ عنك أمر العامة»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شُحٌّ مطاع وهوًى متبع وإعجاب المرء بنفسه. والمنجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب»تفسير : . وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه؛ فإن كان عمله تبعاً لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعاً لعلمه فيومه يوم صالح. وقال الأصمعي سمعت رجلاً يقول:شعر : إن الهوان هو الهوى قلب ٱسمه فإذا هويت فقد لقيت هوانا تفسير : وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال: هَوَانٌ سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه وقال:شعر : نُونُ الهوان من الهَوَى مسروقةٌ فإذا هَوِيت فقد لقيت هوانا تفسير : وقال آخر:شعر : إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد كَسَبت هوانا وإذا هويت فقد تعبّدك الهوى فاخضع لحبّك كائناً من كانا تفسير : ولعبد الله بن المبارك:شعر : ومن البلايا للبلاء علامة ألا يُرى لك عن هواك نزوع العبد عبد النفس في شهواتها والحرّ يشبع تارةً ويجوع تفسير : ولابن دُرَيْد:شعر : إذا طالبتك النفس يوماً بشهوة وكان إليها للخلاف طريق فَدَعْها وخالف ما هَوِيت فإنما هواك عدوٌّ والخلاف صديق تفسير : ولأبي عبيد الطُّوسيّ:شعر : والنفس إن أعطيتها مناها فاغرة نحو هواها فاها تفسير : وقال أحمد بن أبي الحَوارَى: مررت براهب فوجدته نحيفاً فقلت له: أنت عليل. قال نعم. قلت مذ كم؟ قال: مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى؟ قال: قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكيّ. قلت وما الكَي؟ قال: مخالفة الهوى. وقال سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك. وقال وهب: إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته. وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه؛ وحسبك بقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ } تفسير : [النازعات:40 ـ41]. قوله تعالى: {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} أي على علم قد علمه منه. وقيل: أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. وقال ابن عباس: أي على علم قد سبق عنده أنه سيضل. مقاتل: على علم منه أنه ضال؛ والمعنى متقارب. وقيل: على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر. ثم قيل: «عَلَى عِلْمٍ» يجوز أن يكون حالاً من الفاعل؛ المعنى: أضله على علم منه به، أي أضله عالماً بأنه من أهل الضلال في سابق علمه. ويجوز أن يكون حالاً من المفعول؛ فيكون المعنى: أضله في حال علم الكافر بأنه ضال. {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدي. {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. وقرأ حمزة والكسائي «غَشْوة» بفتح الغين من غير ألف، وقد مضى في «البقرة». وقال الشاعر: شعر : أما والذي أنا عبدٌ له يَميناً وما لَك أبدي اليمينا لئن كنت ألبستني غَشْوة لقد كنت أصفيتك الوُدّ حينا تفسير : {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} أي من بعد أن أضله. {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء. وهذه الآية ترد على القدرية والإمامية ومن سلك سبيلهم في الاْعتقاد؛ إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية. ثم قيل: «وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ» إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم. وقيل: إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم؛ كما تقدّم في أوّل «البقرة». وحكى ٱبن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة. وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف. وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة؛ فتحدّثا في شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه لصادق! فقال له مَه! وما دلّك على ذلكٰ؟ قال: يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين؛ فلما تمّ عقله وكَمُل رشده، نسمّيه الكذاب الخائن والله إني لأعلم أنه لصادق! قال: فما يمنعك أن تصدّقه وتؤمن به؟ قال: تتحدّث عني بنات قريش أني قد ٱتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعُزّى إن اتبعته أبداً. فنزلت: {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَرَءَيْتَ } أخبرني {مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ } ما يهواه من حجر بعد حجر يراه أحسن {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ } منه تعالى: أي عالماً بأنه من أهل الضلالة قبل خلقه {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } فلم يسمع الهدى ولم يعقله {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَٰوَةً } ظلمة فلم يبصر الهدى، ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت أيهتدي؟ {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ } أي بعد إضلاله إياه أي لا يهتدي {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } تتعظون؟ فيه إدغام إحدى التاءين في الذال.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلَهَهُ هَوَاهُ} لا يهوى شيئاً إلا ركبه "ع"، أو يعبد ما يهواه ويستحسنه كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رماه وعبد الآخر، أو أرأيت من ينقاد لهواه انقياده لإلهه ومعبوده {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ} وجده ضالاً، أو ضل عند الله. قال الشاعر: شعر : هَبُوني امْرَأ منكُمْ أضلَّ بَعيرَهُ له ذِمَّةُ إِنَّ الذِّمَامَ كَبِيرُ تفسير : ضل عنه بعيره. {عَلَى عِلْمٍ} منه أنه ضال، أو عَلِم الله ـ تعالى ـ في سابق علمه أنه سيضل {وَخَتَمَ علَىَ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} فلا يسمع الوعظ ولا يفقه الهدى وغشي بصره فلا يبصر الرشد أخبر عنهم بذلك، أو دعا به عليهم نزلت في الحارث ابن قيس، أو في الحارث بن نوفل.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ...} الآيَة: تسليةٌ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أي: لا تَهْتَمَّ بأمر الكَفَرَةِ من أجل إعراضهم عن الإيمان، وقوله: {إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} إشارة إلى الأصنام؛ إذ كانوا يعبدون ما يَهْوَوْنَ من الحجارة، وقال قتادة: المعنى: لا يَهْوَى شيئاً إلا رَكِبَهُ، لا يخافُ اللَّه؛ فهذا كما يقال: الهَوَىٰ إلٰهٌ مَعْبُودٌ، وهذه الآية وإنْ كانت نزلَتْ في هَوَى الكُفْر؛ فهِي مُتَنَاوِلَةٌ جميعَ هوى النفس الأَمَّارَةِ؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّىٰ عَلَى اللَّهِ»تفسير : ، وقال سَهْلٌ التُّسْتَرِيُّ: هَوَاكَ دَاؤُكَ؛ فَإنْ خَالَفْتَهُ فَدَوَاؤُك،، وقال وهْبٌ: إذا عَرَضَ لك أمران، وشككْتَ في خَيْرِهِمَا، فَٱنظُرْ أَبْعَدَهُمَا مِنْ هَوَاكَ فَأْتِهِ؛ ومن الحكمة في هذا قول القائل: [الطويل] شعر : إذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهِوَىٰ قَادَكَ الْهَوَىٰ إلَىٰ كُلِّ مَا فيهِ عَلَيْكَ مَقَالُ تفسير : قال الشيخ ابن أبي جَمْرَةَ: قولُهُ صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَيُقَالُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلِيَتْبَعْهُ» تفسير : «شيئاً» يعم جَمِيعَ الأشياء، مُدْرَكَةً كانَتْ أو غَيْرَ مُدْرَكَةٍ، فالمُدْرَكُ: كالشمس والقمر، وَغَيْرُ المُدْرَكِ، مِثْلُ: الملائكة والهَوَىٰ؛ لقوله عزَّ وجَلَّ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}، وما أشبه ذلك، انتهى،، قال القُشَيْرِيُّ في «رسالته»: وحُكِيَ عن أبي عمران الواسطيِّ قال: ٱنكسرَتْ بنا السفينةُ، فَبَقِيتُ أنا وٱمْرَأَتِي على لَوْحٍ، وقد وَلَدَتْ في تِلْكَ الحَالِ صَبِيَّةٌ، فصَاحَتْ بي، وقالت: يَقْتُلُنِي العَطَشُ، فقلْتُ: هو ذا يَرَىٰ حالَنَا، فرفعتُ رَأْسِي، فإذا رجُلٌ في الهواء جالِسٌ في يده سِلْسِلَةٌ من ذَهَبٍ، وفيها كُوزٌ من ياقُوتٍ أَحْمَرَ، فقال: هَاكَ، ٱشْرَبَا، قال: فأخذتُ الكُوزَ فَشَرِبْنَا منه، فإذا هو أطيبُ مِنَ المِسْكِ، وأبردُ مِنَ الثَّلْجِ، وأحلَىٰ من العَسَلِ، فقلت: مَنْ أَنْتَ ـــ رَحِمَكَ اللَّه؟ ـــ فقال: عبدٌ لمولاكَ، فقلْتُ له: بِمَ وَصَلْتَ إلَىٰ هذا؟ فقال: تركْتُ هَوَايَ لمَرْضَاتِهِ، فأجلَسَنِي في الهواء، ثُمَّ غَابَ عَنِّي، ولم أره، انتهى. وقوله تعالى: {عَلَىٰ عِلْمٍ} قال ابن عباس: المعنى: على عِلْمٍ من اللَّه تعالى سَابِقٍ، وقالت فرقة: أي: على عِلْمٍ من هذا الضَّالِّ بتَرْكِهِ للحَقِّ وإعراضِهِ عنه، فتكُونُ الآية علَىٰ هذا التأويل من آيات العِنَادِ؛ من نحو قوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ}تفسير : [النمل:14]. وقوله تعالى: {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً} استعاراتٌ كُلُّهَا. وقوله: {مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} فِيهِ حَذْفُ مضافٍ، تقديره: مِنْ بعدِ إضلالِ اللَّهِ إيَّاه، واخْتُلِفَ في معنى قولهم: {نَمُوتُ وَنَحْيَا} فقالت فرقة: المعنى: يَمُوتُ الآباء، ويحيا الأبناء، وقالت فرقة: المَعْنَىٰ: نَحْيَا ونَمُوتُ، فوقع في اللفظ تقديم وتأخير، وقولهم: {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} أي: طولُ الزمانِ.
البقاعي
تفسير : ولما بين غاية البيان أنه الإله وحده بما له من الإحاطة بجميع صفات الكمال، وأنه لا بد من جمعه الخلائق ليوم الفصل للحكم بينهم بما له من الحكمة والقدرة، وحقر الهوى ونهى عن اتباعه، وكانوا هم قد عظموه بحيث جعلوه معبوداً، فلزم من ذلك تحقيرهم الإله، ولم يرجعوا عن ضلالهم، تسبب عن ذلك التعجيب ممن يظن أنه يقدر على رد أحد منهم عن غيه بشيء من الأشياء فقال: {أفرءيت} أي أعلمت علماً هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت الحواس {من اتخذ} أي بغاية جهده واجتهاده {إلٰهه هواه} أي حول وصف الإله حتى صار هوى لنفسه، فهو تابع لهواه ليس غير، فهو في أودية الضلال يهيم على غير سنن فهو معرّض لكل بلاء، فخسر أكثر من ربحه لكونه بلا دليل، والدليل على أنهم لا يعبدون إلا مجرد الهوى ما رواه البخاري في وفد بني حنيفة من المغازي من صحيحه عن أبي رجاء العطاردي وهو مخضرم ثقة أدرك الجاهلية ومات سنة خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة، قال: كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجراً أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجراً جمعنا جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به - انتهى. ومع ذلك فكيفما قلبت أمرهم وجدته شعبة يسيرة من كفر الاتحادية، ولك متشبثات قريش التي عابهم الله بها تشبثت بها الاتحادية حتى قولهم{أية : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} تفسير : [الزمر: 3] ولو قدم الهوى لكان المعنى أنه حول وصفه إلى الألوهية فاضمحل الهوى، ولم يبق إلا ما ينسب إلى الإلهية كما اضمحل الطين في: اتحدت الطين حرقاً، فصار المعنى أن العابد لا يتحرك إلا بحسب ما يأمره به الإله ويصير التركيب يفيد تعظيمه بغلبة الإثبات وإذهاب الهوى غاية الإذهاب، ولو كان التقديم في هذا بحسب السياق من غير اختلاف المعنى لقدم هنا الهوى لأن السياق والسباق له وقد تقدم في سورة الفرقان ما ينفع هنا ومفعول "رأى" الثاني مقدر يدل عليه قوله آخر الكلام {فمن يهديه} تقديره: أيمكن أحداً غير الله هدايته ما دام هواه موجوداً، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه - انتهى. ومعناه أنه يهوي بصاحبه في الهواء الممدود وهو الفضاء، أي ينزل به عن درجة عليا إلى ما دونها. فهو في سفول ما دام تابعاً له لأنه بحيث لا قرار ولا تمكن، فلذلك هو يوجب الهوان، قال الأصبهاني: سئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوان سرقة نونه، فنظمه من قال: شعر : نون الهوان من الهوى مسروقة وأسير كل هوى أسير هوان تفسير : وقال آخر ولم يخطىء المعنى وأجاد: شعر : إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هوانا تفسير : {وأضله الله} أي بما له من الإحاطة {على علم} منه بما فطر عليه من أنه لا يكون أثر بلا مؤثر، ومن أنه لا يكون منفرداً بالملك إلا وهو مستحق للتفرد بالعبادة، وهو أنه لم يخلق الكون إلا حكيم، وأن الحكيم لا يدع من تحت يده يبغي بعضهم على بعض من غير فصل بينهم لا سيما وقد وعد بذلك ولا سيما والوعد بذلك في أساليب الإعجاز التي هم أعرف الناس بها، أو على علم من المضل بأن الضال مستحق لذلك لأنه جبله جبلة شر. ولما كان الضال أحوج إلى سماع صوت الهادي منه إلى غيره، وكان من لا ينتفع بما هو له في حكم العادم له قال: {وختم} أي زيادة على الإضلال الحاضر {على سمعه} فلا فهم له في الآيات المسموعة. ولما كان الأصم قد يفهم بالإشارة قال: {وقلبه} أي فهو لا يعي ما من حقه وعيه. ولما كان المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه فيباشرها مباشرة البهائم قال: {وجعل على بصره غشاوة} فصار لا يبصر الآيات المرئية، وترتيبها هكذا لأنها في سياق الإضلال كما تقدم في البقرة. ولما صار هذا الإنسان الذي صار لا يسمع الهادي فيقصده ولا يعي المعاني لينتفع بما تقدم له علمه، ولا يبصر حق البصر ليهتدي ببصره دون رتبة الحيوان، قال تعالى منكراً مسبباً للإنكار عما تقدمه: {فمن يهديه} وأشار إلى قدرة الله عليه بقوله: {من بعد الله} أي إضلال الذي له الإحاطة بكل شيء. ولما كان من المعلوم قطعاً أنه لا هادي له غيره، سبب عنه الإنكار لعدم التذكر حثاً على التذكر فقال مشيراً بإدغام تاء التفعل إلى عدم الاحتياج بسبب وضوحه إلى كثير تذكر: {أفلا تذكرون *} أي يكون لكم نوع تذكر فتذكرون أنهم لا يسمعون الآيات المتلوة ولا يعتبرون بالآيات المرئية مع ما لكل منهما من الظهور، وأن من كان هذا حاله فلا سبيل لمخلوق مثله إلى هدايته.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} قال: ذاك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان {وأضله الله على علم} يقول: أضله الله في سابق علمه. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} قال: لا يهوى شيئاً إلا ركبه، لا يخاف الله عز وجل. وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الرجل من العرب يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن منه أخذه وألقى الآخر، فأنزل الله {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} .
ابو السعود
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} تعجيبٌ من حالِ مَنْ تركَ متابعةَ الهُدى إلى مُطاوعةِ الهَوَى فكأنَّه عبدُه أيْ أنظرتَ فرأيتَهُ فإنَّ ذلكَ مِمَّا يُقْضَى منه العجبُ. وقُرِىءَ آلهةً هواهُ لأنَّ أحدَهُم كانَ يستحسنُ حجراً فيعبدُه فإذا رَأى أحسنَ منه رفضَهُ إليهِ فكأنَّه اتخذَ آلهةً شتَّى {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ} وخذلَه {عَلَىٰ عِلْمٍ} أي عالماً بضلالِه وتبديلِه لفطرةِ الله تعالى التي فطرَ النَّاسَ عليها. {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ} بحيثُ لا يتأثرُ بالمواعظِ ولا يتفكرُ في الآياتِ والنذرِ. {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً} مانعةً عن الاستبصارِ والاعتبارِ. وقُرِىءَ بفتحِ الغينِ وضمِّها، وقُرِىءَ غشوةً {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} أي من بعدِ إضلالِه تعالى إيَّاهُ بموجبِ تعاميهِ عنِ الهُدى وتماديهِ في الغيِّ {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي أَلاَ تلاحظونَ فلا تذكَّرونَ وقُرىءَ تتذكرونَ على الأصلِ. {وَقَالُواْ} بـيانٌ لأحكامِ ضلالِهم المحكيِّ أي قالُوا من غايةِ غيِّهم وضلالِهم {مَا هِىَ} أيْ ما الحَيَاةُ {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا} التي نحنُ فيَها {نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي يصيبنا الموتُ والحياةُ فيها وليسَ وراءَ ذلكَ حياةٌ وقيلَ: نكونُ نطفاً وما قبلَها وما بعدَها ونحيا بعدَ ذلكَ، أو نموتُ بأنفسِنا ونحيَا ببقاءِ أولادِنا أو يموتُ بعضُنا ويحيا بعضُنا وقد جُوِّزَ أنْ يريدُوا به التناسخَ فإنَّه عقيدةُ أكثرِ عبدةِ الأوثانِ. وقُرِىءَ نَحْيَا {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} إلا مرورُ الزمانِ وهُو في الأصلِ مدةُ بقاءِ العالمِ من دَهَرهُ أي غلَبُه. وقِرِىءَ إلا دهرٌ يمرُّ وكانُوا يزعمونَ أن المؤثرَ في هلاكِ الأنفسِ هُو مرورُ الأيامِ والليالِي وينكرونَ ملكَ الموتِ وقبضَه للأرواحِ بأمرِ الله تعالى ويضيفونَ الحوادثَ إلى الدهرِ والزمانِ. ومنْهُ قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تسبُّوا الدهرَ فإنَّ الله هو الدهرُ» تفسير : أي فإنَّ الله هُو الآتِي بالحوادثِ لا الدهرُ. {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ} أي بما ذُكِرَ من اقتصارِ الحياةِ على ما في الدُّنيا واستنادِ الحياةِ والموتِ إلى الدهرِ {مِنْ عِلْمٍ} مَا مستندٍ إلى عقلٍ أو نقلٍ {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} ما هُم إلا قومٌ قُصارى أمرِهم الظنُّ والتقليدُ من غيرِ أنْ يكونَ لهم شيءٌ يصحُّ أنْ يتمسكَ به في الجملةِ، هذا معتقدُهم الفاسدُ في أنفسِهم {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا} النَّاطقةُ بالحقِّ الذي من جُمْلَته البعثُ {بَيّنَـٰتٍ} واضحاتِ الدلالةِ على ما نطقت بهِ أو مبـيناتٍ له {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} بالنصبِ على أنَّه خبرُ كانَ أيْ مَا كانَ متمسكاً لهم شيءٌ من الأشياءِ. { إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِئَابآئِنَا إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في أنَّا نبعثُ بعدَ الموتِ أيْ إلاَّ هذا القولُ الباطلُ الذي يستحيلُ أنْ يكونَ من قبـيلِ الحُجَّةِ، وتسميتُه حجةً إمَّا لسوقِهم إيَّاهُ مساقَ الحُجَّةِ على سبـيلِ التهكمِ بهم أو لأنَّه من قبـيلِ: شعر : [وخيلٌ قد دَلَفْتُ لها بخيْلٍ] تحيةُ بـينِهم ضربٌ وجيعُ تفسير : وقُرىءَ برفعِ حجَّتَهم على أنها اسمُ كانَ فالمَعْنى ما كانَ حجَّتُهم شيئاً من الأشياءِ إلا هَذا القولَ الباطلَ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}[23] قال: يعني أفرأيت من كان مغموراً في لذة نفسه من الدنيا، غير ورع ولا تقي، فاتبع مراده ولم يسلك مسالك الاقتداء، وآثر شهوات الدنيا على نعيم العقبى، أنى تكون له في الآخرة من الدرجات الرفيعة والمنازل السنية {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ}[23] قال: أي على علم الله السابق فيه بترك عصمته ومعونته.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} [الآية: 23]. قال سهل: من اتبع مراده ولم يسلك مسالك الاقتداء وآثر الشهوات على نعيم الآخرة طمع أن له فى الآخرة ما للمؤمنين من الدرجات الرفيعة والمنازل السنية. قال سهل: {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} قال: ضل عليه علم نجاته وقال أيضاً فى قوله: {مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قال: مغمور فى لذات الدنيا لنفسه من غير ورع ولا تقوى وهو الذى يطبع على قلبه.
القشيري
تفسير : مَنْ لم يَسْلُكْ سبيلَ الاتباع، ولم يستوفِ أحكامَ الرياضة، ولم يَنْسلِخْ عن هواه بالكليَّة، ولم يؤدَّبْه إمامٌ مُقْتَدَىٌ فهو ينجرفُ في كل وَهَدَةٍ، ويهيمُ في كلِّ ضلالة، ويضلُّ في كل فجِّ، خسرانُه أكثر من ربْحِه!! أولئك في ضلالٍ بعيد؛ يعملون القُرَبَ على ما يقع لهم من نشاطِ نفوسهم، زمامُهم بيد هواهم، أولئك أهل المكر.. اسْتدْرِجُوا وما يَشْعُرون!.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} من نظر الى ما وصل اليه مما ابتلى به المريدون فقد اتخذ هواه الها اذ بنفسه محجوب ومن باب المشاهدة مطرود وذلك باضلال الحق اياه بما سبق فى علمه بانه يكون محجوبا به قال الله تعالى {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} قال سهل من اتبع مراده لم يسلك مسالك الاقتداء واثر شهوات الدنيا على فيهم الأخرة ثم طمع ان له فى الأخرة ما للمؤمنين من الدرجات الرفيعة والمنازل السنية وقال فى قوله واضله الله على علم ضل عليه علم نجاته ثم ان الله سبحانه ان اكدا امرا ضلاله بقوله {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} ختم على سمعه وقلبه ختم الضلال والغيرة والقهر القديم وغطى بصره بعمى الكفر قال سهل ختم على سمعه فحوى عليه سماع خطابه وحرم على قلبه فم خطابه وعلى عينه مشاهدة أثار القدرة فى صنعه.
اسماعيل حقي
تفسير : {افرأيت من اتخذ الهه هواه} وهو ما تهواه نفسه الخبيثة وقال الشعبى انما سمى الهوى لانه يهوى بصاحبه فى النار وهو تعجيب لحال من ترك متابعة الهدى الى مطاوعة الهوا فكأنه عبده ففيه استعارة تمثيلية او حذف اداة التشبيه وكان الاصل كالهه اى انظرت فرأيته فان ذلك مما يقتضى التعجب وسبق تحقيق الآية فى سورة الفرقان وفيه اشارة الى ان من وقف بنفسه فى مرتبة من المراتب دون المشاهدة فقد صار من أهل الهوا وعبد ما سوى المولى وفى الحديث "حديث : ما عبد تحت ظل السماء أبغض الى الله من هوى" تفسير : قال بعضهم شعر : نون الهوان من الهوى مسروقة فأسير كل هوى أسير هوان تفسير : وقال بعضهم شعر : فاعص هوى النفس ولا ترضها انك ان استخطتها زانكا حتى متى تطلب مرضاتها وانما تطلب عدوا نكا تفسير : (قال الشيخ سعدى) مراد هركه برارى مطيع امر توشد خلاف نفس كه كردن كشد جويافت مراد (وقال المولى الجامى) هيج اذاى براه خلق نيست بدتر زنفس بدفرما {واضله الله} وخذله عدلا منه يعنى كمراه ساخت وفرو كذاشت {على علم} حال من الفاعل اى حال كونه تعالى عالما بضلاله وتبديله للفطرة الاصلية ويمكن ان يجعل حالا من المفعول اى علم من الضال بطريق الهداية بأن ضل عنادا نحو {أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} تفسير : ونحو {أية : فما اختلفوا الا من بعد ما جاءهم العلم} تفسير : {وختم على سمعه} بحيث لا يتأثر من المواعظ ولا يسمع الحق {وقلبه} بحيث لا يتفكر فى الآيات والنذر ولا يفهم الحق {وجعل على بصره غشاوة} مانعة عن الاستبصار والاعتبار وهو ما يغشى العين ويغطيها عن الابصار والادراك وتنكيرها للتنويع او للتعظيم. قال بعض الكبار ختم الله على سمعه فحرم من سماع خطابه وعلى قلبه فحرم من فهم خطابه وعلى عينيه فحرم من مشاهدة آثار القدرة فى صنعه فلم ير الحق {فمن يهديه} بس كيست كه راه نمايد اين كسر را {من بعد الله} اى من بعد اضلاله اياه بموجب تعاميه عن الهدى وتماديه فى الغى اى لا يقدر أحد ان يهديه {افلا تذكرون} ألا تلاحظون ايها الناس فلا تتذكرون ولا تتفكرون فتعلموا ان الهداية لا يملكها احد سواه او فلا تتعظون. آيابند نمى كريد يعنى بند كيريد ومتنبه شويد. وفى الآية اشارة الى الفلاسفة والدهرية والطبائعية ومن لم يسلك سبيل الاتباع ولم يستوف احكام الرياضة بتأديب أرباب الطريقة على قانون الشريعة ولم ينسلخ عن هواه بالكلية ولم يؤدبه ويسلكه امام مقتدى فى هذا الشان من أرباب الوصال والوصول بل اقتدى بائمة الكفر والضلالة واقتفى آثارهم بالشبهات العقلية وحسبان البراهين القطعية فوقع فى شبكة الشيطان فأخذه بزمام هواه وأضله فى تيه مهواه وربما دعاه الى الرياضة وترك الشهوات لتصفية العقل وسلامة الفكر فيمنيه ادراك الحقائق حتى يوبقه فى وهدات الشبهات فيهيم فى كل ضلالة ويضل فى كل فج عميق واصبح خسرانه اكثر من ربحه ونقصانه أوفر من رجحانه فهم فى ضلال بعيد يعملون القرب على ما يقع لهم من نشاط نفوسهم زمامهم بيد هواهم اولئك اهل المكر استدرجوا من حيث لا يشعرون (وفى المثنوى) جيست حبل الله رها كردن هوا كين هواشد صرصرى مرعادرا خلق درزندان نشسته ازهواست روح را درغيب خود اشكنجهاست ليك تانجهى شكنجه درخفاست جون رهيدى بينىاشكنج ودمار زانكه ضد ازضد كرددآشكار جون رها كردى هوى ازبيم حق دررسدسغراق ازتسنيم حق
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {أفرأيتَ مَن اتخذ إِلهَهُ هواه} أي: أباح لنفسه كل ما تهواه، سواء كان مباحاً أو غير مباح، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه، وإليه أشار في المباحث بقوله: شعر : ومَن أباح النفس ما تهواه فإنما معبوده هواه تفسير : فالآية وإن نزلت في هوى الكفر؛ فهي متناولة لكل هوى النفس الأمَّارة، قال ابن جبير: نزلت في قريش والعرب، كانوا يعبدون الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا شيئاً أحسن أَلْقَوه وعبدوا غيره. هـ. ومتابعة الهوى كلها مذمومة، فإن كان ما هوته مُحرّماً أفضى بصاحبه إلى العقاب، وإن كان مباحاً بقي صاحبه في غم الحجاب وسوء الحساب، وأسْرِ نفسه وكدِّ طبعه. وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما عُبد تحت السماء أبغض إلى الله تعالى من هوى"تفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : ثلاثٌ مهلكات؛ شحٌّ مطاع، وهوىً متبع، وإعجابُ المرء بنفسه" تفسير : وقال أيضاً:"حديث : الكيِّسُ مَن دان نفسه، وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجز مَن أَتبع نفسَه هواها، وتمنَّى على الله"تفسير : ، وسيأتي في الإشارة تمامه. ثم قال تعالى: {وأضلَّه اللّهُ على علم} أي: خذله على علم منه، باختياره الضلالة، أي: عالماً بضلاله، وتبديله لفطرة الله التي فطر الناس عليها. وقيل: نزلت في أمية بن أبي الصلت، وكان عنده علم بالكتب المتقدمة، فكان ينتظر بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ظهر، قال: ما كنتُ لأومن لرسول ليس من ثقيف، وأشعاره محشوة بالتوحيد، ولكن سبق له الشقاء، فلم يؤمن، وختم على سمعه فلا يقبل وعظاً وقلبه، فلا يعتقد حقاً أي: لا يتأثر بالمواعظ، ولا يتكفّر في الآيات والنُذر. {وجَعَلَ على بصره غشاوةً} أي: ظلمة مانعة نم الاعتبار والاستبصار، {فمَن يهديه من بعدِ الله} من بعد إضلال الله إياه؟ {أفلا تَذَكَّرون} أفلا تتعظون، فتُسلمون الأمور إلى مولاها، يُضل مَن يشاء ويهدي مَن يشاء. الإشارة: حقيقة الهوى كل ما تعشقه النفس، وتميل إليه من الحظوظ العاجلة، ويجري ذلك في المآكل، والمشارب، والملابس، والمناكح، والجاه، ورفع المنزلة، فليجاهد العبد نفسه في ترك ذلك كله، حتى لا تحب إلا ما هو طاعة يقرب إلى الله، كما قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يؤمنُ أحدكُم حتى يكون هواه تابعاً لما جئتُ به"تفسير : فإن كان في طريق الإرادة والتربية ترك كل ما تميل إليه نفسه وتسكن إليه، ولو كان طاعة، كما قال البوصيري رضي الله عنه: شعر : ورَاعِها وهي في الأعمالِ سائمة وإن هي استحْلت المرعى فلا تُسِمِ تفسير : فإنَّ حلاوة الطاعة سموم قاتلة، يمنع الوقوف معها من الترقي إلى حلاوة الشهود ولذة المعرفة، وكذلك الركون إلى الكرامات، والوقوف مع المقامات، كلها أهوية تمنع مما هو أعلى منها؛ من مقام العيان، فلا يزل المريد يُجاهد نفسه، ويرحلها عن هذه الحظوظ، حتى تتمحّض محبتها في الحق تعالى، فلا يشتهي إلا شهود ذاته الأقدس، أو ما يقضيه عليه، فإذا ظهر بهذا المقام لم تبقَ له مجاهدة ولا رياضة، وكان ملكاً حرّاً، فيقال له حينئذ: شعر : لك الدهر طوع، والأنام عبيد فعش، كل يوم من أيامك عيد تفسير : وطريق السير في هذا أن يُساس نفسه شيئاً فشيئاً، يمنعها من المكروهات، ثم من المباحات شيئاً فشيئاً، حتى تستأنس، يترك شهوة ثم أخرى، وهكذا، وأما لو منعها الكل دفعة واحدة فربما تمل وتسقط، وقد قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : لا يكن أحدكم كالمُنبت، لا أرضاً قَطَع، ولا ظهراً أبقى"تفسير : . وإلى هذا أشار في المباحث، حيث قال: شعر : واحتلْ على النفس فرب حيلهْ أنفع في النصرة من قبيلهْ تفسير : وأعظم الحظوظ حُب الجاه والتقدُّم، فلا يسامحها المريد في شيء من ذلك قط، ولينزل بها إلى الخمول والسفليات، وأما شهوة البطن والفرج، فما تشوّفت إليه النفس من ذلك فليمنعها منها كليّاً، وما أتاها من غير حرص ولا تشوُّف فليأخذ منه قدر الحاجة، مع الشكر عيله، هكذا يسير حتى يتحقق وصوله، ويتمكن من معرفة الحق، وحينئذ فلا كلام معه، كما تقدّم، ولا بد من صُحبة شيخ عارف كامل، يلقيه زمام نفسه، فيحمله بهمته، وإلا فلا طاقة على مجاهدتها أصلاً، وجَرَّب ففي التجريب علم الحقائق. قال القشيري: مَن لم يَسْلك سبيلَ الاتباع، ولم يستوفِ أحكام الرياضة، ولم ينسلخ عن هواه بالكلية، ولم يؤدبَه إمامٌ مُقتدًى به، فهو ينحرفُ في كل وَهْدةٍ، ويهيمُ في كل ضلالة، ويضلُّ في كل فجٍّ، خسرانه أكثر من ربحه، ونقصانه أوفر من رجحانه، أولئك في ضلال بعيد، زِمامُهم بيد هواهم، أولئك أهل المكر، استْتُدرِجُوا وما يشعرون. هـ. وفي الحِكَم: "لا يخاف أن تلتبس الطرق عليك، وإنما يخاف من غلبة الهوى عليك". فمَن غَلَبَه الهوى غَلَبَه الوجود بأسره، وتصرّف فيه، أحبّ أم كَرِهَ، ومَن غلب هواه غلب الوجودَ بأسره، وتصرّف فيه بهمته كيف شاء. حكي عن أبي عمران الواسطي، قال: انكسرت بنا السفينة، فبقيت أنا وامرأتي على ألواح، وقد وَلَدَتْ في تلك الليلة صبية، فصاحت بي، وقالت: يقتلني العطش، فقتل: هو ذا يرى حالنا، فرفعتُ رأسي، فإذا رجل جالس في يده سلسلة من ذهب، فيها كوز من ياقوت أحمر، فقال: هاك اشربا، فأخذتُ الكوز، فشربنا، فإذا هو أطيب من المسك، وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، فقلتُ: مَن أنتَ؟ فقال: أنا عبد لمولاك، فقلت: بِمَ وصلتَ إلى هذا؟ فقال: تركت هواي لمرضاته، فأجلسني في الهواء، ثم غاب ولم أره. هـ. وقال سهل رضي الله عنه: هواك داؤك، فإن خالفته فدواؤك، وقال وهب: إذا عرض لك أمران وشككت في خيرهما، فانظر أبعدهما من هواك فأته. هـ. ومثله في الحِكَم: "إذا التبس عليك أمران، فانظر أثقلهما على النفس، فاتبعه، فإنه لا يَثْقُل عليها إلا ما كان حقاً". فالعز كله في مخالفة الهوى والذل والهوان كله في متابعة الهوى، فنُونُ الهوان سُرقت من الهوى، كما قال الشاعر: شعر : نونُ الهوانِ من الهوَى مسروقةٌ وأسيرُ كل هوى أسير هوان تفسير : وقال آخر: شعر : إن الهوَى لهو الهوانُ بعينه فإذا هوَيْتَ فقد لَقِيتَ هَوانَا وإذا هَوِيتَ فقد تعبَّدكَ الهوَى فاخضعْ لحِبّك كائناً مَنْ كانا تفسير : وقال ابن المبارك: شعر : ومن البلاءِ للبلاءِ علامةٌ ألاّ يُرى لك عن هَوَاكَ نُزُوعُ العبدُ أعنَى النفسَ في شهواتها والحرُّ يَشبَعُ تارةً ويجوعُ تفسير : ولابن دُريد: شعر : إذا طالبتك النفسُ يوماً بشهوةٍ وكان إليها للخلافِ طريقُ فدعْها وخالِفْ ما هويتَ فإنما هَواك عدوٌ والخلاف صديقُ تفسير : وقال أبو عُبيد الطوسي: شعر : والنفسً إن أعطيتها مُنَاها فاغِرَةٌ نحوَ هواها فَاهَا تفسير : هذا، وللآية إشارة أخرى، رُويت عن بعض مشايخنا، قال: يمكن أن تكون الآية مدحاً، يقول تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه} وهو الله تعالى، ومحبوبَه وهواه، لا يهوى معه غيره، وأضله الله، في محبته، على علم منه بالله، وختم على سمعه وقلبه وبمحبته، فلا يسمع إلا منه، ولا يُحب غيره، وجعل على بصره غشاوة، فلا يرى سواه، فمَن يهديه هذه الهداية العظمى من بعد الله، وهذا يُسلّم في طريق الإشارة، لأنها خارجة عن سياق العبارة، وللقرآن أسرار باطنة، يعرفها أهل الباطن فقط، فسلِّم تَسْلَمْ. ثم ذكر مقالة أهل الأهواء والضلال، فقال: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا}.
الجنابذي
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ} استفهام فى معنى الامر ويستفاد منه التّعجيب ايضاً والمعنى فانظر {مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قد مرّ فى سورة الفرقان بيان هذه الآية عند قوله ارأيت من اتّخذ الهه هواه والخطاب عامّ او خاصّ بمحمّدٍ (ص)، قيل: نزلت فى قريشٍ كلّما هووا شيئاً عبدوه والحقّ انّ الآية جارية فى من غصبوا حقّ علىٍّ (ع) بعد محمّدٍ (ص) واتّخذوا اماماً بأهوائهم {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} اى حالكون الله على علمٍ باستعداده واستحقاقه للضّلال، او حال كون الضّالّ على علمٍ برشده وهداه، او حالكونه كان على نور العلم فأضلّه الله بعد كونه على نور العلم كمن آتاه آياته فانسلخ منها فصار من الغاوين {وَخَتَمَ} الله {عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} قد مرّ فى اوّل البقرة بيان الختم على السّمع والقلب وغشاوة البصر {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} اى من بعد اضلاله وعدم هدايته {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} ان ليس الجاهل كالعالم ولا الفاسق كالمؤمن وان لا هادى بعد الله واضلاله.
الهواري
تفسير : قال: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} هو المشرك اتخذ إلهه هواه فعبد الأوثان من دون الله، وبعضهم يقرأها {اتَّخَذَ ءَالِهَةً هَوَاهُ} قال: {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ} أي: بكفره فلا يسمع الهدى سمع قبول. {وَقَلْبِهِ} أي: وختم على قلبه، أي: فلا يفقه الهدى. {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} فلا يبصر الهدى {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ } أي: لا أحد. قال: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} يقوله للمشركين. قوله عز وجل: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي: نموت ونولد. [قال محمد: يموت قوم ويحيى قوم] {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} قال مجاهد: وما يهلكنا إلا الزمان. أي: هكذا كان أمر من قبلنا، وكذلك نحن نموت ولا نبعث. قال الله تعالى: {وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي: بأنهم لا يبعثون {إِنْ هُمْ إِلاَ يَظُنُّونَ} أي: إِنْ ذلك منهم إلا ظن. قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} أي: القرآن {بَيِّنَاتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: فأحيوا آباءنا حتى نصدّقكم بمقالتكم أي: بأن الله يحيي الموتى. قال الله جواباً لقولهم: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ} يعني هذه الحياة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} يعني الموت {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أي: ليوم القيامة. {لاَ رَيبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه، يعني البعث {وَلَكِنَّ أَكَثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: إنهم مبعوثون. قوله: {وَلَلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَيَومَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} أي: المشركون المكذّبون بالبعث. خسروا أنفسهم أن يغنموها فصاروا في النار، وخسروا أهليهم من الحور العين.
اطفيش
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ} أخبرني* {مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} أي صير إِلهة هواه وخضع له فيما أراد سمى اتباع عبادة كأنه يعبده كما يعبد الرجل الله. قال ابن عباس وقتادة: لا يهوى شيئاً الا ركبه لانه لا يخاف الله ولا يؤمن به ولا يحرم ما حرم وقيل اتخذ معبوده ما تهواه نفسه وذلك ان العرب تعبد الحجارة والذهب والفضة والخشبة فاذا رأي ما هو أحسن رفضه وكسره وعبد استحسن واتفق مع هواه وقرئ بالجمع لانه اذا كان يعبد تارة هذا وتارة ذاك وتارة ذلك فكأنه جعل هواه يعبد كل واحد في وقت وسمى الهوى لانه يهوي بصاحبه في النار والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وهى وان نزلت في هوى الشرك لكنها تتناول جميع هوى النفس. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من أَتبع نفسه هواه وتمنى على الله ". تفسير : وعن سهل بن عبدالله التستري: (هواك داؤك فان خالفته فداؤك) وعن وهب: (اذا عرض لك أمران شككت في خيرهما فأنظر أبعدهما من هواك فآتيه). قال حكيم: شعر : اذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى الى كل ما فيه عليك مقال تفسير : قال أبو عمران الواسطي: (انكسرت بنا السفينة فبقيت أنا وامرأتى على لوح وقد ولدت في تلك الحالة صبية فصاحت بي أيقتلني العطش فقلت هو ذا يرى حالنا فرفعت رأسي فاذا رجل في الهواء جالس في يده سلسلة من ذهب وفيها كوز من ياقوتة حمراء فقال: هاكما اشربا فأخذت الكوز فشربنا منه أطيب من المسك وأبرد من الثلج وأحلى من العسل فقلت من أنت يرحمك الله فقال: عبد لمولاك فقلت له: بم وصلت الى هذا؟ فقال: تركت هواي لمرضاته فأجلسني في الهواء ثم غاب عني ولم أره {وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ} منه في الأزل بأنه من أهل الضلال والشقاوة أو بوجود الهداية أو على علم من الكافر بتركه للحق فالآية على هذا من آيات العناد. والأول لابن عباس أو عالماً بضلال هذا الكافر وفساد جوهر روحه (والاضلال) الخذلان والاستعلاء مجازى أو (على) بمعنى مع* {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ} ألقى عليه مانعاً وغطاه به وذلك استعارة للخذلان فلا يسمع سمعاً نافعاً* {وَقَلْبِهِ} فلا يتعظ ولا يعقل. {وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار وكأنه لا يرى كما كأنه لا يسمع والغشاوة الظلمة فلا يبصر الهدى والغين مكسورة وقريء بفتحها وبضمها أو غشوة بالفتح والكسر مع سكون الشين والفتح والسكون لحمزة والكسائى وهنا يقدر مفعول رأيت الثاني أي يهتدي. {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللهِ} أي من دون الله وقيل من بعد اضلال الله اياه والاستفهام انكارى أى لا هادي له* {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} بادغام تاء الماضي في الذال والباقية تاء المضارع وقرئ (يتذكرون بالياء) (والتذكر) الاتعاظ ولا حيلة للقدرية مع الآية صرح انه ختم على سمعه وقلبه وبصره لكن ما ذلك الا عدم التوفيق فاشتغلوا بكفرهم ولا جبر
اطفيش
تفسير : {أفرأيْتَ} أنظرت فرأيت، والاستفهام تعجيب من ترك الهدى الى الهوى {من اتخذ إلهه هواه} من موصولة مفعول به، أول، والثانى جملة محذوفة معلق عنه، أى أيهتدى يقدر بعد قوله: {غشاوة} يدل عليه قوله: "أية : فمن يهدي من أضل الله" تفسير : [الروم: 29] أو يقدر يهتدى بلا همز، فلا تعليق، ومعنى أرأيت أخبرنى لأن رؤية الشىء سبب للاخبار به وتسمية الهوى إلها تشبيه بليغ على المشهور، أو استعارة على مختار السعد فى نحو زيد أسد، والآية نزلت قال الكلبى فى الحارث بن قيس السهمى: كان لا يهوى شيئاً إلا فعله، قال ابن عباس: أفرأيت من اتخذ دينه ما يهواه فلا يهوى شيئا إلا ركبه، لأنه لا يهوى شيئا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله ولا يخاف، ولا يحرم ما حرم الله، وقيل اتخذ معبوده ما تهوى نفسه يعبد صنما من ذهب أو فضة أو حجر أو غيره، فاذا رأى شيئا استحسنته نفسه عبده وترك غيره. ويروى أنه ما عبد إله فى الأرض أبغض من الهوى، قال ابن عباس: ما ذكر الله الهوى إلا ذمه، قال وهب بن منبه: اذا شككت أى أمرين فانظر أبعدهما عن هواك فهو الخير، قلت: فان كانا شرين فأقربهما الى هواك هو أشر من الآخر، وقال سهل التسترى: هواك داؤك، وان خالفته فدواؤك، أى فمخالفته دواؤك منه، قلت تضمن أن حضور الهوى داء، فان اتبعته فقد حققته، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله" تفسير : ويروى: "حديث : وتمنى على الله الأماني" تفسير : وأحاديث الهوى وآياته وأخباره كثيرة، وهو غالب مع كثرتها، لأنه ملائم للنفس وهى عدو من داخل وأعوانه. كثيرة من الجن والانس. {وأضلَّه الله} خذله أو خلق فيه الضلال، أو خلقه ضالا، كل ذلك بلا إجبار، بل باختياره ولو كان اختياره مخلوقا من الله تعالى: وكفى فى عدم الإجبار ما يجد من نفسه أنه قادر على الفعل والترك {عَلى عِلْمٍ} حال من المستتر، أى ثابتا على علم بأنه أهل للاضلال، أو من الهاء أى ثابتا على علم بطريق الرشاد، كقوله تعالى: "أية : فما اختلفوا إلاَّ من بعد ما جاءهم العلم"تفسير : [الجاثية: 17] "أية : وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون" تفسير : [التوبة: 115] {وختم عَلى سَمْعه} فلا ينتفع بما يسمع، وقدم السمع لأن المقام لسماع الوحى، فيصل من الأذن الى القلب، والتذكير بالأجسام المبصرة رتبته دون التذكر بالوحى {وقَلْبه} فلا يتأثر بالمواعظ لإهماله التفكر {وجَعَل عَلى بَصَره} عينى وجهه {غشاوة} مانعة من الاعتبار والاستبصار، فكأنه أعمى لا يرى شيئا، فهو كفاقد السمع والقلب البصر {فَمن يَهْديه مِن بَعد الله} بعد إضلال الله إياه، فيفهم منه أنه لا يهديه الله، وأما تفسيره بلا يهديه غير الله فلا {أفَلا تذكَّرون} أتلاحظون فلا تتذكرون.
الالوسي
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تعجيب من حال من ترك متابعة الهدى إلى مطاوعة الهوى فكأنه يعبده فالكلام على التشبيه البليغ أو الاستعارة، والفاء للعطف على مقدر دخلت عليه الهمزة أي أنظرت من هذه حاله فرأيته فإن ذلك مما يقضي منه العجب. وأبو حيان جعل (أرأيت) بمعنى أخبرني وقال: المفعول الأول من {ٱتَّخَذَ } والثاني محذوف يقدر بعد الصلات أي أيهتدي بدليل {فَمَن يَهْدِيهِ}. والآية نزلت على ما روي عن مقاتل في الحرث بن قيس السهمي كان لا يهوى شيئاً إلا ركبه، وحكمها عام وفيها من ذم اتباع هوى النفس ما فيها، وعن ابن عباس ما ذكر الله تعالى هوى إلا ذمه. وقال وهب: إذا شككت في خير أمرين فانظر أبعدهما من هواك فأته، وقال سهل التستري: هواك داؤك فإن خالفته فدواؤك، وفي الحديث «حديث : العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله تعالى»تفسير : . وقال أبو عمران موسى بن عمران الأشبيلي الزاهد:شعر : فخالف هواها واعصها إن من يطع هوى نفسه ينزع به شر منزع ومن يطع النفس اللجوجة ترده وترم به في مصرع أي مصرع تفسير : وقد ذم ذلك جاهلية أيضاً، ومنه قول عنترة:شعر : أني امرؤ سمح الخليقة ماجد لا أتبع النفس اللجوج هواها تفسير : ولعل الأمر غني عن تكثير النقل. وقرأ الأعرج وأبو جعفر {ءالهة } بتاء التأنيث بدل هاء الضمير، وعن الأعرج أنه قرأ «آلهة» بصيغة الجمع. قال ابن خالويه: كان أحدهم يستحسن حجراً فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه مائلاً إليه، فالظاهر أن آلهة بمعناها من غير تجوز أو تشبيه والهوى بمعنى المهوى مثله في قوله:شعر : هواي مع الركب اليمانين مصعد تفسير : {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ } أي خلقه ضالاً أو خلق فيه الضلال أو خذله وصرفه عن اللطف على ما قيل {عَلَىٰ عِلْمٍ } حال من الفاعل أي أضله الله تعالى عالماً سبحانه بأنه أهل لذلك لفساد جوهر روحه. ويجوز أن يكون حالاً من المفعول أي أضله عالماً بطريق الهدى فهو كقوله تعالى: {أية : فَمَا ٱخْتَلَفُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ } تفسير : [الجاثية: 17] {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } بحيث لا يتأثر بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات. {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةً } مانعة عن الاستبصار والاعتبار والكلام على التمثيل. وقرأ عبد الله والأعمش {غشاوة} بفتح الغين وهي لغة ربيعة والحسن وعكرمة وعبد الله أيضاً بضمها وهي لغة عكلية، وأبو حنيفة وحمزة والكسائي وطلحة ومسعود بن صالح والأعمش أيضاً {غشوة} بفتح الغين وسكون الشين، وابن مصرف والأعمش أيضاً كذلك إلا أنهما كسرا الغين {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ } أي من بعد إضلاله تعالى إياه، وقيل: المعنى فمن يهديه غير الله سبحانه {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي ألا تلاحظون فلا تذكرون، وقرأ الجحدري {تذكرون } بالتخفيف، والأعمش «تتذكرون» بتاءين على الأصل.
ابن عاشور
تفسير : لما كان الذين حسبوا أن يكونوا في الآخرة في نعمة وعزة كما كانوا في الدنيا قالوا ذلك عَنْ غير دليل ولا نظر ولكن عن اتباع ما يشتهون لأنفسهم من دوام الحال الحسن تفرع على حسبانهم التعجيب من حالهم، فعطف بالفاء الاستفهامُ المستعملُ في التعجيب، وجعل استفهاماً عن رؤية حالهم، للإشارة إلى بلوغ حالهم من الظهور إلى حد أن تكون مرئية. وأصل التركيب: {أفرأيت من اتخذ إلٰهه هواه} الخ، فقدمت همزة الاستفهام، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمقصود من معه من المسلمين، أو الخطاب لغير معيّن، أي تناهت حالهم في الظهور فلا يختص بها مخاطب. و{مَنْ} الموصولة صادقة على فريق المستهزئينَ الذين حسبوا أن يكون مَحْياهم ومماتهم سواء بقرينة ضمير الجمع في الجملة المعطوفة بقوله: { أية : وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا } تفسير : [الجاثية: 24] الخ. والمعنى: أن حجاجهم المسلمين مركَّز على اتباع الهوى والمغالطةِ، فلا نهوض لحجتهم لا في نفس الأمر ولا فيما أرادوه، على فرض وقوع البعث من أن يكونوا آمنين من أهوال البعث، وأنهم لا يرجى لهم اهتداء لأن الله خلقهم غير قابلين للهدَى فلا يستطيع غيره هداهم. و{إلٰهه} يجوز أن يكون أطلق على ما يلازم طاعته حتى كأنه معبود فيكون هذا الإطلاق بطريقة التشبيه البليغ، أي اتخذ هواه كإلـٰه له لا يخالف له أمراً. ويجوز أن يبقى {إلٰهه} على الحقيقة ويكون {هواه} بمعنى مَهْوِيَّهُ، أي عبد إلـٰهاً لأنه يحب أن يعبده، يعني الذين اتخذوا الأصنام آلهة لا يقلعون عن عبادتها لأنهم أحبوها، أي ألِفوها وتعلقت قلوبهم بعبادتها، كقوله تعالى: { أية : وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } تفسير : [البقرة: 93]. ومعنى {أضلّه الله} أنه حفّهم بأسباب الضلالة من عقول مكابرة ونفوس ضعيفة، اعتادت اتباع ما تشتهيه لا تستطيع حَمل المصابرة والرضى بما فيه كراهية لها. فصارت أسماعهم كالمختوم عليها في عدم الانتفاع بالمواعظ والبراهين، وقلوبُهم كالمختوم عليها في عدم نفوذ النصائح ودلائل الأدلة إليها، وأبصارُهم كالمغطاة بغشاوات فلا تنتفع بمشاهدة المصنوعات الإلـٰهية الدالة على انفراد الله بالإلـٰهية وعلى أنَّ بعد هذا العالم بعثاً وجزاء. ومعنى {على علم} أنهم أحاطت بهم أسباب الضلالة مع أنهم أهل علم، أي عقول سليمةٍ أوْ مع أنهم بلغهم العِلم بما يهديهم وذلك بالقرآن ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام. فحرف {على} هنا معناه المصاحبة بمعنى (مع) وأصل هذا المعنى استعارة معنى الاستعلاء للاستعلاء المجازي وهو التمكن بين الوصف والموصوف. وشاع ذلك حتى صار معنى من معاني (على) كما في قول الحارث بن حلزة: شعر : فيَقيناً على الشَّنَاءة تَنْمينا حُصون وعِزّة قعساء تفسير : والمعنى: أنه ضال مع مَا له من صفة العلم، فالعلم هنا من وصف من اتخذ إلـٰهه هواه وهو متمكن من العلم لو خلع عن نفسه المكابرة والميل إلى الهوى. وقرأ الجمهور {غشاوة} بكسر الغين وفتح الشين بعدها ألف. وقرأه حمزة والكسائي وخلف {غَشْوةٌ} بفتح الغين وسكون الشين وهو من التسمية بالمصدر وهي لغة. وتقدم معنى الختم والغشاوة في أول سورة البقرة. وفرع على هذه الصلة استفهام إنكاري أن يكون غيرُ الله يستطيع أن يهديهم، والمراد به تسلية النبي صلى الله عليه وسلم لشدة أسفه لإعراضهم وبقائهم في الضلالة. و{من بعد الله} بمعنى: دون الله، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فبأيّ حديثٍ بعده يؤمنون } تفسير : آخر سورة الأعراف (185). وفرع على ذلك استفهام عن عدم تذكر المخاطبين لهذه الحقيقة، أي كيف نَسُوها حتى ألحُّوا في الطمع بهداية أولئك الضالّين وأسفوا لعدم جدوى الحجة لديهم وهو استفهام إنكاري. ومن المفسرين من حمل {مَن} الموصولة في قوله {أفرأيت من اتخذ إلٰهه هواه} على معيَّن فقال مقاتل: هو أبو جهل بسبب حديث جرى بينَه وبين الوليد بن المغيرة كانا يطوفان ليلة فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو جهل: والله إني لأعْلَم إنه لصادق فقال له المغيرة: مَهْ، وما دَلَّكَ على ذلك، قال: كنّا نسميه في صباه الصادق الأمين فلما تمّ عقله وكمل رشده نسميه الكذاب الخائن قال: فما يمنعك أن تؤمن به قال: تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كِسرَة، واللاتِ والعُزّى إنْ اتبعتُه أبداً فنزلت هذه الآية. وإذا صح هذا فإن مطابقة القصة لقوله تعالى: {وأضله الله على علم} ظاهرة. وعن مقاتل أيضاً: أنها نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين كان يَعْبُد من الأصنام ما تهواه نفسه. وهذه الآية أصل في التحذير من أن يكون الهوى الباعث للمؤمنين على أعمالهم ويتركوا اتباع أدلة الحق، فإذا كان الحق محبوباً لأحد فذلك من التخلق بمحبة الحق تبعاً للدليل مثل ما يهوى المؤمن الصلاة والجماعة وقيامَ رمضان وتلاوة القرآن وفي الحديث حديث : «أرِحْنا بها يا بلال» يعني الإقامة للصلاة تفسير : . وعن عبد الله بن عمْرو بن العاصي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به » تفسير : وعن أبي الدرداء « حديث : إذا أصبح الرجل اجتمع هَواه وعَمله وعلمه فإن كان عمَلُه تبعاً لهواه فيومه يوم سوء وإن كان عمله تبعاً لِعلمه فيومه يوم صالح »تفسير : . وأما اتباع الأمر المحبوب لإرضاء النفس دون نظر في صلاحه أو فساده فذلك سبب الضلال وسوء السيرة. قال عمرو بن العاصي: شعر : إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ولم ينْه قلباً غاوياً حيثُ يَمَّمَا فيوشك أن تَلقَى له الدهرَ سبَّة إذا ذُكرت أمثالها تَمْلأ الفما تفسير : ومن الكلمات المأثورة « حديث : ثلاث من المهلكات: شُحّ مطاع، وهوًى متبع، وإعجاب المرأ بنفسه » تفسير : ويروى حديثاً ضعيف السند. وقدم السمع على القلب هنا بخلاف آية سُورة البقرة { أية : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } تفسير : [البقرة: 7] لأن المخبَر عنهم هنا لما أخبر عنهم بأنهم اتخذوا إلـٰههم هواهم، فقد تقرر أنهم عقدوا قلوبهم على الهوى فكان ذلك العَقد صَارفاً السمع عن تلقي الآيات فَقُدِّمَ لإفَادةِ أنهم كالمختوم على سمعهم، ثم عطف عليه {وقلبِه} تكميلاً وتذكيراً بذلك العقد الصارف للسمع ثم ذكر ما {على بصره} من شبهِ الغشاوة لأن ما عقد عليه قلبه بصره عن النظر في أدلة الكائنات. وأما آية سورة البقرة فإن المتحدث عنهم هم هؤلاء أنفسهم ولكن الحديث عنهم ابتدىء بتساوي الإنذار وعدمه في جانبهم بقوله: { أية : سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } تفسير : [البقرة: 6] فلما أريد تفصيله قدم الختم على قلوبهم لأنه الأصل كما كان اتخاذ الهوى كالإلـٰه أصلاً في وصف حالهم في آية سورة الجاثية. فحالة القلوب هي الأصل في الانصراف عن التلقي والنظر في الآيتين ولكن نظم هذه الآية كان على حسب ما يقتضيه الذكر من الترتيب ونظم آية البقرة كان على حسب ما يقتضيه الطبْع. وقرأ الجمهور {أفلا تذكرون} بتشديد الذال. وقرأه عاصم بتخفيف الذال وأصله عند الجميع {تتذكرون}. فأما الجمهور فقراءتهم بقلب التاء الثانية ذالاً لتقارب مخرجيهما قصداً للتخفيف، وأما عاصم فقراءته على حذف إحدى التاءين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}. قد أوضحنا معناه في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى:{أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً}تفسير : [الفرقان: 43]. قوله تعالى:{أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}تفسير : [البقرة: 7].
د. أسعد حومد
تفسير : {أَفَرَأَيْتَ} {هَوَاهُ} {غِشَاوَةً} (23) - أَفَلا تَرَى إِلى حَالِ هذا الذِي اتَّبعَ هواهُ، وَأَتبَعَ نَفْسَهُ هَوَاها، فَلا يَهوَى شَيْئاً إِلا فَعَلَه، لاَ يَخَافُ رَبّاً، وَلا يَخشَى عِقَاباً، وَأَضَلَّهُ اللهُ فَلَمْ يَجْعَلْهُ يَسْلكُ سَبيلَ الرَّشَادِ، لأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّه لا يَهْتَدِي وَلَو جَاءَتْهُ كُلُّ آيةٍ. وَخَتَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى سَمْعِهِ فَأَصْبَحَ لاَ يَتَأَثَّر بما يُتلى عَلَيهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَخَتَم عَلَى قَلبِهِ فَلَم يَعُدْ يَعِي مَا هُوَ الحَقُّ، وَمَا هُوَ الصَّوابُ، وَجَعَلَ اللهُ عَلى بَصرِهِ غِشَاوَةً فلم يَعُدْ يُبصِرُ حُجَجَ اللهِ وآيَاتِهِ، وَلَمْ يَعُدْ يَنْتَفِعُ بِها. فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أن يُوَفِّقَ مِثْلَ هذَا الضَّالِّ، الخَاضِعِ لهوَاهُ، إِلى الهُدَى، وَإِصَابَةِ الحقِّ إِنْ لم يَهدِهِ اللهُ، أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ وَتُدْرِكُونَ؟ أَفَرأَيْتَ - أَخْبرْني. غِشَاوَةً - غَطاءً حَتَّى لاَ يُبْصِرَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الإله هو المعبود الذي تكرَّس كلّ حياتك لخدمة مراده منك، وكلمة المعبود كلمة عامة تُطلق على المعبود بحق، وهو الله تعالى الخالق الرازق المبدع لهذا الكون وتُطلق على المعبودات بالباطل كالذين عبدوا الأصنام أو الشمس أو القمر. هذه وغيرها معبودات باطلة لا تضر ولا تنفع، وما عبدها الجهلاء إلا لإرضاء عاطفة التدين عندهم، فهم يريدون ديناً بلا تكاليف، وإلهاً بلا أوامر ولا نَواهٍ. ومن هذه الآلهة الباطلة الهوى، فمن الناس مَنْ يتخذ إلهه هواه، والهوى في حدِّ ذاته مذموم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى. ولما مدح الحق سبحانه رسول الله قال: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3] حتى وإنْ عدَّل له ربه تعالى بعض الأحكام لأنها ساعة الحكم الأول لم تصدر منه عن هوى نفسه، لذلك قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ". تفسير : ثم يُبيِّن الحق سبحانه أن الذي اتخذ إلهه هواه إنسانٌ ضال {وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ..} [الجاثية: 23] أي: حكم بضلاله لأنه جعله مختاراً، فاختار هواه، ولو جعله مقهوراً كالسماء والأرض ما استطاع المخالفة، وقلنا: إن الله يريد منا القلب لا القالب، يريدنا أنْ نذهب إليه طواعية. يقول الحق سبحانه: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس: 7-8] إذن: لما اختار الضلال ووجده الله تعالى ضالاً حكم عليه أزلاً بأنه ضالّ، وجاء الواقع كما حكم الحق سبحانه، وكما علم الله منه. لذلك قلنا: إن الملائكة تظلّ تتعجَّب حينما يروْنَ واقع الحياة وفْق ما كتب في اللوح المحفوظ فيقولون: نِعْم الرب. معنى {أَفَرَأَيْتَ ..} [الجاثية: 23] يعني: أعلمتَ سَواء أكنتَ رأيت بعينك أو لم تَرَ، كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ} تفسير : [الفيل: 1] أي: ألم تعلم، لأن رسول الله وُلد في هذا العام ولم يَرَ حادثة الفيل. وقوله تعالى: {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] معنى ختم يعني: ضرب وطمس، وهنا جمع كل وسائل الإدراك في النفس الإنسانية، الأذن التي تسمع آيات الله تسمع بلاغة كلام الله ووعده ووعيده، والبصر الذي يرى الآيات الكونية ويتأملها ويستدل بها على خالقها ومُبدعها، والقلب محل الاعتقاد. وما ختم الله على كل هذه الوسائل إلا لأن صاحبها أحبَّ الكفر وارتاح إلى الضلال، فأعانه الله على ما يحب، وختم على هذه الجوارح حتى لا يخرج منها الكفر ولا يدخلها الإيمان، وكيف يؤمن مَنْ لا يسمع كلام الله ولا يرى آياته في الكون ولا يميل قلبُه إلى لذة الإيمان بالله. لذلك قال في ختام الآية: {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} [الجاثية: 23] لا أحد يملك هدايته كما قال في موضع آخر: {أية : وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} تفسير : [غافر: 33].
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قال: كانَ الرَّجلُ يَعبدُ الحَجَر الأَبيضَ زَماناً فِي الجَاهليةِ، فيَجدُ حَجراً أحسنَ منهُ فَيعبدُ الآخرَ ويَترك الأَولَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء؛ أي: بقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} [الجاثية: 23]، يشير إلى الفلاسفة والدهرية والطائفية، من لم يسلك سبيل الإتباع، ولم يستوف أحكام الرياضة بتأديب الطريقة على قانون الشريعة، ولم ينسلخ هواه بالكلية، ولم يؤدبه، ولم يسلكه إمام مقتدى في هذا الشأن من أرباب الوصال والوصول، بل اقتدى بأئمة الكفر والضلالة، وانتفى آثارهم بالشبهات العقلية وحسبان البراهين القطعية؛ فوقع في شبكة الشيطان، فأخذه بزمام هواه، وأضله في نبه هواه، وربما دعاه إلى الرياضة وترك الشهوات؛ لتصفية العقل وسلامة الفكر، فيمينه إدراك الحقائق حتى أوبقه في وهدات الشبهات فيهم في كل ضلالة، ويضل في كل فج عميق، وأصبح خسرانه أكثر من ربحه، ونقصانه أوفر من رجحانه، {وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ} [الجاثية: 23]؛ لئلا يسمع الحق، {وَقَلْبِهِ} [الجاثية: 23]؛ لئلا يفهم الحق، {وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23]، لئلا يرى الحق {فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ} [الجاثية: 23]؛ أي: لا يقدر على هدايته إلا الله، {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23]، أرباب العقول السليمة أنهم في ضلالة بعيد يعملون القرب على ما يقع لهم من نشاط نفوسهم زمامهم بيد هواهم، أولئك أهل المكر استدرجوا من حيث لا يشعرون. {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} [الجاثية: 24]، يشير إلى أن من ختم الله على قلبه انحسم مادة نظره إلى عالم الآخرة، كالأنعام لا ترى إلا عالم الحس، فلا يؤمن بما في الغيب من البعث وتنكره، {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} [الجاثية: 24]؛ أي: بإنكار البعث {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] الظنون الكاذبة. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ} [الجاثية: 25] لا يسمعون؛ لأن سمعهم مختوم عليه {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} [الجاثية: 25] عند عقولهم السخيفة في انتفاء السمع، {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ} [الجاثية: 25]؛ أي: أحيوهم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية: 25] في الإحياء بعد الموت؛ فأجابهم الله تعالى بقوله: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} [الجاثية: 26]؛ يعني: بالأحياء يوم القيامة لا في الدنيا، وفيه إشارة إلى أهل الإشارة {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ} بالحياة الإنسانية، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عن صفاتكم الإنسانية الحيوانية، {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ} بالحياة الربانية إلى يوم القيامة، وهي النشأة الأخرى {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [الجاثية: 26] عند أرباب النظر، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 26]؛ لأنهم أهل النسيان والغفلة. {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ} [الجاثية: 27]، سماوات القلوب يحي منها ما يشاء بنوره، ويميت ما شاء بظلمة النفوس، {وَٱلأَرْضِ} [الجاثية: 27] أرض النفوس، يحيي منها ما شاء بنوره، ويميت منها ما شاء بالحرص والشهوة، ويميت منها ما شاء بنور الإيمان والإخلاص، {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ} [الجاثية: 27]، وهو يوم نشور القلوب عن قبور الصدور بقيام المحبة، {يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ} [الجاثية: 27]، الذين أبطلوا الاستعداد الفطري.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى: { أَفَرَأَيْتَ } الرجل الضال الذي { اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } فما هويه سلكه سواء كان يرضي الله أو يسخطه. { وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ } من الله تعالى أنه لا تليق به الهداية ولا يزكو عليها. { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ } فلا يسمع ما ينفعه، { وَقَلْبِهِ } فلا يعي الخير { وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } تمنعه من نظر الحق، { فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ } أي: لا أحد يهديه وقد سد الله عليه أبواب الهداية وفتح له أبواب الغواية، وما ظلمه الله ولكن هو الذي ظلم نفسه وتسبب لمنع رحمة الله عليه { أَفَلا تَذَكَّرُونَ } ما ينفعكم فتسلكونه وما يضركم فتجتنبونه. { وَقَالُوا } أي: منكرو البعث { مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ } أي: إن هي إلا عادات وجري على رسوم الليل والنهار يموت أناس ويحيا أناس وما مات فليس براجع إلى الله ولا مجازى بعمله. وقولهم هذا صادر عن غير علم { إِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ } فأنكروا المعاد وكذبوا الرسل الصادقين من غير دليل دلهم على ذلك ولا برهان. إن هي إلا ظنون واستبعادات خالية عن الحقيقة ولهذا قال تعالى: { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وهذا جراءة منهم على الله، حيث اقترحوا هذا الاقتراح وزعموا أن صدق رسل الله متوقف على الإتيان بآبائهم، وأنهم لو جاءوهم بكل آية لم يؤمنوا إلا إن تبعتهم الرسل على ما قالوا، وهم كذبة فيما قالوا وإنما قصدهم دفع دعوة الرسل لا بيان الحق، قال تعالى: { قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } وإلا فلو وصل العلم باليوم الآخر إلى قلوبهم، لعملوا له أعمالا وتهيئوا له.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 890 : 2 : 1 - سفين عن جعفر عن سعيد بن جبير {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ} قال، كانوا يعبدون الحجر. فإِذا رأوا حجراً أحسن منه، ألقوه وأخذوا الآخر. [الآية 23].
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة الجاثية 505 - أخبرنا إسماعيل بن يعقوب، قال: حدَّثنا ابن موسى، قال: حدَّثني أبي، عن مُطرفٍ، عن جعفرٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ - في هذه الآية {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ} قال: كان أحدُهم يعبد الحجر، فإذا رأى ما هو أحسن منه، رمى به، وعبد الآخر.
همام الصنعاني
تفسير : 2831- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}: [الآية: 23]، قال: لاَ يَهْوَى شيئاً إلا ركبه، لا يخافُ الله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):