٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} هذا إنكار منهم للآخرة وتكذيب للبعث وإبطال للجزاء. ومعنى: «نَمُوتُ وَنَحْيَا» أي نموت نحن وتحيا أولادنا؛ قاله الكلبي. وقرىء «ونُحْيَا» بضم النون. وقيل: يموت بعضنا ويحيا بعضنا. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي نحيا ونموت؛ وهي قراءة ابن مسعود. {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} قال مجاهد: يعني السنين والأيام. وقال قتادة: إلا العمر؛ والمعنى واحد. وقرىء «إلا دهر يمرّ». وقال ابن عيينة: كان أهل الجاهلية يقولون: الدهر هو الذي يهلكنا وهو الذي يحيينا ويميتنا؛ فنزلت هذه الآية. وقال قُطْرب: وما يهلكنا إلا الموت؛ وأنشد قول أبي ذُؤيب:شعر : أمِن المَنُونِ ورَيْبِها تتوجّعُ والدّهْرُ ليس بمعتِب مَنْ يَجْزَعُ تفسير : وقال عكرمة: أي وما يهلكنا إلا الله. وروى أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان أهل الجاهلية يقولون ما يهلِكنا إلا الليل والنهار وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا فيسبّون الدهر قال الله تعالى: يؤذيني ٱبن آدم يسب الدّهْرَ وأنا الدّهْرُ بيدي الأمر أقلّب الليل والنهار».تفسير : قلت: قوله «قال الله» إلى آخره نَصُّ البخاري ولفظه. وخرّجه مسلم أيضاً وأبو داود. وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر»تفسير : . وقد استدلّ بهذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء الله. وقال: من لم يجعله من العلماء ٱسماً إنما خرج ردًّا على العرب في جاهليتها؛ فإنهم كانوا يعتقدون أن الدهر هو الفاعل كما أخبر الله عنهم في هذه الآية؛ فكانوا إذا أصابهم ضر أو ضَيْم أو مكروه نسبوا ذلك إلى الدهر فقيل لهم على ذلك: لا تسبّوا الدهر فإن الله هو الدهر؛ أي إن الله هو الفاعل لهذه الأمور التي تضيفونها إلى الدهر فيرجع السبّ إليه سبحانه؛ فَنُهُوا عن ذلك. ودلّ على صحة هذا ما ذكره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله تبارك وتعالى يؤذيني ٱبن آدم...»تفسير : الحديث. ولقد أحسن من قال، وهو أبو عليّ الثقفيّ:شعر : يا عاتبَ الدهرِ إذا نَابَهُ لا تَلُمِ الدهر على غَدْرِهِ الدهرُ مأمورٌ، له آمرٌ وينتهي الدهرُ إلى أمره كم كافرٍ أموالُه جَمّةٌ تزداد أضعافاً على كفره ومؤمنٍ ليس له درهمٌ يزداد إيماناً على فَقْرِهِ تفسير : وروي أن سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيراً ما يذكر الدهر فزجره أبوه وقال: إياك يا بنيّ وذِكْرَ الدهر! وأنشد:شعر : فما الدهر بالجاني لشيء لحَيْنِة ولا جالبَ الْبَلْوَى فلا تشتم الدّهْرَا ولكن متى ما يبعث الله باعثاً على معشر يَجعلْ مياسيرهم عُسْرا تفسير : وقال أبو عبيد: ناظرت بعض الملحدة فقال: ألا تراه يقول «فإن الله هو الدهر»ٰ؟ فقلت: وهل كان أحد يسبّ الله في آباد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى:شعر : إن محلا وإن مُرتحَلا وإنّ في السّفْر إذ مَضَوْا مَهَلاَ استأثر الله بالوفاء وبالعد ل ووَلّى الملامةَ الرّجُلاَ تفسير : قال أبو عبيد: ومن شأن العرب أن يذمُّوا الدهر عند المصائب والنوائب؛ حتى ذكروه في أشعارهم، ونسبوا الأحداث إليه. قال عمرو بن قمِيئة:شعر : رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى فكيف بمن يُرْمَى وليس برام فلو أنها نَبْل إذاً لاْتّقيتها ولكنني أرْمَى بغير سهام على الراحتين مرّة وعلى العصا أنُوءُ ثلاثاً بعدهن قيامي تفسير : ومثله كثير في الشعر. ينسبون ذلك إلى الدهر ويضيفونه إليه، والله سبحانه الفاعل لا ربّ سواه. {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أي علم. و «من» زائدة؛ أي قالوا ما قالوا شاكين. {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} أي ما هم إلا يتكلمون بالظن. وكان المشركون أصنافاً، منهم هؤلاء، ومنهم من كان يثبت الصانع وينكر البعث، ومنهم من كان يشك في البعث ولا يقطع بإنكاره. وحدث في الإسلام أقوام ليس يمكنهم إنكار البعث خوفاً من المسلمين؛ فيتأوّلون ويرون القيامة موت البدن، ويرون الثواب والعقاب إلى خيالات تقع للأرواح بزعمهم؛ فشرّ هؤلاء أضرّ من شر جميع الكفار؛ لأن هؤلاء يُلبسون على الحق، ويُغتر بتلبيسهم الظاهر. والمشرك المجاهر بشركه يحذره المسلم. وقيل: نموت وتحيا آثارنا؛ فهذه حياة الذكر. وقيل: أشاروا إلى التناسخ؛ أي يموت الرجل فتجعل روحه في موات فتحيا به.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: {وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} أي: ما ثم إلا هذه الدار، يموت قوم، ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البداءة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدهرية الدورية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول، وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} قال الله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} أي: يتوهمون ويتخيلون. فأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح، وأبو داود والنسائي من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يقول تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره» تفسير : وفي رواية: «حديث : لا تسبوا الدهر؛ فإن الله تعالى هو الدهر» تفسير : وقد أورده ابن جرير بسياق غريب جداً فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا يميتنا ويحيينا، فقال الله تعالى في كتابه: {وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} ويسبون الدهر، فقال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار، وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور عن شريح بن النعمان عن ابن عيينة مثله. ثم روى عن يونس عن ابن وهب عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال الله تعالى: يسب ابن آدم الدهر، وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار» تفسير : وأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد به. وقال محمد بن إسحاق عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يقول الله تعالى: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي، يقول: وادهراه وأنا الدهر» تفسير : قال الشافعي وأبو عبيدة وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر» تفسير : كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر، ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله تعالى، فكأنهم إنما سبوا الله عز وجل؛ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار، لأن الله تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد، والله أعلم، وقد غلط ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدهم الدهر من الأسماء الحسنى أخذاً من هذا الحديث. وقوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي: إذا استدل عليهم، وبين لهم الحق، وأن الله تعالى قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلآ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِـآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقاً. قال الله تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} أي: كما تشاهدون ذلك، يخرجكم من العدم إلى الوجود {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} تفسير : [البقرة: 28] أي: الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم: 27]. {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: إنما يجمعكم إلى يوم القيامة، لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا:{ٱئْتُواْ بِـآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} {أية : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ} تفسير : [التغابن: 9] {أية : لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ } تفسير : [المرسلات: 12 ــــ 13] {أية : وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لاَِجَلٍ مَّعْدُودٍ} تفسير : [هود: 104] وقال ههنا: {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ} أي: لا شك فيه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي: فلهذا ينكرون المعاد، ويستبعدون قيام الأجساد. قال الله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً } تفسير : [المعارج: 6 ــــ 7] أي: يرون وقوعه بعيداً، والمؤمنون يرون ذلك سهلاً قريباً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالُواْ } أي منكروا البعث {مَا هِىَ } أي الحياة {إِلاَّ حَيَاتُنَا } التي في {ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي يموت بعض ويحيا بعض بأن يولدوا {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } أي مرور الزمان قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ } المقول {مِّنْ عِلْمٍ إِن } ما {هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} وهذا القول منهم إنكار للآخرة وتكذيب بالبعث وإبطال للجزاء. {نَمُوتُ وَنَحْيَا} فيه وجهان: أحدهما: أنه مقدم ومؤخر، وتقديره: نحيا نموت. وهي كذلك في قراءة ابن مسعود. الثاني: أنه على تربيته، وفي تأويله وجهان: أحدهما: نموت نحن ويحيا أولادنا، قاله الكلبي. الثاني: يموت بعضنا. {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ} فيه أربعة أوجه: أحدها: وما يهلكنا إلا العمر، قاله قتادة. وأنشد قول الشاعر: شعر : لكل أمر أتى يوماً له سبب والدهر فيه وفي تصريفه عجب تفسير : الثاني: وما يهلكنا إلا الزمان، قاله مجاهد. وروى أبو هريرة قال: كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار، والذي يهلكنا يميتنا ويحيينا، فنزلت هذه الآية. الثالث: وما يهلكنا إلا الموت، قاله قطرب، وأنشد لأبي ذؤيب: شعر : أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع تفسير : الرابع: وما يهلكنا إلا الله، قاله عكرمة. وروى الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : رجال يقولون: يا خيبة الدهر، يا بؤس الدهر، لا تسبوا الدهر فإن الله عز وجل هو الدهر، وإنه يقبض الأيام ويبسطها .
ابن عبد السلام
تفسير : {نَمُوتُ} نحن ويحيا أولادنا، أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا، أو تقديره نحيا ونموت {إِلا الدَّهْرُ} العمر، أو الزمان، أو الموت. شعر : ....................... والدهرُ ليسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ تفسير : أو وما يهلكنا إلا الله. قاله عكرمة.
الخازن
تفسير : {وقالوا} يعني منكري البعث. {ما هي إلا حياتنا الدنيا} يعني ما الحياة إلا حياتنا الدنيا {نموت ونحيا} يعني يموت الآباء ويحيا الأبناء وقيل تقديره نحيا ونموت {وما يهلكنا إلا الدهر} يعني وما يفنينا إلا ممر الزمان واختلاف الليل والنهار {وما لهم بذلك من علم} يعني لم يقولوه عن علم علموه {إن هم إلا يظنون} (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: "حديث : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" تفسير : وفي رواية "حديث : يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما" تفسير : وفي رواية "حديث : يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار" تفسير : ومعنى هذه الأحاديث أن العرب كان من شأنها ذم الدهر وسبه عند النوازل لأنهم كانوا ينسبون إلى الدهر ما يصيبهم من المصائب والمكاره فيقولون أصابتهم قوارع الدهر وأبادهم الدهر كما أخبر الله عز وجل عنهم بقوله {وما يهلكنا إلا الدهر} فإذا أضافوا إلى الدهر ما نالهم من الشدائد وسبوا فاعلها كان مرجع سبهم إلى الله تعالى إذ هو الفاعل في الحقيقة للأمور التي يضيفونها إلى الدهر فنهوا عن سب الدهر قيل لهم لا تسبوا فاعل ذلك فإنه هو الله عز وجل والدهر متصرف فيه يقع به التأثير كما يقع بكم والله أعلم. قوله تعالى: {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} معناه أن منكري البعث احتجوا بأن قالوا إن صح ذلك فأتوا بآبائنا الذين ماتوا ليشهدوا لنا بصحة البعث {قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولله ملك السموات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون} يعني في ذلك اليوم يظهر خسران أصحاب الأباطيل وهم الكافرون يصيرون إلى النار.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير للدلالة على الختم على مشاعرهم، فقد قالوا مع اعترافهم بتفرده تعالى بخلقهم ورزقهم وخلق جميع الموجدات في إنكار الوحدانية: إن له شركاء، عطف عليه قوله: {وقالوا} أي في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه قادر على كل شيء ومعرفتهم أنه قد وعد بذلك في الأساليب المعجزة وأنه لا يليق بحكيم أصلاً أن يدع من تحت يده يتهارجون من غير حكم بينهم: {ما هي} أي الحياة {إلا حياتنا} أي أيها الناس {الدنيا} أي هذه التي نحن فيها مع أن تذكر مدلول هذا الوصف الذي هو أمر نسي لا يعقل إلا بالإضافة إلى حياة أخرى بُعدى كافٍ في إثبات البعث. ولما أثبتوا بادعائهم الباطل هذه الحياة أتبعوها حالها فقالوا: {نموت ونحيا} أي تنزع الروح من بعض فيموت، وتنفخ في بعض آخر فيحيى، وليس وراء الموت حياة أخرى للذي مات، فقد أسلخوا أنفسهم بهذا القول من الإنسانية إلى البهيمية لوقوفهم مع الجزئيات، ولما كان هلاكهم في زعمهم لا آخر له، عدوا الحياة في جنبه عدماً فلم يذكروها وقالوا بجهلهم: {وما يهلكنا} أي بعد هذه الحياة {إلا الدهر} أي الزمان الطويل بغلبته علينا بتجدد إقباله وتجدد إدبارنا بنزول الأمور المكروهة بنا، من دهره - إذا غلبة. ولما أسند إليهم هذا القول الواهي، بين حالهم عند قوله فقال تعالى: {وما} أي قالوه والحال أنه ما {لهم بذلك} أي القول البعيد من الصواب وهو أنه لا حياة بعد هذه، وأن الهلاك منسوب إلى الدهر على أنه مؤثر بنفسه، وأعرق في النفي فقال: {من علم} أي كثير ولا قليل {إن} أي ما {هم إلا يظنون *} بقرينة أن الإنسان كلما تقدم في السن ضعف، وأنه لم يرجع أحد من الموتى. ولما كان هذا من قولهم عجباً، زاده عجباً بحالهم عند سماعهم للبراهين القطعية، فقال عاطفاً على "قالوا": {وإذا تتلى} أي تتابع بالقراءة من أيّ تال كان {عليهم آياتنا} أي على ما لها من العظمة في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها {بينات} أي في غاية المكنة في الدلالة على البعث، فلا عذر لهم في ردها {ما كان} أي بوجه من وجوه الكون {حجتهم} أي قولهم الذي ساقوه مساق الحجة، وهو لا يستحق أن يسمى شبهة {إلا أن قالوا} قولاً ذميماً ولم ينظروا إلى مبدئهم {ائتوا} أيها التالون للحجج البينة من النبي - صل الله عليه وسلم - وأتباعه الذين اهتدوا بهداه {بآبائنا} الموتى، وحاصل هذا أنه ما كان لهم حجة إلا أن أتوا بكلام معناه: ليس لنا حجة لأنه ليس فيه شبهة فضلاً عن حجة، وما كفاهم مناداتهم على أنفسهم بالجهل حتى عرضوا لأهل البينات بالكذب فقالوا: {إن كنتم صادقين *} أي عريقين في الكون في أهل الصدق الراسخين فيه من أنه سبحانه وتعالى يبعث الخلق بعد موتهم، وذلك استبعاد منهم لأن يقدر على جمع الجسم بعد ما يلي، وهم يقرون بأنه الذي خلق ذلك الجسم ابتداء، ومن المعلوم قطعاً أن من قدر على إنشاء شيء من العدم قدر على إعادته بطريق الأولى. ولما كان سبحانه وتعالى إنما يقبل الإيمان عند إمكان تصوره، وذلك إذا كان بالغيب لم يجبهم إلى إحياء آبائهم إكراماً لهذه الأمة لشرف نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام لأن سنته الإلهية جرت بأن من لم يؤمن بعد كشف الأمر بإيجاد الآيات المقترحات أهلكه كما فعل بالأمم الماضية، فرفعهم عن الحس إلى التدريب على الحجج العقلية فقال آمراً له صلى الله عليه وسلم بالجواب بقوله تعالى: {قل الله} أي المحيط بكل شيء قدرة وعلماً وحكمة {يحييكم} أي يجدد هذا تجديداً لا يحصى كما أنتم به مقرون إحياء لأجساد يخترعها من غير أن يكون لها أصل في الحياة {ثم يميتكم} بأن يجمع أرواحكم من أجسادكم فيستلها منها لا يدع "شيئاً" منها في شيء من الجسد وما ذلك على الله بعزيز فإذا هو كما كان قبل الإحياء كما تشاهدون، ومن قدر على هذا الإبداء على هذا الوجه من التكرر ثم على تمييز ما بث من الروح في حال سلها من تلك الأعضاء الظاهر عادة مستمرة كان المخبر عنه بأنه يجمع الخلق بعد موتهم من العريقين في الصدق، فلذلك قال من غير تأكيد: {ثم يجمعكم} أي بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد، منتهين {إلى يوم القيامة} أي القيام الأعظم لكونه عاماً لجميع الخلائق الذين أماتهم. ولما صح بهذا الدليل القطعي المدعى، أنتج قوله: {لا ريب} أي شك بوجه من الوجوه {فيه} بل هو معلوم علماً قطعياً ضرورياً {ولكن أكثر الناس} بما لهم من السفول بما ركبنا فيهم من الحظوظ والشهوات التي غلبت على غريزة العقل فردوا بها أسفل سافلين في حد النوس وهو التردد لم يرتقوا إلى الإيمان {لا يعلمون *} أي لا يتجدد لهم علم لما لهم من النوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل، فهم واقفون مع المحسوسات، لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور لتظهر قدرتنا ويتحقق اسمنا الباطن كما تحقق الظاهر عند من هديناه لعلم ذلك. ولما دل على قدرته على الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره: فالله الذي ابتدأ خلقكم من الأرض على هذا الوجه قادر على إعادتكم، عطف عليه دليلاً آخر جامعاً فقال تعالى: {ولله} أي الملك الأعظم وحده {ملك السماوات} كلها {والأرض} التي ابتدأكم منها، ومن تصرف في ملكه بشيء من الأشياء، كان قادراً على مثله ما دام ملكاً. ولما كان التقدير: له ملك ذلك أبداً، فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون مع رفع هذا وخفض هذا، فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا إليه بالبغي والعدوان، فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم في ريبهم يترددون، بنى عليه قوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة} أي توجد وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمامه أمره الناهض بأعباء ما يريد، وكرر سبحانه للتهويل والتأكيد قوله: {يومئذ} أي إذا تقول يخسرون - هكذا كان الأصل، ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف: {يخسر المبطلون *} أي الداخلون في الباطل العريقون في الاتصاف به، الذين كانوا لا يرضون بقضائي فيستعجلون فيتوصلون إلى مراداتهم بما لم آمر به، ولا يزالون يبغون إلى أن يأتي الوقت الذي قدرت وصلوهم إليها فيه، فيصلون ويظنون أنهم وصلوا بسعيهم، وأنهم لو تركوا لما كان لهم ذلك فيخسرون لأجل سعيهم بما جعلت لهم من الاختيار بمرادي فيهم على خلاف أمري، خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك لهم عنها ويفوز المحقون.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، فقال الله في كتابه {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} وقال الله: "حديث : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ". تفسير : وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قرأ {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} . وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:حديث : قال الله عز وجل: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {وما يهلكنا إلا الدهر} قال: الزمان. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : قال الله تبارك وتعالى: "لا يقل ابن آدم يسب الدهر بأخيبة الدهر فإني أنا الدهر أرسل الليل والنهار فإذا شئت قبضتهما" ". تفسير : وأخرج ابن جرير والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : يقول الله تعالى: "استقرضت عبدي فلم يعطني وسبني عبدي يقول وادهراه وأنا الدهر" ".
القشيري
تفسير : لم يَعْتَبِروا بما وجدوا عليه خَلَفَهم وسَلفَهم، وأَزْجَوْا في البهيمية عَيْشَهم وعُمْرَهم، وأعفوا عن كَدِّ الفكرة قلوبهم... فلا بالعلم استبصروا،ولا من التحقيق استمدوا. رأسُ مالِهم الظنُّ - وهم غافلون.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالوا} يعنى منكرى البعث من غاية غيهم وضلالهم وهم كفار قريش ومشركوا العرب وفى كشف الاسرار هذا من قول الزنادقة الذين قالوا الناس كالحشيش {ما هى} اى ما الحياة {الا حياتنا الدنيا} التى نحن فيها {نموت ونحيا} اى يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة وتأخير نحيا لان فيها شبه مراعاة الفاصلة ولان الواو لمطلق الجمع وقد جوز أن يريدوا به التناسخ فانه عقيدة اكثر عبدة الاوثان يعنى احتمال داردكه قائلان اين مذهب تناسخ داشته باشند ونزد ايشان آنست كه هركه مىميرد روح او بجسد ديكر تعلق ميكيرد وهم دردنيا ظهور ميكند تا ديكر بار بميرد وديكر باز آيد وازشاكمونى كه بزعم ايشان بيغمبرست نقل كردماندكه كفت من خودار هزار وهفتصد قالب ديدمام. قال الراغب القائلون بالتناسخ قوم ينكرون البعث عل ما اثبتته الشريعة ويزعمون ان الارواح تنتقل من الاجساد على التأبيد أى الى اجساد أخر وفى التعريفات التناسخ عبارة عن تعلق الروح بالبدن بعد المفارقة من بدن آخر من غير تخلل زمان بين التعلقين للتعشق الذاتى بين الروح والجسد {وما يهلكنا الا الدهر} اى مرور الزمان وهو مدة بقاء العالم من مبدأ وجوده الى انقضائه ثم يعبر به عن كل مدة كبيرة وهو خلاف الزمان فان الزمان يقع على المدة القليلة والكثيرة قال فى القاموس الدهر الزمان الطويل والابد الممدود وألف سنة والدهر عند الصوفية هو الآن الدآئم الذى هو امتداد الحضرة الالهية وهو باطن الزمان وبه يتجدد الازل والابد وكانو يزعمون ان المؤثر فى هلاك الانفس هو مرور الايام والليالى وينكرون ملك الموت وقبضه للارواح بأمر الله ويضيفون الحوادث الى الدهر والزمان ويسبونه ويذمونه ويشتكون منه كما نطقت بذلك اشعارهم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله "حديث : لا تسبو الدهر فان الله هو الدهر" تفسير : اى فان الله هو الآتى بالحوادث لا الدهر (قال الكاشفى) مقلب دهور ومصرف آن حضرت عزت است جل شانه ودهوررا در هيج كاراختيارى نيست دهر ترا دهربناهى ترا حكم ترا زيبد وشاهى ترا دور زان كارنسازد بخوذ جرخ فلك برنفرازد بخود اين همه فرمان ترابنده اند درره امرتو شتابنده اند. (قال بعضهم) يا عالما يعجب من دهره. لا تلم الدهر على غدره. فانه مأموله آمر. قد ينتهى الدهر الى امره. كم كافر أمواله جمة. يزداد اضعافا على كفره. ومؤمن ليس له درهم. يزداد ايمانا على فقره. قال فى المفردات قوله عليه السلام "حديث : لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر" تفسير : قد قيل معناه ان الله فاعل ما يضاف الى الدهر من الخير والشر والمسرة والمساءة فاذا سببتم الذى تعتقدون انه فاعل ذلك فقد سببتموه تعالى وقال بعضهم الدهر الثانى فى الخبر غير الاول وانما هو مصدر بمعنى الفاعل ومعناه ان الله تعالى هو الدهر أى المصرف المدبر لكل ما يحدث والاول أظهر وفى الحديث "حديث : قال الله لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فانى انا الدهر ارسل الليل والنهار فاذا شئت قبضتهما" تفسير : وهذا والحديث الاول سهل على تفسير الصوفية كما سبق فاعرف تفز {وما لهم بذلك} اى بما ذكر من اقتصار الحياة على ما فى الدنيا واسناد الحياة والموت الى الدهر {من علم} فأسند الى عقل او نقل ومن مزيدة لتأكيد النفى {ان هم الا يظنون} اى ما هم الا قوم قصارى امرهم الظن والتقليد من غير ان يكون لهم شئ يصح ان يتمسك به فى الجملة هذا معتقدهم الفاسد فى انفسهم واما المؤمنون فقد اخذوا بالنصوص وسلكوا طريق اليقين وتجاوزوا عن برازخ الظن والتخمين واثبتوا الحشر الصورى والمعنوى اى الحشر المحسوس والصراط المحسوس والجنة والنار المحسوستين وكذا جمع النفوس الجزئية الى النفس الكلية والجمع بين المعقول والمحسوس أعظم فى القدرة من نعيم وعذاب محسوسين بأكل وشرب ونكاح ولباس محسوسات وأتم فى الكمال الالهى ليستمر له سبحانه فى كل صنف من الممكنات حكم عالم الغيب والشهادة ويثبت حكم الاسم الظاهر والباطن فى كل صنف وهذا معتقد الانبياء والرسل ومؤمنيهم فمن اعتقد كاعتقادهم نجا والا هلك ومن لوازم هذا الاعتقاد والتوحيد اسناد كل حادثة الى الله العزيز الحميد فانه المؤثر فى الكل ولذا نهى عن سب الريح اذ هى بيد ملك وهو بيد الله تعالى فجميع التصرفات راجع اليه (حكى ان الحجاج) أرسل عبد الله الثقفى الى انس بن مالك رضى الله عنه يطلبه فقال اجب امير المؤمنين فقال له اذله الله فان العزيز من اعتز بطاعة الله والذليل من ذل بمعصيته ثم قام معه فلما حضر قال انت الذى تدعو علينا قال نعم قال ومم ذلك قال لانك عاص لربك تخالف سنة نبيك تعز أعدآء الله وتذل اولياءه فقال اقتلك شرق قتلة فقال انس لو علمت ان ذلك بيدك لعبدتك قال ولم ذلك قال لان رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنى دعاء وقال من دعا به كل صباح لم يكن لاحد عليه سبيل اى لم يضرّ به سم ولا سحر ولا سلطان ظالم وقد دعوت به فى صباحى فقال الحجاج علمنيه فقال معاذ الله ان أعلمه ما دمت حيا وانت حى فقال الحجاج خلوا سبيله فقيل له فى ذلك فقال رأيت على عاتقيه اسدين عظيمين قد فتحا افواههما فدل هذا على ان التأثير بيد الله القدير لا فى يد السلطان والوزير وانما هو وهم المحجوب الناظر الى جانب الاسباب والوسائل ثم ان انسا رضى الله عنه لما حضره الموت قال لخادمه ان لك على حقا حق الخدمة فعلمه الدعاء وقال له قل بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله خير الاسماء بسم الله الذى لا يضر مع اسمه شئ فى الارض ولا فى السماء وانس رضى الله عنه من خدام رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين وانتقل الى البصرة فى خلافة عمر رضى الله عنه وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة احدى وتسعين وله مائة وثلاث سنين وهو احد الستة المشهورين برواية الحديث
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقالوا} من غاية غيهم وضلالهم: {ما هيَ} أي: ما الحياة؛ لأنهم وُعِدُوا حياة ثانية، {إِلا حياتُنا الدنيا} التي نحن فيها، {نموت ونحيا} أي: يُصيبنا الموت والحياة فيها، وليس وراء ذلك حياة، أو: نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا، أو: يموت بعض ويحيا بعض، أو: نكون مواتاً نطفاً في الأصلاب، ونحيا بعد ذلك. وقيل: هذا كلام مَن يقول بالتناسخ، فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان، أي: يموت الرجل، ثم تجعل روحه في شبح آخر، فيحيا به، وهو باطل عند أهل الإسلام، ثم قالوا: {وما يُهكنا إِلا الدهرُ} إلا مرور الزمان وهو في الأصل: مدة بقاء العالم، من: دهَرهُ: إذا غَلَبه، وكانوا يزعمون أن مرور الزمان بالليالي والأيام هو المؤثِّر في هلاك الأنفس، وينكرون ملك الموت، وقبضه الأرواحَ بأمر الله تعالى، وكانوا يُضيفون كلَّ حادثة تحدثُ إلى الدهر والزمان، كما قال شاعرهم: شعر : أَشَابَ الصغيرَ وأفنى الكبيرَ كَرُّ الغداة ومرُّ العشيِّ تفسير : ومنه قول تُبع الأكبر، أو غيره: شعر : منع البقاءَ تَغرُّبُ الشمس وطلوعها من حيث لا تمسي وطلوعُها بيضاءَ صافيةً وغروبُها صفراءَ كالورْسِ تجري على كبِد السماء كما يجري حِمام الموت بالنفْسِ اليومَ أعلم ما يجيء به ومضى بفصل قضائه أمسِ تفسير : فإن كان تُبَّعاً المتقدم؛ فنسبة الفعل إلى الدهر مجاز، كما سيأتي، وعقيدة الموحدين ألاَّ فاعل إلا الله، فالدهر مُسخّر بأمر الله وقدرته، بل هو من أسرار الله وأنوار صفاته، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تسبُّوا الدهر، فإن الله هو الدهر"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : قال الله تعال: يُؤذيني ابنُ آدم، يَسُبُّ الدَّهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقلّب الليلَ والنهارَ"تفسير : فالأمور كلها بيد الله، والدهر إنما هو مظهر لعجائب القدرةن كما قال أبو علي الثقفي رضي الله عنه: شعر : يا عاتبَ الدهر إذا نابَه لا تَلُمِ الدهرَ على غَدْرِهِ الدهرُ مأمورٌ له آمر قد انتهى الدهر إلى أمره كم كافر أمواله جَمَّةٌ تزداد أضعافاً على كفرِهِ؟ ومؤمنٍ ليس له دِرهمٌ يزداد إيماناً على فقرهِ؟ تفسير : وقد ينسب أهل التوحيد الفعلَ إلى الدهر مجازاً، تغزُّلاً، في أشعارهم، كما قال عبد الملك بن مروان، حين ضعف حالُه: شعر : فاستأثر الدهر الغداة بهم والدهر يرميني وما أَرْمي يا دهر قد أكثرت فَجعتنا بِسَراتنا وقرت في العَظْمِ وتركتنا لحماً على وَضَمٍ لو كنت تستبقي من اللحم!! وسلبتنا ما لستَ تُعقبنا يا دهرُ ما أنصفتَ في الحُكمِ!! تفسير : قال تعالى: {وما لهم بذلك من علم} أي: ليس لهم بما ذكر من اقتصار الحياة على ما في الدنيا، وإسناد التأثير إلى الدهر، {من علم} يستند إلى عقل ولا نقل، {إِن هم إِلا يظنون} ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد، هذا معتقدهم الفاسد في أنفسهم. {وإِذا تُتلى عليهم آياتنا} الناطقة بالحق، الذي من جملته البعث، {بيناتٍ} واضحات الدلالة على ما نطقت به، أو مبينات له، {ما كان حُجَّتَهم} ما كان متمسكاً لهم شيء من الأشياء، {إِلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إِن كنتم صادقين} في أنَّا نُبعث بعد الموت أي: لا شبهة لهم إلا هذا القول الباطل، الذي يستحيل أن يكون من قبيل الحُجة، أي: ليس لهم حُجة إلا العناد والاستبعاد. وتسميته حُجة إما لسوقهم إياه مساق الحُجة في زعمهم، أو تهكماً بهم، كقول القائل: "تحية بينهم ضرب وجيع". قال ابن عرفة: {وإذا تتلى عليهم...} الآية، أي: إنهم مع كونهم ظانين فَهُم بحيث لو استدل لهم لما ازدادوا إلا ضلالاً، وقد تقرّر في علم الجدل أن المصمم على الشيء يصعب نقله عنه، بخلاف الظان والشك، فأتت هذه الآية نفياً لما يتوهم في هؤلاء أنهم حيث لا يقين عندهم يسهل رجوعهم، حين تظهر الحجة. هـ. ومَن نَصَبَ "حجتهم" فخبر كان، ومَن رفعه فاسمها. الإشارة: قال القشيري: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا...} الآية، اغترُّوا بما وجدوا عليه خَلَفَهم، وأَرْخوا في البهيمية عَنَانهم وعُمْرَهم، وأغفوا عن ذكر الفكرة قلوبَهم، فلا بالعلم استبصروا، ولا من الحقائق استمدوا، رأسُ مالهم الظن، وهم غافلون، وإذا تتلى عليهم الآيات طلبوا إحياء موتاهم، وسوف يرون ما استبعدوا. هـ. ثم قرر البعث الذي أنكروه، فقال: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ}.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالُواْ مَا هِيَ} اى ما الحياة {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} اى يموت بعضنا ويحيى بعض آخر، او المعنى على التّقديم والتّأخير اى نحي ونموت {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} الدّهريّون والطّبيعيّون يقولون: انّ مرور الزّمان يفنينا ويفنى كلّ كائن بتفاوت الانواع والاشخاص ان لم يقطعه عن بقائه الطّبيعىّ قاطع {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} يعنى انّ قولهم هذا باطلٌ اصلاً وهم ملومون عليه لبطلانه، وهم ملومون ايضاً على التّفوّه بما ليس لهم به علمٌ {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} والقول بالظّنّ والشّكّ قبيح وصاحبه ملوم، فالويل ثمّ الويل لمن قال بالظّنّ والقياس من غير اذنٍ واجازةٍ من اللهّ!. ثمّ قال: هذا من عند الله وهو حكم الله فى حقّى وحقّ مقلّدى! وقد سبق منّا مكرّراً انّ الاذن والاجازة الصّحيحة يجعل الظّنّ قائماً مقام العلم بل يجعله اشرف من العلم كما شوهد من اجازات القلندريّة وتأثير المنطريّات مغلوطة بعد الاجازة، وعدم تأثيرها صحيحةً بدون الاجازة، قيل: انّ هذا ظنّ شكٍّ ونزلت هذه الآية فى الدّهريّة وجرت فى الّذين فعلوا ما فعلوا بعد رسول الله (ص) بأمير المؤمنين (ع) واهل بيته وانّما كان ايمانهم اقراراً بلا تصديقٍ خوفاً من السّيف ورغبةً فى المال، وعن النّبىّ (ص) انّه قال: "حديث : لا تسبّوا الدّهر فانّ الله هو الدّهرتفسير : ، يعنى انّ الله هو الدّهر الّذى ينسبون الحوادث اليه ويسبّونه لاحداث الحوادث الغير الملائمة.
اطفيش
تفسير : {وَقَالُواْ} أي منكروا البعث* {مَا هِىَ} أي الحياة أو الحال* {إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} حياتنا القريبة الزوال* {نَمُوتُ وَنَحْيَا} تموت الاباء وتحيا الأولاد أو حياة الاولاد حياة للاباء الموتى أو يموت بعضنا ويبقى بعضنا أو نكون أمواتاً نطفاً في الأصلاب ونحيا بعد ذلك أو عطفت الواو السابق على اللاحق أي نحيا ونموت بعد الحياة أو أراد التناسخ وهو نقل روح الميت الى الجسد الآخر وهو عقيدة أكثر عبدة الاوثان وقريء (نحيا) بضم النون وفتح الياء. {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ الدَّهْرُ} الا مرور الزمان كما قرئ (الأدهر) يمر وقيل الأطول الزمان وهو في الاصل مدة بقاء العالم من دهره أي غلبه {وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} والباء متعلقة بمجرور (من) لان (من) زائدة فلا تمتنع وتقديم معمول المصدر مختلف فيه والباء بمعنى في متعلق بالاستقرار {إِنْ هُمْ} أي ما هم* {إِلاَّ يَظُنُّونَ} ويقلدون وينكرون ما لم يحسوا به ولا دليل لهم زعموا ان مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك النفس وينكرون ملك الموت وقبض الروح وينسبون الحوادث الى الدهر وحركات الافلاك وترى أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان وأما نسبة الموحد شيئاً الى الزمان فمجاز، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عما يقوله المشركون ويعتقدونه بقوله "حديث : لا تسبوا الدهر فان الدهر هو الله فالدهر من أسماء الله وان الله هو فاعل ما تسبون فيه الدهر لا الدهر وهو مخلوق له متصرف فيه مثلكم ". تفسير : وفي الحديث: "حديث : يؤذينى ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ". تفسير : وفي رواية: "حديث : يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدى الليل والنهار " تفسير : وفي رواية: "حديث : يؤذينى ابن آدم ويقول الدهر فاني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فاذا شئت قبضتهما " تفسير : ويؤذينى مجاز بالاستعارة فان الله لا يصله نفع ولا ضر والاشارة في الاية الى القول أو الى نسبة الحواث للدهر أو انكار البعث والأول أولى لعمومه لان معنى {أية : ان هي الا حياتنا الدنيا} تفسير : الخ انه لا بعث
اطفيش
تفسير : {وقالوا} أى الكفرة، أو من اتخذ باعتبار معناه، كما أفرد قبل ذلك نظرا للفظة {ما هِي} أى ما الحياة أو ما الحالة {إلاَّ حَياتنا الدنيا} مجردة عن الحياة بعد الموت {نموتُ ونَحْيا} يموت الحى منا ويولد الحى فيحيا، ثم موت، وهكذا أو عطفت الواو السابق فينا اللاحق، أى نحيا ونموت، أو نكون نطفا وما بعدها، وينفخ فينا الروح، ونكون أحياء، وقيل: أرادوا بالحياة بقاء النسل، أى نموت بأنفسنا ونحيا بحياة أولادنا، وقيل: نموت بالأجساد ونحيا بالأرواح، وهو قول تناسخ الأرواح، يخرج روح إنسان ويدخل فى جسد انسان آخر فى البطن، أو فى بغل أو حمار وغيرهما، ويخرج من حمار، ويدخل فى حمار آخر أو بغل، أو فى انسان، وفى جميع ذلك يقولون لا بعث، {وما يُهْلكنا إلاَّ الدهْر} أى طول الزمان وهو أخص من الزمان، وقيل: الدهر فى الأصل اسم لمدة العالم من مبدإ وجوده الى انقضائه، ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة، والزمان يقع على أقل قليل وما فوقه، ودهر كل شىء عمره، ومعنى الآية انما يهلكنا الدهر، لا ملك الموت، وهم منكرون لملك الموت، ويسندون الحوادث الى الدهر، وهم معترفون بوجود الله تعالى، وليسوا بالدهرية الذين ينكرون وجود الله تعالى، ويسندون الحوادث الى الدهر، ولا يبعد أن يكون الزمان عندهم مقدار حركة الفلك، كما قال معظم الفلاسفة، وفى مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يسب أحدكم الدهر فإنَّ الله هو الدهر"تفسير : يعنى أن ما تنسبونه الى الدهر من الحوادث وتسبونه لأجلها ليس فعلا له بل لى. وروى أبو داود والحاكم، عنه صلى الله عليه وسلم، عن الله عز وجل: "حديث : يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر، أقلب ليله ونهاره" تفسير : أى أن الفاعل لا ما تنسبون فعله الى الدهر، ومعنى يؤذينى يفعل ما نهيته عنه، وذلك أن مخالفة الناهى فى الجملة تضر الناهى بالغيظ والحزن، وتغيير القلب تعالى الله عن ذلك، وروى الحاكم: يقول الله عز وجل: "حديث : استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري يقول وادهراه وأنا الدهر" تفسير : أى أنا الخالق لما تشكون منه لا الدهر، وروى البيهقى: "حديث : لا تسبوا الدهر قال الله عزّ وجل: أنا الليالي والأيام أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك"تفسير : وعبارة بعض أن الآتى بالحوادث هو الله، فاذا سببتم الدهر على أنه فاعل وقع السب على الله، قلت: ما ذكرته أولى، وقد لا يسب الدهر من يعرف أن الله تعالى هو الآتى بالحوادث، فيكون فاسقا، بالجزع بما أجرى الله عز وجل فى الدهر، وسب الدهر كبيرة، ومن سب الله أشرك. وظاهر ما ذكر أن من سب الدهر فقد سب الله، وأن من سبه أشرك لأنه سب الله عز وجل، وقال الشافعية: مكروه، وان كان السب لعنا أو ما هو بمنزلته فقد جاء أنه من لعن ما لا يستحق اللعن، رجعت عليه اللعنة، فهو فاسق ولو لم يرد الا الزمان، ومن اعتقد تأثير الدهر مستقلا عن الله سبحانه، فهو مشرك. {وما لَهُم بذلك مِن علِمٍ} لا علم لهم مستندا الى عقل أو نقل بذلك المذكور من أنه لا حياة بعد الموت من هذه الحياة، وأنه انما يهلكهم الدهر {إنْ هم} فى ذلك {إلاَّ يظنُّون} تقليداً.
الالوسي
تفسير : {وَقَالُواْ } بيان لأحكام إضلالهم والختم على سمعهم وقلوبهم وجعل / غشاوة على أبصارهم فالضمير لمن باعتبار معناه أو للكفرة {مَا هِيَ } أي ما الحياة {إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا } التي نحن فيها، ويجوز أن يكون الضمير للحال والحياة الدنيا من جملة الأحوال فيكون المستثنى من جنس المستثنى منه أيضاً لاستثناء حال الحياة الدنيا من أعم الأحوال ولا حاجة إلى تقدير حال مضافاً بعد أداة الاستثناء أي ما الحال إلا حال الحياة الدنيا {نَمُوتُ وَنَحْيَا } حكم على النوع بحملته من غير اعتبار تقديم وتأخير إلا أن تأخير نحيا في النظم الجليل للفاصلة أي تموت طائفة وتحيا طائفة ولا حشر أصلاً، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وليس بذاك، وقيل: أرادوا بالموت عدم الحياة السابق على نفخ الروح فيهم أي نكون نطفاً وما قبلها وما بعدها ونحيا بعد ذلك، وقيل: أرادوا بالحياة بقاء النسل والذرية مجازاً كأنهم قالوا: نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا وذرارينا، وقيل: أرادوا يموت بعضنا ويحيا بعض على أن التجوز في الإسناد، وجوز أن يريدوا بالحياة على سبيل المجاز إعادة الروح لبدن آخر بطريق التناسخ وهو اعتقاد كثير من عبدة الأصنام ولا يخفى بعد ذلك. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {ونحيا } بضم النون. {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } أي طول الزمان فالدهر أخص من الزمان وهو الذي ارتضاه السعد، ولهم في ذلك كلام طويل، وقال الراغب: ((الدهر في الأصل اسم لمدة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه ثم يعبر به عن كل مدة كثيرة، وهو خلاف الزمان فإنه يقع على المدة القليلة والكثيرة، ودهر فلان مدة حياته، ويقال: دَهَرَ فلاناً نائبةٌ دهراً أي نزلت به حكاه الخليل فالدهر هٰهنا مصدر)). وذكر بعض الأجلة أن الدهر بالمعنى السابق منقول من المصدر وأنه يقال: دهره دهراً أي غلبه وإسنادهم الإهلاك إلى الدهر إنكار منهم لملك الموت وقبضه الأرواح بأمر الله عز وجل وكانوا يسندون الحوادث مطلقاً إليه لجهلهم أنها مقدرة من عند الله تعالى، وأشعارهم لذلك مملوءة من شكوى الدهر وهؤلاء معترفون بوجود الله تعالى فهم غير الدهرية فإنهم مع إسنادهم الحوادث إلى الدهر لا يقولون بوجوده، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً والكل يقول باستقلال الدهر بالتأثر، ولا يبعد أن يكون الزمان عندهم مقدار حركة الفلك كما ذهب إليه معظم الفلاسفة. وقد جاء النهي عن سب الدهر. أخرج مسلم «حديث : لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر» تفسير : وأبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم قال الله عز وجل: «حديث : يؤذيني ابن آدم يقول يا خيبة الدهر فلا يقل أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره»تفسير : والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم أيضاً يقول الله عز وجل: «حديث : استقرضت عبدي فلم يقرضني وشتمني عبدي وهو لا يدري يقول وادهراه وأنا الدهر» تفسير : والبيهقي: «لا تسبوا الدهر قال الله عز وجل: «حديث : أنا الدهر الأيام والليالي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك» تفسير : ومعنى ذلك أن الله تعالى هو الآتي بالحوادث فإذا سببتم الدهر على أنه فاعل وقع السب على الله عز وجل. وعد بعضهم سبه كبيرة لأنه يؤدي إلى سبه تعالى وهو كفر، وما أدى إليه فأدنى مراتبه أن يكون كبيرة. / وكلام الشافعية صريح بأن ذلك مكروه لا حرام فضلاً عن كونه كبيرة، والذي يتجه في ذلك تفصيل وهو أن من سبه فإن أراد به الزمن فلا كلام في الكراهة، أو الله عز وجل فلا كلام في الكفر، ومثله إذا أراد المؤثر الحقيقي فإنه ليس إلا الله سبحانه؛ وإن أطلق فهذا محل التردد لاحتمال الكفر وغيره وظاهر كلامهم هنا أيضاً الكراهة لأن المتبادر منه الزمن وإطلاقه على الله تعالى كما قال بعض الأجلة إنما هو بطريق التجوز. ومن الناس من قال: إن سبه كبيرة إن اعتقد أن له تأثيراً فيما نزل به كما كان يعتقد جهلة العرب، وفيه نظر لأن اعتقاد ذلك كفر وليس الكلام فيه، وأنكر بعضهم كون ما في حديث أبـي داود والحاكم «فإني أنا الدهر» بضم الراء وقال: لو كان كذلك كان الدهر من أسمائه تعالى وكان يرويه «فإني أنا الدهر» بفتح الراء ظرفاً لأقلب أي فإني أنا أقلب الليل والنهار الدهر أي على طول الزمان وممره، وفيه أن رواية مسلم «فإن الله هو الدهر» تبطل ما زعمه، ومن ثم كان الجمهور على ضم الراء. ولا يلزم عليه أن يكون من أسمائه تعالى لما سبق أن ذلك على التجوز. وحكى الراغب عن بعضهم أن الدهر الثاني في حديث مسلم غير الأول وأنه مصدر بمعنى الفاعل، والمعنى أن الله تعالى هو الدهر أي المصرف المدبر المفيض لما يحدث، وفيه بعد. وقرأ عبد الله {إِلا دهر} وتأويله إلا دهر يمر. {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ } أي بما ذكر من قصر الحياة على ما في الدنيا ونسبة الإهلاك إلى الدهر {مِنْ عِلْمٍ } مستند إلى عقل أو نقل {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن والتقليد من غير أن يكون لهم ما يصح أن يتمسك به في الجملة، هذا معتقدهم الفاسد في أنفسهم.
سيد قطب
تفسير : هذا المقطع الأخير من السورة يعرض مقولة المشركين عن الآخرة وعن البعث والحساب. ويرد عليها من واقع نشأتهم الذي لا مجال لإنكاره، وهو واقع قريب منهم. ثم يعرض مشهداً من مشاهد القيامة، يرونه واقعاً بهم ـ وإن كان لم يحن بعد موعده ـ لأن التصوير القرآني يعرضه حياً شاخصاً كأنهم يرونه رأي العين من خلال الكلمات. ثم تختم السورة بالحمد لله، الواحد الربوبية في السماوات وفي الأرض ولجميع العالمين في السماوات والأرض، وتمجيد عظمته وكبريائه المتفردة في السماوات والأرض، لا ترتفع أمامها هامة، ولا يتطاول إليها متطاول.. وهو العزيز الحكيم.. {وقالوا: ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يظنون، وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين. قل: الله يحييكم ثم يميتكم، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. هكذا كانوا ينظرون تلك النظرة القصيرة. الحياة في نظرهم هي هذا الشوط الذي يرونه في الدنيا رأي العين. جيل يموت وجيل يحيا؛ وفي ظاهر الأمر لا تمتد إليهم يد بالموت، إنما هي الأيام تمضي، والدهر ينطوي، فإذا هم أموات؛ فالدهر إذن هو الذي ينهي آجالهم، ويلحق بأجسامهم الموت فيموتون! وهي نظرة سطحية لا تتجاوز المظاهر، ولا تبحث عما وراءها من أسرار. وإلا فمن أين جاءت إليهم الحياة؛ وإذا جاءت فمن ذا يذهب بها عنهم؟ والموت لا ينال الأجسام وفق نظام محدد وعدد من الأيام معين، حتى يظنوا أن مرور الأيام هو الذي يسلبهم الحياة. فالأطفال يموتون كالشيوخ والأصحاء يموتون كالمرضى. والأقوياء يموتون كالضعاف. ولا يصلح الدهر إذن تفسيراً للموت عند من ينظر إلى الأمر نظرة فاحصة، ويحاول أن يعرف، وأن يدرك حقيقة الأسباب. لهذا يقول الله عنهم بحق: {وما لهم بذلك من علم. إن هم إلا يظنون}: يظنون ظناً غامضاً واهياً، لا يقوم على تدبر، ولا يستند إلى علم، ولا يدل على إدراك لحقائق الأمور. ولا ينظرون إلى ما وراء ظاهرتي الحياة والموت من سر يشهده بإرادة أخرى غير إرادة الإنسان، وبسبب آخر غير مرور الأيام. {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات، ما كان حجتهم إلا أن قالوا: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين}.. وهذه كتلك تدل على نظرة سطحية لا تدرك نواميس الخلق، وحكمة الله فيها، وسر الحياة والموت الكامن وراءهما، المتعلق بتلك الحكمة الإلهية العميقة. فالناس يحيون في هذه الأرض ليعطوا فرصة للعمل وليبتليهم الله فيما مكنهم فيه. ثم يموتون حتى يحين موعد الحساب الذي أجله الله، فيحاسبوا على ما عملوا، وتتبين نتيجة الابتلاء في فترة الحياة. ومن ثم فهم لا يعودون إذا ماتوا. فليست هنالك حكمة تقتضي عودتهم قبل اليوم المعلوم. وهم لا يعودون لأن فريقاً من البشر يقترحون هذا. فاقتراحات البشر لا تتغير من أجلها النواميس الكبرى التي قام على أساسها الوجود! ومن ثم فلا مجال لهذا الاقتراح الساذج الذي كانوا يواجهون به الآيات البينات: {ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين}! ولماذا يأتي بآبائهم قبل الموعد الذي قدره وفق حكمته العليا؟ ألكي يقتنعوا بقدرة الله على إحياء الموتى؟ يا عجباً! أليس الله ينشئ الحياة أمام أعينهم إنشاء في كل لحظة، وفق سنة إنشاء الحياة؟ {قل الله يحييكم، ثم يميتكم، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه}.. هذه هي المعجزة التي يريدون أن يشهدوها في آبائهم. ها هي ذي تقع أمام أعينهم. بعينها وبذاتها. والله هو الذي يحيي. ثم هو الذي يميت. فلا عجب إذن في أن يحيي الناس ويجمعهم إلى يوم القيامة، ولا سبب يدعو إلى الريب في هذا الأمر، الذي يشهدون نظائره فيما بين أيديهم: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. ويعقب على هذه الحقيقة الماثلة بالأصل الكلي الذي ترجع إليه: {ولله ملك السماوات والأرض}.. فهو المهيمن على كل ما في الملك. وهو صانع كل شيء فيه. وهو القادر على الإنشاء والإعادة لكل ما فيه وكل من فيه. ثم يعرض عليهم مشهداً من هذا اليوم الذي يشكون فيه: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون. وترى كل أمة جاثية. كل أمة تدعى إلى كتابها. اليوم تجزون ما كنتم تعملون. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق. إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}.. إنه يعجل لهم في الآية الأولى عاقبة المبطلين. فهم الخاسرون في هذا اليوم الذي يشكون فيه. ثم ننظر من خلال الكلمات فإذا ساحة العرض الهائلة، وقد تجمعت فيها الأجيال الحاشدة التي عمرت هذا الكوكب في عمره الطويل القصير! وقد جثوا على الركب متميزين أمة أمة. في ارتقاب الحساب المرهوب.. وهو مشهد مرهوب بزحامه الهائل يوم تتجمع الأجيال كلها في صعيد واحد. ومرهوب بهيئته والكل جاثون على الركب. ومرهوب بما وراءه من حساب. ومرهوب قبل كل شيء بالوقفة أمام الجبار القاهر، والمنعم المتفضل، الذي لم تشكر أنعمه ولم تعرف أفضاله من أكثر هؤلاء الواقفين! ثم يقال للجموع الجاثية المتطلعة إلى كل لحظة بريق جاف ونفس مخنوق. يقال لها: {اليوم تجزون ما كنتم تعملون. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق. إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}.. فيعلمون أن لا شيء سينسى أو يضيع! وكيف وكل شيء مكتوب. وعلم الله لا يند عنه شيء ولا يغيب؟! ثم تنقسم الحشود الحاشدة والأمم المختلفة، على مدى الأجيال واختلاف الأجناس فريقين اثنين. فريقين اثنين يجمعان كل هذه الحشود: الذين آمنوا. والذين كفروا. فهاتان هما الرايتان الوحيدتان عند الله وهذان هما الحزبان: حزب الله. وحزب الشيطان. وما عدا هذا من الملل والنحل والأجناس والأمم فإليهما يعود: {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيدخلهم ربهم في رحمته. ذلك هو الفوز المبين}.. وقد استراحوا من طول الارتقاب. ومن القلق والاضطراب.. والنص ينهي أمرهم في سرعة وفي بساطة، ليلقي هذا الظل المستطاب. ثم نلقي بأبصارنا ـ من خلال الكلمات ـ إلى الفريق الآخر. فماذا نحن واجدون؟ إنه التأنيب الطويل، والتشهير المخجل، والتذكير بشر الأقوال والأعمال: {وأما الذين كفروا. أفلم تكن آياتي تتلى عليكم، فاستكبرتم، وكنتم قوماً مجرمين؟ وإذا قيل: إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها. قلتم: ما ندري ما الساعة! إن نظن إلا ظنا، وما نحن بمستيقنين}! فالآن كيف ترون الحال؟! وكيف تذوقون اليقين؟! ويتركهم السياق لحظة ليعلن على الملأ شيئاً مما يقع لهؤلاء المنكوبين: {وبدا لهم سيئات ما عملوا، وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}.. ثم يعود إليهم بالترذيل والتأنيب وإعلان الإهمال والتحقير؛ والمصير الأليم: {وقيل: اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا. ومأواكم النار. وما لكم من ناصرين ذلك بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً، وغرتكم الحياة الدنيا}.. ثم يسدل الستار عليهم بإعلان مصيرهم الأخير. وهم متروكون في جهنم لا يخرجون ولا يطلب إليهم اعتذار ولا عتاب: {فاليوم لا يخرجون منها، ولا هم يستعتبون}.. وكأننا نسمع مع إيقاع هذه الكلمات صرير الأبواب وهي توصد إيصادها الأخير! وقد انتهى المشهد، فلم يعد فيه بعد ذلك تغيير ولا تحوير! هنا ينطلق صوت التحميد لله والتمجيد الانطلاقة الأخيرة في السورة بعد هذا المشهد المؤثر العميق: {فلله الحمد. رب السماوات. ورب الأرض. رب العالمين. وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}.. ينطلق صوت التحميد. يعلن وحده الربوبية في هذا الوجود. سمائه وأرضه. وإنسه وجنه. وطيره ووحشه. وسائر ما فيه ومن فيه. فكلهم في رعاية رب واحد يدبرهم ويرعاهم وله الحمد على الرعاية والتدبير. وينطلق صوت التمجيد. يعلن الكبرياء المطلقة لله في هذا الوجود. حيث يتصاغر كل كبير. وينحني كل جبار. ويستسلم كل متمرد. للكبرياء المطلقة في هذا الوجود. ومع الكبرياء والربوبية العزة القادرة والحكمة المدبرة.. {وهو العزيز الحكيم}.. والحمد لله رب العالمين.
ابن عاشور
تفسير : هذا عطف على جملة { أية : أم حسب الذين اجترحوا السيئات } تفسير : [الجاثية: 21] أي بعد أن جادلوا المسلمين بأنه إن كان يبعث بعد الموت فستكون عقباهم خيراً من عقبى المسلمين، يقولون ذلك لقصد التورك وهم لا يوقنون بالبعث والجزاء بل ضربوه جدلاً وإنما يقينُهم قولُهم {ما هي إلا حياتنا الدنيا}. وتقدم في سورة الأنعام (29) { أية : وقالوا إن هي إلاّ حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } تفسير : وضمير {هي} ضمير القصة والشأن، أي قصة الخوض في البعث تنحصر في أن لا حياة بعد الممات، أي القصة هي انتفاء البعث كما أفاده حصر الأمر في الحياة الدنيا، أي الحاضرة القريبَة منا، أي فلا تطيلوا الجدال معنا في إثبات البعث، ويجوز أن يكون {هي} ضمير الحياة باعتبار دلالة الاستثناء على تقدير لفظ الحياة فيكون حَصْراً لجنس الحياة في الحياة الدنيا. وجملة {نموت ونحيا} مبيّنة لجملة {ما هي إلا حياتنا الدنيا} أي ليس بعد هذا العالم عالم آخر فالحياة هي حياة هذا العالم لا غير فإذا مات من كان حيّاً خلفه من يوجد بعده. فمعنى {نموت ونحيا} يموت بعضنا ويحيا بعض أي يبقى حيّاً إلى أمد أو يولد بعد من ماتوا. وللدلالة على هذا التطور عبّر بالفعل المضارع، أي تتجدد فينا الحياة والموت. فالمعنى: نموت ونحيا في هذه الحياة الدنيا وليس ثمة حياة أخرى. ثم إن كانت هذه الجملة محكية بلفظ كلامهم فَلَعَلها ممّا جرى مجرى المثل بينهم، وإنْ كانت حكايَة لمعنى كلامهم فهي من إيجاز القرآن وهم إنما قالوا: يموت بعضنا ويحيَا بعضنا ثم يموت فصار كالمثل. ولا يخطر بالبال أن حكاية قولهم: {نموت ونحيا} تقتضي إرادة نحيا بعد أن نموت لأن قولهم {ما هي إلا حياتنا الدنيا} يصرف عن خطور هذا بالبال. والعطفُ بالواو لا يقتضي ترتيباً بين المتعاطفين في الحصول. وإنما قدم {نموت} في الذكر على {ونحيا} في البيان مع أن المبيّن قولهم {ما هي إلا حياتنا الدنيا} فكان الظاهر أن يبدأ في البيان بذكر اللفظ المبيَّن فيقال: نَحيَا ونموت، فقيل قُدّم {نموت} لتتأتى الفاصلة بلفظ {نحيا} مع لفظ {الدنيا}. وعندي أن تقديم فعل {نموت} على {نَحيا} للاهتمام بالموت في هذا المقام لأنهم بصدد تقرير أن الموت لا حياة بعده ويتبع ذلك الاهتمام تأتي طباقين بين حياتنا الدنيا ونموت ثم بين نموت ونحيا. وحصلت الفاصلة تبعاً، وذلك أدخل في بلاغة الإعجاز ولذلك أعقبه بقوله تعالى: {وما لهم بذلك من علم} فالإشارة بــ {ذلك} إلى قولهم {وما يُهلكنا إلا الدهر}، أي لا علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل. وأما زيادة {وما يهلكنا إلا الدهر} فقصدوا تأكيد معنى انحصار الحياة والموت في هذا العالم المعبر عنه عندهم بالدهر. فالحياة بتكوين الخلقة والممات بفعل الدهر. فكيف يرجى لمن أهلكه الدهر أن يعود حيّاً فالدهر هو الزمان المستمر المتعاقب ليله ونهاره. والمعنى: أحياؤنا يصيرون إلى الموت بتأثير الزمان، أي حَدثانه من طول مدة يعقبها الموت بالشيخوخة، أو من أسباب تفضي إلى الهلاك، وأقوالهم في هذا كثيرة ومن الشعر القديم قول عَمْرو بن قميئة: شعر : رَمَتْنِي بناتُ الدهر من حيث لا أرى فمَا بال من يُرمى وليس بِرَامِ تفسير : ولعلهم يريدون أنه لو تأثر الزمان لبقي الناس أحياء كما قال أسقف نجران: شعر : منع البقاء تقلب الشمس وطلوعها من حيث لا تُمسي تفسير : فلما كان الموت بفعل الدهر فكيف يرجى أن يعودوا أحياء. وهذه كلمات كانت تجري على ألسنتهم لقلة التدبر في الأمور وإن كانوا يعلمون أن الله هو الخالق للعوالم، وأما ما يجري في العالم من التصرفات فلم يكن لهم فيه رأي وكيف وحالتهم الأمية لا تساعد على ذلك، وكانوا يخطئون في التفاصيل حتى يأتوا بما يناقض ما يعتقدونه، ولذلك أعقبه بقوله تعالى: {وما لهم بذلك من علم} فإشارة بــ {ذلك} إلى قولهم {وما يهلكنا إلا الدهر} أي لا علم لهم بأن الدهر هو المميت إذ لا دليل على ذلك فإن الدليل النظري بَيَّن أن الدهر وهو الزمان ليس بمُميت مباشرةً وهو ظاهر ولا بواسطةٍ في الإماتة إذ الزمان أمر اعتباري لا يفعل ولا يؤثر وإنما هو مقادير يقدِّر بها الناس الأبعاد بين الحوادث مرجعه إلى تقدير حصة النهار والليل وحصص الفصول الأربعة، وإنما توهم عامة الناس أن الزمان متصرف، وهي توهمات شاعت حتى استقرت في الأذهان الساذجة. والمراد بالظن في قوله: {إن هم إلا يظنون} ما ليس بعلم فهو هنا التخيل والتوهم وجملة {إن هم إلا يظنون} مبيّنة بجملة {وما لهم بذلك من علم} أو استئناف بياني كأنّ سائلاً حين سَمع قوله: {وما لهم بذلك من علم} سأل عن مستندهم في قولهم ذلك فأجيب بأنه الظن المبني على التخيل. وجيء بالمضارع في {يظنون} لأنهم يحددون هذا الظن ويتلقاه صغيرهم عن كبيرهم في أجيالهم وما هم بمقلعين عنه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا}. ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إنكار الكفار للبعث بعد الموت، جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى عنهم{أية : وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ}تفسير : [الدخان: 35] وقوله {أية : أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ}تفسير : [المؤمنون: 35-37] وقوله تعالى عنهم {أية : أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ}تفسير : [ق: 3] وقوله تعالى عنهم {أية : يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي ٱلْحَافِرَةِ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ}تفسير : [النازعات: 10-12]. وقوله تعالى:{أية : قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}تفسير : [يس: 78] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقد قدمنا البراهين القاطعة القرآنية، على تكذيبهم في إنكارهم البعث، وبينا دلالتها على أن البعث واقع لا محالة، في سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة الحج، وأول سورة الجاثية هذه، وأحلنا على ذلك مراراً. وبينا في سورة الفرقان الآيات الموضحة أن إنكار البعث كفر بالله، والآيات التي فيها وعيد منكري البعث بالنار في الكلام على قوله تعالى:{أية : بَلْ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً}تفسير : [الفرقان: 11]
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا: أي قال منكروا البعث ما الحياة إلا هذه الحياة، وليس وراءها حياة أخرى. نموت ونحيا: أي يموت بعضنا ويحيا بعضنا بأن يولدوا فيحيوا ويموتوا. وما يهلكنا إلا الدهر: أي وما يميتنا إلاّ مرور الزمان علينا. وما لهم بذلك من علم: أي وليس لهم أدنى علم على قولهم لا من وحي وكتاب إلهي ولا من عقل صحيح. إن هم إلا يظنون: أي ما هم إلا يظنون فقط والظن لا قيمة له ولا يبنى عليه حكم. وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات: أي وإذا قرئت عليهم الآيات الدالة على البعث والجزاء الأخرى بوضوح. ما كان حجتهم: أي لم تكن لهم من حجة إلا قولهم. إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا: إلا قولهم أحيوا لنا آباءنا الذين ماتوا وأتوا بهم إلينا. إن كنتم صادقين: إن كنتم صادقين فيما تخبروننا به من البعث والجزاء. قل الله يحييكم ثم يميتكم: أي قل لهم يا رسولنا الله الذي يحييكم حين كنتم نطفاً ميته، ثم يميتكم. ثم يجمعكم إلى يوم القيامة: أي ثم بعد الموت يجمعكم إلى يوم القيامة للحساب والجزاء. لا ريب فيه: أي يوم القيامة الذي لا ريب ولا شك في مجيئه في وقته المحدد له. ولكن أكثر الناس لا يعلمون: أي لا يعلمون لعدم تلقيهم العلم عن الوحي الإلهي لكفرهم بالرسل والكتب. معنى الآيات: تقدم في الآيات بيان اعتقاد بعض المشركين في استواء حال المؤمنين والكافرين يوم القيامة وأن الله تعالى أبطل ذلك الاعتقاد منكراً له عليهم، وهنا حكى قول منكري البعث بالكلية ليرد عليهم وفي ذلك دعوة لعامة الناس إلى الإِيمان والعمل الصالح للإِسعاد والكمال في الحياتين ولله الحمد والمنة فقال عز وجل: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} أي وقال منكرو البعث والجزاء يوم القيامة ما هناك إلا حياتنا هذه التي نحياها وليس وراءها حياة أخرى، إننا نموت ونحيا أي نموت نحن الأحياء ويحيا أبناؤنا من بعدنا وهكذا تستمر الحياة أبداً يموت الكبار ويحيا الصغار، وما يهلكنا إلا الدهر أي وما يميتنا ويفنينا إلا مرور الزمان وطول الأعمار وهو إلحاد كامل وإنكار للخالق عز وجل وهو تناقص منهم لأنهم إذا سئلوا من خلقهم يقولون الله فينسبون إليه الخلق وهو أصعب ولا ينسبوا إليه الإِماته وهي أهون من الخلق فرد تعالى عليهم مذهبهم "الدهرى" بقوله: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} أي ليس لهم على معتقدهم هذا أدنى علم نقلياً كان ولا عقليا أي لم يتلقوه عن وحي أوحاه الله إلى من شاء من عباده ولا عن عقل سليم راجح لا ينقض حكمه كالواحد مع الواحد اثنان والأبيض خلاف الأسود وما إلى ذلك من القضايا العقلية التي لا ترد فهؤلاء الدهريون ليس لهم شيء من ذلك ما لهم إلا الظن والخرص وقضايا العقيدة لا تكون بالظن. والظن أكذب الحديث. وقوله تعالى {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي وإذا قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات القرآن الدالة على البعث والجزاء تدعوهم إلى الإيمان به واعتقاده {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} أي لم تكن لهم من حجة يردُّون بها ما دعوا إليه إلا قولهم: ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين أي أحيوا لنا آباءنا الذين ماتوا وأحضروهم عندنا إن كنتم صادقين فيما تخبروننا من البعث والجزاء. فقال تعالى في رد هذه الشبهة وبيان للحق في المسألة قل الله يحييكم ثم يميتكم، ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي قل يا رسولنا لهؤلاء الدهريين المنكرين للبعث الله يحييكم إذ كنتم نطفاً ميته فأحياكم، ثم يميتكم بدون اختياركم فالقادر على الإحياء والإِماته وفعلا هو يحيي ويميت لا يحيل العقل أن يحيي من أحياهم ثم أماتهم وإنما لم يحيهم اليوم كما طلبتم لأنه لا فائدة من إحيائهم بعد أن أحياهم ثم أماتهم هذا أولاً وثانياً إحياؤهم لكم اليوم يتنافى مع الحكمة العالية في خلق هذه الحياة الدنيا والآخرة إذ خلقوا ليعملوا، ثم يجازوا بأعمالهم خيرها وشرها. ولهذا قال ثم يجمعكم أي أحياء في يوم القيامة للحساب والجزاء وقوله لا ريب فيه أي لا شك في وقوعه ومجيئه إذ مجيئه حتمي لقيام الحياة الدنيا كلها عليه. ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذا لأمرين الأول أنهم لا يفكرون ولا يتعقلون والثاني أنهم لتكذيبهم بالوحي الإِلهي سدوا في وجوههم طريق العلم الصحيح فهم لا يعلمون، ولا يعلمون حتى يؤمنوا بالوحي ويسمعوه ويتفهموه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير البعث والجزاء. 2- الرد على الدهريين وهم الذين ينسبون الحياة والموت للدهر وينفون وجود الخالق عز وجل. 3- بيان أن الكفار لا دليل لهم عقلي ولا نقليّ على صحة الكفر عقيدة كان أو عملاً. 4- عدم إحياء الله تعالى للمطالبين بحياة من مات حتى يؤمنوا لم يكن عن عجز بل لأنه يتنافى مع الحكمة التي دار عليها الكون كله. 5- بيان أن أكثر الناس لا يعلمون وذلك لأنهم كذبوا بالوحي الإلهي في الكتاب والسنة. 6- بيان أنه لا علم صحيح إلاَّ مِنْ طريق الوحي الإِلهي.
د. أسعد حومد
تفسير : (24) - وَقَالَ المُشْرِكُونَ مُنْكِرِينَ البَعْثَ والنُّشُورَ في الآخِرَةِ: لاَ حَياةَ أُخْرَى بَعْدَ هذِهِ الحَياةِ، فَنَحنُ نَعِيشُ في هذِه الحَياةِ ثُمَّ نَمُوتُ، وَيَحيَا أَبنَاؤنَا مِنْ بَعدِنا، وَلا مَعَادَ، وَلا يُفني العِبَادَ غيرُ كَرِّ اللَيالي، وَمَرِّ الأَيَّامِ (الدَّهْرُ). وَلَيسَ لِهؤُلاءِ القَائِلينَ هذا القَوْلَ دَليلٌ عَلَى صِحَّةِ قَولِهم أنْ لاَ حَيَاةَ أُخْرى، وَلا يُهلِكُ العِبَادَ إِلاَّ كَرُّ الأيامِ، وَمَرُّ الدُّهُورِ، وإِنَّهم إِنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبيلِ الظَّنِّ والتَّخْمِينِ وَالتَّوَهُّم. وَالظَّنُّ لا يُغنِي عَنِ الحَقِّ شَيئاً. (وَجَاءَ في الحَديثِ:حديث : يَقُولُ تَعَالى يُؤْذِيني ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وأَنا الدَّهْرُ، بِيَدي الأَمرُ أقلِّبُ ليلَهُ وَنَهارَهُتفسير : ). (وَفي رِوَايةٍ: حديث : لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللهَ تَعَالى هُوَ الدَّهرُتفسير : ). (أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا إنكار منهم لليوم الآخر، ولكن الحق لا بدّ وأنْ يظهر في (فلتات) الألسنة، فوصفهم للحياة التي يعيشونها بأنها دنيا دليل واعتراف منهم بأن هناك حياة أخرى أشرف وأعلى من هذه. كما جاء في قولهم: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ..}تفسير : [المنافقون: 7] فيعترفون أنه صلى الله عليه وسلم رسول الله مع أنهم مُعادون له كافرون بدعوته. وقولهم: {نَمُوتُ وَنَحْيَا ..} [الجاثية: 24] يقصدون نموت نحن ويحيا أبناؤنا من بعدنا، وهذا لأنهم لا يؤمنون بالحياة بعد الموت، فالحياة التي يقصدونها هي امتداد أبنائهم من بعدهم. {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ..} [الجاثية: 24] أي: الزمن هو الذي يميتنا، ومعلوم أن الزمن ظرف للأحداث، وهو مخلوق لله تعالى لا يميت، إنما الذي يميتُ هو الله، وفي الحديث القدسى: "حديث : لا تسبُّوا الدهر فأنا الدهر"تفسير : أي: خالقه ومالكه. {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] وما دام ليس لهم علم بذلك، فلماذا يُعاقبهم الله؟ قالوا: يعاقبهم لأنهم ردُّوا العلم الذي جاءهم من ربهم على ألسنة الرسل {إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [الجاثية: 24] ما هم إلا يظنون أي في قولهم: {مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ..} [الجاثية: 24]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَاتٍ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} [الآية: 24]. يعني: الا الزمان. أَخبرنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {جَاثِيَةً} [الآية: 28]. قال: يعني على الركب مستوفزين. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن عطاءِ بن السائب عن مقسم عن ابن عباس: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الآية: 29]. قال: يستنسخ الحفظة من أُم الكتاب ما يعمل بنو آدم. فإِنما يعمل الإِنسان على ما استنسخ له الملك من أُم الكتاب.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} [24] 506 - أخبرنا وهبُ بن بيانٍ، قال: حدثنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني أبو سلمة، قال: قال أبو هريرة: حديث : سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "قال اللهُ (تبارك وتعالى): يسُبُّ ابن آدم الدهر، وأنا الدهرُ، بيدي الليل والنهارُ ". تفسير : 507 - أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد، قال: حدَّثنا سفيان، عن الزُّهري، عن سعيدٍ، عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "حديث : لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدَّهر. قال الله (تعالى): يُؤذيني ابن آدم؛ يسبُ الدهر، وأنا/ الدهر، بيدي الخير؛ أُقلبُ اللَّيل والنَّهار ".
همام الصنعاني
تفسير : 2832- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ}: [الآية: 24]، قال: قال ذلك مشركوا قريش؛ قالوا: وما يهلكنا إلا الدهر يقولون: إلاَّ العمر. 2833- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله يقول: لاَ يَقُولَنَّ أحَدكُم يا خيبة الدهر مرتين، فإني أنا الدهر أُقَلِّبَ ليلَه ونَهَارَه؛ فإذا شِئْتُ قَبْضتُهما ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):