٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
25
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي وإذ تُقرأ على هؤلاء المشركين آياتنا المنزلة في جواز البعث لم يكن ثَمَّ دَفْعٌ {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ} «حُجَّتَهُمْ» خبر كان، والاْسم «إِلاَّ أَنْ قَالُوا ٱئْتُوا بِآبَائِنَا» الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون؛ فردّ الله عليهم بقوله: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ} يعني بعد كونكم نُطَفاً أمواتاً {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} كما أحياكم في الدنيا. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الله يعيدهم كما بدأهم. الزمخشري: فإن قلت لم سمى قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت: لأنهم أدْلَوْا به كما يُدْلِي المحتج بحجته، وساقوه مساقها فسُمّيت حجة على سبيل التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه في أسلوب قوله:شعر : تَحِيَّةٌ بينهم ضَرْبٌ وَجيعُ تفسير : كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد نفي أن تكون لهم حجة ألْبَتَّةَ. فإن قلت: كيف وقع قوله: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ} جواب {ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} قلت: لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أن ما قالوه قول مُبَكّت ألزموا ما هم مقرّون به من أن الله عز وجل هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضُمّ إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغَوْا إلى داعي الحق وهو جمعهم يوم القيامة، ومن كان قادراً على ذلك كان قادراً على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا } من القرآن الدالة على قدرتنا على البعث {بَيّنَٰتٍ } واضحات حال {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِئَابَائِنَا } أحياء {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } أنا نبعث.
ابن عطية
تفسير : الضمير في: {عليهم} عائد على كفار قريش. والآيات: هي آيات القرآن وحروفه بقرينة قوله: {تتلى} وعابت هذه الآية سوء مقاولتهم، وأنهم جعلوا بدل الحجة التمني المتشطط والطلب لما قد حتم الله أن لا يكون إلا إلى أجل مسمى. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن عامر فيما روى عنه عبد الحميد، وعاصم فيما روى هارون وحسين عن أبي بكر عنه "حجتُهم" بالرفع على اسم {كان} والخبر في {أن}. وقرأ جمهور الناس "حجتَهم" بالنصب على مقدم واسم {كان} في {أن}. وكان بعض قريش قد قال: أحي لنا قصياً فإنه كان شيخ صدق حتى نسأله، إلى غير ذلك من هذا النحو، فنزلت الآية في ذلك، وقالوا لمحمد عليه السلام: {ائتوا} من حيث المخاطبة له، والمراد هو وإلهه والملك الوسيط الذي ذكر هولهم، فجاء من ذلك جملة قيل لها {ائتوا} و {إن كنتم}. ثم أمر تعالى نبيه أن يخبرهم بالحال السالفة في علم الله التي لا تبدل، وهي أنه يحيي الخلق ويميتهم بعد ذلك ويحشرهم بعد إماتتهم {إلى يوم القيامة}. وقوله: {لا ريب فيه} أي في نفسه وذاته. والأكثر الذي لا يعلم هم الكفار والأكثر هنا على بابه. وقوله تعالى: {ويوم تقوم الساعة} قالت فرقة: العامل في: {يوم} قوله: {يخسر} وجاء قوله: {يومئذ} بدلاً مؤكداً. وقالت فرقة: العامل في: {يوم} فعل يدل عليه الملك، وذلك أن يوم القيامة حال ثالثة ليست بالسماء ولا بالأرض، لأن ذلك يتبدل، فكأنه قال: {ولله ملك السماوات والأرض} والملك يوم القيامة، وينفرد {يخسر} بالعمل في قوله: {يومئذ} و: {المبطلون} الداخلون في الباطل. وقوله تعالى: {وترى كل أمة جاثية كل أمة} وصف حال القيامة وهولها. والأمة: الجماعة العظيمة من الناس التي قد جمعها معنى أو وصف شامل لها. وقال مجاهد: الأمة: الواحد من الناس، وهذا قلق في اللغة، وإن قيل في إبراهيم عليه السلام أمة، وقالها النبي عليه السلام في قس بن ساعدة فذلك تجوز على جهة التشريف والتشبيه. و: {جاثية} معناه على الركب، قاله مجاهد والضحاك، وهي هيئة المذنب الخائف المعظم، وفي الحديث: "حديث : فجثا عمر على ركبتيه". تفسير : وقال سلمان: في القيامة ساعة قدر عشر سنين يخر الجميع فيها جثاة على الركب. وقرأ جمهور الناس: "كلُّ أمة" بالرفع على الابتداء. وقرأ يعقوب الحضرمي: "كلَّ أمة تدعى" بالنصب على البدل من "كل" الأولى، إذ في "كل" الثانية إيضاح موجب الجثو. وقرأ الأعمش: "وترى كل أمة جاثية تدعى" بإسقاط {كل أمة} الثاني. واختلف المتأولون في قوله: {إلى كتابها} فقالت فرقة: أراد {إلى كتابها} المنزل عليها فتحاكم إليه هل وافقته أو خالفته. وقالت فرقة: أراد {إلى كتابها} الذي كتبته الحفظة على كل واحد من الأمة، فباجتماع ذلك قيل له {كتابها}، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره: يقال لهم اليوم تجزون. وقوله تعالى: {هذا كتابنا} يحتمل أن تكون الإشارة إلى الكتب المنزلة أو إلى اللوح المحفوظ، قال مجاهد ومقاتل: يشهد بما سبق فيه من سعادة أو شقاء، أو تكون الكتب الحفظة وقال ابن قتيبة هي إلى القرآن. واختلف الناس في قوله تعالى: {نستنسخ} فقالت فرقة معناه: نكتب وحقيقة النسخ وإن كانت أن تنقل خط من أصل ينظر فيه، فإن أعمال العباد هي في هذا التأويل كالأصل، فالمعنى: إنا كنا نقيد كل ما عملتم. قال الحسن: هو كتب الحفظة على بني آدم. وروى ابن عباس وغيره حديثاً أن الله تعالى يأمر بعرض أعمال العباد كل يوم خميس فينقل من الصحف التي رفع الحفظة كل ما هو معد أن يكون عليه ثواب أوعقاب ويلغى الباقي. قالت هذه الفرقة: فهذا هو النسخ من أصل. وقال ابن عباس أيضاً: معنى الآية أن الله تعالى يجعل الحفظة تنسخ من اللوح المحفوظ كل ما يفعل العباد ثم يمسكونه عندهم، فتأتي أفعال العباد علىنحو ذلك فتقيد أيضاً، فذلك هو الاستنساخ.. وكان ابن عباس يقول: ألستم عرباً؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل.
النسفي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا} أي القرآن يعني ما فيه من ذكر البعث {بَيِّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } وسمى قولهم حجة وإن لم يكن حجة لأنه في زعمهم حجة {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِأَبَآءِنَا} أي أحيوهم. {ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في دعوى البعث، و {حُجَّتَهُمْ } خبر «كان» واسمها {أَن قَالُواْ } والمعنى ما كان حجتهم إلا مقالتهم: {ٱئْتُواْ بِـئَابَائِنَا } وقرىء {حُجَّتَهُمْ } بالرفع على أنها اسم «كان» و {أَن قَالُواْ } الخبر. {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ } في الدنيا {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } فيها عند انتهاء أعماركم {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ } أي يبعثكم يوم القيامة جميعاً ومن كان قادراً على ذلك كان قادراً على الإتيان بآبائكم ضرورة {لاَ رَيْبَ فِيهِ } أي في الجمع {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } قدرة الله على البعث لإعراضهم عن التفكر في الدلائل {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } عامل النصب في {يَوْمٍ تَقُومُ } {يَخْسَرُ } و {يَوْمَئِذٍ } بدل من {يَوْمٍ تَقُومُ } {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } جالسة على الركب، يقال: جثا فلان يجثو إذا جلس على ركبتيه وقيل جاثية مجتمعة {كُـلُّ أُمَّةٍ } بالرفع على الابتداء {كُلَّ} بالفتح: يعقوب على الإبدال من {كُـلَّ أُمَّةٍ } {تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا } إلى صحائف أعمالها فاكتفى باسم الجنس فيقال لهم {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا. {هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا } أضيف الكتاب إليهم لملابسته إياهم لأن أعمالهم مثبتة فيه وإلى الله تعالى لأنه مالكه والآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال عباده {يَنطِقُ عَلَيْكُم } يشهد عليكم بما عملتم {بِٱلْحَقِّ} من غير زيادة ولا نقصان {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي نستكتب الملائكة أعمالكم. وقيل: نسخت واستنسخت بمعنى وليس ذلك بنقل من كتاب بل معناه نثبت {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ } جنته {ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوآ} فيقال لهم {أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } والمعنى ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم فحذف المعطوف عليه {فَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الإيمان بها {وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } كافرين {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ } بالجزاء {حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ } بالرفع عطف على محل «إن» واسمها. {وَٱلسَّاعَةُ }: حمزة عطف على {وَعَدَ ٱللَّهُ } {لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ } أي شيء الساعة {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } أصله نظن ظناً ومعناه إثبات الظن فحسب فأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن مع نفي ما سواه، وزيد نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ وَبَدَا لَهُمْ } ظهر لهؤلاء الكفار {سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } قبائح أعمالهم أو عقوبات أعمالهم السيئات كقوله: {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40] {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } ونزل بهم جزاء استهزائهم. {وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أي نترككم في العذاب كما تركتم عدة لقاء يومكم وهي الطاعة، وإضافة اللقاء إلى اليوم كإضافة المكر في قوله {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ }تفسير : [سبأ: 33] أي نسيتم لقاء الله تعالى في يومكم هذا ولقاء جزائه {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أي منزلكم {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّـٰصِرِينَ ذٰلِكُمْ } العذاب {بِأَنَّكُمُ } بسبب أنكم {ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } {لاَ يَخْرُجُونَ } حمزة وعلي {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه {فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين، فإن مثل هذه الربوبية العامة توجب الحمد والثناء على كل مربوب {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } وكبّروه فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته في السماوات والأرض {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } في انتقامه {ٱلْحَكِيمُ } في أحكامه.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَاتٍ} يعني: قريشاً، {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِـئَابَائِنَا} أي: يا محمَّد، أَحْيِ لنا قُصَيًّا حَتَّىٰ نَسْأَلَهُ، إلَىٰ غَيْرِ ذلك من هذا النحو، فنزلت الآية في ذلك، ومعنى {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: في قولكُمْ أَنَّا نُبْعَثُ بعد الموت. ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّه أنْ يخبرَهم بالحال السابقة في علم اللَّه التي لا تُبَدَّلُ بأَنَّه يحيي الخلق ثم يميتهم.... إلى آخر الآية،، وباقي الآية بَيِّنٌ. و{ٱلْمُبْطِلُونَ}: الداخلون في الباطل. وقوله سبحانه: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} هذا وصفُ حالِ القيامة وهولها، والأُمَّةُ: الجماعة العظيمة من الناس، وقال مجاهد: الأُمَّةُ: الواحد من الناس؛ قال * ع *: وهذا قلق في اللغة، وإنْ قيل في إبراهيمَ «أُمَّة» وفي قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ، فذلك تَجوُّزٌ على جهة التشريف والتشبيه، و{جَاثِيَةً} معناه: على الرُّكَب؛ قاله مجاهد وغيره، وهي هَيْئَة المُذْنِبِ الخَائِفِ، وقال سُلَيْمَانُ: في القيامة ساعَةٌ قَدْرُ عَشْرِ سنين، يَخِرُّ الجميعُ فيها جُثَاةً على الرُّكَبِ. وقوله: {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا} قالت فرقة: معناه: إلَىٰ كتابها المُنَزَّلِ عليها، فَتُحَالكَمُ إِليه، هل وافقته أو خالفته؟ وقالت فرقة: أراد إِلَىٰ كتابها الذي كتبته الحَفَظَةُ علَىٰ كل واحد من الأُمَّةِ. وقوله سبحانه: {هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا} يحتمل أنْ تكون الإشارة إلى الكتب المُنَزَّلَةِ، أو إلى اللوح المحفوظ أو إلى كُتُبِ الحَفَظَةِ؛ وقال ابن قُتَيْبَةَ: إلى القرآن. وقوله سبحانه: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} قال الحَسَنُ: هو كُتُبُ الحَفَظَةِ على بني آدمَ، وروى ابن عباس وغيره حديثاً؛ أَنَّ اللَّه تَعالى يَأْمُرُ بِعَرْضِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ كُلَّ يَوْمِ خَمِيسٍ، فَيُنْقَلُ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي كَانَتْ تَرَفَعُ الحَفَظَةَ ـــ كُلُّ مَا هُوَ مُعَدٌّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثَوَابٌ أَوْ عِقَابٌ، وَيُلْغَى البَاقِي؛ فهَذَا هُوَ النَّسْخُ من أَصْلٍ.
القشيري
تفسير : طلبوا إحياءَ موتاهم، وسوف يَرَوْن ما استبعدوا. ثم أخبر أنَّ مُلْكَ السماواتِ والأرضِ لله، وإذا أقام القيامةَ يُحْشَرُ أصحابُ البطلان، فإذا جاءهم يومُ الخصام: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً...}.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا تتلى عليهم} اى على منكرى البعث {آياتنا} الناطقة بالحق الذى من جملته البعث {بينات} واضحات الدلالة على ما نطقت او مبينات له نحو قوله تعالى {أية : قل يحييها الذى انشأها اول مرة} تفسير : وقوله {أية : ان الذى احياها لمحيى الموتى} تفسير : وغير ذلك {ما كان حجتهم} جواب اذا وبه استدل ابو حيان على ان العامل فى اذا ليس جوابها لان ما النافية لها صدر الكلام واعتذر عن عدم دخول الفاء فى الجواب بانها خالفت ادوات الشرط فى ذلك وحجتهم بالنصب على انه خبر كان اى ما كان متمسكاتهم بشئ من الاشياء يعارضونها به وبالفارسية نباشد حجت ايشان {الا ان قالوا} عنادا واقتراحا {ائتوا بآبائنا} بياريد بدران ما. يعنى احيوهم وابعثوهم من قبورهم {ان كنتم صادقين} فى انا نبعث بعد الموت وقد سبق فى سورة الدخان اى الا هذا القول الباطل الذى يستحيل ان يكون من قبيل الحجة لانها انما تطلق على الدليل القطعى وتسميته حجة اما لسوقهم اياه مساق الحجة على سبيل التهكم بهم او لتزيل النقابل منزلة لتناسب للمبالغة فاطلق اسم الحجة على ما ليس بحجة من قبيل (تحية بينهم ضرب وجميع} اى سماء حجة لبيان انهم لا حجة لهم البتة لان من كانت حجته هذا لا يكون له حجة البتة كما ان من ابتدأ بالضرب الوجيع فى اول التلاقى لا يكون بينهم تحية البتة ولا يقصد بهذا الاسلوب الا هذا المعنى كأنه قيل ما كان حجتهم الا ما ليس بحجة
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} واضحات الدّلالات او موضحات لصدق الآتى بها وموضحات لحالهم الّتى هم عليها {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} فى المعارضة مع الرّسول وفى انكار تلك الآيات {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يعنى علّقوا علامة صدقهم على الاتيان بالمحال بحسب العادة.
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} آيات القرآن* {بَيِّنَاتٍ} حال من آياتنا أي واضحات الدلالة على ما يخالف اعتقادهم قيل: أو مبينات له وجواب اذا محذوف أي عمدوا الى الحجج الباطلة. قاله ابن هشام. {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلآَّ أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} لعدم قرنه بالفاء مع وجود ما النافية وقال الرضي: يجوز خلو جواب (اذا) من الفاء لعدم عراقتها في الشرطية وقال بعض: بحذف الفاء ورد بأن حذفها يختص بالضرورة على الصحيح وقيل: جوابها قسم محذوف وجوابه الذي هو قوله {مَّا كَانَ} الخ أي فوالله ما كان وقيل: يقدر قيل: (اذا) وما بعدها جوابه والمجموع دليل جوابها فاذا علقت بجوابها لم يرد انما العدد لها باتفاق كما قيل فان فيها خلافاً ولانه لا صدر لما وقع في جواب (اذا) عند من يعلقها به. وقال ابن الحاجب: خارجة عن الشرط متعلقة بكان ولا جواب لها وحجتهم بالنصب خبر كان وان قالوا اسمها وقرئ برفع (حجة) على انه الاسم وان قالوا خبرها وهو لغير السبعة وهو ضعيف لأن ان وان المقدرتين بمصدر معرف يحكم لهما بحكم الضمير لانه لا يوصف ذلك المصدر كما لا يوصف الضمير والاخبار بالضمير عما دونه في التعريف ضعيف. قاله ابن هشام ورد بأن كونه لا يوصف لا يقتضي تنزيله منزلة الضمير والمقدرتان بمصدر منكر كذلك ينزل مصدرهما منزلة الضمير نحو أعجبني أن قام رجل والمقدر بمصدر مضاف لمعرفة غير ضمير كذلك وحرف المصدر غير ان وان مثلها وسمي قولهم حجة لانهم احتجوا به كما يحتج بالقول الصحيح أو تهكماً أو لهما معاً أو لكونه حجة في زعمهم. قال الزمخشرى: أو لانه في أسلوب قولهم تحية بينهم ضرب وجيع كأنه قيل ما كان حجتهم الا ما ليس بحجة والمراد نفي أن يكون لهم حجة البتة وقوله كأنه الخ غير مختص بالاحتمال الآخر فافهم والمراد بالصدق الصدق في البعث وحجتهم داحضة لانه لا يلزم من عدم اتيان النبى ومن معه بالآباء في الدنيا عدم البعث مطلقاً ادعوا ان ذلك حجة مبكتة فأجاب الله بقوله* {قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ}
اطفيش
تفسير : {وإذا تُتْلى} تقرأ {عليهم آياتنا بيناتٍ} فى مخالفة معتقدهم {ما كان حجتُهُم} خبر كان مقدم واسمها المصدر من قوله: {إلاَّ أنْ قالُوا} إلا قولهم، حصر قولهم فى الحجة كما تقول فى الاثبات: قائم زيد، فتحضر المتأخر فى المتقدم، وتسمية قولهم الذى ذكر الله عز وجل عنهم بقوله: {إلاَّ أنْ قالوا} {ائتوا بآبائنا} أى الذين ماتوا {إنْ كُنْتم صادقين} حجة مجاز لسوقهم إياه مساق الحجة، وتهكم بهم، أو معناه ما كان حجة لهم إلا ما ليس حجة، والمراد نفى أن تكون لهم حجة، والخطاب فى ائتوا للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، او له صلى الله عليه وسلم والانبياء تغليبا لخطابه صلى الله عليه وسلم على غيبتهم، وقيل: الخطاب له صلى الله عليه وسلم، ولجبريل الذى يأتيه بالبعث، ولله تعالى، وجواب اذا يجوز أن لا يقرن بالفاء إذا تصدر بما النافية، ولذلك لم يقل فما كان كذا، قالوا: والظاهر أن يقدر لها جواب أى عمدوا الى الحجج الباطلة.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا } الناطقة بالحق الذي من جملته البعث {بَيّنَـٰتٍ } واضحات الدلالة على ما نطقت به مما يخالف معتقدهم أو مبينات له {ما كان حجتهم} بالنصب على أنه خبر {كان} واسمها قوله تعالى: {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي في أنا نبعث بعد الموت أي ما كان متمسكاً لهم شيء من الأشياء إلا هذا القول الباطل الذي يستحيل أن يكون حجة. وتسميته حجة لسوقهم إياه مساق الحجة على سبيل التهكم بهم أو أنه من قبيل:شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : أي ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد نفي أن يكون لهم حجة فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالاً كإعادة آبائهم التي طلبوها في الدنيا امتناعه بعد لتمتنع الإعادة إذا قامت القيامة. والخطاب في {ٱئْتُواْ} و {كُنتُمْ } للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين إذ هم قائلون بمقالته صلى الله عليه وسلم من البعث طالبون من الكفرة الإقرار به، وجوز أن يكون له عليه الصلاة والسلام وللأنبياء عليهم السلام الجائين بالبعث وغلب الخطاب على الغيبة. وقال ابن عطية: {ٱئْتُواْ} و {كُنتُمْ } من حيث المخاطبة له صلى الله عليه وسلم والمراد هو وإلهه والملك الذي يذكر عليه الصلاة والسلام نزوله عليه بذلك وهو جبريل عليه السلام، وهو كما ترى. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن عامر فيما روى عنه عبد الحميد وعاصم فيما روى هارون وحسين عن أبـي بكر عنه {حجتهم} بالرفع على أنه اسم (كان) وما بعد خبر أي ما كان حجتهم شيئاً من الأشياء إلا هذا القول الباطل، وجواب {إِذَا } (ما كان) الخ، ولم تقترن بالفاء وإن كانت لازمة في المنفى بما إذا وقعت جواب الشرط لأنها غير جازمة ولا أصلية في الشرطية، وهو سر قول أبـي حيان: ((إن إذا خالفت أدوات الشرط بأن جوابها إذا كان / منفياً بما لم تدخل الفاء بخلاف أدوات الشرط فلا بد معها من الفاء نحو إن تزرنا فما جفوتنا)) فلا حاجة إلى تقدير جواب لها كعمدوا إلى الحجج الباطلة خلافاً لابن هشام. واسْتَدَلَّ بوقوع ما ذكر جواباً على أن العمل في إذا ليس للجواب لصدارة ما المانعة منه ولا قائل بالفرق، ولعل من قال بالعمل يقول يتوسع في الظرف ما لم يتوسع في غيره، ثم إن المعنى على الاستقبال لمكان {إِذَا } أي ما تكون حجتهم إلا أن يقولوا ذلك.
ابن عاشور
تفسير : عطف على { أية : وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون } تفسير : [الجاثية: 24]، أي عقدوا على عقيدة أن لا حياة بعد الممات استناداً للأوهام والأقيسة الخيالية. وإذا تليت عليهم آيات القرآن الواضحة الدلالة على إمكان البعث وعلى لزومه لم يعارضوها بما يبطلها بل يهرعون إلى المباهتة فيقولون إن كان البعث حقاً فأتوا بآبائنا إن صدقتم. فالمراد بالآيات آيات القرآن المتعلقة بالبعث بدليل ما قبل الكلام وما بعده. وفي قوله: {ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا} تسجيل عليهم بالتلجلج عن الحجة البينة، والمصيرِ إلى سلاح العاجز من المكابرة والخروج عن دائرة البحث. والخطاب بفعل {ائتوا} مُوجّهٌ للمؤمنين بدخول الرسول صلى الله عليه وسلم و{إلا أن قالوا} استثناء من حجتهم وهو يقتضي تسمية كلامهم هذا حجة وهو ليس بحجة إذ هو بالبهتان أشبه فإمّا أن يكون إطلاق اسم الحجة عليه على سبيل التهكم بهم كقول عمرو بن كلثوم: شعر : قريناكم فعجلنا قِراكم قبيل الصبح مِرْداة طحونَا تفسير : فسمى القتل قرى، وعلى هذا يكون الاستثناء في قوله: {إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا} استثناء متصلاً تهكماً، وإمّا أن يكون إطلاق اسم الحجة على كلامهم جرى على اعتقادهم وتقديرهم دونَ قَصد تهكّم بهم، أي أتوا بما توهموه حجّة فيكون الإطلاق استعارة صورية والاستثناء على هذا متصل أيضاً. وإما أن يكون الإطلاق استعارة بعلاقة الضدية فيكون مجازاً مرسلاً بتنزيل التضاد منزلة التناسب على قصد التهكم فيكون المعنى أن لا حجة لهم البتة إذ لا حجة لهم إلا هذه، وهذه ليست بحجة بل هي عناد فيحصل أن لا حجة لهم بطريق التمليح والكناية كَقَول جِرَانِ العَوْدِ: شعر : وبلدةٍ ليس بها أنيس إلا اليَعافيرُ وإلا العِيس تفسير : أي لا أنس بها البتة. ويقدر قوله: {أن قالوا ائتوا بآبائنا} في محل رفع بالاستثناء المفرغ على الاعتبارات الثلاثة فهو اسم {كان} و{حجتهم} خبرها لأن حجتهم منصوب في قراءة جميع القراءات المشهورة. وتقديم خبر {كان} على اسمها لأن اسمها محصور بــ{إلاّ} فحقه التأخير عن الخبر. (26) {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. تلقين لإبطال قولهم { أية : وما يهلكنا إلا الدهر } تفسير : [الجاثية: 24] يتضمن إبطال قولهم { أية : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونَحْيا } تفسير : [الجاثية: 24]. والمقصود منه قوله: {ثم يميتكم} وإنما قدم عليه {يحييكم} توطئة له، أي كما هو أوجدكم هو يميتكم لا الدهر، فتقديم اسم الله على المسند الفعلي وهو {يحييكم ثم يميتكم} يفيد تخصيص الإحياء والإماتة به لإبطال قولهم، إن الدهر هو الذي يميتهم. وقوله: {ثم يجمعكم إلى يوم القيامة} إبطال لقولهم: { أية : ما هي إلا حياتنا الدنيا } تفسير : [الجاثية: 24] وليس هو إبطالاً بطريق الاستدلال لأن أدلة هذا تكررت فيما نزل من القرآن فاستغني عن تفصيلها ولكنه إبطال بطريق الإجمال والمعارضة. وقوله: {لا ريب فيه} حال من {يوم القيامة}، أي لا ريب في وجوده بما يقتضيه من إحياء الأموات، ومعنى نفي الريب فيه أنه حقيقة الريب وهي التي تتقوم من دلائل تُفضي إلى الشك منتفية عن قضية وقوع يوم القيامة بكثرة الدلائل الدالة على إمكانه وعلى أنه بالنسبة لقدرة الله ليس أعجب من بدء الخلق، وأن الله أخبر عن وقوعه فوجب القطع بوقوعه. فكان الشك فيه جديراً بالاقتلاع فكأنه معدوم. وهذا كما حديث : قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الكهان«ليسوا بشيء» تفسير : مع أنهم موجودون فأراد أنهم ليسوا بشيء حقيق، وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ذلك الكتاب لا ريب فيه } تفسير : في سورة البقرة (2). وعُطف {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} على قوله: {لا ريب فيه} أي ولكن ارتياب كثير من الناس فيه لأنهم لا يعلمون دلائل وقوعه.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتُنَا} {بَيِّنَاتٍ} {بِآبَآئِنَآ} {صَادِقِينَ} (25) - وَإِذا قُرِئَتْ عَلَى هؤلاءِ المُشْرِكِينَ آيَاتُ القُرآنِ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ البَعْثَ حَقٌّ، وأَنَّ الله سَيُعِيدُ خَلْقَ العِبَادِ يَوْمَ القِيَامَةِ لِيُحَاسِبَهُم عَلَى أعْمالِهِمْ، وَأَنَّهُ تَعَالى قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ الأَبدَانِ بَعْدَ فَنَائِها إِلى مَا كَانَتْ عَلَيهِ، فإِنَّ هؤُلاءِ المُشْرِكِينَ لاَ يَجِدُونَ حُجَّةً يَدْحَضُونَ بِها ذلِكَ إِلاَّ قَوْلَهُمْ: إِذَا كَانَ مَا تَقُولُونَهُ حَقّاً، فَابعَثُوا لَنَا آباءَنا الأَوَّلِينَ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَأَعِيدُوهُمْ إِلى الحَيَاةِ حَتَّى نُصَدِّقَ مَا تَقُولُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : لم تستقم للكافرين حجة واحدة، بل كانت لهم حجج كثيرة يسوقونها للتملص من الإيمان بالله ورسوله وقرآنه، لذلك نجدهم عندما تُتلى عليهم آيات الله أي: آيات القرآن نجد لهم حججاً كثيرة متنوعة. يقول تعالى: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا ..}تفسير : [الأنفال: 31]. وفي آية أخرى يقول: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ ..}تفسير : [يونس: 15]. فهم يطلبون طلبين. الطلب الأول: يريدون قرآناً غير الذي أنزله الله. والطلب الثاني: أنهم يريدون تبديل آية مكان آية. وهم قد طلبوا حذف الآيات التى تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات التي تتوعدهم بسوء المصير. وكما طعنوا في القرآن وأرادوا تبديله وتغييره طعنوا في رسول الله الذي أُنزل عليه هذا القرآن، فقالوا: {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [سبأ: 43]. حجج تتلوها حجج، ومقصدهم أن لا يؤمنوا، وهم يعلمون أن كل حججهم ساقطة لا أساس لها، وقد يسأل سائل: إذا كان الله يسوق حججهم في عدة أيات من قرآنه. فلماذا يقول في آية سورة الجاثية: {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ ..} [الجاثية: 25]. فلماذا حصر حجتهم هنا بـ (ما كان) و(إلا)؟ ولو تأملنا كل الحجج السابقة سنجدها مجرد (تلاكيك) لأنْ لا يؤمنوا، ولكن حجتهم الرئيسية التي كانت أصيلة فيهم وفي تفكيرهم هي أنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث بعد الموت. لذلك قال الله تعالى: {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ ..} [الجاثية: 25]. وقد قال الحق سبحانه: {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا ٱلأُوْلَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}تفسير : [الدخان: 34-36]. وكان منهم من أمسك عظاماً بالية في يده وفركها حتى أصبحت رماداً ويتطاير {أية : وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}تفسير : [الإسراء: 49]. لقد كانوا يستبعدون البعث بعد الموت، لأنهم غفلوا عن بداية الوجود وبداية خلق الإنسان، ولو أحصينا تعداد العالم لوجدناه يتزايد في الاستقبال ويقل في الماضي، وهكذا إلى أن نصل بأصل الإنسان إلى الأصل الأصيل وهو آدم وحواء، فمن أين أتيا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية كان لا بد أن يفكروا فيها. ولقد رد عليهم القرآن إنكارهم للبعث وقولهم: {أية : أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً}تفسير : [الإسراء: 49] بقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ ٱللَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}تفسير : [يونس: 34]. إن الله سبحانه هو وحده القادر على ذلك، فكيف تقلبون الحقائق لأنكم تعرفون الواقع وتُكذِّبونه كذباً متعمداً؟ هؤلاء {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا ..} [الجاثية: 25] أي: إذا تُتْلى عليهم آيات القرآن (بينات) واضحات الدلالة. {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ ..} [الجاثية: 25] يعني: لم يجدوا حجة يحتجون بها على عنادهم وإنكارهم {إِلاَّ أَن قَالُواْ ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ ..} [الجاثية: 25] أي: الذين ماتوا إن كنتم صادقين. وهذا طلب يدل على إفلاسهم وعنادهم، فليس عندهم منطق ولا حجة تبرر هذا العناد. لذلك ردَّ الله عليهم بقوله: {قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من نهاية جهلهم وغفلتهم عن الله وعن مقتضى ألوهيته وربوبيته {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا} الدالة على كمال تربيتنا إياهم مع كونها {بَيِّنَاتٍ} مبينات لهم طريق الهداية والرشاد، منبهات لهم إلى معياد المعاد {مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ} حين سمعوها {إِلاَّ أَن قَالُواْ} على سبيل الإنكار والاستبعاد {ٱئْتُواْ بِآبَآئِنَآ} وأسلافنا الذين مضوا وانقرضوا أحياء كما كانوا {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية: 25] في دعوى الحشر والنشر والميعاد الجسماني. وبعدما أعرضوا عن الحق وانصرفوا عن الآيات البينات، وتشبثوا بأمثال هذه الحجج الواهية: {قُلِ} لهم يا أكمل الرسل كلاماً يحرك سلسلة حميتهم الفطرية، ومحبتهم الجبلية لو ساعدهم التوفيق والعناية من عندنا: {ٱللَّهُ} المظهر للكل، المحيط به، المتصرف فيه على الإطلاق بالاختيار والاستحقاق {يُحْيِيكُمْ} ويبعثكم في النشأة الأخرى كما أوجدكم وأظهركم من كتم العدم أولاً في النشأة الأولى، يبسط ظله عليكم {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} ويعدمكم بقبضه عنكم {ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ} أي: أنتم ومن انقرض من آبائكم {إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ} الذي {لاَ رَيْبَ فِيهِ} وفي وقوع ما فيه من الحساب والجزاء والسؤال والصراط والجنة والنار وسائر المعتقدات الأخروية {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على الكفران والنسيان {لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 26] وقوعه وقيامه، بل ينكرون عليه لاعتيادهم بالأمور الحسية، وقصورهم عن مدركات الكشف والشهود. {وَ} كيف ينكرون جمع الله عباده في النشأة الأخرى؛ إذ {لِلَّهِ} المتوحد في الألوهية والربوبية {مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وملكوتهما، وله التصرف المطابق في ملكه وملكوته بالاستقلال، إرادة واختياراً {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ} المعدة للحشر والجزاء {يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ} [الجاثية: 27] المنكرون حين يشهدون ربح المحقين المؤمنين بقيام الساعة، وبحقية جميع ما فيها من الوعد والوعيد. {وَتَرَىٰ} أيها المعتبر الرائي حين تقوم الساعة ويحشر الناس إلى الحشر للحساب {كُلَّ أُمَّةٍ} من الأمم {جَاثِيَةً} أي: كل فرد من أفراد الأمم {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا} بين يدي الله إلى صحيفة أعمالها التي كتب فيها جميع أحوالها وأفعالها الكائنة الحاصلة منها في النشأة الأولى، فيقال لهم حينئذ: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ} كل منكم {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 28] في نشأتكم الأولى، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وبالجملة: {هَـٰذَا كِتَابُنَا} الذي فصلنا فيه أعمال كل منكم {يَنطِقُ عَلَيْكُم} وذكركم {بِٱلْحَقِّ} على الوجه الذي صدر عنكم بلا زيادة ولا نقصان {إِنَّا} بعدما كلفناكم على امتثال أوامرنا، والاجتناب عما نهيناكم عنه {كُنَّا نَسْتَنسِخُ} ونأمر الملائكة الموكلين عليكم، المراقبين لأحوالكم وأعمالكم أن يكتبوا جميع {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29] أي: أعمالكم حسناتها وسيئاتها، صغائرها وكبائرها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):