٤٥ - ٱلْجَاثِيَة
45 - Al-Jathiya (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
27
Tafseer
الرازي
تفسير : واعلم أنه تعالى لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الأولى، وعلى كونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عمم الدليل فقال: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي لله القدرة على جميع الممكنات سواء كانت من السموات أو من الأرض، وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كل الممكنات، وثبت أن حصول الحياة في هذه الذات ممكن، إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بيّن تعالى إمكان القول بالحشر والنشر بهذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوال القيامة فأولها: قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } وفيه أبحاث: البحث الأول: عامل النصب في يوم تقوم يخسر، ويومئذ بدل من يوم تقوم. البحث الثاني: قد ذكرنا في مواضع من هذا الكتاب أن الحياة والعقل والصحة كأنها رأس المال، والتصرف فيها لطلب سعادة الآخرة يجري مجرى تصرف التاجر في رأس المال لطلب الربح، والكفار قد أتعبوا أنفسهم في هذه التصرفات وما وجدوا منها إلا الحرمان والخذلان فكان ذلك في الحقيقة نهاية الخسران وثانيها: قوله تعالى: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } قال الليث الجثو الجلوس على الركب كما يجثى بين يدي الحاكم، قال الزجاج ومثله جذا يجذو، قال صاحب «الكشاف»: وقرىء جاذية، قال أهل اللغة والجذو أشد استيفازاً من الجثو، لأن الجاذي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وعن ابن عباس جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. ثم قال تعالى: {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا } على الابتداء وكل أمة على الإبدال من كل أمة، وقوله {إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا } أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفى باسم الجنس كقوله تعالى: { أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } تفسير : [الكهف: 49] والظاهر أنه يدخل فيه المؤمنون والكافرون لقوله تعالى بعد ذلك {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ }. ثم قال تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فإن قيل الجثو على الركبة إنما يليق بالخائف والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة، قلنا إن المحق الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة إلى أن يظهر كونه محقاً. ثم قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ } والتقدير يقال لهم اليوم تجزون، فإن قيل كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟ قلنا لا منافاة بين الأمرين لأنه كتابهم بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه {يَنطِقُ عَلَيْكُم } أي يشهد عليكم بما عملتم من غير زيادة ولا نقصان {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ } الملائكة {مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي نستكتبهم أعمالكم. ثم بيّن أحوال المطيعين فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر بعد وصفهم بالإيمان كونهم عاملين للصالحات، فوجب أن يكون عمل الصالحات مغايراً للإيمان زائداً عليه. المسألة الثانية: قالت المعتزلة علق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والأعمال الصالحة، والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عند عدم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة وجب أن لا يحصل الفوز بالجنة وجوابنا: أن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. المسألة الثالثة: سمى الثواب رحمة والرحمة إنما تصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم تكن واجبة، فوجب أن لا يكون الثواب واجباً على الله تعالى. ثم قال تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قسماً ثالثاً وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة إثبات المنزلتين باطل. المسألة الثانية: أنه تعالى علل أن استحقاق العقوبة بأن آياته تليت عليهم فاستكبروا عن قبولها، وهذا يدل على استحقاق العقوبة لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع، وذلك يدل على أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع، خلافاً لما يقوله المعتزلة من أن بعض الواجبات قد يجب بالعقل. المسألة الثالثة: جواب {أَمَّا } محذوف والتقدير: وأما الذين كفروا فيقال لهم: أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم عن قبول الحق وكنتم قوماً مجرمين فإن قالوا كيف يحسن وصف الكافر بكونه مجرماً في معرض الطعن فيه والذم له؟ قلنا معناه أنهم مع كونهم كفاراً ما كانوا عدولاً في أديان أنفسهم، بل كانوا فساقاً في ذلك الدين، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ} «يَوْمَ» الأوّل منصوب بـ «ـيَخْسَرُ» و «يَوْمَئِذٍ» تكرير للتأكيد أو بدل. وقيل: إن التقدير وله الملك يوم تقوم الساعة. والعامل في «يَوْمَئِذٍ» «يَخْسَر»، ومفعول «يَخسَرُ» محذوف؛ والمعنى يخسرون منازلهم في الجنة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة، ولهذا قال عز وجل: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ} أي: يوم القيامة {يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ} وهم الكافرون بالله، الجاحدون بما أنزله على رسله من الآيات البينات والدلائل الواضحات. وقال ابن أبي حاتم: قدم سفيان الثوري المدينة، فسمع المعافري يتكلم ببعض ما يضحك به الناس، فقال له: يا شيخ أما علمت أن لله تعالى يوماً يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تعرف في المعافري حتى لحق بالله تعالى، ذكره ابن أبي حاتم. ثم قال تعالى: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} أي: على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال: إن هذا إذا جيء بجهنم؛ فإنها تزفر زفرة، لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ويقول: نفسي نفسي نفسي! لا أسألك اليوم إلا نفسي. وحتى إن عيسى عليه الصلاة والسلام ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني! قال مجاهد وكعب الأحبار والحسن البصري: {كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} أي: على الركب. وقال عكرمة: جاثية متميزة على ناحيتها، وليس على الركب، والأول أولى. قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد ابن عبد الله بن يزيد المقرىء، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبد الله بن باباه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم» تفسير : وقال إسماعيل بن أبي رافع المدني عن محمد بن كعب عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعاً في حديث الصور: «حديث : فيتميز الناس، وتجثو الأمم، وهي التي يقول الله تعالى: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا}» تفسير : وهذا فيه جمع بين القولين، ولا منافاة، والله أعلم. وقوله عز وجل: {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا} يعني: كتاب أعمالها؛ كقوله جل جلاله: {وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ وَجِـىءَ بِٱلنَّبِيِّيْنَ وَٱلشُّهَدَآءِ} ولهذا قال سبحانه وتعالى: {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: تجازون بأعمالكم؛ خيرها وشرها؛ كقوله عز وجل: {أية : يُنَبَّأُ ٱلإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ ٱلإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ } تفسير : [القيامة: 13 ــــ 15] ولهذا قال جلت عظمته: {هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} أي: يستحضر جميع أعمالكم، من غير زيادة ولا نقص؛ كقوله جل جلاله: {أية : وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَا لِهَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} تفسير : [الكهف: 49] وقوله عز وجل: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي: إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم. قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما كتبه الله في القدم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفاً، ولا ينقص حرفاً، ثم قرأ {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } يبدل منه {يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } الكافرون أي يظهر خسرانهم بأن يصيروا إلى النار.
الشوكاني
تفسير : لما ذكر سبحانه ما احتج به المشركون، وما أجاب به عليهم ذكر اختصاصه بالملك، فقال: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي: هو المتصرف فيهما وحده لا يشاركه أحد من عباده، ثم توعد أهل الباطل، فقال: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } أي: المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل يظهر في ذلك اليوم خسرانهم؛ لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل في {يوم} هو {يخسر}، و{يومئذ} بدل منه، والتنوين للعوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه، فيكون التقدير: ويوم تقوم الساعة يوم تقوم الساعة، فيكون بدلاً توكيدياً، والأولى أن يكون العامل في يوم هو ملك، أي: ولله ملك يوم تقوم الساعة؛ ويكون يومئذ معمولاً؛ لـ {يخسر} {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } الخطاب لكل من يصلح له، أو للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والأمة: الملة، ومعنى جاثية: مستوفزة، والمستوفز: الذي لا يصيب الأرض منه إلاّ ركبتاه وأطراف أنامله، وذلك عند الحساب. وقيل معنى جاثية: مجتمعة، قال الفراء: المعنى وترى أهل كلّ ذي دين مجتمعين. وقال عكرمة: متميزة عن غيرها. وقال مؤرج: معناه بلغة قريش: خاضعة. وقال الحسن: باركة على الركب، والجثو: الجلوس على الركب، تقول: جثا يجثو ويجثي جثواً وجثياً: إذا جلس على ركبتيه، والأوّل أولى. ولا ينافيه ورود هذا اللفظ لمعنى آخر في لسان العرب. وقد ورد إطلاق الجثوة على الجماعة من كل شيء في لغة العرب، ومنه قول طرفة يصف قبرين:شعر : ترى جثوتين من تراب عليهما صفائح صمّ من صفائح منضد تفسير : وظاهر الآية أن هذه الصفة تكون لكل أمة من الأمم من غير فرق بين أهل الأديان المتبعين للرسل، وغيرهم من أهل الشرك. وقال يحيـى بن سلام: هو خاصّ بالكفار، والأوّل أولى. ويؤيده قوله: {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا }، ولقوله فيما سيأتي {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}. ومعنى {إلى كتابها}: إلى الكتاب المنزّل عليها، وقيل: إلى صحيفة أعمالها، وقيل: إلى حسابها، وقيل: اللوح المحفوظ، والأوّل أولى. قرأ الجمهور {كل أمة} بالرفع على الابتداء، وخبره: {تدعى}، وقرأ يعقوب الحضرمي بالنصب على البدل من {كل أمة}. {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي يقال لهم: اليوم تجزون ما كنتم تعملون من خير وشرّ. {هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ } هذا من تمام ما يقال لهم، والقائل بهذا: هم الملائكة وقيل: هو من قول الله سبحانه، أي: يشهد عليكم، وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا، أي: بيّن، وقيل: إنهم يقرءونه فيذكرون ما عملوا، فكأنه ينطق عليهم بالحق الذي لا زيادة فيه، ولا نقصان، ومحل {ينطق} النصب على الحال، أو الرفع على أنه خبر آخر لاسم الإشارة، وجملة: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للنطق بالحقّ، أي: نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم، أي: بكتبها، وتثبيتها عليكم. قال الواحدي: وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون ذلك موافقاً لما يعملونه، قالوا: لأن الاستنساخ لا يكون إلاّ من أصل. وقيل المعنى: نأمر الملائكة بنسخ ما كنتم تعملون. وقيل: إن الملائكة تكتب كل يوم ما يعمله العبد، فإذا رجعوا إلى مكانهم نسخوا منه الحسنات والسيئات، وتركوا المباحات. وقيل: إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله سبحانه أمر عزّ وجلّ أن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط منها ما لا ثواب فيه ولا عقاب. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ } أي: الجنة، وهذا تفصيل لحال الفريقين، فالمؤمنون يدخلهم الله برحمته الجنة {ذٰلِكَ } أي: الإدخال في رحمته {هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ } أي: الظاهر الواضح {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ } أي: فيقال لهم ذلك، وهو استفهام توبيخ؛ لأن الرسل قد أتتهم وتلت عليهم آيات الله، فكذبوها ولم يعملوا بها {فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } أي: تكبرتم عن قبولها، وعن الإيمان بها، وكنتم من أهل الإجرام، وهي الآثام، والاجترام الاكتساب، يقال: فلان جريمة أهله: إذا كان كاسبهم، فالمجرم من كسب الآثام بفعل المعاصي {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي: وعده بالبعث والحساب، أو بجميع ما وعد به من الأمور المستقبلة واقع لا محالة {وَٱلسَّاعَةُ } أي: القيامة {لاَ رَيْبَ فِيهَا } أي: في وقوعها. قرأ الجمهور {والساعة} بالرفع على الابتداء، أو العطف على موضع اسم إن، وقرأ حمزة بالنصب عطفاً على اسم إن {قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ } أي: أيّ شيء هي؟ {إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } أي: نحدس حدساً ونتوهم توهماً. قال المبرد: تقديره: إن نحن إلاّ نظن ظناً، وقيل التقدير: إن نظنّ إلاّ أنكم تظنون ظناً، وقيل: إن نظنّ مضمن معنى نعتقد، أي: ما نعتقد إلاّ ظناً لا علماً، وقيل: إن ظناً له صفة مقدّرة، أي: إلاّ ظناً بيناً، وقيل: إن الظنّ يكون بمعنى العلم والشكّ، فكأنهم قالوا: ما لنا اعتقاد إلاّ الشك {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أي: لم يكن لنا يقين بذلك، ولم يكن معنا إلاّ مجرّد الظنّ أن الساعة آتية. {وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَـٰتُ مَا عَمِلُواْ } أي: ظهر لهم سيئات أعمالهم على الصورة التي هي عليها {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي: أحاط بهم، ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولهم النار {وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } أي: نترككم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم، وأضاف اللقاء إلى اليوم توسعاً؛ لأنه أضاف إلى الشيء ما هو واقع فيه {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ } أي: مسكنكم ومستقرّكم الذين تأوون إليه {وَمَا لَكُمْ مّن نَّـٰصِرِينَ } ينصرونكم فيمنعون عنكم العذاب {ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً } أي: ذلكم العذاب بسبب أنكم اتخذتم القرآن هزواً ولعباً {وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } أي: خدعتكم بزخارفها وأباطيلها، فظننتم أنه لا دار غيرها، ولا بعث ولا نشور {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } أي: من النار. قرأ الجمهور: {يخرجون} بضم الياء. وفتح الراء مبنياً للمفعول، وقرأ حمزة، والكسائي بفتح الياء وضمّ الراء مبنياً للفاعل، والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لتحقيرهم {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } أي: لا يسترضون، ويطلب منهم الرجوع إلى طاعة الله؛ لأنه يوم لا تقبل فيه توبة، ولا تنفع فيه معذرة {فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَرَبّ ٱلأرْضِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } لا يستحقّ الحمد سواه. قرأ الجمهور {ربّ} في المواضع الثلاثة بالجرّ على الصفة للاسم الشريف. وقرأ مجاهد، وحميد، وابن محيصن بالرفع في الثلاثة على تقدير مبتدأ، أي: هو ربّ السمٰوات إلخ {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَاء فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} أي: الجلال والعظمة والسلطان، وخصّ السمٰوات والأرض لظهور ذلك فيهما {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } أي: العزيز في سلطانه، فلا يغالبه مغالب، الحكيم في كل أفعاله وأقواله وجميع أقضيته. وقد أخرج سعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن عبد الله بن باباه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين »تفسير : . ثم قرأ سفيان (ويرى كل أمة جاثية) وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر في قوله: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } قال: كل أمة مع نبيها حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم على كوم قد علا الخلائق، فذلك المقام المحمود. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ } قال: هو أمّ الكتاب فيه أعمال بني آدم {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } قال: هم الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه بمعناه مطوّلاً، فقام رجل فقال: يا ابن عباس، ما كنا نرى هذا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة، فقال ابن عباس: إنكم لستم قوماً عرباً {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } هل يستنسخ الشيء إلاّ من كتاب؟ وأخرج ابن جرير عنه نحوه أيضاً، وأخرج ابن جرير عن عليّ بن أبي طالب قال: إن لله ملائكة ينزلون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر نحو ما روي، عن ابن عباس. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في الآية قال: يستنسخ الحفظة من أمّ الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإنسان ما استنسخ الملك من أمّ الكتاب، وأخرج نحوه الحاكم عنه وصححه. وأخرج الطبراني عنه أيضاً في الآية قال: إن الله وكل ملائكته ينسخون من ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبلة، فيتعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك ليس فيه زيادة ولا نقصان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـٰذَا } قال: نترككم. وأخرج ابن أبي شيبة، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «حديث : يقول الله تبارك وتعالى: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} الأمة أهل كل ملة. وفي الجاثية خمسة تأويلات: أحدها: مستوفزة، قاله مجاهد. وقال سفيان: المستوفز الذي لا يصيب منه الأرض إلا ركبتاه وأطراف أنامله. الثاني: مجتمعة، قاله ابن عباس. الثالث: متميزة، قاله عكرمة. الرابع: خاضعة بلغة قريش، قاله مؤرج. الخامس: باركة على الركب، قاله الحسن. وفي الجثاة قولان: أحدهما: أنه للكفار خاصة، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه عام للمؤمن والكافر انتظاراً للحساب. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن عبد الله بن باباه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كأني أراكم بالكوم جاثين دون جهنم. {كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى حسابها، قاله يحيى بن سلام. الثاني: إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر، قاله الكلبي. الثالث: إلى كتابها الذي أنزل على رسولها، حكاه الجاحظ. قوله عز وجل: {هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه القرآن يدلكم على ما فيه من الحق، فكأنه شاهد عليكم، قاله ابن قتيبة. الثاني: أنه اللوح المحفوظ يشهد بما قضي فيه من سعادة وشقاء، خير وشر، قاله مقاتل، وهو معنى قول مجاهد. الثالث: أنه كتاب الأعمال الذي يكتب الحفظة فيه أعمال العباد ويشهد عليكم بما تضمنه من صدق أعمالكم، قاله الكلبي. {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُم تَعْمَلُونَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني يكتب الحفظة ما كنتم تعملون في الدنيا، قاله علي رضي الله عنه ومن زعم أنه كتاب الأعمال. الثاني: أنه الحفظة تستنسخ الخزنة ما هو مدوَّن عندها من أحوال العباد، قاله ابن عباس ومن زعم أن الكتاب هو اللوح المحفوظ. الثالث: نستنسخ ما كتب عليكم الملائكة الحفظة، قاله الحسن لأن الحفظة ترفع إلى الخزنة صحائف الأعمال.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية لما احتج بكونه قادراً على الإحياء في المرة الثانية في الآيات المتقدمة، عَمَّمَ الدليل فقال: {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي لله القدرة على جميع الكائنات سواء كانت في السموات أو في الأرض وإذا ثبت كونه تعالى قادراً على كُلِّ الممكنات وثبت أن حصول الحياة في هذه الدار ممكن إذ لو لم يكن ممكناً لما حصل في المرة الأولى، فيلزم من هاتين المقدمتين كونه تعالى قادراً على الإحياء في المرة الثانية. ولما بين تعالى إمكان القول بالحشر والنشر في هذين الطريقين، ذكر تفاصيل أحوالِ القيامة فأولها: قوله: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ} في عامله وجهان: أحدهما: أنه "يخسر" و "يومئذ" بدل من "يَوْمَ تَقُومُ". والتنوين على هذا تنوين عوض عن جملة مقدرة ولم يتقدم من الجمل إلا "تقوم الساعة" فيصير التقدير: ويوم تقوم الساعة يومئذ تقوم الساعة. وهذا الذي قدروه ليس فيه مزيد فائدة، فيكون بدلاً توكيديًّا. والثاني: أن العامل فيه مقدر، قالوا لأن يوم القيامة حالة ثالثة ليست بالسَّماء ولا الأرض، لأنهما يتبدلان فكأنه قيل: ولله ملك السموات والأرض والملك يوم تقوم. ويكون قوله: "يَوْمَئذٍ" معمولاً ليخسرُ، والجملة مستأنفة من حيثُ اللفظ، وإنْ كَانَ لها تعلق بما قبلها من حيثُ المَعْنَى. فصل اعلم أنَّ الحَيَاةَ والعقل والصحة كأنها رأس مال، والتصرف فيها بطلب السعادة الأخروية يجري مَجْرَى تصرف التاجر في ماله لطلب الربح والكفار قد أتعبوا أنفسهم في تصرفاتهم بالكفر والأباطيل فلم يجدوا في ذلك اليوم إلاَّ الحرمان والخِذلان ودخول النار وذلك في الحقيقة نهاية الخسران. وثانيها: قوله: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} الظاهر أن الرؤية بصرية فيكون "جاثية" حال, قال الليث: الجَثْوُ الجُلُوسُ على الركب كالجِثِيّ بين يَدَي الحَاكِمِ، وذلك لأنها خائفة والمذنب مُسْتَوْفِزٌ. وقيل: مجتمعة، ومنه الجُثْوَةُ للقبر لاجتماع الأحجار عليه، قال (الشاعر) (رحمه الله): شعر : 4446ـ تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صَفِيحٍ مُنَضَّدِ تفسير : قال ابن عباس ـ (رضي الله عنهما) ـ جاثية مجتمعة مرتقبة لما يعمل بها. قال الزمخشري وقرىء: جاذية ـ بالذال المعجمة ـ قال: والجَذْوُ أشد من الجَثْوِ، لأن الجَاذِي هو الذي يجلس على أطراف أصابعه، وهو أشد استيفازاً من الجاثِي. قوله: "كُلُّ أمة" العامة على الرفع بالابتداء، و "تُدْعَى" خبرها. ويعقوب بالنصب على البدل من "كُلَّ أمَّة" الأولى، بدل نكرة موصوفة من مثلها. قوله: "إلَى كِتَابِهَا" أي إلى صحائف أعمالها، فاكتفي باسم الجنس كقوله تعالى بعد ذلك: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. قال سلمان الفارسي: إن في القيامة ساعةً هي عشرُ سنين، يَخِرُّ الناس فيها جثاةً على ركبهم، حتى إبراهيم ينادي ربه لا أملك إلا نفسي. قوله: "الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ" هذه الجملة معمولة لقول مضمر، التقدير: يقال لهم اليومَ تُجَزونَ و "الْيَوْمَ" معمول لما بعده و "مَا كنْتُمْ" هو المفعول الثاني. فإن قيل: الجثْو على الركب إنما يليق بالخائف، والمؤمنون لا خوف عليهم يوم القيامة!. فالجواب: أن الجاثي الآمن قد يشارك المبطل في مثل هذه الحالة (إلى) أن يظهر كونه محقاً. فإن قيل: كيف أضيف الكتاب إليهم وإلى الله تعالى؟. فالجواب: لا منافاة بين الأمرين، لأنه كتابهم، بمعنى أنه الكتاب المشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه. قوله: {يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ} أي يشهد عليكم بأعمالكم من غير زيادة ولا نقصان. وقيل: المراد بالكتاب اللوح المحفوظ. و "ينطق" يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون "كتابنا" بدلاً و "ينطق" خبر وحده و "بالحق" حال. قوله: {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي نأمر الملائكة بنسخه أعمالكم أي بكتبها وإثباتها عليكم وقيل: نستنسخ أي نأخذ نسخة، وذلك أن الملكين يرفعان عمل الإنسان فيثبت الله منه ما كان إلا ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، نحو قولهم: هلُم، واذهب، فالاستنساخ من اللوح المحفوظ تنسخ الملائكة كل عام ما يكون من أعمال بني آدم. والاستنساخ لا يكون إلا من أصل كما ينسخ كتابٌ من كِتَاب. وقال الضحاك: نستنسخ أي نُثْبِتُ. وقال السدي: نكتب. وقال الحسن: نَحْفَظُ. ثم بين أحوال المطيعين فقال: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ} فوصفهم بالعمل الصالح بعد وصفهم بالإيمان يدل على أن العمل الصالح مغاير للإيمان زائد عليه. فصل قالت المعتزلة: علّق الدخول في رحمة الله على كونه آتياً بالإيمان والعمل الصالح والمعلق على مجموع أمرين يكون عدماً عند عدم أحدهما، فعند عدم الأعمال الصالحة يجب أن لا يحصل الفوز بالجنة!. وأُجِيبَ: بأن تعليق الحكم على الوصف لا يدل على عدم الحكم عند عدم الوصف. فصل سمى الثواب رحمة، والرحمة إنما يصح تسميتها بهذا الاسم إذا لم (تكن) واجبةً، فوجب أن لا يكون الثوابُ واجباً على الله تعالى. قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَفَلَمْ تَكُنْ} هذا على إضمار القول أيضاً، وقدر الزمخشري على عادته جملة بين الهمزة والفاء أي ألَمْ تأتكم رسلي فَلَمْ تكن آياتي؟. فصل ذكر الله المؤمنين والكافرين ولم يذكر قِسْماً ثالثاً، وهذا يدل على أن مذهب المعتزلة في إثبات منزلة بين المنزلتين باطل، وفي الآية دليل على أن استحقاق العقوبة، لا يحصل إلا بعد مجيء الشرع وعلى أن الواجبات لا تجب إلا بالشرع خلافاً للمعتزلة في قولهم: إنَّ بعض الواجبات قد تجب بالعقل. قوله: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} العامة على كسر الهمزة لأنها محكيَّةٌ بالقول، والأعْرَجُ وعمرو بن فائدٍ بفتحها. وذلك مُخَرَّجُ على لغة سُلَيْمٍ يُجْرون القولم مُجْرَى الظَّنِّ مطلقاً ومنه قوله: شعر : 4447ـ إذَا قُلْتُ أَنِّي آيِبٌ أهْلَ بَلْدَةِ ........................... تفسير : قوله: "وَالسَّاعة" قرأ حمزة بنصبها عطفاً على "وَعْدَ اللهِ" الباقون برفعها، وفيه ثلاثة أوجه: الأول: الابتداء، ما بعدها من الجملة المنفية خبرها. الثاني: العطف على محل إنّ واسمها معاً، لأن بعضهم كالفارسيِّ والزمخشري يَرَوْنَ أن لـ "إنّ" واسْمِها موضعاً وهو الرفع بالابتداء. قوله: "إلاَّ ظَنًّا" هذه الآية لا بدّ فيها من تأويل، وذلك أنه يجوز تفريغ العامل لما بعده من جميع معمولاته مرفوعاً كان أم غير مرفوع، إلا المفعول المطلق، فإنه لا يفرغ له، لا يجوز: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْباً لأنه لا فائدة فيه، وذلك أنه بمنزلة تكرير الفعل، فكأنه في قوة: مَا ضَرَبْتُ إلاَّ ضَرْبتُ. قاله مكي وأبو البقاء. وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى: إنْ نَظُنُّ إلاَّ ظَنًّا؟ قلت: أصله نظن ظنًّا، ومعناه إثبات الظن حسبُ، وأدخل حرف النفي والاستثناء ليفاد إثبات الظن ونفي ما سواه ويزيدُ نفي ما سوى الظن توكيداً بقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}. فظاهر كلامه أنه لا يتأول الآية بل حملها على ظاهرها. قال أبو حيان: وهذا كلام من لا شُعُور له بالقاعدة النحوية من أن التفريغ يكون في جميع المعمولات من فاعل أو مفعولٍ وغيرهما إلا المصدر المؤكد، فإنه لا يكون فيه. وقد اختلف الناس في تأويلها على أوجه: أحدها: ما قاله المبرد وهو أن الأصل: إنْ نَحْنُ إلاَّ نَظُنُّ ظَنًّا قال: ونظيره ما حكاه أبو عمرو: لَيْسَ الطِّيبُ إلاَّ المسكُ. تقديره ليس إلا الطيبُ المسكُ. قال شهاب الدين: يعني أن اسم "ليس" ضمير الشأن مستتر فيها و"إلا الطيب المسك" في محل نصب خبرها. وكأنه خفي عليه أن لغة تميم إبطال عمل ليس إذا انْتَقَضَ نفيها "بإلا" قياساً على "ما الحجازية". والمسألة طويلة مذكورة في كتب النحو، وعليها حكاية جَرَتْ بين أبي عمرو، وعيسى ببن عُمَرَ. الثاني: أنّ "ظَنًّا" له صفة محذوفة تقديره: إلاّ ظَنًّا بَيِّناً، فهو مختص لا مؤكد. الثالث: أن يضمن (نظن) معنى "نعتقد" فينتصب "ظناً" مفعولاً به لا مصدراً. الرابع: أن الأصْل إنْ نَظُنُّ إلاَّ أنَّكُم تَظُنُّونَ ظَنًّا، فحذف هذا كله وهو معزوٌّ للمبرد أيضاً. وقد رده عليه من حيث إنه حذف إنّ واسمها وخبرها وأبقى المصدر. وهذا لا يجوز. الخامس: أن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فاستثني الشك كأنه قيل: مالنا اعتقاد إلاّ الشك. ومثل الآية قول الأعشى: شعر : 4448ـ وَحَـلَّ بِـهِ الشَّيْــبُ أَثْقَالَــهُ وَمَا اغْتَـرَّهُ الشَّيْـبُ إلاََّ اغْتِـرَارَا تفسير : يريد اغتراراً بيناً. فصل قال ابن الخطيب: القوم كانوا في هذه المسألة على قولين، منهم من كان قاطعاً ينفي البعث والقيامة وهم المذكورون في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا}تفسير : [الجاثية:24] ومنهم من كان شاكًّا متحيراً فيه لأنهم من كثرة ما سمعوه من الرسول ـ عليه ـ الصلاة والسلام ـ ولكثرة ما سمعوه من دلائل القول بصحّته صاروا شاكين فيه، وهم المذكورون فيه هذه الآية، ويدل على ذلك أنه تعالى حكى مذهب أولئك القاطعين، ثم أتبعه بحكاية قول هؤُلاء، فوجب كون هؤلاء مغايرين للفريق الأول. ثم قال: "وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ" أي الآخرة {سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي جزاؤها {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وهذا كالدليل على أن هذه الفِرقة لما قالوا: إنْ نظنّ إلاَّ ظناً إنما ذكروه استهزاءً وسخرية، وعلى هذا الوجه فصار ذلك أول خسرانهم، فهذا الفريق أسوأ من الفريق الأول، لأن الأولين كانوا مُنْكِرين، وما كانوا مُسْتَهْزِئِينَ وهؤلاء ضموا إلى الإصرار على الإنكار الاستهزاء. قوله: {وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ} أن نترككم في العذاب، كما تركتم الإيمان والعمل ولقاء هذا اليوم. وقيل: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي غير المبالى به، كما لم تبالوا أنتم بلقاء يومكم هذا ولم تلتفتوا إليه. قوله: {لِقَآءَ يَوْمِكُمْ} هذا من التوسع في الظرف، حيث أضاف إليه ما هو واقع فيه، كقوله: {أية : بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}تفسير : [سبأ:33]. قوله: {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} فجمع الله عليهم من وجوه العذاب، ثلاثة أشياء، قطع الرحمة عنهم، وصيّر مأواهم النار، وعدم الأنصار، ثم بين تعالى أن يقال لهم: إنما صرتم مستحقين لهذه الوجوه الثلاثة من العذاب، لأنكم أتيتم ثلاثة أنواع من الأعمال القبيحة، وهي الإصرار على إنكار الدين الحق والاستهزاء به، والسخرية والاستغراق في حب الدنيا، وهو المراد بقوله تعالى: {ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا}. قوله: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} تقدم الخلاف في قوله: {لا يخرجون منها} في أول الأعراف، وأن حمزة والكِسَائيّ قرءا بفتح الياء وضم الراء، والباقون بضم الياء وفتح الراء. {ولا هم يستعتبون} لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله، لأنه لا يقبل في ذلك اليوم عذرٌ ولا توبة قوله تعالى: {فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} قرأ العامة "رَبّ" في الثلاثة بالجر تبعاً للجلالة، بياناً، أو بدلاً، أو نعتاً، وابن مُحَيْصِنٍ برفع الثلاثة على المدح بإضمار "هُوَ". قوله: {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} يجوز أن يكون "في السموات" متعلقاً بمحذوف حالاً من "الْكِبْرِياء" وأن يتعلق بما تعلق به الظروف الأول، لوقوعه خبراً. ويجوز أن يتعلق بنفس "الكبرياء" لأنها مصدر. وقال أبو البقاء: "وأن يكون ـ يعني في السموات ـ ظرفاً والعامل فيه الظرف الأول، والكبرياء، لأنها بمعنى العظمة". قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تأويل الكبرياء بمعنى العظمة فإنها ثابتة المصدرية. فصل لما تم الكلام في المباحث الرُّوحَانيَّة ختم السورة بتحميد الله تعالى فقال: {فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَاوَتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي فاحمدوا الله الذي هو خالق السموات والأرضين، بل خالق كل العالمين من الأجسام والأرواح والذوات والصفات، فإن هذه الرُّبُوبيَّة توجب الحمد والثناء على كل من المخلوقين والمربوبين. ثم قال: {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} يعني بكمال قدرته، يقدر على خلق أي شيء أراد، (و) (ه) بكمال حكمته يخص كل نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة. وقوله: {وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} يفيد أن الكامل في القدرة وفي الحكمة وفي الرحمة ليس إلاَّ هُوَ. روى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : يقول الله عزّ وجلّ: "الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحداً مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ" ". تفسير : وروى أبي بن كعب ـ (رضي الله عنه ـ) قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : مَنْ قَرَأَ سُورَة حَمۤ الجَاثِية سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ وسَكَّنَ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ ".
السيوطي
تفسير : أخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه مرّ على قوم وعليه بردة حمراء حسناء، فقال رجل من القوم إن أنا سلبته بردته فما لي عندكم؟ فجعلوا له شيئاً فأتاه فقال: يا أبا عبد الرحمن! بردتك هذه لي. فقال: إني اشتريتها أمس. قال: قد أعلمتك وأنت في حرج من لبسها. فخلعها ليدفعها إليه فضحك القوم. فقال: ما لكم؟ فقالوا: هذا رجل بطال. فالتفت إليه فقال يا أخي: أما علمت أن الموت أمامك لا تدري متى يأتيك صباحاً أو مساء أو نهاراً ثم القبر ومنكر ونكير، وبعد ذلك القيامة يوم يخسر فيه المبطلون فأبكاهم ومضى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه {وترى كل أمة جاثية} قال: متميزة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه {وترى كل أمة جاثية} قال: تستفز على الركب. وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه {وترى كل أمة جاثية} يقول: على الركب عند الحساب. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن عبدالله بن باباه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين" تفسير : ثم قرأ سفيان {وترى كل أمة جاثية} . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما في قوله {وترى كل أمة جاثية} كل أمة مع نبيها حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم على كوم قد علا الخلائق فذلك المقام المحمود. وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله {كل أمة تدعى إلى كتابها} قال يعلمون أنه يدعى أمة قبل أمة، وقوم قبل قوم، ورجل قبل رجل، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: حديث : يمثل لكل أمة يوم القيامة ما كانت تعبد من حجر أو وثن أو خشبة أو دابة، ثم يقال: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيكون أول ذلك الأوثان قادة إلى النار حتى تقذفهم فيها فيبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله وعزيراً إلا قليلاً منهم ثم يقال لهم: أما عزير فليس منكم ولستم منه، فيؤخذ بهم ذات الشمال فينطلقون ولا يستطيعون مكوثاً. ثم يدعى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله والمسيح ابن مريم إلا قليلاً منهم، فيقال: أما المسيح فليس منكم ولستم منه، فيؤخذ بهم ذات الشمال فينطلقون ولا يستطيعون مكوثاً. وتبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقال: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله وحده وإنما فارقنا في الدنيا مخافة يومنا هذا، فيؤذن للمؤمنين في السجود، فيسجد المؤمنون، ويمنع كل منافق، فيقصم ظهر المنافق عن السجود ويجعل الله سجود المؤمنين عليه توبيخاً وصغاراً وحسرة وندامة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} قال: هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} قال: هم الملائكة عليهم الصلاة والسلام يستنسخون أعمال بني آدم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن هذه الآية {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} فقال: إن أوّل ما خلق الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم خلق الألواح، فكتب الدنيا وما يكون فيها حتى تفنى من خلق مخلوق، وعمل معمول، من بر أو فاجر، وما كان من رزق حلال أو حرام، وما كان من رطب ويابس، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه دخوله في الدنيا حي وبقاؤه فيها كم وإلى كم تفنى، ثم وكل بذلك الكتاب الملائكة، ووكل بالخلق ملائكة، فتأتي ملائكة الخلق إلى ملائكة ذلك الكتاب فيستنسخون ما يكون في كل يوم وليلة مقسوم على ما وكلوا به ثم يأتون إلى الناس فيحفظونهم بأمر الله، ويسوقونهم إلى ما في أيديهم من تلك النسخ. فقام رجل يا ابن عباس. ألستم قوماً عرباً {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب؟ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله خلق النون وهو الدواة، وخلق القلم فقال: اكتب. قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فاجر أو رزق مقسوم حلال أو حرام، ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا، ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة وعلى الكتاب خزاناً تحفظه ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني ذلك الرزق انقطع الأمر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ألستم قوماً عرباً تسمعون الحفظة يقولون {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل. وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن لله ملائكة يتولون في كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أوّل شيء خلق الله القلم فأخذه بيمينه وكلتا يديه يمين فكتب الدنيا وما يكون فيها من عمل معمول بر أو فاجر رطب أو يابس فأحصاه عنده في الذكر وقال اقرؤوا إن شئتم {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} فهل تكون النسخة إلا من شيء قد فرغ منه؟ ". تفسير : وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} قال:حديث : هي أعمال أهل الدنيا الحسنات والسيئات تنزل من السماء كل غداة أو عشية ما يصيب الإِنسان في ذلك اليوم أو الليلة الذي يقتل، والذي يغرق والذي يقع من فوق بيت، والذي يتردى من فوق جبل، والذي يقع في بئر، والذي يحرق بالنار، فيحفظون عليه ذلك كله. فإذا كان العشي صعدوا به إلى السماء فيجدونه كما في السماء مكتوباً في الذكر الحكيم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال: تستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإِنسان على ما استنسخ الملك من أم الكتاب. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كتب في الذكر عنده كل شيء هو كائن ثم بعث الحفظة على آدم عليه السلام وذريته فالحفظة ينسخون من الذكر ما يعمل العباد، ثم قرأ {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} . وأخرج الطبراني عن ابن عباس في قوله {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} قال: إن الله وكل ملائكة ينسخون من ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المستقبلة، فيعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك ليس فيه زيادة ولا نقصان. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} قال: تركتم ذكري وطاعتي فكذا أترككم {كما نسيتم لقاء يومكم هذا} قال: تركتم ذكري وطاعتي، فكذا تركتم في النار. وأخرج ابن عساكر عن عمر بن ذر عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : ما قعد قوم يذكرون الله إلا قعد معهم عددهم من الملائكة، فإذا حمدوا الله حمدوه، وإن سبحوا الله سبحوه، وإن كبروا الله كبروه، وإن استغفروا الله أمنوا، ثم عرجوا إلى ربهم فيسألهم، فقالوا: ربنا عبيد لك في الأرض ذكروك فذكرناك. قال: ماذا قالوا؟ قالوا: ربنا حمدوك فقال: أوّل من عبد وآخر من حمد. قالوا: وسبحوك. قال: مدحي لا ينبغي لأحد غيري قالوا: ربنا كبروك. قال: لي الكبرياء في السموات والأرض وأنا العزيز الحكيم. قالوا: ربنا استغفروك. قال: أشهدكم أني قد غفرت لهم ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه أن لله ثلاثة أثواب: اتزر بالعزة، وتسربل الرحمة، وارتدى بالكبرياء فمن تعزز بغير ما أعز الله فذلك الذي يقال له {أية : ذق إنك أنت العزيز الكريم}تفسير : [الدخان: 49] ومن رحم رحمه الله، ومن تكبر فقد نازع الله الذي ينبغي له، فإنه تبارك وتعالى يقول: لا ينبغي لمن نازعني أن أدخله الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يقول الله عز وجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما ألقيته في النار"تفسير : والله أعلم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولله ملك السموات والارض} اى الملك المطلق والتصرف الكلى فيهما وفيما بينهما مخصوص بالله تعالى وهو تعميم للقدرة بعد تخصيصها {ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون} العامل فى يوم يخسر ويومئذ بدل منه قال العلامة التفتازانى مثل هذا بالتأكيد اشبه وأنى يتأتى ان هذا مقصود بالنسبة دون الاول قلت اليوم فى البدل بمعنى الوقت والمعنى وقت اذ تقوم الساعة ويحشر الموتى فيه وهو جزء من يوم تقوم الساعة فانه يوم متسع مبدأه من النفخة الاولى فهو بدل البعض والعائد مقدر ولما كان ظهور خسرهم وقت حشرهم يكون هو المقصود بالنسبة كذا فى حواشى سعدى المفتى يقال أبطل جاء بالباطل وقال شيئا لا حقيقة له والمراد الذين يبطلون الحق ويكذبون بالبعث ومعنى يخسر المبطلون يظهر خسرانهم ثمة وبالفارسية زيان كنند تباه كاران وزيان ايشان آن بودكه بدوزخ باز كزدند. قال فى الكبير ان الحياة والعقل والصحة كأنها رأس المال والتصرف فيها لطلب سعادة الآخرة يجرى مجرى تصرف التاجر فى رأس المال لطلب الريح والكفار قد أتعبوا انفسهم فى طلب الدنيا فخسروا ربح الآخرة وفيه اشارة الى ابطال الاستعداد الفطرى (ع) على نفسه فليبك من ضاع عمره
الجنابذي
تفسير : {وَلِلَّهِ} لا لغيره {مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} وما فيهما فلا يقدر احدٌ غيره على ايتاء الاموات {وَيَوْمَ تَقُومُ} عطف على محذوفٍ اى فى الدّنيا ويوم تقوم {ٱلسَّاَعةُ} او ظرف ليخسر ويكون قوله {يَوْمَئِذٍ} تأكيداً له {يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ} الخطاب عامّ او خاصّ بمحمّدٍ (ص) واذا كان عامّاً فالرّؤية مقيّدة بيوم القيامة وان كان خاصّاً فالمعنى ترى فى الحال الحاضرة فانّه يرى فى الدّنيا ما يراه غيره فى القيامة {جَاثِيَةً} جثى كدعا ورمى جلس على ركبتيه، او قام على اطراف اصابعه {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا} صحيفة اعمالها {ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} نفس ما كنتم تعملون او جزاءه.
الأعقم
تفسير : {ولله ملك السماوات والأرض} ملكاً وخلقاً وتدبيراً {ويوم تقوم الساعة} القيامة {يومئذ يخسر المبطلون} وإنما كان خاسراً لأنه يدخل النار فيهلك نفسه، وقيل: المبطل خاسر في الأحوال كلها ولكن يظهر الخسران يوم القيامة {وترى كل أمة جاثية}، قيل: الملل المختلفة، وقيل: أرباب الملك والعصاة {كل أمة} من الأمم {تدعى إلى كتابها}، قيل: الكتب التي فيها أعمالهم كتبها الحفظة، وقيل: كتابها المنزل على رسول الله ليسألوا ما عملوا به {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق}، قيل: ديوان الحفظة المعهود عليهم وفيه شهادة الملائكة، وأضاف النطق إلى الكتاب توسعاً، وعن علي (عليه السلام): "إن لله ملائكة ينزلون في كل يوم يكتبون أعمال بني آدم"، وقيل: يشهدوا عليكم بما عملتم بالحق من غير زيادة ولا نقصان {إنَّا كنَّا نستنسخ}، قيل: نكتب، وقيل: نحفظ {ما كنتم تعملون} {فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته} أي نعمته وهي الجنة {ذلك الفوز المبين} الواضح {وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} يعني القرآن وسائر الأحكام تتلى عليكم {فاستكبرتم} عن سماعه {وكنتم قوماً مجرمين وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها} أي لا شك فيها، أي لا شك في كونها {قلتم} أيها الكافرون {ما ندري} حديث القيامة أنه حق أن نظن إلا ظناً {وما نحن بمستيقنين} يعني لا نعلم نفساً أنها كائنة {وبدا لهم سيئات ما عملوا}، قيل: أظهر أعمالهم القبيحة وكانوا ظنوها حسنة، وقيل: ظهر جزاء أعمالهم السيئة وكانوا يعدونها طاعة {وحاق بهم}، قيل: حل بهم {ما كانوا به يستهزئون} من العذاب {وقيل اليوم ننساكم} نترككم في العذاب كما تركتم الايمان بيومكم هذا، وقيل: نترككم في العذاب بمنزلة المنسى {ومأواكم النار} منزلتكم ومقامكم هذا {وما لكم من ناصرين} ينجيكم من العذاب {ذلكم} يعني هذا العذاب الذي نزل بكم {بأنكم اتّخذتم آيات الله هزواً} أي استهزاء ولعباً {وغرتكم الحياة الدنيا} أي ملاذها وزينتها وأضاف الغرور إليها توسعاً لأنها سبب الغرور {فاليوم لا يخرجون منها} أي العذاب {ولا هم يستعتبون} أي لا يقبل منهم العتبى وهو إعطاء الرضى {فلله الحمد} أي الشكر في إنعامه بالجزاء وتمييز المحسن من المسيء {رب السماوات ورب الأرض رب العالمين} يعني وحدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين {وله الكبرياء} أي العظمة والعلو والرفعة، وقيل: أراد عظيم نعمته على أهل السماوات والأرض {وهو العزيز} القادر على ما يشاء لا يمتنع عليه شيء {الحكيم} في أفعاله فلا يعاب في شيء منها ولا يفعل إلا الحسن الجميل.
اطفيش
تفسير : {وَللهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} خلقهن وما فيهن بعد عدم مع عظمهن كذلك يبعث من مات وهذا تعميم للقدرة بعد تخصيصها بالاحياء والاماتة والجمع* {وَيَوْمَ} متعلق بيخسر* {تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ} بدل من يوم* {يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} أي يهلك الكافرون أو يخسرون أهلهم من الحور أو يظهر خسرانهم بأن يصيروا الى النار أو يصح خسرانهم وقد كان مشكوكاً فيه قبله والمبطل الداخل في الباطل المخالط له
اطفيش
تفسير : {ولله} وحده {مُلْك السَّماوات والأرض} تعميم للقدرة بعد ذكر خصوص الاحياء والإماتة، والبعث والتصرف فى السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، كما هو المراد لا يخفى أنه شمل الإماتة والاحياء والبعث {ويَوم تَقُوم السَّاعَة} متعلق بيخسر، وقدم للحصر، وعلى طريق الاهتمام بذكرها يعيد البعث الذى أنكروه لا للفاصلة لأنها المبطلون لا يخسر، فلو قيل: ويخسر يوم تقوم يومئذ المبطلون لصح، {يومئذٍ} توكيد ليوم تقوم الساعة، لأن التنوين عوض عن تقوم الساعة لا بدل، لأن بدل الكل لا يتحد بالمبدل منه لفظا، بل معنى نحو جاء زيد أخوك، وأخوك هو زيد، وان قيل: جاء زيد زيد فتأكيد، وقد يوجه البدل بأنه ليس فى يومئذ لفظ تقوم الساعة، ولعل هذا مراد أبى حيان بقوله: بدل تأكيدى، وان امتنع اعادة الأول فتأكيد، ولو اختلف اللفظ نحو: إنك أنت قائم، وانك اياك، فإيا توكيد كانت، إذ لا يقال انك قائم بتكرير الكاف، ويجوز العطف على محذوف، وتعليق يومئذ بيخسر، أى ولله ملك السموات والأرض اليوم {ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون} فتعلق يوم تقوم الساعة باستقرار الخبر ويومئذ بيخسر {يَخْسر} خسارة كل خسارة اليها كلا خسارة {المبْطِلون} يظهر خسرانهم فيما يدعونه نفعا وصوابا، والمبطلون الداخلون فى البطلان أو الآتون به، وهو عام، وأعظمه الاشراك، وقيل الاشراك هو المراد.
الالوسي
تفسير : {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } بيان للاختصاص المطلق والتصرف الكلي فيهما وفيما بينهما بالله عز وجل إثر بيان تصرفه تعالى بالإحياء والإماتة والبعث، والجمع للمجازاة فهو تعميم للقدرة بعد تخصيص. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ } قال الزمخشري: العامل في {يَوْمٍ تَقُومُ } يخسر و(يومئذٍ) بدل من {يَوْمَ تَقُومُ} وحكاه ابن عطية عن جماعة. وتقديم الظرف على الفعل للحصر لأن كل خسران عند الخسران في ذلك اليوم كلا خسران، وفيه أيضاً رعاية الفواصل على ما قيل، وتعقب حديث الإبدال بأن التنوين في {يَوْمَئِذٍ } عوض عن الجملة المضاف إليها، والظاهر أنها تقدر بقرينة ما قبل {تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ } فيقال ويوم تقوم الساعة يوم إذ تقوم الساعة يخسر المبطلون فيكون تأكيداً لا بدلاً إذ لا وجه له، ولذا قيل: إنه بالتأكيد أشبه، وقول أبـي حيان: إن كان بدلاً توكيدياً وهو قليل جاز وإلا فلا لا يسمن ولا يغني. وتكلف بعضهم فزعم أن اليوم الثاني بمعنى الوقت الذي هو جزء من يوم قيام الساعة فهو بدل بعض معه عائد مقدر ولما كان فيه ظهور خسرانهم كان هو المقصود بالنسبة. وقالت فرقة: العامل في {يَوْم تَقُومُ } ما يدل عليه الملك قالوا: وذلك أن يوم القيامة أمر ثالث ليس بالسماء ولا بالأرض لتبدلهما فكأنه قيل: ولله ملك السمٰوات والأرض والملك يوم تقوم الساعة، و {يَوْمَئِذٍ } منصوب بيخسر والجملة استئناف وإن كان لها تعلق بما قبلها من جهة تنوين العوض، وقيل: يجوز أن يكون عطفاً على ظرف معمول لملك المذكور كأنه قيل: لله ملك السمٰوات والأرض اليوم ويوم تقوم الساعة وهو كما ترى. و {ٱلْمُبْطِلُونَ } الداخلون في الباطل، ولعل المراد به أعظم أنواعه وهو الكفر.
ابن عاشور
تفسير : {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. اعتراض تذييل لقوله: { أية : قل الله يحييكم ثم يميتكم } تفسير : [الجاثية: 26] أي لله لا لغيره مُلك السماوات والأرض، أي فهو المتصرف في أحوال ما حوته السماوات والأرض من إحياء وإماتة، وغير ذلك بما أوجد من أصولها وما قدّر من أسبابها ووسائلها فليس للدهر تصرف ولا لما سوى الله تعالى. وتقديم المجرور على المسند إليه لإفادة التخصيص لرد معتقدهم من خروج تصرف غيره في بعض ما في السماوات والأرض كقولهم في الدهر. {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ * وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}. لما جرى ذِكْر يوم القيامة أعقب بإنذار الذين أنكروه من سوء عاقبتهم فيه. و الآتون بالباطل في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم إذ الباطل ما ضادَّ الحق. والمقصود منه ابتداء هنا هو الشرك بالله فإنه أعظم الباطل ثم تجيء درجات الباطل متنازلة وما من درجة منها إلا وهي خسارة على فاعلها بقدر فعلته وقد أنذر الله الناس وهو العليم بمقادير تلك الخسارة. {ويوم تقوم الساعة} ظرف متعلق بــ {يخسر}، وقدم عليه للاهتمام به واسترعاء الأسماع لما يرد من وصف أحواله. و{يومئذٍ} توكيد لــ {يوم تقوم الساعة} وتنوينه عوض عن المضاف إليه المحذوف لدلالة ما أضيف إليه يومَ عليه، أي يوم إذْ تقوم الساعة يخسر المبطلون فالتأكيد بتحقيق مضمون الخبر ولتهويل ذلك اليوم. والخطاب في {ترى} لكل من يصلح له الخطاب بالقرآن فلا يقصد مخاطب معين، ويجوز أن يكون خطاباً للرسول صلى الله عليه وسلم. والمضارع في {ترى} مراد به الاستقبال فالمعنى: وترى يومئذٍ. والأمة: الجماعة العظيمة من الناس الذين يَجمعهم دين جاء به رسول إليهم. و{جاثية} اسم فاعل من مصدر الجُثُوِّ بضمتين وهو البروك على الرُكبتين باستئفاز، أي بغير مباشرة المقعدة للأرض، فالجاثي هو البارك المستوفز وهو هيئة الخضوع. وظاهر كون {كتابها} مفرداً غير معرف باللام أنه كتاب واحد لكل أمة فيقتضي أن يراد كتاب الشريعة مثل القرآن، والتوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم وغير ذلك لا صحائف الأعمال، فمعنى {تدعى إلى كتابها} تدعى لتعرض أعمالها على ما أُمرت به في كتابها كما في الحديث « حديث : القرآن حجةٌ لك أو عليك » تفسير : وقيل: أريد بقوله: {كتابها} كتاب تسجيل الأعمال لكل واحد، أو مراد به الجنس وتكون إضافته إلى ضمير الأمة على إرادة التوزيع على الأفراد لأن لكل واحد من كل أمة صحيفة عمله خاصة به كما قال تعالى: { أية : اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً } تفسير : [الإسراء: 14]، وقال: { أية : وَوضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه } تفسير : [الكهف: 49] أي كل مجرم مشفق مما في كتابه، إلا أن هذه الآية الأخيرة وقع فيها الكتاب معرفاً باللام فقبل العمومَ. وأما آية الجاثية فعمومها بدليّ بالقرينة. فالمراد: خصوص الأمم التي أرسلت إليها الرسل ولها كتب وشرائع لقوله تعالى: { أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } تفسير : [الإسراء: 15]. ومسألة مؤاخذة الأمم التي لم تجئها الرسل بخصوص جحد الإلـٰه أو الإشراكِ به مقررة في أصول الدين، وتقدمت عند قوله تعالى: { أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً } تفسير : في سورة الإسراء (15). وقرأ الجمهور {كل أمة تدعى إلى كتابها} برفع {كل} على أنه مبتدأ و{تدعى} خبر عنه والجملة استئناف بياني لأن جُثو الأمة يثير سؤال سائل عما بعد ذلك الجثوّ. وقرأه يعقوب بنصب {كلَّ} على البدل من قوله: {وترى كل أمة}. وجملة {تدعى} حال من {كل أمة} فأعيدت كلمة {كل أمة} دون اكتفاء بقوله {تدعَى} أو يدعون للتهويل والدعاء إلى الكتاب بالأمم تجثو ثم تدعى كل أمة إلى كتابها فتذهب إليه للحساب، أي يذهب أفرادها للحساب ولو قيل: وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها لأوهم أن الجثو والدعاء إلى الكتاب يحصلان معاً مع ما في إعادة الخبر مرة ثانية من التهويل. وجملة {اليوم تجزون ما كنتم تعملون} بدل اشتمال من جملة {تدعى إلى كتابها} بتقدير قول محذوف، أي يقال لهم اليوم تجزون، أي يكون جزاؤكم على وفق أعْمالِكم وجريها على وفق ما يوافق كتاب دينكم من أفعالكم في الحسنات والسيئات، وهذا البدل وقع اعتراضاً بين جملة {وترى كل أمة جاثية} وجملة { أية : فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } تفسير : [الجاثية: 30] الآيات. وجملة {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} من مقول القول المقدّر، وهي مستأنفة استئنافاً بيانياً لتوقع سؤال من يقول منهم: ما هو طريق ثبوت أعمالها. والإشارة إما إلى كتاب شريعة الأمة المدعوة، وإما إلى كُتب أفرادها على تأويل الكتاب بالجنس على الوجهتين المتقدمين. وإفراد ضمير {ينطق} على هذا الوجه مراعاة للفظ {كتابنا}، فالمعنى هذه كتبنا تنطق عليكم بالحق. وإضافة (كتاب) إلى ضمير الله تعالى بعد أن أضيف إلى {كل أمة} لاختلاف الملابسة، فالكتاب يلابس الأمة لأنّه جعل لإحصاء أعمالهم أو لأن ما كلفوا به مثبت فيه، وإضافته إلى ضمير الله لأنه الآمر به. وإسناد النطق إلى الكتاب مجاز عقلي وإنما تنطق بما في الكتاب ملائكة الحساب، أو استعير النطق للدلالة نحو قولهم: نطقت الحال. والمعنى: أن فيه شهادة عليهم بأن أعمالهم مخالفة لوصايا الكتاب أو بأنها مكتوبة في صحائف أعمالهم على التأويلين في المراد بالكتاب. ولتضمن {ينطق} معنى (يشهد) عدي بحرف (على). ولما كان المقام للتهديد اقتصر فيه على تعدية {يَنطق} بحرف (على) دون زيادة: ولكم، إيثاراً لجانب التهديد. وجملة {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} استئناف بياني لأنهم إذا سمعوا {هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} خطر ببالهم السؤال: كيف شهد عليهم الكتاب اليوم وهم قد عملوا الأعمال في الدنيا، فأجيبوا بأن الله كَانَ يأمر بنسخ ما يعملونه في الصحف في وقت عمله. وإن حمل الكتاب على كتب الشريعة كانت جملة {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} تعليلاً للجملة قبلها باعتبار تقييد النطق بأنه بالحق، أي لأن أعمالكم كانت محصاة مبيّن ما هو منها مخالف لما أمر به كتابهم. والاستنساخ: استفعال من النسخ. والنسخ: يطلق على كتابة ما يكتب على مثالِ مكتوبٍ آخرَ قبله. ويسمى بالمعارضة أيضاً. وظاهر الأساس أن هذا حقيقة معنى النسخ وأن قولهم: نسخت الشمسُ الظلَّ مجاز. وكلام جمهور العلماء بخلافه كما يقوله علماء أصول الفقه في باب النسخ. وكلام الراغب يحتمل الإطلاقين، فإذا درجتَ على كلام الجمهور فقد جُعلت كتابةُ مكتوبٍ على مثال مكتوبٍ قبله كإزالةٍ للمكتوب الأول لأن ذلك في الغالب يكون لقصد التعويض عن المكتوب الأول لمن ليس عنده أو لخشيَةِ ضياع الأصل. وعن ابن عباس أنه يقول: ألستُم عَرَباً وهل يكون النسخ إلا من كتاب. وأما إطلاق النسخ على كتابة أُنفٍ ليست على مثال كتابةٍ أخرى سبقتها فكلام الزمخشري في الأساس صريح في أنه من معاني النسخ حقيقة، وهو ظاهر كلامه في «الكشاف»، فيكون لفظ النسخ مشتركاً في المعنيين بل ربما كان معنى مطلق الكتابة هو الأصلَ وكانت تسمية كتابةٍ على مثل كتابةٍ سابقة نسخاً لأن ذلك كتابة وكلام صاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» أن نَقل الكتابة لا يسمى نسخاً إلا إذا كان على مثال كتابة سابقة. وهذا اختلاف مُعضل، والأظهر ما ذهب إليه صاحب «اللسان» وصاحب «القاموس» فيجوز أن يكون السين والتاء في {نستنسخ} للمبالغة في الفعل مثل استجاب. ويجوز أن يكون السين والتاء للطلب والتكليف، أيْ نكلف الملائكة نسخ أعمالكم، وعلى هذا المحمل حمل المفسرون السين والتاء هنا أي للطلب، ثم يجوز أن يكون النسخ على معنى نقل كتابة عن كتابة سابقة وبه فسر ابن عباس قال: إن الله وكل ملائكة ينسخون من أم الكتاب في رمضان كل ما سيكون من أعمال بني آدم، ويجوز أن يكون النسخ بمعنى كتابة ما تعلمه النّاس دون نقل عن أصل. والمعنى: إنا كنا نكتب أعمالكم. وعن علي بن أبي طالب أنه قال: إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم ومثله عن الحسن والسدّي. والنسخ هنا: الكتابة، وإسناد فعل الاستنتاج إلى ضمير الله على هذا إسناد مجازي لأن الله أمر الحفظة بكتابة الأعمال.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ}. قد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى:{أية : فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ}تفسير : [غافر: 78].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 27- ولله - وحده - ملك السموات والأرض خلقاً وملكاً وتدبيراً، وحين تقوم الساعة - يوم قيامها - يخسر الذين اتبعوا الباطل. 28- وترى يوم تقوم الساعة - أيها المخاطب - أهل كل دين جالسين على الركب من هول الموقف متحفزين لإجابة النداء، كل أمة تُدعى إلى سجل أعمالها، ويُقال لهم: اليوم تستوفون جزاء ما كنتم تعملون فى الدنيا. 29- ويقال لهم: هذا كتابنا الذى سجلنا فيه أعمالكم وأخذتموه بأيديكم، ينطق عليكم بما عملتم شهادة صدق، إنا كنا نستكتب الملائكة أعمالكم لنحاسبكم على ما فرط منكم. 30- فأما الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة فيدخلهم ربهم فى جنته، ذلك الجزاء هو الفوز البين الواضح. 31- وأما الذين كفروا بالله ورسله فيقال لهم - توبيخاً -: ألم تأتكم رسلى، ألم تكن آياتى تتلى عليكم فتعاليتم عن قول الحق وكنتم قوماً كافرين؟. 32- وإذا قال لكم رسول الله:- أيها المنكرون للبعث - إن وعد الله بالجزاء حق ثابت، والساعة لا شك فى مجيئها، قلتم: ما نعلم أى شئ عن الساعة ما حقيقتها؟ ما نحن إلا نظن مجئ الساعة ظنا، وما نحن بموقنين أنها آتية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولله ملك السماوات والأرض: أي خلقا وملكاً وتصرفا يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. يخسر المبطلون: أي ويوم تقوم الساعة التي أنكرها الكافرون يخسر أصحاب الباطل بصيرورتهم إلى النار. وترى كل أمة جاثية: أي كل أمة ذات دين جاثية على ركبها تنتظر حكم الله فيها. تدعى إلى كتابها: أي إلى كتاب أعمالها فهو الحكم فيها إن كان خيرا فخير وإن كان شرا فشر. اليوم تجزون ما كنتم تعملون: أي يقال لهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق: أي ديوان الحفظة الذي دونوه من أعمال العقلاء من الناس شاهد عليكم بالحق. إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون: أي نأمر بنسخ ما كنتم تعملون. فيدخلهم ربهم في رحمته: أي فيدخلهم في جنته. ذلك هو الفوز المبين: أي الفوز البيّن الظاهر وهو النجاة من النار ودخول الجنة. أفلم تكن آياتي تتلى عليكم: أي يقال لهم ألم تأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم. فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين: أي عن آيات الله فلم تؤمنوا بها وكنتم بذلك قوما كافرين. إن وعد الله حق: أي بالبعث والجزاء العادل يوم القيامة حق ثابت. إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين: أي ما كنا مستيقنين بالبعث وإنما كنا نظنه لا غير ولا نجزم به. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى {وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خلقا وإيجاداً وملكاً وتصرفا ومن كان هذا وصفه من القدرة والعلم والحكمة لا ينكر عليه بعث العباد بعد موتهم وجمعهم للحساب والجزاء. وقوله ويوم تقوم الساعة التي ينكرها المنكرون يومئذ يخسر المبطلون يخسرون كل شيء حتى أنفسهم يخسرون منازلهم في الجنة يرثها عنهم المؤمنون ويرثون هم المؤمنين منازلهم في النار ذلك هو الخسران المبين وقوله تعالى: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً} أي وترى أيها الرسول يوم القيامة كل أهل دين وملة وقد جثوا على ركبهم خوفاً وذلاً مستوفزين للعمل بما يؤمرون به. وقوله {كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا} أي الذي أنزل على نبيها لتعمل بما جاء فيه من عقائد وشرائع ويقال لهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون أي في الدنيا من خير وشر. فإذا حاولوا الإِنكار قيل لهم: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، وهو كتاب الأعمال الذي دونته الحفظة وقوله {إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} أي نأمر ملائكتنا بنسخ أعمالهم أي باثباتها وحفظها وها هي ذي بين أيديكم ناطقة صارخة بما كنتم تعملون. قال تعالى مفصلا للحكم الناتج عن شهادة الكتاب {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي وتركوا الشرك والمعاصي فيدخلهم ربهم جزاء لهم في رحمته وهي الجنة دار المتقين ذلك هو الفوز المبين أي إدخالها الجنة بعد إنجائهم من النار هو الفوز المبين إذا الفوز معناه، النجاة من المرهوب والظفر بالمرغوب المحبوب. هذا جزاء أهل الإِيمان والتقوى وأما الذين كفروا وهم أهل الشرك والمعاصي فيقال لهم: {أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ} أي ألم تأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم؟ بل كانت تتلى عليكم فاستكبرتم عنها فلم تتعرفوا إلى ما فيها وإلى ما تدعوا إليه، وكنتم باستكباركم عنها قوما مجرمين على أنفسكم إذا أفسدتموها بالشرك والمعاصي. وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي وعده تعالى بالبعث والجزاء حق لا بد واقع الساعة آتية لا ريب فيها أي جاثية لا محالة ولا ريب في وقوعها بحال من الأحوال قلتم ما ندري ما الساعة متجاهلين لها متعجبين من وقوعها. وقلتم إن نظن إلا مجرد ظن فقط وما نحن بمستيقنين بمجيئها، وهذا بالنسبة إلى بعض الناس، وإلا فقد تقدم أن بعضهم كان ينكر البعث بالكلية وهذا ظاهر في كثير من الناس الذين يؤمنون بالله وبلقائه وهم لا يفترون من المعاصي ولا يقصرون عن فعل الشر والفساد. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر بعض ما يقع يوم القيامة. 2- تقرير عقيدة كتابة أعمال العباد وتقديمها لهم يوم القيامة في كتاب خاص. 3- تقرير أن الإِيمان والعمل الصالح سبب الفوز، وأن الشرك والمعاصي سبب الخسران المبين. 4- الظن في العقائد كالكفر بها، والعياذ بالله تعالى.
القطان
تفسير : جاثية: باركة على الركَب. الى كتابها: الى صحيفة اعمالها المسجلة عليها. ينطق عليكم بالحق: يشهد عليكم بالحق. نستنسخ: نجعل الملائكة تكتب وتنسخ. في هذه الآيات الكريمة يبين الله تعالى أنه مالكُ الكون كلّه، وهو وحده القادرُ على التصرف فيه ملكاً وتدبيرا، ويومَ القيامة يحشرُ الناسَ فيظهر خسرانُ أولئك المبْطِلين. ثم بين حال الأمم في ذلك اليوم الرهيب، وان كل أمةٍ تجثو على رُكَبها وتجلس جلسة المخاصِم بين يدي الحاكم، وكل أمةٍ تُدعى الى سجلّ أعمالها، ويقال لهم: اليومَ تَسْتَوفون جزاءَ ما كنتم تعملون في الدنيا، هذا كتابُنا الذي سجّلنا فيه أعمالكم، وهو صادق عليكم، إذ كتبتهُ الملائكةُ في دنياكم. وبعد ان ينتهيَ الحسابُ يُدخل اللهُ الّذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنته {ذلك هو الفوزُ العظيم}. وأما الذين كفروا بالله ورسله فيقال لهم: ألم تأتِكم رسُلي، يتلون عليكم آياتِ كتبي، فكنتم تتعالون وتستكبرون عن قَبول الحق والايمان بها، وبذلك كنتم قوماً كافرين، فالنارُ مثواكم وبئس المصير.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {يَوْمَئِذٍ} (27) - وَاللهُ تَعَالى هُوَ مَالكُ السَّماواتِ والأَرضِ، وَهُوَ الحَاكِمُ فيهما في الدُّنيا والآخِرةِ، وَلا تَملِكُ الأَصْنَامُ والأَوثانُ والأندادُ شيئاً. وَيومَ تقومُ السَّاعةُ يَبْعَثُ اللهُ الخَلاَئقَ مِن القُبُورِ، ويحشُرُهُمْ إِليهِ، وَحينئذٍ يُدركُ الكَافِرُونَ، المُنكِرُونَ لِلْبَعْثِ، أَنَّهُم قَدْ خَسِروا خُسراناً مُبيناً بِكُفْرهِمْ بِاللهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ كُتُبَهُ وَرُسُلَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، أفاد قصر ملكية السماوات والأرض على الله وحده لا شريك له: {وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاَعةُ ..} [الجاثية: 27] تقوم القيامة كأنها كانت نائمة وقامتْ، وأبهم الساعة لننتظرها في أيَّ لحظة. فالإبهام هنا كما قُلنا عَيْن البيان، لأنه يجعلنا دائماً على استعداد لها، كما أبهم الله تعالى أجل الإنسان ليستحضره دائماً في أيِّ وقت ولا يغفل عنه، ومَنْ لا يملك لنفسه البقاء طرفة عيْن جدير ألاَّ يغفل عن آخرته ويحذر أنْ يأتي أجله وهو على معصية الله. فمَنْ مات على شيء بُعِث عليه خاصة إذا كان الموت لا ينتظر أسباباً. فالموت من دون أسباب هو السبب، مات لأنه يموت وقد حان أجله، وقد تنبه الشعراء لهذا المعنى فقال أحدهم: شعر : فِي الموْتِ مَا أعيَا وَفِي أسْبَابِهِ كلُّ امرئٍ رهْنٌ بطَيِّ كِتَابِهِ أَسَد لَعْمركَ مَنْ يموتُ بظُفْرِهِ عندَ اللقَاء كَمَنْ يموتُ بنَابهِ إنْ نامَ عنَكَ فأيُّ طلَب نافعٌ أَوْ لم ينَمْ فالطبُّ من أذْنابه تفسير : نعم يدخل غرفة العمليات فلا يخرج منها ويكون الطب هو سبب موته. إذن: الحق سبحانه يبهم لحكمة وهدف. ومن رحمته تعالى بخَلْقه أنه لما أبهم الساعة جعل لها علامات تنبّه الغافل حتى لا تُفاجئ الناس. من رحمته بنا أن جعل لها علامات صغرى وعلامات كبرى، هذا حنان من الله على خَلْقه: {أية : لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً ..}تفسير : [الأعراف: 187]. وقوله: {يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ} [الجاثية: 27] أي: المستمرون في الباطل، وكلمة (يخسر) من الخسارة التي يقابلها المكسب، وهذه مسألة يعرفها التجار، فكل تاجر يريد المكسب أي: الزيادة على رأس المال. إذن: كل عمل من الأعمال يجب أنْ يُحسبَ من حيث المكسب والخسارة، فالكافر في الدنيا يظن أن عمله يعود عليه بالمكسب في الدنيا، لكن سيُفاجأ يوم القيامة حيث انتهى وقت العمل أنَّ عمله عاد عليه بالخسران. {أية : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً ..}تفسير : [آل عمران: 30]. ومعنى الخسارة هنا أن يجد كل أعماله ذهبتْ هباء منثوراً دون فائدة: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ}تفسير : [النور: 39]. لذلك لما سُئلنا عن أصحاب الاختراعات والابتكارات التي خدمت البشرية ويسَّرتْ على الناس حركة الحياة، وخفَّفتْ آلام المتألمين: كيف بعد هذا كله يدخلون النار؟ قلت: نعم، لأنهم عملوا هذه الأعمال لخدمة الإنسانية ولم يكُنْ الله في بالهم، لذلك أخذوا أجورهم من البشرية تكريماً وتخليداً لذكراهم وتمجيداً لهم، فعملوا لهم التماثيل وألفّوا فيهم الكتب .. إلخ. إذن: لا نصيبَ لهم في ثواب الآخرة، ولو عملوا لله لوجدوا الأجر عند الله، لأن الأجير لا يطلب أجره إلا ممنْ عمل له. لذلك سيُفاجأ الكافر بهذه الحقيقة، هذه المفاجأة نفهمها من قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ ..}تفسير : [النور: 39] فُوجئ بإله لم يكُنْ في باله، أو كان مُنكراً له كافراً به.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن سعة ملكه وانفراده بالتصرف والتدبير في جميع الأوقات وأنه { يوم تَقُومُ السَّاعَةُ } ويجمع الخلائق لموقف القيامة يحصل الخسار على المبطلين الذين أتوا بالباطل ليدحضوا به الحق، وكانت أعمالهم باطلة لأنها متعلقه بالباطل فبطلت في يوم القيامة، اليوم الذي تستبين به الحقائق، واضمحلت عنهم وفاتهم الثواب وحصلوا على أليم العقاب. ثم وصف تعالى شدة يوم القيامة وهوله ليحذره العباد ويستعد له العباد، فقال: { وَتَرَى } أيها الرائي لذلك اليوم { كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } على ركبها خوفا وذعرا وانتظارا لحكم الملك الرحمن. { كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا } أي: إلى شريعة نبيهم الذي جاءهم من عند الله، وهل قاموا بها فيحصل لهم الثواب والنجاة؟ أم ضيعوها فيحصل لهم الخسران؟ فأمة موسى يدعون إلى شريعة موسى وأمة عيسى كذلك وأمة محمد كذلك، وهكذا غيرهم كل أمة تدعى إلى شرعها الذي كلفت به، هذا أحد الاحتمالات في الآية وهو معنى صحيح في نفسه غير مشكوك فيه، ويحتمل أن المراد بقوله: { كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا } أي: إلى كتاب أعمالها وما سطر عليها من خير وشر وأن كل أحد يجازى بما عمله بنفسه كقوله تعالى: {أية : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا }. تفسير : ويحتمل أن المعنيين كليهما مراد من الآية ويدل على هذا قوله: { هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ } أي: هذا كتابنا الذي أنزلنا عليكم، يفصل بينكم بالحق الذي هو العدل، { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } فهذا كتاب الأعمال. ولهذا فصل ما يفعل الله بالفريقين فقال: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إيمانا صحيحا وصدقوا إيمانهم بالأعمال الصالحة من واجبات ومستحبات { فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ } التي محلها الجنة وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم، { ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ } أي: المفاز والنجاة والربح والفلاح الواضح البين الذي إذا حصل للعبد حصل له كل خير واندفع عنه كل شر. { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } بالله فيقال لهم توبيخا وتقريعا: { أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } وقد دلتكم على ما فيه صلاحكم ونهتكم عما فيه ضرركم وهي أكبر نعمة وصلت إليكم لو وفقتم لها، ولكن استكبرتم عنها وأعرضتم وكفرتم بها فجنيتم أكبر جناية وأجرمتم أشد الجرم فاليوم تجزون ما كنتم تعملون. ويوبخون أيضا بقوله: { وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ } منكرين لذلك: { مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ }. فهذه حالهم في الدنيا وحال البعث الإنكار له ورد قول من جاء به قال تعالى: { وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا } أي: وظهر لهم يوم القيامة عقوبات أعمالهم، { وَحَاقَ بِهِمْ } أي: نزل { مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي: نزل بهم العذاب الذي كانوا في الدنيا يستهزئون به وبوقوعه وبمن جاء به. { وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ } أي: نترككم في العذاب { كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا } فإن الجزاء من جنس العمل { وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ } أي: هي مقركم ومصيركم، { وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ } ينصرونكم من عذاب الله ويدفعون عنكم عقابه. { ذَلِكُمْ } الذي حصل لكم من العذاب { بـ } سبب { أنكم اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا } مع أنها موجبة للجد والاجتهاد وتلقيها بالسرور والاستبشار والفرح. { وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بزخارفها ولذاتها وشهواتها فاطمأننتم إليها، وعملتم لها وتركتم العمل للدار الباقية. { فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } أي: ولا يمهلون ولا يردون إلى الدنيا ليعملوا صالحا. { فَلِلَّهِ الْحَمْدُ } كما ينبغي لجلاله وعظيم سلطانه { رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الأرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي: له الحمد على ربوبيته لسائر الخلائق حيث خلقهم ورباهم وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. { وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: له الجلال والعظمة والمجد. فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبته تعالى وإكرامه، والكبرياء فيها عظمته وجلاله والعبادة مبنية على ركنين، محبة الله والذل له، وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه. { وَهُوَ الْعَزِيزُ } القاهر لكل شيء، { الْحَكِيمُ } الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا يشرع ما يشرعه إلا لحكمة ومصلحة ولا يخلق ما يخلقه إلا لفائدة ومنفعة. تم تفسير سورة الجاثية، ولله الحمد والنعمة والفضل
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):