Verse. 4506 (AR)

٤٥ - ٱلْجَاثِيَة

45 - Al-Jathiya (AR)

وَبَدَا لَہُمْ سَيِّاٰتُ مَا عَمِلُوْا وَحَاقَ بِہِمْ مَّا كَانُوْا بِہٖ يَسْتَہْزِءُوْنَ۝۳۳
Wabada lahum sayyiatu ma AAamiloo wahaqa bihim ma kanoo bihi yastahzioona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وبدا» ظهر «لهم» في الآخرة «سيئات ما عملوا» في الدنيا، أي جزاؤها «وحاق» نزل «بهم ما كانوا به يستهزئون» أي العذاب.

33

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي ظهر لهم جزاء سيئات ما عملوا. {وَحَاقَ بِهِم} أي نزل بهم وأحاط. {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} من عذاب الله.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَبَدَا } ظهر {لَهُمْ } في الآخرة {سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } في الدنيا، أي جزاؤها {وَحَاقَ } نزل {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } أي العذاب.

الخازن

تفسير : {وبدا لهم} أي في الآخرة {سيئات ما عملوا} أي في الدنيا والمعنى بدا لهم جزاء سيئاتهم {وحاق بهم} أي نزل بهم {ما كانوا به يستهزئون وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي تركتم الإيمان والعمل للقاء هذا اليوم {ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} أي ما لكم من مانعين يمنعونكم من العذاب {ذلكم} أي هذا الجزاء {بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا} يعني حين قلتم لا بعث ولا حساب {فاليوم لا يخرجون منها} أي من النار {ولا هم يستعتبون} أي لا يطلب منهم أن يرجعوا إلى طاعة الله والإيمان به لأنه لا يقبل ذلك اليوم عذر ولا توبة {فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين} معناه فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السموات والأرض والعالمين فإن مثل الربوبية والعامة توجب الحمد والثناء على كل حال {وله الكبرياء} أي وكبروه فإن له الكبرياء والعظمة {في السموات والأرض} وحق لمثله أن يكبر ويعظم {وهو العزيز الحكيم} (م) عن أبي سعيد وأبي هريرة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : العز إزاره والكبرياء رداؤه"تفسير : قال الله تعالى: "حديث : فمن ينازعني عذبته" تفسير : لفظ مسلم وأخرجه البرقاني وأبو مسعود رضي الله عنهما يقول الله عز وجل: "حديث : العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني شيئاً منهما عذبته" تفسير : ولأبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: "حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار ". تفسير : (شرح غريب ألفاظ الحديث) قيل هذا الكلام خرج على ما تعتاده العرب في بديع استعاراتهم وذلك أنهم يكنون عن الصفة اللازمة بالثياب يقولون شعار فلان الزهد ولباسه التقوى فضرب الله عز وجل الإزار والرداء مثلاً له في انفراده سبحانه وتعالى بصفة الكبرياء والعظمة، والمعنى أنهما ليسا كسائر الصفات التي يتصف بها بعض المخلوقين مجازاً كالرحمة والكرم وغيرهما وشبههما بالإزار والرداء لأن المتصف بهما يشملانه كما يشمل الرداء الإنسان ولأنه لا يشاركه في إزاره وردائه أحد فكذلك الله تعالى لا ينبغي أن يشاركه فيهما أحد لأنهما من صفاته اللازمة له المختصة به التي لا تليق بغيره والله أعلم.

البقاعي

تفسير : ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد، التفت إلى أسلوب الغيبة إعراضاً عنهم إيذاناً بشديد الغضب فقال تعالى: {وبدا} أي ولم يزالوا يقولون ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال، والزلازل والأهوال، وظهر {لهم} غاية الظهور {سيئات ما} ولما كان السياق للكفرة، وكانوا مؤاخذين بجميع أعمالهم فإنه ليس لهم أساس صالح يكون سبباً لتكفير شيء مما تقلبوا فيه ولم يقتض السياق خصوصاً مثل الزمر، عبر بالعمل الذي هو أعم من الكسب فقال: {عملوا} فتمثلت لهم وعرفوا مقدار جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك {وحاق بهم} أي أحاط على حال القهر والغلبة، قال أبو حيان: ولا يستعمل إلا في إلا في المكروه. {ما كانوا} جبلة وخلقاً {به يستهزءون *} أي يوجدون الهزء به على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك {وقيل} أي لهم على قطع الأحوال وأشدها قولاً لا معقب له، فكأنه بلسان كل قائل: {اليوم ننساكم} أي نفعل معكم بالترك من جميع ما يصلحكم فعل المنسي الذي نقطع عنه جميع إحساننا فيأتيه كل شر {كما نسيتم} وأضاف المصدر إلى ظرفه لما فيه من الرشاقة والبلاغة فقال تعالى: {لقاء يومكم هذا} أي الذي عملتم في أمره عمل الناسي له، ومن نسي لقاء اليوم نسيء لقاء الكائن فيه بطريق الأولى، وقد عابهم الله سبحانه تعالى بذلك أشد العيب لأن ما عملوه ليس من فعل الحزمة أن يتركوا ما ضرره محتمل لا يعتدون له، وإنما هذا فعل الحمق الذين هم عندهم أسقال لا عبرة لهم ولا وزن لهم، وعبر بالنسيان لأن علمه مركوز في طبائعهم، وعبر في فعله بالمضارع ليدل على الاستمرار، وفي فعلهم بالماضي ليدل على أن من وقع منه ذلك وقتاً ما وإن قل كان على خطر عظيم بتعريض نفسه لاستمرار الإعراض عنه. ولما كان تركه على هذا الحال يلزم منه استمرار العذاب، صرح به إيضاحاً له لئلا يظن غير ذلك، فقال مبيناً لحالهم: {ومأواكم النار} ليس لكم براح عنها أصلاً، لأن أعمالكم أدخلتكموها، ولا يخرج منها إلا من أذنا في إخراجه، نحن قد جعلناكم في عداد المنسي فلا يكون من قبلنا لكم فرج {وما لكم} في نفس الأمر سواء أفكرتم وأنتم مكذبون في مدافعة هذا اليوم أو تركتموه ترك المنسي {من ناصرين *} ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة. ولما ذكر جزاءهم على ما هو الحق المساوي لأعمالهم طبق الفعل بالفعل، علله بما لزم على أعمالهم فقال: {ذلكم} أي العذاب العظيم {بأنكم اتخذتم} أي بتكليف منكم لأنفسكم وقسر على خلاف ما أدى إليه العقل، وجاءت به الرسل، وساعدت عليه الفطر الأول {آيات الله} أي الملك الأعظم الذي لا شيء أعظم منه {هزواً} أي جعلتموها عين ما أنزلت للإبعاد منه {وغرتكم} لضعف عقولكم {الحياة الدنيا} أي الدنية فآثرتموها لكونها حاضرة وأنت كالبهائم لا يعدو نظركم المحسوس فقلتم: لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب، ولو تعقلتم وصفكم لها لأداكم إلى الإقرار بالأخرى. ولما أوصلهم إلى هذا الحد من الإهانة، سبب عنه زيادة في إهانتهم وتلذيذاً لأوليائه الذين عادوهم فيه وإشماتاً لهم بهم: {فاليوم} بعد إيوائهم فيها {لا يخرجون} بمخرج ما {منها} لأن الله لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك {ولا هم} خاصة {يستعتبون *} أي يطلب من طالب ما منهم الإعتاب، وهو الاعتذار بما يثبت لهم العذر ويزيل عنهم العتب الموجب للغضب بعمل من الأعمال الصالحات لأنهم في دار الجزاء لا دار العمل.

اسماعيل حقي

تفسير : {وبدا لهم} اى ظهر للكفار فى الآخرة {سيئات ما عملوا} من اضافة الصفة الى موصوفها اى اعمالهم السيئة على ما هى عليه من الصورة المنكرة الهائلة وعاينوا وخامة عاقبتها والمراد الشرك والمعاصى التى كانت تميل اليها الطبائع والنفوس وتشتهيها وتستحسنها ثم تظهر يوم القيامة فى الصور القبيحة فالحرام فى صورة الخنزير والحرص فى صورة الفارة والنملة والشهوة فى صورة الحمار والعصفور والغضب فى صورة الفهد والاسد والكبر فى صورة النمر والبخل فى صورة الجاموس والبقر والعجب فى صورة الدب واللواطة فى صورة الفيل والحيلة فى صورة الثعلب وسرقة الليل فى صورة الدلق وابن عرس والرباء والدعوى فى صورة الغراب والعقعق والبومة واللهو بالملاهى فى صورة الديك والفكر بلا قاعدة فى صورة القمل والبرغوث والنوح فى صورة ما يقال بالفارسية شغال والعلم بلا عمل كالشجرة اليابسة والرجوع من الطريقة الحقة فى صورة تحول الوجه الى القفا الى غير ذلك من الصور المتنوعة بحسب الاعمال المختلفة فكل ما اثمر لهم فى الآخرة انما هو فى زرع زرعوه فى مزرعة الدنيا باعمالهم السيئة ويجوز ان يراد بسيئات ما عملوا جزآؤها فان جزآء السيئة سيئة فسميت باسم سببها {وحاق بهم} احاط ونزل قال ابو حيان لا يستعمل الا فى المكروه يقال حاق به يحيق حيقا وحيوقا وحيقانا احاط به كأحاق والحيق ما يشتمل على الانسان من مكروه فعله {ما كانوا به يستهزؤن} من الجزآء والعقاب

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وبدا لهم} أي: ظهر لهؤلاء الكفرة {سيئاتُ ما عملوا} قبائح أعمالهم على ما هي عليه من الصورة المنكرة الهائلة، وعاينوا وخامة عاقبتها، أو: جزاؤها، فإن جزاء السيئة سيئة مثلها، {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} أي: نزل بهم جزاء استهزائهم من العقاب العظيم، {وقيل اليومَ ننساكم} نترككم ترك المنسي، {كما نسيتم} في الدنيا {لقاءَ يومكم هذا} أي: كما تركتم الاستعداد له، ولم تبالوا به. وإضافة اللقاء إلي اليوم إضافة المصدر إلى ظرفه، أي: لقاء الله في يومكم هذا، أو لقاء جزائه، {ومأواكم النارُ} أي: منزلكم، {وما لكم من ناصرين} لا أحد يمنعكم أو يخلصكم منها. {ذلكم} العذاب {بأنكم} بسبب أنكم {اتخذتم آياتِ الله} المنزَّلة {هُزواً} مهزوّاً بها، ولم ترفعوا لها رأساً، {وغرتكم الحياةُ الدنيا} وأَلْهتكم زخارفُ الدنيا، فحسبتم ألاّ حياة بعدها، {فاليومَ لا يُخرجون منها} أي: من النار، والالتفات إلى الغيبة للإيذان بإسقاطهم عن رتبة الخطاب، استهانة بهم. وقرأ الأَخوان بالخطاب. {ولا هم يُستعتبون} أي: لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم، أي: يرضوه بعمل صالح؛ لفوات إبانه، وإن طلبوا الرجوع لم يقبل منهم. {فللّه الحمدُ} خاصة، {ربّ السماوات وَربّ الأرض ربّ العالمين} فلا يستحق الحمد أحد سواه، أي: فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء، فإن مثل هذه الربوبية العامة، توجب الحمد والثناء على كل مربوب، وتكرير الرب للتأكيد والإيذان بأن ربوبيته تعالى لكل منهما بطريق الأصالة. {وله الكبرياءُ في السماوات والأرض} أي: وكبّروه، فقد ظهرت آثار كبريائه وعظمته في السموات والأرض، وإظهارهما في موضع الإضمار لتخفيم شأن الكبرياء، {وهو العزيزُ} الذي لا يُغلَب، {الحكيم} في كل ما قضى وقدّر، فاحمدوه وكبّروه، وأطيعوه، فصاحب هذه الصفات العظام مستحق لذلك. الإشارة: وقيل اليوم ننساكم من شهود قُربى، كما نسيتم لقاء يومكم هذا، فلو ذكرتموني على الدوام لقربتكم على الدوام، ولو ذكرتموني على الانفراد لأشهدتكم ذاتي على التماد، ولكنكم اتخذتم آيات الله الدالة على وجودي من الكائنات، والدالة على شهودي من الأولياء، هزواً، وغرتكم الحياة الدنيا، فاليوم لا يخرجون من غم الحجاب، ولا يُمنعون من انسداله، ولا هم يرضون ربهم، فيرضى عنهم، فللّه الحمد على غناه عن الكل، وله الكبرياء في السموات والأرض، أي: رداء الكبرياء منشور على أسرار ذاته في السموات والأرض، وهو ما ظهر من حسها، كما هو منشور على وجهه في جنة عدن، كما في الحديث. وقال الورتجبي: نفى الحق الكبرياء عن الحدثان؛ لأنه هو المستحق للكبرياء، وكبرياؤه ظاهر في كل ذرة، من العرش إلى الثرى، إذ هي كلها مستغرقة مقهورة في أنوار كبريائه، يعز بعزه الأولياء، ويقهر بقهره الأعداء، حكيم في إبداع الخلق وإلزامهم عبوديته، التي هي شرائعه المحكمة بحكمه، وقال سهل رضي الله عنه: وله الكبرياء: العلو والقدرة والعظمة، والحول والقوة في جميع الملك، فمَن اعتصم به أيّده بحَوْلِه وقوته، ومَن اعتمد على نفسه وكله الله إليها. هـ. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم.

اطفيش

تفسير : {وَبَدَا} أي ظهر في الاخرة {لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي جزاؤها على حذف مضاف أو السيئات العقوبات السيئات المستوجبة هي ما عملوه* {وَحَاقَ} نزل وأحاط ولا يستعمل الا فيما يكره* {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ} من العذاب (فما) واقعة على العذاب وقيل على الدين ويقدر مضاف أى جزاء ما كانوا الخ

اطفيش

تفسير : {وبَدا} ظهر {لَهُم سيئات ما عَملُوا} العقوبات السيئات أضيفت الى ما عملوا لأن ما عملوا هو سببها أو السيئات الذنوب والاضافة لأنهم علموا سيئات ومباحات، وربما عملوا عملا صالحا لا ينفعهم لبطلانه، أحضرت لهم ليقروا بها فيشتد قيام الحجة، وهى عبارة عن العقاب، إذ كانت سببه، أو يقدر مضاف أى جزاء ما عملوا، أو المراد سيئات جهات قبحها، أعنى قبح أعمالهم، ولا يلزم من هذا قول بالتقبيح والتحسين العقليين، واعلم أن ما الموصولة لا تنعت، فلا يقال: فى الآية إضافة الصفة الى الموصوف، ويجوز أن تكون مصدرية {وحَاق} نزل {بهِم مَا كانُوا يَسْتهْزئون} من العقاب، أو عقاب الدين الذى استهزءوا به، أى العقاب الذى على الاستهزاء.

الالوسي

تفسير : / {وَبَدَا لَهُمْ } أي ظهر لهم حينئذٍ {سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} أي قبائح أعمالهم أي عقوباتها فإن العقوبة تسوء صاحبها وتقبح عنده أو سيآت أعمالهم أي أعمالهم السيآت على أن تكون الإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف والكلام على تقدير مضاف أي ظهر لهم جزاء ذلك أو أن يراد بالسيآت جزاؤها من باب إطلاق السبب على المسبب، وقيل: المراد ظهر لهم الجهات السيئة الغير الحسنة عقلاً لأعمالهم أي جهات قبحها العقلي التي خفيت عليهم في الدنيا بتزيين الشيطان؛ وهو قول بالحسن والقبح العقليين في الأفعال. و{مَا } موصولة، وجوز أن تكون مصدرية فلا تغفل {وَحَاقَ } أي حل {بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } من الجزاء والعقاب.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : أفلم تكن آياتي تتلى عليكم } تفسير : [الجاثية: 31] باعتبار تقدير: فيقال لهم، أي فيقال لهم ذلك {وبدا لهم سيئات ما عملوا}، أي جُمع لهم بين التوبيخ والإزعاج فوبخوا بقوله: {أفلم تكن آياتي تتلى عليكم} إلى آخره، وأُزعجوا بظهور سيئات أعمالهم، أي ظهور جزاء سيئاتهم حين رأوا دار العذاب وآلاته رؤيةَ من يوقن بأنها مُعَدة له وذلك بعِلم يحصل لهم عند رؤية الأهوال. وعبر بالسيئات عن جزائها إشارة إلى تمام المعادلة بين العمل وجزائه حتى جعل الجزاء نفسَ العمل على حد قوله: { أية : فذُوقوا ما كنتم تكنزونَ } تفسير : [التوبة: 35]. ومعنى {حاق} أحاط. و{ما كانوا به يستهزئون} يعُم كلّ ما كان طريق استهزاء بالإسلام من أقوالهم الصادرة عن استهزاء مثل قولهم: { أية : إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين } تفسير : [الجاثية: 32]. وقول العاصِي بن وائل لخباب بن الأرتّ: لأوتين مالاً وولدا في الآخرة فأقضي منه دينَك. ومن الأشياء التي جعلوها هُزؤاً مثل عذاب جهنم وشجرة الزقوم وهو ما عبر عنه آنفاً بــ {سيئات ما عملوا}. وإنما عدل عن الإضمار إلى الموصولية لأن في الصلة تغليطاً لهم وتنديماً على ما فرطوا من أخذ العدة ليوم الجزاء على طريقة قول عبدة بن الطيب: شعر : إن الذين تُرونَهم إخوانَكم يشفي غليلَ صدورهم أن تُصرعوا تفسير : والمعنى: أنهم قد أودعوا جهنم فأحاط بهم سرداقها. والباء في {به يستهزئون} يجوز حملها على السببية وعلى تعدية فعل {يستهزئون} إلى ما لا يتعدى إليه أي العذاب.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 33- وظهر لهؤلاء الكفار قبائح أعمالهم، ونزل بهم جزاء استهزائهم بآيات الله. 34- وقيل لهؤلاء المشركين - توبيخاً -: اليوم نترككم فى العذاب كما تركتم الاستعداد للقاء ربكم فى هذا اليوم بالطاعة والعمل الصالح، ومقركم النار، وليس لكم من ناصرين ينقذونكم من عذابها. 35- ذلكم العذاب الذى نزل بكم بسبب كفركم واستهزائكم بآيات الله، وخدعتكم الحياة الدنيا بزخرفها، فاليوم لا يستطيع أحد إخراج هؤلاء من النار، ولا هم يطلب منهم أن يرضوا ربهم بالاعتذار. 36- فلله - وحده - الثناء، خالق السموات والأرض وخالق جميع الخلق، فإن هذه الربوبية العامة توجب الحمد على كل نعمة. 37- وله - وحده سبحانه - العظمة والسلطان فى السموات والأرض، وهو العزيز الذى لا يغلب، ذو الحكمة الذى لا يخطئ فى أحكامه.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات وبدا لهم سيئات ما عملوا: أي ظهر لهم في يوم القيامة جزاء سيئات ما عملوه في الدنيا من الشرك والمعاصي. وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون: أي نزل وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يستهزئون به إذا ذكروا به وخوفوا منه في الدنيا. وقيل اليوم ننساكم: أي وقال الله تعالى لهم اليوم ننساكم أي نترككم في النار. كما نسيتم لقاء يومكم هذا: أي مثل ما نسيتم يومكم هذا فلم تعملوا له بما ينجى فيه وهو الإِيمان والعمل الصالح، وترك الشرك والمعاصي. ومأواكم النار: أي ومحل إقامتكم النار. ومالكم من ناصرين: أي من ناصرين ينصرونكم بإخراجكم من النار. ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله: أي ذلكم العذاب كان لكم بسبب كفركم واتخاذكم آيات الله هزواً. هزواً: أي شيئا مهزؤاً به. وغرتكم الحياة الدنيا: أي طول العمر والتمتع بالشهوات والمستلذات. ولا هم يستعتبون: أي لا يؤذن لهم في الاستعتاب ليعتبوا فيتوبوا. فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض: أي فلله وحده الوصف بالجميل لإنجاز وعيده لأعدائه. وله الكبرياء في السماوات والأرض: أي العظمة والحكم النافذ الناجز على من شاء. وهو العزيز الحكيم: أي وهو العزيز في انتقامه من أعدائه الحكيم في تدبير خلقه. معنى الآيات: ما زال السياق في عرض مشاهد القيامة وبعض ما يتم فيها من عظائم الأمور لعل السامعين لها يتعظون بها فقال تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} أي وظهر للمشركين المكذبين بالبعث والجزاء ظهر لهم وشاهدوا العذاب الذي كانوا إذا ذكروا به أو خوفوا منه استهزأوا به وسخروا منه. وقد حل بهم ونزل بساحتهم وأحاط بهم وقال لهم الرب تعالى اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا أي نترككم في عذاب النار كما تركتم العمل المنجى من هذا العذاب وهو الإِيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والمعاصي. ومأواكم النار أي هي مأواكم ودار إقامتكم {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} أي وليس لكم من ينصركم فيخلصكم من النار، وعلة هذا الحكم عليهم بيَّنها تعالى بقوله {ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي حكم عليكم بالعذاب والخذلان بسبب اتخاذكم آيات الله الحاملة للحجج والبراهين الدالة على وجود الله ووجوب توحيده وطاعته هزواً أي شيئا مهزواً به، {وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} بزخرفها وزينتها، وطول أعماركم فيها فلم تؤمنوا ولم تعملوا صالحا ينجيكم من هذا العذاب الذي حاق بكم اليوم. قال تعالى {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا} وترك مخاطبتهم إشعاراً لهم بأنهم لا كرامة لله لهم اليوم فلم يقل فاليوم لا تخرجون منها، بل عدل عنها إلى قوله {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} أي لم يطلب منهم أن يعتبوا ربهم بالتوبة إليه، إذ لا توبة بعد الموت والرجوع إلى الدنيا غير ممكن في حكم الله وقضائه. وهنا تعظم حسرتهم ويشتد العذاب عليهم ويعظم كربهم. وقوله تعالى: {فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي رب كل شيء ومليكه حمد نفسه، وقصر الحمد عليه بعد أن أنجز ما أوعد به الكافرين، وذكر موجب الحمد وهو سلطانه القاهر في السماوات وفي الأرض، وقوله {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ} أي العظمة والسلطان {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ} الذي لا يمانع ولا يغالب، والشديد الانتقام، الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه الحكيم في تدبير خلقه ويتجلى ذلك في إكرام أوليائه برحمتهم، وإهانة أعدائهم بتعذيبهم في دار العذاب النار وبئس المصير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن الاستهزاء بآيات الله وشرائعه كفر موجب للعذاب. 2- تقرير قاعدة الجزاء من جنس العمل، وكما يدين الفتى يدان. 3- مشروعية الحمد عند الفراغ من أي عمل صالح أو مباح.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْتَهْزِئُونَ} (33) - وَظَهَرَتْ لَهُم في ذلِكَ المَوقِفِ قَبَائِحُ أَعْمَالِهِمْ، وَأَحَاطَ بِهِم العَذَابُ الذِي كَانُوا يَسْخَرونَ مِنهُ، وَيَسْتَهزِئُونَ بهِ، وَيَسْتَبعِدُونَ وُقُوعَهُ. حاقَ بِهِمْ - نَزَلَ بِهِمْ وَأَحَاطَ بِهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: ظهر لهم عملهم السيء في الدنيا {وَحَاقَ بِهِم ..} [الجاثية: 33] يعني: أحاط بهم فلا يجدون منه مفراً ولا مهرباً {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الجاثية: 33].

الجيلاني

تفسير : {وَ} بالجملة: {بَدَا} وظهر {لَهُمْ} بعدما تُبلى السرائر، وانكشفت الحجب والأستار {سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} مصرين عليه، وعرفوا وخامة عاقبته {وَ} حينئذ {حَاقَ} وأحاط {بِهِم} جزاء {مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الجاثية: 33]. {وَقِيلَ} لهم حينئذ من قبل الحق {ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ} نترككم في النار خالدين {كَمَا نَسِيتُمْ} ونبذتم وراء ظهوركم {لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} بل أنكرتم لقياه، وكذبتم الرسل المبلغين لكم أخباره، المنذرين لكم من أهواله {وَ} بالجملة: {مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} أبداً، لا منزل لكم سواه {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [الجاثية: 34] منقذين لكم منها بعدما استوجبتم بها بمفاسد أعمالكم ومقابح أفعالكم. {ذَلِكُم} الذي وقعتم فيها وابتُليتم بها {بِأَنَّكُمُ} بسبب أنكم {ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ} الدالة على الرشاد والهداية {هُزُواً} محل استهزاء، واستهزأتم بها بلا مبالاة بشأنها، وأنكرتم عليها بلا تأمل وتفكر في برهانها {وَ} أيضاً بسبب أنكم {غَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} ولذاتها وشهواتها، بحيث لا تلتفتون إلى العقبى ولذاتها الأبدية، بل تنكرون عليها عناداً ومكابرة {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا} أي: من النار المترتبة على ذلك الاتخاذ والغرور {وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} [الجاثية: 35] أي: لا يمكنهم أن يعتذروا عند الله، ويتداركوا ما فوتوا على أنفسهم بالتوبة والإنابة؛ إذ قد انقرض أوانه ومضى زمانه. وبعدما ثبت أن مرجع الكل إلى الله ومحياه ومماته بيده، وله أن يثيب ويعاقب عباده على مقتضى فضله وعدله {فَلِلَّهِ} على وجه الاختصاص لا لغيره من الوسائل والأسباب العادية {ٱلْحَمْدُ} المستوجب لجمع الأثنية، والمحامد الصادرة من ألسنة ذرائر مظاهره، لكونه {رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات {وَرَبِّ ٱلأَرْضِ} أي: السفليات، ورب ما يتركب منهما من الممتزجات، وبالجملة: {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الجاثية: 36] أي: مربي الكل، هو بذاته علواً وسفلاً، بسيطاً ومركباً، غيباً وشهادةً. {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ} والعظمة {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تدبيراً وتصرفاً، حلاً وعقداً؛ إذ ظهور الكل من آثار أوصافه وأسمائه {وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ} الغالب على عموم تدابيره وتقاديره، إرادة واختياراً {ٱلْحَكِيمُ} [الجاثية: 37] المتقن في جميع مقدوراته ومراداته على الوجه الأبلغ الأحكم. فعليكم أيها المجبولون على فطرة العبودية والعرفان: أن تحمدوه وتكبرا ذاته، وتشكروا نعمه؛ لتؤدوا شيئاً من حقوق كرمه، إن كنتم مخصلين. جعلنا من زمرة الحامدين المخلصين. خاتمة السورة عليك أيها السالك المتحقق بمقام الرضا والتسليم، المنكشف بعظمة الله وكمال كبريائه وعلو شأنه وبهائه: أن تواظب وتلازم على أداء الشكر له، ملاحظاً نعمه الفائضه المترادفة عليك، المتجددة آناً فآناً، بحيث تستغرق جميع أوقاتك وحالاتك بشكره سبحانه؛ إذ علامة العارف الواصل ألا رى في مملكة الوجود سواه سبحانه، ولا يتكلم إلا به ومعه وفيه وله، لا إله إلا هو، ولا نعبد إلا إياه.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ} [الجاثية: 33]؛ أي: أثمر لهم في الآخرة ما زرعوا في مزرعة الدنيا بأعمالهم السيئة، {وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الجاثية: 33]، أهل الحق {وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَاكُمْ} [الجاثية: 34]، من الرحمة {كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا} [الجاثية: 34]؛ أي: كما زرعتم في مزرعة الدنيا بذر النسيان أثمركم في الآخرة ثمرة النسيان، {وَمَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ} [الجاثية: 34]؛ لأنها مأوى من نسينا، كما أن الجنة مأوى من ذكرنا، {وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [الجاثية: 34]؛ ليخلصوكم منها، {ذَلِكُم} [الجاثية: 35]؛ أي: أصابكم ذلكم {بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ} [الجاثية: 35]، التي رأيتم على مخلص عبادنا، {هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [الجاثية: 35]؛ إذ ما قبلتم وصيتنا إذ قلنا؛ فلا تغرنك بالحياة، {فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا} [الجاثية: 35]؛ من نار قهرنا؛ لأنكم دخلتم فيها على قدمي الحرص والشهوة فيها، {وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ} [الجاثية: 35] في الرجوع إلى الجنة على قدمي الإيمان والعمل الصالح. {فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [الجاثية: 36]؛ أي: رب سماوات القلوب يربيها بين إصبعي اللطف والقهر، إن شاء أقامها ليكون مظهراً لصفات اللطف، وإن شاء أزاغها ليكون مظهراً لصفات القهر، {وَرَبِّ ٱلأَرْضِ} [الجاثية: 36]؛ أي: رب أرض النفوس ينبت فيه ما يشاء من شجرة الكفر والإيمان ونبات السعادة والشقاوة، كما هو {رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الجاثية: 36]، يخلق فيها ما يشاء من أصناف المخلوقات. {وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الجاثية: 37]، بأنهما مظهر صفات عظمته وجلاله وعزته وكبريائه؛ يعني: إذا تجلى الحق - عز وعلا - بصفة من صفاته لمرآة قلب عبد من عباده، إنما يتجلى بحسب استعداد مرآة قلب العبد لا بحسب كمالية صفاته؛ فإن له تعالى بكل صفة كبرياء وعظمة لا نهاية لها، وإنه لو تجلى بصفة من صفاته بعظمتها وكبريائها؛ لاضمحلت الموجودات وتلاشت المكونات، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج أنملة إبهامه فوضعه على نصف أنملة خنصره، وقال: "حديث : تجلى نور الربوبية هذا المقدار للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً"تفسير : ، وكبرياء كل صفة من صفاته بأنه لا أول لها ولا مبدأ لها، بل هي أبدية صمدية وسرمدية؛ ولهذا قال: "حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منها ألقيته في جهنم"تفسير : ؛ فلهذه [الخصوصية] للعبد أن يخلق بكل خلق من أخلاق الحق تعالى، ولكنه محال أن يتخلق بهذين الخُلقين؛ لأنهما أزلي أبدي لا يتطرق إليهما التغير وفي خلق العبد تغير، وله بداية ونهاية وله مبدئ ومعيد، {وَهُوَ ٱلْعِزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [الجاثية: 37].