٤٦ - ٱلْأَحْقَاف
46 - Al-Ahqaf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى:{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} يعني القرآن. {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
ابن كثير
تفسير : يقول عز وجل مخبراً عن المشركين في كفرهم وعنادهم: أنهم إِذا تتلى عليهم آيات الله بينات، أي في حال بيانها ووضوحها وجلائها يقولون: {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي سحر واضح، وقد كذبوا وافتروا، وضلوا وكفروا {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} يعنون: محمداً صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل: {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني وليس كذلك، لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض، لا أنتم ولا غيركم، أن يجيرني منه، كقوله تبارك وتعالى: {أية : قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ} تفسير : [الجن: 22 ــــ 23] وقال تعالى: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ} تفسير : [الحاقة: 44 ــــ 47] ولهذا قال سبحانه وتعالى هٰهنا: {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} هذا تهديد ووعيد أكيد وترهيب شديد. وقوله جل وعلا: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} ترغيب لهم إِلى التوبة والإنابة، أي ومع هذا كله إِن رجعتم وتبتم تاب عليكم وعفا عنكم وغفر ورحم، وهذه الآية كقوله عز وجل في سورة الفرقان: {أية : وَقَالُوۤاْ أَسَـٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } تفسير : [الفرقان: 5 ــــ 6]. وقوله تبارك وتعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} أي لست بأول رسول طرق العالم، بل جاءت الرسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا بعثتي إِليكم فإِنه قد أرسل الله جل وعلا قبلي جميع الأنبياء إِلى الأمم، قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} ما أنا بأول رسول، ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك. وقوله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية: نزل بعدها: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2] وهكذا قال عكرمة والحسن وقتادة: إِنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2] قالوا: ولما نزلت هذه الآية، قال رجل من المسلمين: هذا قد بين الله تعالى ماهو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: {أية : لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ}تفسير : [الفتح: 5] هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح أن المؤمنين قالوا: هنيئاً لك يارسول الله فما لنا؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، وقال الضحاك: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} أي ما أدري بماذا أومر، وبماذا أنهى بعد هذا؟ وقال أبو بكر الهذلي عن الحسن البصري في قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} قال: أما في الآخرة فمعاذ الله، وقد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أيخسف بكم أو ترمون بالحجارة؟ وهذا القول هو الذي عول عليه ابن جرير وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به صلى الله عليه وسلم، فإِنه بالنسبة إِلى الآخرة جازم أنه يصير إِلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يؤول إِليه أمره وأمر مشركي قريش إِلى ماذا، أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي عن ابن شهاب عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء، وهي امرأة من نسائهم أخبرته، وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون رضي الله عنه فاشتكى عثمان رضي الله عنه عندنا، فمرضناه، حتى إِذا توفي أدرجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله عز وجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وما يدريك أن الله تعالى أكرمه؟»تفسير : فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإِني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل بي»تفسير : . قالت: والله لا أزكي أحداً بعده أبداً، وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان رضي الله عنه عيناً تجري، فجئت إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ذاك عمله» تفسير : فقد انفرد بإِخراجه البخاري دون مسلم، وفي لفظ له: «حديث : ما أدري وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل به؟»تفسير : وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها: فأحزنني ذلك، وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمعين بالجنة إِلا الذي نص الشارع على تعيينهم كالعشرة وابن سلام والعميصاء وبلال وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة وما أشبه هؤلاء رضي الله عنهم. وقوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ} أي إِنما أتبع ما ينزله الله علي من الوحي {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي بين النذارة، أمري ظاهر لكل ذي لب وعقل، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ } أي أهل مكة {ءَايَٰتِنَا } القرآن {بَيِّنَٰتٍ } ظاهرات حال {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } منهم {لِلْحَقِّ } أي القرآن {لَمَّا جَآءَهُمْ هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } بيِّن ظاهر.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرُّسُلِ} قال ابن عباس: معناه لست بأول الرسل. والبدع الأول. والبديع من كل شيء المبتدع، وأنشد قطرب لعدي بن زيد: شعر : فلا أنا بدع من حوادث تعتري رجالاً غدت من بعد بؤسي بأسعد تفسير : {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا لا في الآخرة، فلا أدري ما يفعل بي أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي، أو أُقتل كما قتل الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بكم، إنكم مصدقون أو مكذبون، أو معذبون أو مؤخرون، قاله الحسن: الثاني: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة. وهذا قبل نزول {لِيَغْفِر لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} الآية. فلما نزل عليه ذلك عام الحديبية علم ما يفعل به في الآخرة وقال لأصحابه: "حديث : لَقَدْ أَنْزَلَ عَلَيَّ آيَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعِهَا" تفسير : فلما تلاها قال رجل من القوم: هنيئاً يا رسول الله، قد بين الله ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: {أية : لِيُدْخِلَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} تفسير : الآية. قاله قتادة. الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال قبل الهجرة "حديث : لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَنَامِي أَرْضاً أَخْرُجُ إِلَيْهَا مِن مَكَّةَ" تفسير : فلما اشتد البلاء على أصحابه بمكة قالوا: يا رسول الله حتى متى نلقى هذا البلاء؟ ومتى تخرج إلى الأرض التي رأيت؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُم، أَنَمُوتُ بِمَكَّةَ أَمْ نَخْرُجُ مِنهَا" تفسير : قال الكلبي. الرابع: معناه قل لا أدري ما أؤمر به ولا ما تؤمرون به، قاله الضحاك.
ابن عطية
تفسير : الآيات المذكورة هي آيات القرآن، بدليل قوله: {تتلى} وبقول الكفار: {هذا سحر} وإنما قالوا ذلك عن القرآن من حيث قالوا: هو يفرق بين المرء وبين ولده، وبينه وبين زوجه، إلى نحو هذا مما يوجد مثله للسحر بالوجه الأخس. وقوله تعالى: {أم يقولون افتراه}، {أم} مقطوعة مقدرة بـ {بل} وألف الاستفهام. و: {افتراه} معناه: اشتقه واختلقه، فأمره الله تعالى أن يقول: {إن افتريته} فالله حسبي في ذلك، وهو كان يعاقبني ولا يمهلني. ثم رجع القول إلى الاستسلام إلى الله تعالى والاستنصار به عليهم وانتظار ما يقتضيه علمه {بما يفيضون فيه} من الباطل ومرادة الحق، وذلك يقتضي معاقبتهم، ففي اللفظة تهديد. والضمير في قوله: {فيه} يحتمل أن يعود على القرآن، ويحتمل العودة على {بما}. والضمير في: {به} عائد على الله تعالى. و: {به} في موضع رفع، وأفاض الرجل في الحديث والسب ونحوه: إذا خاض فيه واستمر. وقوله: {وهو الغفور الرحيم} ترجية واستدعاء إلى التوبة، لأنه في خلال تهديده إياهم بالله تعالى جاءت هاتان الصفتان. ثم أمره تعالى أن يحتج عليهم بأنه لم يكن {بدعاً من الرسل}، أي قد جاء غيري قبلي، قاله ابن عباس والحسن وقتادة. والبدع والبديع من الأشياء ما لم ير مثله، ومنه قول ترجمة عدي بن زيد: [الطويل] شعر : فما أنا بدع من حوادث تعتري رجالاً عرت من بعد بؤسى وأسعد تفسير : وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة وأبو حيوة: "بدَعاً" بفتح الدال. قال أبو الفتح، التقدير: ذا بدع فحذف المضاف كما قال [النابغة الجعدي]: [المقارب] شعر : وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب تفسير : واختلف الناس في قوله: {ما أدري ما يفعل بي ولا بكم}، فقال ابن عباس وأنس بن مالك والحسن وقتادة وعكرمة: معناه: في الآخرة، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرفه الله تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم، والحديث الذي وقع في جنازة عثمان بن مظعون يؤيده هذا وهو قوله: "حديث : فوالله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي"، وفي بعض الرواية: "به"تفسير : ، ولا حجة في الحديث على رواية "به"، والمعنى عندي في هذا القول أنه لم تكشف له الخاتمة فقال لا أدري؟ وأما أن من وافى على الإيمان فقد أعلم بنجاته من أول الرسالة وإلا فكان للكفار أن يقولوا: وكيف تدعونا إلى ما لا تدري له عاقبة، وقال الحسن أيضاً وجماعة. معنى الآية: {ما أدري ما يفعل بي ولا بكم} في الدنيا من أن أنصر عليكم أو من أن تمكنوا مني، ونحو هذا من المعنى. وقالت فرقة: معنى الآية: {ما يفعل بي ولا بكم} من الأوامر والنواهي وما تلزم الشريعة من أعراضها. وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال: نزلت الآية في أمر كان النبي صلى الله عليه وسلم ينتظره من الله في غير الثواب والعقاب، وروي عن ابن عباس أنه لما تأخر خروج النبي عليه السلام من مكة حين رأى في النوم أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وسبخة، قلق المسلمون لتأخر ذلك، فنزلت هذه الآية. وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ} معناه: الاستسلام والتبري من علم المغيبات والوقوف مع النذارة من عذاب الله عز وجل.
البقاعي
تفسير : ولما بين أنهم في غاية السفه في عبادة ما لا دليل بوجه على عبادته، أتبعه بيان أنهم في غاية الغباوة بإنكار ما لا شيء أبين منه، فقال عاطفاً على {والذين كفروا عما أنذروا معرضون}: {وإذا تتلى} أي تقرأ من أي قارئ كان على وجه المتابعة {عليهم آياتنا} أي التي لا أعظم منها في أنفسها وبإضافتها إلينا {بينات} لا شيء أبين منها قالوا - هكذا كان الأصل ولكنه بين الوصف الحامل لهم على القول فقال: {قال الذين كفروا} أي ستروا تلك الأنوار التي أبرزتها تلك التلاوة لها - هكذا كان الأصل ولكنه قال: {للحق} أي لأجله {لما} أي حين {جاءهم} بيانها لأنها مع بيانها لا شيء أثبت منها وأنهم بادروا أول سماعهم لها إلى إنكارها دون تفكر: {هذا} أي الذي تلي {سحر} أي خيال لا حقيقة له {مبين *} أي ظاهر في أنه خيال، فدل قولهم هذا - بمبادرتهم إليه من غير تأمل أصلاً، وبكونه أبعد الأشياء عن حقيقة ما قيل فيه - على أنهم أكثر الناس عناداً وأجرؤهم على الكذب وهم يدعون أنهم أعرق الناس في الإنصاف وألزمهم للصدق. ولما دلت هذه الآيات بعظيم حججها وزخار ما أغرق من لججها، على أن ما يدينون به أوهى من الخيال، وأن هذا الكتاب في صدقه وكل شيء من أمره أثبت من الجبال، فكانوا أجدر الخلق بأن يقولوا: رجعنا عما كنا فيه وآمنا، كان موضع أن يقال: هل أقروا بأنك صادق في نسبة هذا الكتاب إلى الله، فعادله بقوله دليلاً عليه: {أم يقولون} مجددين لذلك متابعين له {افتراه} أي تعمد كذبه، فيكون ذلك من قولهم عجباً لأنه قول مقرون بما يكذبه ويبطله كما يأتي في تقريره. ولما كان كأنه قيل: إنهم ليقولون ذلك، وقد قرحوا القلوب به فماذا يردهم عنه؟ قيل: {قل} ما هو أشد عليهم من وقع النبل، وهو ما يرد ما رموك به عليهم بحجة هي أجلى من الشمس في الظهيرة صحواً ليس دونها سحاب. ولما كان من عادة الملوك أنه متى كذب عليهم أحد عاجلوه بالعقوبة قال: {إن افتريته} أي تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما أريد به نصيحتكم، فالذي أفتريه عليه وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا يتركني أصلاً، وذلك هو معنى قوله: {فلا تملكون} أي أيها المنصوحون في وقت من الأوقات بوجه من الوجوه {لي من الله} أي الملك الأعظم العزيز المتكبر الحكيم {شيئاً} مما يرد عني انتقامه مني لأن الملك لا يترك من كذب عليه مطلق كذب، فكيف بمن يتعمد الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة ويلازمه مساء وصباحاً غدواً ورواحاً، فأي حامل لي حينئذ على افترائه، والمقصود به لا ينفعني، والمكذوب عليه لا يتركني؛ ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب الانتقام بقوله: {هو أعلم} أي منكم ومن كل أحد {بما تفيضون فيه} من نسبتي إلى الكذب، فلو أنه كما تقولون ما ناظرني فضلاً عن أنه يؤيدني وينصرني، وفيه على ذلك تهديد لهم وتسلية له وتفريج عنه. ولما كان الإملاء وحده ليس قاطعاً في ذلك وإن كان ظاهراً فيه، فكان لا بد في دعوى الصدق من دليل قاطع وبرهان ساطع، وكانت شهادة الملك الذي الكلام فيه أعظم الأدلة لأنه الأعلم، ومدار الشهادة العلم، فأنتج الكلام قطعاً قوله: {كفى} وأكد الكلام بما قرن بالفاعل من حرف الجر تحقيقاً للفعل ونفياً للمجاز فقال: {به شهيداً} أي شاهداً بليغ الشهادة لأنه الأعلم بجميع أحوالنا {بيني وبينكم} يشهد بنفسه الأقدس للصادق منا وعلى الكاذب، وقد شهد بصدقي بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه كلامه لأني لا أقدر وحدي على ما لا تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين وأنتم عرب مثلي، بل وأنا أمي وفيكم أنتم الكتبة والذين خالطوا العلماء وسمعوا أحاديث الأمم وضربوا - بعد بلاد العجم - في بلاد العرب، فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم كاذبون {وهو الغفور} الذي من شأنه أن يمحو الذنوب كلها أعيانها وآثارها فلا يعاقب عليها ولا يعاتب {الرحيم *} الذي يكرم بعد المغفرة ويفضل بالتوفيق لما يرضيه، ففي هذا الختام ترغيب للنبي صلى الله عليه وسلم في الصفح عنهم فيما نسبوه إليه في افتتاحها من الافتراء، وندب إلى الإحسان إليهم، وترغيب لهم في التوبة، ومنع من أن يقولوا: فلم لا يعاجلنا بالعقوبة على نسبتنا لك إلى الكذب إن كنت صادقاً بأنه يجوز أن يمهل الكاذب، وأما أنه يؤيده بما يشد به كذبه اللازم منه أنه يزيد فيه فلا يجوز، لأن ذلك قادح في الحكمة وفي الكبرياء وفي الملك. ولما كان من أعظم الضلال أن ينسب الإنسان إلى الكذب من غير دليل في شيء لم يبتدعه، بل تقدمه بمثله ناس قد ثبت صدقهم في مثل ذلك ومضت عليه الأزمان وتقرر غاية التقرر في القلوب والأذهان، قال تعالى: {قل} أي لهؤلاء الذين نسبوك إلى الافتراء: {ما كنت} أي كوناً ما {بدعاً} أي منشئاً مبتدعاً محدثاً مخترعاً بحيث أكون أجنبياً منقطعاً {من الرسل} لم يتقدم لي منهم مثال في أصل ما جئت به، وهو الحرف الذي طال النزاع بيني وبينكم فيه وعظم الخطب وهو التوحيد ومحاسن الأخلاق بل قد تقدمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به ودعوا إليه كما دعوت وصدقهم الله بمثل ما صدقني به، فثبتت بذلك رسالاتهم وسعد بهم من صدقهم من قومهم، وشقي بهم من كذبهم، فانظروا إلى آثارهم، واسألوا عن سيرهم من أتباعهم وأنصارهم وأشياعهم، قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه: والبدعة الاسم لما ابتدع وضد البدعة السنة، لأن السنة ما تقدم له إمام، والبدعة ما اخترع على غير مثال، وفي الحديث"حديث : كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"تفسير : معناه - والله أعلم - أن يبتدع ما يخالف السنة إذ كانت البدعة ضد السنة، فإذا أحدث ما يخالفها كان بإحداثه لها ضالاً مشركاً، وكان من أحدث في النار، ولم يدخل تحت هذا ما يخترع الإنسان من أفعال البر يسمى بدعة لعدم فعله قبل ذلك فيخرج عما ذكرنا إن كان له نظير في الأصول، وهو الحض على كل أفعال البر ما علم منها وما لم يعلم، فإن أحدث محدث من ذلك شيئاً فكأنه زيادة فيما تقدم من البر وليس بضد لما تقدمه من السنة، بل هو باب من أبوابها، ويقولون: ما فلان ببدع في هذا الأمر أي ليس هو بأول من أصابه ذلك ولكن سبقه غيره أيضاً، قال الشاعر: شعر : ولست ببدع من النائبات ونقض الخطوب وإمرارها تفسير : ويقال: أبدع بالرجل - إذا كلت راحلته، وأبدعت الركاب إذا كلت وعطبت، وقيل: كل من عطبت ركابه فانقطع به فقد أبدع به، وقال في القاموس: والبدعة الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعده صلى الله عليه وسلم من الأهواء والأعمال، وأبدع بالرجل: عطبت ركابه، وبقي منقطعاً به، وأبدع فلان بفلان: قطع به وخذله، ولم يقم بحاجته، وحجته بطلت، وقال الصغاني في مجمع البحرين: وشيء بدع - بالكسر أي مبتدع، وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع، وقوم أبداع، عن الأخفش: والبديع المبتدع والبديع المبتدع أيضاً، وأبدعت حجة فلان - إذا بطلت وأبدعت: أبطلت - يتعدى ولا يتعدى. ولما أثبت بموافقته صلى الله عليه وسلم للرسل أصل الكلام وبقي أن يقال: إن التكذيب في أن الله أرسله به، قام الدليل على صدقه في دعواه، وذلك بأنه مماثل لهم في أصل الخلقة ليس له من ذاته من العلم إلا ما لهم، وليس منهم أحد يصح له حكم على المغيبات، فلولا أن الله أرسله لما صح كل شيء حكم به على المستقبلات ولم يتخلف من ذلك شيء فقال: {وما أدري} أي في هذا الحال بنوع حيلة وعمل واجتهاد {ما} أي الذي {يفعل} أي من أيّ فاعل كان سواء كان هو الله تعالى بلا واسطة أو بواسطة غيره {بي} وأكد النفي ليكون ظاهراً في الاجتماع وكذلك في الانفراد أيضاً فقال: {ولا} أي ولا أدري الذي يفعل {بكم} هذا في أصل الخلقة وأنتم ترونني أحكم على نفسي بأشياء لا يختل شيء منها مثل أن أقول: إني آتيكم من القرآن بما يعجزكم، فلا تقدرون كلكم على معارضة شيء منه فيضح ذلك على سبيل التكرار لا يتخلف أصلاً، فلولا أن الله أرسلني به لم أقدر وحدي على ما لا تقدرون عليه كلكم، وإن قدرت على شيء كنتم أنتم أقدر مني عليه، وفي الآية بعمومها دليل على أن لله أن يفعل ما يشاء، فله أن يعذب الطائع وينعم العاصي، ولو فعل ذلك لكان عدلاً وحقاً وإن كنا نعتقد أنه لا يفعله. ولما سوى نفسه الشريفة بهم في أصل الخلقة، وكان قد ميزه الله عنهم بما خصه من النبوة والرسالة، أبرز له ذلك - سبحانه وتعالى على وجه النتيجة فقال: {إن} أي ما {أتبع} أي - بغاية جهدي وجدي {إلا ما} أي الذي {يوحى} أي يجدد إلقاؤه ممن لا يوحي بحق إلا هو {إليّ} على سبيل التدريج سراً، لا يطلع عليه حق اطلاعه غيري، ومنه ما أخبر فيه عن المغيبات فيكون كما قلت، فلا يرتاب في أني لا أقدر على ذلك بنفسي فعلم أنه من الله. ولما نسبوه إلى الافتراء تارة والجنون أخرى، وكان السبب الأعظم في نسبتهم له إلى ذلك صدعهم بما يسوءهم على غير عادته السالفة وعادة أمثاله، قال على سبيل القصر القلبي: {وما أنا} أي بإخباري لكم عما يوحى إليّ {إلا نذير} أي لكم ولكل من بلغه القرآن {مبين *} أي ظاهر أني كذلك في نفسه مظهر له - أي كوني نذيراً - ولجميع الجزئيات التي أنذر منها بالأدلة القطعية.
القشيري
تفسير : رموا رُسُلَنا بالسِّحر ثم بالافتراء والمكر.. قُلْ - يا محمد - كفى بالله بيني وبينكم شهيداً؛ أنتم أشركتم به،وأنا أخلصت له توحيداً. وما كنت بدعاً من الرسل؛ فلستُ بأول رسولٍ أُرْسِل، ولا بغير ما جاءوا به من أصول التوحيد جئتُ، إنما أمرتكم بالإخلاص في التوحيد، والصدقِ في العبودية، والدعاءِ إلى محاسن الأخلاق.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا تتلى عليهم} اى على الكفار {آياتنا} حال كونها {بينات} واضحات الدلالة على مدلولاتها من حلال وحرام وحشر ونشر وغيرها (وقال الكاشفى) درحالتى كه ظاهر باشد دلائل اعجاران {قال الذين كفروا للحق} اى لاجله وشأنه ويجوز ان يكون المعنى كفروا به والتعدية باللام من حمل النقيض على النقيض فان الايمان يتعدى بها كما فى قوله آمنتم له وغيره وهو عبارة عن الآيات المتلوة وضع موضع ضميرها تنصيصا على حقيتها ووجوب الايمان بها كما وضع الموصول موضع ضمير المتلو عليهم تسجيلا بكمال الكفر والضلالة {لما جاءهم} اى فى اول ما جاءهم من غير تدبر وتأمل {هذا سحر مبين} اى ظاهر كونه سحرا وباطلا لا حقيقة له واذا جعلوه سحرا فقد انكروا ما نطق به من البعث والحساب والجزآء وصاروا اكفر من الحمير اى اجهل لان الكفر من الجهل والعياذ بالله
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِذا تتلى عليهم آياتُنا بيناتٍ} واضحات، أو: مبنيات، جمع بيِّنة، وهي الحجة والشاهد، {قال الذين كفروا للحق} أي: لأجله وفي شأنه، والمراد بالحق: الآيات المتلوة، وبالذين كفروا: المتلُوّ عليهم، فوضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والمتلُو بالحق، والأصل: قالوا في شأن الآيات، التي هي حق {لمَّا جاءهم} أي: بادهوا الحق بالجحود ساعة أتاهم، وأول ما سمعوه، من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر: {هذا سحر مبين} ظاهر كونه سحر. {أم يقولون افتراه} إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة - وهي تسميتهم الآيات سحراً، إلى حكاية ما أشنع منها، وهو كون الرسول صلى الله عليه وسلم {افتراه} أي: اختلقه، وأضافه إلى الله كذباً، والضمير للحق، والمراد به الآيات. {قل إِن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً} أي: إن افتريته على سبيل الفرض لعاجلني الله بعقوبة الافتراء، فلا تقدرون على كفه من معاجلتي، ولا تملكون لي شيئاً مِن دفعه، فكيف أفتريه وأتعرّض لعقابه الذي لا مناص منه؟! {هو أعلم بما تُفيضون فيه} من القدح في وحي الله تعالى والطعن في آياته، وتسميته سحراً تارة وفرية أخرى. {كفى به شهيداً بيني وبينكم} حيث يشهد لي بالصدق والبلاغ، وعليكم بالكذب والجحود، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم، {وهو الغفورُ الرحيم} لمَن تاب وآمن، وهو وعد لمَن آمن بالمغفرة والرحمة، وترغيب في الإسلام. الإشارة: رمي أهل الخصوصية بالسحر عادةٌ مستمرة، وسُنَّة ماضية، ولقد سمعنا هذا فينا وفي أشياخنا مراراً، فيقول أهل الخصوصية: إن افترينا على الله كذباً عاجلنا بالعقوبة، {فلا تملكون لنا من الله شيئاً...} الآية. ثم أمر نبيه بالجواب عما رموه به، فقال: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} واضحات الدّلالات او موضحات {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} اى قالوا للآيات بعد ما ظهر حقّيّتها ولذلك وضع الظّاهر موضع المضمر {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} ظاهر السّحريّة والبطلان.
الأعقم
تفسير : {وإذا تتلى عليهم} على هؤلاء الكفار {آياتنا} قيل: آيات القرآن {بينات} واضحات ظاهرات {قال الذين كفروا للحق} وسائر الحجج {لمَّا جاءهم هذا سحرٌ مبين} {أم يقولون افتراه} واختلقه من عنده كذباً {قل إن افتريته} يعني كذبت في هذا القرآن أنه منزّل {فلا تملكون لي من الله شيئاً} أي لا تقدرون على دفع ما يريد الله بي {هو أعلم بما تفيضون فيه} أي تتحاورون به بينكم وتخوضون فيه {كفى به شهيداً بيني وبينكم وهو الغفور} لذنوب التائبين {الرحيم} بعباده قيل: يخوضون في أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وتكذيبه، وقيل: في القرآن غفور لم يعاجلهم بل انظرهم، رحيم يقبل توبتهم {قل} يا محمد {ما كنت بدعا من الرسل} أي ما أنا بأول رسول، يعني إذا لم أكن بأول رسول وقد خلت من قبلي الرسل فلم تنكروني؟ قال جار لله: ما كنت بدعاً من الرسل فآتيكم بكل ما تقترحونه وأخبركم بكل ما تسألون عنه، وإن الرسل لم يكونوا يأتون إلا ما آتاهم الله من آياته ولا يخبرون إلا بما أوحي إليهم، ولقد أجاب موسى فرعون في قوله تعالى: {أية : قال فما بال القرون الأولى}تفسير : [طه: 51]، قال: {أية : علمها عند ربي} تفسير : [الأعراف: 187] {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم}، وقيل: معناه لا أدعي علم غيب ولا معرفة ما يفعل بي ولا بكم من إحياء ولا إماتة والنعمة والجدب إلا أن يوحى إليَّ في ذلك شيء فاتبعه، وقيل: من صحة ومرض وغنى وفقر، وقيل: في أمر الهجرة أي لا أدري أترك ها هنا أو أؤمر بالهجرة إلى موضع آخر، وقيل: لما اشتد البلاء بأصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رأى فيما يرى النائم وهو بمكة.....، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه: "رأيت كذا وكذا فلا أدري ما يكون ذلك؟"، فنزلت الآية، وقيل: لا أدري فيما لم يوح إلي فأعلم {إن أتبع إلاَّ ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين} {قل} يا محمد {أرأيتم إن كان من عند الله} يعني القرآن {وكفرتم به} ألستم ظالمين {وشهد شاهد من بني إسرائيل} هو عبد الله بن سلام "حديث : لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه هو النبي المنتظر وقال: إني اسألك عن ثلاث لا تظهر إلا لنبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ والولد يفزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال (عليه السلام): "أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزائدة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته" ثم قال: أشهد أنك رسول الله حقاً، فقال: يا رسول الله ان اليهود قوم بهت وأنه إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال رسول الله: "أي رجل عبد الله فيكم؟"، فقالوا: حبرنا وابن حبرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال: "أرأيتم ان أسلم عبد الله؟"، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، فقال: هذا ما كنت يا رسول الله أخاف وأحذر"تفسير : ، قال سعد بن أبي وقاص، ما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يمشي على الأرض انه من أهل الجنة إلا عبد الله بن سلام، وفيه نزلت: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} الضمير للقرآن أي على مثله في المعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وإنه لفي زبر الأولين}تفسير : [الشعراء: 196] {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى} تفسير : [الأعلى: 18] {إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، قيل: إلى الجنة، وقيل: إلى زيادة الألطاف.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ} أي: للقرآن {لَمَّا جَاءهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ}. قال الله عز وجل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي: محمد، أي: قد قالوا افتراه محمد {قُلْ} يا محمد لهم {إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} أي: لا تستطيعون أن تمنعوني من عذاب الله شيئاً {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي: بما تقولون فيه من الشرك، {كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي: أني جئت بالقرآن من عنده وأني لم أفتره. قال: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أي: لمن آمن بالله. قال: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ} أي: ما كنت أولهم، قد كان الرسل قبلي {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} تفسير الحسن: وما أدري ما يحكم لي ولكم الله من الأحكام والشرائع، وهل يتركني مقيماً بين أظهركم في دار الشرك أم يخرجني إلى دار الهجرة. وقال الكلبي: إن النبي عليه السلام قال: لقد رأيت في منامي أرضاً أخرج إليها من مكة. فلما اشتد البلاء على أصحابه بمكة قالوا: يا نبي الله، حتى متى نلقى هذا البلاء، متى نخرج إلى الأرض التي رأيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أنموت بمكة أم نخرج منها . تفسير : قال: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. قال بعضهم: أنزل الله بعد ذلك: (أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا) تفسير : [الفتح:1-3]. ذكروا عن أنس بن مالك قال: إن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من الحديبية وأصحابه مخالطون الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم، ونحروا الهدي بالحديبية فقال: لقد نزلت علي آية لهي أحب إلي من الدنيا وما فيها جميعاً. فتلاها عليهم، فقال رجل من القوم: هنيئاً لك يا رسول الله، قد بيّن الله لك ما يفعل بك، فما يفعل بنا؟ فأنزل الله: (أية : لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا) تفسير : [الفتح:5].
اطفيش
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ} على أهل مكة* {آيَاتُنَا} أي القرآن {بَيِّنَاتٍ} واضحات قيل أو مبينات أو جمع بينة بمعنى حجة وهو حال* {قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ} أي لاجل الحق وفي شأنه أو هي لام التبليغ مجازاً كقولك قلت لزيد والحق هو الآيات والذين كفروا هم المتلو عليهم والاصل قالوا لهم فوضع الظاهرين مع المضمرين ليذكرهن بلفظ الحق تعظيماً وتقوية ويذكرهم باسم الكفر* {لَمَّا جَآءَهُمْ} من غير تأخير ليتأملوا وينظروا وفيه توكيد لمعنى اذا وان جعلت لما اسماً كانت توكيداً أو بدلاً من اذا استعمالها في المستقبل مجازاً أو استعمالاً لاذا في الماضي كذلك أو لان الاستقبال في (اذا) للحكاية حال قد كان مستقبلاً ثم مضى فجيء بلما المضوية. {هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} ظاهر قوي يفرق بين المرء وبنيه أو ظاهر البطلان لا شبهة فيه
اطفيش
تفسير : {وإذا تُتْلى عليْهم آياتنا بينات} واضحات الدلالة على دين الله تعالى، ولا يجوز تفسيره بموضحات له، لأنه لم تسمع تعدية بأن الثلاثى {قالَ الَّذينَ كَفَروا للحقِّ} دين الله تعالى، وقيل النبوة، والمعنى قالوا فى شأن الحق، فاللام بمعنى فى، قيل: اللام للتعليل، وما قيل فى شأن الشىء مقول لأجله، وهو متعلق بقال، أو بمعنى الباء فتعلق بكفروا، وقيل: الحق الآيات المتلوة، وضع موضع المضمر ايذانا بكمال ضلالهم، وكذلك وضع الذين كفروا موضع الضمير تقبيحا لهم بالكفر وذما {لمَّا جاءهم} حين جاءهم بلا تأخير للتأمل {هَذا سِحْر مُبينٌ} ظاهر وجه قولهم: {هذا سحر} فى الآيات المتلوة، عجزهم عن الاتيان بمثلها، وفى النبوة خرق العادة، وفى الاسلام أنه يفرق بين المرء وزوجه وولده، أو لم يفهموا فعاندوا أو قالوا ذلك جزافا.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ } أي واضحات أو مبينات ما يلزم بيانه {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ } أي الآيات المتلوة، ووضع موضع ضميرها تنصيصاً على حقيتها ووجوب الإيمان بها كما وضع الموصول موضع ضمير المتلو عليهم تسجيلاً عليهم بكمال الكفر والضلالة. وجوز كون المراد ـ بالحق ـ النبوة أو الإسلام فليس فيه موضوعاً موضع الضمير، والأول: أظهر. واللام متعلقة ـ بقال ـ على أنها لام العلة أي قالوا لأجل الحق وفي شأنه وما يقال في شأن شيء مسوق لأجله، وجوز تعلقه ـ بكفروا ـ على أنه بمعنى الباء أو حمل الكفر على نقيضه وهو الإيمان فإنه يتعدى باللام نحو {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ } تفسير : [الشعراء: 111] وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى. {لَمَّا جَاءهُمْ } أي في وقت مجيئه إياهم، ويفهم منه في العرف المبادرة وتستلزم عدم التأمل والتدبر فكأنه قيل: بادروا أول سماع الحق من غير تأمل إلى أن قالوا: {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي ظاهر كونه سحراً، وحكمهم بذلك على الآيات لعجزهم عن الإتيان بمثلها، وعلى النبوة لما معها من الخارق للعادة، وعلى الإسلام لتفريقه بين المرء وزوجه وولده.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة {أية : ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له}تفسير : [الأحقاف: 5]، وقد علمت أن هذا مسوق مساق العَد لوجوه فرط ضلالهم فإن آيات القرآن تتلى عليهم صباحَ مساءَ تبين لهم دلائل خلوّ الأصنام عن مقومات الإلهية فلا يتدبرونها وتحدُو بهم إلى الحق فيغالطون أنفسهم بأن ما فهموه منها تأثر سحري، وأنها سحر، ولم يكتفوا بذلك بل زادوا بهتاناً فزعموا أنه مبين، أي واضح كونه سحراً. وهذا انتقال إلى إبطال ضلال آخر من ضلالهم وهو ضلال التكذيب بالقرآن فهو مرتبط بقوله: {أية : حم تنزيل الكتاب من الله}تفسير : [الأحقاف: 1، 2] الخ. وقوله: {الذين كفروا} إظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالكفر وبأنه سبب قولهم ذلك. واللام في قوله: {للحق} لام العلة وليست لام تعدية فعل القول إلى المقول له أي قال بعض الكافرين لبعض في شأن الذين آمنوا ومن أجل إيمانهم. والحق: هو الآيات، فعدل عن ضمير الآيات إلى إظهار لفظ الحق للتنبيه على أنها حق وأن رميها بالسحر بهتان عظيم. و {لما جاءهم} توقيت لمقالتهم، أي يقولون ذلك بفور سماع الآيات وكلما جاءتهم، أي دون تدبر ولا إجالة فكر.
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا قرئت عليهم آيات هذا القرآن العظيم الذي هو الحق ادعوا أنها سحر مبين واضح. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من افترائهم على القرآن أنه سحر وعلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ساحر جاء موضحاً في آيات كثيرة. كقوله تعالى في سبأ {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [سبأ: 43]. وقوله تعالى في الزخرف {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُواْ هَـٰذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ}تفسير : [الزخرف: 30] وقوله تعالى: {أية : مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الانبياء: 2-3] إلى قوله {أية : أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الأنبياء: 3] وقوله تعالى:{أية : وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}تفسير : [هود: 7]. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات: أي أهل مكة من كفار قريش، والآيات آيات القرآن والبينات الواضحات. قال الذين كفروا للحق لما جاءهم: أي من كفار قريش للحق أي القرآن لما قرأه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا سحر مبين: أي قالوا في القرآن سحر مبين أي ظاهر لما رأوا من تأثيره على النفوس. أم يقولون افتراه: أي بل أيقولون افتراه أي اختلقه من نفسه. قل إن افتريته: أي قل لهم يا نبينا إن اختلقته من نفسي. فلا تملكون لي من الله شيئاً: أي فأنتم لا تملكون لي من الله شيئا إن أراد أن يعذبني. هو أعلم بما تفيضون فيه: أي هو تعالى أعلم بما تخوضون فيه من القدح والطعن فيَّ وفي القرآن. كفى به شهيداً بيني وبينكم: أي كفى به تعالى شهيدا بيني وبينكم. ما كنت بدْعاً من الرسل: أي لم أكن أول رسول فأكون بدعا من الرسل بل سبقني رسل كثيرون. وما أدري ما يفعل بي ولا بكم: أي في هذه الحياة هل أخرج من بلدي، أو أُقتل، وهل تُرجمون بالحجارة أو يُخسف بكم. إن أتبع إلا ما يوحى إليّ: أي ما أتبع إلا ما يوحيه إليّ ربي فأقول وأفعل ما يأمرني به. وما أنا إلا نذير مبين: أي وما أنا إلا نذير لكم بين الأنذار. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في دعوة العرب عامة وقريش خاصة إلى الإيمان والتوحيد فإذا قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن دعوة لهم إلى الإِيمان والتوحيد قالوا ردّاًَ عليه ما أخبر به تعالى في قوله {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} أي على كفار قريش {آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي ظاهرات الدلالة واضحات المعاني {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالله وبرسوله ولقائه وتوحيده قالوا {لِلْحَقِّ} وهو القرآن {لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} بل قالوا ما هو أشنع في الكذب وأبشع في النظر إذ قالوا ما أخبر به تعالى عنهم في قوله {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} أي بل أيقولون افتراه أي اختلقه وتخرصه من نفسه وليس هو بكلام الله ووحيه إليه. وقوله تعالى {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي على فرض أنني افتريته على الله وقلت أوحيَ إليَّ ولم يُوحَ إليَّ وأراد الانتقام مني بتعذيبي، فهل أنتم أو غيركم يستطيع دفع العذاب عني، وعليه فكيف أُعرِّض نفسي للعذاب بالافتراء على الله تعالى، فهذا لن يكون مني أبداً. وقوله تعالى {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي الله جل جلاله هو أعلم من كل أحد بما تخوضون فيه مندفعين في الكلام تطعنون فيَّ وفي القرآن فتقولون فيَّ ساحر وفي القرآن سحر مبين وتقولون فيَّ مفترٍ وفي القرآن افتراء إلى غير ذلك من المطاعن والنقائص {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي كفى بالله شهيدا عليَّ وعليكم فيما أقول وفيما تقولون وسيجزي كلا بما عمل {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} لمن تاب فتوبوا إليه يغفر كفركم وخوضكم في الباطل ويرحمكم فإنه تعالى غفور لمن تاب رحيما بمن آمن وأناب. وقوله تعالى في الآية [9] {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} يأمر تعالى رسوله أن يقول لأولئك المشركين المفيضين في الطعن في القرآن والرسول في أغلب أوقاتهم وأكثر مجالسهم {مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} أي ما أنا بأول عبد نُبىء وأُرسل فأكون بدعاً في هذا الشأن فينكر عليَّ أو يستغرب مني بل سبقتني رسل كثيرة. وقوله {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} أي وقل لهم أيضا أني لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي مستقبلا فهل أخرج من هذه البلاد أو أُقتل أو تقبل دعوتي وأنصر ولا ما يُفعل بكم من تعذيبكم بحجر أو مسخ أو هدايتكم ونجاتكم. وقوله {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي ما أتبع إلاّ الذي أوحى إليَّ ربيّ باعتقاده أو قوله أو عمله، فلا أُحدث ولا أبتدع شيئا لم يوح الله به أبداً {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي ما أنا بالذي يملك شيئا لنفسه أو لغيره من خير أو ضير وإنما أنا نذير من عواقب الكفر والتكذيب والشرك والمعاصي فمن قبل إنذاري فكف عما يسبب العذاب نجا، ومن رفض إنذاري فأمره إلى ربيّ إن شاء عذبه وإن شاء تاب عليه وهداه ورحمه.
القطان
تفسير : للحق: للقرآن. افتراه: كذب به. فلا تملكون لي من الله شيئا: لا تغنون عني شيئا ان اراد الله عقابي. تفيضون فيه: تخوضون فيه من تكذيب القرآن. ما كنتُ بدعا من الرسُل: هناك قبلي رسل كثير، فما أنا أول رسول لا مثيل لي. بعد أن قرر الله تعالى وحدانيته وثبّتها، ونفى الأضدادَ وكل ما يُعبد غيره - يقرر هنا أن رسالة سيدنا محمد حق، و ان الرسول كلّما تلا على مشركي قومه شيئا من القرآن قالوا إنه سِحر، بل زادوا في تكذيبه فقالوا انه افتراه. ويردّ الله عليهم بأنه لو افتراه على الله فمن يمنع الله من عقابه!! والله هو العليم بما يخوضون فيه من أحاديث وتكذيب! {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}. كفى بالله شهيداً لي بالصدق، وشهيداً عليكم بالكذب. ثم يجيء التعقيب اللطيف: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} فان الله مع كل هذا الكفر والعناد من المشركين يُبقي بابَ التوبة والمغفرة والرحمة مفتوحاً دائما، فلا يقنط من رحمته أحد. ثم يأمر رسولَه الكريم أن يقول لهم: إني لستُ أول رسول من عند الله فتنكروا رسالتي، ولست أعلمُ ما يفعل الله بي ولا بكم، وما أتّبع فيما أقول أو أفعل إلاّ ما يوحيه إليّ الله {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. يقول معظم المفسّرين: إن هذه الآية بالذات مدنية، قد نزلت في عبدِ الله بن سَلام، وكان من أكبرِ علماءِ بني إسرائيل، أسلم بالمدينة، وأحدثَ إسلامُه ضَجّةً عند اليهود، وقصتُه طويلة يُرجَع إليها في كتب الحديث والسيرة. ويكون المعنى: قل لهم أيها الرسول: أخبِروني إن ثبتَ أنّ القرآنَ حقٌّ من عند الله، وآمن به عالِمٌ من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام الذي يُدرك أسرارَ الوحي ويشهد ان القرآن من عند الله كالتوراة التي أَنزلها اللهُ على موسى... ماذا يكون حالُكم إذا بقيتم على ضلالِكم وكفركم؟ افلا تكونون من الظالمين؟. وقال جماعة من المفسرين: ان الشاهدَ موسى بن عمران، وان التوراة مثلُ القرآن كلاهما من عند الله، وان موسى شهِدَ على التوراة، ومحمدٌ شهِدَ على القرآن صلى الله عليهما وسلم. وهذا ما يُرجِّحه الطبري، لأن السورة مكية، فيما اسلم عبد الله بن سلام بالمدينة بعد الهجرة. ثم حكى عن المشركين شُبهةً أخرى بشأن إيمان من آمَنَ من المسلمين من الفقراء كَعَمّار وصُهَيب وابنِ مسعود وغيرِهم فقالوا: لو كانَ هذا الدينُ خيراً ما سبَقَنا إليه هؤلاء الضعفاءُ من الناس، وانما قرآن محمد افكٌ قديم من أساطير الاولين. وقد ردّ الله عليهم طَعْنَهم هذا في القرآن وأثبت صحته فقال: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ}. القرآن كالتوراة التي نزلت على موسى، كلٌّ منهما إمامٌ ورحمةٌ لمن آمن به وعمِلَ بموجبه، وقد بشَّرت التوراةُ بسيّدنا محمد: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [الأعراف: 157]. وهذا القرآنُ مصدِّق بالتوراة وما قبلَه من الكتب، وينطِق بلسانكم أيها العربُ، وينذِرُ من أساءَ بالعذاب، ويبشّر من أحسنَ بالثواب، فكيف يكون إفكاً قديماً، وسحرا وأساطير؟ قراءات: قرأ نافع وابن عامر ويعقوب وابن كثير: لتنذر بالتاء. والباقون: بالياء.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتُنَا} {بَيِّنَاتٍ} (7) - وَإِذا تُلِيَتْ عَلَى هؤُلاءِ الكَافِرِينَ آيَاتُ اللهِ، وَهِيَ بَيِّنَةٌ جَلِيَّةٌ وَاضِحَةٌ، قَالُوا: هذا سِحْرٌ وَاضِحٌ يُؤَثِّرُ في النُّفُوسِ، كَما يُؤَثِّرُ السِّحْرُ فِيمَنْ شَاهَدَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {بَيِّنَاتٍ ..} [الأحقاف: 7] يعني: واضحات ظاهرات، ومع ذلك {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ..} [الأحقاف: 7] قالوا عن الحق، فاللام هنا بمعنى (عن)، أو أنهم بالغوا فبدلَ أنْ يواجهوا مَنْ آمن بالحق واجهوا الحقّ ذاته، فقالوا: {هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الأحقاف: 7]. وإبطال هذا الادعاء سهلٌ ميسور، وهو أنْ نقول لهم: لو صدّقانكم في أنه سحر، وأن محمداً سَحر به مَنْ آمن به، فلماذا لم يسحركم كما سحرهم، وتنتهى المسألة؟
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: وإذا تتلى على المكذبين { آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ } بحيث تكون على وجه لا يمترى بها ولا يشك في وقوعها وحقها لم تفدهم خيرا بل قامت عليهم بذلك الحجة، ويقولون من إفكهم وافترائهم { لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ } أي: ظاهر لا شك فيه وهذا من باب قلب الحقائق الذي لا يروج إلا على ضعفاء العقول، وإلا فبين الحق الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وبين السحر من المنافاة والمخالفة أعظم مما بين السماء والأرض، وكيف يقاس الحق -الذي علا وارتفع ارتفاعا على الأفلاك وفاق بضوئه ونوره نور الشمس وقامت الأدلة الأفقية والنفسية عليه، وأقرت به وأذعنت أولو البصائر والعقول الرزينة- بالباطل الذي هو السحر الذي لا يصدر إلا من ضال ظالم خبيث النفس خبيث العمل؟! فهو مناسب له وموافق لحاله وهل هذا إلا من البهرجة؟ { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } أي: افترى محمد هذا القرآن من عند نفسه فليس هو من عند الله. { قُلْ } لهم: { إِنِ افْتَرَيْتُهُ } فالله علي قادر وبما تفيضون فيه عالم، فكيف لم يعاقبني على افترائي الذي زعمتم؟ فهل { تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا } إن أرادني الله بضر أو أرادني برحمة { كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فلو كنت متقولا عليه لأخذ مني باليمين ولعاقبني عقابا يراه كل أحد لأن هذا أعظم أنواع الافتراء لو كنت متقولا ثم دعاهم إلى التوبة مع ما صدر منهم من معاندة الحق ومخاصمته فقال: { وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } أي: فتوبوا إليه وأقلعوا عما أنتم فيه يغفر لكم ذنوبكم ويرحمكم فيوفقكم للخير ويثيبكم جزيل الأجر. { قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ } أي: لست بأول رسول جاءكم حتى تستغربوا رسالتي وتستنكروا دعوتي فقد تقدم من الرسل والأنبياء من وافقت دعوتي دعوتهم فلأي شيء تنكرون رسالتي؟ {أية : وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ } تفسير : أي: لست إلا بشرا ليس بيدي من الأمر شيء والله تعالى هو المتصرف بي وبكم الحاكم علي وعليكم، ولست الآتي بالشيء من عندي، { وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ } فإن قبلتم رسالتي وأجبتم دعوتي فهو حظكم ونصيبكم في الدنيا والآخرة، وإن رددتم ذلك علي فحسابكم على الله وقد أنذرتكم ومن أنذر فقد أعذر. { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ } أي: أخبروني لو كان هذا القرآن من عند الله وشهد على صحته الموفقون من أهل الكتاب الذين عندهم من الحق ما يعرفون أنه الحق فآمنوا به واهتدوا فتطابقت أنباء الأنبياء وأتباعهم النبلاء واستكبرتم أيها الجهلاء الأغبياء فهل هذا إلا أعظم الظلم وأشد الكفر؟ { إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } ومن الظلم الاستكبار عن الحق بعد التمكن منه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):