Verse. 4518 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

اَمْ يَقُوْلُوْنَ افْتَرٰىہُ۝۰ۭ قُلْ اِنِ افْتَرَيْتُہٗ فَلَا تَمْلِكُوْنَ لِيْ مِنَ اللہِ شَيْـــــًٔا۝۰ۭ ہُوَاَعْلَمُ بِمَا تُفِيْضُوْنَ فِيْہِ۝۰ۭ كَفٰى بِہٖ شَہِيْدًۢا بَيْنِيْ وَبَيْنَكُمْ۝۰ۭ وَہُوَالْغَفُوْرُ الرَّحِيْمُ۝۸
Am yaqooloona iftarahu qul ini iftaraytuhu fala tamlikoona lee mina Allahi shayan huwa aAAlamu bima tufeedoona feehi kafa bihi shaheedan baynee wabaynakum wahuwa alghafooru alrraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم» بمعني بل وهمزة الإنكار «يقولون افتراه» أي القرآن «قل إن افتريته» فرضا «فلا تملكون لي من الله» أي من عذابه «شيئا» أي لا تقدرون على دفعه عنى إذا عذبني الله «هو أعلم بما تفيضون فيه» يقولون في القرآن «كفى به» تعالى «شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور» لمن تاب «الرحيم» به فلم يعاجلكم بالعقوبة.

8

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} الميم صلة؛ التقدير: أيقولون افتراه؛ أي تقوّله محمد. وهو إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحراً. ومعنى الهمزة في «أم» الإنكار والتعجب؛ كأنه قال: دع هذا واسمع قولهم المستنكر المقضيّ منه العجب. وذلك أن محمداً كان لا يقدر عليه حتى يقوله ويفترِيَه على الله، ولو قدر عليه دون أمة العرب لكانت قدرته عليه معجزة لخرقها العادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقاً من الله له، والحكيم لا يصدّق الكاذب فلا يكون مفترياً؛ والضمير للحق، والمراد به الآيات. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} على سبيل الفرض. {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لا تقدرون على أن تردُّوا عني عذاب الله؛ فكيف أفتري على الله لأجلكم. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تقولونه؛ عن مجاهد. وقيل: تخوضون فيه من التكذيب. والإفاضة في الشيء: الخوض فيه والاندفاع. أفاضوا في الحديث أي ٱندفعوا فيه. وأفاض البعير أي دفع جِرّته من كرِشِه فأخرجها؛ ومنه قول الشاعر:شعر : وأفضن بعد كُظُومِهِنّ بجِرّة تفسير : وأفاض الناس من عرفات إلى مِنًى أي دفعوا، وكل دفعة إفاضة. {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً} نصب على التمييز. {بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي هو يعلم صدقي وأنكم مبطلون. {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ} لمن تاب {ٱلرَّحِيمُ } بعباده المؤمنين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَمْ } بمعنى بل وهمزة الإِنكار {يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } أي القرآن؟ {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ } فرضاً {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ } أي من عذابه {شَيْئاً } أي لا تقدرون على دفعه عني إذا عذبني الله {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } تقولون في القرآن {كَفَىٰ بِهِ } تعالى {شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ } لمن تاب {ٱلرَّحِيمِ } به فلم يعاجلكم بالعقوبة.

ابو السعود

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} إضرابٌ وانتقالٌ من حكايةِ شناعتِهم السابقةِ إلى حكايةِ ما هو أشنعُ منها. وما في أمْ من الهمزةِ للإنكارِ التوبـيخيِّ المتضمنِ للتعجيبِ أي بل أيقولونَ افترى القُرآنَ {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ} على الفرضِ {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} إذْ لا ريبَ في أنَّه تعالَى يُعاجلني حينئذٍ بالعقوبةِ فكيفَ أجترىءُ على أنْ أفتريَ عليهِ تعالى كذباً فأُعرّضَ نفسيَ للعقوبةِ التي لا مناصَ عنها {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ} أي تندفعونَ فيهِ من القدحِ في وَحي الله والطعنِ في آياتِه وتسميتِه سحراً تارةً وفريةً أُخرى {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ} حيثُ يشهدُ لي بالصدقِ والبلاغِ وعليكم بالكذبِ والجحودِ وهو وعيدٌ بجراءِ إفاضتِهم. وقولُه تعالى: {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} وعدٌ بالغُفرانِ والرحمةِ لمن تابَ وآمنَ، وإشعارٌ بحلمِ الله تعالى عنْهم مع عظمِ جرائمِهم. {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ} البدعُ بمعنى البديعِ كالخِلِّ بمعنى الخليلِ وهو ما لا مثلَ له. وقُرِىءَ بفتحِ الدالِ على أنه صفةٌ كقِيَمٍ وزِيَمٍ، أو جمعٌ مقدرٌ بمضافٍ أيْ ذَا بِدَعٍ، وقد جُوِّزَ ذلكَ في القراءةِ الأُولى أيضاً على أنه مصدرٌ. كانُوا يقترحونَ عليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ عجيبةً ويسألونَهُ عن المُغيباتِ عِناداً ومُكابرةً فأُمَر عليهِ السَّلامُ بأنْ يقولَ لهم ما كنتُ بديعاً من الرسلِ قادراً على ما لم يقدرُوا عليهِ حَتَّى آتيَكُم بكلِّ ما تقترحونَهُ وأخبركم بكلِّ ما تسألونَ عنْهُ من الغيُوبِ فإنَّ مَنْ قبلي من الرُّسلِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانُوا يأتونَ إلا بما آتاهُم الله تعالى من الآياتِ ولا يُخبرونَهم إلا بَما أُوحيَ إليهم {وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ} أيُ أيُّ شيءٍ يُصيبنَا فيما يُستقبلُ من الزمانِ من أفعالهِ تعالى وماذا يُقدَّرُ لنا من قضاياهُ. وعن الحسنِ رضيَ الله عنْهُ ما أَدري ما يصيرُ إليه أَمري وأمرُكم في الدُّنيا. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضيَ الله عنهُمَا: ما يفعلُ بـي ولا بكُم في الآخرةِ وقال: هيَ منسوخةٌ بقولِه تعالى: { أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [سورة الفتح، الآية 2]، وقيل: يجوزُ أن يكونَ المنفيُّ هي الدرايةَ المفصَّلةَ، والأظهرُ الأوفقُ لما ذُكِرَ من سببِ النزولِ أنَّ مَا عبارةٌ عمَّا ليسَ علمُه منْ وظائفِ النبوةِ من الحوادثِ والواقعاتِ الدنيويةِ دونَ ما سيقعُ في الآخرةِ فإنَّ العلمَ بذلكَ من وظائفِ النبوةِ، وقد وردَ به الوحيُ الناطق بتفاصيلِ ما يُفعلُ بالجانبـينِ. هذا وقد رُويَ عن الكلبـيِّ أنَّ أصحابَ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم قالُوا له عليه السَّلامُ وقد ضجِروا من أذيةِ المشركينَ حتَّى متى نكونُ على هَذا فقالَ: "ما أدري ما يُفعلُ بـي ولا بكُم أأُتْركُ بمكةَ أم أُومرُ بالخروجِ إلى أرضٍ ذاتِ نخيلٍ وشجرٍ قد رُفعتْ لي ورأيتُها" يعني في منامِه، وجُوِّزِ أنْ تكونَ ما موصولةً، والاستفهاميةُ أقضى لحقِّ مقامِ التبرؤِ عن الدرايةِ. وتكريرُ لا لتذكيرِ النفيِّ المنسحبِ إليهِ وتأكيدِه. وقُرِىءَ ما يُفعلُ على إسنادِ الفعلِ على ضميرِه تعالَى. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحِى إِلَىَّ} أيْ ما أفعلُ إلا اتباعَ ما يُوحَى إليَّ، على مَعْنى قصرِ أفعالِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على اتباعِ الوَحي لا قصرِ اتباعِه على الوَحي كما هو المتسارعُ إلى الأفهامِ وقد مرَّ تحقيقُه في سورةِ الأنعامِ. وقُرِىءَ يُوحِي على البناءِ للفاعلِ، وهو جوابٌ عن اقتراحِهم الأخبارَ عمَّا لم يُوحَ إليه عليه السَّلامُ من الغيوبِ، وقيلَ: عن استعجالِ المسلمينَ أنْ يتخلصُوا عن أذيةِ المشركينَ والأولُ هو الأوفقُ لقولِه تعالى: {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} أُنذركم عقابَ الله تعالى حسبمَا يُوحى إليَّ {مُّبِينٌ} بـينُ الإنذارِ بالمعجزاتِ الباهرةِ.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام يقولون افتراه} بل أيقولون افترى محمد القرءآن اى اختلقه وأضافه الى الله كذبا فقولهم هذا منكر ومحل تعجب فان القرءآن كلام معجز خارج عن حيز قدرة البشر فكيف يقوله عليه السلام ويفتريه. واعلم ان كلا من السحر والافتراء كفر لكن الافتراء على الله أشنع من السحر {قل ان افتريته} على الفرض والتقدير {فلا تملكون لى من الله شيئا} اى فلا تقدرون ان تدفعوا عنى من عذاب الله شيئا اذ لا ريب فى ان الله تعالى يعاقبنى حينئذ فكيف أفترى على الله كذبا واعرض نفسى للعقوبة التى لا خلاص منها {هو} تعالى {اعلم بما تفيضون فيه} يقال أفاضوا فى الحديث اذا خاضوا فيه وشرعوا اى تخوضون فى قدح القرءآن وطعن آياته وتسميته سحرا تارة وفرية اخرى {كفى به} اى الله والباء صلة {شهيدا بينى وبينكم} حيث يشهد لى بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والجحود وهو وعيد بجزاء افاضتهم {وهو الغفور الرحيم} وعد بالغفران والرحمة لمن تاب وآمن واشعار بحلم الله عليهم مع عظم جرآءتهم وفيه اشارة الى ان الذين عموا عن رؤية الحق وصموا عن سماع الحق رموا ورثة الرسل بالسحر وكلامهم بالافترآء وخاضوا فيهم ولما كان شاهد الحال الكل جازى الصادق فى الدنيا والآخرة بالمزيد والكاذب بالخذلان والعذاب الشديد. ابو يزيد بسطامىرا قدس سره برسيدندكه قومى كويندكه كليد بهشت كلمه لا اله الا الله است كفت بلى وليكن كليد بى دندان درباز نكشايد ودندان اوجهار جيزست زبان از دروغ وبهتان وغيبت دور ودل ازمكر وخيانت صافى وشكم از حرام وشبهت خالى وعمل ازهوا وبدعت باك. فظهر انه لا بد من تطهير الظاهر والباطن من الانجاس والارجاس بمتابعة ما جاء به خير الناس فانما يفترق السحر والكرامة بهذه المتابعة كما قالوا ان السحر يظهر على ايدى الفساق والزنادقة والكفار الذين هم على غير الالتزام بالاحكام الشرعية ومتابعة السنة فاما الاولياء فهم الذين بلغوا فى متابعة السنة واحكام الشريعة وآدابها الدرجة العليا قال الشيوخ قدس الله اسرارهم اقل عقوبة المنكر على الصالحين ان يحرم بركتهم وقالوا ويخشى عليه سوء الخاتمة نعوذ بالله من سوء القضاء قال الاستاذ ابو القاسم الجنيد قدس سره التصديق بعلمنا هذا ولاية يعنى الولاية الصغرى دون الكبرى والعجب من الكفار كفروا بآيات الله مع وضوح برهانها فكيف يؤمنون بغيرها من آثار الاولياء نعم اذا كان من الله تعالى توفيق خاص يحصل المرام (حكى) عن ابى سليمان الدارانى قدس سره انه قال اختلفت الى مجلس بعض القصاص فأثر كلامه فى قلبى فلما قمت لم يبق فى قلبى منه شئ فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقى فى قلبى اثر كلامه فى الطريق ثم ذهب ثم عدت ثالثا فبقى اثر كلامه فى قلبى حتى رجعت الى منزلى فكسرت آلات المخالفة ولزمت الطريق ولما حكى هذه الحكاية للشيخ العارف الواعظ يحيى بن معاذ الرازى قدس سره قال عصفور اصطاد كركيا يعنى بالعصفور القاص وبالكركى ابا سليمان الدارانى فباب الموعظة مفتوح لكل احد لكن لا يدخل بالقبول الا من رحمه الله تعالى وأعظم المواعظ مواعظ القرءآن (قال المولى الجامى) حق ازان حبل خواند قرآنرا تابكيرى بسان حبل آنرا بدرآيى زجاه نفس وهوى كنى آهنك عالم بالا

الجنابذي

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} ولمّا كان السّحر له شأنٌ ووقعٌ فى القلوب اضرب عن هذا القول وقال: بل يقولون افتراه {قُلْ} فى جوابهم {إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} يعنى ان افتريته فلا تدفعوا عنّى شيئاً من عذاب الله ولا تتحمّلوا شيئاً من اوزارى لانّكم لا تملكون لى من الله شيئاً من عذابه حتّى تدفعوه عنّى، او ان افتريته لم اكن بعاقلٍ واكن سفيهاً، لانّ الافتراء لا يكون الاّ تعرّضاً لسخط الله، وان اتعرّض لسخط الله لان اكون مقبولاً عندكم كنت سفيهاً، لانّ المقبوليّة عندكم لا تنفعنى لانّكم لا تملكون لى من الله شيئاً من رفع عذابه، وبعد ابطال الافتراء هدّدهم بهذا الافتراء وقال {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ} اى تندفعون {فِيهِ} من القول بانّ القرآن سحرٌ او افتراءٌ {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} تهديدٌ آخر لهم {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} جمع بين التّهديد والارجاء كما هو شأن النّاصح الكامل.

اطفيش

تفسير : {أَمْ} للاضراب عن ذكر تسميته سحراً الى ذكر ما هو أشنع وانكار لهذا الاشنع وهو قولهم بالافتراء وتعجيب* {يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} أي اختلق محمد القرآن من نفسه أي دع قولهم هذا سحر مبين واسمع قولهم المستنكر المقضي منه العجب وذلك ان محمداً كان لا يقدر عليه فضلاً عن أن يقوله ويفتريه على الله ولو قدر دون العرب لكانت قدرته معجزة لخرقها العادة وان كانت معجزة كانت تصديقاً من الله له والحكيم لا يصدق الكاذب فلا يكون مفترياً* {قُلْ} يا محمد على سبيل الفرض والتقدير* {إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاَ} أي فأنتم لا {تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً} من رد عقوبة الافتراء فكيف أتعرض للعقوبة وأنتم لا تقدرون على ردها ولا أتوقع منكم نفعاً ولا ضراً والعقوبة عاجلة أو آجلة. وقال الزمخشري: عاجلة ويجوز كون الافتراء مراداً به العقوبة تعبيراً بالسبب عن المسبب* {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ} به تندفعون وتخوضون* {فِيهِ} أي في الحق أو في الله أي في آياته من الطعن والقدح كقولهم {أية : سحرٌ مبين} تفسير : {كَفَى بِهِ} أي بالله والهاء فاعل كفي جر بالباء الزائدة* {شَهِيداً} بأنه صادق مبلغ غير مفتر وانكم كاذبون منكرون وذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء افاضتهم والاولى ان (شهيد) حال لا تمييز لانه وصف* {بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ} لمن تاب {الرَّحِيمُ} به ترجية واستجلاب لهم بل قيل المراد لمن تاب منكم وقيل المراد غفور رحيم في تأخير العذاب عنكم

اطفيش

تفسير : {أم يقُولُونَ} أم بمعنى بل الابطالية، وهمزة الانكار وتعجيب من الافتراء على الله، فانه أشنع من قولهم هذا سحر، والسحر قد يرغب فيه بالطبع، بخلاف الكذب على الله، فانه لا يرضى العاقل أن تقول له: كذبت على الله تعالى، ولو كذب مدعيا أنه غير كاذب عليه تعالى {افتراهُ} أى الحق الذى هو الآيات المتلوة، أو افترى القرآن المدلول عليه بما تقام {قُل إنْ افْتَريتُه} على سبيل الفرض الجواب محذوف أى عاجلنى بالعقاب، أو يعاجلنى بالعقاب، دلت عليه علته المعطوفة، وهو قوله: {فلا تملكُونَ لي مِن الله شيئاً} فان الفاء عاطفة على عاجلنى، أو يعاجلنى بالرفع ولو كان جوابا، لجواز رفع الجواب إذا كان الشرط ماضيا، وليس هذا من العلة القائمة مقام الجواب، لأن المضارع المنفى بلا يكون شرطا فلا يقرن بالفاء اذا كان جوابا وأيضا معاجلة الجواب سبب، ولا تملكون مسبب لا عكس، وجعلها فاء الجواب يحوج الى تقدير المبتدأ أى فأنتم لا تملكون، أو قد التحقيقية، أو الى زيادة الفاء والمعنى لا تقدرون على دفع شىء يأتينى من عقاب الله، ومن الله حال من شيئا، وقال بعض المحققين بناء على أن لا تملكون جواب يجوز أن يكون لا يملكون مسببا والمعاجلة سببا. {هُو أعْلم بما تُفِيضُون فيه} بالذى تشرعون فيه من الشتم فى الوحى وآياته بقولكم: إنه سحر، وقولكم: انه افتراء، وقولكم أساطير الأولين، والافاضة اسالة الماء، استعير لذلك الشروع استعارة أصلية، واشتق منه تفيض على طريق التبعية، أو استعمل المقيد فى المطلق على المجاز الارسالى التبعى، ويجوز كون ما مصدرية، فلا يعود إليها ضمير، فهاء فيه عائدة للحق بأحد معانيه، أو للقرآن المدلول عليه {كَفَى به} بالله جل جلاله، والهاء فاعل، والباء صلة {شهيداً} لى بالصدق، وعليكم بالكذب حال من الهاء {بيْني وبيْنَكم} متعلق بكفى أو بشهوداً {وهُو الغَفُور} لمن تاب من مشرك أو موحد عاص {الرحيمُ} بالامهال ليتداركوا بالتوبة.

الالوسي

تفسير : {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } إضراب وانتقال من حكاية شناعتهم السابقة إلى حكاية ما هو أشنع منها وهو الكذب عمداً على الله تعالى فإن الكذب خصوصاً عليه عز وجل متفق على قبحه حتى ترى كل أحد يشمئز من نسبته إليه بخلاف السحر فإنه وإن قبح فليس بهذه المرتبة حتى تكاد تعد معرفته من الأمور المرغوبة. وما في {أَمْ } المنقطعة من الهمزة معنى للإنكار التوبيخي المتضمن للتعجب من نسبته إلى الافتراء مع قولهم: هو سحر لعجزهم عنه. والضمير المنصوب في {ٱفْتَرَاهُ } كما قال أبو حيان {للحق } [الأحقاف: 7] الذي هو الآيات المتلوة، وقال بعضهم: للقرآن الدال عليه ما تقدم أي بل أيقولون افتراه. {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ } على الفرض {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً } أي عاجلني الله تعالى بعقوبة الافتراء عليه سبحانه فلا تقدرون على كفه عز وجل عن معالجتي ولا تطيقون دفع شيء من عقابه سبحانه عني فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه، فجواب {إِن} في الحقيقة محذوف وهو عاجلني وما ذكر مسبب عنه أقيم مقامه أو تجوز به عنه. {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } بالذي تأخذون فيه من القدح في وحي الله تعالى والطعن في آياته وتسميته سحراً تارة وافتراءً أخرى، واستعمال الإفاضة في الأخذ في الشيء والشروع فيه قولاً كان أو فعلاً مجاز مشهور، وأصلها إسالة الماء يقال: أفاض الماء إذا أساله، وما أشرنا إليه من كون {مَا } موصولة وضمير فيه عائد عليه هو الظاهر وجوز كون {مَا } مصدرية وضمير {فِيهِ } للحق أو للقرآن. {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } حيث يشهد لي سبحانه بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والجحود، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم في الطعن في الآيات، واستؤنف لأنه في جواب سؤال مقدر، و {بِهِ } في موضع الفاعل ـ بكفى ـ على أصح الأقوال، و {شَهِيداً } حال و {بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } متعلق به أو بكفى. {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ } وعد بالغفران والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله تعالى عليهم إذ لم يعاجلهم سبحانه بالعقوبة وأمهلهم جل شأنه ليتداركوا أمورهم.

ابن عاشور

تفسير : إضراب انتقال إلى نوع آخر من ضَلال أقوالهم. وسلك في الانتقال مسلك الإضراب دون أن يكون بالعطف بالواو لأن الاضراب يفيد أن الغرض الذي سينتقل إليه له مزيد اتصال بما قبله، وأن المعنى: دَعْ قولهم: {أية : هذا سحر مبين}تفسير : [الأحقاف: 7]، واستمع لما هو أعجب وهو قولهم: {افتَراه}، أي افترى نسبته إلى الله ولم يرد به السحر. والاستفهام الذي يقدر بعد {أم} للإنكار على مقالتهم. والنفي الذي يقتضيه الاستفهام الانكاري يتسلط على سبب الانكار، أي كون القرآن مفترى وليس متسلطاً على نسبة القول إليهم لأنه صادر منهم وإنما المنفي الافتراء المزعوم. والضمير المنصوب في {افتراه} عائد إلى الحق في قوله: {أية : قال الذين كفروا للحق}تفسير : [الأحقاف: 7]، أو إلى القرآن لعلمه من المقام، أي افترى القرآن فزعم أنه وحي من عند الله. وقد أمِر الرسول صلى الله عليه وسلم بجواب مقالتهم بما يقلعها من جذرها، فكان قوله تعالى: {قل} جملة جارية مجرى جواب المقاولة لوقوعها في مقابلة حكاية قولهم. وقد تقدم ذلك في قوله: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : في أوائل سورة البقرة (30). وجعل الافتراء مفروضاً بحرف {إن} الذي شأنه أن يكون شرطه نادر الوقوع إشارة إلى أنه مفروض في مقام مشتمل على دلائل تقلع الشرط من أصله. وانتصب {شيئاً} على المفعولية لفعل {تملكون}، أي شيئاً يملك، أي يستطاع، والمراد: شيء من الدّفع فلا تقدرون على أن تردوا عني شيئاً يَرد علي من الله. وتقدم معنى (لا أملك شيئاً) عند قوله تعالى: {أية : قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم}تفسير : في سورة العقود (17). والتقدير: إن افتريته عاقبني الله معاقبة لا تملكون ردها. فقوله: فلا تملكون لي من الله شيئاً} دليل على الجواب المقدر في الكلام بطريق الالتزام، لأن معنى {لا تملكون لي} لا تقدرون على دفع ضر الله عني، فاقتضى أن المعنى: إن افتريته عاقبني الله ولا تستطيعون دفع عقابه. واعلم أن الشائع في استعمال (لا أملك لك شيئاً) ونحوه أن يسند فعل الملك إلى الذي هو مظنة للدفع عن مدخول اللام المتعلقة بفعل الملك كقوله تعالى: {أية : قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً}تفسير : [الأعراف: 188] وقوله {أية : وما أملك لك من الله من شيء}تفسير : [الممتحنة: 4]، أو أن يسند إلى عامّ نحو {قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم} فإسناد فعل الملك في هذه الآية إلى المخاطبين وهم أعداء النبي صلى الله عليه وسلم وليسوا بمظنة أن يدفعوا عنه، لأنهم نصبوا أنفسهم في منصب الحُكم على النبي صلى الله عليه وسلم فجزموا بأنه افترى القرآن فحالهم حال من يزعم أنه يستطيع أن يرد مراد الله تعالى على طريقة التهكم. واعلم أن وجه الملازمة بين الشرط وجوابه في قوله: {إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً} أن الله لا يقرّ أحداً على أن يبلِّغ إلى الناس شيئاً عن الله لَـمْ يأمره بتبليغه، وقد دلّ القرآن على هذا في قوله تعالى: {أية : ولو تَقَوَّلَ علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين}تفسير : [الحاقة: 44 ـــ 47]. ولعل حكمة ذلك أن التقول على الله يفضي إلى فساد عظيم يختل به نظام الخلق، والله يَغار على مخلوقاته وليس ذلك كغيره من المعاصي التي تجلبها المظالمُ والعبث في الأرض لأن ذلك إقدام على ما هو معلوم الفساد لا يخفى على الناس فهم يدفعونه بما يستطيعون من حول وقوة، أو حيلة ومصانعة. وأما التقول على الله فيوقع الناس في حيرة بماذَا يتلقَّوْنه فلذلك لا يُقره الله ويزيله. وجملة {هم أعلم بما تفيضون فيه} بدل اشتمال من جملة {فلا تملكون لي من الله شيئاً} لأن جملة {فلا تملكون لي} تشتمل على معنى أن الله لا يرضى أن يفتري عليه أحد، وذلك يقتضي أنه أعلم منهم بحال من يُخير عن الله بأنه أرسله وما يبلغه عن الله. وذلك هو ما يخوضون فيه من الطعن والقدح والوصف بالسحر أو بالافتراء أو بالجنون، فمَا صْدَقُ (ما) الموصولة القرآن الذي دلّ عليه الضمير الظاهر في {افتراه} أو الرسول صلى الله عليه وسلم الذي دل عليه الضمير المستتر في {افتراه} أو مجموع أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم التي دل عليها مختلف خوضهم. ومتعلق اسم التفضيل محذوف، أي هو أعلم منكم. والإفاضة في الحديث: الخوض فيه والإكثار منه وهي منقولة من: فاض الماء؛ إذا سال. ومنه حديث مستفيض مشتهر شائع، والمعنى: هو أعلم بحال ما تفيضون فيه. وجملة {كفى به شهيداً بيني وبينكم} بدل اشتمال من جملة {هو أعلم بما تفيضون فيه} لأن الإخبار بكونه أعلم منهم بكنه ما يفيضون فيه يشتمل على معنى تفويض الحكم بينه وبينهم إلى الله تعالى. وهذا تهديد لهم وتحذير من الخوض الباطل ووعيد. والشهيد: الشاهد، أي المخبر بالواقع. والمراد به هنا الحَاكم بما يعلمه من حالنا كما دلّ عليه قوله: {بيني وبينكم} لأن الحكم يكون بين خصمين ولا تكون الشهادة بينهما بل لأحدهما قال تعالى: {أية : وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}تفسير : [النساء: 41]. وإجراء وصفي {الغفور الرحيم} عليه تعالى اقتضاه ما تضمنه قوله: {كفى به شهيداً بيني وبينكم} من التهديد والوعيد، وهو تعريض بطلب الإقلاع عما هم فيه من الخوض بالباطل.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. أم هذه هي المنقطعة وقد قدمنا أنها تأتي بمعنى الإضراب. وتأتي بمعنى همزة الإنكار. وتأتي بمعناهما معاً وهو الظاهر في هذه الآية الكريمة. فأم فيها على ذلك تفيد معنى الإضراب والإنكار معاً، فهو بمعنى دع هذا، واسمع قولهم المستنكر لظهور كذبهم فيه، أن محمداً افترى هذا القرآن، وقد كذبهم الله في هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ}تفسير : [يونس: 38] الآية. وقوله {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}تفسير : [هود: 13] وقوله تعالى {أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}تفسير : [يونس: 37] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي إن كنت افتريت هذا القرآن على سبيل الفرض. والتقدير: عاجلني الله بعقوبته الشديدة، وأنتم لا تملكون لي منه شيئاً، أي لا تقدرون أن تدفعوا عني عذابه إن أراد أن يعذبني على الافتراء. فكيف أفتريه لكم، وأنتم لا تقدرون على دفع عذاب الله عني؟ وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في غير هذا الموضع، كقوله تعالى:{أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 44-47]. فقوله تعالى في آية الحاقة هذه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيل} كقوله في آية الأحقاف {قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُه}. وقوله في الحاقة: {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} يوضح معنى قوله: {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}. لأن معنى قوله:{أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47]، أنهم لا يقدرون على أن يحجزوا عنه أي يدفعوا عنه عقاب الله له بالقتل، لو تقول عليه بعض الأقاويل. وذلك هو معنى قوله: {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً} أي لا تقدرون على دفع عذابه عني. ونظير ذلك في المعنى قوله تعالى:{أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}تفسير : [المائدة: 17] وقوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً}تفسير : [المائدة: 41]. وما تضمنته آية الأحقاف هذه وآية الحاقة المبينة لها من أنه لو افترى على الله أو تقول عليه عاجله بالعذاب، وأنه لا يقدر أحد على دفعه عنه. جاء معناه في بعض الآيات. كقوله تعالى في يونس:{أية : قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ٱئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـٰذَآ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ}تفسير : [يونس: 15] أي إني أخاف إن عصيت ربي بالافتراء عليه بتبديل قرآنه أو الإتيان بقرآن غيره. عذاب يوم عظيم. وذكر الله تعالى مثل هذا عن بعض الرسل في آيات أخر كقوله عن صالح {أية : قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ}تفسير : [هود: 63] الآية. وقوله تعالى عن نوح:{أية : وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ}تفسير : [هود: 30] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱفْتَرَاهُ} (8) - أَم إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحمَّداً افْتَرى القُرآنَ، وَوَضَعهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَنَسَبَهُ إِلى اللهِ تَعَالى. وََيَأْمرُ اللهُ تَعَالى رَسُولَه الكَرِيمَ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَرُدَّ عَلى فِرْيَةِ هؤُلاءِ المُفتَرِينَ، وَأَنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَوْ أَنَّني كَذَبْتُ عَلى اللهِ، وَزَعَمْتُ أَنَّهُ بَعَثَنِي إِليكُم رَسُولاً، وََهُوَ لَم يَبْعَثْنِي رَسُولاً، لَعَاقَبَنِي عِقَاباً شَدِيداً، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرضِ أن يُجيرَني مِنْهُ، فَكَيفَ أَجْرُؤُ عَلَى الإِقدَامِ عَلَى هذِهِ الفِرْيَةِ، وأُعرِّضُ نَفْسِي لِعِقَابِ اللهِ؟ وَاللهُ أَعْلَمُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِما تَخُوضُونَ فِيهِ مِنْ التَّكْذِيبِ بِالقُرآنِ، والطَّعْنِ في آيَاتِهِ، والقَولِ إِنَّها سِحْرٌ. وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً لِي ِبِالصِّدْقِ فِيمَا أُبَلِّغُكُمْ عَنْهُ، وَيَشْهَدُ عَلَيكُمْ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وَهُوَ الغَفُورُ إِن تُبْتُمْ، وَأَقْلَعْتُمْ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وَهُوَ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ يَرْحَمُ التَّائِبِينَ المُسْتَغْفِرِينَ. تُفِيضُونَ فِيهِ - تَنْدَفِعُونَ فِيهِ طَعْناً وَتَكْذِيباً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أنْ قالوا عن القرآن أنه سِحْر سَحَر به محمد أصحابه فآمنوا به. قالوا: إنه افتراء افتراه محمد، والافتراء هو الكذب المتعمد، فردَّ الله عليهم {قُلْ ..} [الأحقاف: 8] قل لهم يا محمد {إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ..} [الأحقاف: 8]. يعني: لا تدفعون عني عذابَ الله إن افتريت عليه وكذبت في البلاغ عنه، لذلك يقول سبحانه في آية أخرى تُوضح هذه المسألة: {أية : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ * فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 44-47]. فكيف يكذب رسول الله على الله بعد هذه الكلمة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبل بعثته عُرِف بين قومه بالصادق، لأنهم لم يُجربّوا عليه كذباً قط. تعرفون حديث : قصة الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت مع رسول الله عندما اشترى رسول الله فرساً من يهودي اشتراه نسئ الثمن، وفي يوم لقيه رسول الله وأعطاه الثمن دون أنْ يكون بينهما شاهد على السداد، فاستغل اليهودي هذه الفرصة وادعى على رسول الله أنه لم يُعطه ثمن الفرس. فلما كلَّمه رسول الله قال: هَات لي شاهداً، فقام خزيمة، وقال: أنا أشهد يا رسول الله أنك أعطيتَهُ ثمن الفرس، فبُهت اليهودي وظنَّ أن خزيمة كان موجوداً لكن لم يره. بعدها استدعى رسول الله خزيمة، وقال له: يا خزيمة ما حملكَ على أنْ قلتَ ما قلتَ ولم تكُنْ موجوداً، ولم تشهد هذه المسألة؟ فضحك خزيمة وقال: يا رسول الله أُصدِّقك في خبر السماء وأكذِّبك في عدة دراهم؟ فتبسَّم رسول الله وأعطاه (نيشاناً) غالياً، فقال: "مَنْ شهد له خزيمة فحسبه""تفسير : ومن يومها وشهادة خزيمة تعدل شهادةَ رجلين. وهذا (النيشان) انتفع به المسلمون في مسألة جَمْع القرآن، حيث كان جامعو القرآن لا يكتبون الآية إلا إذا وجدوها مُسجَّلة في الرِّقاع، وشهد على صحتها اثنان من العدول، حتى جاءوا في آخر سورة التوبة، فوجدوا آية مكتوبة وليس لها إلا شاهد واحد هو خزيمة، فأخذوا بشهادته وحده، لأن شهادته تعدل شهادة رجلين. وتأمل أدب الحوار حتى مع المخالفين لرسول الله ومع الذين يتهمونه بالكذب اتهاماً صريحاً، يقول لهم: {إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ ..} [الأحقاف: 8] وإنْ تفيد الشك {فَلاَ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً ..} [الأحقاف: 8] يعني: لا تدفعون عني عذاب الله {هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ..} [الأحقاف: 8] بما تكثرون فيه الكلام والاتهام، وادعاء أن القرآن مكذوب. {كَفَىٰ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الأحقاف: 8] يرجع الأمر إلى الله ويُفوّض أمره إليه، ويرضى بشهادته بينه وبين خصومه، وشهادة الله هي شهادة الحق وشهادة الصدق. لذلك شهد الله بها لنفسه سبحانه شهادةَ الذات للذات: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..}تفسير : [آل عمران: 18] وشهدتْ بها الملائكة، شهادةَ مشهد، وشهد بها أولو العلم شهادةَ استدلال {أية : وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [آل عمران: 18]. إذن: في هذه القضية رسول الله لا يستطيع أنْ يأتي بشاهد على صدقه في تبليغ القرآن عن الله، فيكتفي بأنْ يجعل الله شاهداً بينه وبينهم. وهذا من أدب الحوار الذي تأدَّب به سيدنا رسول الله، فهم يتهمونه بتعمُّد الكذب وهو يتودد إليهم، وفي موضع آخر يرد عليهم فيقول الحق سبحانه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ}تفسير : [هود: 35]. وقوله في ختام الآية {وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [الأحقاف: 8] كأنه يتحنن إليهم، ويستميل قلوبهم، فرغم هذا الادعاء الكاذب فما يزال باب المغفرة والرحمة مفتوحاً أمامكم. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ...}.