Verse. 4519 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَاۗ اَدْرِيْ مَا يُفْعَلُ بِيْ وَلَا بِكُمْ۝۰ۭ اِنْ اَتَّبِعُ اِلَّا مَا يُوْحٰۗى اِلَيَّ وَمَاۗ اَنَا اِلَّا نَذِيْرٌ مُّبِيْنٌ۝۹
Qul ma kuntu bidAAan mina alrrusuli wama adree ma yufAAalu bee wala bikum in attabiAAu illa ma yooha ilayya wama ana illa natheerun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل ما كنت بدعا» بديعا «من الرسل» أي أول مرسل، قد سبق قبلي كثيرون منهم، فكيف تكذبوني «وما أدري ما يفعل بي ولا بكم» في الدنيا أأخرج من بلدي أم أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي، أو ترموني بالحجارة أم يخسف بكم كالمكذبين قبلكم «إن» ما «أتبع إلا ما يوحى إليَّ» أي القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا «وما أنا إلا نذير مبين» بيّن الإنذار.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم في كون القرآن معجزاً، بأن قالوا إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى أنه كلام الله على سبيل الفرية، حكى عنهم نوعاً آخر من الشبهات، وهو أنهم كانوا يقترحون منه معجزات عجيبة قاهرة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب الله تعالى عنه بأن قال: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ } والبدع والبديع من كل شيء المبدأ والبدعة ما اخترع مما لم يكن موجوداً قبله بحكم السنة، وفيه وجوه الأول: {مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ } أي ما كنت أولهم، فلا ينبغي أن تنكروا إخباري بأني رسول الله إليكم، ولا تنكروا دعائي لكم إلى التوحيد، ونهيي عن عبادة الأصنام، فإن كل الرسل إنما بعثوا بهذا الطريق الوجه الثاني: أنهم طلبوا منه معجزات عظيمة وأخباراً عن الغيوب فقال: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ } والمعنى أن الإتيان بهذه المعجزات القاهرة والإخبار عن هذه الغيوب ليس في وسع البشر، وأنا من جنس الرسل واحد منهم لم يقدر على ما تريدونه فكيف أقدر عليه؟ الوجه الثالث: أنهم كانوا يعيبونه أنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق وبأن أتباعه فقراء فقال: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ } وكلهم كانوا على هذه الصفة وبهذه المثابة فهذه الأشياء لا تقدح في نبوتي كما لا تقدح في نبوتهم. ثم قال: {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الآية وجهان أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا والثاني: أن يحمل على أحوال الآخرة أما الأول: ففيه وجوه الأول: لا أدري ما يصير إليه أمري وأمركم، ومن الغالب منا والمغلوب والثاني: قال ابن عباس في رواية الكلبي: لما اشتد البلاء بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء، فقصها على أصحابه فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة من الدهر لا يرون أثر ذلك،، فقالوا يا رسول الله ما رأينا الذي قلت ومتى نهاجر إلى الأرض التي رأيتها في المنام؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } وهو شيء رأيته في المنام، وأنا لا أتبع إلا ما أوحاه الله إليّ الثالث: قال الضحاك لا أدري ما تؤمرون به ولا أؤمر به في باب التكاليف والشرائع والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان وإنما أنذركم بما أعلمني الله به من أحوال الآخرة في الثواب والعقاب والرابع: المراد أنه يقول لا أدري ما يفعل بي في الدنيا أأموت أم أقتل كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون، أترمون بالحجارة من السماء، أم يخسف بكم أم يفعل بكم ما فعل بسائر الأمم، أما الذين حملوا هذه الآية على أحوال الآخرة، فروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به وبنا؟ فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ } تفسير : [الفتح: 1_ 2] إلى قوله {أية : وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً } تفسير : [الفتح: 5] فبيّن تعالى ما يفعل به وبمن أتبعه ونسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف المنافقين والمشركين. وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا عليه بوجوه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لا بد وأن يعلم من نفسه كونه نبياً ومتى علم كونه نبياً علم أنه لا تصدر عنه الكبائر وأنه مغفور له، وإذا كان كذلك امتنع كونه شاكاً في أنه هل هو مغفور له أم لا الثاني: لا شك أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء، فلما قل في هذا {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [الأحقاف: 13] فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأتقياء وقدوة الأنبياء والأولياء شاكاً في أنه هل هو من المغفورين أو من المعذبين؟ الثالث: أنه تعالى قال: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124] والمراد منه كمال حاله ونهاية قربه من حضرة الله تعالى، ومن هذا حاله كيف يليق به أن يبقى شاكاً في أنه من المعذبين أو من المغفورين؟ فثبت أن هذا القول ضعيف. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» قرىء {مَّا يُفْعَلُ } يفتح الياء أي يفعل الله عزّ وجلّ فإن قالوا {مَّا يَفْعَلُ } مثبت وغير منفي وكان وجه الكلام أن يقال: ما يفعل بي وبكم؟ قلنا التقدير ما أدري ما يفعل بي وما أدري ما يفعل بكم. ثم قال تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ } يعني إني لا أقول قولاً ولا أعمل عملاً إلا بمقتضى الوحي واحتج نفاة القياس بهذه الآية فقالوا النبي صلى الله عليه وسلم ما قال قولاً ولا عمل عملاً إلا بالنص الذي أوحاه الله إليه، فوجب أن يكون حالنا كذلك بيان الأول: قوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ } بيان الثاني: قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُوهُ } تفسير : [الأعراف: 158] وقوله تعالى: {أية : فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَـٰلِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النور: 63]. ثم قال تعالى: {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة وبالإخبار عن الغيوب فقال قل: {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } والقادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة البشر والعالم بتلك الغيوب ليس إلا الله سبحانه. ثم قال تعالى: {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَـئَامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّه لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْم ٱلْظالِمينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: جواب الشرط محذوف والتقدير أن يقال إن كان هذا الكتاب من عند الله ثم كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين ثم حذف هذا الجواب، ونظيره قولك إن أحسنت إليك وأسأت إليّ وأقبلت عليك وأعرضت عني فقد ظلمتني، فكذا ههنا التقدير أخبروني إن ثبت أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق عن معارضته ثم كفرتم به وحصل أيضاً شهادة أعلم بني إسرائيل بكونه معجزاً من عند الله فلو استكبرتم وكفرتم ألستم أضل الناس وأظلمهم، واعلم أن جواب الشرط قد يحذف في بعض الآيات وقد يذكر، أما الحذف فكما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [الرعد: 31] وأما المذكور، فكما في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ } تفسير : [فصلت: 52] وقوله {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاء } تفسير : [القصص: 71]. المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إِسْرٰءيلَ } على قولين الأول: وهو الذي قال به الأكثرون أن هذا الشاهد عبد الله بن سلاّم، روى صاحب «الكشاف» أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب وتأمله وتحقق أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم المنتظر، فقال له إني سائلك عن ثلاث ما يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعات، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزع له وإن سبق ماء المرأة نزع لها» تفسير : فقال أشهد أنك لرسول الله حقاً، ثم قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا فقال أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ فقالوا أعاذه الله من ذلك فخرج عبد الله فقال أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه فقال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله فقال سعد بن أبي وقاص ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلاّم، وفيه نزل {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ }. واعلم أن الشعبي ومسروقاً وجماعة آخرين أنكروا أن يكون الشاهد المذكور في هذه الآية هو عبد الله بن سلاّم قالوا لأن إسلامه كان بالمدينة قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعامين وهذه السورة مكية فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعة حدثت في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأجاب الكلبي بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية وكانت الآية تنزل فيؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في سورة كذا فهذا الآية نزلت بالمدينة وإن الله تعالى أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يضعها في هذه السورة المكية في هذا الموضع المعين، ولقائل أن يقول إن الحديث الذي رويتم عن عبد الله بن سلاّم مشكل، وذلك لأن ظاهر الحديث يوهم أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسائل الثلاثة، وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بتلك الجوابات من عبد الله بن سلاّم لأجل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الجوابات وهذا بعيد جداً لوجهين الأول: أن الإخبار عن أول أشراط الساعة وعن أول طعام يأكله أهل الجنة إخبار عن وقوع شيء من الممكنات، وما هذا سبيله فإنه لا يعرف كون ذلك الخبر صدقاً إلا إذا عرف أولاً كون المخبر صادقاً فلو أنا عرفنا صدق المخبر يكون ذلك الخبر صدقاً لزم الدور وإنه محال والثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات المذكورة عن هذه المسائل لا يبلغ العلم بها إلى حد الإعجاز ألبتة، بل نقول الجوابات القاهرة عن المسائل الصعبة لما لم تبلغ إلى حد الإعجاز فأمثال هذه الجوابات عن هذه السؤالات كيف يمكن أن يقال إنها بلغت إلى حد الإعجاز والجواب: يحتمل أنه جاء في بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رسول آخر الزمان يسأل عن هذه المسائل وهو يجيب عنها بهذه الجوابات وكان عبد الله بن سلام عالماً بهذا المعنى فلما سأل النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب بتلك الأجوبة عرف بهذا الطريق كونه رسولاً حقاً من عند الله، وعلى هذا الوجه فلا حاجة بنا إلى أن نقول العلم بهذه الجوابات معجز، والله أعلم. القول الثاني: في تفسير قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إِسْرٰءيلَ } أنه ليس المراد منه شخصاً معيناً بل المراد منه أن ذكر محمد صلى الله عليه وسلم موجود في التوراة والبشارة بمقدمه حاصلة فيها فتقدير الكلام لو أن رجلاً منصفاً عارفاً بالتوراة أقر بذلك واعترف به، ثم إنه آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وأنكرتم ألستم كنتم ظالمين لأنفسكم ضالين عن الحق؟ فهذا الكلام مقرر سواء كان المراد بذلك الشاهد شخصاً معيناً أو لم يكن كذلك لأن المقصود الأصلي من هذا الكلام أنه ثبت بالمعجزات القاهرة أن هذا الكتاب من عند الله وثبت أن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم ومع هذين الأمرين كيف يليق بالعقل إنكار نبوته. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {عَلَىٰ مِثْلِهِ } ذكروا فيه وجوهاً، والأقرب أن نقول إنه صلى الله عليه وسلم قال لهم أرأيتم إن كان هذا القرآن من عند الله كما أقول وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثل ما قلت فآمن واستكبرتم ألستم كنتم ظالمين أنفسكم. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تهديد وهو قائم مقام الجواب المحذوف والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين. المسألة الثانية: قالت المعتزلة هذه الآية تدل على أنه تعالى إنما منعهم الهداية بناء على الفعل القبيح الذي صدر منهم أولاً، فإن قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } صريح في أنه تعالى لا يهديهم لكونهم ظالمين أنفسهم فوجب أن يعتقدوا في جميع الآيات الواردة في المنع من الإيمان والهداية أن يكون الحال فيها كما ههنا، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذه شبهة أخرى للقوم في إنكار نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي سبب نزوله وجوه: الأول: أن هذا كلام كفار مكة قالوا إن عامة من يتبع محمداً الفقراء والأراذل مثل عمار وصهيب وابن مسعود، ولو كان هذا الدين خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الثاني: قيل لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لو كان هذا خيراً ما سبقنا إليه رعاء البهم الثالث: قيل إن أمة لعمر أسلمت وكان عمر يضربها حتى يفتر، ويقول لولا أني فترت لزدتك ضرباً، فكان كفار قريش يقولون لو كان ما يدعو محمد إليه حقاً ما سبقتنا إليه فلانة. الرابع: قيل كان اليهود يقولون هذا الكلام عند إسلام عبد الله بن سلاّم. المسألة الثانية: اللام في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } ذكروا فيه وجهين: الأول: أن يكون المعنى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا، على وجه الخطاب كما تقول قال زيد لعمرو، ثم تترك الخطاب وتنتقل إلى الغيبة كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم } تفسير : [يونس: 22] الثاني: قال صاحب «الكشاف» {لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } لأجلهم يعني أن الكفار قالوا لأجل إيمان الذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه، وعندي فيه وجه الثالث: وهو أن الكفار لما سمعوا أن جماعة آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبوا جماعة من المؤمنين الحاضرين، وقالوا لهم لو كان هذا الدين خيراً لما سبقنا إليه أولئك الغائبون الذين أسلموا. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا الكلام أجاب عنه بقوله {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } والمعنى أنهم لما لم يقفوا على وجه كونه معجزاً، فلا بد من عامل في الظرف في قوله {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } ومن متعلق لقوله {فَسَيَقُولُونَ } وغير مستقيم أن يكون {فَسَيَقُولُونَ } هو العامل في الظرف لتدافع دلالتي المضي والاستقبال، فما وجه هذا الكلام؟ وأجاب عنه بأن العامل في إذ محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } ظهر عنادهم {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ }. ثم قال تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إَمَامًا وَرَحْمَةً } كتاب موسى مبتدأ، ومن قبله ظرف واقع خبراً مقدماً عليه، وقوله {إِمَاماً } نصب على الحال كقولك في الدار زيد قائماً، وقرىء {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ } والتقدير: وآتينا الذي قبله التوراة، ومعنى {إِمَاماً } أي قدوة {وَرَحْمَةً } يؤتم به في دين الله وشرائعه، كما يؤتم بالإمام {وَرَحْمَةً } لمن آمن به وعمل بما فيه، ووجه تعلق هذا الكلام بما قبله أن القوم طعنوا في صحة القرآن، وقالوا لو كان خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء الصعاليك، وكأنه تعالى قال: الذي يدل على صحة القرآن أنكم لا تنازعون في أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، وجعل هذا الكتاب إماماً يقتدى به، ثم إن التوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا سلمتم كون التوراة إماماً يقتدى به، فاقبلوا حكمه في كون محمد صلى الله عليه وسلم حقاً من الله. ثم قال تعالى: {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ مُّصَدّقٌ لّسَاناً عَرَبِيّاً } أي هذا القرآن مصدق لكتاب موسى في أن محمداً رسول حقاً من عند الله وقوله تعالى: {لّسَاناً عَرَبِيّاً } نصب على الحال، ثم قال: {لّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قال ابن عباس مشركي مكة، وفي قوله {لّتُنذِرَ } قراءتان التاء لكثرة ما ورد من هذا المعنى بالمخاطبة كقوله تعالى: {أية : لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الأعراف: 2] والياء لتقدم ذكر الكتاب فأسند الإنذار إلى الكتاب كما أسند إلى الرسول، وقوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } إلى قوله {أية : لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } تفسير : [الكهف:1، 2]. ثم قال تعالى: {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ } قال الزجاج الأجود أن يكون قوله {وَبُشْرَىٰ } في موضع رفع، والمعنى وهو بشرى للمحسنين، قال ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى {لّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ } وحاصل الكلام أن المقصود من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} أي أوّل من أرسل، قد كان قبلي رسل؛ عن ابن عباس وغيره. والبِدْعُ: الأوّل. وقرأ عكرمة وغيره «بِدَعاً» بفتح الدال، على تقدير حذف المضاف؛ والمعنى: ما كنت صاحب بدَع. وقيل: بِدْع وبديع بمعنًى؛ مثلُ نصف ونصيف. وأبدع الشاعر: جاء بالبديع. وشيء بِدْع (بالكسر) أي مبتدَع. وفلان بِدْعٌ في هذا الأمر أي بديع. وقوم أبداع؛ عن الأخفش. وأنشد قُطْرُب قولَ عديّ بن زيد:شعر : فلا أنا بدع من حوادث تعتري رجالاً غدت من بعد بؤسي بأسعد تفسير : {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} يريد يوم القيامة. ولما نزلت فرح المشركون واليهود والمنافقون وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يُفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ٱبتدع الذي يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به؛ فنزلت: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2] فنسخت هذه الآية، وأرغم الله أنف الكفار. وقالت الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله، لقد بيّن الله لك ما يفعل بك يا رسول الله، فليت شعرنا ما هو فاعل بنا؟ فنزلت: {أية : لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [الفتح: 5] الآية. ونزلت: {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } تفسير : [الأحزاب:47]. قاله أنس وابن عباس وقتادة والحسن وعكرمة والضحاك. وقالت أم العلاء امرأةٌ من الأنصار: ٱقتسمنا المهاجرين فطار لنا عثمان بن مَظْعُون بن حُذافة بن جُمَح، فأنزلناه أبياتنا فَتُوفِّيَ، فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب! إن الله أكرمك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : وما يدريك أن الله أكرمه»تفسير : ؟ فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن؟ٰ قال: «حديث : أمّا هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلا خيراً فوالله إني لأرجو له الجنة ووالله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل بي ولا بكم»تفسير : . قالت: فوالله لا أزكّي بعده أحداً أبداً. ذكره الثعلبي، وقال: وإنما قال هذا حين لم يعلم بغفران ذنبه، وإنما غفر الله له ذنبه في غَزْوَة الحُدَيْبِيَةِ قبل موته بأربع سنين. قلت: حديثُ أمِّ العلاء خرّجه البخاري، وروايتي فيه: «وما أدري ما يُفعل به» ليس فيه «بي ولا بكم» وهو الصحيح إن شاء الله، على ما يأتي بيانه. والآية ليست بمنسوخة؛ لأنها خبر. قال النحاس: محال أن يكون في هذا ناسخ ولا منسوخ من جهتين: أحدهما أنه خبر، والآخر أنه من أوّل السورة إلى هذا الموضع خطاب للمشركين واحتجاج عليهم وتوبيخ لهم؛ فوجب أن يكون هذا أيضاً خطاباً للمشركين كما كان قبله وما بعده، ومحال أن يقول النبيّ صلى الله عليه وسلم للمشركين: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» في الآخرة؛ ولم يزل صلى الله عليه وسلم من أوّل مبعثه إلى مماته يخبر أن من مات على الكفر مخلّد في النار، ومن مات على الإيمان وٱتبعه وأطاعه فهو في الجنة؛ فقد رأى صلى الله عليه وسلم ما يفعل به وبهم في الآخرة. وليس يجوز أن يقول لهم ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة؛ فيقولون كيف نتبعك وأنت لا تدري أتصير إلى خفض ودَعة أم إلى عذاب وعقاب. والصحيح في الآية قول الحسن، كما قرأ علي بن محمد بن جعفر بن حفص عن يوسف بن موسى قال حدّثنا وكيع قال حدّثنا أبو بكر الهذلي عن الحسن: «وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ فِي الدُّنْيَا» قال أبو جعفر: وهذا أصح قولٍ وأحسنه، لا يدري صلى الله عليه وسلم ما يلحقه وإياهم من مرض وصحة ورخص وغلاء وغنى وفقر. ومثله: {أية : وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ}تفسير : [الأعراف: 188]. وذكر الواحدي وغيره عن الكلبي عن أبي صالح أن ابن عباس: حديث : لما اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخل وشجر وماء؛ فقصّها على أصحابه فاستبشروا بذلك، ورأوا فيها فرجاً مما هم فيه من أذى المشركين، ثم إنهم مكثوا برهة لا يرون ذلك فقالوا: يا رسول الله، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيت؟ فسكت النبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} أي لا أدري أأخرج إلى الموضع الذي رأيته في منامي أم لا. ثم قال: «إنما هو شيء رأيته في منامي ما أتبع إلا ما يُوحَى إلي»تفسير : أي لم يوح إليّ ما أخبرتكم به. قال القُشَيري: فعلى هذا لا نسخ في الآية. وقيل: المعنى لا أدري ما يفرض عليّ وعليكم من الفرائض. واختار الطبري أن يكون المعنى: ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، أتؤمنون أم تكفرون، أم تعاجلون بالعذاب أم تؤخّرون. قلت: وهو معنى قول الحسن والسُّدِّي وغيرهما. قال الحسن: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم (في الدنيا، أما في الآخرة فمعاذ الله! قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال) ما أدري ما يفعل بي في الدنيا أأخرج كما أخرجت الأنبياء قبلي، أو أقتل كما قُتلت الأنبياء قبلي؛ ولا أدري ما يفعل بكم؛ أأمّتي المصدّقة أم المكذّبة، أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قَذْفاً، أو مخسوفٌ بها خَسْفاً؛ ثم نزلت: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}تفسير : [الصف: 9]. يقول: سيظهر دينه على الأديان. ثم قال في أمته: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}تفسير : [الأنفال: 33] فأخبره تعالى بما يصنع به وبأمته؛ ولا نسخ على هذا كله، والحمد لله. وقال الضحاك أيضاً: «ما أدري ما يفعل بي ولا بكم» أي ما تؤمرون به وتنهون عنه. وقيل: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للمؤمنين ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في القيامة؛ ثم بين الله تعالى ذلك في قوله: {لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} وبيّن فيما بعد ذلك حال المؤمنين ثم بيّن حال الكافرين. قلت: وهذا معنى القول الأوّل؛ إلا أنه أطلق فيه النسخ بمعنى البيان، وأنه أمر أن يقول ذلك للمؤمنين؛ والصحيح ما ذكرناه عن الحسن وغيره. و «ما» في «ما يفعل» يجوز أن تكون موصولة، وأن تكون استفهامية مرفوعة. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} وقرىء «يُوحِي» أي الله عز وجل. تقدّم في غير موضع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً } بديعاً {مِّنَ ٱلرُّسُلِ } أي أوّل مرسل، قد سبق قبلي كثيرون منهم فكيف تكذبوني؟ {وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } في الدنيا أأخرج من بلدي، أم أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي؟ أو ترموني بالحجارة؟ أم يخسف بكم كالمكذبين قبلكم {إِن } ما {أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } أي القرآن، ولا أبتدع من عندي شيئاً {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بيِّن الإِنذار.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِدْعاً} أولاً والبدع الأول والبديع من كل شيء المبتدأ {مَا يُفْعَلُ بِى وَلا بِكُمْ} في الدنيا دون الآخرة أتخرجوني، أو تقتلوني كما أُخرجت الأنبياء وقُتلت {وَلا بِكُمْ} في العذاب والإمهال وفي تصديقي وتكذيبي "ح"، أو في الآخرة قبل نزول {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ}تفسير : [الفتح: 2] عام الحديبية فعلم ما يفعل به فلما تلاها على أصحابه قالوا هنيئاً لك. قد بيّن الله ـ تعالى ـ لك ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزلت {أية : لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الفتح: 5] أو رأى في نومه بمكة أنه يخرج إلى أرض فلما اشتد عليهم البلاء قالوا: يا رسول الله: حتى متى نلقى هذا البلاء ومتى نخرج إلى الأرض التي أُريت فقال ما أدري ما يفعل بي ولا بكم أنموت بمكة أم نخرج منها، أو لا أدري ما أؤمر به ولا ما تؤمرون به.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {قل} يا محمد {ما كنت بدعاً} أي بديعاً {من الرسل} أي لست بأول مرسل قد بعث قبلي كثير من الأنبياء فكيف تنكرون نبوتي {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقيل معناه ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة ولما نزلت هذه الآية فرح المشركون وقالوا واللات والعزى ما أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد وما له علينا من مزية وفضل ولولا أنه ابتدع ما يقوله من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به فأنزل الله عز وجل: {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2] فقالت الصحابة هنيئاً لك يا نبي الله قد علمت ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فأنزل الله عز وجل: {أية : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار} تفسير : [الفتح: 5] الآية وأنزل {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} تفسير : [الأحزاب: 47] فبين الله ما يفعل به وبهم وهذا قول أنس وقتادة والحسن وعكرمة قالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه وإنما أخبر بغفران ذنبه عام الحديبية فنسخ ذلك (خ) "حديث : عن خارجة بن زيد بن ثابت أن أم العلاء امرأة من الأنصار وكانت بايعت النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة قالت فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي توفي فيه فلما توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هو فقد جاءه اليقين والله إني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي قالت فوالله لا أزكي بعده أحد يا رسول قالت ورأيت لعثمان في النوم عيناً تجري فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال ذاك عمله" تفسير : وفي رواية غير البخاري قالت "حديث : لما قدم المهاجرون المدينة اقترعت الأنصار على سكناهم قالت فطار لنا عثمان بن مظعون وفيه والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم وقيل في معنى قوله ما أدري ما يفعل بي ولا بكم هذا في الدنيا أما في الآخرة فقد علم أنه في الجنة وأن من كذبه في النار" تفسير : فعلى هذا الوجه فقد اختلفوا فيه فقال ابن عباس لما اشتد البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وهو بمكة أرض ذات سباخ ونخل رفعت له يهاجر إليها فقال له أصحابه متى تهاجر إلى الأرض التي أريت فسكت فأنزل الله هذه الآية وما أدري ما يفعل بي ولا بكم أأترك في مكاني أم أخرج وأنا وأنتم إلى الأرض التي رفعت لي وقيل "لا أرى إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدنيا أما أنا فلا أدري أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي أم أقتل كما قتل بعض الأنبياء من قبلي وأما أنتم أيها المصدقون فلا أدري أتخرجون معي أم تتركون أم ماذا يفعل بكم ولا أدري ما يفعل بكم أيها المكذبون أترمون بالحجارة من السماء أم يخسف بكم أم أي شيء يفعل بكم مما فعل بالأمم المكذبة ثم أخبره الله عز وجل أن يظهر دينه على الأديان كلها فقال تعالى {أية : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} تفسير : [التوبة: 33] وقال في أمته {أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} تفسير : [الأَنفال: 33] فأعلمه ما يصنع به وبأمته وقيل معناه لا أدري إلى ماذا يصير أمري وأمركم ومن الغالب والمغلوب ثم أخبره أنه يظهر دينه على الأديان وأمته على سائر الأمم. وقوله: {إن أتبع إلا ما يوحى إلي} معناه ما أتبع غير القرآن الذي يوحى إليّ ولا أبتدع من عندي شيئاً {وما أنا إلا نذير مبين} أي أنذركم العذاب وأبين لكم الشرائع.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ...} لما حكى طعنهم في كون القرآن معجزاً بقولهم: إنه يختلقه من عند نفسه ثم ينسبه إلى كلام الله تعالى على سبيل الفِرْيَة حكى عنهم شُبْهَةً أخرى وهي أنهم كانوا يقترحون عليه معجزاتٍ عجيبة، ويطالبونه بأن يخبرهم عن المغيبات، فأجاب الله تعالى عن ذلك بقوله: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}. قوله: "بدعاً" فيه وجهان: أحدهما: أنه على حذف مضاف تقديره: ذَا بِدْعٍ، قاله أبو البقاء: وهذا على أن يكون البدْعُ مَصْدراً. والثاني: أن البِدْعَ نفسه صفة على فِعْلٍ بمعنى بَدِيعٍ كالخِفِّ والخَفِيف؛ والبِدْعُ والبَدِيعُ ما لم ير له مِثْلٌ، وهو من الابْتِدَاع وهو الاختراع. أنشد قطرب: شعر : 4451ـ فَمَا أَنَا بِدْعٌ مِنْ حَوَادِث تَعْتَــرِي رِجَالاً عَرَتْ مِنْ بَعْدِ بُـؤْسٍ وَأَسْعـد تفسير : قال البغوي ـ (رحمه الله) ـ: (البِدْعُ) مثلُ نصْف ونَصِيفٍ، وجمع البِدْعِ أَبْداعٌ. وقرأ عكرمة وأبو حَيْوَة وابنُ أَبِي عَبْلَةَ: بِدعٌ ـ بفتح الدال ـ جمع بِدْعَةٍ، أي ما كنت ذا بِدَعٍ. وجوز الزمخشري أن يكون صفة على فِعَلٍ، كدِين قِيَم، ولَحْمٍ زِيَمٍ. قال أبو حيان: ولم يُثْبِتْ سيبوَيْهِ صفةً على "فِعلٍ" إلاَّ قَومْاً عِدًى. وقد استدرك عليه لحمٌ زِيَمٌ. أي متفرق. وهو صحيحٌ. وأما قِيَمٌ فمقصورٌ من قِيَامٍ, ولولا ذلك لصحت عينه كما صحت في حولٍ وعِوَضٍ وأما قول العرب: مَكَانٌ سِوى، وماء رِوًى، ورجل رِضًى، ومَاءٌ صرًى، وسَبْيٌ طِيَبٌ، فمتأولة عند التصريفيين. قال شهاب الدين: تأويلها إما بالمصدرية أو القَصْر، كِقيَم في قِيام. وقرأ أبو حيوةَ أيضاً ومجاهدٌ بَدِع بفتح الباء كسر الدال، وهو وصف كَحَذِرٍ. فصل البدع والبديع من كل شيء المَبْدَأ، والبدعة ما اخترع ما لم يكن موجوداً قبله. قال المفسرون معناه إني لست بأول مُرْسَل، قد بعث قبلي كثيرٌ من الأنبياء فكيف تنكرون نبوّتي؟! وكيف تنكرون إخباري بأني رسول الله؟! وقيل: إنهم طلبوا منه معجزة عظيمةً وإخباراً عن الغيوب فقال: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} والمعنى أن الإتيان بهذه المعجزات القاهرة والأخبار عن الغيوب ليس في وُسْعِ البشر، وأما جنس الرسل فأنا واحد منهم، فإذا لم يقْدِروا على ما تُرِيدُونَه فكيف أقدر عليه؟! وقيل: إنهم كانوا يعيبونه بأنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، وبأنه فقير، وأن أتباعه فقراء فقال: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}. وهم كلهم على هذه الصفةِ فهذه الأشياء لا تقدح في نُبُوَّتي كما لا تقدح في نُبُوَّتِهِم. قوله: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي} العامة على نيابة المفعول. وابن أبي عبلة وزيد بن علي مبنياً للفاعل، أي الله تعالى. والظاهر أن (ما) في قوله: "مَا يَفْعَلُ" استفهامية مرفوعة بالابتداء، وما بعدها الخبر، وهي معلقة "لأَدْرِي" عن العمل، فتكون سَادَّةً مسَدَّ مفعوليها. وجوَّزَ الزمخشري أن تكون موصولة منصوبة، يعني أنها متعدية لواحدٍ، أي لا أعرف الذي يفعلُه اللهُ. فصل في تفسير الآية وجهان: أحدهما: أن يحمل ذلك على أحوال الدنيا. والثاني: أن يحمل ذلك على أحوال الآخرة. أما الأول ففيه وجوه: الأول: معناه لا أدْرِي ما يصير إليه أمري وأمركم، ومَن الغالب منَّا ومن المغلوب؟. الثاني: قال ابن عباس ـ في رواية الكلبي ـ: لما اشتد البلاء بأصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمكة رأى في المنام أنه يهاجر إلى أرض ذات نخلٍ وشجرٍ وماءٍ فقصها على الصحابة فاستبشروا بذلك ورأوا أن ذلك فرج ممَّا هم فيه من أذى المشركين. ثم إنَّهم مكثوا بُرهَةً من الدهر لا يروْنَ أثر ذلك فقالوا: يا رسول الله: ما رأيْنا الذي قُلْتَ، متى نهاجر إلى الأرض التي رأيتَها في المنام؟ فسكت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنزل الله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} وهو شيء رأيته في المنام وأنا لا أتبع إلا ما يوحيه الله إِلَيِّ. الثالث: قال الضحاك: لا أدري ما تُؤمَرُونَ به، ولا ما أومر به من التكاليف، والشرائع، ولا من الابتلاء والامتحان وإنما أنذكركم بما أعلمني الله به من أحوال الآخرة من الثواب والعقاب، ثم أخبر أنه تعالى يظهر دينه على الأديان فقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}تفسير : [الفتح:28] وقال في أمته: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}تفسير : [الأنفال:33] فأخبره الله ما يصنع به وبأمته قاله السدي. الرابع: كأنه يقول: ما أدري ما يفعل بي في الدنيا، أموت أو أُقْتَلُ، كما قتل الأنبياء قبلي ولا أدري ما يفعل بكم أيها المُكَذِّبون أَتُرْمَوْنَ بالحجارة من السماء أو يُخْسَف بكم أو يفعل بكم ما يفعل بسائر الأمم، وأما من حمل الآية على أحوال الآخرة فروى عن ابن عباس أنه قال: لَما نزلت هذه الآية فرح المشركون والمنافقون واليهود وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ربُّه فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح:1-2] إلى قوله: {أية : وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً}تفسير : [الفتح:5] فقالت الصحابة: هنيئاً لك يا نبي الله، قد علمنا ما يفعل بك فما يفعل بنا؟ فأَنزَلَ اللهُ ـ عز وجلّ ـ: {أية : لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [الفتح:5] الآية وأنزل: {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً}تفسير : [الأحزاب:47] فبين الله ما يفعل به وبهم، وهذا قول أنس وقتادة والحَسَنِ وعكرمةَ. وقالوا: إنما قال هذا قبل أن يخبر بغفران ذنبه وإنما أخبر بغُفْرَان ذنبه عام الحديبية فنسخ ذلك قال ابن الخطيب: وأكثر المحققين استبعدوا هذا القول لوجهين: الأول: أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا بدّ وأن يعلم من نفسه كَوْنَهُ نَبيًّا، ومتى علم كونَه نبياً، علم أنه لا يصدر عنه الكبائرُ وأنه مغفور له، وإذا كان كذلك امتنع كونُه شاكًّا في أنه هل هو مغفور له أم لا؟. الثاني: أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء وقد قال في حق هؤلاء: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [الأحقاف:13] فكيف يعقل أن يبقى الرسول الذي هو رئيس الأنبياء وقُدْوةُ الأولياء شاكًّا في أنه هل هو من المغفور لهم؟ فثَبَتَ ضَعْفُ هذا القَوْلِ. قوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} العامة على بناء "يُوحَى" للمفعول، وقرأ ابن عمر بكسر الحاء على البناء للفاعل وهو الله تعالى. والمعنى إنِّي لا أقول قولاً ولا أعمل عملاً إلاَّ بمقتضى الوَحْي. واحتج نُفَاةُ القياس بهذه الآية فقالوا: النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قال قولاً ولا عمل عملاً إلاَّ بالنص الذي أوحاه الله (إليه) فوجب أن يكون حالُنَا كذلك. ثم قال الله تعالى: {وَمَآ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} لأنهم كانوا يطالبونه بالمعجزات العجيبة، وبالإخبار عن الغيوب فقال: قُلْ مَا أنا إلا نذير مبين والقادر على تلك الأعمال الخارجة عن قدرة (البشر والعالم بتلكم الغيوب ليس إلاَّ اللهُ تَعَالَى).. قوله: {أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} مفعولا "أرأيتم" محذوفان تقديره أرأيتم حالكم إنْ كَانَ كَذَا لستم ظالمين؟ وجواب الشرط أيضاً محذوف تقديره: فقد ظَلَمْتُمْ. ولهذا أتى بفعل الشرط ماضياً. وقدره الزمخشري: ألستم ظالمين؟ ورد عليه أبو حيان بأنه لو كان كذلك لوجبت الفاء، لأن الجملة الاستفهامية متى وقعت جواباً للشرط لزمت الفاء. ثم إن كانت أداة الاستفهام همزة فقدمت على الفاء نحو: إنْ تَزُرْنَا أَفَلاَ نُكْرِمُكَ؟ وإن كان غيرها تقدمت الفاء عليها نحو: إنْ تَزُرْنَا فَهَلْ تَرَى إلاَّ خَيْراً؟. قال شهاب الدين: والزمخشري ذكر أمراً تقديرياً فسر به المعنى لا الإعراب. وقال ابن عطية و "أرَأَيْتُم" يحتمل أن تكون مُنَبِّهة، فهي لفظ موضوع للسؤال، لا يقتضي مفعولاً. ويحتمل أن تكون الجملة كان وما عملت سادّة مسدّ مفعوليها. قال أبو حيان: وهذا خلاف ما قرّروه النحاة، وقد تقدم تحقيق مَا قَرَّره. وقيل: جواب الشرط هو قوله: {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ}. وقيل: هو محذوف تقديره فمن المُحِقّ منا والمبطل؟ وقيل: "فمن أضل". قال ابن الخطيب: جواب الشرط محذوف، والتقدير أن يقال: إن كان هذا الكتاب من عند الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ به وشَهِدَ شاهدٌ مِنْ بَنِي ِإسْرَائِيلَ على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين. ثم حذف هذا الجواب. ونظيره قوله: "إنْ أَحْسَنْتَ إلَيْكَ وأَسَأتَ إلَيَّ وأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ وأَعرضْتَ عني فَقَدْ ظَلَمْتَنِي" وكذا ههنا التقدير أخبروني إن ثبت أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق عن معارضته ثم كفرتم به وجعل أيضاً شاهده أعلم بني إسرائيل بكونه معجزاً من عند الله فلو استكبرتم وكفرتم ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ واعلم أن جواب الشرط محذوف في بعض الآيات كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [الرعد:13] وقد يذكر كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ}تفسير : [فصلت:52] وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [القصص:71]. فصل معنى الآية أخبروني ماذا تقولون "إنِْ كَانَ" ـ يعني القرآن ـ {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ} أيها المشركون {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}. المثل صلة يعني عَلَيْهِ أي على أنه من عند الله فَآمَنَ يعني الشاهد "وَاسْتَكْبَرتُمْ" عن الإيمان به. واختلفوا في هذا الشاهد فقال قتادة والضحاك وأكثر المفسرين: هو عبدالله بن سلام شهد نبوة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فآمن به، واستكبر اليهود، فلم يؤمنوا كما روى أنس ـ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ـ قال: "حديث : سمع عبد الله بن سَلاَم بِمَقْدِم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأتاه وهو يخترف في أرض، فنظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس وجه كَذَّاب، وتأمله فتحقق أنه النبي المُنْتَطَر فقال له: إني سائلك عن ثلاثة لا يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ نبي، ما أوَّلُ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعَام أهْلِ الجَنَّةِ؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه. فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبرني بهن جبريلُ آنفاً قال: جبريل قال: نعم قال: ذَاكَ عدوّ اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية: {مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} [البقرة:97]. أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المَشْرِق إلى المغرب وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كَبِد حُوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعهُ وإن سبق ماء المرأة نزعته فقال: أشهد أنك رسول الله حقاً. ثم قال يا رسول الله: إن اليهود قوم بُهْتٌ، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بَهَتُونِي عنْدك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: أيُّ رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خَيْرُنا وابن خَيْرِنَا وسيدُنا وابنُ سيِّدِنا وِأعلَمُنا وابن أَعْلَمِنَا قال: أفرأيتم (إن أسلم) عبد الله بن سلام؟ فقالوا: أعاذَه الله من ذلك. فخرج إليه عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسولُ الله فقالوا: أشَرُّنَا وابْنُ شَرِّنَا وانتقصوه فقال: هذا ما كنت أخاف منه يا رسول الله"تفسير : فقال سعد بن أبي وقّاص: ما كنا نقول ـ وفي رواية ما سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول لأحد يمْشِي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سَلاَم وفيه نزلت هذه الآية: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}. وقيل: الشاهد: هو موسى بن عِمْرَانَ ـ عليه الصَّلاَة والسَّلام ـ قال الشعبي: قال مسروق في هذه الآية: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، لأن آل حم نزلت بمكة، وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة قبل وفاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعامين، فكيف يمكن حمل هذه الآية المكية على واقعةٍ حدثت في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمدينة؟! وإنما نزلت الآية في محاجّة كانت من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقومه. وأجاب الكلبيُّ بأن السورة مكية إلا هذه الآية فإنها مدنية وكانت الآية تنزل فيأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يضَعَهَا في سورة كَذَا وكَذَا، وهذه الآية نزلت بالمدينة وأنّ الله تعالى أمر رسوله بأن يضعها في السورة المكية في هذا الموضع المعين. قال ابن الخطيب: ولِقائِلٍ أن يقول: إن الحديث الذي رَوَيْتُمْ عن عبد الله بن سلام مشكِلٌ؛ لأن ظاهر الحديث يشعر بأنه لما سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن المسائل الثلاث، فلما أجاب النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك الجواب آمن عبد الله بن سلام لأجل أنّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكر تلك الجوابات وهذا بعيدٌ من وَجْهَيْنِ: الأول: أن الإخبار عن أول أشراط الساعة وعن أول طعام يأكله أهل الجنة إخْبَار عن وقوع شيءٍ من المُمْكِنَات، وما هذا سبيله فإنه لا يُعْرَفُ كَوْنُ ذلك الخبر صدقاً إلاَّ إذا عرف أولاً كونُ المُخْبر صادقاً، فلو عرفنا صدق المُخْبِر يكون ذلك الخبر صادقاً لزم الدور. وهو محال. الثاني: أنا نعلم بالضرورة أن الجوابات المذكورة عن هذه المسائل لا يبلغ العلم بها إلى حدِّ الإعجاز ألبتة بل نقول: الجوابات الباهرة عن المسائل الصعبة لما لم يبلغ إلى حد الإعجاز. والجواب يحتمل أنه جاء في بعض كتب الأنبياء المتقدمين أن رَسُولَ آخِرِ الزمان يُسْأَلُ عن هذه المسائل وهو يجيب عنها بهذه الجوابات وكان عبد الله بن سلام عالماً بهذا المعنى ولما سأل النبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ أجاب بتلك الأجوبة فلا حاجة بنا إلى أن نقول: العِلْمُ بهذه الجوابات مُعْجزةٌ والله أعلم. وقيل: المراد بالشاهد التوراة. ومثل القرآن هو التوراة فشهد موسى على التوراة، ومحمد على الفرقان، وكل واحد يُصَدِّقُ الآخرَ، لأن التوراة مشتملة على البشارة بمحمدٍ ـ صلى الله عليه وسلم ـ والقرآن مصدق التوراة ثم قال: {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} فلم تؤمنوا {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} وهذا تهديد. وهو قائم مقام الجواب المحذوف، والتقدير قل أرأيتم إنْ كَانَ من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالّين. قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ...} في سبب النزول وجوه: الأول: أن كفار مكمة قالوا: إِن عَامَّةَ من يتبع محمداً الفقراءُ والأرذالُ مثلُ عمَّار، وصُهَيْب، وابْن مَسْعُودٍ ولو كان هذا الدين خيراً ما سبقونا إليه هؤلاء. والثاني: قيل: لما أسلمت جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَة، وأسْلَم، وغِفار، قالت بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع: لو كان هذا خيراً ما سبقنا إليه رعاة البَهْمِ. الثالث: قيل: إنَّ أَمَةً لعمرَ أسلمت وكان عمر يضربها ويقول: لولا أنّي فترت لزِدْتُكِ ضَرْباً فكان كفار قريش يقولون: لو كان ما يدعونا إليه محمد خيراً ما سبقنا إليه. الرابع: قيلأ: كان اليهود يقولون هذا الكلام حين أسلم عبدالله بن سلام وأصحابه. قوله: "لِلَّذِينَ آمَنُوا" يجوز أن تكون لام الصلة، أي لأجلهم، يعني أن الكفار قالوا: لأجل إيمان الذين آمنوا، وأن تكون للتبليغ ولو جروا على مقتضى الخطاب لقالوا: ما سبقتمونا ولكنهم التفتوا فقالوا ما سبقونا. والضمير في "كان" و "إليه" عائدان على القرآن، أو ما جاء به الرسول أو الرسول. قوله: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} العامل في "إذْ" مقدر أي ظهر عنادُهُمْ، وتسبب عنه (قوله) "فَسَيَقُولُونَ" ولا يعمل في "إذْ" فَسَيَقُولُونَ، لتضاد الزمانين، أعني المُضِيَّ والاسْتِقْبَالَ ولأجل الفاء أيضاً. فصل المعنى وإذ لم يهتدوا بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان فسيقولون هذا إفك قديم كما قالوا: أسَاطِيرُ الأَوَّلين. قوله (تعالى): {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} العامة على كسر ميم "مِنْ" حرف جر، وهي مع مجرورها خبر مقدم. والجملة حالية، أو خبر مستأنف وقرأ الكلبي بنصب الكتاب تقديره: وأنْزَلَ مِنْ قِبْلِهِ كِتَابَ مُوسَى وقرىء: وَمَنْ قَبْلَه بفتح الميم كِتَابَ مُوسَى بالنصب، على أن "من" موصولة، وهي مفعول أول لآتَيْنَا مقدَّراً، و "كتاب موسى" مفعوله الثاني أي وآتينا الذي قبله كِتَابَ مُوسَى. قوله: "إمَاماً ورَحْمَةً" حالان من "كتاب موسى". وقيل: منصوبان بمقدر أي أَنْزَلْنَاهُ إِمَاماً ولا حاجة إليه. وعلى كونهما حالين هما منصوبان بما نصب به "مِنْ قَبْل" من الاستقرار. وقال أبو عبيدة: فيه إضمار أي جعلناه إماماً ورحمة من الله لمن آمن به. ومعنى الآية: ومن قبل القرآن كتابُ موسى يعني التوراة إماماً يهتدى به، ورحمة من الله وفي الكلام محذوف تقديره: وتقدمه كتاب موسى إماماً ورحمةً ولم يَهْتَدُوا به كما قال في الآية الأخرى {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ}. قوله: {وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ} أي القرآن يصدِّق الكتب التي قبله، في أن محمداً رسول من عند الله. قوله: "لِسَاناً" حال من الضمير في "مُصَدِّق" ويجوز أن يكون حالاً من "كِتَابٍ" والعامل التنبيه، أو معنى الإشادة. و "عربياً" صفة لـ "لِسَاناً" وهو المسوغ لوقوع هذه الجامدة حالاً، وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً به ناصبه "مصدق" وعلى هذا تكون الإشارة إلى غير القرآن؛ لأن المراد باللسان العربي القرآن. وهو خلاف الظاهر. وقيل: هو على حذف مضاف، أي مُصَدِّق ذَا لسانٍ عَرَبيٍّ وهو النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل: هو على إسقاط حرف الجرف، أي بلسان وهو ضعيف. قوله: "لتنذر" متعلق بمُصَدِّق، و "بُشْرَى" عطف على محلّه تقديره: للإنذار وللبُشْرَى. ولما اختلف العلة والمعلول وصل العامل إليه باللام، وهذا فيمن قرأ بتاء الخطاب. فأما من قرأ بياء الغيبة ـ وقد تقدم ذلك في يس ـ فإنَّهُمَا متَّحِدَانِ. وقيل: بشرى عطف على لفظ "لِتُنْذِرَ" أي فيكون مجروراً فقط. وقيل: هي مرفوعة على خبر ابتداء مضمر تقديره: هِيَ بُشْرَى. ونقل أبو حيان وجه النصب عطفاً على محل "لِتُنْذِرَ" عن الزمخشري وأبي البقاء ثم قال: "وهذا لايصح على الصحيح من مذاهب النحويين، لأنهم يشترطون في الحمل على المحل أن يكون بحقّ الأصالة. وأن يكون للموضع مُحْرز. وهنا المحل ليس بحق الأصَالة؛ إذ الأصل في المفعول الجر (له)، والنصب ناشىء عنه، لكنه لما كثر بالشروط المذكورة وصل إليه الفعل فنصبه". انتهى. قوله: الأصل في المفعول له الجر بالحرف ممنوع بدليل قول النحويين إنه ينصب بشروط ذكروها ثم يقولون: ويجوز جره بلام فقولهم: ويجوز ظاهر في أنه فرع لا أصل. قال الزجاج ـ (رَحِمَهُ الله) ـ: الأجوزُ أن يكون "وبشرى" في موضع رفع أي وهُو بُشْرَى. قال و (لا) يجوز أن يكون في موضع نَصْب على معنى لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين. وقوله للمحسنين متعلق ببشرى، أو بمحذوف على أنَّه صفة لها. فصل المراد بالذين ظلموا مشركو مكة، والحاصل أن المقصودَ من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس {قل ما كنت بدعاً من الرسل} يقول لست بأوّل الرسل {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} فأنزل الله بعد هذا{أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}تفسير : [الفتح: 2] وقوله {أية : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات}تفسير : [الفتح: 5] الآية فأعلم الله سبحانه نبيه ما يفعل به وبالمؤمنين جميعاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {قل ما كنت بدعاً من الرسل} قال: ما كنت بأوّلهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {قل ما كنت بدعاً من الرسل} قال: يقول: قد كانت الرسل قبله. وأخرج ابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في قوله {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال: هل يترك بمكة أو يخرج منها؟ وأخرج أبو داود في ناسخه من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال: نسختها هذه الآية التي في الفتح، فخرج إلى الناس فبشرهم بالذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال رجل من المؤمنين: هنيئاً لك يا نبي الله قد علمنا الآن ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله في سورة الأحزاب{أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً}تفسير : [الأحزاب: 47] وقال{أية : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزاً عظيماً}تفسير : [الفتح: 5] فبين الله ما به يفعل وبهم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة والحسن مثله. وأخرج أحمد، والبخاري، والنسائي، وابن مردويه عن أم العلاء رضي الله عنها وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت "حديث : لما مات عثمان بن مظعون رضي الله عنه قلت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري، وأنا رسول الله، ما يفعل بي ولا بكم. قالت أم العلاء: فوالله ما أُزَكّي بعد أحداً ". تفسير : وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : لما مات عثمان بن مظعون رضي الله عنه قالت امرأته، أو امرأة: هنيئاً لك ابن مظعون الجنة. فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر مغضب وقال: "وما يدريك والله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل الله بي". قال: وذلك قبل أن ينزل {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} فقالت يا رسول الله صاحبك وفارسك وأنت أعلم، فقال: "أرجو له رحمة ربه، وأخاف عليه ذنبه" . تفسير : وأخرج ابن حبان والطبراني عن زيد بن ثابت رضي الله عنهحديث : أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه لما قبض قالت أم العلاء: طبت أبا السائب نفساً إنك في الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك؟" قالت: يا رسول الله عثمان بن مظعون قال: "أجل ما رأينا إلا خيراً والله ما أدري ما يصنع بي" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال حديث : لما نزلت هذه الآية {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخوف زماناً، فلما نزلت {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح: 1 - 2] اجتهد، فقيل له: تجهد نفسك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر. قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ . تفسير : وأخرج ابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال: ثم درى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ما يفعل به يقول {إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} قال: أما في الآخرة فمعاذ الله قد علم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن {ما أدري ما يفعل بي ولا بكم} في الدنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي، أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي {ولا بكم} أمتي المكذبة أم أمتي المصدقة أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفاً أم يخسف بها خسفاً ثم أوحي إليه{أية : وإذا قلنا لك أن ربك أحاط بالناس}تفسير : [الاسراء: 60] يقول: أحطت لك بالعرب لا يقتلوك، فعرف أنه لا يقتل، ثم أنزل{أية : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً}تفسير : [الفتح: 28] يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الأديان ثم قال له في أمته{أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}تفسير : [الأنفال: 43] فأخبر الله ما صنع به وما يصنع بأمته.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}[9] قال: أي كانت قبلي رسل يأمرون بما آمر به، وينهون عما أنهى عنه، وما كنت عجباً من الرسل، فإني لم أدعكم إلا إلى التوحيد، ولم أدلكم إلا على مكارم الأخلاق، وبهذا بعثت الأنبياء قبلي. قوله تعالى: {أية : وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} تفسير : [النمل:19] قال: أي ألهمني التوبة والعمل بالطاعة.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} [الآية: 9]. قال سهل: ما كنت عجباً فى المرسلين. قال بعضهم فى هذه الآية: لم أدعهم إلاّ إلى التوحيد ولم أدلكم إلا على مكارم الأخلاق وبهذا بعث الأنبياء قبلى. قال جعفر فى هذه الآية: لم يكن فى نبوتى شىء وإنما هو شىء أعطيته لا بى بل بفضل من عند الله حيث أهَّلنى لرسالته ووصفنى فى كتب الأنبياء السالفة صلوات الله عليهم أجمعين. قوله عز وعلا: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} [الآية: 9]. قال الواسطى رحمة الله عليه: إن الله تعالى ستر أمر الروح على جميع خلقه وستر مائية ذاته وستر ما يعامل الخلق عند معاينته فقال: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. وهذا قبل أن نزل قوله تعالى: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 2]. وفي الآية دليلٌ على فساد قول أهل القـَدَرِ والبدِعِ حيث قالوا: "إيلامُ البريء قبيحٌ في العقل". لأنه لو لم يَجُزْ ذلك لكان يقول: أَعْلَمُ - قطعاً - أني رسول الله، وأني معصومٌ... فلا محالةَ يغفر لي، ولكنه قال: وما أدري ما يُفْعَلُ بي ولا بكم؛ لِيُعْلَمَ أن الأمرَ أمرُه، والحكمَ حكمُه، وله أن يفعلَ بعباده ما يريد.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} بين الله سبحانه ان حال حبيبه عليه الصلاة والسلام حماله معروفة فى الملكوت والعالمين وهى ما جرت على جميع الانبياء والمرسلين من كشوف اسراره وبروز انواره وظهور نفسه لهم واخباره عن نفسه نملكه وملكوته اياهم ليدعوا العباد الى ساحة قربه وخدمته اى ما كنت باول من الانبياء والرسل ولست عجيبا بحالتى ونبوتى فان النبوة سنة الله التى جرت على اخوانى من الانبياء والرسل وهى معروفة بانه دعى الخلق بلسان الانبياء الى طاعته ومعرفته ومشاهدته وما اعلم ما حكم فى الازل علىّ ولا عليكم فانه مشاهد القلوب وعلام الغيوب واوجد من العدم بنور القدم ولا ادرى اين استغرق فى بحار وصال جماله الابدى فهناك لحجان تغيب فى ذرة منها جميع الارواح العاشقة والاسرار الوالهة والقلوب الحائرة وما ادرى كيف يفعل بكم فيما جرى من السعادة والشقاوة فى الازل فان علم العواقب عنده لا يطلع عليه ملك مقرب ولا نبى مرسل لانه من علم ما استاثره لنفسه خاصة وليس لاخدمته ونصيب الا لمن اظهر شئ منه كقوله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه احد الا من ارتضى من رسول الله قال الواسطى فى قوله ما ادراك ما يفعل لى ولا بكم ان الله تعالى ستر امر الروح على جميع خلقه وستر ماهية ذاته وستره ما يعامل به الخلق عند معانيته فقال وما ادرى ما يفعل ولا بكم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ما كنت بدعا من الرسل} البدع بالكسر بمعنى البديع وهو من الاشياء ما لم ير مثله كانوا يقترحون عليه صلى الله عليه وسلم آيات عجيبة ويسألونه عن المغيبات عنادا ومكابرة فامر عليه السلام بان يقول لهم ما كنت بدعا من الرسل اى لست باول مرسل ارسل الى البشر فانه تعالى قد بعث قبلى كثيرا من الرسل وكلهم قد اتفقوا على دعوة عباد الله الى توحيده وطاعته ولست داعيا الى غير ما يدعون اليه بل ادعو الى الله بالاخلاص فى التوحيد والصدق فى العبودية وبعثت لاتمم مكارم الاخلاق ولست قادرا على ما لم يقدروا عليه حتى آتيكم بكل ما تقترحونه واخبركم بكل ما تسألون عنه من الغيوب فان من قبلى من الرسل ما كانوا يأتون الا بما آتاهم الله من الآيات ولا يخبرون قومهم الا بما اوحى اليهم فكيف تنكرون منى ان دعوتكم الى ما دعا اليه من قبلى من الانبياء وكيف تقترحون على ما لم يؤته الله اياى {وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم} ما الاولى نافية ولا تأكيد لها والثانية استفهامية مرفوعة بالابتداء خبرها يفعل وجوز ان تكون الثانية موصولة منصوبة بأدرى والاستفهامية اقضى لحق مقام التبرى من الدراية والمعنى وما أعلم اى شئ يصيبنا فيما يستقبل من الزمان والى ما يصير أمرى وامركم فى الدنيا فانه قد كان فى الانبياء من يسلم من المحن ومنهم من يمتحن بالهجرة من الوطن ومنهم من يبتلى بأنواع الفتن وكذلك الامم منهم من أهلك بالخسف ومنهم من كان هلاكه بالقذف وكذا بالمسخ وبالريح وبالصيحة وبالغرق وبغير ذلك فنفى عليه السلام علم ما يفعل به وبهم من هذه الوجوه وعلم من هو الغالب المنصور منه ومنهم ثم عرفه الله بوحيه اليه عاقبة امره وأمرهم فأمره بالهجرة ووعده العصمة من الناس وأمره بالجهاد واخبر أنه يظهر دينه على الأديان كلها ويسلط على اعدائه ويستأصلهم وقيل يجوز أن يكون المنفى هى الدراية المفصلة اى وما أدرى ما يفعل بى ولا بكم فى الدارين على التفصيل اذ لا علم لى بالغيب كان الاجمال معلوما فان جند الله هم الغالبون وان مصير الابرار الى النعيم ومصير الكفار الى الجحيم وقال المولى ابو السعود رحمه الله والاظهر الاوفق لما ذكر من سبب النزول ان ما عبارة عما ليس فى علمه من وظائف النبوة من الحوادث والواقعات الدنيوية دون ما سيقع فى الآخرة فان العلم بذلك من وظائف النبوة وقد ورد به الوحى الناطق بتفاصيل ما يفعل بالجانبين هذا وقد روى عن الكلبى ان النبى عليه السلام رأى فى المنام انه يهاجر الى ارض ذات نخل وشجر فأخبر أصحابه فحسبوا انه وحى اوحى اليه فاستبشروا. سعديا حب وطن كرجه حديث است صحيح. نتوان مرد بسختىكه من انيجازادم. ومكثوا بذلك ما شاء الله فلم يروا شيئا مما قال لهم حديث : فقالوا له عليه السلام وقد ضجروا من اذية المشركين حتى متى نكون على هذا فقال عليه السلام"انها رؤيا رايتها كما يرى البشر ولم يأتنى وحى من الله" تفسير : فنزل قوله وما ادرى ما يفعل بى ولا بكم اى أؤترك بمكة ام اؤمر بالخروج الى ما رأيتها فى المنام. يقول الفقير وعلى هذا يلزم ان يكون الخطاب فى بكم للمؤمنين وهو بعيد لما دل عليه ما قبل الآية وما بعدها من انه للكفار وفى الآية اشارة الى فساد أهل القدر والبدع حيث قالوا ايلام البرايا قبيح فى العقل فلا يجوز لانه لو لم يجز ذلك لكان يقول أعظم البرايا أعلم قطعا انى رسول الله معصوم فلا محالة يغفر لى ولكنه قال وما ادرى ما يفعل بى ولا بكم ليعلم ان الامر امره والحكم حكمه له ان يفعل بعباده ما يريد ولا يسأل عما يفعل وفى عين المعانى وحقيقة الآية البرآءة من علم الغيب (قال المولى الجامى) اى دل تاكى فضولى وبوالعجبى ازمن جه نشان عافيت مى طلبى سركوشته بود خواه ولى خواه نبى. در وادئ ما ادرى ما يفعل بى {ان اتبع الا ما يوحى الى} اى ما أفعل الا اتباع ما يوحى الى على معنى قصر افعاله عليه السلام على اتباع الوحى لا قصر اتباعه على الوحى كما هو المتسارع الى الافهام وهو جواب عن اقتراحهم الاخبار عما لم يوح اليه من الغيوب وقيل عن استعجال المسلمين ان يتخلصوا من أذية المشركين والاول هو الاوفق لقوله تعالى {وما انا الا نذير} انذركم عقاب الله حسبما يوحى الى {مبين} بين الانذار لكم بالمعجزات الباهرة ففيه انه عليه السلام ارسل مبلغا وليس اليه من الهداية شئ ولكن الله يهدى من يشاء وان علم الغيوب بالذات مختص بالله تعالى واما اخبار الانبياء والاولياء عليهم السلام فبواسطة الوحى والالهام وتعليم الله سبحانه ومن هذا القبيل اخباره عليه السلام عن اشراط الساعة وما يظهر فى آخر الزمان من غلبة البدع والهوى واخباره عن حال بعض الناس كما قال عليه السلام "حديث : ان اول من يدخل من هذا الباب رجل من أهل الجنة" فدخل عبد الله بن سلام فقام اليه ناس من اصحاب رسول الله فأخبروه بذلك وقالوا لو اخبرتنا بأوثق عملك الذى ترجو به فقال انى ضعيف وان اوثق ما ارجو به سلامة الصدر وترك ما لا يعنينى تفسير : وعن سيد الطائفة الجنيد البغدادى قدس سره قال لى خالى السرى السقطى تكلم على الناس اى عظهم وكنت اتهم نفسى فى استحقاق ذلك فرأيت النبى عليه السلام فى المنام وكان ليلة الجمعة فقال "حديث : تكلم على الناس" تفسير : فانتبهت وأتيت باب خالى فقال لم تصدقنا حتى قيل لك اى من جانب الرسول عليه السلام فقعدت من غد للناس فقعد على غلام نصرانى متنكرا اى فى صورة مجهولة وقال ايها الشيخ ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله" تفسير : قال فأطرقت رأسى ورفعت فقلت اسلم فقد حان وقت اسلامك فاسلم الغلام فهذا انما وقع بتعريف الله تعالى اى للشبلى والجنيد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قل ما كنتُ بِدعاً} أي: بديعاً، كخف وخفيف، ونصب ونصيب، فالبدع والبديع من الأشياء: ما لم يتقدم مثله، أي: لستُ بأول مرسل فتُنكر نبوتي، بل تقدمت الرسل قبلي، واقترِحتْ عليهم المعجزات، فلم يقدروا على الإتيان بشيء إلا ما أظهره الله على أيديهم، في الوقت الذي يُريد. قيل: كانت قريش تقترح على رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات تظهر لهم، ويسألونه عن الغيبيات، عناداً ومكابرة، فأُمر صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم: ما كنت بِدعاً من الرسل، قادراً ما لم يقدروا عليه، حتى آتيكم بكل ما تقترحونه، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من الغيوب، فإنَّ مَن قبلي من الرسل عليم السلام ما كانوا يأتون إلا بما آتاهم الله تعالى من الآيات، ولا يُخبرون إلا بما أوحي إليهم، {وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم} أي: لا أدري ما يُصيبنا فيما يستقبل من الزمان من أفعاله تعالى، وماذا يبرز لنا من قضاياه. وعن الحسن: ما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا. وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما يُفعل بي ولا بكم في الآخرة. وقال: إنه منسوخ بقوله:{أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 2] قال شيخ شيوخنا الفاسي: وهو بعيد، ولا يصح النسخ؛ لأنه لا يكون في الأخبار، ولأنه لم يزل يعلم أن المؤمن في الجنة، والكافر في النار، من أول ما بعثه الله، لكن محمل قول ابن عباس وغيره على أنه لم تكشف له الخاتمة، فقال: لا أدري، وأما مَن وافى على الإيمان، فقد أعلم بنجاته من أول الرسالة، وإلا فكان للكفار أن يقولوا: وكيف تدعونا إلى ما لا تدري له عاقبة؟ قاله ابن عطية. هـ. وقال أبو السعود: والأوفق بمان ذكر من سبب النزول: أن "ما" عبارة عما عِلْمُه ليس من وظائف النبوة، من الحوادث الواقعات الدنيوية، دون ما سيقع في الآخرة، فإنَّ العلم بذلك من وظائف النبوة، وقد ورد به الوحي، الناطق بتفاصيل الفعل بالجانبين. هذا، وقد رُوي عن الكلبي: "أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له صلى الله عليه وسلم وقد ضجروا من إذاية المشركين: متى نكون على هذا؟ فقال: {ما أدري ما يُفعل بي ولا بكم} أأترَكُ بمكة أو أومر بالخروج إلى أرض ذات نخيل وشجر، قد رفعتْ إليّ ورأيتها. هـ. وسأتي في الإشارة تحقيق المسألة إن شاء الله تعالى. ثم قال: {إِن أتبعُ إِلا ما يُوحَى إِليَّ} أي: ما أفعل إلا الاتباع، على معنى: قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي، لا قصر اتباعه على الوحي، كما هو المتبادر، وهو جواب عن اقتراحهم الإخبار بالغيوب، أو عن استعجال المسلمين أن يتخلّصوا من إذاية المشركين، والأول هو الأوفق بقوله: {وما أنا إِلا نذير مبين} أُنذركم عقاب الله تعالى حسبنا يُوحى إليّ من الإنذار بالمعجزات الباهرة. {قل أرأيتم إِن كان} ما يوحى إليّ من القرآن {مِن عند الله} لا بسحر ولا مفترى كما تزعمون {و} قد {كفرتم به وشَهِدَ شاهدٌ} عظيم {من بني إِسرائيل} الواقفين على شؤون الله وأسرار الوحي، بما أُوتوا من التوراة. والشاهد: عبد الله بن سلام، عند الجمهور، ولهذا قيل: إن الآية مدنية، لأن إسلام "عبد الله بن سلام" بالمدينة. قلت: لَمّا عَلِمَ اللّهُ ما يكون من ابن سلام من الإسلام أخبر به قبل وقوعه، وجعل شهادته المستقبلة كالواقعة، فالآية مكية. وقوله: {على مثله} أي: مثل القرآن من المعاني المنطوية في التوراة، المطابقة لما في القرآن من الوعد والوعيد وغير ذلك، فإنَّ ما فيه عين ما فيها في الحقيقة، كما يُعرب عنه قوله تعالى:{أية : وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ الأَوَّلِينَ}تفسير : [الشعراء: 196] والمثلية باعتبار كونه من عند الله. وقيل: المثل: صلة. {فآمَنَ} ذلك الشاهد لَمّا تحقق برسالته. رُوي أنه لما قَدِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى وجهه، فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وقال له:إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيّ: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بالُ الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أما أول أشراط الساعة؛ فنارٌ تحشُرُ الناسَ من المشرق إلى المغرب، وأول طعام يأكله أهل الجنة؛ فزيادة كبد الحوت، وأما الولد؛ فإذا سبقَ ماءُ الرجل نزعه، وإن سبق ماءُ المرأة نزعته"تفسير : فقال: أشهد أنك رسول الله حقاًُ، فأسلم. {واستكبرتم} عن الإيمان به، وجواب الشرط محذوف، والمعنى: أخبروني إن كان من عند الله، وشهد بذلك أعلم بني إسرائيل، فآمن به من غير تلعثم، واستكبرتم عن الإيمان به بعد هذه البينة، فمَن أضل منكم؟ بدليل قوله تعالى:{أية : أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ...}تفسير : [فصلت: 52] الآية أو: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟ ويدل عليه قوله: {إِن الله لا يهدي القوم الظالمين}، والتقديران صحيحان، لأن عدم الهداية مستلزم الضلال، ووصفهم بالظلم للإشعار بعلة الحكم، فإن تركه - تعالى - لهدايتهم إنما هو لظلمهم. وقال الواحدي: معنى: {إِنّ الله لا يهدي القوم الظالمين} : إن الله جعل جزاء المعاندين للإيمان بعد الوضوح والبيان أن يمدهم في ضلالتهم، ويحرمهم الهداية. هـ. الإشارة: قل ما كنت بِدعاً من الرسل، وكذلك الوليّ يقول: ما كنت بِدعاً من الأولياء، مع العصمة والحفظ وصريح الوعد بالنجاة، لاتساع معرفتهم وعلمهم بالله؛ لأنهم لا يقفون مع عد ولا وعيد؛ لأن غيب المشيئة لا يعلم حقيقته إلا الله، وقد يكون الوعد معلقاً بشروط أخفاها الله عنهم، ليتحقق اختصاصه بحقيقة العلم، وفي الحديث:"حديث : لا تأمن مكري وإن أَمَّنتك"تفسير : ، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره، ولا يكون مع غير الله قراره، وعلى ذلك الششتري في نونيته، حيث قال: شعر : وأي وِصَالٍ في القَضِيَّة يُدَّعى وأكلُ مَن الْخَلْق لم يدَّع الأمْنا؟ تفسير : هذا، وقد قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم:{أية : وَللآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى}تفسير : [الضحى: 4، 5] وقال: {لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}[الفتح: 2]، ومع ذلك كله لم يقف مع ظاهر الوعد، لغيب المشيئة، فقال في حديث ابن مظعون: "حديث : والله لا أدري - وأنا رسول - ما يُفعل بي"تفسير : وحديث ابن مظعون بالمدينة بعد الهجرة، فتبيَّن أنَّ الأمن الحقيقي لا يحصل لأحد قبل الختام، وإن كان الغالب والطرف الراجح أن من وُعد بخيرٍ أو بُشِّر به يُنْجَز له بفضل الله وكرمه، والكريم إذا وعد لا يُخلف، لكن المشيئة وقهرية الربوبية لا تزال فوق رأس العبد حتى يلقاه. والله تعالى أعلم. قال القشيري: وفي الآية دليل على فساد قول أهل البدع، حيث لم يُجوزوا إيلام البريء عقلاً؛ لأنه لو لم يَجُزْ ذلك لكان يقول: أعْلَمُ قطعاً أني معصومٌ، فلا محالةَ يغفر لي، ولكنه قال هذا ليُعلم أن الأمر أمرُه، والحكمَ حكمُه، له أن يفعلَ بعباده ما يريد. هـ. وقال الورتجبي: لا أدري أين استغرق في بحار وصال جماله الأبدي، وهناك لججات تغيب في ذرة منها جميعُ الأرواح العاشقة، والأسرار الوالهة، والقلوب الحائرة. هـ. والحاصل: أنه لا يدري نهاية مناله من الله، لنفي الغاية في حقه تعالى والنهاية، وهو صريح استبعاد الششتري دعوى الوصال، والله أعلم. هـ. من الحاشية. ثم حكى مقالة أخرى للكفار من مقالاتهم الباطلة، فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ}.

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} لهم لم تستغربون رسالتى وقد كنت مثل سائر الرّسل و {مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} اى من بينهم او حالكونى بعضاً منهم وقد كان الرّسل بشراً مثلى وكانوا يأكلون ويشربون وينكحون ويمشون فى الاسواق وقد كانوا يأتون بالاحكام من الله ويدعون الى التّوحيد {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْْْ} بحسب اقتضاء بشريّتى فما لكم تطالبونى بعلم الغيب {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} لا أتجاوزه الى ما تشتهون او اشتهى {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} بحسب رسالتى لا شأن لى سوى الانذار وان كنت بحسب ولايتى هادياً لكم وقادراً على ما لا تقتدرون عليه وعالماً بما لا تعلمون {مُّبِينٌ} ظاهر الانذار، وظاهر الصّدق او موضح.

اطفيش

تفسير : {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً} أي بديعاً كخف بمعنى خفيف وقرئ (بِدَعا) بفتح الدال صفة أو مصدراً بتقدير مضاف أي ذا بدع* {مِّنَ الرُّسُلِ} أي ما كنت أولهم بل قد جاء قبلي مثلي كثير أو ما كنت أدعو الى ما لا يدعون ولست آتيكم بما تقترحون وأخبركم بكل غيب سألتموه فان الرسل لم يكونوا يأتون الا بما آتاهم ولقد أجاب موسى فرعون بقوله {أية : علمها عند ربي} تفسير : فكيف تنكرون نبوتي لئن لم آت بما أردتم* {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} في الدنيا أمخرج من بلدي أم أقتل كما فعل بالانبياء قبلي أو ترمون بالحجارة أو يخسف بكم كالمكذبين قبلكم. وقيل الخطاب للكفار والمؤمنين معاً أي لا أدري ما يفعل بكم أيها المؤمنون أيضاً أتخرجون معي أم لا وغير ذلك ثم أخبره الله انه يظهر دينه على الدين كله وانه (لا يعذبهم وهو فيهم ولا يعذبهم وهم يستغفرون). وقال الحسن: ما أدري ما يصير أمري وأمركم في الدنيا ومن الغالب والمغلوب ثم أخبره انه يظهر دينه وأمته على الاديان والامم وأما في الآخرة فقد علم انه ومن إتبعه في الجنة وغيرهم في النار وقيل ما أدري ما يفعل بي ولا بكم من الأوامر والنواهي وهل يدركني مقيماً بين أظهركم أم يخرجني ونسب للحسن وأخبره وأمره بالهجرة بعد ذلك. وعن ابن عباس وجماعة: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة وكان ذلك في صدر الاسلام فحلف المشركون باللات والعزى ائنا ومحمد عند الله سواء ولولا ان القرن افتراء منه لا خبره بما يفعله به كما فعل مع سليمان وعيسى والحواريون خبرهم الله بالنصر وهذا هو الضلال. وقيل: إن رأس المنافقين عبد الله قال: كيف تتبعون من لا يدري ما يفعل به ولا بمن اتبعه؟ فقال له أبو بكر يا رسول الله ألا تخبرنا بما يفعل بك وقد شق ذلك على المسلمين فنزل {أية : ليغفر لك الله} تفسير : الخ فقال الصحابة هنيئاً لك علمت ما يفعل بك فماذا يفعل بنا فنزل {أية : ليدخل المؤمنين} تفسير : الخ {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم} تفسير : الخ فآيات الغفران ناسخات لهذه. كذا قالوا عن ابن عباس وقتادة وعكرمة ونسب الى الحسن. قيل: ولم يطل حكم آية منسوخة كهذه بقيت بمكة عشر سنين وبالمدينة ستاً والتحقيق ان نسخ معنى الاخبار وبقاء اللفظ لا يقع واعلم ان الاخبار بغفران الذنوب عام الحديبية. عن أنس: نزل {أية : انا فتحنا لك فتحاً مبيناً} تفسير : الخ في رجوعه من الحديبية وأصحابه حزنوا لانه حيل بينهم وبين مناسكهم ونحروا الهدي بالحديبية وقال لقد نزل عليَّ آية أحب اليَّ من الدنيا وما فيها بعد ما خرج على وجهه يتهلل فرحاً. "حديث : وعن أم العلاء امرأة من الانصار بايعت النبي: كان لنا عثمان بن مظعون رضي الله عنه قرعة من المهاجرين فتكفلنا به فأنزلناه في بيوتنا فوجع وجعه الذي به مات وكفناه في أثوابه فقلت رحمك الله أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال صلى الله عليه وسلم وما يدريك ان الله قد أكرمه فقلت بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله فقال أما هو فقد جاءه اليقين والله اني لارجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي قلت فوالله لا أزكي بعده أحداً يا رسول الله قالت ورأيت له عيناً تجري فذكرتها للرسول صلى الله عليه وسلم فقال ذلك عمله ". تفسير : وعن ابن عباس والكلبي انه صلى الله عليه وسلم رأى وهو بمكة أرضاً ذات سباخ ونخيل وشجر يهاجر اليها وفرح المسلمون برؤياه هذه فلما اشتد البلاء على أصحابه بمكة من المشركين قالوا له متى تهاجر الى تلك الارض التي رأيت فسكت فتنزل {ومَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} أنخرج من مكة أو نموت فيها. وقرئ (يفعل) بالبناء للفاعل وهو الله ولا دخل لا في قوله {ولا بكم} مع عدمها في قوله بي (لدخول) النفي في قوله {مَآ أَدْرِي} كقولك ما جلس زيد في الدار ولا في السوق قيل ويجوز أن تكون الآية نفياً للآلهة المفضلة {وَمَآ} موصولة مفعول أدري أو استفهامية مبتدأ خبره {يُفْعَلُ بِي} بالبناء للمفعول ومفعول مقدم ليفعل مبنياً للفاعل والمبتدأ والخبر على الأول من وجهي الاستفهام مفعول {أَدْرِي} قام مقام مفعولين والجملة الفعلية كذلك على الثاني والمعلق الاستفهام* {إِنْ أَتَّبِعُ} أي لا أتبع* {إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} وقرئ بالبناء للفاعل لا أتجاوز الوحي فمن لي بالاخبار عن كل غيب وباستعجال خلاص المسلمين من أذى المشركين* {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ} بالعذاب* {مُّبِينٌ} واضح الانذار بالبراهين أو أوضح لكم الشريعة

اطفيش

تفسير : {قُل} يا محمد لقومك {ما كنْت بدعاً} مبتدعا عاصفة مشبهة كخف بمعنى خفيف، وخل بمعنى خليل، وطب بمعنى طبيب، وهذا أولى من أن يكون مصدرا مقدراً بالوصف أو بمضاف أى ذا بدع، أو ما كان أمرى بدعا أو مبالغة، وعليها يكون من باب قوله تعالى: "أية : وما ربك بظلام للعبيد" تفسير : [فصلت: 46] {مِنَ الرُّسل} نعت لبدعا، أى مبتدعا اخرج عنهم بأن جئت بما لم يجيئوا، بل ما جئت إلا بالتوحيد الذى جاءوا به، وبالدعاء اليه كما دعوا اليه، وباظهار المعجزات كما أظهروها ليس على من المقترحات شىء، كما أنها ليست عليهم إلا ما خص الله به بعضا، وكانوا يقترحون عليه كقولهم: "أية : فأتوا بآبائنا" تفسير : [الدخان: 36] فأمره الله أن يقول لهم ما كنت بدعا من الرسل. {وما أدري ما يُفْعل بي ولا بكُم} فى الدنيا والآخرة على التفصيل الكلى، وأما اجمالاً فقد علم أنه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فى الجنة، والكفرة فى النار، وأن الكل سيموت واما أن يعمل متى يموت أو يموتون، أو كم أنفاسه أو أنفاسهم أو رزقه أو رزقهم، وسائر ما كتب له ولهم، فلا ومن ذلك أن يعلم أنه أيقتل أم لا أو يخرج الى أرض ماء أو نخل رفعت له فى المنام، أم لا وكذا هم، ولا يعلم أنهم مقضى عليهم بالكفر الى أن يموتوا أو بالايمان بعد او يقذفون بالحجارة أو يخسف بهم، ولا يعلم الا ما أخبره الله عز وجل به، مثل: ان ربك أحاط بالناس أى لا يقتلونك، وهو الذى أرسل رسوله بالهدى الخ، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وقال له أصحابه وقد ضجروا: الى متى نكون هكذا فقال لعلى اخرج الى أرض ذات نخل وأشجار رأيتها فى المنام، وقال الله عز وجل: "أية : إنَّا فتحنا لك فتحاً مبيناً * ليغفر لك الله" تفسير : [الفتح: 1 - 2] الخ فقالوا هنيئاً لك يا رسول الله فما لنا فنزل: "أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا" تفسير : [الأحزاب: 47] وعن ابن عباس: ما يفعل بى ولا بكم فى الآخرة، فالآية قبل نزول قوله تعالى: "أية : ليغفر لك الله ما تقدم" تفسير : [الفتح: 2] الخ وما مات الرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى علم أن الله غفر له، وأنه من أهل الجنة. وذكر الضحاك أن المراد ما أدرى ما أُومَرُ به، ولا ما تؤمرون به فى التكاليف والشرائع، والجهاد والابتلاء، واختار بعض المحققين أن نفى الدارية من غير جهة الوحى تفصيلية أو اجمالية دنيوية أو أخروية أى لا أدرى الا بالوحى، وأنه ما مات حتى أوتى من العلم بالله تعالى وأفعاله وصفاته، وأشياء يعد العلم بها كما لا ما لم يؤته غيره من العالمين، لما مات عثمان بن مظعون رضى الله عنه، قالت أم العلاء: أشهد أن الله أكرمك طب نفسا أنك فى الجنة فقال صلى الله عليه وسلم مغضباً: "حديث : ما يدريك والله، ما أدري وأنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يفعل بي ولا بكم" تفسير : فقالت: يا رسول الله صاحبك وفارسك، فقال: "حديث : أجل وأنا ما رأينا إلا خيراً وأرجوا له رحمة الله تعالى، وأخاف عليه ذنبه" تفسير : قال ابن عباس: ذلك قبل أن ينزل {أية : ليغفر لك الله }تفسير : [الفتح: 2] الخ فقالت، والله لا أزكى بعده أحدا. وما استفهامية مبتدأ مخبرعنه بالجملة بعده، والمجموع سد مسد مفعولى أدرى علق بالاستفهام، أو موصولة، فالجملة بعدها مفعول به لأدرى متعديا لواحد مثل أعرف، وهذا غير معروف، وأعيدت لا مع أنه لا ايهام بدونها لتأكيد انفراد كل بما يفعل به، عن انس وقتادة وعكرمة، والحسن البصرى: لما نزلت الآية قال المشركون وفرحوا: واللات والعزى أمرنا وأمر محمد واحد، ولو كان ما يقول من الله تعالى لفضله وأخبره بما يفعل به، فنزل: "أية : ليغفر لك الله" تفسير : [الفتح: 2] الخ، فقال المسلمون: هنيئا لك فما لنا، فنزل: "أية : ليدخل المؤمنين" تفسير : [الفتح: 5] الخ "أية : وبشر المؤمنين بأن" تفسير : [الأحزاب: 47] الخ هذا قبل أن ينزل عليه فى الحديبية غفران ذنبه، وفى البخارى: قسم الأنصار المهاجرين فناب أهل بيت أم العلاء عثمان بن مظعون، وهى ممن بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات بمرض، وقالت: أكرمك الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يدريك؟" تفسير : قالت: فمن يكرمه غير الله تعالى، قال: "حديث : أرجوا له، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي" تفسير : قالت: والله لا أزكى بعده أحدا يا رسول الله، ورأت له فى النوم عينا تجرى، فقال لها صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذلك عمله ". تفسير : وعن ابن عباس: ضايق المشركون على المؤمنين فقالوا: نخرج الى الأرض التى رأيت، قال: "حديث : لا أدري أنخرج إليها، ولا أدري أأخرج كما أخرج الأنبياء أم أقتل كما قتل بعض الأنبياء، ولا أدري أتخرجون معي أم لا أيها المؤمنون ولا أدري ما يفعل بكم أيها المجرمون أترجمون من السماء أم يخسف بكم أو يفعل بكم غير ذلك مما فعل بمن قبلكم، ولا أدري من الغالب" تفسير : وجاء بعد ذلك: {أية : هو الذي أرسل رسوله بالهدى} تفسير : [الفتح: 28] الخ "أية : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم" تفسير : [الأنفال: 33]. {إن أتبعُ إلاَّ ما يُوحى إلىَّ} قولا وفعلا أو اعتقادا لا قدرة لى على ما تقترحونه، وكانوا يقترحون عليه أمورا وعلما بالغيب، وكان المسلمون يستعجلون الخلاص من أذى المشركين، فالآية فى ذلك كله، والأولى اختصاصها باقتراح الكفرة المذكور لقوله عز وجل: {وما أنا إلاَّ نَذيرٌ} بكم بعقاب الله عز وجل، بحسب ما يوحى الى {مُبينٌ} ظاهر بالمعجزات، أو مظهر للحق.

الالوسي

تفسير : {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ } أي بديعاً منهم يعني لست مبتدعاً لأمر يخالف أمورهم بل جئت بما جاؤا به من الدعوة إلى التوحيد أو فعلت نحو ما فعلوا من إظهار ما آتاني الله تعالى من المعجزات دون الإتيان بالمقترحات كلها، فقد قيل: إنهم كانوا / يقترحون عليه عليه الصلاة والسلام آيات عجيبة ويسألونه عن المغيبات عناداً ومكابرة فأمر صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم ذلك، ونظير بدع الخِف بمعنى الخفيف والخِل بمعنى الخليل فهو صفة مشبهة أو مصدر مؤول بها، وجوز إبقاؤه على أصله. وقرأ عكرمة وأبو حيوة وابن أبـي عبلة {بدعاً } بفتح الدال، وخرج على أنه جمع بدعة كسدرة وسدر، والكلام بتقدير مضاف أي ذا بدع أو مصدر والاخبار به مبالغة أو بتقدير المضاف أيضاً. وقال الزمخشري: يجوز أن يكون صفة على فعل كقولهم: دين قيم ولحم زيم أي متفرق، قال في «البحر»: ((ولم يثبت سيبويه صفة على هذا الوزن إلا عدي حيث قال: ولا نعلمه جاء صفة إلا في حرف معتل يوصف به الجمع وهو قوم عدى، واستدرك عليه زيم وهو استدراك صحيح، وأما قيم فمقصور من قيام ولولا ذلك لصحت عينه كما صحت في حول وعوض، وأما قول العرب: مكان سوى وماء روى ورجل رضا وماء صرى فمتأولة عند التصريفيين إما بالمصدر أو بالقصر، وعن مجاهد وأبـي حيوة {بدعاً } بفتح الباء وكسر الدال وهو صفة كحَذِر)). {وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ } أي في الدارين على التفصيل كما قيل. وأخرج ابن جرير عن الحسن أنه قال في الآية: أما في الآخرة فمعاذ الله تعالى قد علم صلى الله عليه وسلم أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل ولكن ما أدري ما يفعل بـي في الدنيا أأخرج كما أخرجت الأنبياء عليهم السلام من قبلي أم أقتل كما قتلت الأنبياء عليهم السلام من قبلي ولا بكم أأمتي المكذبة أم أمتي المصدقة أم أمتي المرمية بالحجارة من السماء قذفاً أم المخسوف بها خسفاً ثم أوحي إليه {أية : وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ } تفسير : [الإسراء: 60] يقول سبحانه: أحطت لك بالعرب أن لا يقتلوك فعرف عليه الصلاة والسلام أنه لا يقتل ثم أنزل الله تعالى {أية : هُوَ ٱلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدّينِ كُلّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً } تفسير : [الفتح: 28] يقول: أشهد لك على نفسه أنه سيظهر دينك على الأديان ثم قال سبحانه له عليه الصلاة والسلام في أمته: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } تفسير : [الأنفال: 33] فأخبره الله تعالى بما صنع به وما يصنع بأمته، وعن الكلبـي أنه صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه وقد ضجروا من أذى المشركين: حتى متى نكون على هذا؟ فقال: وما أدري ما يفعل بـي ولا بكم أأترك بمكة أم أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها يعني في منامه ذات نخل وشجر. وحكى في «البحر» عن مالك بن أنس وقتادة وعكرمة والحسن أيضاً وابن عباس أن المعنى ما يفعل بـي ولا بكم في الآخرة. وأخرج أبو داود في «ناسخه» من طريق عكرمة عن ابن عباس أنه قال في الآية: نسختها الآية التي في الفتح يعني {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2] فخرج صلى الله عليه وسلم إلى الناس فبشرهم بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال رجل من المؤمنين: هنيئاً لك يا نبـي الله قد علمنا الآن ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى في سورة [الأحزاب: 47] {أية : وَبَشّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً } تفسير : وقال سبحانه: {أية : لّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سَيّئَـٰتِهِمْ } تفسير : [الفتح: 5] فبين الله تعالى ما يفعل به وبهم. واستشكل على تقدير صحته بأن النسخ لا يجري في الخبر فلعل المنسوخ الأمر بقوله تعالى: {قُلْ } إن قلنا: إنه هنا للتكرار أو المراد بالنسخ مطلق التغيير. وقال أبو حيان: هذا القول ليس بظاهر بل قد أعلم الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام من أول الرسالة بحاله وحال المؤمن وحال الكافر في الآخرة، وقال الإمام: ((أكثر المحققين استبعدوا هذا القول واحتجوا بأن النبـي لا بد أن يعلم من نفسه كونه نبياً ومتى علم ذلك علم أنه لا يصدر عنه الكبائر وأنه مغفور [له] وإذا كان كذلك امتنع كونه / شاكاً في أنه هل هو مغفور له أم لا؟ وبأنه لا شك أن الأنبياء أرفع حالاً من الأولياء، وقد قال الله تعالى فيهم: {أية : أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [يونس: 62] فكيف يعتقد بقاء الرسول وهو رئيس الأنبياء وقدوة الأولياء شاكاً في أنه هل هو من المغفورين أم لا؟)). وقد يقال: المراد أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام ما يدري ذلك على التفصيل، وما ذكر لا يتعين فيه حصول العلم التفصيلي لجواز أن يكون عليه الصلاة والسلام قد أعلم بذلك في مبدأ الأمر إجمالاً بل في إعلامه صلى الله عليه وسلم بعد بحال كل شخص شخص على سبيل التفصيل بأن يكون قد أعلم عليه الصلاة والسلام بأحوال زيد مثلاً في الآخرة على التفصيل وبأحوال عمرو وكذلك وهكذا توقف. وفي «صحيح البخاري» وأخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن مردويه حديث : عن أم العلاء، وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قالت لما مات عثمان بن مظعون: رحمة الله تعالى عليك يا أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله تعالى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما يدريك أن الله تعالى أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل بـي ولا بكم قالت أم العلاء: فوالله ما أزكي بعده أحداًتفسير : ، وفي رواية ابن حبان والطبراني حديث : عن زيد بن ثابت أنها قالت لما قبض: طِبْ أبا السائب نفسك إنك في الجنة فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك؟ قالت: يا رسول الله عثمان بن مظعون قال: أجل وما رأينا إلا خيراً والله ما أدري ما يصنع بـيتفسير : ، وفي رواية الطبراني وابن مردويه حديث : عن ابن عباس أنه لما مات قالت امرأته أو امرأة: هنيئاً لك ابن مظعون الجنة فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر مغضب وقال: وما يدريك؟ والله إني لرسول الله وما أدري ما يفعل الله بـي فقالت: يا رسول الله صاحبك وفارسك وأنت أعلم فقال: أرجو له رحمة ربه تعالى وأخاف عليه ذنبهتفسير : ، لكن في هذه الرواية أن ابن عباس قال: وذلك قبل أن ينزل {أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2] وعن الضحاك المراد لا أدري ما أومر به ولا ما تؤمرون به في باب التكاليف والشرائع والجهاد ولا في الابتلاء والامتحان. والذي أختاره أن المعنى على نفي الدراية من غير جهة الوحي سواء كانت الدراية تفصيلية أو إجمالية وسواء كان ذلك في الأمور الدنيوية أو الأخروية وأعتقد أنه صلى الله عليه وسلم لم ينتقل من الدنيا حتى أوتي من العلم بالله تعالى وصفاته وشؤنه والعلم بأشياء يعد العلم بها كمالاً ما لم يؤته أحد غيره من العالمين، ولا أعتقد فوات كمال بعدم العلم بحوادث دنيوية جزئية كعدم العلم بما يصنع زيد مثلاً في بيته وما يجري عليه في يومه أو غده، ولا أرى حسناً قول القائل: إنه عليه الصلاة والسلام يعلم الغيب واستحسن أن يقال بدله: إنه صلى الله عليه وسلم أطلعه الله تعالى على الغيب أو علمه سبحانه إياه أو نحو ذلك. وفي الآية رد على من ينسب لبعض الأولياء علم كل شيء من الكليات والجزئيات، وقد سمعت خطيباً على منبر المسجد الجامع المنسوب للشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره يوم الجمعة قال بأعلى صوت: يا باز أنت أعلم بـي من نفسي، وقال لي بعض: إني لأعتقد أن الشيخ قدس سرّه يعلم كل شيء مني حتى منابت شعري، ومثل ذلك مما لا ينبغي أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف ينسب إلى من سواه؟ فليتق العبد مولاه. وفيما تقدم من الأخبار في شأن عثمان بن مظعون رد أيضاً على من يقول فيمن دونه في الفضل أو من لم يبشره الصادق بالجنة والكرامة نحو ما قيل فيه. نعم ينبغي الظن الحسن في المؤمنين أحياء وأمواتاً ورجاء الخير لكل منهم فالله تعالى أرحم الراحمين. هذا والظاهر أن {مَا } استفهامية مرفوعة المحل بالابتداء والجملة بعدها خبر وجملة المبتدأ والخبر معلق عنها الفعل القلبـي وهو إما متعد لواحد أو اثنين، وجوز أن تكون {مَا } موصولة في محل نصب على المفعولية لفعل الدراية وهو حينئذ متعد لواحد / والجملة بعدها صلة، وأن تكون حرفاً مصدرياً فالمصدر مفعول {أَدْرِي } والاستفهامية أقضى لحق مقام التبري عن الدراية، و {لا } لتذكير النفي المنسحب على {مَّا يَفْعَلُ } الخ وتأكيده، ولولا اعتبار الانسحاب لكان التركيب ما يفعل بـي وبكم دون {لا } لأنه ليس محلاً للنفي ولا لزيادة لا ونظير ذلك زيادة {مِنْ } في قوله تعالى: {أية : مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ } تفسير : [البقرة: 105] لانسحاب النفي فإنه إذا انتفت ودادة التنزيل انتفى التنزيل، وزيادة الباء في قوله سبحانه: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ } تفسير : [الأحقاف: 33] لانسحاب النفي، على أن مع ما في حيزها ولولاه ما زيدت الباء في الخبر، وقيل: الأصل ولا ما يفعل بكم فاختصر، وقيل: ولا بكم. وقرأ زيد بن علي وابن أبـي عبلة {يفعل } بالبناء للفاعل وهو ضمير الله عز وجل. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ } أي ما أفعل إلا اتباع ما يوحى إلي على معنى قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على اتباع الوحي، والمراد بالفعل ما يشمل القول وغيره. وهذا جواب عن اقتراحهم الإخبار عما لم يوح إليه عليه الصلاة والسلام من الغيوب، والخطاب السابق للمشركين. وقيل: عن استعجال المسلمين أن يتخلصوا عن أذية المشركين والخطاب السابق لهم، والأول أوفق لقوله تعالى: {وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ } أنذركم عقاب الله تعالى حسبما يوحى إليَّ {مُّبِينٌ } بين الإنذار بالمعجزات الباهرة، والحصر إضافي. وقرأ ابن عمير {يُوحَي } على البناء للفاعل.

ابن عاشور

تفسير : أعيد الأمر بأن يقول ما هو حجة عليهم لما علمت آنفاً في تفسير قوله: {أية : قل أرأيتم ما تدعون من دون الله}تفسير : [الأحقاف: 4] الآيات. وهذا جواب عما تضمنه قولهم: {أية : افتراه}تفسير : [الأحقاف: 8] من إحالتهم صدقه فيما جاء به من الرسالة عن الله إحالة دعتهم إلى نسبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء على الله. وإنما لم يعطف على جملة {أية : قل إن افتريته}تفسير : [الأحقاف: 8] لأن المقصود الارتقاء في الرد عليهم من ردّ إلى أقوى منه فكان هذا كالتعدد والتكرير، وسيأتي بعده قوله: {أية : قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به}تفسير : [الأحقاف: 10]. ونظير ذلك ما في سورة المؤمنون (81 ـــ 84) {أية : بل قالوا مثل ما قال الأولون} تفسير : إلى {أية : قل لمن الأرضُ ومَن فيها إن كنتم تعلمون} تفسير : وقولِه {أية : قل من رب السماوات السبع}تفسير : [المؤمنون: 86] وقوله: {أية : قل من بيده ملكوت كل شيء}تفسير : [المؤمنون: 88] الخ. والبِدع بكسر الباء وسكون الدال، معناه البَديع مثل: الخِفّ يعني الخفيف قال امرؤ القيس:شعر : يزل الغلام الخف عن صواته تفسير : ومنه: الخِلّ بمعنى الخليل. فالبِدْع: صفة مشبهة بمعنى البَادع، ومن أسمائه تعالى: «البديع» خالق الأشياء ومخترعها. فالمعنى: ما كنت محدثاً شيئاً لم يكن بين الرسل. و {مِن} ابتدائية، أي ما كنت آتياً منهم بديعاً غير مماثل لهم فكما سمعتم بالرسل الأولين أخبروا عن رسالة الله إياهم فكذلك أنا فلماذا يعجبون من دعوتي. وهذه الآية صالحة للرد على نصارى زماننا الذين طعنوا في نبوته بمطاعن لا منشأ لها إلا تضليلٌ وتمويه على عامتهم لأن الطاعنين ليسوا من الغباوة بالذين يخفى عليهم بهتانهم كقولهم إنه تزوج النساء، أو أنه قاتل الذين كفروا، أو أنه أحبّ زينب بنت جحش. وقوله: {وما أدري ما يُفعل بي ولا بكم} تتميم لقوله: {قل ما كنت بدعاً من الرسل} وهو بمنزلة الاعتراض فإن المشركين كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن مغيبات استهزاء فيقول أحدهم إذا ضلَّت ناقته: أين ناقتي؟ ويقول أحدهم: مَن أبي، أو نحو ذلك فأمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلمهم بأنه لا يدري ما يفعل به ولا بهم، أي في الدنيا، وهذا معنى قوله تعالى: {أية : قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنتُ أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء}تفسير : [الأعراف: 188]. ولذلك كان قوله: {إن أتبع إلا ما يوحى} استئنافاً بيانياً وإتماماً لما في قوله: {وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم} بأن قصارى ما يدريه هو اتباع ما يُعلمه الله به فهو تخصيص لعمومه، ومثل علمه بأنه رسول من الله وأن المشركين في النار وأن وراء الموت بعثا. ومثل أنه سيهاجر إلى أرض ذات نخل بين حرتين، ومثل قوله تعالى: {أية : إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً}تفسير : [الفتح: 1]، ونحو ذلك مما يرجع إلى ما أطلعه الله عليه، فدع ما أطال به بعض المفسرين هنا من المراد بقوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم} ومن كونها منسوخة أو محكمة ومن حُكم نسخ الخبر. ووجه عطف {ولا بكم} على {بي} بإقحام (لا) النافية مع أنهما متعلقان بفعل صلة {ما} الموصولة وليس في الصلة نفي، فلماذا لم يقل: ما يفعل بي وبكم لأن الموصول وصلته لما وقعا مفعولاً للمنفي في قوله: {وما أدري} تناول النفي ما هو في حيّز ذلك الفعل المنفي فصار النفي شاملاً للجميع فحسّن إدخال حرف النفي على المعطوف، كما حسُن دخول الباء التي شأنها أن تزاد فيجرَّ بها الاسم المنفي المعطوف على اسم (إن) وهو مُثبت في قوله تعالى: {أية : أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يَعْيَ بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى}تفسير : [الأحقاف: 33] لوقوع {أنّ} العاملة فيه في خبر النفي وهو {أو لم يروا} وكذلك زيادة (مِن) في قوله تعالى: {أية : ما يَودّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن يُنزّل عليكم من خير}تفسير : [البقرة: 105] فإن {خيرٍ} وقع معمولاً لفعل {يُنزَّل} وهو فعل مثبت ولكنه لما انتفت ودادتهم التنزيلَ صار التنزيل كالمنفي لديهم. وعطف {وما أنا إلا نذير مبين} على جملة {ما كنت بدعا من الرسل} لأنه الغرض المسوق له الكلام بخلاف قوله: {وما أدري ما يفعل بي ولا بكم}. والمعنى: وما أنا نذير مبين لا مُفْتَرٍ، فالقصر قصر إضافي، وهو قصر قلب لردّ قولهم {افتراه}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}. الأظهر في قوله {بدعا} أنه فعل بمعنى المفعول فهو بمعنى مبتدع، والمبتدع هو الذي أبدع على غير مثال سابق. ومعنى الآية قل لهم يا نبي الله: ما كنت أول رسول أرسل إلي البشر، بل قد أرسل الله قبلي جميع الرسل إلى البشر، فلا وجه لاستبعادكم رسالتي، واستنكاركم إياها، لأن الله أرسل قبلي رسلاً كثيرة. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً}تفسير : [الرعد: 38] وقوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىٰ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ}تفسير : [الروم: 47] الآية. وقوله تعالى:{أية : إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ}تفسير : [النساء: 163] الآية. وقوله تعالى {أية : حـمۤ عۤسۤقۤ كَذَلِكَ يُوحِيۤ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الشورى: 1-3] وقوله تعالى:{أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ}تفسير : [فصلت: 43] الآية. وقوله تعالى:{أية : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ}تفسير : [آل عمران: 144] الآية. وقوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا}تفسير : [الأنعام: 34] الآية، الآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة. قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ}. التحقيق إن شاء الله، أن معنى الآية الكريمة، ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في دار الدنيا، فما أدري أأخرج من مسقط رأسي أو أقتل كما فعل ببعض الأنبياء. وما أدري ما ينالني من الحوادث والأمور في تحمل أعباء الرسالة. وما أدري ما يفعل بكم أيخسف بكم، أو تنزل عليكم حجارة من السماء، ونحو ذلك. وهذا هو اختيار ابن جرير وغير واحد من المحققين. وهذا المعنى في هذه الآية دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى:{أية : وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤء}تفسير : [الأعراف: 188] الآية. وقوله تعالى آمراً له صلى الله عليه وسلم:{أية : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ}تفسير : [الأنعام: 50] الآية. وبهذا تعلم أن ما يروى عن ابن عباس وأنس وغيرهما من أن المراد، {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} أي في الآخرة فهو خلاف التحقيق، كما سترى إيضاحه إن شاء الله. فقد روي عن ابن عباس وأنس وقتادة والضحاك وعكرمة والحسن في أحد قوليه أنه لما نزل قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} فرح المشركون واليهود والمنافقون، وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بنا وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنه ابتدع الذي يقوله، من عند نفسه، لأخبره الذي بعثه بما يفعل به. فنزلت {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح: 2] فنسخت هذه الآية. وقالت الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله، لقد بين لك الله ما يفعل بك فليت شعرنا ما هو فاعل بنا. فنزلت {أية : لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [الفتح: 5] الآية. ونزلت:{أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً}تفسير : [الأحزاب: 47]. فالظاهر أن هذا كله خلاف التحقيق، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجهل مصيره يوم القيامة لعصمته صلوات الله وسلامه عليه: وقد قال له الله تعالى {أية : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}تفسير : [الضحى: 4-5] وأن قوله: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} في أمور الدنيا كما قدمنا. فإن قيل: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : من حديث أم العلاء الأنصارية ما يدل على أن قوله: {مَا يُفْعَلُ بِي} أي في الآخرة فإن حديثها في قصة وفاة عثمان بن مظعون رضي الله عنه عندهم، ودخول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، أنها قالت: رحمة الله عليك، أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله عز وجل تعني عثمان بن مظعون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك أن الله أكرمه؟" فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما هو فقد جاءه اليقين من ربه وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي"تفسير : الحديث. فالجواب هو ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله، فقد قال في تفسير هذه الآية الكريمة، بعد أن ساق حديث أم العلاء المذكور بالسند الذي رواه به أحمد رحمه الله انفرد به البخاري دون مسلم، وفي لفظ له "حديث : ما أدري وأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يفعل به"تفسير : ، وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ بدليل قولها فأحزنني ذلك اهـ. محل الغرض منه وهو الصواب إن شاء الله، والعلم عند الله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (9) - وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحمَّدُ: إِنَّني لَسْتُ بِأَوَّلِ رَسُولٍ جَاءَ إِلى الخَلْقِ في الأَرْضِ وَبلِّغَ رِسَالَةً عَنْ رَبِّهِ، فَقَدْ جَاءَتْ رُسُلٌ قَبْلي، وَأَبْلَغُوا أَقْوَامَهُمْ رِسَالاتِ رَبِّهِمْ، وَتَلَوا عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَكُتُبَهُ المُنَزَّلةَ عَلَيهِمْ. وَأَنا بَشَرٌ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ آتيِ بِشَيءٍ مِنْ عِنْدِي، والذِي يُرسِلُ المُعجِزاتِ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، يُرسِلُها حِينَما يَشَاءُ، وأَنا لاَ أَعْلَمُ مَا يُفْعَلُ بي في الدُّنيا أَأُخْرَجُ مِنْ بَلَدِي أَمْ أُقتَلُ؛ وأَنَا لاَ أَتَّبعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالى مِنَ القُرآنِ، لا أَبْتَدِعُ شَيْئاً مِن عِندِي، وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ أُنذِرُكُمْ عِقَابَ اللهِ، وَأُخَوِّفُكُمْ مِنْ عَذَابِهِ، وَآتِيكُمْ بِالشَّوَاهِدِ الوَاضِحَةِ عَلَى صِدْقِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ.

الثعلبي

تفسير : {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} بديعاً مثل نصف ونصيف، من الرسل، لست بأوّل مرسل، فَلِمَ تنكرون نبوّتي؟ هل أنا إلاّ كالأنبياء قبلي؟ وجمع البدع: أبداع، قال عدي بن زيد: شعر : فلا أنا بدعٌ من حوادث تعتري رجالاً عرت من بعد بؤسي وأسعدي تفسير : {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} اختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها، فقال بعضهم: معناها وما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة. فلمّا نزلت هذه الآية فرح المشركون فرحاً شديداً، وقالوا: واللات والعُزّى ما أمرنا وأمر محمّد صلى الله عليه وسلم عند الله إلاّ واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا إنّه ابتدع ما يقوله من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به. فأنزل الله تعالى {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2]. فبيّن له أمره ونسخت هذه الآية، فقالت الصحابة: هنيئاً لك يا نبيّ الله، قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: {أية : لِّيُدْخِلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [الفتح: 5] الآية. وأنزل {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} تفسير : [الأحزاب: 47] فبيّن الله تعالى ما يفعل به وبهم. وهذا قول أنس وقتادة والحسن وعكرمة. أخبرني الحسين بن محمّد بن الحسين الدينوري، حدّثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السني، حدّثنا إسماعيل بن داود، حدّثنا هارون بن سعيد، حدّثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، حديث : عن أبي شهاب إنّ خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أنّ أُمّ العلاء امرأة من الأنصار قد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته أنّهم اقتسموا والمهاجرين سكناهم قُرعة. قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه أبياتنا موضعه الّذي توفي فيه، فلمّا توفي غسّل وكفّن في أثوابه، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لعثمان بن مظعون: رحمة الله عليك أبا السائب، لقد أكرمك الله، فقال رسول الله: "وما يدريك إنّ الله تعالى أكرمه". قالت: فقلت: بأبي أنت وأمي لا أدري. قال: "أما هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلاّ خيراً. فوالله إنّي لأرجو له الجنّة، فوالله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي". قالت: فوالله لا أزكّي بعده أحداً . تفسير : قالوا: وإنّما قال هذا حين لم يخبر بغفران ذنبه، وإنّما غفر الله له ذنبه في غزوة الحديبية قبل موته بسنتين وشيء، وقال ابن عبّاس: حديث : لمّا اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رسول الله فيما يرى النائم وهو بمكّة أرضاً ذات سباخ ونخل رُفعت له، يهاجر إليها. فقال له أصحابه وهم بمكّة: إلى متى نكون في هذا البلاء الّذي نحن فيه؟ ومتى نهاجر إلى الأرض التي أُريت. فسكت. فأنزل الله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ}تفسير : أُترك في مكاني أو أخرج إلى الأرض التي رفعت لي، وقال بعضهم: معناها: ولا أدري ما يفعل بي ولا بكم، إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدُّنيا؟ أنبأني عقيل بن محمّد، أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمّد بن جرير، أخبرنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا أبو بكر الهذل، عن الحسن. في قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ}، فقال: أمّا في الآخرة فمعاذ الله قد علم إنّه في الجنّة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} في الدُّنيا، أُخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بكم، أُمّتي المكذِّبة أم المصدّقة، أم أُمّتي المرميّة بالحجارة من السّماء قذفاً أم مخسوف بها خسفاً. ثمّ أنزل الله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً} تفسير : [الفتح: 28] . يقول: سيظهر دينكم على الأديان. ثمّ قال في أُمّته:{أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} تفسير : [الأنفال: 33] فأخبره الله تعالى ما يصنع به وبأُمّته. وهذا قول السدي واليماني، وقال الضحّاك: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} أي ما تؤمرون وما تنهون عنه. {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}. قال قتادة والضحاك وابن زيد: هو عبدالله بن سلام شهد على نبوّة المصطفى صلى الله عليه وسلم {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} اليهود، فلم يؤمنوا. أخبرنا عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمّد بن يحيى، أخبرنا عبدوس بن الحسين بن منصور، حدّثنا محمّد بن إدريس يعني الحنظلي، وأخبرنا عبدالله بن حامد، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن محمّد بن عبدالله البغدادي، حدّثنا إسماعيل بن محمّد بن إسحاق، حدّثنا عمر بن محمّد بن عبد الله الأنصاري. حدّثني حميد الطويل، عن أنس، قال: حديث : جاء عبد الله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمه المدينة، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلاّ نبي، ما أوّل أشراط السّاعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟، والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أُمِّه؟. قال: "أخبرني جبريل بهنّ آنفاً" قال عبد الله: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة. قال: «أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة مرارة كبد حوت، فأمّا الولد، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولدَ، وإذا سبق ماء المرأة نزعت الولدَ». فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّك رسول الله. ثمّ قال: يا رسول الله إنّ اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسائلهم عنّي بهتوا عليَّ عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم "أي رجل عبد الله فيكم؟" قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله". قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله. فقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله. قالوا: شرّنا وابن شرّنا. وانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر . تفسير : ودليل هذا التأويل أنبأني عقيل بن محمّد أنّ المعافى بن زكريا أخبرهم، عن محمّد بن جرير، أخبرنا يونس، أخبرنا عبد الله بن يوسف السبكي قال: سمعت مالك بن أنس يحدّث، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: إنّه من أهل الجنّة، إلاّ لعبد الله بن سلام. قال: وفيه نزلت {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}. وقال آخرون: هو موسى بن عمران (عليه السلام). وروى الشعبي، عن مسروق في هذه الآية، قال: والله ما نزلت في عبدالله بن سلام لأنّ ل {حم} نزلت بمكّة، وإنّما أسلم عبدالله بالمدينة، وإنّما كانت محاجّة من رسول الله لقومه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ومثل القرآن التوراة، فشهد موسى على التوراة، ومحمّد على القرآن، وكلاهما مُصدّق أحدهما الآخر، وقيل: هو ابن يامين. وقيل: هو نبي من بني إسرائيل {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} فلم يؤمنوا. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} لدينه وحجّته، وقال أهل المعاني: هذه الآية محذوفة الجواب مجازها {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ} من المحقّ منّا ومنكم، ومن المبطل؟ {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} من اليهود. {لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ} دين محمّد {خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} يعني عبدالله بن سلام وأصحابه، قاله أكثر المفسِّرين، وقال قتادة: نزلت هذه الآية في ناس من مشركي قريش، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمّد خيراً ما سبقنا إليه فلان، وفلان {أية : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 105]. وقال الكلبي: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني أسداً وغطفان {لِلَّذِينَ آمَنُواْ} يعني جهينة ومزينة. { لَوْ كَانَ} ما جاء به محمّد {خَيْراً} ما سبقنا إليه رعاء البهم ورذال الناس. قال الله تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} أي بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان. {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} كما قالوا: أساطير الأوّلين. {وَمِن قَبْلِهِ} أي ومن قبل القرآن. {كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً} يؤتم به. {وَرَحْمَةً} لمن آمن وعمل به، ونصبا على الحال، عن الكسائي، وقال أبو عبيدة: فيه إضمار أي أنزلناه أو جعلناه إماماً ورحمةً. الأخفش على القطع لأنّ قوله: {كِتَابُ مُوسَىٰ} معرفة بالإضافة، والنكرة إذا أعيدت وأضيفت أو أدخلت عليها الألف واللام، صارت معرفة. {وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً} نصب على الحال، وقيل: أعني لسَاناً. وقيل: بلسان. {لِّيُنذِرَ} (بالتاء) مدني وشامي ويعقوب وأيوب، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم على خطاب النبي(عليه السلام)، وقرأ الباقون (بالياء) على الخبر عنه. وقيل: عن الكتاب. {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالكفر والمعصية. {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ} وجهان من الإعراب: الرفع على العطف على الكتاب مجازه {وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ} وبشرى، والنصب على معنى {لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أو تبشّر. فلمّا جعل مكان وتبشر وبشرى أو وبشارة نصب كما يقال: أتيتك لأزورك وكرامة لك، وقضاء حقّك يعني لاِزورك وأكرمك وأقضي حقّك، فنصبت الكرامة والقضاء بفعل مضمر.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {قُلْ ..} [الأحقاف: 9] أي: قُلْ لهم يا محمد {مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ ..} [الأحقاف: 9] البدع هو الشيء الجديد المستحدث الذي لم يسبق له مثال. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}تفسير : [الأنعام: 101] أي: خالقهما على غير مثال سابق، نقول: فلان مبدع يعني: جاء بشيء لم يسبقه أحد إليه. والمعنى: ما جئتُ على سنة غير التي جاء عليها مَنْ سبقني من الرسل، أو ما كنتُ مبتدعاً ما أدعوكم إليه، لستْ أول رسول يُقابَل بالتكذيب ويُواجَه بالكفر والعناد والاضطهاد، بل سبقني إلى ذلك كلّ الرسل السابقين، أُوذوا وكُذبوا وصبروا حتى نصرهم الله، كما قال تعالى: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ ..}تفسير : [العنكبوت: 40]. فكانت سنة الله في الرسل السابقين أنْ تتولى السماءُ تأديب المكذِّبين للرسل المعارضين لدعوة الحق، أما في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمَّن الله محمداً وأمَّن أمته على أنْ يتولوا هم تأديب المكذِّبين للدعوة المصادمين لها، وأن ينصروا الحق، وأنْ يكونَ أهلاً له إلى قيام الساعة. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة"تفسير : والمراد الخير فيَّ حصراً وفي أمتي نثراً، بحيث يأخذ كل جيل أو كل واحد منهم جزءاً من هذه الخيرية. وقوله: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ..} [الأحقاف: 9] أي: الآن لا أدري لكن لعله يدري في المستقبل بما يُوحيه الله إليه، كما حدث في مسألة محاربة الكفار والجهر بالدعوة، حين طلب بعض مَنْ أسلم مع رسول الله محاربة الكفار. فكان يقول لهم صلى الله عليه وسلم: ما أُمرت، ما أُمرت. فلما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وافقهم على القتال. إذن: جهر بدين الله في مكة ولم يحارب إلا في المدينة، وهنا حكمة، فمكة كانت موطن قريش ومحلّ سيادتها، وقريش كانت موضعَ اهتمام واحترام من كل قبائل العرب لمكانتها من بيت الله الحرام وخدمتها لحجاجه. ولتوسط مكة طريقَ التجارة بين اليمن والشام في رحلة الشتاء والصيف، فكان لا بدَّ من مراعاة هذه المكانة لقريش، وعدم إعلان الحرب عليها في هذا الوقت. وحين نقرأ مثلاً سورة الفيل: {أية : وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ}تفسير : [الفيل: 3-5] لو قلت: لماذا؟ تجيبك سورة قريش: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ}تفسير : [قريش: 1-2]. يعني: فعل الله هذا لمصلحة قريش، ولتظلّ لهم المكانة والمهابة بين قبائل العرب، ولتظلّ آمنة مطمئنة في رحلة تجارتها بين اليمن والشام. لذلك قال بعدها: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 3-4]. والمعنى في {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ ..} [الأحقاف: 9] يعني: ما أدري أيأمرنا الله أنْ نقاتلَ هؤلاء؟ أم يأمرنا بترك مكة إلى مكان آخر نلتمس فيه نُصْرته، لذلك بعدها أمرهم رسول الله بالهجرة إلى الحبشة، وقال: "حديث : إنَّ فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد ". تفسير : وكأن سيدنا رسول الله كانت عنده خريطة للعالم من حوله، وفعلاً لما ذهبوا إلى الحبشة أكرمهم النجاشي، ومنعهم حينما أرسلت قريش عَمْراً في طلبهم، فردَّ عَمْراً وردَّ هدايا قريش، وآمن بمحمد ودعوته، لذلك وكله رسول الله في أنْ يُزوِّجه من أم حبيبة، ولما مات النجاشي صلى الله عليه رسولُ الله. والهجرة إلى الحبشة كانت مرحلة انتقالية يحتمي فيها المضطهدون من المسلمين عند هذا الرجل الذي لا يُظلم أحد عنده، وحتى يأذن الله لرسوله في الهجرة إلى المدينة، وحيث تأتي نُصْرة الإسلام وإعلاء كلمته هناك. والحكمة أن الصيحة الأولى للدعوة كانت في مكة، أما نُصْرة الدين وتأييده فكانت في المدينة، ذلك لأن قريشاً كانوا سادةَ العرب وأصحاب السيطرة في الجزيرة العربية. ولو أن النُّصْرة جاءتْ في مكة لَقالوا إنها بسبب سيادة قريش وسُلطتها التي تعدَّت الجزيرة إلى العالم من حولها، فكانت الحكمة أن تكون الصيحة الأولى للإسلام في أذن هؤلاء السادة تهزُّهم وتُقبِّح أفعالهم، وتُبطل ما هم عليه من عبادة الأصنام. لكن النُّصرة تُؤجل إلى المدينة لينتصر الدين بالمهاجرين والأنصار، حتى لا يظن ظانٌّ أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان بمحمد، بل إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد. وقوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأحقاف: 9] انظر هنا إلى العظمة في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يتكلم بما عنده كأنه يقول: "يرد عليّ فأقول: أنا لستُ كأحدكم، ويُؤخذ مني فاقول ما أنا إلا بشر مثلكم". إذن: سيدنا رسول الله لم يأتِ بشيء من عنده إلا في المسألة التي لم يرد فيها حكم، فإنِ اجتهد في مسألة لم يردْ فيها حكم وأخطأ قبل أنْ يُعدِّل الله له، وأنْ يُصحَّح له ولا يأنف من ذلك، وهو الذي يخبرنا بهذا التعديل، كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التحريم: 1]. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} معناه ما كُنْتَ أَولَهُم. وقوله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} معناه في الدُّنيا.

همام الصنعاني

تفسير : 2842- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ}: [الآية: 9]، قَالَ: قد كانت قبله رُسُلٌ. 2844- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ}: [الآية: 9]، قَالَ قد بَيَّنَ اللهُ لَهُ أنَّهُ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.