Verse. 4520 (AR)

٤٦ - ٱلْأَحْقَاف

46 - Al-Ahqaf (AR)

قُلْ اَرَءَيْتُمْ اِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللہِ وَكَفَرْتُمْ بِہٖ وَشَہِدَ شَاہِدٌ مِّنْۢ بَنِيْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ عَلٰي مِثْلِہٖ فَاٰمَنَ وَاسْـتَكْبَرْتُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ لَا يَہْدِي الْــقَوْمَ الظّٰلِـمِيْنَ۝۱۰ۧ
Qul araaytum in kana min AAindi Allahi wakafartum bihi washahida shahidun min banee israeela AAala mithlihi faamana waistakbartum inna Allaha la yahdee alqawma alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل أرأيتم» أخبروني ماذا حالكم «إن كان» أي القرآن «من عند الله وكفرتم به» جملة حالية «وشهد شاهد من بني إسرائيل» هو عبد الله بن سلام «على مثله» أي عليه أنه من عند الله «فآمن» الشاهد «واستكبرتم» تكبرتم عن الإيمان وجواب الشرط بما عطف عليه: ألستم ظالمين دل عليه «إن الله لا يهدي القوم الظالمين».

10

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى:{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} يعني القرآن. {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} وقال الشعبي: المراد محمد صلى الله عليه وسلم. {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} قال ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة ومجاهد: هو عبد الله بن سَلاَم، شهد على اليهود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة، وأنه نبيّ من عند الله. وفي الترمذي عنه: ونزلت فيّ آيات من كتاب الله، نزلت فِيّ: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. وقد تقدّم في آخر سورة «الرعد». وقال مسروق: هو موسى والتوراة، لا ابن سَلاَم؛ لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية. وقال: وقوله: {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} مخاطبة لقريش. الشعبي: هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة، لأن ابن سَلاَم إنما أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين، (والسورة مكية. قال القُشَيْرِيّ: ومن قال الشاهد موسى قال السورة مكية، وأسلم ٱبن سَلاَم قبل موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بعامين). ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وتوضع في سورة مكية؛ فإن الآية كانت تنزل فيقول النبيّ صلى الله عليه وسلم ضعوها في سورة كذا. والآية في محاجة المشركين، ووجه الحجة أنهم كانوا يراجعون اليهود في أشياء؛ أي شهادتهم لهم وشهادة نبيّهم لي من أوضح الحجج. ولا يبعد أن تكون السورة في محاجة اليهود، حديث : ولما جاء ابن سَلاَم مُسْلِماً من قبل أن تعلم اليهود بإسلامه قال: يا رسول الله، اجعلني حَكَماً بينك وبين اليهود؛ فسألهم عنه: «أيّ رجلٍ هو فيكم» قالوا: سَيِّدُنا وعالمنا. فقال: «إنه قد آمن بي» فأساءوا القول فيه... تفسير : الحديث، وقد تقدّم. قال ابن عباس: رضيت اليهود بحكم ابن سلام، وقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن يشهد لك آمنا بك؛ فسئل فشهد ثم أسلم. {عَلَىٰ مِثْلِهِ} أي على مثل ما جئتكم به؛ فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن. وقال الجُرْجَاني. «مِثْل» صلة، أي وشهد شاهد عليه أنه من عند الله. {فَآمَنَ} أي هذا الشاهد. {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} أنتم عن الإيمان. وجواب «إنْ كَانَ» محذوف تقديره: فآمن أتؤمنون؛ قاله الزجاج. وقيل: «فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ» أَليس قد ظلمتم؛ يبيّنه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} وقيل: «فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ» أفتأمنون عذاب الله. و «أَرَأَيْتُم» لفظ موضوع للسؤال والاستفهام؛ ولذلك لا يقتضي مفعولاً. وحكى النقاش وغيره: أن في الآية تقديماً وتأخيراً، وتقديره: قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن هو وكفرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي القرآن. {وَكَفَرْتُمْ بِهِ } وقد كفرتم به، ويجوز أن تكون الواو عاطفة على الشرط وكذا الواو في قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ } إلا أنها تعطفه بما عطف عليه على جملة ما قبله، والشاهد هو عبد الله بن سلام وقيل موسى عليه الصلاة والسلام وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول عليه الصلاة والسلام. {عَلَىٰ مِثْلِهِ } مثل القرآن وهو ما في التوراة من المعاني المصدقة للقرآن المطابقة له، أو مثل ذلك وهو كونه من عند الله. {فَـئَامَنَ } أي بالقرآن لما رآه من جنس الوحي مطابقاً للحق. {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ } عن الإِيمان. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } استئناف مشعر بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم، ودليل على الجواب المحذوف مثل ألستم ظالمين. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } لأجلهم. {لَّوْ كَانَ } الإِيمان أو ما أتى به محمد عليه الصلاة والسلام. {خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } وهم سقاط إذ عامتهم فقراء وموال ورعاة، وإنما قاله قريش وقيل بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لما أسلم جهينة ومزينة وأسلم وغفار، أو اليهود حين أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه. {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } ظرف لمحذوف مثل ظهر عنادهم وقوله: {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } مسبب عنه وهو كقولهم: أساطير الأولين. {وَمِن قَبْلِهِ } وَمَن قَبل القرآن وهو خبر لقوله: {كِتَابُ مُوسَىٰ } ناصب لقوله: {إَمَامًا وَرَحْمَةً } على الحال. {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ مُّصَدّقٌ } لكتاب موسى أو لما بين يديه وقد قرىء به. {لّسَاناً عَرَبِيّاً } حال من ضمير {كِتَابٌ } في {مُّصَدّقُ } أو منه لتخصصه بالصفة، وعاملها معنى الإِشارة وفائدتها الإِشعار بالدلالة على أن كونه مصدقاً للتوراة كما دل على أنه حق دل على أنه وحي وتوقيف من الله سبحانه وتعالى. وقيل مفعول {مُّصَدّقُ} أي يصدق ذا لسان عربي بإعجازه. {لّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } علة {مُّصَدّقُ }، وفيه ضمير الكتاب أو الله أو الرسول، ويؤيد الأخير قراءة نافع وابن عامر والبزي بخلاف عنه ويعقوب بالتاء {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ } عطف على محله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } جَمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والإِستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل، وثم للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من لحوق مكروه. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على فوات محبوب، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط. {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من اكتساب الفضائل العلمية والعملية، وخالدين حال من المستكن في أصحاب وجزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } وقرأ الكوفيون «إحساناً»، وقرىء {حَسَنًا } أي إيصاء {حَسَنًا }. {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } ذات كره أو حملاً ذا كره وهو المشقة، وقرأ الحجازيان وأبو عمرو وهشام بالفتح وهما لغتان كالفُقُر والفَقُر. وقيل المضموم اسم والمفتوح مصدر. {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ} ومدة {حَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ}، والفصال الفطام ويدل عليه قراءة يعقوب «وفصله» أو وقته والمراد به الرضاع التام المنتهى به ولذلك عبر به كما يعبر بالأمد عن المدة، قال:شعر : كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِل عِدَّةَ العُمــ ــــرِ وَمَــود إِذَا انْتَهَى أَمَدّهُ تفسير : {ثَلاَثُونَ شَهْراً } كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها، وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه إذا حط منه الفصال حولان لقوله تعالى: {أية : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ }تفسير : [البقرة: 233] بقي ذلك وبه قال الأطباء ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط حكم النسب والرضاع بهما. {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } إذا اكتهل واستحكم قوته وعقله. {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } قيل لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين. {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى } ألهمني وأصله أولعني من أوزعته بكذا. {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ } يعني نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها، وذلك يؤيد ما روي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه لأنه لم يكن أحد أسلم هو وأبواه من المهاجرين والأنصار سواه. {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } نكرة للتعظيم أو لأنه أراد نوعاً من الجنس يستجلب رضا الله عز وجل. {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } واجعل لي الصلاح سارياً في ذريتي راسخاً فيهم ونحوه قوله:شعر : وَإِنْ تَعْتَذِرْ بالمَحل عَنْ ذِي ضُرُوعِهَا إِلَى الضَيْفِ يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبهَا نَصْلي تفسير : {إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ} عما لا ترضاه أو يشغل عنك. {وَإِنّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} المخلصين لك.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: {أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ} هذا القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ} أي ما ظنكم أن الله صانع بكم إِن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله علي لأبلغكموه، وقد كفرتم به وكذبتموه {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَٰءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ} أي وقد شهدت بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به. وقوله عز وجل: {فَـآمَنَ} أي هذا الذي شهد بصدقه من بني إِسرائيل لمعرفته بحقيقته {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} أنتم عن اتباعه، وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سلام رضي الله عنه وغيره، فإِن هذه الآية مكية نزلت قبل إِسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه، وهذا كقوله تبارك وتعالى: {أية : وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} تفسير : [القصص: 53] وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً } تفسير : [الإسراء:107-108] قال مسروق والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، وإِسلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه كان بالمدينة. رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم، واختاره ابن جرير. وقال مالك عن أبي النضر عن عامر بن سعد عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إِنه من أهل الجنة، إِلا لعبد الله بن سلام رضي الله عنه، قال: وفيه نزلت {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَٰءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ} رواه البخاري ومسلم والنسائي من حديث مالك به، وكذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والضحاك وقتادة وعكرمة ويوسف بن عبد الله بن سلام وهلال بن يساف والسدي والثوري ومالك بن أنس، وابن زيد أنهم كلهم قالوا إِنه عبد الله بن سلام. وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} أي قالوا عن المؤمنين بالقرآن: لو كان القرآن خيراً، ما سبقنا هؤلاء إِليه، يعنون: بلالاً وعماراً وصهيباً وخباباً رضي الله عنهم، وأشباههم وأضرابهم من المستضعفين والعبيد والإماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة، وله بهم عناية. وقد غلطوا في ذلك غلطاً فاحشاً، وأخطأوا خطأ بيناً كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ}تفسير : [الأنعام: 53] أي: يتعجبون كيف اهتدى هؤلاء دوننا، ولهذا قالوا: {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} وأما أهل السنة والجماعة، فيقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم هو بدعة لأنه لو كان خيراً لسبقونا إِليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إِلا وقد بادروا إِليها. وقوله تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} أي بالقرآن {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} أي كذب قديم، أي مأثور عن الناس الأقدمين، فينتقصون القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بطر الحق وغمط الناس»تفسير : . ثم قال تعالى: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ} وهو التوراة {إِمَاماً وَرَحْمَةً وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ} يعني: القرآن {مُصَدِّقٌ} أي لما قبله من الكتب {لِّسَاناً عَرَبِيّاً} أي فصيحاً بيناً واضحاً {لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ} أي مشتمل على النذارة للكافرين، والبشارة للمؤمنين. قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} تقدم تفسيرها في سورة حم السجدة، وقوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: فيما يستقبلون {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما خلفهم { أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسبوغها عليهم، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني ماذا حالكم {إِن كَانَ } أي القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ } جملة حالية {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِى إِسْرَٰءِيلَ } هو عبد الله بن سلام {عَلَىٰ مِثْلِهِ } أي عليه أنه من عند الله {فَئَامَنَ } الشاهد {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ } تكبرتم عن الإِيمان. وجواب الشرط بما عطف عليه ألستم ظالمين؟ دل عليه {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ }.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلْ أَرَءيْتُمْ } أي: أخبروني {إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } يعني: ما يوحى إليه من القرآن، وقيل المراد: محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: إن كان مرسلاً من عند غير الله، وقوله: {وَكَفَرْتُمْ بِهِ } في محل نصب على الحال بتقدير قد، وكذلك قوله: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ } والمعنى: أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من عند الله والحال أنكم قد كفرتم به، وشهد شاهد من بني إسرائيل العالمين بما أنزل الله في التوراة على مثله، أي: القرآن من المعاني الموجودة في التوراة، المطابقة له من إثبات التوحيد، والبعث والنشور وغير ذلك، وهذه المثلية هي باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ. وقال الجرجاني: مثل صلة، والمعنى: وشهد شاهد عليه أنه من عند الله، وكذا قال الواحدي، {فَـئَامَنَ } الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام الله، ومن جنس ما ينزله على رسله، وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام، كما قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة وغيرهم، وفي هذا نظر فإن السورة مكية بالإجماع، وعبد الله بن سلام كان إسلامه بعد الهجرة، فيكون المراد بالشاهد: رجلاً من أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مكة وصدقه، واختار هذا ابن جرير، وسيأتي في آخر البحث ما يترجح به أنه عبد الله بن سلام، وأن هذه الآية مدنية لا مكية. وروي عن مسروق أن المراد بالرجل: موسى عليه السلام، وقوله: {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ } معطوف على شهد، أي: آمن الشاهد، واستكبرتم أنتم عن الإيمان {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فحرمهم الله سبحانه الهداية؛ لظلمهم لأنفسهم بالكفر بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان، ومن فقد هداية الله له ضلّ. وقد اختلف في جواب الشرط ماذا هو؟ فقال الزجاج: محذوف، تقديره: أتؤمنون، وقيل: قوله: {فآمن واستكبرتم} وقيل: محذوف، تقديره: فقد ظلمتم لدلالة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } عليه، وقيل تقديره: فمن أضلّ منكم، كما في قوله: {أية : أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أضل } تفسير : الآية [فصلت: 52]. وقال أبو علي الفارسي تقديره: أتأمنون عقوبة الله؟ وقيل: التقدير: ألستم ظالمين؟ ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من أقاويلهم الباطلة فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } أي: لأجلهم، ويجوز أن تكون هذه اللام هي لام التبليغ {لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } أي: لو كان ما جاء به محمد من القرآن والنبوّة خيراً ما سبقونا إليه؛ لأنهم عند أنفسهم المستحقون للسبق إلى كل مكرمة، ولم يعلموا أن الله سبحانه يختصّ برحمته من يشاء، ويعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء، ويصطفي لدينه من يشاء {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } أي: بالقرآن، وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: بالإيمان {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ }، فجاوزوا نفي خيرية القرآن إلى دعوى أنه كذب قديم، كما قالوا أساطير الأوّلين، والعامل في "إذ" مقدّر، أي: ظهر عنادهم، ولا يجوز أن يعمل فيه {فَسَيَقُولُونَ } لتضادّ الزمانين، أعني: المضيّ والاستقبال ولأجل الفاء أيضاً، وقيل: إن العامل فيه فعل مقدّر من جنس المذكور، أي: لم يهتدوا به، وإذ لم يهتدوا به فسيقولون: {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ } قرأ الجمهور بكسر الميم من (من) على أنها حرف جرّ، وهي مع مجرورها خبر مقدّم، وكتاب موسى مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب على الحال، أو هي مستأنفة، والكلام مسوق لردّ قولهم: {هَـٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ } فإن كونه قد تقدّم القرآن كتاب موسى، وهو التوراة وتوافقا في أصول الشرائع يدلّ على أنه حقّ، وأنه من عند الله، ويقتضي بطلان قولهم. وقرىء بفتح ميم "من" على أنها موصولة ونصب كتاب، أي: وآتينا من قبله كتاب موسى، ورويت هذه القراءة عن الكلبي {إَمَامًا وَرَحْمَةً } أي: يقتدى به في الدين، ورحمة من الله لمن آمن به، وهما منتصبان على الحال، قاله الزجاج وغيره. وقال الأخفش على القطع، وقال أبو عبيدة: أي: جعلناه إماماً ورحمة {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ مُّصَدّقٌ } يعني: القرآن فإنه مصدّق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة، ولغيره من كتب الله، وقيل: مصدّق للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وانتصاب {لّسَاناً عَرَبِيّاً } على الحال الموطئة، وصاحبها الضمير في مصدّق العائد إلى كتاب، وجوّز أبو البقاء أن يكون مفعولاً لمصدّق، والأوّل أولى، وقيل: هو على حذف مضاف أي: ذا لسان عربيّ، وهو النبيّ صلى الله عليه وسلم {لّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ } قرأ الجمهور {لينذر} بالتحتية على أن فاعله ضمير يرجع إلى الكتاب أي: لينذر الكتاب، الذين ظلموا، وقيل: الضمير راجع إلى الله، وقيل: إلى الرسول، والأوّل أولى. وقرأ نافع، وابن عامر، والبزي بالفوقية على أن فاعله النبي صلى الله عليه وسلم، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وأبو عبيد، وقوله: {وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ } في محل نصب عطفاً على محل {لينذر}. وقال الزجاج: الأجود أن يكون في محل رفع أي: وهو بشرى، وقيل: على المصدرية لفعل محذوف، أي: وتبشر بشرى، وقوله: {لّلْمُحْسِنِينَ } متعلق ببشرى {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ } أي: جمعوا بين التوحيد والاستقامة على الشريعة، وقد تقدّم تفسير هذا في سورة السجدة {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } الفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } المعنى: أنهم لا يخافون من وقوع مكروه بهم، ولا يحزنون من فوات محبوب، وأن ذلك مستمر دائم. {أُوْلَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } أي: أولئك الموصوفون بما ذكر أصحاب الجنة التي هي دار المؤمنين حال كونهم {خَـٰلِدِينَ فِيهَا }، وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم، فإن نفي الخوف والحزن على الدوام، والاستقرار في الجنة على الأبد، مما لا تطلب الأنفس سواه، ولا تتشوّف إلى ما عداه {جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: يجزون جزاء بسبب أعمالهم التي عملوها من الطاعات لله، وترك معاصيه. {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } قرأ الجمهور {حسناً} بضم الحاء، وسكون السين. وقرأ عليّ، والسلمي بفتحهما، وقرأ ابن عباس، والكوفيون {إحساناً} وقد تقدّم في سورة العنكبوت: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً}تفسير : [العنكبوت: 8] من غير اختلاف بين القراء، وتقدّم في سورة الأنعام، وسورة بني إسرائيل {أية : وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً } تفسير : [الإسراء: 23، الأنعام: 151] فلعل هذا هو وجه اختلاف القراء في هذه الآية، وعلى جميع هذه القراءات، فانتصابه على المصدرية، أي: وصيناه أن يحسن إليهما حسناً، أو إحساناً، وقيل: على أنه مفعول به بتضمين وصينا معنى: ألزمنا، وقيل: على أنه مفعول له {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } قرأ الجمهور {كرها} في الموضعين بضم الكاف. وقرأ أبو عمرو، وأهل الحجاز بفتحهما. قال الكسائي: وهما لغتان بمعنى واحد. قال أبو حاتم: الكره بالفتح لا يحسن؛ لأنه الغضب والغلبة، واختار أبو عبيد قراءة الفتح قال: لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلاّ التي في سورة البقرة: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } تفسير : [البقرة: 216] وقيل: إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره. وإنما ذكر سبحانه حمل الأمّ ووضعها تأكيداً لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به، والمعنى: أنها حملته ذات كره، ووضعته ذات كره، ثم بيّن سبحانه مدّة حمله وفصاله فقال: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } أي: مدتهما هذه المدّة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع، أي: يفطم عنه. وقد استدلّ بهذه الآية على أن أقلّ الحمل ستة أشهر؛ لأن مدّة الرضاع سنتان، أي: مدّة الرضاع الكامل، كما في قوله: {أية : حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ }تفسير : [البقرة: 233] فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدّة الحمل، وأكثر مدّة الرضاع. وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب؛ لأنها حملته بمشقة، ووضعته بمشقة، وأرضعته هذه المدّة بتعب ونصب، ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك. قرأ الجمهور {وفصاله} بالألف، وقرأ الحسن، ويعقوب، وقتادة، والجحدري (وفصله) بفتح الفاء، وسكون الصاد بغير ألف، والفصل والفصال بمعنى: كالفطم والفطام، والقطف والقطاف {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي: بلغ استحكام قوّته وعقله، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى، ولا بدّ من تقدير جملة تكون حتى غاية لها، أي: عاش واستمرّت حياته حتى بلغ أشدّه، قيل: بلغ عمره ثماني عشرة سنة، وقيل: الأشد: الحلم قاله الشعبي، وابن زيد. وقال الحسن: هو بلوغ الأربعين، والأوّل أولى لقوله: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً }، فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد. قال المفسرون: لم يبعث الله نبياً قط إلاّ بعد أربعين سنة {قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى } أي: ألهمني. قال الجوهري: استوزعت الله فأوزعني، أي: استلهمته فألهمني {أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَالِدَىَّ } أي: ألهمني شكر ما أنعمت به عليّ من الهداية، وعلى والديّ من التحنن عليّ منهما حين ربياني صغيراً. وقيل: أنعمت عليّ بالصحة والعافية، وعلى والديّ بالغنى والثروة، والأولى عدم تقييد النعمة عليه، وعلى أبويه بنعمة مخصوصة {وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحاً تَرْضَـٰهُ } أي: وألهمني أن أعمل عملاً صالحاً ترضاه مني {وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } أي: اجعل ذرّيتي صالحين راسخين في الصلاح متمكنين منه. وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات، وقد روي أنها نزلت في أبي بكر، كما سيأتي في آخر البحث {إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ } من ذنوبي {وَإِنّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } أي: المستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الإنسان المذكور، والجمع لأنه يراد به الجنس، وهو مبتدأ، وخبره: {ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } من أعمال الخير في الدنيا، والمراد بالأحسن: الحسن، كقوله: {أية : وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم}تفسير : [الزمر: 55] وقيل: إن اسم التفضيل على معناه، ويراد به: ما يثاب العبد عليه من الأعمال، لاما لا يثاب عليه كالمباح فإنه حسن، وليس بأحسن {وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيْئَـٰتِهِمْ } فلا نعاقبهم عليها. قرأ الجمهور (يتقبل، ويتجاوز) على بناء الفعلين للمفعول، وقرأ حمزة، والكسائي بالنون فيهما على إسنادهما إلى الله سبحانه، والتجاوز الغفران، وأصله من جزت الشئ: إذا لم تقف عليه، ومعنى {فِى أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ }: أنهم كائنون في عدادهم منتظمون في سلكهم، فالجارّ والمجرور في محل النصب على الحال كقولك: أكرمني الأمير في أصحابه أي: كائناً في جملتهم، وقيل: إن "في" بمعنى "مع" أي: مع أصحاب الجنة، وقيل: إنهما خبر مبتدأ محذوف أي: هم في أصحاب الجنة {وَعْدَ ٱلصّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } وعد الصدق مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة؛ لأن قوله: {أُوْلَـئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ } إلخ في معنى الوعد بالتقبل والتجاوز، ويجوز أن يكون مصدراً لفعل محذوف، أي: وعدهم الله وعد الصدق الذي كانوا يوعدون به على ألسن الرسل في الدنيا. وقد أخرج أبو يعلى، وابن جرير، والطبراني، والحاكم وصححه عن عوف بن مالك الأشجعي: انطلق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر اليهود، أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إلٰه إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، يحطّ الله تعالى عن كل يهوديّ تحت أديم السماء الغضب الذي عليه"تفسير : ، فسكتوا، فما أجابه منهم أحد، ثم ردّ عليهم فلم يجبه أحد ثلاثاً، فقال: "حديث : أبيتم فوالله لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفى آمنتم أو كذبتم"تفسير : ، ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج، فإذا رجل من خلفه، فقال: كما أنت يا محمد فأقبل، فقال ذلك الرجل: أيّ رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود، فقالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله، ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا من جدّك، قال: فإني أشهد بالله أنه النبيّ الذي تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل، قالوا: كذبت، ثم ردّوا عليه وقالوا شراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كذبتم لن يقبل منكم قولكم"تفسير : ، فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله وأنا وابن سلام، فأنزل الله {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } إلى قوله: {لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وصححه السيوطي. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: "إنه من أهل الجنة" إلاّ لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ } وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: نزل فيّ آيات من كتاب الله نزلت فيّ: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ }، ونزل فيّ {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ} تفسير : [الرعد: 43]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ } قال: عبد الله بن سلام. وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وفيه دليل على أن هذه الآية مدنية، فيخصص بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعزّ ونحن ونحن، فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزل: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ }. وأخرج ابن المنذر عن عون بن أبي شداد قال: كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله: يقال لها: زنيرة، وكان عمر يضربها على الإسلام، وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة، فأنزل الله في شأنها: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الآية. وأخرج الطبراني عن سمرة بن جندب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : بنو غفار وأسلم كانوا لكثير من الناس فتنة، يقولون: لو كان خيراً ما جعلهم الله أوّل الناس فيه". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل قوله: {وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ } الآية إلى قوله: {وَعْدَ ٱلصّدْقِ ٱلَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في أبي بكر الصديق. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر فأنكر الناس ذلك، فقلت لعمر: لم تظلم؟ قال: كيف؟ قلت اقرأ: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً } {أية : وَٱلْوٰلِدٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ}تفسير : [البقرة: 233] كم الحول؟ قال: سنة، قلت: كم السنة؟ قال: اثنا عشر شهراً، قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان؛ ويؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدّم ما شاء، فاستراح عمر إلى قولي. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عنه أنه كان يقول: إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهراً، وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً، وإذا وضعت لستة أشهر، فحولان كاملان، لأن الله يقول: {وَحَمْلُهُ وَفِصَـٰلُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً }. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً قال: أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصدّيق {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى } الآية، فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعاً وإخوته، وولده كلهم، ونزلت فيه أيضاً {أية : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ} [الليل: 5]تفسير : إلى آخر السورة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ} فيه قولان: أحدهما: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به، قاله يحيى. الثاني: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً من عند الله وكفرتم به، قاله الشعبي. {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ بَني إِسْرَآئِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: أنه عبد الله بن سلام شهد على اليهود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة، قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، ومجاهد. الثاني: أنه آمين بن يامين، قال لما أسلم عبد الله بن سلام: أنا شاهد مثل شهادته ومؤمن كإيمانه، قاله السدي. الثالث: أن موسى مثل محمد صلى الله عليه وسلم يشهد بنبوته، والتوراة مثل القرآن يشهد بصحته، قاله مسروق. ولم يكن في عبد الله بن سلام لأنه أسلم بالمدينة والآية مكية. الرابع: هو من آمن من بني إسرائيل بموسى والتوراة، قاله الشعبي. الخامس: أنه موسى الذي هو مثل محمد صلى الله عليهما شهد على التوراة. التي هي مثل القرآن، حكاه ابن عيسى. {فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} أنتم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مسروق. وفي قولان: أحدهما: فآمن عبد الله بن سلام برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالقرآن واستكبر الباقون عن الإيمان، قاله ابن عباس. الثاني: فآمَن مَن آمن بموسى وبالتوراة واستكبرتم أنتم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، قاله مسروق. وحكى النقاش أن في الآية تقديماً وتأخيراً تقديره: قل أرأيتم إن كان من عند الله وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن هو وكفرتم. وقال ابن عيسى: الكلام على سياقه ولكن حذف منه جواب إن كان من عند الله وفي المحذوف ثلاثة أوجه: أحدها: تقديره: وشهد شاهد من بني إسرائيل فآمن، أتؤمنون؟ قاله الزجاج. الثاني: تقدير المحذوف: فآمن واستكبرتم أفما تهلكون، قاله مذكور. الثالث: تقدير المحذوف من جوابه: فمن أضل منكم إن الله لا يهدي القوم الظالمين. قوله عز وجل: {وَقَالَ الِّذِينَ كَفَرُواْ لِلِّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} وفي سبب نزول هذه الآية أربعة أقاويل: أحدها: أن أبا ذر الغفاري دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام بمكة فأجاب واستجاب به قومه فأتاه زعيمهم فأسلم، ثم دعاهم الزعيم فأسلموا فبلغ ذلك قريشاً فقالوا: غفار الخلفاء لو كان خيراً ما سبقونا إليه. فنزلت، قاله أبو المتوكل. الثاني: أن زنيرة أسلمت فأصيب بصرها، فقالوا لها: أصابك اللات والعزى، فرد الله عليها بصرها، فقال عظماء قريش: لو كان ما جاء به محمد خير ما سبقتنا إليه زنيرة فنزلت، قاله عروة بن الزبير. الثالث: أن الذين كفروا هم عامر وغطفان وأسد وحنظلة قالوا لمن أسلم من غفار وأسلم وغطفان وجهينة ومزينة وأشجع:لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقتنا إليه رعاة البهم. فنزلت، قاله الكلبي. الرابع: أن الكفار قالوا: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه اليهود فنزلت هذه الآية، قاله مسروق. وهذه المعارضة من الكفار في قولهم لو كان خيراً ما سبقونا إليه من أقبح المعارضات لانقلابها عليهم لكل من من خالفهم حتى يقال لهم: لو كان ما أنتم عليه خيراً ما عدنا عنه، ولو كان تكذيبكم للرسول خيراً ما سبقتمونا إليه. {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} يعني إلى الإيمان. وفيه وجهان: أحدهما: وإذا لم يهتدوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، قاله مقاتل. الثاني: بالقرآن. {فَسَيَقُولُونَ هَذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: فسيقولون هذا القرآن كذب قديم، تشبيهاً بدين موسى القديم، تكذيباً بهما جيمعاً. قوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ} فيه خمسة أوجه: أحدها: ثم استقاموا على أن الله ربهم، قاله أَبو بكر الصديق رضي الله عنه. الثاني: ثم استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله، قاله ابن عباس. الثالث: على أداء فرائض الله، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. الرابع: على أن أخلصوا له الدين والعمل، قاله أبو العالية. الخامس: ثم استقاموا عليه فلم يرجعوا عنه إلى موتهم، رواه أنس مرفوعاً. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِم} يعني في الآخرة. {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} يعني عند الموت، قاله سعيد بن جبير.

ابن عطية

تفسير : هذه الآية توقيف على الخطر العظيم الذي هم بسبيله في أن يكذبوا بأمر نافع لهم منج من العذاب دون حجة ولا دليل لهم على التكذيب، فالمعنى كيف حالكم مع الله، وماذا تنتظرون منه وأنتم قد كفرتم بما جاء من عنده، وجواب هذا التوقيف محذوف تقديره: أليس قد ظلمتم، ودل على هذا المقدار قوله تعالى: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} و: {أرأيتم} في هذه الآية يحتمل أن تكون منبهة، فهي لفظ موضوع للسؤال لا يقتضي مفعولاً، ويحتمل أن تكون الجملة {كان} وما عملت فيه تسد مسد مفعوليها. واختلف الناس في المراد بـ {الشاهد} فقال الحسن ومجاهد وابن سيرين: هذه الآية مدنية، والشاهد عبد الله بن سلام. وقوله: {على مثله} الضمير فيه عائد على قول محمد عليه السلام في القرآن أنه من عند الله. وقال الشعبي: الشاهد رجل من بني إسرائيل غير عبد الله بن سلام كان بمكة، والآية مكية. وقال سعد بن أبي وقاص ومجاهد وفرقة: الآية مكية، والشاهد عبد الله بن سلام، وهي من الآيات التي تضمنت غيباً أبرزه الوجود، وقد روي عن عبد الله بن سلام أنه قال: فيَّ نزلت. وقال مسروق بن الأجدع والجمهور: الشاهد موسى بن عمران عليه السلام، والآية مكية، ورجحه الطبري. وقوله: {على مثله} يريد بالمثل: التوراة، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله وشهد أنه من عند الله تعالى. وقوله: {فآمن} على هذا التأويل، يعني به تصديق موسى بأمر محمد وتبشيره به، فذلك إيمان به، وأما من قال: الشاهد عبد الله بن سلام، فإيمانه بين، وكذلك إيمان الإسرائيلي الذي كان بمكة في قول من قاله، وحكى بعضهم أن الفاعل بـ "آمن"، هو محمد عليه السلام، وهذا من القائلين بأن الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام، وإنما اضطر إلى هذا لأنه لم ير وجه إيمان موسى عليه السلام، ثم قرر تعالى استكبارهم وكفرهم بإيمان هذا المذكور، فبان ذنبهم وخطؤهم. وقوله تعالى: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه} قال قتادة: هي مقالة قريش، يريدون عماراً وصهيباً وبلالاً ونحوهم ممن أسلم وآمن بالنبي عليه السلام. وقال الزجاج والكلبي وغيره: هي مقالة كنانة وعامر وسائر قبائل العرب المجاورة، قالت ذلك حين أسلمت غفار ومزينة وجهينة. وقال الثعلبي: هي مقالة اليهود حين أسلم ابن سلام وغيره منهم. والإفك: الكذب، ووصفوه بالقدم، بمعنى أنه في أمور متقادمة، وهذا كما تقول لرجل حدثك عن أخبار كسرى وقيصر، هذا حديث قديم، ويحتمل أن يريدوا أنه إفك قيل قديماً.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِن كَانَ} القرآن من عند الله، أو محمد نبياً منه {شَاهِدٌ} عبد الله بن سلام شهد على اليهود أن محمداً صلى الله عليه وسلم مذكور في التوراة "ع"، أو آمين بن يامين لما أسلم ابن سلام قال: أنا شاهد كشهادته ومؤمن كإيمانه، أو هو موسى مثل محمد يشهد على نبوته والتوراة مثل القرآن تشهد بصحته، أو مؤمنو بني إسرائيل بموسى والتوراة لأن محمداً مثل موسى والتوراة مثل القرآن، أو موسى الذي هو مثل محمد شهد على التوراة التي هي مثل القرآن {فَآمَنَ} ابن سلام بالرسول والقرآن واستكبر الباقون عنه. أو آمن من آمن بموسى والتوراة واستكبرتم أنتم عن الإيمان بمحمد والقرآن. وجواب الشرط محذوف التقدير فآمن أتؤمنون، أو أفما تهلكون، أو فمن أضَلُّ منكم.

الخازن

تفسير : {قل أرأيتم} أي أخبروني ماذا تقولون {إن كان من عند الله} يعني القرآن {وكفرتم به} أيها المشركون {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} أي أنه من عند الله {فآمن} يعني الشاهد {واستكبرتم} أي عن الإيمان به والمعنى إذا كان الأمر كذلك أليس قد ظلمتم وتعديتم {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} واختلفوا في هذا الشاهد فقيل هو عبد الله بن سلام آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وشهد بصحة نبوته واستكبر اليهود فلم يؤمنو يدل عليه ما روى عن أنس بن مالك قال: حديث : بلغ عبد الله بن سلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهو في أرض يخترف النخل فأتاه وقال إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني بهن آنفاً جبريل قال فقال عبد الله ذاك عدو اليهود من الملائكة فقرأ هذه الآية {من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبقت كان الشبه لها قال أشهد أنك رسول الله ثم قال يا رسول الله إن اليهود قوم بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي رجل فيكم عبد الله بن سلام فقالوا أعلمنا وابن أعلمنا وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفرأيتم إن أسلم عبد الله قالوا أعاذه الله من ذلك زاد في رواية فأعاد عليهم فقالوا مثل ذلك فخرج عبد الله إليهم فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه" تفسير : زاد في رواية "حديث : فقال يعني عبد الله بن سلام هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله" تفسير : أخرجه البخاري في صحيحه (ق). "حديث : عن سعد بن أبي وقاص قال ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لحي يمشي على الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام قال وفيه نزلت وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله" تفسير : قال الراوي لا أدري قال مالك الآية أو في الحديث وقيل الشاهد هو موسى بن عمران عليه السلام قال مسروق في هذه الآية والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأن آل حم نزلت بمكة وإنما أسلم عبد الله بن سلام بالمدينة ونزلت الآية في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه ومثل القرآن التوراة فشهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن وكل يصدق الآخر فيكون المعنى وشهد موسى على التوراة التي هي مثل القرآن إنها من عند الله كما شهد محمد صلى الله على القرآن أنه كلام الله فآمن من آمن بموسى والتوراة واستكبرتم أنتم يا معشر العرب أن تؤمنوا بمحمد والقرآن إن لا يهدي القوم الظالمين. قيل إنه تهديد وهو قائم مقام جواب الشرط المحذوف والتقدير قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به فإنكم لا تكونون مهتدين بل تكونون ضالين.

الثعالبي

تفسير : وقوله عز وجل: {قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِى إِسْرٰءِيلَ...} الآية، جوابُ هذا التوقيفِ محذوفٌ، تقديره: أَلَيْسَ قد ظلمتم؟! ودَلَّ على هذا المُقَدَّرِ قولُهُ تعالَىٰ: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} قال مجاهد وغيره: هذه الآية مدنية، والشاهد عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ، وقد قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: فيَّ نَزَلَتْ، وقال مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ والجمهورُ: الشاهد موسَى بْنُ عِمْرَانَ ـــ عليه السلام ـــ، والآية مكية، ورَجَّحَه الطَّبْرِيُّ. وقوله: {عَلَىٰ مِثْلِهِ} يريد بالمثل التوراةَ، والضمير عائد في هذا التأويل على القرآن، أي: جاء شاهد من بني إسرائيل بمثله أَنَّه من عند اللَّه سبحانه. وقوله: {فَـئَامَنَ}، على هذا التأويل، يعني به تصديقَ موسَىٰ وتبشيرَهُ بِنَبِيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. وقوله سبحانه: {وَمِن قَبْلِهِ} أي: مِنْ قَبْلِ القرآنِ {كِتَابُ مُوسَىٰ} يعني: التوراة {وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ} يعني القرآن {مُّصَدِّقُ} للتوراة التي تَضَمَّنَتْ خبره، وفي مصحف ابن مسعود: «مُصَدِّقٌ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ» و{ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} هم: الكفار، وعَبَّرَ عن المؤمنين بالمحسنين؛ ليناسِبَ لفظ «الإحسان» في مقابلة «الظلم». ثم أخبر تعالى عن حُسْنِ [حال] المستقيمين، وذهب كَثِيرٌ من الناس إلى أَنَّ المعنى: ثم استقاموا بالطاعات والأعمال الصالحات، وقال أبو بكر الصديق ـــ رضي اللَّه عنه ـــ المعنى: ثم استقاموا بالدَّوَامِ على الإيمان؛ قال * ع *: وهذا أَعَمُّ رجاءً وأَوْسَعُ، وإن كان في الجملة المؤمنة من يُعَذَّبُ وَيَنْفُذُ عليه الوعيد، فهو مِمَّنْ يَخْلُدُ في الجَنَّةِ، وينتفي عنه الخوفُ والحُزْنُ الحَالُّ بالكَفَرَةِ. وقوله تعالى: {جَزَاءَ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قد جعل اللَّه سبحانه الأعمالَ أَمَارَاتٍ علَىٰ ما سَيَصِيرُ إليه العَبْدُ، لا أَنَّهَا توجب على اللَّه شيئاً.

البقاعي

تفسير : ولما أثبت أنه من عند الله بشهادة الله نفسه بعجزهم عن المعارضة، قبح عليهم إصرارهم على التكذيب على تقدير شهادة أحد ممن يثقون بهم يسألونهم عنه من أهل الكتاب فقال تعالى: {قل أرءيتم} أي أخبروني وبينوا لي وأقيموا ولو ببعض حجة أو برهان {إن كان} أي هذا الذي يوحى إليّ وآتيكم به وأنذركم وأعلمكم أنه من الله فإنه {من عند الله} أي الملك الأعظم. ولما كان مقصود السورة إنذار الكافرين الذين لا ينظرون في علم، بل شأنهم تغطية المعارف والعلوم، عطف بالواو الدالة على مطلق الجمع الشامل لمقارنة الأمرين المجموعين من غير مهلة فيدل على الإسراع في الكفر من غير تأمل قال: {وكفرتم به} أي على هذا التقدير {وشهد شاهد} أي واحد وأكثر {من بني إسرائيل} الذين جرت عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم {على مثله} أي مثل ما في القرآن من أن من وحد فقد آمن، ومن أشرك فقد كفر، وأن الله أنزل ذلك في التوراة والإنجيل وجميع أسفارهم، فطابقت عليه كتبهم، وتظافرت به رسلهم، وتواترت على الدعاء إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام، ثم سبب عن شهادته وعقب وفصل فقال: {فآمن} أي هذا الذي شهد هذه الشهادة بهذا القرآن عندما رآه مصدقاً لما ذكر وعلم أنه الكتاب الذي بشرت به كتبهم، فاهتدى إلى وضع الشيء في محله فوضعه ولم يستكبر. ولما كان الحامل لهم بعد هذه الأدلة على التمادي على الكفر إنما هو الشماخة والأنفة قال: {واستكبرتم} أي أوجدتم الكبر بالإعراض عنه طالبين بذلك الرئاسة والفخر والنفاسة، فكنتم بعد شهادة هذا الشاهد معاندين من غير شبهة أصلاً فضللتم فكفرتم فوضعتم الشيء في غير موضعه فانسد عليكم باب الهداية. ولما كانوا يدعون أنهم أهدى الناس وأعدلهم، وكان من رد شهادة الخالق والخلق ظالماً شديد الظلم، فكان ضالاً على علم، قال الله تعالى مستأنفاً دالاً على أن تقدير الجواب: أفلم تكونوا بتخلفكم عن الإيمان بعد العلم قد ظلمتم ظلماً عظيماً بوضع الكفران موضع الإيمان، فتكونوا ضالين تاركين للطريق الموصل على عمد {إن الله} أي الملك الأعظم ذا العزة والحكمة {لا يهدي القوم} أي الذين لهم قدرة على القيام بما يريدون محاولته {الظالمين *} أي الذين من شأنهم وضع الأمور غير مواضعها، فلأجل ذلك لا يهديكم لأنه لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي تسبب عنه ضلالكم، أما من كان منكم عالماً فالأمر فيه واضح، وأما من كان منكم جاهلاً فهو كالعالم لعدم تدبره مثل هذه الأدلة التي ما بين العالم بلسان العرب وبين انكشافها له إلا تدبها مع ترك الهوى، وقال الحسن - كما نقله البغوي - الجواب: فمن أضل منكم كما قال في "فصلت"{أية : قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد}تفسير : [فصلت: 52] فالآية من الاحتباك: ذكر الإيمان أولاً دليلاً على ضده ثانياً، والاستكبار والظلم وعدم الهداية ثانياً دليلاً على أضدادها أولاً، وسره أنه شكر سببي السعادة ترغيباً وترهيباً. ولما دل على أن تركهم للإيمان إنما هو تعمد للظلم استكباراً، عطف على قولهم {إنه سحر} ما دل على الاستكبار فقال تعالى: {وقال الذين كفروا} أي تعمدوا تغطية الحق {للذين} أي لأجل إيمان الذين {آمنوا} إذ سبقوهم إلى الإيمان: {لو كان} إيمانهم بالقرآن وبهذا الرسول {خيراً} أي من جملة الخيور {ما سبقونا إليه} ونحن أشرف منهم وأكثر أموالاً وأولاداً وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو مناط الخير فكأن لم يسبقونا إلى شيء من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها وهم صفر منها، لكنه ليس بخير، فلذلك سبقوا إليه فكان حالهم فيه حالهم فيما هو محسوس من أمورهم في المال والجاه. ولما أخبر عما قالوا حين سبقهم غيرهم، أخبر عما يقولون عند تعمد الإعراض عنه فقال: {وإذ} أي وحين {لم يهتدوا به} يقولون عناداً وتكبراً وكفراً: لو كان هدى لأبصرناه ولم يعلموا أنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور. ولما كان التقدير: فإن قيل لهم: فما هو؟ أجابه بقوله مسبباً عن هذا المقدر علماً من أعلام النبوة: {فسيقولون} بوعد لا خلف فيه لأن الناس أعداء ما جهلوا ولأنهم لم يجدوا على ما يدعونه من أنه لو كان خيراً لسبقوا غيرهم إليه دليلاً: {هذا} أي الذي سبقتم إليه {إفك} أي شيء مصروف عن وجهه إلى قفاه {قديم *} أفكه غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه إلى الله. ولما كان هذا الكلام ساقطاً في نفسه لما قام من الأدلة الباهرة على صدق القرآن وكان الوقوف مع المحسوسات غالباً عليهم لعدم نفوذهم في المعقولات، دل على بطلانه لموافقة القرآن لأعظم الكتب القديمة التوراة التي اشتهر أنها من عند الله وأن الآتي بها كلم وقد صدقه الله في الإتيان بها بما لم يأت به قبله من المعجزات والآيات البينات وهم يستفتون أهلها، فقال على وجه التبكيت لهم والتوبيخ: {ومن} أي قالوا ذلك والحال أنه كان في بعض الزمن الذي من {قبله} أي القرآن العظيم الذي حرموا تدبر آياته وحل مشكلاته وأعجزهم فصاحته {كتاب موسى} كلم الله وصفوته عليه الصلاة والسلام وهو التوراة التي كلمه الله بها تكليماً حال كون كتابه {إماماً} أي يستحق أن يؤمه كل من سمع به في أصول الدين مطلقاً وفي جميع ما فيه قبل تحريفه ونسخه وتبديله {ورحمة} لما فيه من نعمة الدلالة على الله والبيان الشافي فهبهم طعنوا في هذا القرآن وهم لا يقدرون على الطعن في كتاب موسى الذي قد سلموا لأهله أنهم أهل العلم وجعلوهم حكماء يرضون بقولهم في هذا النبي الكريم، وكتابهم مصادق لكتابهم فقد صاروا بذلك مصدقين بما كذبوا به، ولذلك قال الله تعالى: {وهذا} أي القرآن المبين المبيّن {كتاب} أي جامع لجميع الخيرات. ولما أريد تعميم التصديق بجميع الكتب الإلهية والحقوق الشرعية، حذف المتعلق فقال: {مصدق} أي لكتاب موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من الكتب التي تصح نسبتها إلى الله تعالى فإن جميع الكتب التي جاءت به الرسل ناطقة بتوحد الله وأن هذا الكتاب لم يخرج عن هذا فأنّى يصح فيما هذا شأنه أن يكون إفكاً، إنما الإفك ما كذب كتب الله التي أتت بها أنبياؤه وتوارثها أولياؤه. ولما كان الكتاب قد تقوم الأدلة على مصادقته لكتب الله ويكون بغير لسان المكذب به فيكون في التكذيب أقل ملامة، احترز عن ذلك بقوله: {لساناً} أي أشير إلى هذا المصدق القريب منكم زماناً ومكاناً وفهماً حال كونه {عربياً} في أعلى طبقات اللسان العربي مع كونه أسهل الكتب تناولاً وأبعدها عن التكليف، ليس هو بحيث يمنعه علوه بفخامة الألفاظ وجلالة المعاني وعلو النظم ورصافة السبك ووجازة العبارة، وظهور المهاني ودقة الإشارة مع سهولة الفهم وقرب المتناول بعد بعد المغزى. ولما دل على أن الكتاب حق، بين ثمرته فقال: {لينذر} أي أشير إلى الكتاب في هذا الحال لينذر الكتاب بحسن بيانه وعظيم شأنه {الذين ظلموا} سواء كانوا عريقين في الظلم أم لا، فأما العريقون فهو لهم نذري كاملة، فإنهم لا يهتدون كما تقدم، وأما غيرهم فيهتدي بنذارته ويسعد بعبارته وإشارته، وليبشر الذين أحسنوا في وقت ما {ما} هو {بشرى} كاملة {للمحسنين *} لا نذارة لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالآية من الاحتباك: أثبت أولاً {ينذر} و {الذين ظلموا} دلالة على حذف نحوه ثانياً، {وبشرى} و {للمحسنين} ثانياً دلالة على "نذري" "وللظالمين" أولاً. ولما بين حالة المحسنين شرح أمرهم فقال مستأنفاً في جواب من سأل عنهم وعن بشراهم: {إن الذين قالوا ربنا} أي خالقنا ومولانا والمحسن إلينا {الله} سبحانه وتعالى لا غيره. ولما كانت الاستقامة - وهي الثبات على كل ما يرضي الله مع ترتبها على التوحيد - عزيزة المنال عليه الرتبة، وكانت في الغالب لا تنال إلا بعد منازلات طويلة ومجاهدات شديدة، أشار إلى كل من بعدها وعلو رتبتها بأداة التراخي فقال: {ثم} أي بعد قولهم ذلك الذي وحدوا به {استقاموا} أي طلبوا القوم طلباً عظيماً وأوجدوه. ولما كان الوصف لرؤوس المؤمنين، عد أعمالهم أسباباً فأخبر عنهم بقوله: {فلا خوف عليهم} أي يعلوهم بغلبة الضرر، ولعله يعبر في مثل هذا بالاسم إشارة إلى أن هيبته بالنظر إلى جلاله وقهره وجبروته وكبره وكماله لا تنتفي، ويحصل للأنسان باستحضارها إخبات وطمأنينة ووقار وسكينة يزيده في نفسه جلالاً ورفعة وكمالاً، فالمنفي خوف يقلق النفس {ولا هم} في ضمائرهم ولا في ظواهرهم {يحزنون *} أي يتجدد لهم شيء من حزن أصلاً.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو يعلى، وابن جرير، والطبراني، والحاكم وصححه بسند صحيح عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: حديث : انطلق النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى دخلنا على كنيسة اليهود يوم عيدهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه. فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليه فلم يجبه أحد، فثلث فلم يجبه أحد، فقال: أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفي آمنتم أم كذبتم . ثم انصرف وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه، فقال: كما أنت يا محمد فأقبل فقال ذلك الرجل أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ فقالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا من جدك. قال: فإني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه في التوراة والإِنجيل. قالوا: كذبت، ثم ردوا عليه، وقالوا: شراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم لن يقبل منكم قولكم. فخرجنا ونحن ثلاث: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وابن سلام. فأنزل الله {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} . تفسير : وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} . وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: نزلت فيّ آيات في كتاب الله، نزلت فيّ {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} ونزل فيَّ{أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب}تفسير : [الرعد: 43]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما {وشهد شاهد من بني إسرائيل} قال: عبد الله بن سلام. وأخرج ابن سعد وعبد حميد وابن جرير عن مجاهد والضحاك مثله. وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم وقتادة مثله. وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن مجاهد وعطاء وعكرمة {وشهد شاهد من بني إسرائيل} قال: عبد الله بن سلام. وأخرج الحسن بن مسلم رضي الله عنه، نزلت هذه الآية بمكة وعبد الله بن سلام بالمدينة. وأخرج ابن سعد وبان عساكر عن الحسن رضي الله عنه قال: نزلت {حم} وعبد الله بالمدينة مسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن سيرين رضي الله عنه قال: كانوا يرون أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن سلام {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} قال: والسورة مكية، والآية مدنية. قال: وكانت الآية تنزل فيؤمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يضعها بين آيتي كذا وكذا في سورة كذا، يرون أن هذه منهن. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} قال: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، فيقول: من آمن من بني إسرائيل فهو كمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن المنذر عن الشعبي رضي الله عنه قال: ما نزل في عبد الله بن سلام رضي الله عنه شيء من القرآن. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مسروق رضي الله عنه في قوله {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} قال: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وإنما كان إسلام ابن سلام بالمدينة، وإنما كانت خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن سّعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن عساكر عن الحسن رضي الله عنه قال: لما أراد عبد الله بن سلام الإِسلام دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أشهد أنك رسول الله أرسلك بالهدى ودين الحق وإن اليهود تجد ذلك عندهم في التوراة منعوتاً. ثم قال له: أرسل إلى نفر من اليهود فسلهم عني وعن والدي فإنهم سيخبرونك وإني سأخرج عليهم، فأشهد أنك رسول الله لعلهم يسلمون. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النفر فدعاهم وخبأه في بيته، فقال لهم ما عبد الله بن سلام فيكم، وما كان والده؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا. قال: أرأيتم إن أسلم أتسلمون؟ قالوا: إنه لا يسلم. فخرج عليهم فقال: أشهد أنك رسول الله وإنهم ليعلمون منك مثل ما أعلم. فخرجوا من عنده وأنزل الله في ذلك {قل أرأيتم إن كان من عند الله} الآية. وأخرج ابن مردوية عن جندب قال: جاء عبد الله بن سلام حتى أخذ بعضادتي الباب ثم قال: أنشدكم بالله أي قوم أتعلمون أني الذي أنزلت فيه {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} الآية؟ قالوا: اللهم نعم. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: جاء ميمون بن يامين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان رأس اليهود بالمدينة قد أسلم وقال: يا رسول الله ابعث إليهم فاجعل بينك وبينهم حكماً من أنفسهم فإنهم سيرضوني فبعث إليهم، وأدخله الداخل فأتوه فخاطبوه مليّاً فقال لهم: اختاروا رجلاً من أنفسكم يكون حكماً بيني وبينكم قالوا: فإنا قد رأينا بميمون بن يامين فأخرجه إليهم، فقال لهم ميمون أشهد أنه رسول الله وأنه على الحق، فأبوا أن يصدقوه، فأنزل الله فيه {قل أرأيتم إن كان من عند الله} الآية. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق رضي الله عنه في قوله {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} قال: موسى مثل محمد والتوراة مثل القرآن فآمن هذا بكتابه ونبيه وكفرتم أنتم يا أهل مكة.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ} أي ما يُوحَى إليَّ من القُرآنِ {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} لاَ سحراً ولا مُفترى كما تزعمونَ. وقولُه تعالى {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} حالٌ بإضمارِ قَدْ من الضميرِ في الخبرِ وُسّطتْ بـين أجزاءِ الشرطِ مسارعةً إلى التسجيلِ عليهم بالكفرِ، أو عطفٌ على كانَ كمَا في قولِه تعالى: {أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ}تفسير : [سورة فصلت، الآية 52] لكنْ لا على أنَّ نظمَهُ في سلكِ الشرطِ المتردد بـينَ الوقوعِ وعدمِه عندهُم باعتبارِ حالِه في نفسهِ بل باعتبارِ حالِ المعطوفِ عليه عندَهُم فإنَّ كفرَهُم به أمرٌ محققٌ عندهم أيضاً وإنَّما ترددُهم في أنَّ ذلكَ كفرٌ بَما من عندِ الله تعالى أم لا وكذا الحالُ في قولِه تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إِسْرٰءيلَ} وما بعدَهُ من الفعلينِ فإنَّ الكُلَّ أمورٌ محققةٌ عندَهُم وإنَّما ترددُهم في أنَّها شهادةٌ وإيمانٌ بما مِن عندِ الله تعالى واستكبار عنه أولاً والمعنى أخبروني إن كان ذلك في الحقيقة من عند الله تعالى وكفرتُم به وشهدَ شاهدٌ عظيمُ الشأنِ منْ بني إسرائيلَ الواقفينَ على شؤونِ الله تعالى وأسرارِ الوحي بما أُوتُوا من التوراةِ. {عَلَىٰ مِثْلِهِ} أي مثلِ القرآنِ من المَعَاني المنطويةِ في التوراةِ المطابقةِ لما في القرآنِ من التوحيدِ والوعدِ والوعيدِ وغيرِ ذلكَ فإنَّها عينُ ما فيه في الحقيقةِ كما يعربُ عنه قولُه تعالَى: { أية : وَإِنَّهُ لَفِى زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [سورة الشعراء، الآية 196] وقولُه تعالى: { أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِى ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [سورة الأعلى، الآية 18] والمثليةُ باعتبارِ تأديتِها بعباراتٍ أُخرَ أو على مثلِ ما ذُكرَ من دونِه من عندِ الله تعالى والمثليةُ لما ذُكِرَ وقيل: المثلُ صلةٌ والفاء في قولِه تعالى: {فَـئَامَنَ} للدلالةِ على أنَّه سارعَ إلى الإيمانِ بالقُرآنِ لما علمَ أنَّه من جنسِ الوحي الناطقِ بالحقِّ وهو « حديث : عبدُ الله بن سَلاَمٍ لمَّا سمعَ بمقدمِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أتاهُ فنظرَ إلى وجههِ الكريمِ فعلمَ أنَّه ليسَ بوجهِ كذَّابٍ وتأملَهُ فتحققَ أنَّه النبـيُّ المنتظرُ فقالَ له إنَّي سائلكَ عن ثلاثٍ لا يعلمُهنَّ إلا نبـيٌّ ما أولُ أشراطِ الساعةِ، وما أولُ طعامٍ يأكلُه أهلُ الجنةِ، والولدُ ينزعُ إلى أبـيهِ أو إلى أمَّةِ فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "أمَّا أولُ أشراطِ الساعةِ فنارٌ تحشرُهم منَ المشرقِ إلى المغربِ، وأمَّا أولُ طعامِ أهلِ الجنَّةِ فزيادةُ كبدِ حوتٍ، وأما الولُد فإنْ سبقَ ماءُ الرجلِ نزعَهُ وإنْ سبقَ ماءُ المرأةِ نزعتْهُ" فقال أشهدُ أنَّكَ رسولُ الله حَقَّا فقامَ ثمَّ قالَ يا رسولَ الله إنَّ اليهودَ قومُ بُهتٌ فإن علمُوا بإسلامِي قبلَ أنْ تسألَهم عنِّي بهتونِي عندكَ فجاءتِ اليهود فقالَ لهم النبـيُّ عليه السَّلامُ: "أيُّ رجلٍ عبدُ اللَّهِ فيكم" فقالُوا خيرُنا وابنُ خيرِنا وسيدُنا وابنُ سيدِنا وأعلمُنَا وابنُ أعلمِنا قال: " أرأيتُم إنْ أسلمَ عبدُ اللَّهِ"، قالُوا: أعاذَهُ الله من ذلكَ فخرجَ إليهم عبدُ اللَّهِ فقالَ: أشهدُ أنَّ لا إلَه إلا الله وأشهدُ أنَّ محمداً رسولُ الله. فقالُوا شرُّنا وابنُ شرِّنا وانتقصُوه، قالَ: هذَا ما كنتُ أخافُ يا رسولُ الله وأحذرُ »تفسير : . قالَ سعدُ بنُ أبـي وقاصٍ رضيَ الله عنْهُ: ما سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقولُ لأحدٍ يمشِي على الأرضِ إنَّه من أهلِ الجنَّةِ إلا لعبدِ اللَّه بنِ سَلامٍ، وفيهِ نزلَ {وَشَهِدَ شَاهِدٌ} [سورة الأحقاف، الآية 10]. وقيلَ: الشاهدُ مُوسى عليه السَّلامُ وشهادتُه بما في التوراةِ من بعثةِ النبـيِّ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ وبهِ قال الشعبـيُّ. وقالَ مسروقٌ: والله ما نزلتْ في عبدِ اللَّهِ بنِ سَلاَمٍ فإنَّ آلَ حم نزلتْ بمكةَ وإنَّما أسلمَ عبدُ الله بالمدينةِ، وأجابَ الكلبـيُّ: بأنَّ الآيةَ مدنية وإنْ كانتْ السورةُ مكيةً. {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} عطفٌ على شهدَ شاهدٌ. وجوابُ الشرطِ محذوفٌ، والمَعْنى أخبرونِي إنْ كانَ من عندِ الله تعالَى وشهدَ على ذلكَ أعلمُ بني إسرائيلَ فآمنَ به من غيرِ تلعثمٍ واستكبرتُم عن الإيمانِ به بعد هذه المرتبةِ مَنْ أضلُّ منكم بقرينةِ قولِه تعالى: { أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ} تفسير : [سورة فصلت، الآية 52] وقولِه تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} فإنَّ عدمَ الهدايةِ مَّما ينبىءُ عن الضَّلالِ قطعاً، ووصفُهم بالظلمِ للإشعارِ بعلَّةِ الحُكمِ، فإنَّ تركَهُ تعالَى لهدايتِهم لظلمِهم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. تبيَّنَ له أنه لا عُذْرَ لهم بحال، ولا أمانَ لهم من عقوبةِ الله. وما يستروحون إليه من حُجَجِهم عند أنفسهم كلُّها - في التحقيق - باطلٌ. وأخبر أن الكفار قالوا: لو كان هذا الذي يقوله من الحشر والنشر حقًّ لم تتقاصر رتبتُنا عند الله عن رتبة أحدٍ، ولتَقَدَّمنا - في الاستحقاق - على الكُلِّ. ولمَّا لم يجدوا لهذا القول دليلاً صرَّحوا: {فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ}. ولقد بَعَثَ اللَّهُ أنبياءَه - عليهم السلام - وأنزل عليهم الكتب، وبيَّنَ في كلِّ كتابٍ، وعلى لسانِ كلِّ رسولٍ بأنه يبعث محمداً رسولاً، ولكن القومَ الذين في عصر نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - كتموه، وحسدوه.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ارأيتم} اخبرونى ايها القوم {ان كان} ما يوحى الى من القرءآن فى الحقيقة {من عند الله} لا سحرا ولا مفترى كما تزعمون وفى كشف الاسرار ان هنا ليس بشك كقول شعيب ولو كنا كارهين لو هناك ليس بشك بل هما من صلات الكلام {وكفرتم به} اى والحال انكم قد كفرتم به فهو حال باضمار قدمن الضمير فى الخبر وسط بين اجزاء الشرط مسارعة الى التسجيل عليهم بالكفر ويجوز أن يكون عطفا على كان كما فى قوله تعالى {أية : قل ارأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به} تفسير : لكن لا على ان نظمه فى سلك الشرط المتردد بين الوقوع وعدمه عندهم باعتبار حاله فى نفسه بل باعتبار حال المعطوف عليه عندهم فان كفرهم به متحقق عندهم ايضا وانما ترددهم فى ان ذلك كفر بما عند الله ام لا وكذا الحال فى قوله تعالى وشهد شاهد من بنى اسرائيل وما بعده من الفعلين فان الكل امور متحققة عندهم وانما ترددهم فى انها شهادة وايمان بما عند الله واستكبار منهم ام لا {وشهد شاهد} عظيم الشان {من بنى اسرائيل} الواقفين على شؤون الله واسرار الوحى بما اوتوا من التوراة {على مثله} اى مثل القرءآن من المعانى المنطوية فى التوراة المطابقة لما فى القرءآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك فانها عين ما فيه فى الحقيقة كما يعرب عنه قوله تعالى {أية : وانه لفى زبر الاولين} تفسير : وقيل المثل صلة يعنى عليه اى وشهد شاهد على انه من عند الله {فآمن} الفاء للدلالة على انه سارع فى الايمان بالقرءآن لما علم انه من جنس الوحى الناطق بالحق وليس من كلام البشر {واستكبرتم} عطف على شهد شاهد وجواب الشرط محذوف والمعنى اخبرونى ان كان من عند الله وشهد على ذلك أعلم بنى اسرائيل فآمن به من غير تلعثم واستكبرتم عن الايمان به بعد هذه المرتبة من اضل منكم بقرينة قوله تعالى {أية : قل ارأيتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من اضل ممن هو فى شقاق بعيد} تفسير : {ان الله لا يهدى القوم الظالمين} الذين يضعون الجحد والانكار موضع الاقرار والتسليم وصفهم بالظلم للاشعار بعلية الحكم فان تركه تعالى لهدايتهم لظلمهم وعنادهم بعد وضوح البرهان وفيه اشارة الى انه لا عذر لهم بحال اذ عند وجود الشاهد على حقية الدعوى تبطل الخصومة وذلك الشاهد فى الآية عبد الله ابن سلام بن الحارث حبر أهل التوراة وكان اسمه الحصين فسماه رسول الله عبد الله رضى الله عنه لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه فنظر الى وجهه الكريم فعلم انه ليس بوجه كذاب وتأمله فتحقق انه النبى المنتظر حديث : فقال له انى اسألك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبى ما اول اشراط الساعة وما اول طعام يأكله اهل الجنة والولد ينزع الى أبيه او الى امه فقال عليه السلام "أما اول اشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق الى المغرب واما اول طعام أهل الجنة فزياده كبد الحوت وأما الولد فان سبق ماء الرجل نزعه وان سبق ماء المرأة نزعته" فقال اشهد أنك رسول الله حقا فقام ثم قال يا رسول الله ان اليهود قوم بهت فان علموا باسلامى قبل ان تسألهم عنى بهتونى عندك فجاء اليهود وهم خمسون فقال لهم النبى عليه السلام "اى رجل عبد الله فيكم" قالوا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن اعلمنا قال "ارأيتم ان أسلم عبد الله" قالوا اعاذه الله من ذلك فخرج اليهم عبد الله فقال أشهد أن لا اله الله واشهد أن محمدا رسول فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه قال هذا ما كنت اخاف يا رسول الله وأحذر تفسير : قال سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه ما سمعت رسول الله عليه السلام يقول لأحد يمشى على الارض انه من اهل الجنة الا لعبد الله بن سلام وفيه نزل وشهد شاهد الخ وقال مسروق رضى الله عنه والله ما نزلت فى عبد الله بن سلام فان آل حم نزلت بمكة وانما أسلم عبد الله بالمدينة وأجاب الكلبى بأن الآية مدينة وان كانت السورة مكية فوضعت فى السورة المكية على ما امر رسول الله عليه السلام وفى الآية اشارة الى التوفيق العام وهو التوفيق الى الايمان بالله وبرسوله وما جاء به واما التوفيق الخاص فهو التوفيق الى العمل بالعلم المشروع الذى ندبك الشارع الى الاشتغال بتحصيله سواء كان العمل فرضا ام تطوعا وغاية العمل والمجاهدات والرياضات تصفية القلب والتخلق بالاخلاق الالهية والوصول الى العلوم الذوقية فالايمان بالله وبالانبياء والاولياء أصل الاصول كما ان الانكار والاستكبار سبب الحرمان والخذلان فان أقل عقوبة المنكر على الصالحين ان يحرم بركتهم قال ابو تراب النخشبى قدس سره اذا ألف القلب الاعراض عن الله صحبته الوقيعة. جون خدا خواهدكه برده كس درد ميلش اندر طعنه باكان برد. وقال الشيخ العارف شاه شجاع الكرمانى قدس سره ما تعبد متعبد بأكبر من التحبب الى أولياء الله تعالى لان محبة اولياء الله دليل على محبة الله والله لا يهدى من يشاء الى مقام المحبة والرضى ولا يهدى الظالمين المعاندين لانهم من اهل سوء القضاء

الجنابذي

تفسير : {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} اخبرونى {إِن كَانَ} القرآن او قرآن ولاية علىٍّ (ع) او الوحى الىّ او هذا الّذى ادّعيه من الرّسالة او ولاية علىٍّ (ع) {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} قيل: هو عبد الله بن سلام كان من علمائهم واسلم، وقيل: المراد بالشّاهد موسى (ع) بما اثبته فى التّوراة {عَلَىٰ مِثْلِهِ} لم يقل عليه لانّ شاهد بنى اسرائيل ما شهد انّ محمّداً (ص) رسولٌ وانّ هذا القرآن كتابه وانّ عليّاً (ع) وصيّه بل شهد انّ النّبىّ (ص) الموعود يكون شمائله كذا، ودعوته الى كذا، وكتابه كذا، ووصيّه يكون خَتَنه وابن عمّه {فَآمَنَ} الشّاهد وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} انتم من الايمان به، وجواب الشّرط محذوف اى افلم تكونوا ظالمين او افلم تؤاخذوا {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تعليلٌ للجواب المحذوف ودليل عليه، او هو جواب بتقدير الفاء.

الهواري

تفسير : قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ} يعني القرآن، {وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} أي: على مثل القرآن يعني التوراة، {فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}. ذكر بعضهم فقال: الشاهد من بني إسرائيل هو موسى، شهد على التوراة، فآمن واستكبرتم. وقال بعضهم: هو من بني إسرائيل، آمن بموسى وبالتوراة وأنتم لا تؤمنون بمحمد والقرآن. فذكر ذلك للحسن فقال: ما نسمع إلا أنه عبد الله ابن سلام. ذكروا عن ابي قلابة عن عبد الله بن سلام قال: أنزل الله فيَّ آيتين حيث يقول: (أية : قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) تفسير : [الرعد:43] وقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ}. قال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} أي المشركين الذين يلقون الله بشركهم.

اطفيش

تفسير : {قُلْ أَرَءَيْتُمْ} أخبروني* {إِن كَانَ} أي القرآن* {مِنْ عِندِ اللهِ وَكَفَرْتُم بِهِ} الواو للحال على تقدير قد أو المبتدأ الى (وقد كفرتم) أو وأنتم كفرتم أو للعطف وبعض يجيز قرن الماضي بواو الحال فلا تقدير والواو في* {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَآئِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} عاطفة على كان أو كفرتم بوجهيه أو للحال من (تاء) كفرتم والعطف (في)* {فآمَنَ} على {شَهِدَ} (وفي)* {وَاسْتَكْبَرْتُمْ} على (آمن) نحو أحسنت اليك وأسأت وأقبلت اليك وأعرضت أي أخيرونى ان اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به واجتمع شهادة علم بني اسرائيل على نزول مثله وايمانه به مع استكبارهم عنه وعن الايمان فأنتم أضل الناس أو فلستم ظالمين فحذف الجواب للدلالة* {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} عليه ولا يقدر ذلك بدون الفاء كما فعل الزمخشرى قاله ابن هشام لاجل الاستفهام والشاهد عند الجمهور ومسروق هو موسى والآية مكية وقال أنس ومجاهد وغيرهما الشاهد عبدالله بن سلام والآية مدنية. قال عبدالله بن سلام في نزول {أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عند علم الكتاب} {أية : قل أرأيتم ان كان من عند} تفسير : الخ الاية وهاء مثله للقرآن والمثل التوراة أي شهد على مثله انه من الله أو المثل ما في التوراة من المعنى المصدقة للقرآن المطابقة له من التوحيد والوعد والوعيد وغيرها بدليل {أية : وإنه لفي زبر الأولين} {أية : إن هذا لفي الصحف الأولى} {أية : كذلك يوحى إليك والى الذين من قبلك} تفسير : والمراد على نحو ذلك وهو كونه من عبدالله وفي التوراة شهادة لموسى برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ومتعلق (آمن) محذوف أي آمن بالقرآن أي آمن الشاهد به لما رآه من جنس الوحي مطابقاً للحق أو آمن بالنبي والذي حضر القرآن هو عبدالله والايمان مسبب عن الشهادة لانه لما علم ان مثله نزل على موسى وانه من جنس الوحي وأنصف واعترف كان ايمانه نتيجة بدليل الفاء والخطاب للعرب وقيل لليهود بلغ ابن سلام وهو في أرض يخترقها قدوم النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه وقال أسألك عن ثلاث لا يعلمها الا نبي ما أول أشراط الساعة وما أول طعام يأكله أهل الجنة ولم يسبق الولد أباه أو أمه وروي أو أخواله وانما قال له ذلك بعد ما نظر الى وجهه فعلم انه ليس بوجه كذاب وتأمله فتحقق أنه النبي المنتظر فقال صلى الله عليه وسلم "حديث : أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق الى المغرب وأول طعام أهل الجنة كبد الحوت الذي تحت الارض والولد يشبه أباه ان سبق ماءه وأمه ان سبق ماؤها أخبرني بهم آنفاً جبريل" تفسير : فقال ابن سلام ذلك عدو اليهود من الملائكة أشهد انك رسول الله ثم قال ان اليهود قوم بهت يا رسول الله ان علموا باسلامي قبل أن تسأل عني بهتوني عندك وجاء واختفي ابن سلام فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أي رجل عبدالله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا قال أرأيتم ان أسلم قالوا أعاذه الله من ذلك قيل فأعاد عليهم وقالوا مثل ذلك فخرج عبدالله فقال أشهد أن لا اله الا الله وأشهد أن محمداً رسول الله فقالوا شرنا وابن شرنا وانتقصوه قال هذا ما كنت أخاف يا رسول الله واحذر. " تفسير : قال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على الارض انه من أهل الجنة الا لعبد الله بن سلام ذكر ذلك الزمخشري والثعالبي والخازن وغيرهم. قال سعيد وفيه نزل {وَشَهِدَ شَاهِدٌ} وقال مسروق بن الأجدع والله ما نزلت في ابن سلام لأن {حم} نزلت بمكة واسلامه كان بالمدينة بل في محاجة كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه ومثل القرآن التوراة شهد موسى على التوراة ومحمد على القرآن وكل يصدق الآخر أي شهد على التوراة التي هي مثل القرآن انها من عند الله كما شهد محمد على القرآن فآمن من آمن بموسى واستكبرتم يا معشر العرب عن الايمان بمحمد والقرآن وجملة {إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} استئناف معشر بأن كفرهم لضلالهم المسبب عن ظلمهم

اطفيش

تفسير : {قُل أرأيتُم إنْ كانَ} ما يوحى الى من القرآن، ولو كان الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم لقال: ان كنت وكفرتم بى إلا أن يدعى أنه عبر عن نفسه بالرسول، فرد الضمير اليه، وهو خلاف الظاهر {مِن عنْد الله} لا سحر أو لا مفترى، ولا تعليم بشر، ولا أساطير الأولين كما تزعمون {وكفرتم به} عطف على كان من عند الله كما عطف بثم فى مثله، وهو قوله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به} وأى داع الى جعله حالا مع صحة العطف بلا ضعف، ومع أن الأصل فى الواو العطف لا الحالية، ومع أن الحال تحتاج الى تقدير قد، أو أنتم قبل كفرتم أو الى المساهلة بعدم التقدير، وذلك أن الفعل ماض متصرف مثبت. {وشَهِد شاهِدٌ مِن بني إسرائيل على مثله} مثل ما يوحى الى من القرآن، وان رددنا ضمير كان الى الرسول رددنا اليه الهاء والحق أن الهاء للقرآن، وفخم شاهد بالتنكير، وبوصفه بأنه من بنى اسرائيل العالمين بشأن الوحى، بما أتوه عن التوراة، فاذا شهد على مثل القرآن بما فى القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، كانت شهادته شهادة بالقرآن، وقد قال الله عز وجل: "أية : وإنَّه لفي زبر الأولين" تفسير : [الشعراء: 196] "أية : إنَّ هذا لفي الصحف الأولى" تفسير : [الأعلى: 18] والمثلية تأدية ما فى القرآن بعبارة أخرى، أو بأنه من عند الله، أو على مثل شهادة القرآن لنفسه بأنه من الله، كأنه لإعجازه يشهد لنفسه بأنه من الله عز وجل، وقيل مثل كناية عن القرآن نفسه مبالغة كقولك: مثلك لا يفعل كذا، تريد أنت لا تفعله، واذا رد الضمير الى الرسول فالمثل موسى عليه السلام. {فآمَنَ} بالقرآن أى ظهر ايمان ذلك الشاهد به، بسبب شهادته المطابقة للوحى، ويجوز أن تكون الفاء للتفصيل، فايمانه به هو الشاهد له، وكذا ان رددنا الضمير الرسول، فانه اذا شهد بمثله فقد شهد به، فاذا شهد به فقد آمن به، فانه اذا شهد أن صفته صفة النبوة، فقد شهد له بها، أو المثل هو الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم {واسْتَكْبرتم} عن الايمان، والعطف على شهد شاهد، أو على آمن، لأن الايمان مقابل الاستكبار عن الايمان، والمجموع معطوف معنى على الشرط. قال بعض المحققين: مجموع شهد شاهد، وآمن واستكبرتم، معطوف على مجموع كان من عند الله، وكفرتم به، مثل عطف مجموع الظاهر والباطن على مجموع الأول والآخر من المفرد فى قوله تعالى: "أية : هو الأول والآخر والظاهر والباطن" تفسير : [الحديد: 3] قلت: هذا اعراب معنى لا يصح صناعة، والأعراب الصناعة عطف كل واحد علىالأول، الا ان كان العواطف مرتبة، فكل واحد على متلوه، أو اقترن بشيئان متناسبان، فانه يعطف أخيرهما على أولهما، مثل لفظ الظاهر والباطن، ولا يتكرر استكبرتم مع كفرتم، لأأن الاستكبار بعد الشهادة، والكفر قبلها، ولا مفعول لأرأيتم، لأن معناه أخبرونا بالواقع، والجملة مغنية عن جواب ان، وقدر بعض أرأيتم حالكم ان كان من عند الله الخ، فقد ظلمتم، ألستم ظلمتم باحالكم مفعول أول، والثانى ألستم ظلمتم معلق عنه، وقد ظلمتم جواب، وقدر الحسن الجواب: "فمن أضل منكم" لقوله تعالى: "أية : قل أرأيتم إنْ كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد" تفسير : [فصلت: 52] وقدر بعض فمن المحق منَّا ومنكم، ومن المبطل، وقدر بعض تهلكوا وبعض جعله آمن أى فقد آمن محمد به، أو فقد آمن الشاهد. وقدر بعض: أفتؤمنون لدلالة فآمن، وأجاز بعض أن يكون قوله: "إن كان" الخ سادا مسد مفعولى رأيتم، ويرده أنه لا يجوز ذلك بلا معلق، والشاهد عبد الله بن سلام عند الجمهور، وعليه ابن عباس، فتكون الآية مدنية، ويجوز أن تكون مكية، نزلت لما سيكون كما أن القرآن كله خلق قبل آدم، وما نزل قوله تعالى: "أية : كما أنزلنا على المقتسمين" تفسير : [الحجر: 90] أى أنذر قريشا مثل ما أنزلنا على قريظه، والانزال على المقتسمين بعد نزول الآية بسبع سنين، فان كان ايمانه بعد نزول الآية فظاهر، ولا فلا مانع من أن يقال: ارأيتم ان كان كذا مع أنه قد كان، فيكون تذكيرا بالواقع، واستشهادا به، وقيل: نزلت فى المدينة، والخطاب فيه لقريش. دخل صلى الله عليه وسلم وعوف بن مالك كنيسة اليهود يوم عيد، فقال ثلاث مرات: "حديث : ليؤمن منكم اثنا عشر رجلاً يسقط الله تعالى عنكم الغضب" تفسير : فلم يجيبوه، فقال: "حديث : والله أنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفى، آمنتم أو كذبتم" تفسير : فانصرف على قرب من الباب، فلحقه عبد الله بن سلام وقال قف، فقال: ما أنا فيكم يا معشر يهود؟ فقالوا سيدنا وابن سيدنا ولا أعلم منك ولا من أبيك ولا من جدك، قال: انك النبى الذى نجده فى التوراة والانجيل، قالوا: شرنا وابن شرنا كذبت، وقيل: أسلم فقال: أدخلنى بيتا واسألهم عنى فانهم قوم بهت، ففعل وسألهم فمدحوه بما مر، وقال: "حديث : أرأيتم إنْ أسلم؟" تفسير : قالوا حاشاه، فخرج وأظهر اسلامه، وقالوا شرنا وابن شرنا، فقال: هذا ما أخاف منهم يا رسول الله. وفى البخارى ومسلم، عن سعد بن أبى وقاص: ما سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول لحى يمشى على الأرض انه من أهل الجنة الا لعبد الله بن سلام، وانه الشاهد فى الآية، بلغه قدوم النبى صلى الله عليه وسلم وهو فى نخله، فجاءه فقال أسألك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبى: وما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وبم يشبه الولد أباه أو أمه، فقال: "حديث : أخبرني بهن جبريل آنفاً" تفسير : فقال عبد الله بن سلام: هو عدو واليهود، فقرأ صلى الله عليه وسلم: "أية : من كان عدوّاً لجبريل فإنَّه نزله على قلبك" تفسير : [البقرة: 97] وقال: "حديث : أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب - يعنى إلى الشام لأنه غرب المدينة- وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد الحوت الحامل للدنيا، وإنْ سبق ماء الرجل أشبه الولد، وإنْ سبق ماؤها أشبهها" تفسير : فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، اسأل اليهود عنى الى آخر ما مر. وروى سعيد بن جبير: الشاهد هو ميمون بن يامين، وانه الذى آمن واختفى ومدحوه، ولما أظهر اسلامه كذبوه وبهتوه، ومن كذبهم ما قالوا من أنه صلى الله عليه وسلم أنه صحبه عبد الله بن سلام فى تجارة خديجة، فعلمه الشرائع وأخبار الأمم، وألف له القرآن، ونسبوا القرآن المعجز الى عبد الله بن سلام، وقيل: الشاهد موسى عليه السلام، فقيل: شهد موسى على التوراة، وهى مثل القرآن، وشهد محمد على القرآن، وكل يصدق الآخر، فآمن من آمن بموسى والتوراة، وكفرتم يا معشر العرب بمحمد والقرآن، وذلك قول مسروق، قال: والله ما نزلت فى عبد الله بل سلام، لأنها مكية، وعبد الله بن سلام أسلم بعد الهجرة، وأقول: الشاهد فى الآية على عمومه أى شاهد كان. {إنَّ الله لا يهدي القَوم الظالمين} تعليل للاستكبار، وايذان بأن سبب كفرهم به هو ظلمهم، وهذا على أن ظلمهم غير ذلك الكفر.

الالوسي

تفسير : {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ } أي ما يوحى إلي من القرآن، وقيل: الضمير للرسول، وفيه أن الظاهر لو كان المعنى عليه كنت {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } لا سحراً ولا مفترى كما تزعمون {وَكَفَرْتُمْ بِهِ } الواو للحال والجملة حال بتقدير قد على المشهور من الضمير في الخبر وسطت بين أجزاء الشرط اهتماماً بالتسجيل عليهم بالكفر أو للعطف على {كَانَ } كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ } تفسير : [فصلت: 52] وكذا الواو في قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إِسْرٰءيلَ } إلا أنها تعطفه بماعطف عليه على جملة ما قبله، فالجمل المذكورات بعد الواوات ليست متعاطفة على نسق واحد بل مجموع {شَهِدَ } {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} معطوف على مجموع {كَانَ } وما معه، مثله في المفردات {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ } تفسير : [الحديد: 3] والمعنى أن اجتمع كونه من عند الله تعالى مع كفركم واجتمع شهادة الشاهد فإيمانه مع استكباركم عن الإيمان، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في جواب الشرط وفي مفعولي {أَرَأيْتُمْ } وضمير {بِهِ } عائد على ما عاد عليه اسم (كان) وهو ما يوحي من القرآن أو الرسول، وعن الشعبـي أنه للرسول، ولعله يقول في ضمير {كَانَ } أيضاً كذلك وكذا في ضمير {عَلَىٰ مِثْلِهِ } لئلا يلزم التفكيك. وأنت تعلم أن الظاهر رجوع الضمائر كلها للقرآن، وتنوين {شَاهِدٌ } للتفخيم، وكذا وصفه بالجار والمجرور أي وشهد شاهد عظيم الشأن من بني إسرائيل الواقفين على شؤن الله تعالى وأسرار الوحي بما أوتوا من التوراة على مثل القرآن من المعاني المنطوية في التوراة من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك فإنها في الحقيقة عين ما فيه كما يعرب عنه قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 196] على وجه، وكذا قوله سبحانه: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الأعلى: 18] والمثلية باعتبار تأديتها بعبارات أخرى أو على مثل ما ذكر من كونه من عند الله تعالى والمثلية لما ذكر، وقيل: على مثل شهادته أي لنفسه بأنه من عند الله تعالى كأنه لإعجازه يشهد لنفسه بذلك، وقيل (مثل) كناية عن القرآن نفسه للمبالغة، وعلى تقدير كون الضمير للرسول صلى الله عليه وسلم فسر المثل بموسى عليه السلام. / والفاء في قوله تعالى: {فَآمَنَ} أي بالقرآن للسببية فيكون إيمانه مترتباً على شهادته له بمطابقته للوحي، ويجوز أن تكون تفصيلية فيكون إيمانه به هو الشهادة له، والمعنى على تقدير أن يراد فآمن بالرسول صلى الله عليه وسلم ظاهر بأدنى التفاوت، وقوله تعالى: {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ } أي عن الإيمان معطوف على ما أشرنا إليه {شَهِدَ شَاهِدٌ } وجوز كونه معطوفاً على {آمن } لأنه قسيمه ويجعل الكل معطوفاً على الشرط، ولا تكرار في {ٱسْتَكْبَرْتُمْ } لأن الاستكبار بعد الشهادة والكفر قبلها. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي الموسومين بهذا الوصف، استئناف بياني في مقام التعليل للاستكبار عن الإيمان. ووصفهم بالظلم للإشعار بعلة الحكم فتشعر هذه الجملة بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم وهو دليل جواب الشرط ولذا حذف ومفعولا {أَرَأيْتُمْ } محذوفان أيضاً لدلالة المعنى عليهما، والتقدير أرأيتم حالكم إن كان كذا فقد ظلمتم ألستم ظالمين، فالمفعول الأول حالكم والثاني ألستم ظالمين، والجواب فقد ظلمتم، وقال ابن عطية: في {أَرَأيْتُمْ } يحتمل أن تكون منبهة فهي لفظ موضوع للسؤال لا تقتضي مفعولاً، ويحتمل أن تكون جملة {إِن كَانَ } الخ سادة مسد مفعوليها، وهو خلاف ما قرره محققو النحاة في ذلك. وقدر الزمخشري الجواب ألستم ظالمين بغير فاء. ورده أبو حيان بأن الجملة الاستفهامية إذا وقعت جواباً للشرط لزمها الفاء فإن كانت الأداة الهمزة تقدمت على الفاء وإلا تأخرت، ولعله تقدير معنى لا تقدير إعراب، وقدره بعضهم أفتؤمنون لدلالة {فَآمَنَ } وقدره الحسن فمن أضل منكم لقوله تعالى: {أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } تفسير : [فصلت: 52] وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } وقيل: التقدير فمن المحق منا ومنكم ومن المبطل؟ وقيل: تهلكون، وقيل: هو {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} أي فقد آمن محمد صلى الله عليه وسلم به أو الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان، وأكثرها كما ترى. والشاهد عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه عند الجمهور وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وابن سيرين والضحاك وعكرمة في رواية ابن سعد وابن عساكر عنه. وفي «الكشف» في جعله شاهداً والسورة مكية بحث ولهذا استثنيت هذه الآية، وتحقيقه أنه نزل ما سيكون منزلة الواقع ولهذا عطف {شَهِدَ } وما بعده على قوله تعالى: {كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ } ليعلم أنه مثله في التحقيق فيكون على أسلوب قوله سبحانه: {أية : كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ } تفسير : [الحجر: 90] أي أنذر قريشاً مثل ما أنزلناه على يهود بني قريظة وقد أنزل عليهم بعد سبع سنين من نزول الآية، ومصب الإلزام في قوله تعالى: {فَآمَنَ } كأنه قيل: أخبروني إن يؤمن به عالم من بني إسرائيل أي عالم لما تحقق عنده أنه مثل التوراة ألستم تكونون أضل الناس، ففي الدلالة على أنه مثل التوراة يجب الإيمان به شهد ذلك الشاهد أو لم يشهد لأن تلك الشهادة يعقبها الإيمان من غير مهلة فلو لم يؤمن لم يكن عالماً بما في التوراة؛ وهذا يصلح جواباً مستقلاً من غير نظر إلى الأول فافهم، وقول من قال: الشاهد عبد الله على هذا بيان للواقع وأنه كان ممن شهد وآمن لا أن المراد بلفظ الآية عبد الله خصوصاً، وعلى الوجهين لا بد من تأويل قول سعد، وقد تقدم في حديث الشيخين وغيرهما وفيه نزل {وَشَهِدَ شَاهِدٌ } بأن المراد في شأنه الذي سيحدث على الأول أو فيه وفيمن هو على حاله كأنه قيل: هو من النازلين فيه لأنه كان من الشاهدين انتهى. وتعقب قوله: إنه نزل ما سيكون منزلة الواقع بأنه لا حاجة إلى ذلك التنزيل على تقدير مكيتها، وكون / الشاهد ابن سلام لمكان العطف على الشرط الذي يصير به الماضي مستقبلاً وحينئذ لا ضير في شهادة الشاهد بعد نزولها، ومع هذا فالظاهر من الأخبار أن النزول كان في المدينة وأنه بعد شهادة ابن سلام. أخرج أبو يعلى. والطبراني والحاكم بسند صحيح حديث : عن عوف بن مالك الأشجعي قال: انطلق النبـي صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحبط الله تعالى عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه فسكتوا فما أجابه منهم أحد ثم رد عليهم عليه الصلاة والسلام فلم يجبه أحد فثلث فلم يجبه أحد فقال: أبيتم فوالله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا المقفى آمنتم أو كذبتم ثم انصرف صلى الله عليه وسلم وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه فقال: كما أنت يا محمد فأقبل فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله تعالى ولا أفقه منك ولا من أبيك ولا من جدك قال: فإني أشهد بالله أنه النبـي الذي تجدونه في التوراة والإنجيل فقالوا: كذبت ثم ردوا عليه وقالوا شراً فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا وابن سلام فأنزل الله تعالى: {قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِي إِسْرٰءيلَ } الآيةتفسير : . وروي حديث شهادته وإيمانه على وجه آخر، ولا يظهر لي الجمع بينه وبين ما ذكر، وهو أيضاً ظاهر في كون النزول بعد الشهادة. وأخرج عبد بن حميد حديث : عن سعيد بن جبير قال: جاء ميمون بن يامين إلى النبـي صلى الله عليه وسلم وكان رأس اليهود بالمدينة فأسلم وقال: يا رسول الله ابعث إليهم ـ يعني اليهود ـ فاجعل بينك وبينهم حكماً من أنفسهم فإنهم سيرضوني فبعث عليه الصلاة والسلام إليهم وأدخله الداخل فأتوه فخاطبوه ملياً فقال لهم: اختاروا رجلاً من أنفسكم يكون حكماً بيني وبينكم قالوا: فإنا قد رضينا بميمون بن يامين فأخرجه إليهم فقال لهم ميمون: لنشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه على الحق فأبوا أن يصدقوه فأنزل الله تعالى فيه {قُلْ أَرَءيْتُمْ } الآيةتفسير : ، وهو ظاهر في مدنية الآية وأن نزولها قبل شهادة الشاهد لكنه ظاهر في أن الشاهد غير عبد الله بن سلام، وكونه كان يسمى بذلك قبل لم أره، ولا يظهر لي وجه التعبير به دون المشهود إن كان، والذي رأيته في «الاستيعاب» في ترجمة عبد الله أنه ابن سلام بن الحرث الإسرائيلي الأنصاري يكنى أبا يوسف وكان اسمه في الجاهلية الحصين فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله والله تعالى أعلم. ((ومن كذب اليهود وجهلهم بالتاريخ ما يعتقدونه في عبد الله بن سلام أنه صلى الله عليه وسلم حين سافر إلى الشام في تجارة لخديجة رضي الله تعالى عنها اجتمع بأحبار اليهود وقص عليهم أحلامه فعلموا أنه صاحب دولة فأصحبوه عليه السلام سلام وبقي معه مدة فتعلم منه علم الشرائع والأمم السالفة وأفرطوا في الكذب إلى أن نسبوا القرآن المعجز إلى تأليف عبد الله بن سلام وعبد الله هذا مما ليس له إقامة بمكة ولا تردد إليها، ولم ير النبـي صلى الله عليه وسلم إلا في المدينة وأسلم إذ قدمها عليه الصلاة والسلام أو قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بعامين على ما حكاه في «البحر» عن الشعبـي، فما أكذب اليهود وأبهتهم لعنهم الله تعالى، وناهيك من طائفة ما ذم في القرآن طائفة مثلها)). وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر عن مسروق أن الشاهد هو موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام، وقد تقدم أنه كان يدعي مكية الآية وينكر نزولها في ابن سلام ويقول: إنما كانت خصومة خاصم بها محمد صلى الله عليه وسلم، وكأنه على هذا لا يحتاج إلى القول بأنها نزلت بخصوص شاهد، وأيد عدم إرادة الخصوص بأن {شَاهِدٌ } في الآية نكرة والنكرة في سياق الشرط تعم، وأنا أقول: بكون التنوين في / {شَاهِدٌ } للتعظيم وبمدنية الآية ونزولها في ابن سلام، والخطابات فيها مطلقاً لكفار مكة، وربما يظن على بعض الروايات أنها لليهود وليس كذلك، وهم المعنيون أيضاً بالذين كفروا في قوله تعالى:{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }.

ابن عاشور

تفسير : أعيد الأمر بأن يقول لهم حجة أخرى لعلها تردهم إلى الحق بعد ما تقدم من قوله: {أية : قل أرأيتم ما تَدعون من دون الله}تفسير : [الأحقاف: 4] الآية وقوله: {أية : قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئاً}تفسير : [الأحقاف: 8] وقوله: {أية : قل ما كنت بدعا من الرسل}تفسير : [الأحقاف: 9] الآية. وهذا استدراج لهم للوصول إلى الحق في درجات النظر فقد بادأهم بأن ما أحالوه من أن يكون رسولاً من عند الله ليس بمحال إذ لم يكن أولَ الناس جاء برسالة من الله. ثم أعقبه بأن القرآن إذا فرضنا أنه من عند الله وقد كفرتم بذلك كيف يكون حالكم عند الله تعالى. وأقحم في هذا أنه لو شهد شاهد من أهل الكتاب بوقوع الرسالات ونزول الكتب على الرسل، وآمن برسالتي كيف يكون انحطاطكم عن درجته، وقد جاءكم كتاب فأعرضتم عنه، فهذا كقوله: {أية : أو تقولوا لوْ أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدَى منهم}تفسير : [الأنعام: 157]، وهذا تحريك للهمم. ونظير هذه الآية آية سورة فصّلت (52) {أية : قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد} تفسير : سوى أن هذه أقحم فيها قوله: {وشهد شاهد من بني إسرائيل} فإن المشركين كانت لهم مخالطة مع بعض اليهود في مكة ولهم صلة بكثير منهم في التجارة بالمدينة وخيبر فلما ظهرت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسألون من لَقوه من اليهود عن أمر الأديان والرسل فكان اليهود لا محالة يخبرون المشركين ببعض الأخبار عن رسالة موسى وكتابه وكيف أظهره الله على فرعون. فاليهود وإن كانوا لا يقرّون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم فهم يتحدثون عن رسالة موسى عليه السلام بما هو مماثل لحال النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه وفيه ما يكفي لدفع إنكارهم رسالته. فالاستفهام في {أرأيتم} تقريري للتوبيخ ومفعولا {أرأيتم} محذوفان. والتقدير: أرأيتم أنفسكم ظالمين. والضمير المستتر في {إن كان} عائد إلى القرآن المعلوم من السياق أو إلى ما يُوحَى إليّ في قوله آنفاً {أية : إن أتبع إلا ما يُوحَى إليّ}تفسير : [الأحقاف: 9]. وجملة {وكفرتم به} في موضع الحال من ضمير {أرأيتم}. ويجوز أن يكون عطفاً على فعل الشرط. وكذلك جملة {وشهد شاهد من بني إسرائيل} لأن مضمون كلتا الجملتين واقع فلا يدخل في حيز الشرط، وجواب الشرط محذوف دل عليه سياق الجدل. والتقدير: أفترون أنفسكم في ضلال. وجملة {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} تذييل لجملة جواب الشرط المقدرة وهي تعليل أيضاً. والمعنى: أتظنون إن تبين أن القرآن وحي من الله وقد كفرتم بذلك فشهد شاهد على حَقّية ذلك تُوقنوا أن الله لم يهدكم لأنكم ظالمون وأن الله لا يهدي الظالمين. وضميرا {كان} و {مثله} عائدان إلى القرآن الذي سبق ذكره مرّات من قوله: {أية : تنزيل الكتاب من الله}تفسير : [الأحقاف: 2] وقوله: {أية : ائتوني بكتاب من قبل هذا}تفسير : [الأحقاف: 4]. وجملة {واستكبرتم} عطف على جملة {وشهد شاهد} الخ وجملة {وشهد شاهد} عطف على جملة {إن كان من عند اللَّه}. والمِثل: المماثل والمشابه في صفة أو فعل، وضمير {مثله} للقرآن فلفظ {مثله} هنا يجوز أن يحمل على صريح الوصف، أي على مماثل للقرآن فيما أنكروه مما تضمنه القرآن من نحو توحيد الله وإثبات البعث وذلك المثل هو كتاب التوراة أو الزبور من كتب بني إسرائيل يومئذٍ. ويجوز أن يحمل المِثل على أنه كناية عما أضيف إليه لفظ (مثل)، فيكون لفظ (مثل) بمنزلة المقحم على طريقة قول العرب: «مثلك لا يبخل»، وكما هو أحد محملين في قوله تعالى: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11]. فالمعنى: وشهد شاهد على صدق القرآن فيما حواه. ويجوز يكون ضمير {مثله} عائداً على الكلام المتقدم بتأويل المذكور، أي على مثل ما ذكر في أنه {من عند الله} وأنه ليس بدعا من كتب الرسل. فالمراد بــ {شاهد من بني إسرائيل} شاهدٌ غيرُ معين، أي أيَّ شاهد، لأن الكلام إنباء لهم بما كانوا يتساءلون به مع اليهود. وبهذا فسر الشعبي ومسروق واختاره ابن عبد البر في «الاستيعاب» في ترجمة عبد الله بن سلام فالخطاب في قوله: {أرأيتم} وما بعده موجه إلى المشركين من أهل مكة، وقال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد وعكرمة: المراد بــ{شاهد من بني إسرائيل} عبدُ الله بن سلاَم. وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام أنه قال: فيَّ نزلت آيات من كتاب الله {وشهد شاهد من بني إسرائيل} الآية. ومثل قول قتادة ومجاهد وعكرمة روي عن ابن زيد ومالك بن أنس وسفيان الثوري ووقع في «صحيح البخاري» في باب فضل عبد الله بن سلام حديث عبد الله بن يوسف عن مالك عن سعد بن أبي وقاص قال: وفيه نزلت هذه الآية {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} الآية، قال عبد الله بن يوسف: لا أدري قال مالك: الآية أو في الحديث. قال مسروق: ليس هو ابن سلام لأنه أسلم بالمدينة والسورة مكية، وقال الشعبي مثلَه. ويجوز أن تكون الآية نزلت بالمدينة وأمر بوضعها في سورة الأحقاف، وعلى هذا يكون الخطاب في قوله: {أرأيتم} وما بعده لأهل الكتاب بالمدينة وما حولها. وعندي أنه يجوز أن يكون هذا إخباراً من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بما سيقع من إيمان عبد الله ابن سَلام فيكون هو المراد بــ {شاهد من بني إسرائيل} وإن كانت الآية مكية. والظاهر أن مثل هذه الآية هو الذي جرّأ المشركين على إنكار نزول الوحي على موسى وغيره من الرسل فقالوا: {أية : لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه}تفسير : [سبأ: 31] وقالوا: {أية : ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91] حين علموا أن قد لزمتهم الحجة بنزول ما سلف من الكتب قبل القرآن. وجملة {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} تعليل للكلام المحذوف الدال عليه ما قبله كما علمته آنفاً، أي ضللتم ضلالاً لا يرجى له زوال لأنكم ظالمون {والله لا يهدي القوم الظالمين}. وهذا تسجيل عليهم بظلمهم أنفسهم. وجيء في الشرط بحرف {إن} الذي شأنه أن يكون في الشرط غير المجزوم بوقوعه مجاراة لحال المخاطبين استنزالاً لطائر جماحهم لينزلوا للتأمل والمحاورة.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ}. جواب الشرط في هذه الآية محذوف. وأظهر الأقوال في تقديره إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به، وجحدتموه فأنتم ضلال ظالمون. وكون جزاء الشرط في هذه الآية كونهم ضالين ظالمين بينه قوله تعالى في آخر فصلت:{أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}تفسير : [فصلت 52]، وقوله في آية الأحقاف هذه {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. وقال أبو حيان في البحر: مفعولاً أرأيتم محذوفان لدلالة المعنى عليهما. والتقدير: أرأيتم حالكم، إن كان كذا ألستم ظالمين. فالأول حالكم، والثاني ألستم ظالمين، وجواب الشرط محذوف أي فقد ظلمتم. ولذلك جاء فعل الشرط ماضياً. وبعض العلماء يقول: إن {أَرَءَيْتُمْ} بمعنى أخبرني، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}. التحقيق: إن شاء الله، أن هذه الآية الكريمة جارية على أسلوب عربي معروف، وهو إطلاق المثل، على الذات نفسها، كقولهم: مثلك، لا يفعل هذا، يعنون لا ينبغي لك أنت أن تفعله. وعلى هذا فالمعنى، وشهد شاهد من بني إسرائيل على أن هذا القرآن، وحي منزل حقاً من عند الله، لا أنه شهد على شيء آخر مماثل له. ولذا قال تعالى {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ}. ومما يوضح هذا، تكرر إطلاق المثل في القرآن مراداً به الذات كقوله تعالى{أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَاتِ}تفسير : [الأنعام: 122] الآية. فقوله: كمن مثله في الظلمات، أي كمن هو نفسه في الظلمات، وقوله تعالى{أية : فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ}تفسير : [البقرة: 137] أي فإن آمنوا بما آمنتم به لا بشيء آخر مماثل له على التحقيق. ويستأنس له بالقراءة المروية عن ابن عباس وابن مسعود {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ} الآية. والقول بأن لفظة ما في الآية مصدرية، وأن المراد تشبيه الإيمان بالإيمان، أي فإن آمنوا بإيمان مثل إيمانكم فقد اهتدوا لا يخفى بعده. والشاهد في الآية هو عبد الله بن سلام رضي الله عنه كما قال الجمهور، وعليه فهذه الآية مدنية في سورة مكية. وقيل: إن الشاهد موسى بن عمران عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقيل غير ذلك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 10- قل: أخبرونى إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به، وشهد شاهد من بنى إسرائيل على نزول مثله من عند الله، فآمن به واستكبرتم. ألا تكونون حينئذ أضل الناس وأظلمهم لأنفسهم! إن الله لا يوفق إلى الهدى من ظلم نفس واستكبر عن الحق. 11- وقال الذين كفروا فى شأن الذين آمنوا استهزاء بهم واستعلاء عليهم: لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا هؤلاء إلى الإيمان به، فإنا نحن أصحاب السيادة والعقول الراجحة، وحين لم يهتدوا به يطعنون فيه، (فيقولون): هذا كذب قديم من أساطير الأولين. 12- ومن قبل القرآن أنزل الله التوراة قدوة ورحمة للعاملين بها، وهذا القرآن الذى يكذبونه مصدق لما قبله من الكتب، أنزله الله بلسان عربى ليكون إنذاراً متجدداً للذين ظلموا، وبُشرى للذين استقاموا على الطريقة. 13- إن الذين قالوا: ربنا الله - وحده - ثم أحسنوا العمل، فلا خوف عليهم من نزول مكروه، ولا هم يحزنون لفوات مطلوب. 14- أولئك الموصوفون بالتوحيد والاستقامة هم المختصون بدخول الجنة خالدين فيها أعطاهم الله ذلك جزاء بما كانوا يعملون من الصالحات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قل أرأيتم: أي أخبروني ماذا تكون حالكم. إن كان من عند الله: أي إن كان القرآن من عند الله. وكفرتم به: أي وكذبتم به أي بالقرآن. وشهد شاهد من بني إسرائيل: أي وشهد عبدُ الله بن سلام. على مثله فآمن: أي عليه إنه من عند الله فآمن. واستكبرتم: أي واستكبرتم أنتم فلم تؤمنوا ألستم ظالمين. لو كان خيرا ما سبقونا إليه: أي لو كان ما جاء به محمد من القرآن والدين خيرا ما سبقنا إليه المؤمنون. وإذ لم يهتدوا به: أي بالقرآن العظيم. فسيقولون هذا إفك قديم: أي هذا القرآن إفك قديم أي هو من كذب الأولين. وهذا كتاب مصدق: أي القرآن مصدق للكتب التي سبقته. لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا: أي حال كونه بلسان عربي لينذر به الظالمين المشركين. وبشرى للمحسنين: وهو أي القرآن بُشرى لأهل الإِحسان في عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم. ثم استقاموا: أي فلم يرتدوا واستمروا على فعل الواجبات وترك المحرمات. فلا خوف عليهم ولا يحزنون: أي في الدنيا وفي البرزخ وفي عرصات القيامة. بما كانوا يعملون: أي جزاهم الله بما جزاهم به بنفي الخوف والحزن عليهم بأعمالهم الصالحة وتركهم الأعمال الفاسدة. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في طلب هداية قوم النبي صلى الله عليه وسلم من قريش الذين ردوا الدعوة وقالوا في كتابها سحر مبين وفي صاحبها مفتر فقال تعالى لرسوله قل يا محمد لأولئك المشركين الذين قالوا في القرآن سحر مبين {أَرَأَيْتُمْ} أي أخبروني ماذا تكون حالكم إن كان القرآن من عند الله. وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل وهو عبد الله بن سلام على مثله أي على التوراة أنها نزلت من عند الله وهي مثل القرآن فلا يستنكر أن يكون القرآن نزل من عند الله لا سِيَّمَا والكتابان التوراة والقرآن يصدق بعضهما بعضاً، بدلالتهما معاً على أصول الدين كالتوحيد والبعث والجزاء بالثواب والعقاب ومكارم الأخلاق والعدل والوفاء بالعهد. {فَآمَنَ} هذا الشاهد {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} أي وكفرتم أنتم مستكبرين عن الإِيمان بالحق ألم تكونوا شر الناس وأظلمهم وتحرمون الهداية إن الله لا يهدي القوم الظالمين أي الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي فحرموها الهداية الإِلهية وقوله تعالى في الآية [11] {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} هذا القول جائز أن يقوله يهود المدينة للمؤمنين بها. وجائز أن يقوله المشركون في مكة وفي غيرها من العرب إذ المقصود هو الاعتذار عن عدم قبول الإِسلام بحجة أنه لا فائدة منه تعود عليهم في دنياهم ولا خير يرجونه منه إن دخلوا فيه إذ لو كان فيه ما يرجون من الفوائد المادية لاعتنقوه ودخلوا فيه ولم يسبقهم إليه الفقراء والمساكين. وهو معنى ما أخبر تعالى به عنهم في قوله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي في شأن الذين قالوا لو كان الإِسلام خيراً ما سبقونا إليه فآمنوا وكفرنا. وقوله تعالى {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} أي وإن ظهر عنادهم وعظم عتوهم واستكبارهم فعموا فلم يهتدوا بالقرآن فسيقولون {هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} وقد قالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ومعنى إفك قديم كذب أفكه غير محمد وعثر عليه فهو يقول به ما أفسد هذا القول وما أقبحه وأقبح قائله. وقوله تعالى {وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً} أي ومن قبل القرآن الذي أنكر المشركون نزوله كتاب موسى التوراة وقد أنزلناه عليه إماما يؤتم به فيقود المؤتمين به العاملين بهدايته إلى السعادة والكمال وأنزلنا اليوم القرآن هدى ورحمة وبشرى للمحسنين. وهو ما دل عليه قوله وهذا كتاب مصدق لما قبله من الكتب لسانا عربيا أي أنزلناه لسانا عربيا لينذر به رسولنا المنزل عليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم لينذر به الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي عذاب الله المترتب على تدسية النفوس بأوضار الشرك والمعاصي وهو بُشرى للمحسنين من المؤمنين الذي أحسنوا النية والعمل بالفوز العظيم يوم القيامة وهو النجاة من النار ودخول الجنة وقوله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ} بعد أن ذكر تعالى المبطلين وباطلهم عقّب على ذلك بذكر المحسنين وأعمالهم على نهج الترهيب والترغيب فأخبر تعالى أن الذين قالوا ربنا الله أي آمنوا وصرحوا بإِيمانهم وجاهروا به ثم استقاموا على منهج لا إله إلا الله فعبدوا الله بما شرع وتركوا عبادة غيره حتى ماتوا على ذلك هؤلاءَ يخبر تعالى عنهم أنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة فهم آمنون في الحيوات الثلاث، وبشرهم بالجنة فأخبر أنهم أصحابها الخالدون فيها، وأشار إلى أن ذلك الفوز والبشرى كانا نتيجة أعمالهم في الدنيا من الإِيمان والعمل الصالح الذين دل عليها قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- اعتبار الشهادة وإنها أدة يتوصل بها إلى إحقاق الحق وإبطال الباطل فلذا يشترط عدالة صاحبها والعدالة هي اجتناب الكبائر واتقاء الصغائر غالبا. 2- تقرير قاعدة من جهل شيئا عاداه، إذ المشركون لما لم يهتدوا بالقرآن قالوا هذا إفك قديم. 3- بيان تآخي وتلاقي الكتابين التوراة والقرآن فشهادة أحدهما للآخر أثبتت صحته. 4- وجوب تعلم العربية لمن أراد أن يحمل رسالة الدعوة المحمدية فينذر ويبشر. 5- فضل الاستقامة حتى قيل أنها خير من ألف كرامة، والاستقامة هي التمسك بالإِيمان والعبادة كما جاء بذلك القرآن وبينت السنة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَرَأَيْتُمْ} {إِسْرَائِيلَ} {فَآمَنَ} {ٱلظَّالِمِينَ} (10) - قُلْ يَا مُحمَّدُ لهؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الكَافِرِينَ بالقُرآنِ: أَخْبِرُوني عَنْ حَالِكُمْ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ هذا القُرآنَ مُنزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَعَالى، وأَنَّهُ لَيْسَ بِسِحْرٍ وَلا مُفْتَرًى عَلَى اللهِ كَمَا تَزْعمُونَ، ثُمَّ كَذَّبْتُمْ أَنْتُمْ بِهِ، وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ عُلَماءِ بَني إِسْرائِيلَ عَلَى أَنَّ هذا القُرآنَ مُنَزَّلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَآمَنَ هُوَ بِهِ، واسْتَكْبَرتُمْ أَنْتُمْ عَنِ الإِيمَانِ بِهِ، أَفَلا تَكُونُونَ أَضَلَّ النَّاسِ وأَظْلَمَهُمْ؟ وَاللهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمينَ. (وَقِيلَ إِنَّ هذا الشَّاهِدَ مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ هُوَ عبدُ اللهِ بنُ سَلاَّمٍ، وَكَانَ حَبراً مِنْ أَحْبَارِ اليَهُودِ ثُمَّ أَسْلَمَ).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {أَرَأَيْتُمْ ..} [الأحقاف: 10] أخبروني أنتم إن كنتم شاهدتم {إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ ..} [الأحقاف: 10] الجواب تقديره: ماذا يحدث لكم؟ والجواب معلوم: إنْ كان هذا القرآن من عند الله ومع ذلك كفرتُم به فلن تنالوا إلا غضبَ الله في الدنيا وعقابه في الآخرة. {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ ..} [الأحقاف: 10] الشاهد الذي شهد على صدق القرآن، وأنه من عند الله هو عبد الله بن سلام، وهو أحد أحبار اليهود وأسلم وشهد لمحمد وللقرآن. {عَلَىٰ مِثْلِهِ ..} [الأحقاف: 10] على مثل القرآن من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، فهو مثلها من عند الله يدعو إلى ما دعتْ إليه من عبادة الله وتوحيده، فكما نزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى نزل القرآنُ على محمد صلى الله عليه وسلم، وصفته ثابتة عندهم في التوراة. لذلك كان يقول عن رسول الله: والله لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لولدي ومعرفتي لمحمد أشد. نعم عرفه من العلامات التي وردت في كتبهم. يقول تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ..}تفسير : [البقرة: 89] أي: القرآن {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ ..}تفسير : [البقرة: 89] أي من قبل نزول القرآن {أية : يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..}تفسير : [البقرة: 89] لماذا؟ لأنه سيسحب بساط السيادة والسلطة من تحت أقدامهم. وقال أيضاً فيهم: {أية : وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ ..}تفسير : [المائدة: 13] وإنْ كان لهم عذر في النسيان فليس لهم عذر في كتمان الكتاب وتحريفه، بل كان منهم صنف {أية : يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}تفسير : [البقرة: 79]. إذن: اليهود نسُوا وكتموا وحرّفوا وبدّلوا، لكن الحق سبحانه وتعالى لا بُدَّ أنْ يُوقعهم في أشياء تدل على فعلهم وتكون منافذ للحق، فمثلاً في مسألة الذبيح عارضوا وقالوا: الذبيح إسحاق لا إسماعيل. والرد على هذا الادعاء أنْ نقول لهم: إنْ كان الذبيح إسحاق، فلِمَ شُرعتْ مناسك الفداء ورَمْي الجمرات هنا، ولم تُشرع في موطن إسحاق. وارجعوا إلى كتبكم أنتم، ففي التوراة في الأصحاح الرابع والعشرين قال الله لإبراهيم: يا إبراهيم اصعد بابنك الوحيد جبل المرية وقدِّمه قرباناً لله، وهل كان إسحاق وحيداً؟ وفي الأصحاح الذي بعده مباشرة يقول: لقد وُلد إسحاق وعُمْر إسماعيل أربعة عشر عاماً. إذن: كلامهم متناقض تماماً مع ما في كتبهم، وهذه منافذ للحق يُقيم بها الحجة عليهم. وقوله: {فَآمَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ ..} [الأحقاف: 10] أي: آمن هذا الشاهد في حين استكبرتم أنتم على قبول الحق، وسبق أن ذكرنا قصة إسلام عبد الله بن سلام، حديث : وأنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله لقد أُشربَ قلبي حُب الإسلام، ولكن اليهودَ قومٌ بهْت، فإذا علموا ذلك قالوا: فيَّ ما ليس فيَّ، فاسألهم عنى قبل أنْ أسلم. فلما اجتمعوا عند رسول الله سألهم: ماذا تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: هو سيدنا وابن سيدنا وحَبْرنا وابن حَبْرنا ومدحوه. عندها قال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا: بل كذاب وكذا وكذا، فضحك ابنُ سلام وقال: ألم أقُلْ لك يا رسول الله أنهم قوم بُهْت ؟ تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10] هذه الكلمة حَلَّتْ لنا إشكالاً وبيَّنتْ معنى الهداية، لأن البعض يقول: إذا كان الله قد حكم على الكافر بالكفر ولم يهْد القوم الظالمين فلِمَ يُعذّبهم؟ وهذه مغالطة. ولو كان السؤال منطقياً لأكمل الصورة، فقال: ولِمَ يثيب الطائع وقد كتب له الطاعة؟ وسبق أنْ أوضحنا في هذه المسألة أن الله تعالى هدى الجميع هدايةَ دلالة وإرشاد، وهذا القسم يشمل المؤمن والكافر، والطائع والعاصى، فقد دلّ الله الجميع وبيَّن لهم الطريق المستقيم، فمن أخذ بهذه الهداية وسار على نورها استحقَّ من الله المزيد. {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}تفسير : [محمد: 17] وهذا النوع هو النوع الثاني من الهداية، وهي هداية المعونة والتوفيق. فقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10] يعني: لا يهديهم هدايةَ معونة، لذلك قال عن ثمود: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ..}تفسير : [فصلت: 17] أي: هديناهم هدايةَ دلالة وإرشاد فاستحبُّوا العمى والضلال وفضّلوه على الهدى فأعانهم الله عليهم، كما أعان أهل الهدى على هداهم. وتذكرون المثل الذي ضربناه سابقاً لتوضيح هذه القضية قلنا: لو أنك سألتَ رجل المرور مثلاً عن الطريق فدلَّك عليه فأخذتَ بقوله وشكرتَه فإنه يزيدك إرشاداً، وربما ذهب معك حتى يُوصِّلك إلى غايتك. إذن: الحق سبحانه لا يهدي القوم الظالمين بسبب ظلمهم، ولا يهدي القوم الفاسقين بسبب فِسْقهم، ولا يهدي القوم الكافرين بسبب كفرهم. وقبل أن نتجاوز هذه الآية ينبغي أنْ نذكر هنا أن عبد الله بن سلام قبل أنْ يعلن إسلامه سأل رسول الله عن أشياء ثلاثة، أراد بها أنْ يستوثق من صدق رسول الله، فقال له: ما شرط الساعة أو علامتها؟ قال: نار تخرج من قِبَل المشرق فتحشرهم إلى المغرب. قال: ما أول ما يأكل أهل الجنة؟ قال زيادة كبد الحوت، قال: متى ينزع الولد إلى أبيه؟ ومتى ينزع إلى أمه؟ أو: متى يأتي الولد ومتى تأتي الأنثى؟ قال صلى الله عليه وسلم: حديث : إذا سبق ماءُ الرجل نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماءُ المرأة نزع الولد إلى أمه . تفسير : وهذه المسألة الأخيرة أثبتها العلم الحديث وأثبتتها الأبحاث، ودلَّتْ على الإعجاز في الحديث النبوي الشريف وعلى صدقه صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن الرجل والمرأة شركة في عملية الإنجاب. البعض يتصور أن العملية الجنسية هي التي تأتي بالولد، لا فما هي إلا إثارة تُمكِّن الرجل من إخراج الميكروب المنوي، أما ماء المرأة فلا دخْلَ له في الإنجاب، كيف؟ لأن البويضة التي تحتضن الميكروب، لها مواعيد تنزل فيها بصرف النظر عن العملية الجنسية، فهي موجودة إذن بطبيعة الحال، فإنْ صادفت وجودها عملية جنسية تسابق ماءُ الرجل إليها وهي في مكانها. إذن: لا دخْلَ للبويضة في تحديد النوع كما أثبت العلم الحديث. وإذا فهمنا المعنى اللغوي لكلمة (سبق) تأكدنا من موافقة الحديث النبوي للعلم، فالسبق يعني انطلاق المتسابقين من مكان واحد، فنقطة الاندفاع واحدة إذن. نفهم من هذا أن التسابق بين الحيوان المنوي الذي يُمثِّل الذكورة والحيوان المنوي الذي يُمثِّل الأنوثة، فأيهما سبق كان النوع له، وعليه فدوْر المرأة أنها حاضنة لا يُلقيه الرجل. صحيح أن القرآن جاء كتابَ عقائد ومنهج وتشريع، وهو أيضاً كتابُ إعجاز يمسّ الكونيات بقدر ما تتسع له العقول، وخصوصاً أنه نزل في أمة أمية، وهل بالله كان من الممكن أنْ يُقال في هذه الأمة إن الأرض كروية، لو قلنا هذا في هذا الوقت لقالوا: كذب. لذلك يأتي القرآن بهذه الحقائق الكونية يُغلفها ليُؤجل فهمها إلى أنْ تنضج العقول وتستطيع إدراك هذه الحقائق، ويترك للزمن وأحداثه أنْ يشرح هذه الآيات، فإذا ما توصَّلنا إليها وجدنا لها دليلاً ونصاً من كلام الله. وهل فهم العرب الذين استقبلوا القرآن معنى قوله تعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ ..}تفسير : [النمل: 88]؟ الجبال نراها في الواقع ثابتة مستقرة، فمعنى مرورها أنها تدور بدوران الأرض. ونقرأ: {أية : يُكَوِّرُ ٱللَّيْـلَ عَلَى ٱلنَّهَـارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّـهَارَ عَلَى ٱللَّيْلِ ..}تفسير : [الزمر: 5] إذن: الأرض شبه كرة تدور. أعطانا الحق سبحانه هذه المعاني مغلفة حتى لا تفاجىء الناس فينصرفوا عن القرآن. فهذا الكون كله بآياته الكونية هو الذي يشرح لنا معنى قوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ..}تفسير : [فصلت: 53] والسين كما تعلمون تدل على الاستقبال. وهذا يعني أن هذه الآية سيظلّ معناها قائماً وله مددٌ من الآيات إلى قيام الساعة، بحيث تتجلى الآيات وفقَ ما يتناسب وعقول الناس وتطوّر علومهم وإمكاناتهم. وقد شرح القرآن الكريم مسألة خَلْق الإنسان، وشرح معنى كلمة الرسول صلى الله عليه وسلم "إذا سبق ماءُ الرجل .." واقرأ قوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ}تفسير : [القيامة: 37]. والنطفة هي الميكروب الذي يحمل الذكورة أو الأنوثة، والمنيُّ هو السائل الذي يعيش فيه هذا المكيروب، والمني من الرجل لا من المرأة. وهذا ما أثبته العلم، لذلك سماه العلماء x ,xy يعني: الاثنان من الرجل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ...}.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما أقر رأيهم على أن القرآن مختلق من عندك، افتريته على الله، أو سحر نسبته إلى مالله تغريراً وترويجاً: {أَرَأَيْتُمْ} أخبروني أن {كَانَ} القرآن {مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} العليم العلام {وَكَفَرْتُمْ بِهِ} بلا مستند لكم في تكذيبه وإنكاره {وَ} الحال أنه قد {شَهِدَ شَاهِدٌ} حبر ماهر {مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} عالم بالتوراة {عَلَىٰ مِثْلِهِ} أي: على مثل ما في القرآن، يعني: أقر واعترف عبد الله بن سلام أنه قرأ في التوراة أحكاماً وأوامر مثل في القرآن، ووجد فيها من أوصاف القرآن ما يلجئه إلى الإيمان به {فَآمَنَ} به وصدق من أنزل إليه، وامتثل بما فيه {وَٱسْتَكْبَرْتُمْ} أنتم عن الإيمان والقبول، بل كذبتم به، وأنكرتم عليه ألستم قوماً ضالين ظالمين؟! {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على ما في استعدادات عباده {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10] الخارجين عن مقتضى حدوده إلى زلال هدايته وتوحيده. {وَ} من شدة شقاقهم ونفاقهم {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: لأجلهم وفي حقهم {لَوْ كَانَ} الإيمان وبما أتى به محمد من الدين {خَيْراً} مما نحن عليه {مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} بأنواع الكرامة والجاه والثورة إذا هو ومن تبعه كلهم أراذل سقاط رعاة فقراء، فاقدين لوجه الكفاف، ونحن أغبياء ذوو الحظ من الناس، إنما قالته قريش حين افتخروا على المؤمنين وقصدوا إضلالهم وإذلالهم {وَ} لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبعنادهم بك وبكتابك {إِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} أي: بالقرآن {فَسَيَقُولُونَ} من جهلهم وضلالهم: {هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11] وأساطير الأولين. {وَ} عليك يا أكمل الرسل أن لا تلتفت إلى هذياناتهم وأباطيلهم؛ إذ جاء {مِن قَبْلِهِ} أي: قبل كتابك {كِتَابُ مُوسَىٰ} أي: التوراة حال كونه {إِمَاماً} مقتدى لقاطبة الأنام {وَرَحْمَةً} شاملة فوائدها على كافة الخواص والعوام {وَهَـٰذَا} الكتاب الذي نزل عليك يا أكمل الرسل {كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ} لجميع ما مضى من الكتب السالفة {لِّسَاناً عَرَبِيّاً} أسلوباً ونظماً، إنما جاء كذلك {لِّيُنذِرَ} التفسير هنا على قراءة ابن عامر ونافع وغيرهما بما فيه من الوعيدات الهائلة {ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} خرجوا عن مقتضى العدالة الإلهية بمتابعة آرائهم الباطلة المنحرفة عن صراط الحق الحقيق بالإطاعة والاتبا {وَ} ليصير {بُشْرَىٰ} بما فيه من أنواع المواعيد الدالة على كرامة الحق وإحسانه {لِلْمُحْسِنِينَ} [الأحقاف: 12] من خلص عباده.

همام الصنعاني

تفسير : 2843- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ}: [الآية: 10]، قال هو عبد الله بن سلام.