Verse. 452 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

فَبِمَا رَحْمَۃٍ مِّنَ اللہِ لِنْتَ لَھُمْ۝۰ۚ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيْظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوْا مِنْ حَوْلِكَ۝۰۠ فَاعْفُ عَنْھُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَھُمْ وَشَاوِرْھُمْ فِي الْاَمْرِ۝۰ۚ فَاِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَي اؘ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِيْنَ۝۱۵۹
Fabima rahmatin mina Allahi linta lahum walaw kunta faththan ghaleetha alqalbi lainfaddoo min hawlika faoAAfu AAanhum waistaghfir lahum washawirhum fee alamri faitha AAazamta fatawakkal AAala Allahi inna Allaha yuhibbu almutawakkileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فبما رحمة من الله لِنْتَ» يا محمد «لهم» أي سهلت أخلاقك إذ خالفوك «ولو كنت فظا» سيء الخُلُق «غليظ القلب» جافيا فأغلظت لهم «لا نفضُّوا» تفرقوا «من حولك فاعف» تجاوز «عنهم» ما أتوه «واستغفر لهم» ذنوبهم حتى أغفر لهم «وشاورهم» استخرج آراءهم «في الأمر» أي شأنك من الحرب وغيرة تطيبيا لقلوبهم ولستن بك وكان صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لهم. (فإذا عزمت) على إمضاء ما تريد بعد المشاورة «فَتوكَّلْ على الله» ثق به لا بالمشاورة «إن الله يحب المتوكلين» عليه.

159

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن القوم لما انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ثم عادوا لم يخاطبهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتغليط والتشديد، وإنما خاطبهم بالكلام اللين، ثم إنه سبحانه وتعالى لما أرشدهم في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وكان من جملة ذلك أن عفا عنهم، زاد في الفضل والاحسان بأن مدح الرسول صلى الله عليه وسلم على عفوه عنهم، وتركه التغليظ عليهم فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } ومن أنصف علم أن هذا ترتيب حسن في الكلام. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن لينه صلى الله عليه وسلم مع القوم عبارة عن حسن خلقه مع القوم قال تعالى: {أية : وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 215] وقال: {خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِض عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ }، وقال: {أية : وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } تفسير : [القلم: 4] وقال: {أية : لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ َرَؤوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128] وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا حلم أحب إلى الله تعالى من حلم إمام ورفقه ولا جهل أبغض الى الله من جهل إمام وخرقه» تفسير : فلما كان عليه الصلاة والسلام إمام العالمين، وجب أن يكون أكثرهم حلما وأحسنهم خلقاً. وروي أن امرأة عثمان دخلت عليه صلى الله عليه وسلم، وكان النبي وعلي يغسلان السلاح، فقالت: ما فعل ابن عفان؟ أما والله لا تجدونه إمام القوم، فقال لها علي: ألا إن عثمان فضح الزمان اليوم، فقال عليه الصلاة والسلام «مه» وروي أنه قال حيئنذ: أعياني أزواج الأخوات أن يتحابوا، ولما دخل عليه عثمان مع صاحبيه ما زاد على أن قال: «حديث : لقد ذهبتم فيها عريضة» تفسير : وروي عن بعض الصحابة أنه قال: لقد أحسن الله إلينا كل الاحسان، كنا مشركين، فلو جاءنا رسول الله بهذا الدين جملة، وبالقرآن دفعة لثقلت هذه التكاليف علينا، فما كنا ندخل في الاسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة واحدة، فلما قبلناها وعرفنا حلاوة الايمان، قبلنا ما وراءها كلمة بعد كلمة على سبيل الرفق إلى أن تم الدين وكملت الشريعة. وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إنما أنا لكم مثل الوالد فاذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» تفسير : واعلم أن سر الأمر في حسن الخلق أمران: اعتبار حال القائل، واعتبار حال الفاعل، أما اعتبار حال القائل فلأن جواهر النفوس مختلفة بالماهية، كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الأرواح جنود مجندة» تفسير : وقال: «حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة» تفسير : وكما أنها في جانب النقصان تنتهي إلى غاية البلادة والمهانة والنذالة، واستيلاء الشهوة والغضب عليها واستيلاء حب المال واللذات، فكذلك في جانب الكمال قد تنتهي إلى غاية القوة والجلالة، أما في القوة النظرية فيكون كما وصفه الله تعالى بقوله: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ } تفسير : [النور: 35] وقوله: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } تفسير : [النساء: 113] وأما في القوة العملية، فكما وصفه الله بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ } كأنها من جنس أرواح الملائكة، فلا تنقاد للشهوة ولا تميل لدواعي الغضب، ولا تتأثر من حب المال والجاه، فان من تأثر عن شيء كان المتأثر أضعف من المؤثر، فالنفس إذا مالت إلى هذه المحسوسات كانت روحانياتها أضعف من الجسمانيات، وإذا لم تمل إليها ولم تلتفت إليها كانت روحانياتها مستعلية على الجسمانيات، وهذه الخواص نظرية، وكانت نفسه المقدسة في غاية الجلالة والكمال في هذه الخصال. وأما اعتبار حال الفاعل فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب» تفسير : فإنه يعلم أن الحوادث الأرضية مستندة إلى الأسباب الإلهية، فيعلم أن الحذر لا يدفع القدر، فلا جرم إذا فاته مطلوب لم يغضب، وإذا حصل له محبوب لم يأنس به، لأنه مطلع على الروحانيات التي هي أشرف من هذه الجسمانيات، فلا ينازع أحداً من هذا العالم في طلب شيء من لذاتها وطيباتها، ولا يغضب على أحد بسبب فوت شيء من مطالبها، ومتى كان الانسان كذلك كان حسن الخلق، طيب العشرة مع الخلق، ولما كان صلوات الله وسلامه عليه أكمل البشر في هذه الصفات الموجبة لحسن الخلق، لا جرم كان أكمل الخلق في حسن الخلق. المسألة الثانية: احتج أصحابنا في مسألة القضاء والقدر بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } وجه الاستدلال أنه تعالى بين أن حسن خلقه مع الخلق، إنما كان بسبب رحمة الله تعالى، فنقول: رحمة الله عند المعتزلة عامة في حق المكلفين، فكل ما فعله مع محمد عليه الصلاة والسلام من الهداية والدعوة والبيان والارشاد، فقد فعل مثل ذلك مع إبليس وفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب، فإذا كان على هذا القول كل ما فعله الله تعالى مع المكلفين في هذا الباب مشتركا فيه بين أصفى الأصفياء، وبين أشقى الأشقياء لم يكن اختصاص بعضهم بحسن الخلق وكمال الطريقة مستفاداً من رحمة الله، فكان على هذا القول تعليل حسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام برحمة الله باطلا، ولما كان هذا باطلا علمنا أن جميع أفعال العباد بقضاء الله وبقدره، والمعتزلة يحملون هذا على زيادة الألطاف وهذا في غاية البعد، لأن كل ما كان ممكناً من الألطاف، فقد فعله في حق المكلفين، والذي يستحقه المكلف بناء على طاعته من مزيد الألطاف، فذاك في الحقيقة إنما اكتسبه من نفسه لا من الله، لأنه متى فعل الطاعة استحق ذلك المزيد من اللطف، ووجب إيصاله إليه، ومتى لم يفعل امتنع إيصاله، فكان ذلك للعبد من نفسه لا من الله. المسألة الثالثة: ذهب الأكثرون الى أن (ما) في قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } صلة زائدة ومثله في القرآن كثير، كقوله: {عَمَّا قَلِيلٍ } و{أية : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ }تفسير : [ص: 11] {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم }تفسير : [النساء: 155، المائدة: 13] {أية : مما خطيئاتهم } تفسير : [نوح: 25] قالوا: والعرب قد تزيد في الكلام للتأكيد على ما يستغنى عنه، قال تعالى: {أية : فَلَمَّا أَن جَاء ٱلْبَشِيرُ } تفسير : [يوسف: 96] أراد فلما جاء، فأكد بأن، وقال المحققون: دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائر، وههنا يجوز أن تكون (ما) استفهاما للتعجب تقديره: فبأي رحمة من الله لنت لهم، وذلك لأن جنايتهم لما كانت عظيمة ثم إنه ما أظهر ألبتة، تغليظا في القول، ولا خشونة في الكلام، علموا أن هذا لا يتأتى الا بتأييد رباني وتسديد إلهي، فكان ذلك موضع التعجب من كمال ذلك التأييد والتسديد، فقيل: فبأي رحمة من الله لنت لهم، وهذا هو الأصوب عندي. المسألة الرابعة: اعلم أن هذه الآية دلت على أن رحمة الله هي المؤثرة في صيرورة محمد عليه الصلاة والسلام رحيما بالأمة، فاذا تأملت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أنه لا رحمة الا لله سبحانه، والذي يقرر ذلك وجوه: أحدها: أنه لولا أن الله ألقى في قلب عبده داعية الخير والرحمة واللطف لم يفعل شيئاً من ذلك، وإذا ألقى في قلبه هذه الداعية فعل هذه الأفعال لا محالة، وعلى هذا التقدير فلا رحمة إلا لله: وثانيها: أن كل رحيم سوى الله تعالى فانه يستفيد برحمته عوضا، إما هربا من العقاب، أو طلبا للثواب، أو طلبا للذكر الجميل، فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأمور كان السبب هو الرقة الجنسية، فإن من رأى حيوانا في الألم رق قلبه، وتألم بسبب مشاهدته إياه في الألم، فيخلصه عن ذلك الألم دفعا لتلك الرقة عن قلبه، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم ألبتة، أما الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يرحم لا لغرض من الأغراض، فلا رحمة إلا لله، وثالثها: أن كل من رحم غيره فإنه إنما يرحمه بأن يعطيه مالا، أو يبعد عنه سببا من أسباب المكروه والبلاء، إلا أن المرحوم لا ينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الأعضاء، وهي ليست إلا من الله تعالى، فلا رحمة في الحقيقة إلا لله، وأما في الظاهر فكل من أعانه الله على الرحمة سمي رحيما، قال عليه السلام: «حديث : الراحمون يرحمهم الرحمن» تفسير : وقال في صفة محمد عليه السلام: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رؤوفٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [التوبة: 128] ثم قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ }. واعلم أن كمال رحمة الله في حق محمد صلى الله عليه وسلم أنه عرفه مفاسد الفظاظة والغلظة وفيه مسائل. المسألة الأولى: قال الواحدي: رحمه الله تعالى: الفظ، الغليظ الجانب السيء الخلق، يقال: فظظت تفظ فظاظة فأنت فظ، وأصله فظظ، كقوله: حذر من حذرت، وفرق من فرقت، الا أن ما كان من المضاعف على هذا الوزن يدغم نحن رجل صب، وأصله صبب، وأما «الفض» بالضاد فهو تفريق الشيء، وانفض القوم تفرقوا، قال تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11] ومنه: فضضت الكتاب، ومنه يقال: لا يفضض الله فاك. فان قيل: ما الفرق بين الفظ وبين غليظ القلب؟ قلنا: الفظ الذي يكون سيء الخلق، وغليظ القلب هو الذي لا يتأثر قلبه عن شيء، فقد لا يكون الانسان سيء الخلق ولا يؤذي أحدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم، فظهر الفرق من هذا الوجه. المسألة الثانية: أن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله الى الخلق، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا مالت قلوبهم إليه وسكنت نفوسهم لديه، وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما كريما، يتجاوز عن ذنبهم، ويعفو عن إساءتهم، ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسول مبرأ عن سوء الخلق، وكما يكون كذلك وجب أن يكون غير غليظ القلب، بل يكون كثير الميل الى إعانة الضعفاء، كثير القيام بإعانة الفقراء، كثير التجاوز عن سيآتهم، كثير الصفح عن زلاتهم، فلهذا المعنى قال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة. وحمل القفال رحمه الله هذه الآية على واقعة أحد قال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } يوم أحد حين عادوا إليك بعد الانهزام {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ } وشافهتهم بالملامة على ذلك الانهزام لانفضوا من حولك، هيبة منك وحياء بسبب ما كان منهم من الانهزام، فكان ذلك مما لا يطمع العدو فيك وفيهم. المسألة الثالثة: اللين والرفق إنما يجوز إذا لم يفض الى إهمال حق من حقوق الله، فأما إذا أدى الى ذلك لم يجز، قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 73] وقال للمؤمنين في إقامة حد الزنا: {أية : وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } تفسير : [النور: 2]. وههنا دقيقة أخرى: وهي أنه تعالى منعه من الغلظة في هذه الآية، وأمره بالغلظة في قوله: {وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } فههنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين، وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين، فهو كقوله: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 54] وقوله: {أية : أَشِدَّاء عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ } تفسير : [الفتح: 29] وتحقيق القول فيه أن طرفي الإفراط والتفريط مذمومان، والفضيلة في الوسط، فورود الأمر بالتغليظ تارة، وأخرى بالنهي عنه، إنما كان لأجل أن يتباعد عن الافراط والتفريط، فيبقى على الوسط الذي هو الصراط المستقيم، فلهذا السر مدح الله الوسط فقال: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143]. ثم قال تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } واعلم أنه تعالى أمره في هذه الآية بثلاثة أشياء: أولها: بالعفو عنهم وفيه مسائل. المسألة الأولى: أن كمال حال العبد ليس إلا في أن يتخلق بأخلاق الله تعالى، قال عليه السلام: «حديث : تخلقوا بأخلاق الله» تفسير : ثم إنه تعالى لما عفا عنهم في الآية المتقدمة أمر الرسول أيضا أن يعفو عنهم ليحصل للرسول عليه السلام فضيلة التخلق بأخلاق الله. المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف»: (فاعف عنهم) فيما يتعلق بحقك (واستغفر لهم) فيما يتعلق بحق الله تعالى. المسألة الثالثة: ظاهر الأمر للوجوب، والفاء في قوله تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ } يدل على التعقيب، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال، وهذا يدل على كمال الرحمة الإلهية حيث عفا هو عنهم، ثم أوجب على رسوله أن يعفو في الحال عنهم. واعلم أن قوله: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ } إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام، ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم، بل ندبهم إليه فقال تعالى: {أية : وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 134] ليعلم أن حسنات الأبرار سيآت المقربين. وثانيها: قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب الكبائر، وذلك لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى: {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } إلى قوله: {أية : فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنفال: 16] فثبت أن انهزام أهل أحد كان من الكبائر، ثم إنه تعالى نص في الآية المتقدمة على أنه عفا عنهم وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالعفو عنهم، ثم أمره بالاستغفار لهم، وذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ } أمر له بالاستغفار لأصحاب الكبائر، وإذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه إليه، لأن ذلك لا يليق بالكريم، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يشفع محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا في حق أصحاب الكبائر، فبأن يشفعه في حقهم في القيامة كان أولى. المسألة الثالثة: أنه سبحانه وتعالى عفا عنهم أولا بقوله: {أية : وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ } تفسير : [آل عمران: 155] ثم أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالاستغفار لهم ولأجلهم، كأنه قيل له: يا محمد استغفر لهم فإني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم، واعف عنهم فإني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم، وهذا يدل على كمال رحمة الله لهذه الأمة، وثالثها: قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: يقال: شاورهم مشاورة وشواراً ومشورة، والقوم شورى، وهي مصدر سمي القوم بها كقوله: {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ } تفسير : [الإسراء: 47] قيل: المشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته، وقيل مأخوذة من قولهم: شرت الدابة شورا إذا عرضتها، والمكان الذي يعرض فيه الدواب يسمى مشواراً، كأنه بالعرض يعلم خيره وشره، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها. المسألة الثانية: الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول بمشاورتهم وجوه: الأول: أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم ورفعة درجتهم، وذلك يقتضي شدة محبتهم له وخلوصهم في طاعته، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم فيحصل سوء الخلق والفظاظة. الثاني: أنه عليه السلام وإن كان أكمل الناس عقلا إلا أن علوم الخلق متناهية، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله، لا سيما فيما يفعل من أمور الدنيا فإنه عليه السلام قال: «حديث : أنتم أعرف بأمور دنياكم وأنا أعرف بأمور دينكم» تفسير : ولهذا السبب قال عليه السلام: «حديث : ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم»تفسير : الثالث: قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته. الرابع: أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أحد فأشاروا عليه بالخروج، وكان ميله إلى أن يخرج، فلما خرج وقع ما وقع، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر. فأمره الله تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم ليدل على أنه لم يبق في قلبه أثر من تلك الواقعة. الخامس: وشاورهم في الأمر، لا لتستفيد منهم رأياً وعلما، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم ومقادير حبهم لك وإخلاصهم في طاعتك فحينئذ يتميز عندك الفاضل من المفضول فبين لهم على قدر منازلهم. السادس: وشاورهم في الأمر لا لأنك محتاج إليهم، ولكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات. وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد. السابع: لما أمر الله محمدا عليه السلام بمشاورتهم دلَّ ذلك على أن لهم عند الله قدراً وقيمة، فهذا يفيد أن لهم قدرا عند الله وقدرا عند الرسول وقدرا عند الخلق. الثامن: الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين عنده، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم، فربما خطر ببالهم أن الله تعالى وإن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة، فبين الله تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة، بل أنا أزيد فيها، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم، لتعلموا أنكم الآن أعظم حالا مما كنتم قبل ذلك، والسبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعولون على أعمالكم وطاعتكم، والآن تعولون على فضلي وعفوي، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظم مما كان قبل ذلك، لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم وكرمي أكثر من طاعتكم. والوجوه الثلاثة الأول مذكورة، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. المسألة الثالثة: اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس، فأما ما لا نص فيه فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا؟ قال الكلبي وكثير من العلماء: هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب وحجته أن الألف واللام في لفظ «الأمر» ليسا للاستغراق، لما بين أن الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه، فوجب حمل الألف واللام ههنا على المعهود السابق، والمعهود السابق في هذه الآية إنما هو ما يتعلق بالحرب ولقاء العدو، فكان قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ } مختصا بذلك، ثم قال القائلون بهذا القول: قد أشار الحباب بن المنذر يوم بدر على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء فقبل منه، فأشار عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا، فقبل منهما وخرق الصحيفة، ومنهم من قال: اللفظ عام خص عنه ما نزل فيه وحي فتبقى حجته في الباقي، والتحقيق في القول أنه تعالى أمر أولي الأبصار بالاعتبار فقال: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ }تفسير : [الحشر: 2] وكان عليه السلام سيد أولي الأبصار، ومدح المستنبطين فقال:{أية : لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ }تفسير : [النساء: 83] وكان أكثر الناس عقلا وذكاء، وهذا يدل على أنه كان مأمورا بالاجتهاد إذا لم ينزل عليه الوحي، والاجتهاد يتقوى بالمناظرة والمباحثة فلهذا كان مأمورا بالمشاورة. وقد شاورهم يوم بدر في الأساري وكان من أمور الدين، والدليل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس أن النص كان لعامة الملائكة في سجود آدم، ثم إن ابليس خص نفسه بالقياس وهو قوله: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تفسير : [الأعراف: 12] فصار ملعونا، فلو كان تخصيص النص بالقياس جائزا لما استحق اللعن بهذا السبب. المسألة الرابعة: ظاهر الأمر للوجوب فقوله: {وَشَاوِرْهُمْ } يقتضي الوجوب، وحمل الشافعي رحمه الله ذلك على الندب فقال هذا كقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : البكر تستأمر في نفسها» تفسير : ولو أكرهها الأب على النكاح جاز، لكن الأولى ذلك تطييبا لنفسها فكذا ههنا. المسألة الخامسة: روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورته في هذه الآية أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعندي فيه إشكال، لأن الذين أمر الله رسوله بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم وهم المنهزمون، فهب أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآية، إلا أن أبا بكر ما كان منهم فكيف يدخل تحت هذه الآية، والله أعلم. ثم قال: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: المعنى أنه إذا حصل الرأي المتأكد بالمشورة فلا يجب أن يقع الاعتماد عليه بل يجب أن يكون الاعتماد على إعانة الله وتسديده وعصمته، والمقصود أن لا يكون للعبد اعتماد على شيء إلا على الله في جميع الأمور. المسألة الثانية: دلت الآية على أنه ليس التوكل أن يهمل الانسان نفسه، كما يقوله بعض الجهال، وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، بل التوكل هو أن يراعي الانسان الأسباب الظاهرة، ولكن لا يعول بقلبه عليها، بل يعول على عصمة الحق. المسألة الثالثة: حكي عن جابر بن زيد أنه قرأ {فَإِذَا عَزَمْتَ } بضم التاء، كأن الله تعالى قال للرسول إذا عزمت أنا فتوكل، وهذا ضعيف من وجهين: الأول: وصف الله بالعزم غير جائز، ويمكن أن يقال: هذا العزم بمعنى الايجاب والالزام، والمعنى وشاورهم في الأمر، فاذا عزمت لك على شيء وأرشدتك إليه. فتوكل علي، ولا تشاور بعد ذلك أحدا. والثاني: أن القراءة التي لم يقرأ بها أحد من الصحابة لا يجوز إلحاقها بالقرآن، والله أعلم. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ } والغرض منه ترغيب المكلفين في الرجوع الى الله تعالى والإعراض عن كل ما سوى الله.

القرطبي

تفسير : «ما» صلةٌ فيها معنى التأكيد، أي فبرحمة؛ كقوله: {عَمَّا قَلِيلِ} {فِبمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ} {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ} وليست بزائدة على الإطلاق، وإنما أطلق عليها سيبوية معنى الزيادة من حيث زال عملها. ابن كَيْسان: «ما» نكرة في موضع جر بالياء {رَحْمَةٍ} بَدلٌ منها. ومعنى الآية: أنه عليه السلام لما رَفَق بمن تولى يوم أُحُد ولم يُعَنِّفْهُمْ بيّن الرّبُّ تعالى أنه إنما فَعَل ذلك بتوفيق الله تعالى إيّاه. وقيل: «ما» اسْتِفْهَامٌ. والمعنى: فَبِأي رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُم؛ فهو تعجب. وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لو كان كذلك لكان «فبم» بغير ألف. {لِنتَ} مِنَ لاَنَ يَلِينُ لِيناً وَلَيَناً بالفتح. والْفَظُّ الْغَليظُ الجَافي. فَظِظْتَ تَفِظُّ فَظَاظَةً وفِظَاظاً فأنت فَظٌّ. والأنثى فَظَّةٌ والجمع أفْظَاظ. وفي صفة النبيّ عليه السلام ليس بفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخَّابٍ في الأسواق؛ وأَنشَدَ المُفَضّل في المذكر:شعر : وليس بفَظٍّ في الأَدَاني والأَولى يَؤُمُّون جَدْوَاهُ ولكنّه سَهْلُ وفَظٌّ على أعدائِهِ يَحْذَرُنَهُ فَسَطْوَتُهُ حَتْفٌ ونائِلهُ جَزْلُ تفسير : وقال آخرُ في المُؤنَّثِ:شعر : أَموتُ مِن الضُّرِّ في منزلي وغيري يموتُ من الكِظَّهْ ودُنْيَا تَجودُ على الجاهليـ ـن وهْي على ذي النُّهىَ فَظَّه تفسير : وغِلَظُ القلب عِبارةٌ عن تَجَهُّم الوجه، وقِلّةِ الانْفِعَالَ في الرَّغائِبِ، وقِلّة الإشْفَاقِ والرّحمة، ومن ذلك قولُ الشّاعر:شعر : يُبْكى عَلَيْنَا ولا نَبْكي على أَحدٍ؟ لَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبَاداً من الإبلِ تفسير : ومَعَنى {لاَنْفَضُّواْ} لتفرقوا؛ فضضتهم فانفضّوا، أي فرّقتهم فتفرقوا؛ ومن ذلك قول أبي النّجم يصف إبلا:شعر : مستعجلات القيض غير جُرْد ينفضّ عنهنّ الحَصَى بالصَّمْد تفسير : وأصل الفض الكسر، ومنه قولهم: لا يفْيضُض الله فَاكَ. والمَعنى: يا محمدُ لولا رفقُك لَمَنَعَهِم الاحتِشَامُ والهيبةُ من القربِ منك بعد ما كان من تَوَلِّيهم. قوله تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} فيه ثمان مسائل: الأولى ـ قال العلماء: أمرَ الله تعالى نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ؛ وذلك أنه أمره بأن يَعفُوا عنهم ما له في خاصّته عليهم من تَبِعةٍ؛ فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تَبِعَة أيضا، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أَهْلاً للاستشارة في الأمور. قال أهل اللغة. الاستشارة مأخوذة من قول العرب: شُرْتُ الدابة وشوّرتُها إذا علمت خبرها بجري أو غيره. ويقال للموضع الذي تركُضُ فيه: مِشوَار. وقد يكون من قولهم: شُرْت العسَل واشْتَرْتهُ فهو مَشوُر وَمُشْتار إذا أخذته من موضعه، قال عَدي بنُ زَيد:شعر : في سَمَاع يأذَنُ الشَّيْخُ له وحَديثٍ مْثلِ مَاذِيٍّ مُشَار تفسير : الثانية: قال ابنُ عَطِية: والشُّورَى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام؛ من لا يَسْتشِيرُ أهلَ العِلم والدِّين فَعزْلُهُ واجبٌ. هذا ما لاَ خلاف فيه. وقد مَدَح الله المُؤمنين بقوله: {أية : وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} تفسير : [الشورىٰ: 38] قال أَعْرَابيٌ: ما غُبِنْتُ قَطٌّ حتى يُغْبَنَ قومي؛ قيل: وكيف ذلك؟ قال لا أَفْعَل شيئا حتى أُشَاوِرهُم. وقال ابنُ خُوَيْزٍ مَنْدَاد: واجب على الوُلاَةِ مشاورَةُ العلماء فيما لا يَعْلَمُونِ، وفيما أَشْكَل عليهم من أُمور الدِّين، ووُجوه الجَيش فيما يتعَلَّقُ بالحرب، ووجوه الناس فيما يَتَعَلَّقُ بالمصالح، ووُجُوهِ الكُتَّابِ والوزراءِ والعُمَالِ فيما يتعلّقُ بِمصالح البلاد وعِمَارتها. وكان يقال: ما ندم من استشار. وكان يُقال: من أُعْجِبَ برأيهِ ضَلّ. الثالثة: قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} يَدُلُّ على جواز الاجتهاد في الأمُور والأخذ بالظُّنونِ مع إمكان الوَحْي؛ فإن الله أَذِن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك. واختَلَف أهل التأويل في المعنى الذي أمَرَ الله نبيَّهُ عليه السلام أن يُشَاورَ فيه أَصحابَه؛ فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحُروب، وعند لِقَاء العَدُوه، وتطييبا لِنُفُوسهم، ورَفُعاً لأَقدارِهم، وتأَلُّفاً على دينهم، وإنْ كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوَحيْه. رُوي هذا عن قتادة والربيع وابن إسحاق والشافعي. قال الشافعي: هو كقوله: «والبِكر تُسْتَأَمَرُ» تطيبا لقلبها؛ لا أَنَّه واجبٌّ. وقال مُقَاتِلُ وقَتَادةُ والربيع: كانت سَاداتُ العرب إذا لم يُشَاوَرُوا في الأمْر شَقّ عليهم: فأمر الله تعالى؛ نبيّه عليه السلام أن يُشَاوِرَهم في الأمر: فإن ذلك أَعْطَفُ لهم عليه وأذهَبُ لأضغانهم، وأَطيبُ لنفوسهم. فإذا شاورَهم عَرَفُوا إكرامَة لهم. وقال ٱخرون: ذلك فيما لم يأته فيه وَحْيٌّ. رُوي ذلك عن الحسن البصري والضحاك قالا: ما أمَرَ الله تعالى نبيه بالمُشَاوِرة لحاجةٍ منه إلى رأيهم، وإنما أراد أن يُعلَّمَهُم ما في المُشَاوَرةِ من الفضل، ولِتَقْتدي به أُمته من بعده، وفي قراءة ابن عباس: «وَشَاوِرْهُمْ في بعضِ الأمْرِ» ولقد أحسن القائل:شعر : شَاوِر صديقَكَ في الخفَي المُشْكل واقبَل نصيحَةَ ناصِح مُتَفضِّلِ فاللهُ قد أَوْصَى بذاكَ نَبَّيهُ في قوله: شاوِرْهُمُ و (تَوكّلِ) تفسير : الرابعة: جاء في مصنّف أبي داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المُسْتَشَارُ مُؤْتَمَن»تفسير : . قال العلماء: وِصفةُ المُستشار إن كان في الأَحْكامِ أن يكون عالِماً دَيِّناً، وقلّما يكونُ ذلك إلاّ في عاقل. قال الحسن: ما كَمُل دِينُ امرىءٍ ما لم يكمل عقُله. فإذا استُشيِر مَن هذه صِفتُهُ واجتهد في الصَّلاحِ وبَذَل جُهدَه فوقعت الإشارةُ خَطَأً فلا غَرَامةَ عليه؛ قاله الخَطّابيُّ وغيرهُ. الخامسة: وصفةُ المُستشارِ في أُمورِ الدنيا أن يكون عاقلاً مُجرباً وادّاً في المُستَشير. قال:شعر : شاورْ صديقَـك فـي الخفِـي المُشْكِـل تفسير : وقد تقدّم. وقال آخر:شعر : وإنْ بَابُ أمرٍ عليك الْتَوَى فَشَاوِر لبيباً ولا تَعْصِهِ تفسير : في أبيات. والشُّورى بَرَكَةٌ. وقال عليه السلام: «حديث : ما نَدِمَ مَن اسْتَشَار ولا خَابَ مِن اسْتَخَار»تفسير : . وروى سهلُ بنُ سعد السّاعِدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. «حديث : ما شَقى قَطُّ عبدٌ بمشورة وما سَعِد باستغناء رأي»تفسير : . وقال بعضهم: شَاوِرْ من جَرّبَ الأُمورَ؛ فإنه يُعطيك من رأيه ما وقع عليه غالياً وأنت تأخذه مجانا. وقد جعل عمر بن الخطاب رضِي الله عنه الخِلافة ـ وهي أعظم النّوازِلِ ـ شورى. قال البخاريّ: وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستَشِيرون الأمناء من أهل العلم في الأُمور المباحة ليأخذوا بأسهلها. وقال سفيان الثورِيّ: ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة، ومن يخشى الله تعالى. وقال الحسن: والله ما تشاوَرَ قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم. ورُوي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من قوم كانت لهم مشورةٌ فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خِيرَ لهم».تفسير : السادسة: والشُّورى مبنيّة على ٱختلاف الآراء، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف، وينظر أقرَبها قولاً إلى الكتاب والسنة إن أمكنه، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزَم عليه وأنفذه متوكّلاً عليه، إذْ هذه غاية الاجتهاد المطلوب؛ وبهذا أمر الله تعالى نبيّه في هذه الآية. السابعة: قوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} قال قتادة: أمر الله تعالى نبيّه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يَمضِيَ فيه ويتوكّل على الله، لا على مشاورتهم. والعزم هو الأمر المُرَوَّى المنقّح، وليس ركوب الرأي دون رَوِية عزماً، إلا على مقْطع المُشِيحين من فُتّاك العرب؛ كما قال:شعر : إذا همَّ ألقَى بين عينَيْهِ عزمَهُ ونَكّب عن ذِكر العواقِب جانِبَا ولم يستشِر في رأيه غيرَ نفسِه ولم يَرض إلا قائمَ السّيفِ صاحِبَا تفسير : وقال النّقاش: العزم والحزم واحد، والحاء مُبْدلة من العين. قال ابن عطية: وهذا خطأ؛ فالحزم جودة النّظر في الأمر وتنقيحُه والحذرُ من الخطأ فيه. والعزمُ قصدُ الإمضاء؛ والله تعالى يقول: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ}. فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم. والعرب تقول: قد أَحْزُم لو أعْزِم. وقرأ جعفر الصادق وجابر بن زيد: «فَإذَا عَزَمْتُ» بضم التاء. نسب العزم إلى نفسه سبحانه إذ هو بهدايته وتوفيقه؛ كما قال: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}تفسير : [الأنفال: 17]. ومعنى الكلام أي عزمتُ لك ووفّقتك وأرشدتك «فتوكل على اللَّهِ». والباقون بفتح التاء. قال المُهَلَّب. وامتثل هذا النبيُّ صلى الله عليه وسلم من أمر ربِّه فقال: «حديث : لا ينبغي لنبيّ يلبَس لأُمَتَه أن يضعها حتى يحكم الله»تفسير : . أي ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف؛ لأنه نقضٌ للتوكُّل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة. فلُبْسه لأُمَتهُ صلى الله عليه وسلم حين أشار عليه بالخروج يوم أُحُد مَن أكرمه الله بالشهادة فيه، وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بَدْرٌ: يا رسول الله ٱخرج بنا إلى عدوّنا؛ دالّ على العزيمة. وكان صلى الله عليه وسلم أشار بالقعود، وكذلك عبد الله بن أُبَيّ أشار بذلك وقال: أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس، فإنْ هم أقاموا أقاموا بشرّ مجلس، وإن جاءونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السِّكك، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام، فوالله ما حار بنَا قطٌ عدوٌّ في هذه المدينة إلا غلبناه، ولا خرجنا منها إلى عدوّ إلا غَلَبنا. وأبَى هذا الرأيَ من ذكرنا، وشجّعوا الناس ودَعَوْا إلى الحرب. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ودخل إثر صلاته بيتَه ولبِس سلاحه، فندم أُولئك القوم وقالوا: أكرهْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلما خرج عليهم في سلاحه قالوا: يا رسول الله، أقِم إن شئت فإنا لا نريد أن نُكرهَك، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ينبغي لنبيّ إذا لبِس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل».تفسير : الثامنة: قوله تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} التوكّل: الاعتماد على الله مع إظهار العجز، والاسم التُّكْلان. يقال منه: ٱتّكلت عليه في أمري، وأصله: «أوْ تَكَلْت» قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ثم أبدلت منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال. ويقال: وكّلته بأمري توكيلاً، والإسم الوِكَالة بكسر الواو وفتحها. واختلف العلماء في التوكل؛ فقالت طائفة من المتصوّفة: لا يستحقه إلا من لم يخالط قلبَه خوفُ غير الله من سَبُع أو غيره، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى. وقال عامّة الفقهاء. ما تقدّم ذكره عند قوله تعالى: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. وهو الصحيح كما بيناه. وقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله {لاَ تَخَافَا}. وقال: {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ * قُلْنَا لاَ تَخَفْ} تفسير : [طۤه: 69]. وأخبر عن إبراهيم بقوله: {أية : فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ} تفسير : [هود: 70]. فإذا كان الخليل وموسى والكليم قد خافا ـ وحسبك بهما ـ فغيرهما أولى. وسيأتي بيان هذا المعنى.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مخاطباً رسوله، ممتناً عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} أي: أي شيء جعلك لهم ليناً، لولا رحمة الله بك وبهم؟ وقال قتادة: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} يقول فبرحمة من الله لنت لهم، و "ما" صلة، والعرب تصلها بالمعرفة، كقوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَـٰقَهُمْ}تفسير : [النساء: 155] وبالنكرة كقوله: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ}تفسير : [المؤمنون: 40] وهكذا ههنا قال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} أي برحمة من الله، وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم بعثه الله به، وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128] وقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة، حدثنا بقية، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي، وقال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : يا أبا أمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه»تفسير : تفرد به أحمد. ثم قال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} الفظ: الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ} أي: لو كنت سيىء الكلام، قاسي القلب عليهم، لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم؛ تأليفاً لقلوبهم، كما قال عبد الله بن عمرو: إني أرى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة؛ إنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، وقال أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي، حدثنا عمار بن عبد الرحمن عن المسعودي عن ابن أبي مليكة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض» تفسير : حديث غريب. ولهذا قال تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ} ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث؛ تطييباً لقلوبهم؛ ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر، لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد، لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون: ولكن نقول: اذهب، فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك مقاتلون. وشاورهم أيضاً أين يكون المنزل، حتى أشار المنذر بن عمرو المُعْنق ليموت، بالتقدم إلى أمام القوم. وشاورهم في أحد في أن يقعد في المدينة، أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم. وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فترك ذلك. وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصديق: إنا لم نجىء لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال. وقال صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك: «حديث : أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن؟ والله ما علمت عليه إلا خيراً»تفسير : واستشار علياً وأسامة في فراق عائشة رضي الله عنها. فكان صلى الله عليه وسلم يشاورهم في الحروب ونحوها. وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجباً عليه، أو من باب الندب؛ تطييباً لقلوبهم؟ على قولين. وقد قال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ} قال: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواريّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيريه، وأبوي المسلمين. وقد روى الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لأبي بكر وعمر: «حديث : لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما»تفسير : وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم؟ فقال: «حديث : مشاورة أهل الرأي، ثم اتباعهم»تفسير : وقد قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير عن شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : المستشار مؤتمن»تفسير : ورواه أبو داود والترمذي، وحسنه النسائي من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط من هذا. ثم قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : المستشار مؤتمن»تفسير : تفرد به. وقال أيضاً: حدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا استشار أحدكم أخاه، فليشر عليه»تفسير : تفرد به أيضاً. وقوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي: إذا شاورتهم في الأمر، وعزمت عليه، فتوكل على الله فيه {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ}. وقوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} وهذه الآية كما تقدم من قوله: {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ} تفسير : [آل عمران: 126] ثم أمرهم بالتوكل عليه، فقال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ}، قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن خصيف عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر، فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي: يخون. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا خصيف، حدثنا مقسم، حدثني ابن عباس أن هذه الآية: {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ} نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} وكذا رواه أبو داود والترمذي جميعاً عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد، به. وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم، عن خصيف، عن مقسم، يعني: مرسلاً، وروى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فقد، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ} وروي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم، وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة، وقسم الغنيمة، وغير ذلك. وقال العوفي عن ابن عباس: {وما كان لنبيَ أن يُغَلَّ} أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضاً. وكذا قال الضحاك. وقال محمد بن إسحاق: {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ} بأن يترك بعض ما أنزل إليه، فلا يبلغه أمته. وقرأ الحسن البصري وطاوس ومجاهد والضحاك {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ} بضم الياء، أي: يخان. وقال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غل بعض أصحابه. رواه ابن جرير عنهما، ثم حكى عن بعضهم أنه فسر هذه القراءة بمعنى: يتهم بالخيانة. ثم قال تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضاً في أحاديث متعددة، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك، حدثنا زهير، يعني: ابن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض ـ أو في الدار ـ فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة».تفسير : (حديث آخر) ـ قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت المستورد بن شداد يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من ولي لنا عملاً، وليس له منزل، فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة، فليتزوج، أو ليس له خادم، فليتخذ خادماً، أو ليست له دابة، فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئاً سوى ذلك، فهو غال»تفسير : هكذا رواه الإمام أحمد. وقد رواه أبو داود بسند آخر، وسياق آخر، فقال: حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا المعافى، حدثنا الأوزاعي عن الحارث بن يزيد، عن جبير بن نفير، عن المستورد بن شداد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كان لنا عاملاً، فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم، فليكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكن، فليكتسب مسكناً»تفسير : قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : من اتخذ غير ذلك، فهو غال، أو سارق»تفسير : . قال شيخنا الحافظ المزي رحمه الله: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان: فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بدل جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا حفص بن حميد عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء، فينادي: يا محمد يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملاً له رغاء، فيقول: يا محمد يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساً له حمحمة ينادي: يا محمد، يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قَشْعاً من أدم ينادي: يا محمد يا محمد فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك»تفسير : لم يروه أحد من أهل الكتب الستة. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري سمع عروة يقول: حدثنا أبو حميد الساعدي: قال: استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد، يقال له: ابن اللتبية، على الصدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: «حديث : ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي؟ أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء، إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر»تفسير : ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: ثم قال: «حديث : اللهم هل بلغت؟»تفسير : ثلاثاً، وزاد هشام بن عروة: فقال أبو حميد: بصرته بعيني، وسمعته بأذني، واسألوا زيد بن ثابت، أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، وعند البخاري: واسألوا زيد بن ثابت، ومن غير وجه عن الزهري، ومن طرق عن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة، به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن عروة بن الزبير عن أبي حميد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هدايا العمال غلول»تفسير : وهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإسناد، وكأنه مختصر من الذي قبله، والله أعلم. (حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة عن داود ابن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت، أرسل في أثري، فرددت، فقال: «حديث : أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} لهذا دعوتك، فامض لعملك»تفسير : هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن عدي بن عميرة وبريدة والمستورد بن شداد وأبي حميد وابن عمر. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي، عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ثم قال: «حديث : لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلغتك»تفسير : أخرجاه من حديث أبي حيان، به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني قيس عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا أيها الناس من عمل لنا منكم عملاً، فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه، فهو غل يأتي به يوم القيامة»تفسير : قال: فقام رجل من الأنصار أسود قال مجالد: هو سعيد بن عبادة، كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: «وما ذاك؟» قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: «حديث : وأنا أقول ذاك الآن، من استعملناه على عمل، فليجىء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهى»تفسير : وكذا رواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، به. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن جريج، حدثني منبوذ رجل من آل أبي رافع عن الفضل بن عُبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر، ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل، فيتحدث معهم حتى ينحدر المغرب، قال أبو رافع: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرعاً إلى المغرب، إذ مر بالبقيع، فقال: «حديث : أف لك، أف لك»تفسير : مرتين، فكبر في ذرعي، وتأخرت، وظننت أنه يريدني، فقال: «حديث : مالك؟ امش»تفسير : قال: قلت: أحدثت حدثاً يا رسول الله، قال: «حديث : وما ذاك»تفسير : ؟ قلت: أفَّفْت بي، قال: «حديث : لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعياً على آل فلان، فغل نمرة، فدرع الآن مثلها من نار».تفسير : (حديث آخر) قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج وكان ثقة حدثنا عبيدة بن الأسود عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم، ثم يقول: «حديث : مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول؛ فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط، وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد، في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومة لائم»تفسير : . وقد روى ابن ماجه بعضه عن المفلوج، به. (حديث آخر) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ردوا الخياط والمخيط؛ فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة».تفسير : (حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن مطرف، عن أبي الجهم، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعياً، ثم قال: «حديث : انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء، قد غللته»تفسير : قال: إذاً لا أنطلق، قال: «حديث : إذاً لا أكرهك»تفسير : ، تفرد به أبو داود. (حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا عبد الحميد بن صالح، أنبأنا أحمد بن أبان عن علقمة بن مرثد، عن أبي بريدة عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال «حديث : إن الحجر ليُرْمى به في جهنم، فيهوي سبعين خريفاً ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول، فيقذف معه، ثم يقال لمن غل: ائت به، فذلك قوله: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}».تفسير : (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم خيبر، أقبل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها ـ أو عباءة ـ»تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يا بن الخطاب اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»تفسير : . قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وكذا رواه مسلم والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به. وقال الترمذي: حسن صحيح. [حديث آخر عن عمر رضي الله عنه]: قال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عبد الله ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوماً الصدقة، فقال: ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة: «حديث : من غل منها بعيراً أو شاة، فإنه يحمله يوم القيامة»تفسير : ؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى. ورواه ابن ماجه عن عمرو بن سوار عن عبد الله بن وهب به. (حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سعد بن عبادة مصدقاً، فقال: «حديث : إياك يا سعد أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء»تفسير : . قال: لا آخذه، ولا أجيء به، فأعفاه. ثم رواه من طريق عبيد الله عن نافع، به نحوه. (حديث آخر) قال أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله: أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد في متاع رجل غلول، قال: فسأل سالم بن عبد الله، فقال: حدثني أبي عبد الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من وجدتم في متاعه غلولاً فأحرقوه، قال: وأحسبه قال: واضربوه»تفسير : قال: فأخرج متاعه في السوق، فوجد فيه مصحفاً، فسأل سالماً، فقال: بعه، وتصدق بثمنه. وكذا رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري، كلاهما: عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة، به. وقد قال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا، وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ومن تابعه من أصحابه، وقد رواه الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله، فيحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي، قال: الغال يجمع رحله، فيحرق، ويجلد دون حد المملوك، ويُحرم نصيبه، وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور، فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله، وقال البخاري: وقد امتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه، والله أعلم. (حديث آخر عن عمر رضي الله عنه): قال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يوماً الصدقة، فقال: ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة: «حديث : من غل منها بعيراً أو شاة، فإنه يحمله يوم القيامة»تفسير : ؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى. ورواه ابن ماجه عن عمرو بن سَوَّاد عن عبد الله بن وهب، به. ورواه الأموي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله، ويحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي قال: الغال يجمع رحله، فيحرق، ويجلد دون حد. وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن خُمَيْر بن مالك، قال: أمر بالمصاحف أن تغير، قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفاً فليغله، فإنه من غل شيئاً جاء به يوم القيامة، ثم قال: قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى وكيع في تفسيره عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: لما أمر بتحريق المصاحف، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: يا أيها الناس غلوا المصاحف، فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة، ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة. وقال أبو داود، عن سمرة بن جندب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غنم غنيمة، أمر بلالاً فينادي في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يوماً بعد النداء بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبناه من الغنيمة، فقال: «حديث : أسمعت بلالاً ينادي»تفسير : ثلاثاً؟ قال: نعم. قال: «حديث : فما منعك أن تجيء»تفسير : ؟ فاعتذر إليه، فقال: «حديث : كلا، أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله منك».تفسير : وقوله تعالى: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله، وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم، وبئس المصير، وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ}تفسير : [الرعد: 19]، وكقوله: {أية : أَفَمَن وَعَدْنَـٰهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَـٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا}تفسير : [القصص: 61] الآية. ثم قال تعالى: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ}، قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني: أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهم ودرجاتهم في الجنة، ودركاتهم في النار، كقوله تعالى: {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ}تفسير : [الأنعام: 132] الآية، ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيراً، ولا يزيدهم شراً، بل يجازي كل عامل بعمله. وقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} أي: من جنسهم؛ ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: {أية : وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الروم: 21] أي: من جنسكم، وقال تعالى: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ}تفسير : [الكهف: 110] الآية. وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلأَسْوَاقِ}تفسير : [الفرقان: 20] وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِىۤ إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ}تفسير : [يوسف: 109] وقال تعالى: {أية : يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ}تفسير : [الأنعام: 130] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم؛ بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال تعالى: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِ} يعني: القرآن {وَيُزَكِّيهِمْ} أي: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر؛ لتزكو نفوسهم وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم، {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} يعني: القرآن والسنة، {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي: من قبل هذا الرسول {لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي: لفي غيّ وجهل ظاهر جليّ بيّن لكل أحد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَبِمَا } «ما» زائدة {رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ } يا محمد {لَهُمْ } أي سهلت أخلاقك إذ خالفوك {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } سيّىء الخلق {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ } جافياً فأغلظت لهم {لاَنْفَضُّواْ } تفرّقوا {مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ } تجاوز {عَنْهُمْ } ما أتوه {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ } ذنبهم حتى أغفر لهم {وَشَاوِرْهُمْ } استخرج آراءهم {فِى ٱلأَمْرِ } أي شأنك من الحرب وغيره تطيباً لقلوبهم وليُستَنَّ بك فكان صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لهم {فَإِذَا عَزَمْتَ } على إمضاء ما تريد بعد المشاورة {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } ثق به بعد المشاورة {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ } عليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَظًّا} الفظ: الجافي، والغليظ: القاسي القلب، معناهما واحد، فجمع بينهما تأكيداً. {وَشَاوِرْهُمْ} في الحرب، لتسفر عن الرأي الصحيح فيه، أو أمر بالمشاورة تأليفاً لقلوبهم، أو أَمَره بها لما علم فيها من الفضل، أو أُمر بها ليقتدي به المؤمنين، وكان غنياً عن المشاورة.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}: معناه: فبرحمةٍ، قال القُشَيْريُّ في «التحبير»: واعلَمْ أنَّ اللَّه سبحانه يحبُّ من عباده مَنْ يرحم خَلْقه، ولا يرحم العبد إلاَّ إذا رحمه اللَّه سبحانَهُ، قال اللَّه تعالى لنبيِّه ـــ عليه السلام ـــ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}. اهـــ. قال * ع *: ومعنى هذه الآيةِ التقريعُ لكلِّ مَنْ أخلَّ يومَ أُحُدٍ بمَرْكزه، أي: كانوا يستحقُّون الملام منْكَ، ولكنْ برحمةٍ منه سُبْحَانه لِنْتَ لهم، وجَعَلَكَ على خُلُقٍ عظيمٍ، وبعَثَكَ لتتميمِ محاسنِ الأخلاق، ولو كُنْتَ فظًّا غليظَ القَلْب، لانفضوا مِنْ حولك، وتفرَّقوا عَنْكَ، والفَظُّ: الجافِي في مَنْطِقِهِ وَمَقاطِعِهِ، وفي صفته صلى الله عليه وسلم في الكُتُب المُنزَّلة: «لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ وَلاَ صَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ»، والفَظَاظة: الجَفْوة في المعاشرة قولاً وفعلاً، وغِلَظُ القَلْب: عبارةٌ عن تجهُّمِ الوجْهِ، وقلَّةِ الانفعالِ في الرغَائِبِ، وقلَّةِ الإشفاقِ والرَّحْمةِ، والانفضاضُ: ٱفتراق الجموع. وقوله تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ...} الآية: أمر سبحانه نبيَّه ـــ عليه السلام ـــ بهذه الأوامر التي هِيَ بتدريجٍ بليغٍ، فأمره أنْ يعفو عَنْهم فيما لَهُ علَيْهِمْ مِنْ حَقٍّ، ثُمَّ يستغفر لهم فيما للَّه علَيْهم مِنْ تَبِعَةٍ، فإذا صاروا في هذه الدَّرَجَة، كانوا أهلاً للاستشارة. قال * ع *: ومَنْ لا يستشيرُ أهل العِلْمِ والدِّين، فعَزْلُه واجبٌ، هذا ممَّا لا خلافَ فيه، وقد وردَتْ أحاديثُ كثيرةٌ في الاستشارةِ، ومُشَاورته ـــ عليه السلام ـــ إنما هي في أمور الحَرْب والبُعُوث ونحوه من أشخاصِ النَّوَازِلِ، فأما في حلالٍ، أو حرامٍ، أو حَدٍّ، فتلك قوانينُ شَرْعٍ، ما فرَّطنا في الكتابِ مِنْ شيء، والشورَىٰ مبنيَّة على اختلافِ الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ ينظر في ذَلِكَ الخلافِ، ويتخيَّر، فإذا أرشده اللَّه إلى ما شاء منْهُ، عزم علَيْه، وأنفذه متوكِّلاً على اللَّه؛ إذ هو غايةُ الاجتهادِ المَطْلُوب منه، وبهذا أمر اللَّه تعالَىٰ نبيَّه في هذه الآيةِ، وصِفَةُ المُسْتشارِ في الأحكامِ أنْ يكونَ عالماً ديِّناً، وقلَّما يكونُ ذلك إلاَّ في عاقلٍ، فقَدْ قال الحَسَنُ ابْنُ أبِي الحَسَنِ: ما كَمَلَ دِينُ ٱمْرَىءٍ لَمْ يَكْمَلْ عَقْلُهُ. قال * ع *: والتوكُّل على اللَّه سبحانه وتعالَىٰ مِنْ فروض الإيمانِ وفصولِهِ، ولكنَّه مقترنٌ بالجِدِّ في الطاعاتِ، والتَّشْميرِ والحَزَامَةِ بغايةِ الجُهْدِ، وليس الإلقاء باليدِ وما أشبهه بتوكُّل، وإنما هو كما قال ـــ عليه السلام ـــ: «حديث : قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ».تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ} هذه غايةٌ في الرِّفْعة، وشَرَفِ المنزلةِ، وقد جاءت آثار صحيحةٌ في فَضْل التوكُّلِ وعظيمِ منزلةِ المتوكِّلين، ففي «صحيح مُسْلِمٍ» عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنِ؛ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالُوا: مَنْ هُمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ لاَ يَرْقُونَ، وَلاَ يَستَرْقُونَ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»تفسير : وخَرَّج أبو عيسَى التِّرمذيُّ، عن أبي أُمَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِل الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفاً لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ، وَلاَ عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفاً وَثَلاَثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي»تفسير : ، وخرَّجه ابن ماجة أيضاً، وخرَّج أبو بَكْرٍ البَزَّارُ، وأبو عَبْدِ اللَّهِ التِّرمذيُّ الحكيمُ، عنْ عبد الرحمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصديقِ (رضي اللَّه عنه)، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَعْطَانِي سَبْعِينَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ ٱسْتَزَدتُّهُ قَالَ: قَدِ ٱسْتَزَدتَّهُ، فَأَعْطَانِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ السَّبْعِينَ الأَلْفَ سَبْعِينَ أَلْفاً، فقالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلاَّ ٱسْتَزَدتَّهُ، فَقَالَ: قَدِ ٱسْتَزَدْتُّهُ، فَأَعْطَانِي هَكَذَا، وفَتَحَ أَبُو وَهْبٍ يَدَيْهِ، قَالَ أَبُو وَهْبٍ: قَالَ هِشَامٌ: هَذَا مِنَ اللَّهِ لاَ يُدْرَىٰ، مَا عَدَدُهُ»تفسير : ، وخرَّج أبو نُعَيْمٍ، عن أنس، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الجَنَّة مِنْ أُمَّتِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، قَالَ: وَهَكَذَا، وَأَشَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زِدْنَا، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ النَّاسَ الجَنَّةَ بِحَفْنَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ عُمَرُ»»تفسير : . اهـــ من «التذكرة»، وما وقَعَ من ذكْرِ الحَثْيَةِ والحَفْنَةِ لَيْسَ هو علَىٰ ظاهره، فاللَّه سبحانه منزَّه عن صفَاتِ الأجْسَامِ. وقوله تعالى: {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} أيْ: يترككم، والخذل الترك، والضميرُ في: {مِن بَعْدِهِ} يعودُ على اسمِ اللَّهِ، ويحتملُ على الخَذْلِ.

ابن عادل

تفسير : في "ما" وجهان: أحدهما: أنها زائدة للتوكيد، والدلالة على أن لِينَهُ لَهُمْ ما كان إلا برحمة من اللَّهِ، نظيره قوله: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} تفسير : [المائدة: 13] وقوله: {أية : عَمَّا قَلِيلٍ} تفسير : [المؤمنون: 40] وقوله: {أية : جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} تفسير : [ص: 11] وقوله: {أية : مِّمَّا خَطِيۤئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ} تفسير : [نوح: 25]. والعربُ قد تريد في الكلام - للتأكيد - ما يستغنى عنه، قال تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ} تفسير : [يوسف: 96] فزاد "أن" للتأكيد. وقال المحققون: دخول اللفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين - غيرُ جائزٍ، بل تكون غير مزيدة، وإنما هي نكرة، وفيها وجهان: الأول: أنها موصوفة بـ "رَحْمَةٍ" أي: فبشيء رحمة. الثاني: أنها غير موصوفة، و "رَحْمَةٍ" بدل منها، نقله مكيٌّ عن ابن كَيْسَان. ونقل أبو البقاءِ عن الأخفش وغيره: أنها نكرة موصوفة، "رَحْمَةٍ" بدل منها، كأنه أبهم، ثم بين بالإبدال. وقال ابن الخطيب: "يجوز أن تكون "مَا" استفهاماً للتعجب، تقديره: فبأي رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، وذلك؛ لأن جنايتهم لما كانت عظيمة - ثم إنه ما أظهر - ألبتة - تغليظاً في القول، ولا خشونة في الكلام - علموا أن هذا لا يتأتى إلا بتأييد ربانيٍّ وتسديدٍ إلهيٍّ فكان ذلك موضع التعجب". ورد عليه أبو حيّان بأنه لا يخلو إما أن يجعل "ما" مضافة إلى "رَحْمَةٍ" - وهو ظاهر تقديره - فيلزم إضافة "ما" الاستفهامية، وقد نصوا على أنه لا يضاف من أسماء الاستفهام إلا "أي" اتفاقاً و "كم" عند الزَّجَّاج - وإما أن لا يجعلها مضافة، فتكون "رَحْمَةٍ" بدلاً منها، وحينئذٍ يلزم إعادة حرف الاستفهام في البدل - كما قرره النحويون. ثم قال: "وهذا الرجلُ لحظ المعنى، ولم يلتفت إلى ما تقرر في علم النحو من أحكام الألفاظ، وكان يغنيه عن هذا الارتباك، والتسلق إلى ما لا يحسنه والتصوُّر عليه قول الزجاج - في "ما" هذه: إنها صلة، فيها معنى التأكيدِ بإجماع النحويينَ. وليس لقائل أن يقولَ: له أن يجعلها غير مضافةٍ، ولا يجعل "رَحْمَةٍ" بدلاً - حتى يلزم إعادة حرف الاستفهام - بل يجعلها صفة، لأن "ما" الاستفهامية لا توصف وكأن من يدعي فيها أنها غير مزيدة يفر من هذه العبارة في كلام الله تعالى، وإليه ذهب أبو بكر الزبيديُّ، فكان لا يُجَوِّزُ أن يقال - في القرآن -: هذا زائد أصلاً. وهذا فيه نظرٌ؛ لأن القائلين يكون هذا زائداً لا يَعْنون أنه يجوز سقوطه، ولا أنه مُهْمَل لا معنى له بل يقولون: زائدٌ للتوكيدِ، فله أسوةٌ بشائرِ ألفاظِ التوكيدِ الواقعة في القرآن. و "ما" كما تُزاد بين الباء ومجرورها، تزاد أيضاً بين "من" و "عَنْ" والكاف ومجرورها. قال مكيٌّ: "ويجوز رفع "رحمة" على أن تجعل "ما" بمعنى الذي، وتضمر "هُوَ" في الصلة وتحذفها، كما قرئ: {أية : تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} تفسير : [الأنعام: 154]. فقوله: ويجوزُ يعني من حيث الصناعةِ، وأما كونها قراءة، فلا نحفظها. فصل الليْنُ: الرفق. ومعنى الكلام. فبرحمة من الله لنت لهم، أي: سهلت لهم أخلاقك، وكثر احتمالك، ولم تسرع إليهم فيما كان منهم يوم أُحُدٍ. واحتجوا - بهذه الآية - على مسألة القضاء والقدر، لأن اللهَ بين أن حسن الخلق إنما كان بسبب رحمة الله تعالى. قوله: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} الفظاظةُ: الجفوة في المعاشرة قولاً وفعلاً، قال الشَّاعرُ: [البسيط] شعر : 1679- أخْشَى فَظَاظَةَ عَمٍّ، أوْ جَفَاءَ أخ وَكُنْتُ أخْشَى عَلَيْهَا مِنْ أذَى الْكَلم تفسير : والغلظُ: كبر الأجرام، ثم تجوز به في عدم الشفقة، وكثرة القسوةِ في القلب. قال الشاعرُ: [البسيط] شعر : 1680- يُبْكَى عَلَيْنَا وَلاَ نَبْكِي عَلَى أحَدٍ ونَحْنُ أغْلَظُ أكْبَاداً مِنَ الإبِلِ تفسير : وقال الراغبُ: الفَظَّ: هو الكريه الخُلُق، وقال الواحديُّ: الفَظُّ: الغليظُ الجانبِ، السيِّىء الخُلُق وهو مستعارٌ من الفَظِّ، وهو ماء الكرش، وهو مكروهٌ شُربه إلا في ضرورة. وقال الراغبُ: الغِلَظ: ضد الرِّقَّةِ، ويقال: غلظ بالكسر والضم وعن الغِلْظة تنشأ الفظاظة. فإن قيل: إذا كانت الفظاظةُ تنشأُ عن الغلظة، فلم قُدَّمَتْ عَلِيْهَا؟ فالجوابُ: قُدِّم ما هو ظاهر للحس على ما خافٍ في القلب؛ لأن الفظاظة: الجفوة في العِشْرة قولاً وفعلاً - كما تقدم - والغلظة: قساوة القلب، وهذا أحسن من قول من جعلهما بمعنى، وجمع بينهما تأكيداً. وأما الانفضاض والغضّ فهو تفرُّق الأجزاء وانتشارها. ومنه فضَّ ختم الكتاب، ثم استُعِير منه انفضاض الناس، قال تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11] ومنه يقال: لا يفضض اللهُ فاك. فصل في معنى الآية ومعنى الكلامِ: لو كنتَ جافياً، سَيِّىء الخُلُقِ، قليل الاحتمالِ. وقال الكلبيُّ: فظاً في القول، غليظ القلبِ في الفعلِ، لانفضوا من حولك تفرَّقوا عنك وذلك أن المقصود من البعثة أن يبلِّغ الرسولُ تكاليفَ اللَّهِ تعالى إلى الخَلْق، وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه، وسكون نفوسهم لديه، وهذا المقصودُ لا يتم إلا إذا كان رحيماً بهم، كريماً، يتجاوز عن ذنوبهم، ويعفو عن سيئاتهم، ويخصهم بالبرِّ والشفقة، فلهذه الأسباب وجب أن يكون الرسولُ مُبَرَّءاً عن سوء الخلق، وغِلْظة القلبِ، ويكون كثير الميلِ إلى إعانة الضعفاء، وكثير القيام بإعانة الفقراء. وحمل القفَّالُ هذه الايةَ على واقعة أُحُد، فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} يوم أُحُد، حين عادُوا إليك يعد الانهزام {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ} فشَافَهْتَهُمْ بالملامة على ذلك الانهزام {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} هيبة منك وحياءً، بسبب ما كان منهم من الانهزام، فكان ذلك مما يُطْمِع العدو فيك وفيهم. قوله: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} جاء على أحسن النسق، وذلك أنه - أولاً - أُمِر بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصَّةِ نفسه، فإذا انتهَوْا إلى هذا المقام أمر أن يستغفرَ لهم ما بينهم وبين الله تعالى، لتنزاح عنهم التبعاتُ، فلما صاروا إلى هنا أُمِرَ بأن يشاورهم في الأمرِ إذا صاروا خالصين من التبعتين، مُصَفَّيْنَ منهما. والأمرُ هنا - وإن كان عاماً - المراد به الخصوص. قال أبو البقاء: الأمر - هنا - جنس، وهو عامٌّ يراد به الخاصُّ؛ لأنه لم يُؤمَر بمشاورتهم في الفرائض، ولذلك قرأ ابن عباسٍ: في بعض الأمر وهذا تفسيرٌ لا تلاوةٌ. فصل ظاهر الأمر الوجوب، و "الفاء" في قوله: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} تدل على التعقيب، وهذا يدل على أنه - تعالى - أوجب عليه صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم في الحال، ولما آل الأمرُ إلى الأمة لم يوجبه عليهم، بل ندبهم إليه، فقال: {أية : وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134] وقوله: {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} يدل على دلالة قوية على أنه - تعالى - يعفو عن أصحاب الكبائر، لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة، لقوله تعالى: {أية : وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} تفسير : [الأنفال: 16] وقوله صلى الله عليه وسلم حين عد الكبائر-: "حديث : والتولي يوم الزحف" تفسير : وإذا ثبت أنه كبيرة، فالله تعالى - حضّ - في هذه الآية - على العفو عنهم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستفغار لهم، وإذا أمره بالاستغفار لهم لا يجوز أن لا يجيبه إليه؛ لأن ذلك لا يليق بالكريم، وإذا دلت الآية على أنه - تعالى - شفع محمداً في أصحاب الكبائر في الدنيا فلأن يشفعه يوم القيامة كان أولى. قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} يقال شاورهم مشاورة وشِوَاراً وَمَشُورة، والقوم شورى، وهي مصدر، سمي القوم بها، كقوله: {أية : وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ} تفسير : [الإسراء: 47] قيل: المشاورة: مأخوذة من قولهم: شُرتُ العسل، أشورُه: إذا أخذته من موضعه واستخرجته. وقيل: مأخوذة من قولهم: شرت الدابّة، شوراً - إذا عرضتها والمكان الذي يعرض فيه الدوابّ يسمى مشواراً، كأنه بالعرض - يعلم خيره وشره، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها. الفائدة في أمر اللَّهِ لرسوله بالمشاورة من وجوه: الأول: أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علو شأنهم، ورفعة درجتهم، وذلك يقتضي شدة محبتهم له، فلو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم، فيحصل سوء الخلقِ والفظاظة. الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم وإن كان أكملَ الناس عقلاً، إلا أن [عقول] الخلق غير متناهية، فقد يخطر ببال إنسانٍ من وجوه المصالح - ما لا يخطر ببال آخرَ، لا سيما فيما يتعلق بأمور الدنيا، قال: "أَنتم أعرف بأمور دنياكم" ولهذا السبب قال: "حديث : ما تشاور قوم قط إلا هُدُوا لأرشد أمورهم ". تفسير : الثالث: قال الحسنُ وسفيانُ بن عيينة إنما أمر بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير ذلك سنة في أمته. الرابع: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم شاورهم في واقعة أُحُد، فأشاروا عليه بالخروج، وكان ميله إلى ألا يخرج، فلما خرج وقع ما وقع، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم - بسبب مشاورتهم - بقية أثرٍ، فأمره الله - تعالى - بمشاورتهم بعد تلك الواقعةِ، ليدل على أنه لم يَبْقَ في قلبه أثرٌ من تلك الواقعة. الخامس: أنه صلى الله عليه وسلم أمر بمشاورتهم، لا ليستفيد منهم رأياً وعِلْماً، بل ليعلم مقادير عقولهم، ومحبتهم له. وقيل: أمر بالمشاورة [ليعلم] مقدار عقولهم وعلمهم، فينزلهم منازلهم على قدر عقولهم وعلمهم. وذكروا - أيضاً - وُجُوهاً أُخَرَ، وهذا كافٍ. فصل اتفقوا على أنَّ كلَّ ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يشاورَ الأمةَ فيه، لأن النصَّ إذا جاء بطل الرأي والقياس، أما ما لا نَصَّ فيه، فهل يجوز المشاورةُ فيه في جميع الأشياء، أم لا؟ قال الكلبيُّ وأكثر العلماء: الأمر بالمشاورة إنما هو في الحروبِ، قالوا: لأن الألف واللام - في لفظ "الأمر" ليسا للاستغراق؛ لما بينَّا أن الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه، فوجب حمل الألف واللام - هنا - على المعهود السابق، والمعهودُ السابقُ في هذه الآية ما يتعلق بالحرب ولقاء العدو، فكان قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} مختصاً بذلك وقد أشار الحُبابُ بنُ المنذر يوم أُحُدٍ - على النبي بالنزول على الماء، فقبل منه. وأشار عليه السعدان - سعد بنُ معاذٍ وسعد بن عبادةَ - يوم الخندق بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا، فقبل منهما، وخرق الصحيفةُ. وقال بعضهم: اللفظ عام، خص منه ما نزل فيه وحيٌ، فتبقى حجته في الباقي. قال بعضهم: هذه الآية تدل على أن القياسَ حُجَّةٌ. فصل روى الواحديُّ في "البسيط" عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قال: الذي أمر النبي بمشاورته في هذه الآية أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - واستشكلته ابن الخطيب، قال: "وعندي فيه إشكالٌ؛ لأن الذين أمرَ اللَّهُ رسولَه بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم ويستغفر لهم - وهم المنهزمون - فَهَبْ أن عمر كان من المنهزمين فدخل تحت الآيةِ إلا أن أبا بكر ما كان منهم، فكيف يدخل تحت هذه الآية؟". قوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ} الجمهورُ على فتح التاءِ؛ خطاباً له صلى الله عليه وسلم وقرأ عكرمة وجعفر الصادق - ورُويت عن جابر بن زيد - بضَمِّها. على أنها لله تعالى، على معنى: فإذا أرشدتك إليه، وجعلتك تقصده. وجاء قوله: {عَلَى ٱللَّهِ} من الالتفات؛ إذ لو جاء على نسقِ هذا الكلام لقيل: فتوكل عليَّ. فقد نُسِب العزمُ إليه تعالى في قول أم سلمة: "ثم عزم الله لي" وذلك على سبيل المجاز. فصل معنى الكلامِ: فإذا عزمتَ على اللهِ لا على مشاورتهم، أي: قم بأمر اللهِ، وثق به، {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} وهذا جارٍ مجرى العلةِ الباعثةِ على التوكُّل عند الأخذ في كل الأمورِ، وهذه الآية تدل على أنه ليس التوكُّلُ أن يُهْمِل نفسه - كقول بعض الجُهَّال - وإلا لكان الأمرُ بالمشاورة منافياً [للأمر بالتوكل]، بل التوكلُ هو أن يراعيَ الإنسانُ الأسبابَ الظاهرةَ، ولكن لا يعوِّل بقلبه عليها، بل يعوِّل على عصمة الحقِّ. فصل التوكلُ: الاعتماد على الله تعالى مع إظهار العجزِ، والاسم: التُّكْلان، يقال منه: اتكلت عليه في أمري وأصله، اوتَكَلْتُ، قُلِبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها، ثم أُبْدِلت منها التاء، وأدغمت في تاء الافتعال، ويقال: وكَّلْته بأمري توكيلاً، والاسم: الوكَالة - بكسر الواو وفتحها -.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فبما رحمة من الله} يقول: فبرحمة من الله {لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} أي والله طهره من الفظاظة والغلظة، وجعله قريباً رحيماً رؤوفاً بالمؤمنين. وذكر لنا أن نعت محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخوب في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن. أنه سئل عن هذه الآية فقال: هذا خلق محمد صلى الله عليه وسلم نعته الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله {لانفضوا من حولك} قال: لانصرفوا عنك. وأخرج الحكيم الترمذي وابن عدي بسند فيه متروك عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن الحسن في قوله {وشاورهم في الأمر} قال: قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وشاورهم في الأمر} قال: أمر الله نبيه أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً وأرادوا بذلك وجه الله عزم لهم على رشده. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: ما أمر الله نبيه بالمشاورة إلا لما علم ما فيها من الفضل والبركة. قال سفيان: وبلغني أنها نصف العقل. وكان عمر بن الخطاب يشاور حتى المرأة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: ما شاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم. وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال "حديث : لما نزلت {وشاورهم في الأمر} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ان الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً ". تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس {وشاورهم في الأمر} قال: أبو بكر وعمر. وأخرج من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر. وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر وعمر: لو اجتمعتا في مشورة ما خالفتكما ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: "حديث : ما رأيت أحداً من الناس أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم "تفسير : . وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عمرو قال: كتب أبو بكر الصديق إلى عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يشاور في الحرب فعليك به. وأخرج الحاكم عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو كنت مستخلفاً أحداً عن غير مشورة لاستخلف ابن أم عبد ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن المنذر بسند حسن عن ابن عباس أنه قرأ "وشاورهم في بعض الأمر". وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {فإذا عزمت فتوكل على الله} قال: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا عزم على أمر أن يمضي فيه، ويستقيم على أمر الله، ويتوكل على الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد وأبي نهيك أنهما قرآ "فإذا عزمت يا محمد على أمر فتوكل على الله". وأخرج ابن مردويه عن علي قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزم فقال: مشاورة أهل الرأي، ثم أتباعهم ". تفسير : وأخرج الحاكم "حديث : عن الحباب بن المنذر قال "أشرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بخصلتين فقبلهما مني. خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعسكر خلف الماء، فقلت يا رسول الله أبوحي فعلت أو برأي؟ قال: برأي يا حباب. قلت: فإن الرأي أن تجعل الماء خلفك، فإن لجأت لجأت إليه، فقبل ذلك مني. قال: ونزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الأمرين أحب إليك تكون في دنياك مع أصحابك أو ترد على ربك فيما وعدك من جنات النعيم؟ فاستشار أصحابه فقالوا: يا رسول الله تكون معنا أحب إلينا، وتخبرنا بعورات عدونا، وتدعو الله لينصرنا عليهم وتخبرنا من خبر السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك لا تتكلم يا حباب! فقلت: يا رسول الله اختر حيث اختار لك ربك. فقبل ذلك مني"تفسير : قال الذهبي: حديث منكر. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس. "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل منزلاً يوم بدر فقال الحباب بن المنذر: ليس هذا بمنزل، انطلق بنا إلى أدنى ماء إلى القوم، ثم نبني عليه حوضاً ونقذف فيه الآنية فنشرب ونقاتل ونغور ما سواها من القلب. فنزل جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا حباب أشرت بالرأي" فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل ذلك "تفسير : . وأخرج ابن سعد بن يحيى بن سعيد. "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس يوم بدر، فقام الحباب بن المنذر فقال: نحن أهل الحرب، أرى أن تغور المياه إلا ماء واحداً نلقاهم عليه. قال: واستشارهم يوم قريظة والنضير، فقام الحباب بن المنذر فقال: أرى أن ننزل بين القصور فنقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء، وخبر هؤلاء عن هؤلاء، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ".

ابو السعود

تفسير : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والفاءُ لترتيب مضمونِ الكلامِ على ما يُنبىء عنه السياقُ من استحقاقهم لِلاّئمة والتعنيفِ بموجب الجِبلَّةِ البشرية، أو من سَعة ساحةِ مغفرتِه تعالى ورحمتِه، والباءُ متعلِّقة بلنتَ قُدِّمت عليه للقصر، وما مزيدةٌ للتوكيد، أو نكرةٌ و{رَحْمَةً} بدلٌ منها مُبـينٌ لإبهامها، والتنوينُ للتفخيم ومِنْ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لرحمةٍ أي فبرحمةٍ عظيمة لهم كائنةٍ من الله تعالى، وهي ربطُه على جأشه وتخصيصُه بمكارم الأخلاقِ، كنتَ ليِّنَ الجانبِ لهم وعامَلْتَهم بالرفق والتلطّفِ بهم حيث اغتمَمْتَ لهم بعد ما كان منهم ما كان من مخالفة أمرِك وإسلامِك للعدو. {وَلَوْ} لم تكن كذلك بل {كُنْتَ فَظّاً} جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً، وقال الراغبُ: الفَظُّ هو الكَرِيهُ الخلُقِ. وقال الواحديُّ: هو الغليظُ الجانبِ السيءُ الخلُق {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ} قاسِيَه، وقال الكلبـي: فظَّاً في القول غليظَ القلبِ في الفعل، {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} لَتفرَّقوا من عندك ولم يسكُنوا إليك وتردَّوْا في مهاوي الردىٰ والفاء في قوله عز وجل: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} لترتيب العفوِ أو الأمرِ به على ما قبله، أي إذا كان الأمرُ كما ذُكر فاعفُ عنهم فيما يتعلق بحقوقك كما عفا الله عنهم {وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ} الله فيما يتعلق بحقوقه تعالى إتماماً للشفقة عليهم وإكمالاً للبِرّ بهم {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَمْرِ} أي في أمر الحربِ إذ هو المعهودُ، أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورةُ عادةً استظهاراً بآرائهم وتطيـيباً لقلوبهم وتمهيداً لسُنّة المشاورةِ للأُمة. وقرىء وشاورهم في بعض الأمر. {فَإِذَا عَزَمْتَ} أي عَقيبَ المشاورةِ على شيء واطمأنتْ به نفسُك {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} في إمضاء أمرِك على ما هو أرشدُ لك وأصلحُ، فإن عِلمَه مختصٌّ به سبحانه وتعالى. وقرىء فإذا عزمتُ على صيغة التكلّم أي عزمتُ لك على شيء وأرشدتُك إليه فتوكلْ عليَّ ولا تشاوِرْ بعد ذلك أحداً، والالتفاتُ لتربـية المهابةِ وتعليلِ التوكلِ أو الأمرِ به فإن عنوانَ الألوهيةِ الجامعةِ لجميع صفاتِ الكمالِ مستدعٍ للتوكل عليه تعالى أو الأمرِ به {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ} عليه تعالى فينصُرهم ويُرشِدهم إلى ما فيه خيرُهم وصلاحُهم. والجملةُ تعليلٌ للتوكل عليه تعالى وقوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت بطريق تلوينِ الخطابِ تشريفاً للمؤمنين لإيجاب توكّلِهم عليه تعالى وحثَّهم على اللَّجَأ إليه وتحذيرِهم عما يُفضي إلى خِذلانه أي إن ينصُركم كما نصركم يومَ بدرٍ فلا أحدَ يغلِبُكم على طريق نفي الجنسِ المنتظِم لنفي جميعِ أفرادِ الغالبِ ذاتاً وصفةً ولو قيل: فلا يغلبُكم أحدٌ لدل على نفي الصفة فقط، ثم المفهومُ من ظاهر النظمِ الكريمِ ــ وإن كان نفيَ مغلوبـيّتِهم من غير تعرضٍ لنفي المساواةِ أيضاً، وهو الذي يقتضيه المقامُ ــ لكن المفهومَ منه فهماً قطعياً هو نفيُ المساواةِ وإثباتُ الغالبـيةِ للمخاطبـين، فإذا قلتَ: لا أكرمُ من فلان أو لا أفضلُ منه فالمفهومُ منه حتماً أنه أكرمُ من كل كريمٍ وأفضلُ من كل فاضلٍ وهذا أمرٌ مطردٌ في جميع اللغات ولا اختصاصَ له بالنفي الصريحِ بل هو مطردٌ فيما ورد على طريق الاستفهامِ الإنكاريِّ كما في قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } تفسير : [العنكبوت، الآية 68، وسورة الصف، الآية 7] في مواقعَ كثيرةٍ من التنزيل، ومما هو نصٌ قاطعٌ فيما ذكرنا ما وقع في سورة هودٍ حيث قيل بعده في حقهم: {أية : لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ} تفسير : [هود، الآية 22] فإن كونَهم أخسرَ من كل خاسرٍ يستدعي قطعاً كونَهم أظلمَ من كل ظالم {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} كما فعل يومَ أحُدٍ وقرىء يُخذِلْكم من أخذله إذا جعله مخذولاً {فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم} استفهامٌ إنكاريٌّ مفيدٌ لانتفاء الناصرِ ذاتاً وصفةً بطريق المبالغة {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد خِذلانه تعالى أو من بعد الله تعالى على معنى إذا جاوزتموه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تقديمُ الجارِّ والمجرورِ على الفعل لإفادة قصرِه عليه تعالى، والفاءُ لترتيبه أو ترتيبِ الأمرِ به على ما مر من غلبة المخاطَبـين ــ على تقدير نُصرتِه تعالى لهم ــ ومغلوبـيّتِهم على تقدير خِذلانِه تعالى إياهم، فإن العِلمَ بذلك مما يقتضي قصرَ التوكلِ عليه تعالى لا محالة، والمرادُ بالمؤمنين إما الجنسُ والمخاطبون داخلون فيه دخولاً أولياً وإما هم خاصةً بطريق الالتفاتِ، وأياً ما كان ففيه تشريفٌ لهم بعنوان الإيمانِ اشتراكاً أو استقلالاً، وتعليلٌ لتحتم التوكلِ عليه تعالى فإن وصفَ الإيمانِ مما يوجبه قطعاً.

التستري

تفسير : قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}[159] يعني بتعطف من الله لنت لهم {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً}[159] باللسان {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}[159] أي لتفرقوا من عندك {فَٱعْفُ عَنْهُمْ}[159] أي تجاوز عن زللهم {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ}[159] هزيمتهم يوم أحد، {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ}[159] أي لا تبعدهم بالعصيان عنك واشملهم بفضلك فإنك بنا تعفو وبنا تستغفر وإيانا تطالع، {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}[159] أي إذا أردت إمضاءه بعد المشورة {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}[159] أي ثق بالله مع ذلك، وفوض إليه جميع أمورك، وافتقر إليه دون غيره فلم يخرج من الدنيا حتى كشف الله تعالى في قلبه العلوم التي كانت بينه وبين الله تعالى بلا واسطة فيها، لما كان يجب من النظر والتفكر اعتباراً بقدرة ربه، كي ينال المزيد من الله تعالى كما أمره بقوله تعالى: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}تفسير : [طه:114] وقد حث على ذلك أمته بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : شاوروا المتقين الذين يؤثرون الآخرة على الدنيا ويؤثرون على أنفسهم في أموركم"تفسير : ، وقال: "حديث : شاوروا العلماء الصالحين فإذا عزمتم إلى إمضاء ذلك فتوكلوا على الله"تفسير : . وقال: آخِ من الإخوان أهل التقى، واجعل مشورتك من يخاف الله تعالى، ولا يكن كلامك بدلاً، ولا تعادين أحداً أبداً حتى تعلم كيف صنعه بينه وبين الله تعالى، فإن كان حسن الصنيع فلا تعادينه، فإن الله تعالى لا يكله إليك، وإن كان سيئ الصنيع فلا تعادينه، فإن الصنيع السوء يكفيه. وقال: من استشير فأشار بغير رأيه سلبه الله تعالى رأيه يعني غشه فيما أشار به عليه، وقال: من شاور واتكل في إمضاء ما عزم ثم ندم فقد اتهم الله تعالى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [الآية: 159]. قال الواسطى: جميع أوصافك وما يخرج من أنفاسك رحمة منى عليك وعلى من اتبعك، ثم أمره بإقامة العبودية فى حسن المعاشرة مع أوليائه وتقريب منزلتهم والمشورة معهم بقوله {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} ثم قال: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أى فاقطع عنهم جملة، وانقطع إلى سيرك وتوكل عليه، عاشرهم ظاهرًا وطالع ربك سرًا. قال بعضهم: "فاعفُ عنهم": تقصيرهم فى تعظيمك واستغفر لهم قعودهم عن أمرك، وشاورهم فى الأمر: لا تبعدهم بالعصيان عنك واشملهم بفضلك فإنك بنا تعفو وبنا تغفر وإيانا تطالع. ويقال: لا تعتمد عليهم وعلى كثرتهم فى شىء من أمورك، إذا عزمت فأخلص عزمك لنا، فإنك الحبيب ولا يحسن بالحبيب أن يلاحظ غير حبيبه. قال ابن عطاء: لما علا خلُقُه جميع الأخلاق عظمت المؤنة عليه، فأمر بالغض والعفو والاستغفار لهم. قال جعفر: أمر باستقامة الظاهر مع الخلق وبتجريد باطنه للحق، ألا تراه يقول: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}. قوله تعالى: {وَسَنَجْزِي ٱلشَّاكِرِينَ}. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت محمد بن سعيد يقول: الشاكر من يشكر على الرخاء، والشكور من يشكر على البلاء. وقد قيل: الشاكر من يشكر على النعماء والشكور من يتلذذ بالبلاء.

القشيري

تفسير : جرَّده عن أوصاف البشرية، وأفرده بما ألبسه من نعت الربوبية، وأخبر أن ما يلوح إليه فمن أنوار التولي، لا من آثار الوفاق والتبري، ولولا أنه استخلقه بما ألبسه وإلا متى كان بتلك الصفة؟‍! ويقال إن من خصائص رحمته - سبحانه - عليه أنْ قَوّاه حتى صَحِبَهُم، وصبر على تبليغ الرسالة إليهم، وعلى ما كان يقاسيه من اختلافهم - مع سلطان ما كان مستغرقاً له ولجميع أوقاته من استيلاء الحق عليه، فلولا قوة إلهية استأثره الحق بها وإلا متى أطلق صحبتهم؟! ألا ترى إلى موسى عليه السلام لما كان قريب العهد بسماع كلامه كيف لم يصبر على مخاطبة أخيه فأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه؟ ويقال لولا أنه صلى الله عليه وسلم شاهدهم محواً فيما كان يَجْرِي عليهم من أحكام التصريف، وتحقَّق أن منشئها الله - لما أطاق صحبتهم. قوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}: لو سَقْيتَهم صِرْفَ شراب التوحيدِ غيرَ ممزوجٍ بما فيه لهم حظٌّ لتفرقوا عنك، هائمين على وجوههم، غير مطيقين للوقوف لحظةً، {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} فيما يكون تقصيراً منهم في حقك وتوقيرك، وما عثرت عليه مِنْ تفريطهم في خدمتنا وطاعتنا - فانتصِبْ لهم شفيعاً إلينا. ويقال: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} فاعف - أنت - عنهم فإن حكمك حكمُنا، فأنت لا تعفو إلا وقد عَفَوْنا، ثم ردَّه عن هذه الصفة بما أثبته في مقام العبودية، ونقله إلى وصف التفرقة فقال: ثم قِفْ في محل التذلل مبتهلاً إلينا في استغفارهم. وكذا سُنَّتُه - سبحانه - مع أنبيائه عليهم السلام وأوليائه، يردُّهم مِنْ جمعٍ إلى فرقٍ ومن فَرْقٍ إلى جمع، فقوله: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} جمع، وقوله: {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} فرق. ويقال: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} وتجاوز عنهم في حقوقك، ولا تكتفِ بذلك ما لم تستغفِرْ لهم إكمالاً للكرم؛ ولهذا كان يقول: "حديث : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ". تفسير : ويقال ما يُقصِّرون في حقِّك تعلَّق به حقَّان: حقك وحقي، فإذا عفوتَ أنت فلا يكفي هذا القَدْرُ بل إنْ لَمْ أتجاوز عنهم في حقي كانوا مستوجبين للعقوبة؛ فمن أرضى خصمَه لا يَنْجَبِر حالُه ما لم يغفر الله له فيما ترك من أمره. وقوله: {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي أثْبِتْ لهم محلاً؛ فإنَّ المعفوَ عنه في صدار الخجلة لا يرى لنفسه مقام الكَرامة، فإذا شاورتَهم أزَلْت عنهم انكسارهم، وطيَّبْتَ لهم قلوبهم. ويقال تجَنَّسوا في أحوالهم: فَمِنْ مُقَصِّر في حقه أُمِرَ بالعفو عنه، ومن مرتكب لذنوبه أُمِرَ بالاستغفار له، ومن مطيعٍ غير مقصرٍ أُمِرَ بمشاورته. ثم قال: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي لا تتكل على رأي مخلوق وكِلْ الأمور إليّ، فإنا لا نخليك عن تصريف القبض بحالٍ. وحقيقة التوكل شهود التقدير، واستراحة القلوب عن كد التدبير. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} يذيقهم بَرْدَ الكفاية ليزول عنهم كل لغبٍ ونَصَبٍ، وإنه يعامل كلاً بما يستوجبه؛ فقومٌ يغنيهم - عند توكلهم - بعطائه، وآخرون يكفيهم - عند توكلهم - بلقائه، وقوم يرضيهم في عموم أحوالهم حتى يكتفون ببقائه، ويقفون معه به له - على تلوينات قَدَرِه وقضائه.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} ان الله سبحانه خلق قلوب هذه الامة وقت ايجادها فى روية جمال القدم ونورها بالحسن والرجا واخرج ارواحها من العدم الى عالم البسط والسر وروسنا المشاهدة والسماع والجور والبسوا خلق اللطف فصارت مستعدة روية الالطاف قابلة نور الانس من كمال حنكه الله ولطفه علينا خلق نبينا صلى الله عليه وسلم على خلق البسط وروح الانس فوافقت المرافقة وحصلت فى البين اهلية ودانت الارواح وقربت الاشباح فبقت الحسمة وقنيت الغلظة وصار رحمة تامة هذه الامة المرحومة وتصديق ذلك قوله تعالى {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} تبين من الخطاب لطف الجانبين ونسب الفعل الى النبى صلى الله عليه وسلم وان كان غير متكلف فى التلين لانه كان مخلوقا باللطف الكرم من الله وفيها الاشارة الى تاديب الصحابة اى لو كان النبى صلى الله عليه وسلم يدقق عليهم احكام الحقائق لضاقت صدورهم لم يتحملوا اثقال حقيقة الاداب فى الطريق ولكن سامحهم بالشريعة والرخص بحقائق ما اوجبه الله عليه وتصديق ذلك قوله تعالى {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الغفور والاستغفار من مسامحة الله لهم فاعف عنهم ----- قلة عرفا لهم اقدارك واستغفر لهم ما يجزى فى صدورهم من الخطرات التى لا يليق بالمعرفة وما يجزى على صورهم من الحظرات التى لا يليق بصحبتك ومجالسك لانك مستغرق فى الربوبية وهم يطلبونك فى مقام العبودية وهم فى وصف المحبة والارادة فانت فى محل التوحيد مشاهدة مطالع شموس الازل واقمار الاباد قال الواسطى فى قوله فبما رحمه من الله لنت لهم جميع اوصافك وما يخرج من انفاسك رحمة منى عليك على من اتبعك وقال ابن عكا لما علا خلقه جميع الاخلاق وعظمت المؤنة عليه فامر بالفض والعفو والاستغفار قال الحارث المحاسبى فى قوله وفبما رحمة من الله لنت لهم نسب ما كان منه فى ذلك من اللين والمداراة الى نفسه بقوله برحمتى لنت لهم وما كان الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم انك لنت لولا انه ليته بمعرفته وفقة للمداراة قال الفارسى انظر كيف وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم باللين والشفقة ثم عراه عن اوصافه فقوله فبما رحمة من الله لنت لهم وذاك قيامك بنا وهجرانك الخلق جمع قال الاستاد يقال ان من خصائص رحمته سبحانه عليه ان قواه حتى سحبهم وصب على تبليغ الرسالة مع الذى كان يقاسيه من اخلاقهم مع سلطان ما كان مستغرقا له ولجميع اوقاته من استيلاء الحق عليه فولا قولة الالهية استاثره الحق بها والا متى طاق صحبتهم الا ترى لى موسى لما كان قريبا لعهد بسماع كلامه كيف له يصير على مخاطبة اخيه واخذ براس اخيه يجره اليه وقال الاستاد فى قوله ولو كنت فظا غليظ الفلب لو سقيتهم صرف شارب التوحيد غير ممزوج بما فيه لهم حظ لتفرقوا هائمين على وجوههم غيره مطيقين الموقوف معك لخطة وقوله تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} اذا كان فى محل العبودية وامرو الشريعة وعالم العقل امر الله بحسن معاشرته معهم واستيشارهم فى وقائع مستقبلات القدر كيف يقبلونها بالعقول والقلوب بنعت التفكر والصبر فى احكامه لانهم كانوا يشربون من سواقى بحاره ولانهم فى مقام اولاية وهو فى مقام الرسالة والنبوة وهما واحد فى عين الجمع يرون الغيب بنور الفراسة وهو يراه بانوار النبوة والرسالة وكان عليه السلام يحتاج فى محل العبودية الى نصرة الصحابة له فى الدين واذا كان فى مشاهدة الربوبية وخرج من التفرقة الى الجميع امره الله سبحانه بافراد القدم عن الحدث حيث تجرد فى سيره مما لله الى الله بقوله {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} فانه حسبك فيما يريد منه.

اسماعيل حقي

تفسير : {فبما رحمة من الله لنت لهم} ما مزيدة للتأكيد اى فبرحمة عظيمة لهم كائنة من الله تعالى وهى ربطه على جأشه وتخصيصه بمكارم الاخلاق كنت لين الجانب لهم وعاملتهم بالرفق والتلطف بعدما كان منهم ما كان من مخالفة امرك واسلامك للعدو {ولو} لم تكن كذلك بل {كنت فظا} جافيا فى المعاشرة قولا وفعلا {غليظ القلب} قاسيه غير رقيق. فالفظ سيىء الخلق وغليظ القلب هو الذى لا يتأثر قلبه من شىء فقد لا يكون الانسان سيىء الخلق ولا يؤذى احدا ولكنه لا يرق لهم ولا يرحمهم فظهر الفرق بينهما {لانفضوا من حولك} اى لتفرقوا من عندك ولم يسكنوا اليك وتردوا فى مهاوى الردى {فاعف عنهم} فيما يتعلق بحقوقك كما عفا الله عنهم {واستغفر لهم} فيما يتعلق بحقوقه تعالى اتماما للشفقة عليهم واكمالا للبرّ بهم {وشاورهم فى الامر} اى ستخرج آراءهم واعلم ما عندهم فى امر الحرب اذ هو المعهود او فيه وفى امثاله مما تجرى فيه المشاورة عادة استظهارا بآرائهم وتطييبا لقلوبهم ورفعا لاقدارهم وتمهيدا لسنة المشاورة للامة {فاذا عزمت} اى عقيب المشاورة على شىء واطمأنت به نفسك {فتوكل على الله} فى امضاء امرك على ما هو ارشد واصلح فان ما هو اصلح لك لا يعلمه الا الله لا انت ولا من تشاور {ان الله يحب المتوكلين} عليه تعالى فينصرهم ويرشدهم الى ما فيه خير لهم وصلاح والتوكل تفويض الامر الى الله والاعتماد على كفايته. قال الامام دلت الآية على انه ليس التوكل ان يهمل الانسان نفسه كما يقوله بعض الجهال والا لكان الامر بالمشاورة منافيا للامر بالتوكل بل التوكل هو ان يراعى الانسان الاسباب الظاهرة ولكن لا يعول بقلبه عليها بل يعول على عصمة الحكمة. واعلم ان الله تعالى بين ان اصحاب النبى عليه الصلاة والسلام يتفرقون عنه لو كان فظا غليظا مع ان اتباعه دين وفراقه كفر فكيف يتوقع من يعامل الناس على خشونة اللفظ مع قسوة القلب ان ينقاد الناس كلهم له ويتابعوه ويطاوعوه فاللين فى القول انفذ فى القلوب واسرع الى الاجابة وادعى الى الطاعة ولذلك امر الله موسى وهارون به فقال {أية : فقولا له قولا لينا} تفسير : [طه: 44]. شعر : بنرمى زد شمن توان كند بوست جو بادوست سختى كنى دشمن اوست جو سندان كسى سخت رويى نبرد كه خايسك تأديب بر سر نخورد تفسير : قال الامام فى تفسيره اللين والرفق انما يجوز اذا لم يفض الى اهمال حق من حقوق الله فاما اذا ادى الى ذلك لم يجز قال الله تعالى {أية : يا أيها النبى جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} تفسير : [التوبة: 73]. وقال للمؤمنين فى اقامة حد الزنى {أية : ولا تأخذكم بهما رأفة فى دين الله} تفسير : [النور: 2]. والتحقيق ان طرفى الافراط والتفريط مذمومان والفضيلة فى الوسط فورود الامر بالتغليظ مرة واخرى بالنهى عنه انما كان لاجل ان يتباعد عن الافراط والتفريط فيبقى على الوسط الذى هو الصراط المستقيم ولهذا السر مدح الله تعالى الوسط فقال {أية : وكذلك جعلناكم أمة وسطا} تفسير : [البقرة: 143]. قال عليه السلام "حديث : لا تكن مرّا فتعقى ولا حلوا فتسترط" شعر : جو نرمى كنى خصم كردد دلير و كرخشم كيرى شوند ازتوسير درشتى ونرمى بهم در بهست جورك زن كه جراح ومرهم نهست تفسير : واعلم ان المقصود من البعثة ان يبلغ الرسول تكليف الله الى الخلق وهذا المقصود لا يتم الا اذا مالت قلوبهم اليه وسكنت نفوسهم لديه وهذا لا يتم الا اذا كان كريما رحيما يتجاوز عن ذنبهم ويعفو عن اساءتهم ويخصهم بوجوه البر والمكرمة والشفقة فلهذه الاسباب وجب ان يكون الرسول متبرئا من سوء الخلق وحيث يكون كذلك وجب ان يكون غير غليظ القلب بل يكون كثير الميل الى اعانة الضعفاء كثير القيام باعانة الفقراء كثير التجاوز عن سيآتهم كثير الصفح عن زلاتهم فلهذا المعنى قال {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} ولو انفضوا من حولك فات المقصود من البعثة والرسالة وهكذا ينبغى ان يكون علماء الآخرة الوارثون والمشايخ فان الناس على دين متبوعهم فى الظاهر والباطن وقلما يوجد من يتصف بالاخلاق الحسنة من المشايخ والعلماء فى هذا الزمان الا من عصمه الله وهداه الى التمسك بالشريعة والتحقق بآداب الحقيقة وهذه الحال ليست الا لواحد بعد واحد ـ روى ـ انه خلا باحنف المضروب به المثل فى الحلم رجل فسبه سبا قبيحا فقام الاحنف وهو يتبعه فلما وصل الى قومه وقف وقال يا اخى ان كان قد بقى من قولك فضلة فقل الآن ولا يسمعك قومى فتؤذى فانظر الى خلق الاحنف كيف عامل مع الرجل وجامل وقال له رجل دلنى على المروة فقال عليك بالخلق الفسيح والكف عن القبيح. قال نجم الدين الكبرى فى تأويلاته كل لين يظهر فى قلوب المؤمنين بعضهم على بعض فهو رحمة الله ونتيجة لطفه مع عباده لا من خصوصية انفسهم فان النفس لامارة بالسوء وان كانت نفس الانبياء عليهم السلام انتهى. وفى هذا الكلام تنبيه على ان الانبياء وان كان سلوكهم من النفس المطمئنة الى الراضية والمرضية والصافية الى ان بلغوا مبلغ النبوة والرسالة لكن نفوسهم متصفة بالامارية كسائر الناس ولكن الله يعصمهم من مقتضاها فافهم فانه محل اعتبار وامعان.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {فبما}: صلة. والفظ، الجافي، يقال: فظ فظاظةً وفظوظاً، ورجل فظ، وامرأة فظة، والفض - بغير المشالة: التفرق، ويطلق على الكسر، ومنه: لا يفضض الله فاك. يقول الحقّ جلّ جلاله: فبرحمة من الله ونعمة كنت سهلاً ليناً رفيقاً، فحين عصوا أمرك، وفروا عنك، ألنت لهم جانبك، ورفقت بهم، بل اغتممت من أجلهم مما أصابهم، {ولو كنت فظّاً} جافياً سيىء الخلق {غليظ القلب} قاسيَهُ فأغلظت لهم القول، {لانفضوا من حولك} أي: لتفرقوا عنك، ولم يسكنوا إليك، {فاعف عنهم} فيما يختص بك، {واستغفر لهم} في حق ربك حتى يشفعك فيهم {وشاورهم في الأمر} الذي يصح أن يشاور فيه؛ تطييباً لخاطرهم، ورفعاً لأقدارهم، واستخراجاً وتمهيداً لسنة المشاورة لغيرهم، وخصوصاً الأمراء. قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما شقا عبد بمشورة، وما سعد باستغناء برأي"تفسير : . قال أيضاً:"حديث : مَا خَابَ من اسْتَخَارَ، وَلاَ نَدِمَ من اسْتَشَارَ"تفسير : . وقال أيضاً - عليه الصلاة والسلام -"حديث : إذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ أَسخيَاءَكُمْ، وأَمرُكُم شُورَى بَيْنَكُم، فَظَهْرُ الأرْض خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا. وإذا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاءَكُمْ، ولم تكن أموركم شُورَى بَيْنَكُم، فبَطْنُ الأرْضِ خَيرٌ من ظَهْرِهَا ". تفسير : {فإذا عزمت} على شيء بعد الشورى، {فتوكل على الله} أي: ثق به وكيلاً، {إن الله يحب المتوكلين} فينصرهم ويهديهم إلى ما فيه صلاحهم. الإشارة: ما اتصف به نبينا - عليه الصلاة والسلام - من السهولة والليونة والرفق بالأمة، اتصفت به ورثته من الأولياء العارفين، والعلماء الراسخين، ليتهيأ لهم الدعوة إلى الله، أو إلى أحكام الله، ولو كانوا فظاظاً غلاظاً لانفض الناس من حولهم، ولم يتهيأ لهم تعريف ولا تعليم، فينبغي لهم أن يعفوا ويصفحوا ويغفروا ويصبروا على جفوة الناس، ويستغفروا لهم، ويشاوروهم في أمورهم، اقتداء برسولهم، فإذا عزموا على إمضاء شيء فليتوكلوا على الله؛ {إن الله يحب المتوكلين}. قال الجنيد - رضي الله عنه -: (التوكل أن تقبل بالكلية على ربك وتعرض عمن دونه). وقال الثوري: أن تفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلاً ومدبراً، قال الله تعالى:{أية : وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}تفسير : [النِّساء: 81]. وقال ذو النون: (خُلع الأرباب، وقطع الأسباب) وقال الخواص: قطع الخوف والرجاء مما سوى الله تعالى. وقال العرجي: رد العيش إلى يوم واحد، وإسقاط هم غد. هـ. وقال سهل: معرفة معطي أرزاق المخلوقين، ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون عنده السماء كالصفر والأرض كالحديد، لا ينزل من السماء قطر، ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بيه هذين. هـ. وقيل: هو اكتفاء العبد الذليل بالرب الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل، حين لم ينظر إلى عناية جبريل. وقيل لبهلوان المجنون: متى يكون العبد متوكلاً؟ قال: إذا كان بالنفس غريباً بين الخلق، وبالقلب قريباً إلى الحق. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : مَنْ سَرَّهُ أنْ يَكُونَ أكْرَم النَّاسِ فَلْيَتقِ الله، ومَنْ سَرَّه أن يكُون أغْنَى النَّاس فليكنِ بما في يد الله أوثق منه بما في يَده ". تفسير : قال ابن جزي: التوكل هو الاعتماد على الله في تحصيل المنافع وحفظها بعد حصولها، وفي دفع المضرات ورفعها بعد وقوعها، وهو من أعلى المقامات، لوجهين: أحدهما: قوله: {إن الله يحب المتوكلين}، والآخر: الضمان الذي في قوله:{أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}تفسير : [الطّلاَق: 3]، وقد يكون واجباً لقوله:{أية : وَعَلَى اللَّهِ فَتَوكلَوا إِنْ كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [المَائدة: 23]، فجعله شرطاً في الإيمان، ولظاهر قوله:{أية : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونِ}تفسير : [آل عِمرَان: 122]؛ فإن الأمر محمول على الوجوب. واعلم أن الناس في التوكل على ثلاث مراتب: الأولى: أن يعتمد العبد على ربه، كاعتماد الإنسان على وكيله المأمون عنده، الذي لا يشك في نصحيته له وقيامه بمصالحه. الثانية: أن يكون العبد مع ربه كالطفل مع أمه؛ لا يعرف سواها ولا يلجأ إِلاَّ إليها. الثالثة: أن يكون العبد مع ربه كالميت بين يدي الغاسل، قد أسلم إليه نفسه بالكلية. فصاحب الدرجة الأولى عنده حظ من النظر لنفسه، بخلاف صاحب الثانية. وصاحب الثانية له حظ من الاختيار، بخلاف صاحب الثالثة. وهذه الدرجات مبنية على التوحيد الخاص، الذي تكلمتُ عليه في قوله: {أية : وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ}تفسير : [البَقَرَة: 163]، فهي تقوى بقوته وتضعف بضعفه. فإن قيل: هل يشترط في التوكل ترك الأسباب أم لا؟ فالجواب: أن الأسباب على ثلاثة أقسام: أحدها: سبب معلوم قطعاً قد أجراه الله، فهذا لا يجوز تركه؛ كالأكل لرفع الجوع وللباس لرفع البرد. الثاني: سبب مظنون: كالتجارة وطلب المعاش، وشبه ذلك، فهذا لا يقدح فعله في التوكل، فإن التوكل من أعمال القلوب لا من أعمال البدن، ويجوز تركه لمن قوي عليه. والثالث: سبب موهوم بعيد، فهذا يقدح فعله في التوكل، قلت: ولعل هذا مثل طلب الكيمياء والكنوز وعلم النار والسحر، وشبه ذلك. ثم فوق التوكل التفويض، وهو: الاستسلام لأمر الله تعالى بالكلية، فإن المتوكل له مراد واختيار، وهو يطلب مراده في الاعتماد على ربه، وأما المفوض فليس له مراد ولا اختيار، بل أسند الاختيار إلى الله تعالى، فهو أكمل أدباً مع الله. هـ. وأصله للغزالي، وسيأتي بقية الكلام عند قوله:{أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِى لاَ يَمُوتُ}تفسير : [الفُرقان: 58]. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : الاعراب والمعنى: قوله: {فبما رحمة من الله} معناه فبرحمة، وما زائدة باجماع المفسرين ذهب إليه قتادة، والزجاج، والفراء وجميع أهل التأويل. ومثله قوله: {عما قليل ليصبحن نادمين} فجاءت (ما) مؤكدة للكلام وسبيل دخولها لحسن النظم، كدخولها لاتزان الشعر، وكل ذلك تأكيد ليتمكن المعنى في النفس، فجرى مجرى التكرير. قال الحسن بن علي المغربي عندي أن معنى (ما) أي وتقديره فبأي رحمة من الله، وهذا ضعيف. ورحمة مجرورة بالباء، ولو رفعت كان جائزاً على تقدير فيما هو رحمة. والمعنى ان لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين، لأنك تأتيهم بالحجج والبراهين مع لين خلق. اللغة، والمعنى: وقوله: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} فالفظ الجافي، والغليظ القلب القاسي، يقال فيه فظظت تفظ فظاظة، فأنت فظ، وهو على وزن فعل إلا أنه ادغم كضب. وأصل الفظاظة الجفوة. ومنه الفظاظة. ومنه الفظاظ: خشونة الكلام. والافتظاظ: شرب ماء الكرش لجفائه على الطباع. وقوله: {فظاً غليظ القلب} انما جمع بين الصفتين مع اتفاقهما في المعنى، لازالة التوهم أن الفظاظة في الكلام دون ما ينطوي عليه القلب من الحال، وهو وجه من وجوه التأكيد إذ يكون لازالة الغلط في التأويل، ولتمكين المعنى في النفس بالتكرير، ومايقوم مقامه. وقوله: {وشاورهم في الأمر} أمر من الله تعالى لنبيه أن يشاور أصحابه يقال شاورت الرجل مشاورة وشواراً وما يكون عن ذلك اسمه المشورة. وبعضهم يقول المشورة. وفلان حسن الشورة، والصورة أي حسن الهيئة واللباس وإنه لشير صير، وحسن الشارة، والشوار: متاع البيت. ومعنى شاورت فلاناً أي أظهرت ما عندي في الرأي، وما عنده. وشرت الدابة أشورها: إذا امتحنتها فعرفت هيئتها في سيرها. وقيل في وجه مشاورة النبي (صلى الله عليه وسلم) إياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من العباد ثلاثة أقوال: أحدها - قال قتادة، والربيع، وابن اسحاق أن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم، والتألف لهم، والرفع من أقدارهم إذ كانوا ممن يوثق بقوله: "ويرجع إلى رأيه". والثاني - قال سفيان بن عيينه: وجه ذلك لتقتدي به أمته في المشاورة ولا يرونها منزلة نقيصة كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم. الثالث - قال الحسن، والضحاك: انه للامرين، لاجلال الصحابة واقتداء الأمة به في ذلك. وأجاز أبو علي الجبائي: أن يستعين برأيهم في بعض أمور الدنيا. وقال قوم: وجه ذلك أن يمتحنهم فيتميز الناصح في مشورته من الغاش النية. وقوله: {فاذا عزمت فتوكل على الله} فالتوكل على الله هو تعويض الأمر إليه للثقة بحسن تدبيره، وأصله الاتكال. وهو الاكتفاء في فعل ما يحتاج إليه بمن يسند إليه. ومنه الوكالة، لأنها عقد على الكفاية بالنيابة والوكيل هو المتكل عليه بتفويض الأمر إليه. وقوله: {إن الله يحب المتوكلين} معناه يريد ثوابهم على توكلهم واسنادهم أمورهم إلى الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} الفاء للتّرتيب فى الاخبار والباء سببيّة وما زائدة للتّأكيد وتنكير الرّحمة للتّفخيم {لِنتَ لَهُمْ} يعنى برحمة عظيمة نازلة من الله عليك لنت لهم فكن شاكراً لنعمه {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً} سيّء الخلق خشن الكلام {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ} لا رقّة ولا رأفة فيه {لاَنْفَضُّواْ} لتفرّقوا {مِنْ حَوْلِكَ} ولم يسكنو اليك {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} يعنى اذا علمت انّ لين الجانب ولين الكلام رحمة ونعمة من الله، وانّ سوء الخلق وقساوة القلب بالنّسبة اليهم مورث لتفرّقهم فاجتهد فى المداراة معهم واعف عن اساءتهم بالنّسبة اليك {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} ما بينى وبينهم حتّى يرغبوا فيك اشدّ رغبة ويسكنوا اشدّ سكون {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} اى فى الحرب مخصوصاً او فى كلّ ما يصحّ المشاورة فيه تطييباً لنفوسهم وتحبيباً لهم اليك واستظهاراً برأيهم وتسنيناً لسنّة المشاورة فى امّتك لانّ فى المشاورة رفعاً للملامة والنّدامة فى العمل وجلباً للبركة فيه لانّ فى اتّفاق النّفوس اثراً ليس فى انفرادها بالامر بل نقول: ان لم يكن فى الامر الّذى يشاور فيه ويتّفق نفوس عليه خير يجعل الله فيه خيراً لا محالة فلا ينبغى ترك المشاورة فى الامور {فَإِذَا عَزَمْتَ} بعد المشاورة والاتّفاق على امرٍ {فَـ} لا تعتمد على الشّورى واتّفاق الآراء فانّ الصّلاح والفساد فى الامور بيد الله {تَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} فاعتمد على الله بأخذه وكيلاً فى امورك واصلاحها {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} ولا شرف فوق محبّة الله؛ ترغيب فى التّوكّل. اعلم انّ التوكّل والتّسليم والتّفويض متقاربة المفهوم ويستعمل كلّ فى معنى الآخرين والفرق بينهما فى غاية الدّقّة لانّ التوكّل اخذ الله وكيلاً فى امورك، والتّسليم عرض امورك عليه، والتّفويض الخروج من نسبة الامور بل من نسبة الانانيّة الى نفسك، ففى التّسليم تبجيل ليس فى التّوكيل، وفى التّفويض تبجيل لا يدع للمفوّض التفاتاً الى التّبجيل ايضاً.

اطفيش

تفسير : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ}: الفا عاطفة على محذوف، أى استحقوا التعنيف، لانهزامهم فلنت لهم برحمة الله والمعطوف لنت، والياء سببية، وما صلة لتأكيد الرحمة، ورحمة: مجرور بالياء، وهذا أولى من أن يجعل ما نكرة تامة مجروراً بالياء، ورحمة بدله والمعنى لنت لهم مع انهزامهم برحمة من الله أعطاكها وجعلها فى قلبك، وتقديم برحمة على لنت مع أنه متعلق به للحصر، وعلى طريق العرب فى تقديمهم ما يهتم به، وقد عظم الله الرحمة فى قلبه، حتى اغتم بما أصابهم مع مخالفتهم له، وانهزامهم إليه الذى يفضى إلى طمع العدو فيه، وفيهم، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً}: سىء الخلق، جافى المنطق والفعل. {غَلِيظَ الْقَلْبِ}: قاسى القلب، ينبو عن الاحتمال. {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}: لتفرقوا عنك، ونفروا، يقال: انفضت الجماعة، أى افترقت، قال رجل من المسلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أحسن الله إلينا الإحسان كله، كنا قوماً مشركين فلو جاءنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بهذا الدين جملة واحدة، فيه جهاد الآباء والأبناء، وتحريم الحرام، والربا والأحكام والحدود لما دخلنا فى الإسلام، ولكنه دعانا إلى كلمة فلما دخلنا فيها وعرفنا حلاوة الإسلام والإيمان قبلنا ما جاء به من الله". {فَاعْفُ عَنْهُمْ}: فيما هو فى حقك أو فى مخالفتهم، وانهزامهم يوم أحد. {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ}: فيما هو حق الله، أو فيه وفيما هو لك، لأن العفو غير ذلك، وهو أن لا تحقد عليهم، ولا تنتقم منهم. {وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ}: الذى لم يحده الله وجعل حده وتفضيله إليكم كأمر الحرب، يخرج إليها وقت كذا، أو وقت كذا، وتنزل بمحل كذا، أو بمحل كذا، وهل تكيد بكذا، كما يدل النزول يوم بدر، برأى بعض المسلمين، كما يأتى إن شاء الله، وكما خندق يوم الأحزاب برأى سليمان، وكما شاورهم فى أسارى بدر، وقال الكلبى وأكثر العلماء 8 الشاورة فى الآية إنما هى فى أمر الحرب، على أن فى الأمر للعهد من أمر الحرب، إذ لا يمكن أن تكون للاستغراق، لأنه لا يشاورهم فى أكله أو شربه، كلما أراد، ومباشرته لأزواجه، صلى الله عليه وسلم، وعليهن وما نزل فيه الوحى من الله من حلال وحرام، أو حكم أو حد، والذى عندى أن المراد بالأمر: حقيقة الصالحة للمشاورة لا خصوص امر الحرب، وعلة الأمر بالمشاورة الانتفاع برأيهم، فقد يكون عندهم ما لم يكن عنده، وتطيب قلوبهم والعطف بهم وإذهاب أضغانهم، وكان سادات العرب يشق عليهم عدم المشاورة، إذا لم يشاورهم أحد وتوصله إلى معرفة مقادير عقولهم، وأحكامهم بمشاوراتهم وأن تقتدى أمته به بالمشاورة، وقال الحسن البصرى: ما كان فى الأرض أحسن رأياً من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما كان له حاجة إلى أصحابه فى مشورة، ولكن الله أراد بذلك، أن يطمئن المسلمون إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمشاورته إياهم، وفى رواية عن الحسن: قد علم الله أنه ما به إلى مشاورتهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به، من بعد من أمته، فمجموع ذلك أن الحسن علل المشاورة أن يطمئنوا إليه وأن يقتدى به، والتحقيق التعميم الذى ذكرته أولا وقد قيل: بكل من أوجهه قولا، قالت عائشة رضى الله عنها: ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قيل: ما اجتمع قوم يتشاورون فى أمر يعلم الله أنهم يريدون الخير إلا وقفوا لأرشد أمرهم. قال بعضهم: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه فى الأمر، وهو يأتيه الوحى من الله، لأنه أطيب لأنفس القوم، وإن القوم إذا شاور بعضهم بعضاً فأرادوا بذلك وجه الله، عزم الله لهم على الرشاد، وظاهر هذا الأثر أنه يشاورهم فى الوحى، وهذا الظاهر بعيد، وقد أجمعوا أنه لا مشاورة فى الوحى، ووجهه أنه ينزل عليه الوحى، فيقول لهم ما تقولون فى كذا؟ ليعلم هل وافق رأيهم الوحى؟ ويؤيد هذا ما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حديث : أنه أرسل إلى سعد وقد أصيب فى قتال قريظة فجاء على حمار فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم:؛ أشر على فى قريظة؟ فقال: قد عرفت أن الله أمرك فيهم بأمر أنت صانع ما أمرك به. فقال: أشهر على فيهم فقال: لو وليت أمرهم لقتلت مقاتلتهم وسبيت ذريتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: بقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماواتتفسير : ، أى بحكمه الذى أتى به على أن يتبع رأيهم، ويترك الوحى، قال على: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتقدير قبل العمل يؤمنك من الندم قال ابن عرفة: من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب. وهذا مما لا خلاف فيه، وفى المشاورة علم الإنسان بعجزه إذا كان الرأى مع غيره، وإن أخطأ لم يشتد عليه اللوم إذا شاور، ولم يشتد عليه الندم، ومستشار العالم الدين، وقلما يكون ذلك إلا فى العاقل، قال الحسن: ما كمل دين أمرء لم يكمل عقله كما قال قائل: شعر : وشاور إذا شاورت كل مهذب لبيب أخا حزم لترشد فى الأمر ولا تلك ممن يستبد برأيه فتعجز أو لا تستريح من الفكر ألم تر أن الله قال لعبده وشاورهم فى الأمر حتما بلانكر تفسير : {فَإِذَا عَزَمْتَ}: يا محمد على المشاورة، أو على ما أشير له عليك إذا شاورت. وقرأ جابر بن زيد، وجعفر الصادق، وعكرمة: بضم التاء على أنها الله، أى إذا عزمت أنا فتوكل على، على طريق الالتفات من التكلم للغيبة، والله لا يوصف بالعزم، فمعناه الإيجاب أو التعيين: أى فإذا أوجبت أو عينت، فلا تشاور أحد ولا نظن أنهم قرأوا ذلك بلا سماع، من الصحابة لأن ما كان كذلك لا يلحق بالقرآن. {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ}: فثق به، واعتمد عليه، على المشاورة، أو ما أشير به عليك، فإنه تعالى: ولى الإعانة، ولا يعلم إلا الأصلح لك، إلا هو، ودلت الآية على أن التوكل لا ينافى الكسب إذ أمره بالمشاورة والتوكل معاً، قيل: من التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصراً غير الله، ولا لعملك شاهداً غيره، ولا لرزقك خازناً غيره. {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}: على الله فى جميع أمورهم فينصرهم ويهديهم. قال عمران بن حصين: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: حديث : يدخل الجنة من أمتى سبعون ألفاً لا حساب عليهم ولا عذاب. قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال: هم الذين لا يكذبون يكترون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنى منهم. فقال أنت منهم، فقام آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلنى منهم، قال: سبقك بها عكاشةتفسير : ، وفى رواية مع كل ألف سبعون ألفاً وثلاث حثيات من حثيات ربى، أى ما يسع الكفين، تعالى الله عنهما، فالمعنى ثلاث جمل يعلمهن الله، وقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : "إن الله أعطانى سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عمر: يا رسول الله فهلا استزدته. فقال: استزدته فأعطانى مع كل واحد من سبعين ألفاً سبعين ألفاً. فقال عمر: يا رسول الله فلا استزدته. فقال: استزدته فأعطانى هكذا وفتح يديه. وعن سليمان ابن حرب عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعدنى ربى أن يدخل الجنة من أمتى مائة ألف، فقال أبو بكر: يا رسول الله زدنا. فقال: وهكذا وأشار سليمان بن حرب بيده، أى بحثيه، فقال أبو بكر: يا رسول الله زدنا. فقال عمر: إن الله عز وجل قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، أى نصف الحثية. فقال صلى الله عليه وسلم: صدق عمر ".

اطفيش

تفسير : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ} ما صلة للتأكيد، وكذا فيما تقضهم، وعما قليل، وجند ما هنالك، وعما خطاياهم، ومما خطيئاتهم، أو بمعنى شىء، أو خصلة، فتبدل منها رحمة، أَبهم ثم بين، وقدم للحصر على متعلقه وهو قوله {لِنْتَ لَهُمْ} سهلت، بتحمل آذاهم، ومخالفتهم إياك يوم أحد إذ تركوا المركز الذى تركه أدى إلى قتل مسلمين كثيرين، وأفراح العدو بالقتل والأسر ولم تعنفهم ولم تحقد عليهم بذلك مع عظم موقعه فى الدين، ومع مقتضى جبلة البشر من الحقد والعقاب وسكنوا إليك لذلك، وهو ضد أخلاق الفظ الغليظ، كما قال الله جل وعلا {وَلَوْ كُنْتَ فَظَّا} سيىء الخلق {غَلِيظَ القَلْبِ} قاسيه، فظظت وأغلظت عليهم، وقيل: فظ القول غليظ القلب فى الفعل، وقيل: الفظ فى القول والفعل ظاهر، أو غلظ القلب سوء الباطن، وجاء الخبر، إِن أبعد القلوب عن الله القلوب القاسية {لاَنفَضُّوا} تفرقوا {مِنْ حَوْلِكَ} والله سبحانه وتعالى يأمر باللين للسلامة معه من الظلم، ولجلب الناس إلى دين الله ولإبقائهم عليه، ولو لم يلن، وإذا أفضى الله تعالى: جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم، وقال: {أية : فَشرِّد بهم مَن خَلْفهم} تفسير : [الأنفال: 57]، وقال: {أية : ولا تأخذكم بهما رأفة} تفسير : [النور: 2]، وقال: {أية : أشداء على الكفار} تفسير : [الفتح: 29] {فَاعْفُ عَنْهُمْ} فعلوه من ترك المركز ومن انهزامهم وإلحاحهم قبل ذلك الخروج إلى أحد وغير ذلك مما هو من حقوقك {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} فيما لك وفيما لله {وَشَاوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ} الحرب وغيرها من أمور الدنيا والدين، إلا أن المشاورة فيه إنما هى فى طريق إمضائه بأى وجه، وأما إمضاؤه فواجب لا مشاورة فيه، وحكمة المشاورة الاستعانة برأيهم وترك رأيه إلى رأيهم، إذا ظهر له الصلاح فى الترك، وظهور نصح من ينصحه، ومعرفة مقادير عقولهم وأفهامهم، وتطييب نفوسهم وجلبهم وإذهاب أَضغانهم، وأنه يشق على سادات العرب ألا يشاوروا، وأن تقتدى الأمة به فى الشورى فيظفروا بالرأى الصالح قال صلى الله عليه وسلم لأبى بكر وعمر: حديث : لو اجتمعتما فى مشورة لم أخالفكماتفسير : ، رواه أحمد عن عبد الرحمن بن غنيم، وأخرج الطبرى عن قتادة؛ أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه فى الأمور، وهو يأتيه الوحى من السماء لأنه أطيب لنفوس القوم، وليكون سنة بعده، ولا يشاورهم فيا أوحى إليه إلا على بيان طريق إنفاذه، وروى ابن عدى والبهقى أنه قال صلى الله عليه وسلم لما نزلت الآية، حديث : أما إن الله ورسوله لغنيان عن الشورى، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتىتفسير : ، وفى البخارى قرأ ابن عباس، وشاورهم فى بعض الأمر، وليست الآية أن يشاورهم مطلقا أو كلهم، بل من يتأهل لها بالتدبير، روى الحاكم والبيهقى عن ابن عباس أنها نزلت فى أبى بكر وعمر، أى ويحكم لمثلهما بحكمها، وأل فى الأمر للحقيقة لا للاستغراق ولا للعهد {فَإذَا عَزَمْتَ} ثبت على العزم، بأن كان الأمر دينيَّا لا يحتاج إلى تفكر يؤدى إلى إمضائه، أو جزم الله طريقه، أو دنيويا وعينه أو غير ذلك، وقد عزمت فيه بعد الشورى على رأيك أو رأيهم {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ} اعتقد أن النافع الضار هو الله، ولا تأثير لغيره من أحد أو رأى، والتوكل لا ينافى الكسب والمشاورة، فإن الإنسان يراعى الأسباب ولا يعول عليها، بل قضاء الله عز وجل، وليس التوكل إهمال النفس عن الأسباب فيما يحتاج إلى الأسباب، وذلك نص الآية، إذ جمعت بين المشاورة وهى استخراج الرأى كاستخراج العسل، وبين التوكل، وأقوى التوكل ألا تطلب لنفسك ناصراً غير الله، ولا لرزقك خازناً غيره، ولا لعملك مشاهداً غيره، وإذا لم يحتد أمر إلى كسب فالتوكل فيه مجرد عن الكسب، أو كان مما لا يضر فيه ترك الكسب جاز ترك الكسب فيه {إنَّ اللهَ يُحِبُّ} منصر وينفع ويهدى {المُتَوَكِّلِينَ}عليه جل وعلا.

الالوسي

تفسير : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ } خطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم والفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبـىء عنه السياق من استحقاق الفارّين الملامة والتعنيف منه صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية حيث صدروا عنه وحياض الأهوال مترعة وشمروا للهزيمة والحرب قائمة على ساق، أو من سعة فضاء مغفرته ورحمته والباء متعلقة ـ بلنت ـ والتقديم للقصر، ـ وما ـ مزيدة للتأكيد وعليه أجلة المفسرين وهو المأثور عن قتادة، وحكى الزجاج الإجماع عليه وفيه نظر، فقد قال الأخفش وغيره يجوز أن تكون نكرة بمعنى شيء، ورحمة بدل منها، وجوز أن تكون صفة لها، وقيل: إنها استفهامية للتعجب والتقدير فبأي رحمة لنت لهم، والتنوين في رحمة على كل تقدير للتفخيم، و {مِنْ } متعلقة بمحذوف وقع صفة لها أي: فبما رحمة عظيمة كائنة من الله تعالى كنت لين الجانب لهم ولم تعنفهم، ولعل المراد بهذه الرحمة ربطه سبحانه وتعالى على جأشه صلى الله عليه وسلم وتخصيصه له بمكارم الأخلاق، وجعل الرفق ولين الجانب مسبباً عن ربط / الجأش لأن من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة. قيل: وأفاد الكلام في هذا المقام فائدتين: إحداهما: ما يدل على شجاعته صلى الله عليه وسلم، والثانية: ما يدل على رفقه فهو من باب التكميل، وقد اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم هاتان الصفتان يوم أحد حيث ثبت حتى كر عليه أصحابه مع أنه عراه ما عراه ثم ما زجرهم ولا عنفهم على الفرار بل آساهم في الغم. {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } أي خشن الجانب شرس الأخلاق جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ } أي قاسيه، وقال الكلبـي: فظاً في الأقوال غليظ القلب في الأفعال. وذكر بعضهم أن الفظ سيء الخلق في الأمور الظاهرة من الأقوال والأفعال، وغليظ القلب السيء في الأمور الباطنة، والثاني: سبب للأول وقدم المسبب لظهوره إذ هو الذي يطلع عليه ويمكن أن يقال المراد لو كنت على خلاف تينك الصفتين المعبر عنهما بالرحمة وهو التهور المشار إليه بالفظاظة وسوء الأخلاق المرموز إليه بغلظ القلب فإن قساوة القلب وعدم تأثره يتبعها كل صفة ذميمة، ولهذا ورد أبعد القلوب عن الله تعالى القلوب القاسية وكأنه لبعده صدّر بيمكن وعلى كل تقدير في الكلام حذف أي ولو كنت فظاً غليظ القلب فلم تلن لهم وأغلظت عليهم {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } أي لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك وتردّوا في مهاوي الردى ولم ينتظم أمر ما بعثت به من هدايتهم وإرشادهم إلى الصراط. {فَٱعْفُ عَنْهُمْ } مترتب على ما قبله أي إذا كان الأمر كذلك فاعف عنهم فيما يتعلق بحقوقك {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ } الله تعالى فيما يتعلق بحقوقه سبحانه وتعالى إتماماً للشفقة وإكمالاً للتربية {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأمْرِ } أي في الحرب أخرجه ابن أبـي حاتم من طريق ابن سيرين عن عبيدة وهو المناسب للمقام، أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورة عادة، وإليه ذهب جماعة، واختلف في مشاورته صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله تعالى عنهم في أمر الدين إذا لم يكن هناك وحي فمن أبـى الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم ذهب إلى عدم جوازها ومن لا يأباه ـ وهو الأصح ـ ذهب إلى جوازها، وفائدتها الاستظهار برأيهم، ويؤيد ذلك ما أخرجه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبـي بكر وعمر: «حديث : لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما» تفسير : أو التطييب لأنفسهم، وإليه ذهب قتادة، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال: أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم، أو أن تكون سنة بعده لأمته وإليه ذهب الحسن، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية: قد علم الله تعالى ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده، ويؤيده ما أخرجه ابن عدي والبيهقي في «الشعب» بسند حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأَْمْرِ } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشداً ومن تركها لم يعدم غياً»تفسير : ؛ وقيل: فائدة ذلك أن يمتحنهم فيتميز الناصح من الغاش وليس بشيء، وادعى الجصاص ((أن كون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب النفوس مثلاً غير جائز لأنه لو كان معلوماً عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط الصواب عما سئلوا عنه ثم لم يكن معمولاً به لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم بل فيه إيحاشهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معوّل عليها؛ وجزم بأنه لا بد أن يكون لمشاورته صلى الله عليه وسلم إياهم فائدة / هي الاستظهار بما عندهم وأن يكون للنبـي صلى الله عليه وسلم معهم ضرب من الاجتهاد فما وافق رأيه عمل به وما خالفه ترك من غير لوم، وفيه إرشاد للاجتهاد وجوازه بحضرته صلى الله عليه وسلم وإشعار بمنزلة الصحابة وأنهم كلهم أهل اجتهاد وأن باطنهم مرضي عند الله تعالى)) انتهى، وفيه نظر إذ لا خفاء على من راجع وجدانه أن في قول الكبير للصغير ماذا ترى في أمر كذا وماذا عندك فيه تطييباً لنفسه وتنشيطاً لها لاكتساب الآراء وإعمال الفكر لا سيما إذا صادف رأيه رأي الكبير أحياناً وإن لم يكن العمل برأيه الموافق بل العمل بالرأي الموافق، وما ادعاه من أن الرأي إذا لم يكن معمولاً به كان فيه إيحاش غير مسلم لا سيما فيما نحن فيه لعلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعلو شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن عقولهم بالنسبة إلى عقله الشريف كالسها بالنسبة إلى شمس الضحى، على أن من قال: إن فائدة المشاورة تطييب النفس أشار إلى أن الوحي يأتيه فهو غني عنها، وحينئذٍ يكون قصد التطييب أتم وأظهر لما في المشاورة إذ ذاك من تعريضهم لما يمكن أن يوافق الوحي والإيحاش بعدم العمل هنا أبعد لأن مستنده اتباع الوحي ومعلوم لديهم أنه أولى بالاتباع لأنه من قبل الله تعالى اللطيف الخبير كما لا يخفى، ثم ما ذكر من أن في ذلك إشعاراً بأن الصحابة كلهم أهل اجتهاد في حيز المنع لأن أمر السلطان مثلاً لعامله أن يشاور أهل بلده في أموره لا يستدعي أن يشاور كل واحد واحد منهم في ذلك بل لا يكاد أن يكون ذلك مراداً أصلاً بل المراد أن يشاور أهل الآراء منهم والمتدربين فيهم، وكون الصحابة كلهم كذلك أول المدعى، ودون إثباته وقعة الجمل وحرب صفين. ويؤيد كون المراد من الصحابة ـ المأمور صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم أهل الرأي والتدبير لا مطلقاً بما أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس أنه قال في {وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأًَْمْرِ }: أبو بكر وعمر، ومن طريق الكلبـي عن أبـي صالح عن الحبر أن الآية نزلت فيهما، نعم لو كانت المشاورة لمجرد تطييب النفوس دون الاستظهار كان لمشاورة أي واحد منهم وإن لم يكن من أرباب الرأي وجه لكن الجصاص لم يبن كلامه على ذلك. بقي أن بين ما أخرجه الإمام أحمد من قوله صلى الله عليه وسلم للعمرين رضي الله تعالى عنهما: «حديث : لو اجتمعتما على مشورة ما خالفتكما» تفسير : وأما أخرجه ابن عدي والبيهقي من قوله عليه الصلاة والسلام عند نزول الآية «حديث : أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي» تفسير : تنافياً إلا أن يحمل خبر عدم مخالفتهما لو اجتمعا على الإشارة إلى رفعة قدرهما وعلو شأنهما وأن اجتماعهما على أمر لا يكون إلا موافقاً لما عند الله تعالى وهو الذي عليه المعول وبه العمل، وكأن في قوله صلى الله عليه وسلم: «ما خالفتكما» دون لعملت بقولكما مثلاً نوع إشعار بما قلنا فتدبر، وقرأ ابن عباس كما أخرج البخاري في «الأدب المفرد» عنه {وَشَاوِرْهُمْ فِى بَعْضِ ٱلأَمْرِ }. {فَإِذَا عَزَمْتَ } أي إذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه بعد المشاورة كما تؤذن به الفاء. {فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ } أي فاعتمد عليه وثق به وفوض أمرك إليه فإنه الأعلم بما هو الأصلح، وأصل التوكل إظهار العجز والاعتماد على الغير والاكتفاء به في فعل ما يحتاج إليه، وهو عندنا على الله سبحانه لا ينافي مراعاة الأسباب بل يكون بمراعاتها مع تفويض الأمر إليه تعالى شأنه و «اعقلها وتوكل» يرشد إلى ذلك، وعند ساداتنا الصوفية هو إهمال التدبير بالكلية، وعن جابر بن زيد أنه قرأ {فَإِذَا عَزَمْتَ } بصيغة المتكلم، والمعنى فإذا قطعت لك بشيء وعينته لك فتوكل علي ولا تشاور به أحداً، والالتفات لتربية المهابة وتعليل التوكل والأمر / به فإن عنوان الألوهية الجامعة لجميع صفات الكلام مستدعي للتوكل عليه سبحانه والأمر به. {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكّلِينَ } عليه الواثقين به المنقطعين إليه فينصرهم ويرشدهم إلى ما هو خير لهم كما تقتضيه المحبة، والجملة تعليل للتوكل عليه سبحانه، وقد روعي في الآية حسن الترتيب وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أولاً بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه فإذا انتهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى لتنزاح عنهم التبعتان فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذ صاروا خالصين من التبعتين مصفين منهما، ثم أمر صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بالتوكل على الله تعالى والانقطاع إليه لأنه سبحانه السند الأقوم والملجأ الأعظم الذي لا تؤثر الأسباب إلا به ولا تنقضي الحاج إلا عند بابه.

ابن عاشور

تفسير : الفاء للتفريع على ما اشتمل عليه الكلام السابق الَّذي حُكي فيه مخالفة طوائف لأمر الرسول من مؤمنين ومنافقين، وما حكي من عفو الله عنهم فيما صنعوا. ولأنّ في تلك الواقعة المحكية بالآيات السابقة مظاهر كثيرة من لين النَّبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين، حيث استشارهم في الخروج، وحيث لم يثرِّبهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم، ولمَّا كان عفو الله عنهم يعرف في معاملة الرّسول إيّاهم، ألاَن الله لهم الرسول تحقيقاً لرحمته وعفوه، فكان المعنى: ولقد عفا الله عنهم برحمته فَلاَن لهم الرسول بإذن الله وتكوينه إيّاه راحماً، قال تعالى: {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107]. والباء للمصاحبة، أي لنتَ مع رحمة الله: إذ كان لينه في ذلك كلّه ليناً لا تفريط معه لشيء من مصالحهم، ولا مجاراةً لهم في التساهل في أمر الدّين، فلذلك كان حقيقاً باسم الرحمة. وتقديم المجرور مفيد للحصر الإضافي، أي: برحمة من الله لا بغير ذلك من أحوالهم، وهذا القصر مفيد التعريض بأنّ أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم، ولكن الله ألاَن خلق رسوله رحمة بهم، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأمَّة. وزيدت (ما) بعد باء الجرّ لتأكيد الجملة بما فيه من القصر، فتعيّنَ بزيادتها كون التَّقديم للحصر، لا لمجرد الاهتمام، ونبّه عليه في «الكشاف». واللِينُ هنا مجاز في سعة الخلق مع أمّة الدعوة والمسلمين، وفي الصفح عن جَفاء المشركين، وإقالة العثرات. ودلّ فعل المضيّ في قوله: {لنت} على أنّ ذلك وصف تقرّر وعرف من خُلقه، وأنّ فطرته على ذلك برحمة من الله إذ خلقَه كذلك {أية : واللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته}تفسير : [الأنعام: 124]، فخلق الرسول مُناسب لتحقيق حصول مراد الله تعالى من إرساله، لأنّ الرسول يجيء بشريعة يبلّغها عن الله تعالى، فالتبليغ متعيّن لا مصانعة فيه، ولا يتأثّر بخلق الرسول، وهو أيضاً مأمور بسياسة أمَّته بتلك الشريعة، وتنفيذها فيهم، وهذا عمل له ارتباط قوي بمناسبة خُلق الرسول لطباع أمّته حتَّى يلائم خلقه الوسائل المتوسَّل بها لحمل أمَّته على الشَّريعة الناجحة في البلوغ بهم إلى مراد الله تعالى منهم. أرسل محمَّد صلى الله عليه وسلم مفطوراً على الرحمة، فكان لِينه رحمة من الله بالأمَّة في تنفيذ شريعته بدون تساهل وبرفق وإعانة على تحصيلها، فلذلك جعل لينه مصاحباً لرحمةٍ من الله أودعها الله فِيه، إذ هو قد بعث للنَّاس كافّة، ولكن اختار الله أن تكون دعوته بين العرب أولَ شيء لحكمةٍ أرادها الله تعالى في أن يكون العرب هم مبلغي الشَّريعة للعالم. والعرب أمَّة عُرفت بالأنفة، وإباء الضيم، وسلامةِ الفطرة. وسرعةِ الفهم. وهم المتلقُّون الأوّلون للدين فلم تكن تليق بهم الشّدة والغلظة، ولكنّهم محتاجون إلى استنزال طائرهم في تبليغ الشريعة لهم، ليتجنّبوا بذلك المكابرةَ الَّتي هي الحائل الوحيد بينهم وبين الإذعان إلى الحقّ. وورد أن صفح النَّبي صلى الله عليه وسلم وعفوه ورحمته كان سبباً في دخول كثير في الإسلام، كما ذكر بعض ذلك عياض في كتاب الشفاء. فضمير {لهم} عائد على جميع الأمَّة كما هو مقتضى مقام التَّشريع وسياسة الأمَّة، وليس عائداً على المسلمين الَّذين عصوا أمر الرسول يوم أُحُد، لأنَّه لا يناسب قوله بعده: {لانفضوا من حولك} إذ لا يُظنّ ذلك بالمسلمين، ولأنَّه لا يناسب قوله بعده: {وشاورهم في الأمر} إذا كان المراد المشاورة للاستعانة بآرائهم، بل المعنى: لو كنت فظّاً لنفرك كثير ممّن استجاب لك فهلكوا، أو يكون الضّمير عائداً على المنافقين المعبّر عنهم بقوله: {أية : وطائفة قد أهمتهم أنفسهم}تفسير : [آل عمران: 154] فالمعنى: ولو كنت فظّاً لأعلنوا الكفر وتفرّقوا عنك، وليس المراد أنَّك لنت لهم في وقعة أُحُد خاصّة، لأنّ قوله بعده: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} إلخ ينافي ذلك المحمل. والفَظّ: السيء الخلق، الجافي الطبع. والغليظ القلب: القاسِيه، إذ الغلظة مجاز عن القسوة وقلّة التسامح، كما كان اللين مجازاً في عكس ذلك، وقالت جواري الأنصار لعمر ـــ حين انتهرهنّ ـــ «أنت أفظّ وأغلظ من رسول الله» يردن أنت فظّ وغليظ دون رسول الله. والانفضاض: التفرق. و{من حولك} أي من جهتك وإزائك، يقال: حَوْله وحَوْلَيه وحَوَاليْه وحَوَالَه وحِيَالَه وبِحِيَالِه. والضّمير للذين حَوْل رسول الله، أي الَّذين دخلوا في الدّين لأنَّهم لا يطيقون الشدّة، والكلام تمثيل: شبّهت هيئة النفور منه وكراهية الدخول في دينه بالانفضاض من حوله أي الفرار عنه متفرّقين، وهو يؤذَّن بأنَّهم حوله متّبعون له. والتَّفريع في قوله: {فاعف عنهم} على قوله: {لنت لهم} الآية، لأنّ جميع الأفعال المأمور بها مناسب للين، فأمَّا العفول والاستغفار فأمرهما ظاهر، وأمَّا عطف {وشاورهم} فلأنّ الخروج إلى أُحُد كان عن تشاور معهم وإشارتهم، ويشمل هذا الضّميرُ جميع الَّذين لاَن لهم - صلى الله عليه وسلم - وهم أصحابه الَّذين حوله سواء من صدر منهم أمر يوم أحُد وغيرهم. والمشاورة مصدر شاور، والاسم الشُّورَى والمَشُورة ـــ بفتح الميم وضم الشِّين ـــ أصلها مَفْعُلة ـــ بضمّ العين، فوقع فيها نقل حركة الواو إلى الساكن ـــ. قيل: المشاورة مشتقّة من شار الدابّة إذا اختبر جَريها عند العرض على المشتري، وفعل شار الدابّة مشتقّ من المِشْوَار وهو المكان الَّذي تُركض فيه الدوابّ. وأصله معرّب (نَشْخُوَار) بالفارسية وهو ما تبقيه الدابّة من علفها. وقيل: مشتقّة من شار العسل أي جناه من الوقَبَة لأنّ بها يستخرج الحقّ والصّواب، وإنَّما تكون في الأمر المهمّ المشكل من شؤون المرء في نفسه أو شؤون القبيلة أو شؤون الأمة. و (أل) في الأمر للجنس، والمراد بالأمر المهمّ الَّذي يؤتمر له، ومنه قولهم: أمْر أمِر، وقال أبو سفيان لأصحابه ـــ في حديث هرقل ـــ: "لقد أمِر أمْرُ ابن أبي كَبشة، إنَّه يَخافُه مَلِك بَنِي الأصفر". وقيل: أريد بالأمر أمر الحرب فاللام للعهد. وظاهر الأمر أنّ المراد المشاورة الحقيقية الَّتي يقصد منها الاستعانة برأي المستشارَيْن بدليل قوله عقبه: {فإذا عزمت فتوكل على الله} فضمير الجميع في قوله: {وشاورهم} عائد على المسلمين خاصة: أي شاور الَّذين أسلموا مِن بين مَن لنت لهم، أي لا يصدّك خطل رأيهم فيما بدا منهم يوم أحُد عن أن تستعين برأيهم في مواقع أخرى، فإنَّما كان ما حصل فلتة منهم، وعشرة قد أقَلْتَهم منها. ويحتمل أن يراد استشارة عبد الله بن أبي وأصحابه، فالمراد الأخذ بظاهر أحوالهم وتأليفهم، لعلّهم أن يُخلصوا الإسلام أو لا يزيدوا نفاقاً، وقطعاً لأعذارهم فيما يستقبل. وقد دلّت الآية على أن الشُّورى مأمور بها الرسُول صلى الله عليه وسلم فيما عبّر عنه بـ(ـالأمر) وهو مُهمّات اللأمّة ومصالحها في الحرب وغيره، وذلك في غير أمر التَّشريع لأنّ أمر التَّشريع إن كان فيه وحي فلا محيد عنه، وإن لم يكن فيه وحي وقلنا بجواز الاجتهاد للنَّبي صلى الله عليه وسلم في التَّشريع فلا تدخل فيه الشورى لأنّ شأن الاجتهاد أن يستند إلى الأدلّة لا للآراء، والمجتهد لا يستشير غيره إلاّ عند القضاء باجتهاده. كما فعل عُمر وعُثمان. فتعيّن أنّ المشاورة المأمور بها هنا هي المشاورة في شؤون الأمَّة ومصالحها، وقد أمر الله بها هنا ومدحها في ذكر الأنصار في قوله تعالى: {أية : وأمرهم شورى بينهم}تفسير : [الشورى: 38] واشترطها في أمر العائلة فقال: {أية : فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما}تفسير : [البقرة: 233]. فشرع بهاته الآيات المشاورة في مراتب المصالح كلّها: وهي مصالح العائلة ومصالح القبيلة أو البلد، ومصالح الأمَّة. واختلف العلماء في مدلول قوله: {وشاورهم} هل هو للوجوب أو للندب، وهل هو خاصّ بالرسول ـــ عليه الصلاة السَّلام ـــ، أو عامّ له ولولاة أمور الأمَّة كلّهم. فَذهب المالكية إلى الوجوب والعموم، قال ابن خُوَيْز منداد: واجب على الولاة المشاورة، فيُشاورون العلماء فيما يشكل من أمور الدّين، ويشاورون وجوه الجيش فيما يتعلّق بالحرب، ويشاورون وجوه النَّاس فيما يتعلَّق بمصالحهم ويشاورون وجوه الكتّاب والعمّال والوزراء فيما يتعلّق بمصالح البلاد وعمارتها. وأشار ابن العربي إلى وجوبها بأنَّها سبب للصّواب فقالَ: والشورى مِسبار العقل وسبب الصّواب. يشير إلى أنَّنا مأمورون بتحرّي الصّواب في مصالح الأمَّة، وما يتوقّف عليه الواجب فهو واجب. وقال ابن عطية: الشورى من قواعد الشَّريعة وعزائم الأحكام، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، وهذا ما لا اختلاف فيه. واعتراض عليه ابن عرفة قوله: فعزله واجب ولم يعترض كونَها واجبة، إلاّ أنّ ابن عطية ذكر ذلك جازماً به وابن عرفة اعترضه بالقياس على قول علماء الكلام بعدم عزل الأمير إذا ظهر فسقه، يعني ولا يزيد تركُ الشورى على كونه تركَ واجب فهو فسق. وقلت: من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، وإنّ القياس فيه فارق معتبر فإنّ الفسق مضرّته قاصرة على النفس وترك التشاور تعريض بمصالح المسلمين للخطر والفوات، ومحمل الأمر عند المالكية للوجوب والأصل عندهم عدم الخصوصية في التَّشريع إلاّ لدليل. وعن الشافعي أنّ هذا الأمر للاستحباب، ولتقتدي به الأمّة، وهو عامّ للرسول وغيره، تطييباً لنفوس أصحابه ورفعاً لأقدارهم، وروى مثله عن قتادة، والرّبيع، وابن إسحاق. وردّ هذا أبو بكر أحمدُ بن عليّ الرازي الحنفي المشهور بالجَصّاص بقوله: لو كان معلوماً عندهم أنَّهم إذا استَفرغوا جهدهم في استنباط الصّواب عمَّا سُئِلُوا عنه، ثُمّ لم يكن معمولاً به، لم يكن في ذلك تطييب لنفوسهم ولا رفع لأقدارهم، بل فيه إيحاشُهم فالمشاورة لم تفد شيئاً فهذا تأويل ساقط. وقال النووي، في صدر كتاب الصلاة من «شرح مسلم»: الصحيح عندهم وجوبها وهو المختار. وقال الفخر: ظاهر الأمر أنَّه للوجوب. ولم ينسب العلماء للحنفية قولاً في هذا الأمر إلا أنّ الجَصّاص قال في كتابه أحكام القرآن عند قوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم}): هذا يدلّ على جلالة وقع المَشُورة لذكرها مع الإيمان وإقامة الصّلاة ويدلّ على أنَّنا مأمورون بها. ومجموع كلامي الجصّاص يدلّ أن مذهب أبي حنيفة وجوبها. ومن السلف من ذهب إلى اختصاص الوجوب بالنَّبي صلى الله عليه وسلم قاله الحسن وسفيان، قالا: وإنَّما أمر بها ليقتدى به غيره وتشيع في أمَّته وذلك فيما لا وحي فيه. وقد استشار النَّبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج لبدر، وفي الخروج إلى أحُد، وفي شأن الأسرى يوم بدر، واستشار عموم الجيش في رَدِّ سبي هوازن. والظاهر أنَّها لا تكون في الأحكام الشرعية لأنّ الأحكام إن كانت بوحي فظاهر، وإن كانت اجتهادية، بناء على جواز الاجتهاد للنَّبي صلى الله عليه وسلم في الأمور الشرعية، فالاجتهاد إنَّما يستند للأدلَّة لا للآراء وإذا كان المجتهد من أمَّته لا يستشير في اجتهاده، فكيف تجب الاستشارة على النَّبي صلى الله عليه وسلم مع أنَّه لو اجتهد وقلنا بجواز الخطإ عليه فإنَّه لا يُقرّ على خطإ باتّفاق العلماء. ولم يزل من سنّة خلفاء العدل استشارة أهل الرأي في مصالح المسلمين، قال البخاري في كتاب الاعتصام من «صحيحه»: «وكانت الأئمة بعد النَّبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم، وكان القُرّاء أصحابَ مشُورة عمَرَ: كُهولاً كانوا أو شُبَّاناً، وكان وقّافاً عند كتاب الله». وأخرج الخطيب عن عليّ قال: «حديث : قلت: يا رسول الله الأمر ينزل بعدَك لم يَنزل فيه قرآن ولم يسْمع منك فيه شيء ـــ قال: اجمعوا له العابِد من أمّتي واجعلوه بينكم شُورى ولا تقضوه برأي واحد» تفسير : واستشار أبو بكر في قتال أهل الردّة، وتشاور الصّحابةُ في أمر الخليفة بعد وفاة النَّبي صلى الله عليه وسلم وجعل عمر ـــ رضي الله عنه ـــ الأمر شورى بعده في ستَّة عيّنهم، وجعل مراقبة الشورى لِخمسين من الأنصار، وكان عمر يكتب لعمّاله يأمرهم بالتَّشاور، ويتمثّل لهم في كتابه بقول الشاعر (لم أقف على اسمه): شعر : خَلِيلَيّ ليسَ الرأيُ في صَدرِ واحد أشِيرا عَلَيّ بالَّذِي تَرَيَانِ تفسير : هذا والشورى ممَّا جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبّة الصلاح وتطلّب النجاح في المساعي، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتَّشاور في شأنه إذ قال للملائكة: {أية : إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30]، إذ قد غَنِي الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنَّه عرض على الملائكة مراده ليكون التَّشاور سنّة في البشر ضرورة أنّه مقترن بتكوينه، فإنّ مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه، ولمَّا كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين. ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى ـــ عليه السَّلام ـــ فيما حكى الله عنه بقوله: {أية : فماذا تأمرون}تفسير : [الأعراف: 110]. واستشارت بلقيس في شأن سليمان ـــ عليه السلام ـــ فيما حكى الله عنها بقوله: {قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} وإنَّما يلهي النَّاس عنها حبّ الاستبداد، وكراهية سماع ما يخالف الهوى، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة، ولذلك يهرع المستبدّ إلى الشورى عند المضائق. قال ابن عبد البرّ في بهجة المجالس: الشورى محمودة عند عامّة العلماء ولا أعلم أحداً رضِي الاستبداد إلاّ رجل مفتون مخادع لمن يطلب عنده فائدة، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة، وكلا الرجلين فاسق. ومثَل أوّلهما قول عمر بن أبي ربيعة: شعر : واستَبَدّت مَرّة واحِدة إنَّمَا العَاجِز مَن لا يستبدّ تفسير : ومَثل ثانيهما قول سَعْد بن نَاشِب: شعر : إذا هَمّ ألقَى بين عينيه عزمه ونَكَّب عن ذِكْر العواقب جانباً ولم يستَشِرْ في أمره غَير نفسه ولم يَرْضَ إلا قَائم السيف صاحباً تفسير : ومن أحسن ما قيل في الشورى قول بشار بن برد:شعر : إذا بَلغ الرأيُ المَشُورة فاستَعن بحزم نصيح أو نصيحة حازم ولا تحسب الشُورى عليك غضاضة مَكانُ الخَوافي قُوّة للقَوادِم تفسير : وهي أبيات كثيرة مثبتة في كتب الأدب. وقوله: {فإذا عزمت فتوكل على الله} العزم هو تصميم الرأي على الفعل وحُذف متعلَّق (عزمت) لأنَّه دلّ عليه التفريع عن قوله: {وشاورهم في الأمر}، فالتقدير: فإذا عزمت على الأمر. وقد ظهر من التفريع أنّ المراد: فإذا عزمت بعد الشورى أي تبيّن لك وجه السداد فيما يجب أن تسلكه فعزمت على تَنفيذه سواء كان على وفق بعض آراء أهل الشورى أم كان رأياً آخر لاح للرّسول سدادُه فقد يَخْرج من آراء أهل الشورى رأي، وفي المثل: «مَا بَيْنَ الرأيَيْن رأي». وقوله: {فتوكل على الله} التوكُّل حقيقته الاعتماد، وهو هنا مجاز في الشروع في الفعل مع رجاء السداد فيه من الله، وهو شأن أهل الإيمان، فالتوكّل انفعال قلبي عقلي يتوجّه به الفاعل إلى الله راجياً الإعانة ومستعيذاً من الخيبة والعوائق، وربَّما رافقه قول لساني وهو الدعاء بذلك. وبذلك يَظهر أن قوله: {فتوكل على الله} دليل على جواب إذَا، وفَرع عنه، والتقدير: فإذَا عزمت فَبَادر ولا تتأخّر وتَوكَّل على الله، لأنّ للتأخّر آفاتٍ، والتردّد يضيّع الأوقات، ولو كان التَّوكل هو جواب إذا لما كان للشورى فائدة لأنّ الشورى كما علمت لقصد استظهار أنفع الوسائل لحصول الفعل المرغوب على أحسن وجه وأقربه، فإنّ القصد منها العمل بما يتضّح منها، ولو كان المراد حصول التوكّل من أوّل خطور الخاطر، لما كان للأمر بالشورى من فائدة. وهذه الآية أوضح آية في الإرشاد إلى معنى التَّوكل الَّذي حرَف القاصرون ومن كان على شاكلتهم معناه، فأفسدوا هذا الدين من مبناه. وقوله: {إن الله يحب المتوكلين} لأنّ التوكّل علامة صدق الإيمان، وفيه ملاحظة عظمة الله وقدرته، واعتقادُ الحاجة إليه، وعدم الاستغناء عنه وهذا، أدب عظيم مع الخالق يدلّ على محبّة العبد ربّه فلذلك أحبَّه الله.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} الآية. قد قدمنا في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: {أية : صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الفاتحة: 7] أن الجموع المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة العقلاء من الذكور إذا وردت في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم اختلف العلماء فيها هل يدخل فيها النساء أو لا يدخلن؟ إلا بدليل على دخولهن وبذلك تعلم أن قوله تعالى: {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} يحتمل دخول النساء فيه وعدم دخولهن بناء على الاختلاف المذكور ولكنه تعالى بين في موضع آخر أنهن داخلات في جملة مَنْ أَمَرَ صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لهم وهو قوله تعالى: {أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلأ ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَات} تفسير : [محمد: 19].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الآيتين: لنت لهم: كنت رفيقا بهم تعاملهم بالرفق واللطف. فظا: خشنا في معاملتك شرسا في أخلاقك وحاشاه صلى الله عليه وسلم. انفضوا: تفرقوا وذهبوا تاركينك وشأنك. فاعف عنهم: يريد إن زلوا أو أساءوا. وشاورهم في الأمر: اطلب مشورتهم في الأمر ذي الأهمية كمسائل الحرب والسلم. معنى الآيتين: ما زال السياق في الآداب والنتائج المترتبة على غزوة أحد ففي هذه الآية [159] يخبر تعالى عما وهب رسوله من الكمال الخلقي الذي هو قوام الأمر فيقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي فبرحمة من عندنا رحمناهم بها لنت لهم، {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً} أي قاسيا جافاً جافيا قاسي القلب غليظه {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} أي تفرقوا عنك، وحرموا بذلك سعادة الدارين. وبناء على هذا فاعف عن مسيئهم، واستغفر لمذنبهم، وشاور ذوي الرأي منهم، وإذا بدا لك رأي راجح المصلحة فاعزم على تنفيذه متوكلا على ربك فإنه يحب المتوكلين، والتوكل الإِقدام على فعل ما أمر الله تعالى به أو أذن فيه بعد إحضار الأَسباب الضرورية له. وعدم التفكير فيما يترتب عليه بل يفوض أمر النتائج إليه تعالى. هذا ما تضمنته الآية الأولى أما الآية الثانية [160] فقد تضمنت حقيقة كبرى يجب العلم بها والعمل دائما بمقتضاها وهي أن النصر بيد الله، والخذلان كذلك فلا يطلب نصر إلا منه تعالى، ولا يرهب خذلان إلا منه عز وجل، وطلب نصره هو إنفاذ أمره بعد إعداد الأسباب اللازمة له، وتحاشي خذلانه تعالى يكون بطاعته والتوكل عليه هذا ما دل عليه قوله تعالى في هذه الآية {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- كمال رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلقي. 2- فضل الصحابة رضوان الله عليهم وكرامتهم على ربهم سبحانه وتعالى. 3- تقرير مبدأ المشورة بين الحاكم وأهل الحل والعقد في الأمة. 4- فضل العزيمة الصادقة مقرونة بالتوكل على الله تعالى. 5- طلب النصر من غير الله خذلان، والمنصور من نصره الله، والمخذول من خذله الله عز وجل.

القطان

تفسير : لنت لهم: ترفّقت بهم. الفظ: الشرس الأخلاق، الجافي العشرة. القلب الغليظ: القاسي الذي لا يتأثر باللطف والرقة. انفض: تفرق: المشاورة: أخذ آراء الذين حولك من العقلاء وذوي الرأي. التوكل: تفويض الأمر الى الله، للثقة بحسن تدبيره، مع أخذ الأهبة واستكمال العدة. بعد ان أرشد الله المؤمنين في الآيات المتقدمة الى ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، اتجه في الخطاب هنا الى الرسول الكريم بهذا التعبير الدقيق اللبق، والمدح العظيم. فهو يريد ان يلطّف الجو بعد معركة أحد، ويخفف مما في نفس الرسول على القوم الذين كانوا سبباً في تلك النكبة. ويتوجه سبحانه إلى الرسول بهذه الآية والتي بعدها يطيّب قلبه، والى المسلمين يشعرهم بنعمة الله عليهم به، ويذكّرهم رحمة الله الممثلة في خُلقه الكريم. {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ...} من رحمة الله عليك ان عاملتَ أصحابك بعد رجوعهم باللين والرفق، وهذا شيء خصّك الله به، فقد حباك بآداب القرآن العالية وحِكمه السامية، فهانت عليك المصائب. هذا مع انَّ كثيرا من أصحابك قد استحقوا اللوم والتعنيف، اذ تركوك وقت اشتداد الهول فيما الحرب قائمة على أشدها. {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} ولو كنت يا محمد رجلاً خشناً جافيا في معاملتهم لتفرقوا عنك، ونفرت قلوبهم منك، فلم تتم هدايتُهم وارشادهم الى الصراط المستقيم. هكذا يجب ان تكون أخلاق الزعيم والقائد الحاكم، فان الناس في حاجة الى رعاية فائقة وقلب رحيم، وحلِم لا يضيق بجهلهم وأخطائهم، لا إلى حاكم، متعالٍ يتطاول بالغطرسة وادّعاء العظمة في غير حق. وما أرحمَ ما كان قلب الرسول الكريم، وما أجمل ما كانت سيرته مع الناس: ما غضِب لنفسه قط، ولا ضاق صدره بضعفهم البشري، بل وَسِعَهم حلمُه وبره وعطفه. وسيرته طافحة بذلك. {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} ما أحلى هذا الكلام وما أرقّة وأعطفه! وما أعظم قوله سبحانه {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ}، فهو نص قاطع في تقرير مبدأ الشورى في الحكم الإسلامي، لا الاستئثار بالسلطة الفردية المتحكمة. وانه لمبدأ عظيم هذا الذي يقرره القرآن بصدد ذلك، وهو المعمول به اليوم عند الأمم الراقية التي سبقتنا. اما نحن فقد تأخرنا لأننا أدرنا ظهرنا لهذه التعاليم الحكيمة الراشدة، واتّبعنا مبدأ التسلُّط والقهر. واتخذنا اسم "الرعيّة" وكأنه من الرعي للسائمة لا من الرعاية للبشَر. فاذا عقدت عزمك يا محمد على أمر بعد المشاورة، فامض فيه متوكلاً على الله، ان الله يحب الواثقين به، فينصرهم ويرشدهم الى ما هو خير لهم. اذنْ فالتوكل يجب ان يكون مقروناً بالسعي والعزم والعمل لا نابعاً من التقصير ورغبة في التخلص من العناء، وإلا فهو تواكُلٌ يمقُتُه الله. في الحديث المعروف الذي رواه الترمذي والبيهقي وأبو نعيم وابن أبي الدنيا وابن حبّان. "حديث : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أعقلُ ناقتي وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ فقال له الرسول الكريم: "اعقِلها وتوكل ". تفسير : وقد سار هذا الحديث مثلاً.

د. أسعد حومد

تفسير : (159) - لَقَدْ كَانَ مِنْ أصْحَابِكَ مَا يَسْتَحِقُّ المَلاَمَةَ وَالتَّعْنِيفَ، بِمُقْتَضَى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيّةِ، إذْ تَخَلَّوْا عَنْكَ حِينَ اشْتَدادِ الحَرْبِ، وَشَمَّرُوا لِلْهَزِيمَةِ وَالحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لِنْتَ لَهُمْ، وَعَامَلْتَهُمْ بِالحُسْنَى، لِرَحْمَةٍ أوْدَعَها اللهُ فِي قَلْبِكَ، وَخَصَّكَ بِهَا. وَقَدْ مَدَحَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِحُسْنِ الخُلُقِ فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ. ثُمَّ قَالَ لَوْ كُنْتَ خَشِناً جَافِياً فِي مُعَامَلَتِهِمْ لَتَفَرَّقُوا عَنْكَ، وَلَنَفَرُوا مِنْكَ، وَلَمْ يَسْكُنُوا إلَيْكَ، وَلَكِنَّ اللهَ جَمَعَهُمْ عَلَيْكَ، وَألانَ جَانِبَكَ لَهُمْ تَأَلُّفاً لِقُلُوبِهِمْ. ثُمَّ أمَرَ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأنْ يَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ وَهَفَوَاتِهِمْ، وَأنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُم الله، وَأنْ يُشَاوِرَهُمْ فِي الأمْرِ تَطِييباً لِقُلُوبِهِمْ، وَشَحْذاً لِهِمَمِهِمْ. ثُمَّ يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ. فَإذا شَاوَرْتَهُمْ فِي الأمْرِ، وَعَزَمْتَ عَلَى إنْفَاذِهِ، فَتَوكَّلْ عَلَى اللهِ فِيهِ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ مَنْ يَتَوكَّلُ عَلَيْهِ، وَيَثِقُ بِنَصْرِهِ. فَبِمَا رَحْمَةٍ - فَبِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ رُكِّبَتْ فِيكَ. الفَظُّ - الخَشِنُ أوِ الشَّرِسُ الأخْلاَقِ. الغَلِيظُ - القَاسِي. انْفَضَّ القَوْمُ - تَفَرَّقُوا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إن الآية كما نرى تبدأ بكلام إخباري هو {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159]. فكأنه - سبحانه - يريد أن يقول: إن طبيعتك يا محمد طبيعة تتناسب لما يطلب منك في هذه المسألة، هم خالفوك وهم لم يستجيبوا لك حينما قلت: إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله إني رسول الله، وهذا شيء يُحْفِظ ويُغضِب. ولكنه لا يُحفِظ طبيعتك ولا يُغضب سجيتك لأنك مفطور مع أُمّتك على الرحمة. فكأنه يريد أن يُحنن رسول الله على أمته التي أصابته بالغم؛ فقال له: إياك أن تجازيها على هذا؛ لأن طبيعتك أنك رحيم، وطبيعتك أنك لست فظاً، طبيعتك أنك لست غليظ القلب، فلا تخرج عن طبيعتك في هذه المسألة، مثلما تأتي لواحد مثلاً وتقول له: أنت طبيعة أخلاقك حسنة، يعني اجعلها حسنة في هذه. {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} [آل عمران: 159] أي بأي رحمة أودعت فيك. ساعة تقول: بأي رحمة فأنت تبهم الأمر، وعندما تُبهم الشيء فكأنه شيء عظيم؛ لأن الشيء يُبهم إما لأنه صغير جداً، وإما لأنه كبير جداً، فالشيء إذا كان كبيراً يكون فوق المستوى الإدراكي، وإذا كان صغيراً جداً يكون دون مستوى الإدراك. ولذلك فالأشياء الضخمة جداً نرى منها جانباً ولا نرى الجانب الآخر، والشيء الدقيق جداً لا نراه، ولذلك يقولون: هذا الشيء نكرة، وذلك يدل مرة على التعظيم ويدل مرة على التحقير، ومرة يدل على التكثير، ومرة يدل على التقليل. فإن نظرت إلى أن الإدراك لا يستوعبه لضخامته إذن فهو كثير، وإن رأيت أن الإدراك لا يستوعبه لِلطفه ودِقَّته، وأنه ليس في متناول البصر يكون قليلاً أو دقيقاً. إذن فقول الحق: {فَبِمَا رَحْمَةٍ} [آل عمران: 159] أصلها هو: برحمة من الله طُبعت عليها لِنْتَ لهم، و"ما" لماذا جاءت هنا؟ إنك إما أن تأخذها إبهامية .. يعني بأي رحمة فوق مستوى الإدراك، رحمة عظيمة. أو تقول: "فبما رحمة" أي أن "ما" تكون اسماً موصولاً. وكأن الحق يقول له: فبالرحمة المُودعة من خالقك فيك والتي تُناسب مُهمتك في الأمة لِنْت لهم، وما دامت تلك طبيعتك فَلِنْ لهم في هذا الأمر واعفُ عنهم واستغفر لهم. وهذه الآية جاءت عقب أحداث حدثت في أُحد: الحدث الأول: أنه صلى الله عليه وسلم رأى ألا يخرج إلى قتال قريش خارج المدينة بل يظل في المدينة، فأشار عليه المحبون للشهادة والمحبون للقتال والمحبون للتعويض عما فاتهم من شرف القتال في "بدر" أن يخرج إليهم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأيهم، ولبس لأمته، فلما أحسوا أنهم أشاروا على رسول الله بما يخالف ما كان قد بدر منه، تراجعوا وقالوا: يا رسول الله إن رأيت ألا نخرج، فقال: "حديث : ما ينبغي لِنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل"تفسير : فما دام قد استعد للحرب انتهى الأمر، هذه أول مسألة وهي مسألة المشورة. وبعد ذلك تخلف ابن أُبيّ بثُلثُ الجيش وهذه مسألة ثانية، أما المسألة الثالثة فهي مُخالفة الرُماة أمره صلى الله عليه وسلم وتَرْكهم مواقعهم على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم قد حذرهم من ذلك وقال لعبد الله بن جبير الذي أمَّره على الرماة: "أنضح عنا الخيل بالنَّبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتَين من قَبْلك"، ولكنهم خالفوا عن أمر رسول الله. والمسألة الرابعة هي: فِرارهم حينما قيل: قُتِل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسألة الخامسة: أنه حين كان يدعوهم؛ فروا لا يلوون على شيء. كل تلك أحداث كادت تترك في نفسه صلى الله عليه وسلم آثاراً، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: أنا طبعتك على رحمة تتسع لكل هذه الهفوات، والرحمة مني، وما دامت الرحمة موهوبة مني فلا بد أني جعلت فيك طاقة تتحمل كل مخالفة من أمتك ومن أتباعك. ولا تظن أنك قد أُرسلت إلى ملائكة، إنما أُرسلت إلى بشر، والبشر خطاءون، البشر من الأغيار، فلهذا اجعل المسألة درساً، وأنا فطرتك على الرحمة، وأنت بذاتك طلبت مني كثيراً من الخير لأمتك، ومن رحمته أن جبريل نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال فسلم على ثم قال: يا محمد إن الله قد بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً ". تفسير : فأنا أطلب منك الرحمة التي أودعتُها في قلبك فاستعملتها في كل مجال، وبهذه الرحمة لنت لهم، وبهذه الرحمة التفُّوا حولك، التفوا حولك لأدبك الجم، ولتواضعك الوافر، لجمال خلقك، لبسمتك الحانية، لنظرتك المواسية، لتقديرك لظرف كل واحد حتى إنك إذا وضع أي واحد منهم يده في يدك لم تسحب يدك أنت حتى يسحبها هو، خُلُق عالٍ، كل ذلك أنا أجعله حيثية لتتنازل عن كل تلك الهفوات ولْيَسَعها خُلقك وليسعها حلمك، لأنك في دور التربية والتأديب. والتربية والتأديب لا تقتضي أن تغضب لأي بادرة تبدر منهم، وإلا ما كنت مُربياً ولا مُؤدباً. {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] لماذا؟ لأنك تُخرجهم عما ألفوا من أمور الجاهلية. والذي يخرج واحداً عما ألِف لا يصح أن يَجْمَع عليه إخراجه عما اعتاد بالأسلوب الخشن الفظ؛ لأنه في حاجة إلى التودد وإلى الرحمة، لا تجمع عليه بين أمرين تقبيح فعله، وإخراجه عما ألف واعتاد، ولذلك يقولون للذي ينصح إنساناً، النصح ثقيل؛ لأن النصح معناه تجريم الفعل في المنصوح، فعندما تقول لواحد: لا تفعل هذا، ما معناها؟ معناها أن هذا الفعل سيء، فما دمت تُجرِّم فعله فلا تجمع عليه أمرين، إنك قبحت فِعْله وأخرجته مما أَلِف، وبعد ذلك تنصحه بما يكره لا، إنه في حاجة إلى ملاطفة وملاينة لتستل منه الخصال القبيحة، نحن نستعمل ذلك في ذوات أنفسنا حين نجد مرضاً يحتاج إلى علاج مر، فنغلف العلاج المر في غلاف من السكر بحيث يمر من منطقة الذوق بلا ألم أو نغص، حتى ينزل في المنطقة التي لا تحس بهذه المرارة؛ لأن الإحساس كله في الفم. فإذا كنتم تفعلون ذلك في الأمور المادية، فلا بد إذن أن نطبق ذلك أيضاً في الأمور المعنوية، ولأن النُصح ثقيل فلا تجعله جدلاً ولا ترسله جبلاً، وخِفة البيان تؤدي عنك بدون إثارة أو استثارة، وبلطف يحمل على التقبل.. بهذا تصل إلى ما تريد، ومثال ذلك حكاية الملك الذي رأى في منامه أن أسنانه كلها وقعت، فجاء للمعبر ليعبر، فقال له: أهلك جميعاً يموتون، التعبير لم يُسر منه الملك، فذهب لواحد آخر فقال له: ستكون أطول أهل بيتك عمراً، إنه التعبير نفسه، فما دام أطول أهل بيته عمرا، إذن فسيموتون قبله، هي هي، ولذلك قالوا: الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان. {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] إذن فبالرحمة لِنت لهم وبلين القول تبعوك وألفوك وأحبوك. و"الفظُّ" هو: ماء الكرش، والإبل عندما تجد ماءً فهي تشرب ما يكفيها مدة طويلة، ثم بعد ذلك عندما لا تجد ماء فهي تجتر من الماء المخزون في كرشها وتشرب منه، في موقعة من المواقع لم يجدوا ماء فذبحوا الإبل وأخذوا الماء من كرشها، الماء من كرش الإبل يكون غير مستساغ الطعم، هذا معنى "الفَظّ"، ونظراً لأن هذا يورث غضاضة فسموا: "خشونة القول" فظاظة، والغلظ في القلب هو ما ينشأ عنه الخشونة في الألفاظ. {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]. إنها رحمة طُبِعت عليها يا رسول الله من الحق الذي أرسلك. وبالرحمة لِنت لهم وظهر أثر ذلك في إقبالهم عليك وحُبهم لك؛ لأنك لو كنت على نقيض ذلك لما وجدت أحداً حولك. إذن فالسوابق تثبت أن هذه هي طباعك، وخلقك، هو الرحمة واللين. وبعد ذلك اعفُ عنهم، وقلنا: إن "العفو" هو: مَحْو الذنب محواً تاماً وهو يختلف عن كظم الغيظ؛ لأن كظم الغيظ يعني أن تكون المسألة موجودة في نفسك أيضاً إلا أنك لا تُعاقب عليها؛ لأنك كففت جوارحك وصنت لسانك، أما المسألة فما زالت في نفسك، لكن العفو هو أن تمحو المسألة كلها نهائياً، وتأكيداً لذلك العفو فأنت قد تقول: أنا من ناحيتي عفوت. لا. المسألة لا تتعلق بك وحدك لأنك رسول من الله، أنت وراءك إله يغار عليك، فلا يكفي أن تعفو عنهم. بل لا بد أن تستغفر الله لهم أيضاً، فمن الممكن أن يعفو صاحب الذنب، ولكن ربي ورب صاحب الذنب لا يعفو، فيوضح الحق: أنت عفوت فهذا من عندك؛ لكنه يطلب منك أن تستغفر لأجلهم. كي لا يعذبهم الله عما بدر منهم نحوك. {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159] هذه خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم .. {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ} [آل عمران: 159] بسبب ما فعلوه، وترتب عليه ما ترتب من هزيمتكم في "أحُد"، وشجك وجرحك، ولا تقل: استشرتهم وطاوعتهم في المشورة، وبعد ذلك حدث ما حدث، فتكره أن تشاورهم، لا تقفل هذا الباب برغم ما حدث نتيجة تلك المشورة وأنَّها لم تكن في صالح المعركة، فالعبرة في هذه المشقة هي أن تكون "أحُد" معركة التأديب، ومعركة التهذيب، ومعركة التمحيص، إذن فلا تُرتِّب عليها أن تكره المشورة، بل عليك أن تشاورهم دائماً، فما دام العفو قد رضيت به نفسك، وما دمت تستغفر لهم ربك، واستغفارك ربك قد تستغفره بعيداً عنهم، وعندما تشاورهم في أي أمر من بعد ذلك فكأن المسألة الأولى انتهت، وما دامت المسألة الأولى قد انتهت، فقد استأنفنا صفحة جديدة، وأخذنا الدرس والعظة التي ستنفعنا في أشياء كثيرة بعد ذلك. ولذلك تجد بعد هذه المعركة أن الأمور سارت سيرها المنتصر دائماً؛ لأن التجربة والتعليم والتدريب قد أثر وأثمر، لدرجة أن سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - عندما جاءت حروب الردة، ماذا صنع؟ شاور أصحابه، فقال له بعضهم: لا تفعل. فهل سمع مشورتهم؟ لا. لم يسمع مشورتهم، إنما شاورهم. فلإنفاد المشورة حُكم، ولرد المشورة حكْم، المهم أن تحدث المشورة؛ ونعمل بأفضل الأراء فالمشورة: تلقيح الرأي بآراء متعددة، ولذلك يقول الشاعر: شعر : شاور سواك إذا نابتك نائبة يوماً وإن كنت من أهل المشورات تفسير : لقد اهتدى الشاعر إلى كيفية تقريب المعنى لنا، فعلى الرغم من أن الإنسان قد يكون من أهل المشورة والناس تأخذ برأيه، فعليه أن يسأل الناس الرأي والمشورة، لماذا؟ ها هو ذا الشاعر يكمل النصيحة: شعر : فالعين تنظر منها مادنا ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآة تفسير : إن العين ترى الشيء القريب والشيء البعيد، لكن هذه العين نفسها تعجز عن رؤية نفسها إلا بمرآة، وكذلك شأن المسألة الخاصة بغيرك والتي تعرض عليك، إن عقلك ينظر فيها باستواء ودون انفعال؛ لأنه لا هوى لك، والحق هو الذي يجذبك. لكن مسائلك الخاصة قد يدخل فيها هواك ويُحليها لك ويُحسنها. إذن فالمشورة في أحُد كانت نتيجتها كما علمتم، وكأن الله يقول لرسوله: إياك أن تأخذ من سابقة المشورة أن المشورة لا تنفع، فتقاطعهم ولا تشاورهم؛ لأنك لن تظل حياً فيهم، وسيأتي وقت يحكمهم بشر مثلهم، وما دام يحكمهم بشر مثلهم فلا تحرمه أن يأخذ آراء غيره، وعندما يأخذ الآراء وتكون أمامه آراء متعددة فهو يستطيع أن يتوصل إلى الحكم الصحيح بحكم الولاية وبحكم أنه الإمام، ويستطيع أن يفاضل ويقول: هذه كذا وهذه كذا، إلا أن يُفوض غيره. {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 159] وقد عزم رسول الله أيضاً على الحرب ولبس لأمته، أكان يلبس اللأمة - وهي عُدة الحرب - وبعد ذلك يقولون له: لا تخرج فيدعها؟ لا؛ فالمسألة لا تحتمل التردد. {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 159] وهذه فائدة الإيمان، وفائدة الإيمان: أن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل، معادلة جميلة! الجوارح تقول: نزرع، نحرث، نأتي بالبذر الجيد، نروي، نضع سماداً ونفترض أن الصقيع قد يأتي ونخشى على النبات منه فنأتي بقش ونحوه ونُغطيه، كل هذه عمل الجوارح. وبعد ذلك القلوب تتوكل. فإياك أن تقول: المحصول آتٍ آتٍ لأنني أحسنت أسبابي، لا. لأن فوق الأسباب مُسَبِّبَها. فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل، هذه فائدة الإيمان لأنني مؤمن بإله له طلاقة القدرة، يخلق بأسباب ويخلق بغير أسباب. الأسباب لك يا بشر، أما الذي فوق الأسباب فهو لله، فأنت حين تعمل أخذت بالأسباب، وحين تتوكل ضمنت المسبب وهو الله - سبحانه -. إذن فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل. إياك أن تظن أن التوكل يعني أن تترك الجوارح بلا عمل، لا، فهذا هو التواكل أو الكسل، إنه التوكل الكاذب، والدليل على كذب من يقول ذلك أنه يحب أن يتوكل فيما فيه مشقة، والسهل لا يتوكل فيه، ونقول للرجل الذي يدعي أنه يتوكل ولا يعمل: أنت لست متوكلاً، ولو كنت صادقاً في التوكل إياك أن تمد يدك إلى لقمة وتضعها في فمك. كن متوكلاً كما تدعي، ودع التوكل يضع لك اللقمة في فمك واترك التوكل ليمضغها لك! وطبعاً لن يفعل ذلك، ولهذا نقول له أيضاً: إن ادعاءك التوكل هو بلادة حس إيماني وليس توكلاً. إن الحق سبحانه وتعالى يقول: {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} [آل عمران: 159] و"عزمت" تقتضي عزيمة، والتوكل يقتضي إظهار عجز، فمعنى أني أتوكل على الله أنني استنفدت أسبابي، ولذلك أرجع إلى من عنده قدرة وليس عنده عجز، وهذا هو التوكل المطلق. وفي حياتنا اليومية نسمع من يقول: أنا وكلت فلاناً، أي أنني لا أقدر على هذا الأمر فوكلت فلاناً. ومعنى توكيله لفلان أنه قد أظهر عجزه عن هذا الأمر. ولهذا ذهب إلى غير عاجز. كذلك التوكل الإيماني، فالتوكل معناه: تسليمك زمام أمورك إلى الحق ثقة بحسن تدبيره، ومن تدبيره أن أعطاك الأسباب فلا ترد يد الله الممدودة بالأسباب ثم تقول له اعمل لي يارب؛ لأننا قلنا في سورة الفاتحة: إن الإنسان يدعو قائلاً: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}تفسير : [الفاتحة: 5]. ومعنى "نستعين" أي نطلب منك المعونة التي نتقن بها العمل. وبعد ذلك يقول الحق: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن غزوة أُحد، فقد ذكر تعالى فيما سبق انهزام المسلمين وما أصيبوا به من غمّ واضطراب، وأرشدهم إِلى موطن الداء ووصف لهم الدواء، وفي هذه الآيات الكريمة اشادة بالقيادة الحكيمة، فمع مخالفة بعض الصحابة لأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم فقد وسعهم عليه السلام بخلقه الكريم وقلبه الرحيم، ولم يخاطبهم بالغلظة والشدة وإِنما خاطبهم باللطف واللين، ولذلك اجتمعت القلوب حول دعوته، وتوحّدت تحت قيادته، والآيات تتحدث عن أخلاق النبوة، وعن المنّة العظمى ببعثة الرسول الرحيم والقائد الحكيم وعن بقية الأحداث الهامة في تلك الغزوة. اللغَة: {فَظّاً} الفظُّ: الغليظ الجافي قال الواحدي هو الغليظ سيئ الخلق قال الشاعر: شعر : أخشى فظاظة عمٍّ أو جفاء أخٍ وكنتُ أخشى عليها من أذى الكلم تفسير : {غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ} هو الذي لا يتأثر قلبه ولا يرقّ ومن ذلك قول الشاعر: شعر : يُبكَى علينا ولا نبكي على أحدٍ؟ لنحن أغلظُ أكباداً من الإِبل تفسير : {انْفَضُّواْ} تفرقوا وأصل الفضِّ الكسر ومنه قولهم: لا يفضض الله فاك {يَغُلَّ} الغُلول: الخيانة وأصله أخذ الشيء في الخفية يقال: غلّ فلان في الغنيمة أي أخذ شيئاً منها في خفية {بَآءَ} رجع {سَخَطٍ} السخط: الغضب الشديد {مَأْوَاهُ} منزله ومثواه {يُزَكِّيهِمْ} يطهرهم {مَنَّ} المِنَّة: الإِنعام والإِحسان {فَادْرَءُوا} الدرء: الدفع ومنه {أية : وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ}تفسير : [النور: 8]. سَبَبُ النّزول: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر من المغنم فقال بعض الناس لعلّ النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ..} الآية. التفسِيْر: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} أي فبسبب رحمةٍ من الله أودعها الله في قلبك يا محمد كنت هيناً ليّن الجانب مع أصحابك مع أنهم خالفوا أمرك وعصوك {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} أي لو كنت جافي الطبع قاسي القلب، تعاملهم بالغلظة والجفا، لتفرقوا عنك ونفروا منك، ولمّا كانت الفظاظة في الكلام نفى الجفاء عن لسانه والقسوة عن قلبه {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} أي فتجاوز عما نالك من أذاهم يا محمد، واطلب لهم من الله المغفرة، وشاورهم في جميع أمورك ليقتدي بك الناس قال الحسن "ما شاور قومٌ قط إلاّ هُدوا لأرشد أمورهم" وكان عليه السلام كثير المشاورة لأصحابه {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ} أي إِذا عقدت قلبك على أمر بعد الاستشارة فاعتمد على الله وفوّض أمرك إِليه {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} أي يحب المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إِليه {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} أي إِن أراد الله نصركم فلا يمكن لأحدٍ أن يغلبكم {وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} أي وإِن أراد خذلانكم وترك معونتكم فلا ناصر لكم، فمهما وقع لكم من النصر كيوم بدر أو من الخذلان كيوم أُحد بمشيئته سبحانه فالأمر كله لله، بيده العزة والنصرة والإِذلال والخذلان {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي وعلى الله وحده فليلجأ وليعتمد المؤمنون {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي ما صحَّ ولا استقام شرعاً ولا عقلاً لنبيٍّ من الأنبياء أن يخون في الغنيمة، والنفيُ هنا نفيٌ للشأن وهو أبلغ من نفي الفعل لأنَّ المراد أنه لا يتأتّى ولا يصحُّ أن يُتصوّر فضلاً عن أن يحصل ويقع {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي ومن يخُن من غنائم المسلمين شيئاً يأت حاملاً له على عنقه يوم القيامة فضيحةً له على رءوس الأشهاد {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي تعطى جزاء ما عملت وافياً غير منقوص {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} أي تنال جزاءها العادل دون زيادة أو نقص، فلا يزاد في عقاب العاصي، ولا ينقص من ثواب المطيع {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي لا يستوي من أطاع الله وطلب رضوانه، ومن عصى الله فاستحق سخطه وباء بالخسران {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي مصيره ومرجعه جهنم وبئست النار مستقراً له {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ} أي متفاوتون في المنازل قال الطبري: هم مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع رضوان الله الكرامةُ والثواب الجزيل، ولمن باء بسخطٍ من الله المهانةُ والعقاب الأليم {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي لا تخفى عليه أعمال العباد وسيجازيهم عليها، ثمَّ ذكّر تعالى المؤمنين بالمنّة العظمى عليهم ببعثة خاتم المرسلين فقال {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي والله لقد أنعم الله على المؤمنين حين أرسل إِليهم رسولاً عربياً من جنسهم، عرفوا أمره وخبروا شأنه، وخصَّ تعالى المؤمنين بالذكر وإِن كان رحمة للعالمين، لأنهم هم المنتفعون ببعثته {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} أي يقرأ عليهم الوحي المنزل {وَيُزَكِّيهِمْ} أي يطهرهم من الذنوب ودنس الأعمال {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي يعلمهم القرآن المجيد والسنة المطهرة {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} أي وإِنه الحال والشأن كانوا قبل بعثته في ضلال ظاهر، فنقلوا من الظلمات إِلى النور، وصاروا أفضل الأمم {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} أي أو حين أصابتكم أيها المؤمنون كارثةٌ يوم أحد فقُتل منكم سبعون {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} أي في بدر حيث قتلتم سبعين وأسرتم سبعين {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا}؟ أي من أين هذا البلاء، ومن أين جاءتنا الهزيمة وقد وعدنا بالنصر، وموضع التقريع قولهم {أَنَّىٰ هَـٰذَا}؟ مع أنهم سبب النكسة والهزيمة {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي قل لهم يا محمد: إِن سبب المصيبة منكم أنتم بمعصيتكم أمر الرسول وحرصكم على الغنيمة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي يفعل ما يشاء لا معقب لحكمه ولا رادّ لِقضائه {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي وما أصابكم يوم أُحد، يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين فبقضاء الله وقدره وبإِرادته الأزلية وتقديره الحكيم، ليتميّز المؤمنون عن المنافقين {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ليعلم أهل الإِيمان الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ} أي وليعلم أهل النفاق كعبد الله بن أُبي ابن سلول وأصحابه الذين انخذلوا يوم أُحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعوا وكانوا نحواً من ثلاثمائة رجل فقال لهم المؤمنون: تعالوا قاتلوا المشركين معنا أو ادفعوا بتكثيركم سوادنا {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} أي قال المنافقون لو نعلم أنكم تلقون حرباً لقاتلنا معكم، ولكن لا نظن أن يكون قتال {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} أي بإِظهارهم هذا القول صاروا أقرب إِلى الكفر منهم إِلى الإِيمان {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي يظهرون خلاف ما يضمرون {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} أي بما يخفونه من النفاق والشرك {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ} أي وليعلم الله أيضاً المنافقين الذين قالوا لإِخوانهم الذين هم مثلهم وقد قعدوا عن القتال {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} أي لو أطاعنا المؤمنون وسمعوا نصيحتنا فرجعوا كما رجعنا ما قتلوا هنالك {قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي قل يا محمد لأولئك المنافقين إن كان عدم الخروج ينجي من الموت فادفعوا الموت عن أنفسكم إِن كنتم صادقين في دعواكم، والغرض منه التوبيخ والتبكيت وأن الموت آتٍ إِليكم ولو كنتم في بروج مشيدة. البَلاَغَة: 1- {إِن يَنصُرْكُمُ... وَإِن يَخْذُلْكُمْ} بينهما مقابلة وهي من المحسنات البديعية. 2- {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ} تقديم الجار والمجرور لإِفادة الحصر. 3- {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي ما صح ولا استقام والنفي هنا للشأن وهو أبلغ من نفي الفعل. 4- {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} قال أبو حيان: "هذا من الاستعارة البديعة جعل ما شرعه الله كالدليل الذي يتبعه من يهتدي به، وجعل العاصي كالشخص الذي أمر بأن يتبع شيئاً فنكص عن اتباعه ورجع بدونه". 5- {بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} التنكير للتهويل أي بسخط عظيم لا يكاد يوصف. 6- {هُمْ دَرَجَاتٌ} على حذف مضاف أي ذوو درجات متفاوتة، فالمؤمن درجته مرتفعة والكافر درجته متضعة. 7- {لِلْكُفْرِ... ولِلإِيمَانِ} بينهما طباق وكذلك بين {أية : يُبْدُونَ.. ويُخْفُونَ} تفسير : [آل عمران: 154]. 8- {أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} بينهما جناس الاشتقاق، وهو من المحسنات البديعية. تنبيه: في هذه الآية {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} دلالة على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، ومن عجيب أمره صلى الله عليه وسلم أنه كان أجمع الناس لدواعي العظمة ثم كان أدناهم إِلى التواضع، فكان أشرف الناس نسباً وأوفرهم حسباً وأزكاهم عملاً وأسخاهم كرماً وأفصحهم بياناً وكلها من دواعي العظمة، ثم كان من تواضعه عليه السلام أنه كان يرقع الثوب ويخصف النعل ويركب الحمار ويجلس على الأرض ويجيب دعوة العبد المملوك فصلوات الله وسلامه على السراج المنير بحر المكارم والفضائل. فَائِدَة: التوكل على الله من أعلى المقامات لوجهين: أحدهما محبة الله للعبد {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} والثاني الضمان في كنف الرحمن {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} تفسير : [آل عمران: 3].

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} معناهُ لانْصَرَفوا فِي الأَرضِ بكُلِّ وَجهٍ. تفسير : وقوله تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ} معناه أَجْمَعتَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك. { ولو كنت فظا } أي: سيئ الخلق { غليظ القلب } أي: قاسيه، { لانفضوا من حولك } لأن هذا ينفرهم ويبغضهم لمن قام به هذا الخلق السيئ. فالأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم إليه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب الخاص، فهذا الرسول المعصوم يقول الله له ما يقول، فكيف بغيره؟! أليس من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به صلى الله عليه وسلم، من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر الله، وجذبا لعباد الله لدين الله. ثم أمره الله تعالى بأن يعفو عنهم ما صدر منهم من التقصير في حقه صلى الله عليه وسلم، ويستغفر لهم في التقصير في حق الله، فيجمع بين العفو والإحسان. { وشاورهم في الأمر } أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره: منها: أن المشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله. ومنها: أن فيها تسميحا لخواطرهم، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس -إذا جمع أهل الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه وإن أطاعوه فطاعة غير تامة. ومنها: أن في الاستشارة تنور الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول. ومنها: ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوب، فليس بملوم، فإذا كان الله يقول لرسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو أكمل الناس عقلا وأغزرهم علما، وأفضلهم رأيا-: { وشاورهم في الأمر } فكيف بغيره؟! ثم قال تعالى: { فإذا عزمت } أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، إن كان يحتاج إلى استشارة { فتوكل على الله } أي: اعتمد على حول الله وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، { إن الله يحب المتوكلين } عليه، اللاجئين إليه.