٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
160
Tafseer
الرازي
تفسير : قال ابن عباس: إن ينصركم الله كما نصركم يوم بدر. فلا يغلبكم أحد، وإن يخذلكم كما خذلكم يوم أحد لم ينصركم أحد. وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة، والتحذير عن المعصية، وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي الله تعالى نصره الله، وهو قوله: {أية : بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [آل عمران: 125] ثم بين في هذه الآية أن من نصره الله فلا غالب له، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين، ان من اتقى الله فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة فإنه يفوز بسعادة لا شقاوة معها وبعز لا ذل معه، ويصير غالبا لا يغلبه أحد، وأما من أتى بالمعصية فإن الله يخذله، ومن خذله الله فقد وقع في شقاوة لا سعادة معها، وذل لا عز معه. المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الإيمان لا يحصل إلا بإعانة الله، والكفر لا يحصل إلا بخذلانه، والوجه فيه ظاهر لأنها دالة على أن الأمر كله لله. المسألة الثالثة: قرأ عبيد بن عمير {وَإِن يَخْذُلْكُمْ } من أخذله إذا جعله مخذولا. المسألة الرابعة: قوله: {مِن بَعْدِهِ } فيه وجهان: الأول: يعني من بعد خذلانه، والثاني: أنه مثل قولك: ليس لك من يحسن اليك من بعد فلان. ثم قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يعني لما ثبت أن الأمر كله بيد الله، وأنه لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه، وجب أن لا يتوكل المؤمن إلا عليه، وقوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } يفيد الحصر، أي على الله فليتوكل المؤمنون لا على غيره.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} أي عليه توكّلوا فإنه إن يُعِنكم ويمنعكم من عدوّكم لن تُغبلوا. {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} يترككم من معونته. {فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} أي لا ينصركم أحد من بعده، أي من بعد خِذلانه إيّاكم؛ لأنه قال: {وَإنْ يَخْذُلْكُمْ} والخِذلان ترك العون. والمخذول: المتروك لا يُعْبَأ به. وخَذَلت الوِحشّية أقامت على ولدها في المرعى وتركت صواحباتها؛ فهي خذول. قال طَرَفة:شعر : خَذُولٌ تُراعِي رَبْرَباً بِخَميلةٍ تَناولُ أطرافَ البَرِيرِ وتَرْتَدِي تفسير : وقال أيضاً:شعر : نظرتْ إليك بعين جارية خَذَلت صواحبها على طِفْلِ تفسير : وقيل: هذا من المقلوب؛ لأنها هي المخذولة إذا تُركت. وتخاذلت رجلاه إذا ضَعُفَتا. قال:شعر : وخَـذُولِ الرّجْـل مِـن غيـرِ كَسَـح تفسير : ورجل خُذَلة للذي لا يزال يَخْذُل، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ } يُعنكم على عدوّكم كيوم بدر {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ } يترك نصركم كيوم أُحُد {فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ } أي بعد خذلانه أي لا ناصر لكم {وَعَلَى ٱللَّهِ } لا غيره {فَلْيَتَوَكَّلِ } ليثق {ٱلْمُؤْمِنُونَ }.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {إن ينصركم الله} يعني إن يعنكم الله بنصره ويمنعكم من عدوكم كما فعل يوم بدر {فلا غالب لكم} يعني من الناس لأن الله تعالى هو المتولي نصركم {وإن يخذلكم} كما فعل يوم أحد فلم ينصركم ووكلكم إلى أنفسكم لمخالفتكم أمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} أي من بعد خذلانه {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} لا على غيره لأن الأمر كله لله ولا راد لقضائه ولا دافع لحكمه فيجب أن يتوكل العبد في كل الأمور على الله تعالى لا على غيره. وقيل التوكل أن لا تعصي الله من أجل رزقك ولا تطلب لنفسك ناصراً غيره ولا لعملك شاهداً سواه (م) عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب قالوا ومن هم يا رسول الله قال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال أنت منهم فقام آخر فقال يا نبي الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال سبقك بها عكاشة" تفسير : عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو أنكم تتوكلون على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. قوله عز وجل: {وما كان لنبي أن يغل} قال ابن عباس نزلت هذه الآية وما كان لنبي أن يغل في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض القوم لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى آخرها. أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب وروي عن الضحاك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع فغنم النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقسم الطلائع فأنزل الله تعالى وما كان لنبي أن يغل وروى ابن جرير الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى وما كان لنبي أن يغل يقول ما كان لنبي أن يقسم إلى طائفة من المؤمنين ويترك طائفة ويجور في القسم ولكن يقسم بالعدل ويأخذ فيه بأمر الله ويحكم فيه بما أنزل الله يقول ما كان الله ليجعل نبياً يغل من أصحابه فإذا فعل ذلك النبي استنوا به وقال مقاتل والكلبي نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز للغنيمة. وقالوا نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له وأن لا تقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري قالوا تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل ظننتم أنا نغل فلا نقسم" تفسير : فأنزل الله هذه الآية وقال قتادة ذكر لنا أنها نزلت في طائفة غلت من أصحابه وقيل إن الأقوياء ألحوا عليه يسألونه من المغنم فأنزل الله تعالى {وما كان لنبي أن يغل} يعني فيعطي قوماً ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بينهم بالسوية وقال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن إسحاق بن يسار هذا في شأن الوحي يقول وما كان لنبي أن يكتم شيئاً من الوحي رغبة أو رهبة أو مداهنة والغلول هو الخيانة. وأصله أخذ الشيء في خفية يقال غل فلان يغل قرئ بفتح الياء وضم الغين أي وما كان لنبي أن يخون لأن النبوة والخيانة لا يجتمعان لأن منصب النبوة أعظم المناصب وأشرفها وأعلاها لا تليق به الخيانة لأنها في نهاية الدناءة والخسة والجمع بين الضدين محال فثبت بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخن أمته في شيء لا من الغنائم، ولا من الوحي. وقيل المراد به الأمة لأنه قد ثبت براءة ساحة النبي صلى الله عليه وسلم من الغلول والخيانة فدل ذلك على أن المراد بالغلول غيره وقيل اللام فيه منقولة معناه ما كان النبي ليغل على نفي الغلول عن الأنبياء وقيل معناه ما كان لبني الغلول أراد ما غل نبي قط فنفى عن الأنبياء: الغلول وقيل معناه وما كان يحل لنبي الغلول وإذا لم يحل له لم يفعله وحجة هذه القراءة أنهم نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلول. في بعض الروايات فبين الله تعالى بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به ونفى عنه ذلك بقوله وما كان لنبي أن يغل وقرئ يغل بضم الياء وفتح الغين ولها معنيان أحدهما أن يكون من الغلول أيضاً ومعناه وما كان لنبي أن يخان أي تخونه أمته والثاني أن يكون من الإغلال ومعناه وما كان لنبي أن يخون أي ينسب إلى الخيانة {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} يعني بالشيء الذي غله بعينه يحمله على ظهره يوم القيامة ليزداد فضيحة بما يحمله يوم القيامة وقيل يمثل ذلك الشيء في النار ثم يقال له أنزل فخذه فينزل فيحمله على ظهره فإذا بلغ موضعه وقع ذلك الشيء في النار فيكلف أن ينزل إليه ليخرجنه يفعل به ذلك ما شاء الله وقيل معناه أنه يأتي بإثم ما غله فيجازى به يوم القيامة وهو قوله تعالى: {ثم توفى كل نفس ما كسبت} يعني من خير أو شر والمعنى أن كل كاسب خيراً كان ذلك الكسب أو شراً فهو مجزى به يوم القيامة وهو في جزاء عمله {وهم لا يظلمون} يعني بل يعدل بينهم يوم القيامة في الجزاء فيجازى كل على عمله. فصل في ذكر أحاديث وردت في الغلول ووعيد الغال وقد تقدم أن أصل الغلول هو أخذ الشيء في خفية وأنه الخيانة إلا أنه قد صار في العرف مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة وبهذا وردت الأحاديث (ق) عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: "حديث : لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني وأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك" تفسير : لفظ مسلم. الرغاء صوت البعير والثغاء صوت الشاة والرقاع الثياب والصامت الذهب والفضة (ق) عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله علينا فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً غنمنا المتاع والطعام والثياب ثم انطلقنا إلى الوادي يعني وادي القرى ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه فقلنا هنيئاً له شملته الشهادة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه ناراً أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم" تفسير : قال ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال: أصبتها يوم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك من نارٍ أو شراكان من نار وفي رواية نحوه وفيه ومعه عبد يقال له مدعم أهداه له أحد بني الضبيب وفيه إذ جاءه سهم عائر إشراك سير النعل الذي يكون على ظهر القدم ومثله شسع النعل والسهم العائر هو السهم الذي لا يدرى من رماه (خ) عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال كان على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: رجل يقال له كركرة فمات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في النار فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها عن زيد بن خالد الجهني أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلّوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال إن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين. أخرجه أبو داود والنسائي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من غل فاحرقوا متاعه واضربوه"تفسير : . أخرجه أبو داود والترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال وضربوه زاد في رواية ومنعوه سهمه أخرجه أبو داود.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} شرطٌ وجوابه، وكذلك قوله: {وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي} وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب - كذا قاله أبو حيان. يعني من الغيبة في قوله: {لِنتَ لَهُمْ} وقوله: {لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} وقوله: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ} قال شهاب الدين: وفيه نظر. وجاء قوله: {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} جواباً للشرطِ، وهو نفيٌ صريحٌ، وقوله: {فَمَن ذَا ٱلَّذِي} - وهو متضمن للنفي - جوابٌ للشرط الثاني، تلطفاً بالمؤمنين، حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول، ولم يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني بل أتى به في صورة الاستفهام - وإن كان معناه نفياً. وقوله: {فَمَن ذَا ٱلَّذِي} قد تقدم مثله في البقرة. والهاء - في قوله: {مِّنْ بَعْدِهِ} - فيها وجهان: أحدهما - وهو الأظهر -: أنها تعود على "اللَّه" تعالى، وفيه احتمالانِ: الأول: أن يكون ذلك على حذف مضاف، أي: من بعد خذلانه. الثاني: إنه يحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلامِ: إنكم إذا جاوزتموه إلى غيره - وقد خذلكم - فمن يجاوزه إليه وينصركم؟ ثانيهما: أن يعود على الخذلان المفهوم من الفعلن وهو نظيرُ قوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [المائدة: 8]. قوله: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ} يعنكم ويمنعكم من عدوكم {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} مثل يوم بدر {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} يترككم كما أن بأُحُدٍ - لم ينصركم أحَدٌ. والخذلان: القعود عن النصرة. قراءة الجمهور {يَخْذُلْكُمْ} - بفتح الياء - من خَذَله - ثلاثياً -. وقرأ عمرو بن عبيد: "يُخْذِلْكُم" - بضم الياء - من أخْذَلَ - رباعياً - والهمزة فيه لجعل الشيء، أي: إن يجعلكم مخذولين، والخَذْل والخُذلان - ضد النصر - وهو ترك من يظن به النُّصرة، وأصله من خَذَلَت الظبيةُ ولدَها - إذا تركته منفرداً - ولهذا قيل لها: خاذل ويقال للولدِ المتروك - أيضاً -: خاذل، وهذا النَّسَبِ، والمعنى: أنَّها مخذولة. قال الشاعرُ: [البسيط] شعر : 1681- بِجِيدِ مُغْزِلَةٍ أدْمَاءَ خَاذِلَةٍ مِنَ الظِّبَاءِ تُرَاعِي شَادِناً خَرِقا تفسير : ويقال له - أيضاً -: خذول، فعول بمعنى مفعول. قال الشاعر: [الطويل] شعر : 1682- خَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَباً بِخَمِيلَةٍ تَنَاوَلُ أطْرَافَ الْبريرِ وتَرْتَدِي تفسير : ومنه يقال: تخاذلَتْ رجلا فلان. قال الأعشى: [الرمل] شعر : 1683- بَيْنَ مَغْلوبٍ كَريمٍ جَدُّهُ وخَذُولِ الرِّجْلِ مِنْ غَيْرِ كَسَحْ تفسير : ثم قال: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فقدم الجارّ إيذاناً بالاختصاص، أي: ليخص المؤمنون رَبَّهُم بالتوكل عليه والتفويض له؛ لعلمهم أنه لا ناصرَ لهم سواهُ. وهو معنى حَسَنٌ، ذكره الزمخشريُّ. فصل احتجوا - بهذه الآية - على الإيمانَ لا يحصل إلا بإعانة الله، والكفر لا يحصل إلا بخذلانه؛ لأن الآية دالةٌ على أن الأمر كلَّهُ لِلِّهِ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن اسحق في الآية قال: أي أن ينصرك الله فلا غالب لك من الناس، لن يضرك خذلان من خذلك، وإن يخذلك فلن يضرك الناس {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} أي لا تترك أمري للناس، وارفض الناس لأمري {وعلى الله} لا على الناس {فليتوكل المؤمنون}.
التستري
تفسير : قوله: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ}[160] قال: الخذلان هو غاية الترك، وأما الترك فإن صاحبه يذنب وهو مقر بذنبه، فإذا أذنب على أنه ديانة فهو الخذلان، وهو عقوبة الله تعالى صاحب الخذلان لأنه أقامه على ذنبه مع علمه به وتسويفه بالتوبة، ألا ترى أن إبليس لما أبى وأصر عليه بعد الإباء خذله الله بعلمه السابق فيه، لأنه أراد منه ما علم ولم يرد منه ما أمره به، وآدم عليه السلام لما لم يكن بالترك مخذولاً أقر بالذنب بعد إتيانه ورجع إلى ربه جل وعز، فقبل توبته.
السلمي
تفسير : قال بعضهم: إنما يدرك نصر الله تعالى من تبرأ من حوله وقوته، واعتصم بربه فى جميع أسبابه لا من اعتمد على حوله وقوته ورأى الأشياء منه فإنه مردود إلى حوله وقوته وعمله.
القشيري
تفسير : المؤمنون نصرته لهم بالتوفيق للأشباح ثم بالتحقيق للأرواح. ويقال ينصركم الله بتأييد الظواهر وتسديد السرائر. ويقال للنصرة إنما تكون على العدو، وأعدى عدوك نَفْسُكَ التي بين جنبيك. والنصرة على النَّفْس بأن تهزم دواعي مُنَّتِها بعواصم رحمته حتى تَنْفَضَّ جنود الشهوات بهجوم وفود المنازلات فتبقى الولاية لله خالصةً من شبهات الدواعي التي هي أوصاف البشرية، وشهوات النفوس وأمانيها، التي هي آثارالحجبة وموانع القربة. {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} الخذلان التخلية مع المعاصي، فَمَنْ نَصَرَه قبض على يديه عن تعاطي المكروه، ومن خَذَلَه أَلقى حَبْله على غاربه، وَوَكَلَه إلى سوء اختياره، فيفترق عليه الحال في أودية الشهوات، فمرة يُشَرِّق غير محتشِم، وتارة يُغَرِّب غير مُحترِم، ألا ومن سبَّبه الحق فلا آخذ بيده، ومن أسلمه فلا مجيرَ له. {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}: في وجدان الأمان عند صدق الابتهال، وإسبال ثوب العفو على هناة الجُرْم عند خلوص الالتجاء، بالتبري من المنَّة والحول. ويقال لما كان حديث النصرة قال: {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}، ولما كان حديث الخذلان لم يقل "فلا ناصر لكم" بل قال بالتلويح والرمز: {فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ}: وفي هذا لطيفةٌ في مراعاة دقائق أحكام الخطاب.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} نصر الله سكينته وقعت من نور تجلى الحق سبحانه فى قلوب العارفين حيث توجهت من الحدثان الى جلاله بنعت التضرع فى عظمته وكبريائه فلما تلبست انوار الغيب مع نور البسط والرجاء فقويت بها الاشباح فايدت لهم بحلول الازل وقوته فحينئذ انحسرت جنود القهر بسطوة الهيبة عن معارك عساكر اللطف وذلك قوله سبقت رحمتى غضبى حقائقه مشروحة فى ترقى مقامات نور النبى صلى الله عليه وسلم وذلك اشارته فى سجوده بقوله اعوذ رضاك من سخك واعوذ بمعافاتك من عقوبتك ولعوذبك منك نصر الله فى المريدين توفيقهم فى قمع الشهوات ونصره فى المحبين نور اليقين من تبسم فلق صبح الازل بنعت المداناة ونصره العارفين انفتاح كنوز اسرارا علوم الجهولة بمفاتيح كشف المشاهدات قال بعضهم انما يدرك نصر الله من تبرا من حوله وقوته واعتصم بربه فى جميع اشبابه لان من اعتمد حوله وقوته وراى الاشياء منه فانه مردود الى حول الله وقوته علمه قال الاستاد نصرته بالتوفيق بلاشباح ثم بالتحقيق بالارواح ويقال ينصركم بتائيد الظاهر وتسيدد السرائر ويقال انصرة انما يكون على العدو واعدى عدوك نفسك التى بين حنيك النصرعلى تهزم دواعى فتنتها بعواصم رحمته حتى تنقص جنود الشهوات بهجوم وقود المنازلات فيبقى الولاية خالصة عن شبهات الدواعى التى هى اوصاف البشرية وشهوات النفسو امانيها التى هى اثار الحجبة وموانع القربة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان ينصركم الله} النصر نوعان معونة ومنع اى ان يعنكم الله ويمنعكم من عدوكم كما فعل ذلك يوم بدر {فلا غالب لكم} فلا احد يغلبكم {وان يخذلكم} الخذلان القعود عن النصرة والاسلام للهلكة اى ان يترككم فلم ينصركم كما فعله يوم احد {فمن ذا الذى ينصركم} استفهام انكارى مفيد لانتفاء الناصر ذاتا وصفة بطريق المبالغة {من بعده} اى من بعد خذلانه وهذا تنبيه على ان الامر كله لله ولذا امر بالتوكل عليه فقال {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا ان لا ناصر سواه وآمنوا به من قبل ومن التوكل ان لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله تعالى ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعلمك شاهدا غيره. وعن عمران بن حصين قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : "يدخل سبعون الفا من امتى الجنة بغير حساب" قيل يا رسول الله من هم قال "هم الذين لا يكتدون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون" فقال عكاشة بن محصن يا رسول الله ادع الله ان يجعلنى منهم قال "انت منهم" ثم قام آخر فقال يا رسول الله ادع الله ان يجعلنى منهم فقال "سبقك بها عكاشة"" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لو انكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " تفسير : وعن بعضهم قال كنت فى البادية فتقدمت القافلة فرأيت قدّامى واحدا فسارعت حتى ادركته فاذا هو امرأة بيدها ركوة وعكازة تمشى على الرعدة فظننت انها اعيت فادخلت يدى فى جيبيى فاخرجت عشرين درهما فقلت خذى هذه وامكثى حتى تلحقك القافلة فتكترى بها ثم ائتنى الليلة حتى اصلح امرك فقالت بيدها هكذا فى الهواء فاذا فى كفها دنانير فقالت انت اخذت الدراهم من الجيب وانا اخذت الدراهم من الغيب: قال الحافظ الشيرازى شعر : برو ازخانه كردون بدرونان مطلب كاين سيه كاسه در آخر بكشد مهمانرا تفسير : قال القشيرى حقيقة النصر ان ينصرك على نفسك فانها اعدى عدوك وهى ان يهدم عنك دواعى فتنتها بعواصم رحمته حتى ينفض جنود الشهوات بهجوم وفور المنازلات فتبقى الولاية لله تعالى خالصة من رعونات الدواعى التى هى اوصاف البشرية وشهوات النفوس وان يخذلكم فالخذلان التخلية بينه وبين المعاصى فمن نصره قبض على يده عندا لهم بتعاطى المكروه ومن خذله القى حبله على غاربه ووكله الى سوء اختياره فيهيم على وجهه فى فيافى البعد فتارة يشرق غير محتشم وتارة يغرب غير محترم ومن سيبه الحق فلا آخذ ليده ولا جابر لكسره وعلى الله فليتوكل المؤمنون فى وجدان الامان من هذه الاخطار عند صدق الابتهال واسباب ثوب العفو على الاجرام عند خلوص الالتجاء بالتبرى من الحول والقوة ولا حول ولا قوة الا بالله العلى العظيم شعر : جهان آفرين كر نه يارى كند كجابنده برهيز كارى بود
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {إن ينصركم الله} كما نصركم يوم بدر، {فلا غالب لكم} من أحد من الناس، {وإن يخذلكم} كما خذكم يوم أحد، {فمن} هذا {الذي ينصركم من بعده} تعالى، أي: فلا ناصر سواه. وهذا تنبيه على الحث على التوكل، وتحريض على ما يستوجب به النصر، وهو الاعتماد على الله، وتحذير مما يستوجب الخذلان، وهو مخالفة أمره وعصيان رسوله، أو الاعتماد على غيره، ولذلك قال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}؛ لِمَا علموا ألا ناصر سواه. الإشارة: إن ينصركم الله على مجاهدة النفوس، ودوام السير إلى حضرة القدوس، فلا غالب لكم من النفس، ولا من الناس ولا من الهوى ولا من الشيطان، وإن يخلذكم - والعياذ بالله - فمن ذا الذي ينصركم من بعد خذلانه لكم؟ فليعتمد المريد في سيره على مولاه، وليستنصر به في قطع حظوظه وهواه، فإنه لا ناصر له سواه. وأنشدوا: شعر : إِذَا كَانَ عُوْنُ اللّهِ لِلمَرْءِ نَاصِراً تَهَيَّأ لَهُ مِنْ كُلِّ صَعْبِ مُرَادُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِن اللّهِ للْفَتَى فَأَكْثَرُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ تفسير : وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى هذه الآية الترغيب في طاعة الله التي يستحق بها النصرة، والتحذير من معصيته التي يستحق بها خذلانه مع ايجاب التوكل عليه الذي يؤمن معه أن يكلهم إلى أنفسهم فيهلكوا، ولأنه إذا نصرهم الله فلا أحد يقدر على مغالبته، وإذا خذلهم فلا أحد يقدر على نصرتهم بعده. و (من) في قوله: {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} معناها التقرير بالنفي في صورة الاستفهام أي لا ينصركم أحد من بعده، كما تقول من يعد لك إن فسقك الامام. وإنما تضمن حرف الاستفهام معنى النفي، لأن جوابه يجب أن يكون بالنفي، فصار ذكره يغني عن ذكر جوابه. وكان أبلغ لتقرير المخاطب فيه. قال أبو علي الجبائي: وفي الآية دليل على أن من غلبه أعداء الله من الباغين لم ينصره الله، لأنه لو نصره لما غلبوه، وذلك بحسب ما في المعلوم من مصالح العباد من تعريض المؤمنين لمنازل الأبرار بالصبر على الجهاد مع خوف القتل من حيث لم يجعل على أمان من غلبة الفجار، وهذا إنما هو في النصر بالغلبة، فاما النصر بالحجة، فان الله تعالى نصر المؤمنين من حيث هداهم إلى طريق الحق بما نصب لهم من الأدلة الواضحة والبراهين النيرة، ولولا ذلك لما حسن التكليف. قال البلخي: المؤمنون منصورون أبداً إن غلبوا، فهم المنصورون بالغلبة، وان غلبوا، فهم المنصورون بالحجة. قال الجبائي: والنصر بالغلبة ثواب، لأنه لا يجوز أن ينصر الله الظالمين من حيث لا يريد استعلاءهم بالظلم على غيرهم. وقال ابن الاخشاد: ليس بثواب كيف تصرفت الحال، لأن الله قد أمرنا أن ننصر الفئة المبغي عليها. وقال البلخي لا يجوز أن ينصر الله الكافر على وجه. فأما الخذلان فعقاب بلا خلاف. والخذلان هو الامتناع من المعونة على العدو في وقت الحاجة إليها، لأنه لو امتنع إنسان من معونة بعض الملوك على عدوه مع استغنائه عنها لم يكن خاذلا، وكذلك سبيل المؤمن المغلوب في بعض الحروب ليس يحتاج إلى المعونة مع الاستفساد بها بدلا من الاستصلاح، فلذلك لم يكن ما وقع به على جهة الخذلان.
الجنابذي
تفسير : {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} اى بعد خذلانه {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تخلّل الفاء بين العامل والمعمول مع صدارتهما امّا بتقدير امّا او بتوهّمه، او لفظة الفاء فى امثاله زائدة، او العامل محذوف بقرينة المذكور.
الأعقم
تفسير : قوله تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم} كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم {وإن يخذلكم} كما خذلكم يوم أُحد {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} وهذا تنبيه على أن الأمر كله لله وعلى وجوب التوكل عليه، قوله تعالى: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}، قيل: هو خبرٌ يعني أن المؤمن يتوكل على ربِّه، وقيل: هو أمرٌ يعني فليكن اعتمادكم على ربكم وعلى وعده، قوله تعالى: {وما كان لنبي أن يَغُلَّ} والغلول: الخيانة، قرأ ابن كثير وأبو عمرو يَغُلَّ بفتح الياء وضم الغين على أن الفعل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أي: ما كان له ذلك وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الغين أي ما كان لنبي أن يُخان أي تخونه أُمَّته، وما كان أن يخون أي ينسب إلى الخيانة "والآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقالوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذها، وقيل: حديث : نزلت يوم أُحد في الغنائم حين ترك الرماة المركز وطلبوا الغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسم لنا شيئاً، فقال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم): "أظننتم أنا نغلِّل؟!" تفسير : ومعنى الغل الخيانة، ومعنى يُغل بالضم يتهم، قوله تعالى: {أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله} الآية، قيل: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر باتباعه يوم أُحد فتبعه المؤمنون وتخلَّف عنه جماعة من المنافقين، فنزلت الآية، قوله تعالى: {هم درجات عند الله} أي هم متفاوتون كما تتفاوت الدرجات، وقيل: ذو درجات والمعنى تفاوت منازل المثابين منهم ومنازل المعاقبين، والتفاوت بين الثواب والعقاب {والله بصير بما يعملون} عالم بأعمالهم ودرجاتهم فيجازيهم بها، قوله تعالى: {لقد مَنَّ الله على المؤمنين} على من آمن مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قومه وخصَّ المؤمنين لأنهم المنتفعون ببعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنفسهم من جنسهم عربيَّاً مثلهم، وقرأت فاطمة (عليها السلام) من أنفَسِهِم بفتح الفاء أي من أشرفهم {يتلو عليهم آياته} بعد ما كانوا أهل جهالة {ويزكِّيهم} ويطهرهم من دنس القلوب، وقيل: يأخذ منهم الزكاة {ويُعلِّمهُم الكتاب والحكمة} القرآن والسنَّة بعد ما كانوا أجهل الناس وأبعدهم عن دراسة العلوم {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} ظاهر لا شبهة فيه، قوله تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة} الآية نزلت يوم أُحد يريد: ما أصابهم يومئذٍ من قتل سبعين {قد أصبتم مِثليها} من قتل سبعين وأسر سبعين {قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} يعني أنتم السبب لذلك لترككم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمركز، وقيل: لخروجكم من المدينة، وعن علي (عليه السلام): "لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم" قوله تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} يعني: يوم أُحُد يوم التقى جمعكم وجمع المشركين فهو كائن بإذن الله يعني بعلمه {وليعلم المؤمنين} يعني: ليتميز المؤمنون من المنافقين وليظهر إيمان هؤلاء {وليعلم الذين نافقوا} الآية نزلت في عبد الله بن أُبي وأصحابه وقيل لهم: {تعالوا قاتلوا في سبيل الله} أي دينه، قوله تعالى: {أو ادفعوا} دفعاً عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم فأبوا القتال، و{قالوا لو نعلمُ قِتَالاً لاتَّبَعناكُم} الآية، وقيل: أو ادفعوا العدو بتكثيركم سواد المجاهدين ولو لم تقاتلوا، لأن السواد مما يروع العدوّ {والله أعلم بما يكتمون} من النفاق، وقوله تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم} الآية نزلت في عبد الله بن أُبي لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أُحُد وإخوانهم في النسب وفي سكنى الدار، قوله تعالى: {وقَعَدُوا} اي قالوا وقد قعدوا عن القتال {لَوْ أطاعونا} إخواننا فيما أمرناهم من القتال وقعدوا لما قتلوا {قل فَادْرَأوا عن أنفسكم الموت} معناه قل: {إن كنتم صادقين} في أنكم وجدتُّم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتل فجِدُّوا إلى دفع الموت سبيلاً يعني أن ذلك الدفع غير مغنٍ لكم، وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً.
الهواري
تفسير : قوله: {إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} أي من ينصره الله فلا غالب له {وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} أي من خذله الله فلا ناصر له. {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}. ولقد أعلم الله رسوله والمؤمنين أنهم منصورون، وكذلك إن خذلهم لم ينصرهم من بعده ناصر. ومثل ذلك من كلام الله قول موسى: (أية : رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) تفسير : [الأعراف:143]. والجبل لا يستقر مكانه. {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ} قال بعضهم: يعني أن يَغُلَّه أصحابُه من المؤمنين. ذكر لنا أنها نزلت على نبي الله يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه؛ فمن فسّر هذا التفسير فمقرأه على "أَن يُغَلَّ". ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقرأها: أَنْ يَغُلَّ؛ روى ذلك عنه مجاهد. وقال مجاهد: يَخُون أو يُخَوّن، وهي تفسير على الوجهين. قوله: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : والذي نفسي بيده لا يغل أحد من هذا المال بعيراً إلا جاء يوم القيامة حامله على عنقه له رغاء، ولا بقرة إلا جاء بها يوم القيامة حاملها على عنقه ولها خوار، ولا شاة إلا جاء بها يوم القيامة حاملها على عنقه ولها ثغاء . تفسير : ذكروا عن ابن عمر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبعث سعد بن عبادة على صدقة أرض كذا وكذا قال:حديث : انظر لا تأتي ببعير تحمله يوم القيامة على عنقك. قال: وإن ذلك لكائن؟ قال: نعم. قال: لا جرم والله لا أكون لك على عمل أبداً؛ فرجع إلى أهله . تفسير : ذكر الحسن قال: حديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله: استُشهِد فلان. قال: كلاَّ، إني رأيته يُجَرُّ إلى النار بعباءة غَلَّها . تفسير : قوله: {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}، قد فسّرناه في أول السورة.
اطفيش
تفسير : {إِنْ يَنصُرْكُمُ اللَّهُ}: على عدوكم كما فعل يوم بدر، وأول الأمر يوم أحد. {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}: من الخلق. {وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ}: كآخر الأمر يوم أحد، أى: إن لم ينصركم. {فَمَنْ ذَا الَّذِى يَنْصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ}: أى من بعد الله، أى من دونه، أو بعد الخذلان، لأن الذى خذلكم إياه. {وَعَلَى اللَّهِ}: لا على غيره، إذ لا ناصر غيره. {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}: أخرج الترمذى عن عمر أن الخطاب رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزقكم الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً، وجالب النصر والصبر واتقاء المعاصى.
اطفيش
تفسير : {إن يَنصُرْكُمُ اللهُ} على عدوكم، كما ببدر وأول حرب أحد {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإن يَخْذُلَّكُمْ} كما فى آخر أحد {فَمَن ذَا الَّذِى يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} من بعد الله، أو من بعد الخذلان، وهذا تحريض على الطاعة المقتضية للنصر وتحذير من العصية المقتضية للخذلان، والاستفهام لنفى الناصر، وهو بصورة الاستفهام، إذ كان بصورة الحجة أبلغ من النفى الصريح {وَعَلَى اللهِ} لا على غيره يتوكل العاقل، إذ لا ناصر سواه، وعطف على هذا المقدر بالفاء فى قوله {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} عليه، وعموماً، أو المراد بالمؤمنين هؤلاء، ويدخل غيرهم، أو الفاء صلة، وعلى يتعلق بما بعد الفاء، ولما حث على الجهاد أتبعه بذكر ما يتعلق به، وهو الغلول الذى هو أخذ الشىء من الغنيمة خيانة، فقال: {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَغُلَّ} أى لا يليق لنبى أن ينسبه أحد إلى الغلول، فمن نسبه إليه فقد جفاه وعصى الله، وحاصل ذلك نهى عن نسبته إليه، ومن معانى أفعل وجود شىء على وصف كذا، كأحمدته بمعنى وجدته محموداً، أو أبخلته بمعنى وجدته بخيلا، أى لا يليق لنبى أن يوجد غالا، وهو لا يوجد غالا، إلا إن غل وهو لا يغل، فلا يوصف بوجوده غالا، فمن وصفه به فقد جفا، وعصى، فذلك براءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم من قول بعض المنافقين فى قطيفة حمراء فقدت من الغنيمة فى بدر، لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، ومن قول أهل المركز يوم أُحد حين تركوا المركز نخشى أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخذ شياً فهو له، فلا يكون لنا شىء، فسمى الله عدم القسم لأهل المركز غلولا، فنزه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، لأنهم كالضاربين بالسيوف فى غير الركز، وهم فى قتال واحد، ورامون أيضاً، وروى أنهم لماتركوا المركز قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ظننتم أن أنفل فلا أقسم، فنزلت الآية، وقيل: بعث طلائع جيش لينظروا أين العدو وما حاله، فغنموا بعد ذهاب الطلائع، فقسمها على من معه ولم يعط الطلائع، فنزلت الآية نهياً عن مثل ذلك، لأن الطلائع فى حكم الحاضرين، لأنهم فى شأن الجهاد، وسمى الله هذا القسم غلولا تغلظا، وهذه التسمية تغليظ بنى عليه تغليظ آخر، وهو، ما كان لنبى أن يغل، وقيل المعنى، ما كان لنبى أن يغله أحد، أى يسرق من غنيمته، ومثله فى ذلك غيره، سمى الأخذ من الغنيمة غلولا، لأنه يؤخذ منها خفية، وأصل الغلول الأخذ خفية، ولأن السرقة من شأنها أن يربط يد صاحبها بالغل وهو الجامعة من الحديد، ولأنه فى الخفاء، كغلل الماء فى خلال الشجر {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ} بعينه وبإثمه، ففى البخارى ومسلم عن أبى هريرة قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال: حديث : لا ألقين، وروى لا ألفين بالفاء، وكذا فيما بعده، أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله، أغثنى، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك، لا ألقين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، أى صوت طلب العلف دون الصهيل، فيقول: يا رسول الله أغثنى، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك، لا ألقين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء، أى صوت شاة، فيقول: يا رسول الله، أغثني ، فأقول له: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك، لا ألقين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثنى، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألقين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع أى ثياب تخفق فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد أبلغتك، لا ألقين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت، أى ذهب وفضة، فيقول: يا رسول الله، أغثنى فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ويروى بعد البعير، أو بعد الفرس، مثل ذلك فى البقرة لها خوار، وأعم من ذلك، رواية من بعثناه على عمل فعل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه، فالإتيان بذلك على ظاهره، ويقرب إليه ما روى ابن مردوية والبيهقى عن بريدة، أنه يربط ما غل بحجر يزن سبع خلفات، ويلقى فى النار، ويكلف الغال أن يأتى به من النار، وقد هوى فيها سبعين خريفا، وقيل المراد فى الآية الإتيان بإثمه، وقيل يصور عمله فى الغلول بصورة جسم، والظاهر الأول، فقيل لأبى هريرة، كيف يأتى بمائتى بعير أو مائة بعير؟ فقال: يقدر، لأن ضرسه كأحد وفخذه كورقان، وساقه كبيضاء، ومجلسه ما بين الربدة والمدينة، وعنه صلى الله عليه وسلم: هدايا الولاة غلول {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أى جزاء ما كسبت من خير أو شر، وغلول وغيره، أو سمى الجزاء باسم سببه، او باسم ملزومه، فهذا لعمومه كالبرهان لخصوص الغلول وتأكيد لشأنه، إذ كان الجزاء على أقل شىء، فكيف الغلول، وقيل المراد الغلول، وإن مابين بعثه ما غل وإدخاله النار مدة طويلة، ثم للتراخى فى الزمان ويجوز أن تكون للتراخى فى الرتبة، بمعنى أنه يبعث مفتضحاً بما غل، تعذيباً له به بافتضاحه وعذابه فى النار أشد عليه من ذلك {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص ثواب أو زيادة عقاب .
الالوسي
تفسير : {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } جملة مستأنفة سيقت بطريق تلوين الخطاب تشريفاً للمؤمنين لإيجاب التوكل عليه والترغيب في طاعته التي يستحق بها النصرة والتحذير عن معصيته التي يستحق بها الخذلان أي إن يرد نصركم كما أراده يوم بدر فلا أحد يغلبكم على طريق نفي الجنس المنتظم بجميع أفراد الغالب ذاتاً وصفة فهو أبلغ من لا يغلبكم أحد لدلالته على نفي الصفة فقط. ثم المفهوم من ظاهر النظم الكريم ـ كما قال شيخ الإسلام ـ وإن كان نفي مغلوبيتهم من غير تعرض لنفي المساواة أيضاً وهو الذي يقتضيه المقام لكن المفهوم منه فهماً قطعياً هو نفي المساواة وإثبات الغالبية للمخاطبين، فإذا قلت: لا أكرم من فلان ولا أفضل منه فالمفهوم منه حتماً أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا أمر مطرد في جميع اللغات ولا اختصاص [له] بالنفي الصريح بل هو مطرد فيما ورد على طريق الاستفهام الإنكاري كما في قوله تعالى: {أية : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } تفسير : [الأنعام: 144] في مواقع كثيرة من التنزيل وقد أشرنا إلى هذا المبحث فيما تقدم. {وَإِن يَخْذُلْكُمْ } أي وإن يرد خذلانكم ويمنعكم معونته كما فعل يوم أحد. وقرىء {يَخْذُلْكُمْ } من أخذله إذا جعله مخذولاً {فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم } استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر على نحو انتفاء الغالب، وقيل: وجاء جواب الشرط في الأول صريح النفي ولم يجىء في الثاني كذلك تلطفاً بالمؤمنين حيث صرح لهم بعدم الغلبة ولم يصرح بأنه لا ناصر لهم وإن كان الكلام مفيداً له {مِن بَعْدِهِ } أي من بعد خذلانه أو من بعد الله تعالى على معنى إذا جاوزتموه فعلى الأول: ـ بعد ـ ظرف زمان وهو الأصل فيها، وعلى الثاني: مستعار للمكان. {وَعَلَى ٱللَّهِ } لا على غيره كما يؤذن بذلك تقديم المعمول. {فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ } المراد بهم إما جنس المؤمنين والمخاطبون داخلون فيه دخولاً أولياً، وإما المخاطبون خاصة بطريق الالتفات وعلى التقديرين لا يخفى ما في ذلك من تشريف المخاطبين مع الإيماء إلى تعليل تحتم التوكل عليه تعالى، والفاء كما قالوا: لترتيب ما بعدها أو الأمر به على ما مرّ من غلبة المؤمنين ومغلوبيتهم على تقدير نصر الله تعالى لهم وخذلانه إياهم فإن العلم بذلك مما يستدعي قصر التوكل عليه سبحانه لا محالة.
ابن عاشور
تفسير : استئناف نشأ عن قوله: {أية : ولئن قتلتم في سبيل الله أو مِتُّم}تفسير : [آل عمران: 157] أو عن قوله: {أية : لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم}تفسير : [آل عمران: 156] الآية. ولو حُمل هذا الخبر على ظاهر الإخبار لكان إخبَاراً بأمر معلوم عند المخاطبين إذ هم مؤمنون، ولا يجهل مؤمن أنّ الله إذا قَدّر نَصر أحَدٍ فلا رادّ لنصره، وأنَّه إذا قدّر خَذْلَه فلا ملجأ له من الهزيمة، فإنّ مثل هذا المعنى محقّق في جانب الله لا يجهله معترف بإلهيته، مؤمن بوحدانيته، وهل بعد اعتقاد نفي الشريك عن الله في ملكه مجال لاعتقاد وجود ممانع له في إرادته، فيتعيّن أن يكون هذا الخبر مراداً به غيرُ ظاهر الإخبار، وأحسن ما يحمل عليه أن يكون تقريراً لتسلية المؤمنين على ما أصابهم من الهزيمة، حتَّى لا يحزنوا على ما فات لأنّ ردّ الأمور إلى الله تعالى عند العجز عن تداركها مسلاة للنفس، وعزاء على المصيبة، وفي ضمن ذلك تنبيه إلى أنّ نصر الله قوماً في بعض الأيَّام، وخَذْله إيّاهم في بعضها، لا يكون إلاّ لحِكَم وأسباب، فعليهم السعي في أسباب الرضا الموجب للنصر، وتجنّب أسباب السخط الموجب للخَذل كما أشار إليه قوله: {أية : يأيُّها الَّذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم}تفسير : [محمد: 7] وقوله: {فأثابكم غماً بغم} [آل عمران: 153] وقوله الآتي: {أية : أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليْها قلتم أنى هذا}تفسير : [آل عمران: 165] وعليهم التطلّب للأسباب الَّتي قُدر لهم النَّصر لأجلها في مثل يوم بَدر، وأضدادها الَّتي كان بها الخَذل في يَوم أحُد، وفي التفكير في ذلك مجال واسع لمكاشفات الحقائق والعلل والأسباب والحكم والمنافع والمضارّ على قدر سعة التفكير الجائل في ذلك، ففي هذا الخبر العظيم إطلاق للأفكار من عقالها، وزجّ بها في مسارح العبر، ومراكض العظات، والسابقون الجيادُ، فالخبر مستعمل في لازم معناه وهو الحضّ على تحصيل ذلك. وعلى هذا الوجه تظهر مناسبة موقع هذا الاستئناف عقب ما تقدّمه: لأنَّه بعد أن خاطبهم بفنون الملام والمعذرة والتسلية من قوله: {أية : قد خلت من قبلكم سنن}تفسير : [آل عمران: 137] إلى هنا، جمع لهم كُلّ ذلك في كلام جامع نافعٍ في تلقِّي الماضي، وصالحٍ للعمل به في المستقبل، ويجوز أن يكون الإخبار مبنيّاً على تنزيل العالم منزلة الجاهل، حيث أظهروا من الحرص على الغنيمة ومن التأوّل في أمر الرسول لهم في الثبات، ومن التلهّف على ما أصابهم من الهزيمة والقتل والجرح، ما جعل حالهم كحال من يجهل أنّ النصر والخذل بيد الله تعالى. فالخبر مستعمل في معناه على خلاف مقتضى الظاهر. والنَّصر: الإعانة على الخلاص من غلب العَدوّ ومُريد الإضرار. والخِذْلانُ ضدّه: وهو إمساك الإعانة مع القدرة، مأخوذ من خَذلت الوَحشية إذا تخلفت عن القطيع لأجل عجز ولدها عن المشي. ومعنى {إن ينصركم} {وإن يخذلكم} إنْ يُرد هَذا لَكم، وإلاّ لما استقام جواب الشرط الأوّل، وهو «{فلا غالب لكم} إذ لا فائدة في ترتيب عدم الغلب على حصول النصر بالفِعل، ولا سيما مع نفي الجنس في قوله: {فلا غالب لكم}، لأنَّه يصير من الإخبار بالمعلوم، كما تقول: إن قمتَ فأنتَ لست بقَاعد. وأمَّا فعل الشرط الثَّاني وهو: {وإن يخذلكم} فيقدّر كذلك حَمْلاً على نظيره، وإن كان يستقيم المعنى بدون تأويل فيه. وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة الفعل كقوله تعالى: {أية : إذا قمتم إلى الصلوٰة فاغسلوا وجوهكم}تفسير : [المائدة: 6] الآية. وجَعْل الجواب بقوله: {فلا غالب لكم} دون أن يقول: لا تغلبوا، للتنصيص على التَّعميم في الجواب، لأنّ عموم ترتّب الجزاء على الشرط أغلبي وقد يكون جزئياً أي لا تغلبوا من بعض المغالبين، فأريد بإفادة التعميم دفع التّوهم. والاستفهام في قوله: {فمن ذا الذي ينصركم من بعده} إنكاري أي فلا ينصركم أحد غيره. وكلمة {من بَعده} هنا مستعملة في لازم معناها وهو المغايرة والمجاوزة: أي فمن الَّذي ينصركم دونَه أو غيرَه أي دون اللَّه، فالضّمير ضمير اسم الجلالة لا محالة، واستعمال (بعد) في مثل هذا شائع في القرآن قال تعالى: {أية : فمن يهديه من بعد الله}تفسير : [الجاثية: 23] وأصل هذا الاستعمال أنه كالتمثيلية المكنية: بأن مثلت الحالة الحاصلة من تقدير الانكسار بحالة من أسلم الذي استنصر به وخذله فتركه وانصرف عنه لأن المقاتل معك إذا ولى عنك فقد خذلك فحذف ما يدل على الحالة المشبه بها ورمز إليه بلازمه وهو لفظ {من بعده}. وجملة {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} تذييل قصد به الأمر بالتَّوكل المستند إلى ارتكاب أسباب نصر الله تعالى: من أسبابٍ عادية وهي الاستعداد، وأسبابٍ نفسانية وهي تزكية النفس واتّباع رضَى الله تعالى.
القطان
تفسير : اذا اراد الله نصركم كما حدث يوم بدر، حين عملتم بإرشادات الرسول وثبتُّم في مواقفكم، كما اتكلتم على توفيق الله ومعونته ـ فلن يغلبكم أحد. وإن يُرد خذلانكم ويحرمكم معونته، لعدم اتخاذكم أسباب النصر أو لشيء من التنازع وعصيان القائد فيما أمركم به (كما جرى يوم أحد) ـ فلا ناصر لكم سواه. وعلى الله وحده يجب ان يعتمد المؤمنون.
د. أسعد حومد
تفسير : (160) - النَّصْرُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَإِنْ قَدَّرَ اللهُ نَصْرَكُمْ فَلَنْ يَغْلِبَكُمْ أَحَدٌ، كَمَا وَقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ، حِينَ عَمِلْتُمْ بِسُنَّتِهِ. وَإنْ قَدَّرَ خِذْلاَنَكُمْ بِمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ مِنَ الفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ وَالعِصْيَانِ، كَمَا جَرَى يَوْمَ أحُدٍ، فَلاَ نَاصِرَ لَكُمْ مِنْ دُونِهِ. وَعَلَى المُؤْمِنِينَ أنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَى اللهِ، وَأنْ يُسَلِّمُوا أمُورَهُمْ إليهِ. فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ - فَلاَ قَاهِرَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق يقول هنا: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، المؤمنون بمن؟ بالله .. وما داموا مؤمنين به فمن إيمانهم به أنه إله قادر حكيم عالم بالمصلحة، ولا يوجد أحسن من أنك توكله. وعندما نقرأ {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160] فقد نسأل: وما هو المقابل؟ المقابل هو {وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160]. إذن فأنت دخلت بالأسباب التي قالها الحق سبحانه وتعالى مُؤتمراً بأمر القيادة السماوية التي مُثلت في الرسول المبلغ عن الله، وقد أخذت عُدتك على قدر استطاعتك، إياك أن تقارن عَدَدَك بعدد خصمك أو تقارن عُدتك بعُدة خصمك؛ فالله لا يكلفك أن تقابل العدد بالعدد ولا العُدة بالعُدة، وإنما قال: أنت تُعد ما استطعته، لماذا؟ لأن الله يريد أن يصحب ركب الإيمان معونة المؤمن به ؛ لأنه لو كانت المسائل قدر بعضها، لكانت قوة لقوة. لكن الله يريد أن يكون العدد قليلاً وتكون العُدة أقل وأن نعترف ونقول: هذا ما قدرنا عليه يارب. وما دام هو الذي قدرنا عليه، فتكون هذه هي الأسباب التي مكنتنا منها، ونثق بأنك يارب ستضع مع العدد القليل مدداً من عندك، فأنت المعين الأعلى، فسبحانك القائل: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ ٱلْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَىٰ لَهُمْ}تفسير : [محمد: 11]. والحق هنا يقول: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160] فأنت تضمن نصر الله لك إن كنت قد دخلت على أن تنصره. كيف نعرف أننا ننصر الله؟ نعرف ذلك عندما تأتي النتيجة بنصرنا، لأنه سبحانه لا يعطي قضية في الكون وبعد ذلك يأتي بالواقع ليكذبها، وإلا فالمسلمون يكونون قد انخدعوا - معاذ الله - لأنه لو جاء الدين بقضية ثم يأتي الواقع ليكذبها، فلا بد أن يقولوا: إن الواقع كذب تلك القضية. لكن الحق قال: {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ} [آل عمران: 160] ويجيء الواقع مؤكداً لهذه القضية، عندئذ نحن لا نصدق في هذه القضية فقط، بل نصدق كل ما غاب عنا، فعندما تظهر جزئية ماديَّة واقعة محسوسة لتثبت لي صدق القرآن في قضية؛ فأنا لا أكتفي بهذه القضية، بل أقول: وكل ما لا أعلمه داخل في إطار هذه القضية. ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى ترك بعض أسراره في كونه، وهذه الأسرار التي تركها في كونه هي أسرار لا تؤدي ضرورات؛ إن عرفناها فنحن ننتفع بها قليلاً في الكماليات، ويترك الحق بعض الأسرار في الكون إلى العقول لتستنبطها، فالشيء الذي كان العقل يقف فيه قديماً يصبح باكتشاف أسرار الله مقبولاً ومعقولاً، كأن الشيء الذي وقف فيه العقل سابقاً أثبتت الأيام أنه حق، إذن فما لا يُعرف من الأشياء يُؤخذ بهذه القضية أو بما أُخِذَ من الغير. يقولون - مثلاً- اكتشف الميكروب على يد "باستير"، لكن ألم يكن الميكروب موجوداً قبل "باستير"؟ كان الميكروب موجوداً، ولم يكن أحد يراه؛ لأن الشيء إذا دق ولطف لا نقدر أن ندركه؛ فليس عندنا الآلة التي تدركه، ولم نكن قد اخترعنا المجهر الذي يكبِّر الأشياء الدقيقة آلاف المرات. وكذلك اخترع الناس التلسكوب، فبعد أن كان الشيء لا يرى لبعده، أصبح يرى بوساطة التلسكوب، وإن كان الشيء ضئيلاً جداً ولا نراه. فقد استطعنا أن نراه بوساطة المجهر المسمى "الميكروسكوب". و"التلسكوب" يقرب البعيد و"الميكروسكوب" يكبر الصغير فنرى له حركة وحياة، ونجد له مجالاً يسبح فيه، وهذا جعلني إذا حدثني القرآن أن لله خلقاً غاب عن الحس لا يدرك من جن وملائكة، فلا أكذب ذلك، لأن هناك أشياء كانت موجودة ولم تدخل تحت حسى ولا إدراكي مع أنها من مادتي، فإذا كانت الأشياء الأخرى من مادة أخرى مثل الملائكة من نور، أو الجن من النار، ويقول لي سبحانه إنهم مخلوقون وموجودون فأنا لا أكذب ما جاء عن الحق؛ لأن هناك أشياء من جنسي كانت موجودة ولم أستطع أن أراها. إذن فهذه قربت لي المسألة، فعندما يقول الحق: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160] فنحن نعرف أن نصر الله مترتب على أن تدخل المعركة وأنت تريد أن تنصر الله، وتنصره بماذا؟ بأنك تحقق كلمته وتجعلها هي العليا، وليس هذا فقط هو المطلوب، بل لتجعل - أيضاً - كلمة الذين كفروا السفلى. {وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160] إنه في ظاهر الأمر يكون معنا، لكننا نشعر أنه تخلى عنا، لماذا؟ لأننا نترك بعضاً من تعاليم الله، إذن فهو في المظهر العام معكم كمسلمين، ومن معيته لكم أن يؤدبكم على المخالفة فيخذلكم عندما تخالفون عن أمره. ويختم الحق سبحانه الآية بقوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160] وفي الآية السابقة قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ} تفسير : [آل عمران: 159]، والذي لا يتوكل على الله عليه أن يراجع إيمانه. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا ...}.
الأندلسي
تفسير : {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} هذا التفات إذ هو خروج من غيبة إلى خطاب ولما أمره تعالى بمشاورتهم وبالتوكل عليه أوضح أنّ ما صدر من النصر أو الخذلان إنما هو راجع إلى ما يشاء، وإنه متى نصركم لا يمكن أن يغلبكم أحد، ومتى خذلكم فلا ناصر لكم، فما وقع لكم من النصر كيوم بدر أو من الخذلان كيوم أحد بمشيئته سبحانه وتعالى، ثم أمرهم بالتوكل وناط الأمر بالمؤمنين فنبه على الوصف الذي يناسب معه التوكل وهو الإِيمان، لأن المؤمن مصدق بأن الله هو الفاعل المختار بيده النصر والخذلان، والتوكل على الله من فروض الإِيمان ولكنه يقترن بالتشمير في الطاعة والحزامة بغاية الجهد ومعاطاة أسباب التحرز وليس الإِلقاء باليد والإِهمال لما تجب مراعاته بتوكل، وإنما هو كما قال عليه السلام: قيّدها وتوكل. والضمير في من بعده عائد على الله تعالى أما على حذف مضاف أي من بعد خذلانه وإما أن لا يحتاج إلى تقدير هذا المحذوف؛ بل يكون المعنى إذا جاوزته إلى غيره وقد خذلك فمن ذا الذي تجاوزه إليه فينصرك. وجاء جواب أن ينصركم الله بصريح النفي العام وجواب أن يخذلكم بمتضمن النفي وهو الاستفهام وهو من تنويع الكلام في الفصاحة والتلطف بالمؤمنين حتى لا يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم بل أبرز ذلك في صورة الاستفهام الذي يقتضي السؤال عن الناصر؛ وإن كان المعنى على نفي الناصر لكن الفرق بين الصريح والمتضمّن فلم يجر المؤمنين في ذلك مجرى الكفار الذين نص عليهم أنه لا ناصر لهم كقوله تعالى: {أية : أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ}تفسير : [محمد: 13]. {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} قال ابن عباس: فقد قطيفة حمراء من المغانم يوم بدر فقال بعض: من كان مع النبي لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت. وقائل ذلك مؤمن لم يظن في ذلك حرجاً. وقيل: منافق. والغلول: أخذ المال من الغنيمة في خفاء. وقرىء أن يغل مبنياً للفاعل ويكون على حذف مضاف تقديره وما كان لتابع نبي أن يغل. وقرىء أن يغل مبنياً للمفعول من غل أو من أغل. {يَأْتِ بِمَا غَلَّ} ظاهره أنه يأتي بعين الشيء الذي غله كما جاء في ظاهر الحديث أنه إن كان بعيراً جاء له رغاء أو بقرة لها خواراً أو شاة بَيْعر، وقيل يأتي حاملاً أثم ما غل. {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} هذه استعادة بديعة جعل ما شرعه الله كالدليل الذي يتبعه من يهتدي به وجعل العاصي كالشخص الذي أمر بأن يتبع شيئاً فنكص عن اتباعه ورجع مصحوباً بما يخالف الاتباع وفي الآية من حيث المعنى حذف والتقدير أفمن اتبع ما يؤول به إلى رضا الله عنه فباء برضاه كمن لم يتبع ذلك فباء بسخطه. {هُمْ دَرَجَٰتٌ} الضمير في هم عائد على من اتبع على المعنى لأنه المحدث عنه. والتقدير وهم ذو درجات، والدرجة: ما يتوصل به إلى مكان علو وأكثر ما يستعمل في الشيء الذي يتوصل منه إلى العلو الحسيّ ولذلك جاء {أية : نَرْفَعُ دَرَجَٰتٍ مَّن نَّشَآءُ} تفسير : [الأنفال: 83، يوسف: 76]. وقوله {أية : أَعْظَمُ دَرَجَةً} تفسير : [التوبة: 20، الحديد: 10]؛ وعند الله لا يكاد يكون هذا إلا عند التشريف لقوله: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [النور: 13]، ولما ذكر مآل من باء بسخط من الله ذكر مآل من اتبع رضوان الله. ويبعد قول من قال إن لفظ هم عائد على من اتبع ومن باء، وإن الدرجات مشتركة بينهما ويبعد أن يقال: إن للكافر درجة عند الله. وقرىء درجة بالتوحيد. {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} الآية مناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر من اتبع رضوان الله ومن باء بسخطه فصّل في هذه الآية وما بعدها. وقوله: على المؤمنين، لم يكونوا حالة البعث مؤمنين فاحتمل أن يسموا مؤمنين باعتبار ما آل أمرهم إليه من الإِيمان، أو سماهم مؤمنين بالنسبة إلى علمه تعالى. وإذ ظرف العامل فيه منّ. والمنة هنا: الانعام. {رَسُولاً} هو محمد صلى الله عليه وسلم. {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} قالوا: أي من جنس بني آدم لأن تلقي الوحي منه إليهم يسهل، ولم يكن من الملائكة لتفاوت بين الجنسين وصعوبة التلقي منهم ولأن إعجاز القرآن إنما يظهر عند بني آدم حجة عليهم. والأظهر أنه أراد بقوله: من أنفسهم، من العرب، كما قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [الجمعة: 2]. وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [البقرة: 129]. ولذلك قال عليه السلام: أنا دعوة أبي إبراهيم. وشرف العرب تم بظهوره عليه السلام وليس في العرب قبيلة إلا وله فيها نسب من جهة الأمهات الأنصاري بني تغلب. وقرىء شاذاً لمن منَّ الله بمن الجارة، ومنّ: مجرور بها بدل قد منّ. (قال) الزمخشري: وفيه وجهان أن يراد لمن من الله على المؤمنين منه أو بعثه إذ فيهم فحذف لقيام الدلالة أو يكون إذ في محل الرفع كإِذا في قولك أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً بمعنى لمن منّ الله على المؤمنين وقت بعثه. "انتهى". أما الوجه الأول فهو سائغ وقد حذف المبتدأ مع من في مواضع منها {أية : وَإِن مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ} تفسير : [النساء: 159] {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ} تفسير : [الصافات: 164] {أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} تفسير : [الجن: 11] على قول. وأما الوجه الثاني فهو فاسد لأنه جعل إذ مبتدأة ولم يستعملها العرب متصرفة البتة إنما تكون ظرفاً أو مضافاً إليها اسم زمان ومفعوله ما ذكر على قول أما ان تستعمل مبتدأة فلم يثبت ذلك في لسان العرب ليس في كلامهم نحو: إذ قام زيد طويل، وأنت تريد وقت قيامه زيد طويل. وقد قال أبو علي الفارسي: لم ترد إذ وإذا في كلام العرب إلا ظرفين ولا يكونان فاعلين ولا مفعولين مبتدأين. انتهى كلامه. وأما قوله: في محل الرفع كإِذا فهذا التشبيه فاسد لأن المشبه مرفوع بالابتداء والمشبه به ليس مبتدأ إنما هو ظرف في موضع الخبر على زعم من يرى ذلك وليس في الحقيقة في موضع رفع بل هو في موضع نصب بالعامل المحذوف، وذاك العامل مرفوع. فإِذا قال النحاة: هذا الظرف الواقع خبراً في محل الرفع، فيعنون أنه لما قام مقام المرفوع صار في محله وهو في التحقيق في موضع نصب كما ذكرنا. وأما قوله في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً فهذا في غاية الفساد لأن هذا الظرف على مذهب من يجعله في موضع خبر المبتدأ الذي هو أخطب لا يجيز أن ينطق به إنما هو أمر تقديري. ونصّ أرباب هذا المذهب وهم القائلون بإِعراب أخطب مبتدأ، ان هذه الحال سدت مسد الخبر وانه مما يجب حذف الخبر فيه لسد هذه الحال مسده وفي تقدير هذا الخبر أربعة مذاهب ذكرت في مبسوطات النحو. وقرىء من أنفسهم بفتح الفاء من النفاسة. وعن عليّ كرم الله وجهه عنه عليه السلام: انا أنفسكم نسباً وحسباً وصهراً ولا في آبائي مذ آدم إلى يوم ولدت سفاح كلها نكاح والحمد لله. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي من قبل بعثه. {لَفِي ضَلالٍ} جعل الضلال ظرفاً لهم وهم فيه لأن العرب لم يكونوا أهل كتاب إنما عباد أصنام مشركون، وتقدم الكلام على أن وهذه اللام في قوله: {أية : وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً} تفسير : [البقرة: 143]. وقال الزمخشري: إنْ هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية. وتقديره وإنّ الشأن والحديث "انتهى". وقال مكي: قال سيبويه: إن مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، والتقدير على قوله: وإنهم كانوا، فظهر من كلام الزمخشري انها حين خففت حذف اسمها وهو ضمير الشأن والحديث، ومن كلام مكي انها حين خففت حذف اسمها وهو ضمير عائد على المؤمنين، وكلا هذين الوجهين لا نعرف نحويا ذهب إليه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن النصرة والخذلان أنهما إليه لا إلى الأعوان، بقوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران: 160]، إشارة في الآية: إن الله تعالى إن ينصركم بجذبات العناية ويخرجكم من حجب الوجود، {فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ} [آل عمران: 160]، من أوصافكم وأحوالكم وأقوالكم، ومن نعمة الدنيوية والأخروية التي هي منشأ الوجود، {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} [آل عمران: 160] بترك الجذبات لإخراجكم {فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم} [آل عمران: 160] يخرجكم من جمع الأنبياء والمشايخ، {مِّنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160] من بعد فضل الله وكرمه، {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]؛ أي: فليفوض إلى الله تعالى أمر الإخراج من الوجود، المؤمنون الذين يعتقدون أن الله هو القادر على الإخراج عن الوجود، كما أنه القادر على الإدخال في الوجود، ويوقنون إن الخلائق عاجزون عن هذا الإدخال والإخراج إلا بإذنه، ولا يصح التوكل على الله إلا لمؤمن موقن بأنه {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}تفسير : [الشورى: 53] كلها في معنى الخلق والرزق والأجل وغير ذلك، كقوله تعالى: {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 78]. ثم أخبر هن نفي غلول الأنبياء في شيء من الأشياء بقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى ينفي الغلول عن الأنبياء في قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] من ثلاثة أوجه: إحداها: ينفي الغلول من أفعالهم وأقوالهم؛ لأن فاعل الغلول أمر به وأمر به وهو منكر، والأنبياء أمروا بالمعروف، فالآمر بالمنكر لا يصلح أن يكون نبياً. وثانيها: ينفي الغلول من خصالهم؛ لأن الغال خائن، والأنبياء أمناء الله على وحيه، والخائن لا يصلح أن يكون نبياً. والثالث: ينفي الغلول من أحوالهم؛ لأن حال الغال أن يكون الغالب على أمره النفس وهواها، ومن حال النبي أن يكون غالباً على أمره. كما أخبر عن حال يوسف عليه السلام بقوله: {أية : وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} تفسير : [يوسف: 21]، فمغلوب النفس والهوى لا يصلح للنبوة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم من يكون شفيعاً لأمته يوم القيامة، والشفيع هو الذي ينجوا بنفسه ثم ينجي غيره، ومن حال الغال ما قال الله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]؛ أي: يأتي به حاملاً على ظهره {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ} [آل عمران: 161]؛ أي: يجازي كل غالبة { مَّا كَسَبَتْ} [آل عمران: 161]، من الغلول، {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161] في مجازاة عقوبة الغلول، دليله قوله تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [النحل: 118]، فالمعاقب بمجازاة الغلول كيف ينجي غيره من العقوبة؟ ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ} [آل عمران: 162]؛ أي: وحي {ٱللَّهِ} [آل عمران: 162]، دليله من {أية : ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}تفسير : [الأنعام: 106]، {كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 162]؛ أي: الغلول، معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم من اتبع ما أوحي إليه طلب رضوان الله، لا الغال الذي يتبع بغلوله سخط الله، {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 162]، من هذا حاله فلا يساوي حال الغال أحوال الأنبياء، {هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 163]؛ يعني: هم الدرجات في مقام عندية الحق وهو مقعد الصدق، كقوله تعالى {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، { وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163]، أهل الدرجات من الأنبياء وأتباعهم، وأهل الدركات من المنافقين القالين، فيجازيهم على قدر أعمالهم ونياتهم، "فإنما الأعمال بالنيات".
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: إن يمددكم الله بنصره ومعونته { فلا غالب لكم } فلو اجتمع عليكم من في أقطارها وما عندهم من العدد والعُدد، لأن الله لا مغالب له، وقد قهر العباد وأخذ بنواصيهم، فلا تتحرك دابة إلا بإذنه، ولا تسكن إلا بإذنه. { وإن يخذلكم } ويكلكم إلى أنفسكم { فمن ذا الذي ينصركم من بعده } فلا بد أن تنخذلوا ولو أعانكم جميع الخلق. وفي ضمن ذلك الأمر بالاستنصار بالله والاعتماد عليه، والبراءة من الحول والقوة، ولهذا قال: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } بتقديم المعمول يؤذن بالحصر، أي: على الله توكلوا لا على غيره، لأنه قد علم أنه هو الناصر وحده، فالاعتماد عليه توحيد محصل للمقصود، والاعتماد على غيره شرك غير نافع لصاحبه، بل ضار. وفي هذه الآية الأمر بالتوكل على الله وحده، وأنه بحسب إيمان العبد يكون توكله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):