Verse. 454 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ اَنْ يَّغُلَّ۝۰ۭ وَمَنْ يَّغْلُلْ يَاْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰمَۃِ۝۰ۚ ثُمَّ تُوَفّٰي كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَھُمْ لَا يُظْلَمُوْنَ۝۱۶۱
Wama kana linabiyyin an yaghulla waman yaghlul yati bima ghalla yawma alqiyamati thumma tuwaffa kullu nafsin ma kasabat wahum la yuthlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزلت لما فقدت قطيفة حمراء يوم أحد فقال بعض الناس: لعل النبي أخذها: «وما كان» ما ينبغي «لنبي أن يّغُلَّ» يخون في الغنيمة فلا تظنوا به ذلك، وفي قراءة بالبناء للمفعول أن ينسب إلى الغلول «ومن يغلُل يأت بما غلَّ يوم القيامة» حاملا له على عنقه «ثم تُوفَّى كل نفس» الغال وغيره جزاء «ما كسبت» عملت «وهم لا يُظلمون» شيئا.

161

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بلغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد. ومن جملتها المنع من الغلول، فذكر هذه الآية في هذا المعنى وفيها مسائل: المسألة الأولى: الغلول هو الخيانة، وأصله أخذ الشيء في الخفية، يقال أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة، والغل الحقد الكامن في الصدر. والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء إذا تخلل وخفى، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه» تفسير : وقال: «حديث : هدايا الولاة غلول» تفسير : وقال: «حديث : ليس على المستعير غير المغل ضمان» تفسير : وقال: «حديث : لا إغلال ولا إسلال» تفسير : وأيضا يقال: أغله إذا وجده غالا، كقولك: أبخلته وأفحمته. أي وجدته كذلك. المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو (يغل) بفتح الياء وضم الغين، أي ما كان للنبي أن يخون، وقرأ الباقون من السبعة «يغل» بضم الياء وفتح الغين، أي ما كان للنبي أن يخان. واختلفوا في أسباب النزول، فبعضها يوافق القراءة الأولى. وبعضها يوافق القراءة الثانية. أما النوع الأول: ففيه روايات: الأولى: أنه عليه الصلاة والسلام غنم في بعض الغزوات وجمع الغنائم، وتأخرت القسمة لبعض الموانع، فجاء قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لو كان لكم مثل أحد ذهبا ما حبست عنكم منه درهما أتحسبون أني أغلكم مغنمكم» تفسير : فأنزل الله هذه الآية. الثاني: أن هذه الآية نزلت في أداء الوحي، كان عليه الصلاة والسلام يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتم، فسألوه أن يترك ذلك فنزلت هذه الآية. الثالث: روى عكرمة وسعيد بن جبير: أن الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الجهال لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت هذه الآية. الرابع: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق آخر أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي عليه الصلاة والسلام من الغنائم بشيء زائد فنزلت هذه الآية. الخامس: روي أنه عليه الصلاة والسلام بعث طلائع فغنموا غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع فنزلت هذه الآية. السادس: قال الكلبي ومقاتل: نزلت هذه الآية حين ترك الرماة المركز يوم أحد طلبا للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ظننتم أنا نغل فلا نقسم لكم»تفسير : فنزلت هذه الآية. واعلم أن على الرواية الأولى المراد من الآية النهي عن أن يكتم الرسول شيئا من الغنيمة عن أصحابه لنفسه، وعلى الروايات الثلاثة يكون المقصود نهيه عن الغلول، بأن يعطى للبعض دون البعض. وأما ما يوافق القراءة الثانية: فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت غنائم هوازن في يده يوم حنين، غل رجل بمخيط فنزلت هذه الآية. واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم أمر الغلول وجعله من الكبائر، عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاث دخل الجنة الكبر والغلول والدين»تفسير : وعن عبدالله بن عمرو: أن رجلا كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له: كركرة فمات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : هو في النار،تفسير : فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء وعباءة قد غلهما، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أدوا الخيط والمخيط فإنه عار ونار وشنار يوم القيامة» تفسير : وروي رويفع بن ثابت الانصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى اذا أعجفها ردها ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا حتى اذا أخلقه رده» تفسير : وروي أنه صلى الله عليه وسلم جعل سلمان علي الغنيمة فجاءه رجل وقال يا سلمان كان في ثوبي خرق فأخذت خيطا من هذا المتاع فخطته به، فهل علي جناح؟ فقال سلمان: كل شيء بقدره فسل الرجل الخيط من ثوبه ثم ألقاه في المتاع، وروي أن رجلا جاء النبي صلى الله عليه وسلم بشراك أو شراكين من المغنم، فقال أصبت هذا يوم خيبر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : شراك أو شراكان من نار» تفسير : ورمى رجل بسهم في خيبر، فقال القوم لما مات: هنيئا له الشهادة فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة التي أخذها من الغنائم قبل قسمتها لتلتهب عليه نارا» تفسير : واعلم أنه يستثنى عن هذا النهي حالتان. الحالة الأولى: أخذ الطعام وأخذ علف الدابة بقدر الحاجة، قال عبدالله بن أبي أوفى: أصبنا طعاما يوم حنين، فكان الرجل يأتي فيأخذ منه قدر الكفاية ثم ينصرف، وعن سلمان أنه أصاب يوم المدائن أرغفة وجبنا وسكينا، فجعل يقطع من الجبن ويقول: كلوا على اسم الله. الحالة الثانية: اذا احتاج اليه، روي عن البراء بن مالك أنه ضرب رجلا من المشركين يوم اليمامة فوقع على قفاه فأخذ سيفه وقتله به. المسألة الثالثة: أما القراءة بفتح الياء وضم الغين، بمعنى: ما كان لنبي أن يخون، فله تأويلان: الأول: أن يكون المراد أن النبوة والخيانة لا يجتمعان، وذلك لأن الخيانة سبب للعار في الدنيا والنار في الآخرة، فالنفس الراغبة فيها تكون في نهاية الدناءة، والنبوة أعلى المناصب الانسانية فلا تليق إلا بالنفس التي تكون في غاية الجلالة والشرف، والجمع بين الصفتين في النفس الواحدة ممتنع، فثبت أن النبوة والخيانة لا تجتمعان، فنظير هذه الآية قوله: {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] يعني: الالهية واتخاذ الولد لا يجتمعان، وقيل: اللام منقولة، والتقدير: وما كان النبي ليغل، كقوله: {مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } أي ما كان الله ليتخذ ولدا. الوجه الثاني: في تأويل هذه الآية على هذه القراءة أن يقال: إن القوم قد التمسوا منه أن يخصهم بحصة زائدة من الغنائم، ولا شك أنه لو فعل ذلك لكان ذلك غلولا، فأنزل الله تعالى هذه الآية مبالغة في النهي له عن ذلك، ونظيره قوله: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }تفسير : [الزمر: 65] وقوله: {أية : وَلَوْ تَّقُولُ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ } تفسير : [الحاقة: 44، 45] فقوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أي ما كان يحل له ذلك، واذا لم يحل له لم يفعله، ونظيره قوله: {أية : وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا } تفسير : [النور: 16] أي ما يحل لنا. وإذا عرفت تأويل الآية على هذه القراءة فنقول: حجة هذه القراءة وجوه: أحدها: أن أكثر الروايات في سبب نزول هذه الآية أنهم نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول، فبين الله بهذه الآية أن هذه الخصلة لا تليق به. وثانيها: أن ما هو من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل كقوله: {أية : مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ } تفسير : [يوسف: 38] و{أية : مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ } تفسير : [يوسف: 76] {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } تفسير : [آل عمران: 145] {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } تفسير : [التوبة: 115] {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ } تفسير : [آل عمران: 179] وقل أن يقال: ما كان زيد ليضرب، وإذا كان كذلك وجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب، ويؤكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة، وقال: ليس في الكلام ما كان لك أن تضرب، بضم التاء. وثالثها: أن هذه القراءة اختيار ابن عباس: فقيل له إن ابن مسعود يقرأ (يغل) فقال ابن عباس: كان النبي يقصدون قتله، فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة؟ وأما القراءة الثانية وهي (يغل) بضم الياء وفتح الغين ففي تأويلها وجهان: الأول: أن يكون المعنى: ما كان للنبي أن يخان. واعلم أن الخيانة مع كل أحد محرمة، وتخصيص النبي بهذه الحرمة فيه فوائد: أحدها: أن المجني عليه كلما كان أشرف وأعظم درجة كانت الخيانة في حقه أفحش، والرسول أفضل البشر فكانت الخيانة في حقه أفحش. وثانيها: أن الوحي كان يأتيه حالا فحالا، فمن خانه فربما نزل الوحي فيه فيحصل له مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا. وثالثها: ان المسلمين كانوا في غاية الفقر في ذلك الوقت فكانت تلك الخيانة هناك أفحش. الوجه الثاني: في التأويل: أن يكون من الإغلال: أن يخون، أي ينسب الى الخيانة، قال المبرد تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافرا ونسبته الى الكفر، قال العتبي: لو كان هذا هو المراد لقيل: يعلل، كما قيل: يفسق ويفجر ويكفر، والأولى: أن يقال: إنه من أغللته، أي وجدته غالا، كما يقال أبخلته وأفحمته، أي وجدته كذلك. قال صاحب «الكشاف»: وهذه القراءة بهذا التأويل يقرب معناها من معنى القراءة الأولى، لأن هذا المعنى لهذه القراءة هو أنه لا يصح أن يوجد النبي غالا، لأنه يوجد غالا إلا إذا كان غالا. المسألة الرابعة: قد ذكرنا ان الغلول هو الخيانة، إلا أنه في عرف الاستعمال صار مخصوصا بالخيانة في الغنيمة، وقد جاء هذا أيضا في غير الغنيمة، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا أنبئكم بأكبر الغلول الرجلان يكون بينهما الدار والأرض فان اقتطع أحدهما من صاحبه موضع حصاة طوقها من الأرضين السبع»تفسير : وعلى هذا التأويل يكون المعنى كونه صلوات الله وسلامه عليه مبرأ عن جميع الخيانات، وكيف لا نقول ذلك والكفار كانوا يبذلون له الأموال العظيمة لترك ادعاء الرسالة فكيف يليق بمن كان كذلك وكان أمينا لله في الوحي النازل اليه من فوق سبع سموات أن يخون الناس! ثم قال تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } وفيه وجهان: الأول: وهو قول أكثر المفسرين إجراء هذه الآية على ظاهرها، قالوا: وهي نظير قوله في مانع الزكاة {أية : يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لانفُسِكُمْ فَذُوقُواْ } تفسير : [التوبة: 35] ويدل عليه قوله: «حديث : لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة لها ثغاء فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك» تفسير : وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم، ثم يقال له: انزل اليه فخذه فينزل اليه، فاذا انتهى اليه حمله على ظهره فلا يقبل منه. قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحته. الوجه الثاني: أن يقال: ليس المقصود منه ظاهره، بل المقصود تشديد الوعيد على سبيل التمثيل والتصوير، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ أَوْ فِى ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 16] فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهر: بل المقصود إثبات أن الله تعالى لا يعزب عن علمه وعن حفظه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فكذا ههنا المقصود تشديد الوعيد، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجهين: الأول: قال أبو مسلم: المراد أن الله تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه، لأنه لا يخفى عليه خافية. الثاني: قال أبو القاسم الكعبي: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، واعلم أن هذا التأويل يحتمل إلا أن الأصل المعتبر في علم القرآن أنه يجب إجراء اللفظ على الحقيقة، إلا إذا قام دليل يمنع منه، وههنا لا مانع من هذا الظاهر، فوجب اثباته. ثم قال تعالى: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } وفيه سؤالان: السؤال الأول: هلا قيل ثم يوفى ما كسب ليتصل بما قبله؟ والجواب: الفائدة في ذكر هذا العموم أن صاحب الغلول إذا علم أن ههنا مجازيا يجازي كل أحد على عمله سواء كان خيراً أو شرا، علم أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب. السؤال الثاني: المعتزلة يتمسكون بهذا في إثبات كون العبد فاعلا، وفي إثبات وعيد الفساق. أما الأول: فلأنه تعالى أثبت الجزاء على كسبه، فلو كان كسبه خلقا لله لكان الله تعالى يجازيه على ما خلقه فيه. وأما الثاني: فلأنه تعالى قال في القاتل المتعمد: {أية : فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ }تفسير : [النساء: 93] وأثبت في هذه الآية أن كل عامل يصل اليه جزاؤه فيحصل من مجموع الآيتين القطع بوعيد الفساق. والجواب: أما سؤال الفعل فجوابه المعارضة بالعلم، وأما سؤال الوعيد فهذا العموم مخصوص في صورة التوبة، فكذلك يجب أن يكون مخصوصا في صورة العفو للدلائل الدالة على العفو. ثم قال تعالى: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } قال القاضي: هذا يدل على أن الظلم ممكن في أفعال الله وذلك بأن ينقص من الثواب أو يزيد في العقاب، قال: ولا يتأتى ذلك إلا على قولنا دون قول من يقول من المجبرة: إن أي شيء فعله تعالى فهو عدل وحكمة لأنه المالك. الجواب: نفي الظلم عنه لا يدل على صحته عليه، كما أن قوله: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } تفسير : [البقرة: 255] لا يدل على صحتهما عليه.

القرطبي

تفسير : فيه إحدى عشرة مسألة: الأولى: لما أخلّ الرُّماة يوم أُحد بمراكزهم ـ على ما تقدّم ـ خوفاً من أن يستولي المسلمون على الغنيمة فلا يُصرف إليهم شيء، بيّن الله سبحانه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجور في القسمة؛ فما كان من حقّكم أن تتهموه. وقال الضحاك: بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غَنم قبل مجيئهم؛ فقسم للناس ولم يقسم للطلائع؛ فأنزل الله عليه عِتاباً: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ} أي يقسم لبعض ويترك بعضاً. ورُوي نحو هذا القول عن ابن عباس. وقال ابن عباس أيضاً وعِكرمة وابن جُبير وغيرهم: نزلت بسبب قطيفة حمراء فُقدت في المغانم يوم بدر؛ فقال بعض من كان مع النبيّ صلى الله عليه وسلم: لعلّ أن يكون النبيّ صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت الآية أخرجه أبو داود والتِّرمذِيّ وقال: هذا حديث حسن غريب. قال ابن عطية: قيل كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنّوا أن في ذلك حَرجاً. وقيل: كانت من المنافقين. وقد رُوي أن المفقود كان سيفاً. وهذه الأقوال تُخَرّج على قراءة «يَغُل» بفتح الياء وضم الغين. وروى أبو صخر عن محمد بن كعب {وَمَا كَانَ لِنَبيٍّ أَنْ يَغُلَّ} قال: تقول وما كان لنبيّ أن يكتم شيئاً من كتاب الله. وقيل: اللام فيه منقولة، أي وما كان نبيّ لِيَغُل؛ كقوله: {مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ}. أي ما كان الله ليتخذ ولداً. وقرىء «يُغَل» بضم الياء وفتح الغين. وقال ابن السِّكّيت: (لم نسمع في المَغْنَم إلا غَلَّ غُلولاً، وقرىء و ما كان لنبيّ أن يَغُلّ ويُغَلّ. قال: فمعنى «يَغُل» يَخُون، ومعنى «يُغَلّ» يُخَوَّن، ويحتمل معنيين: أحدهما يُخان أي يؤخذ من غنيمته، والآخر يُخَوّن أن يُنسب إلى الغُلُول: ثم قيل: إن كل من غَلّ شيئاً في خفاء فقد غَلّ يَغُلّ غُلولاً: قال ابن عرفة: سُمّيت غُلولاً لأن الأيدي مَغلولةٌ منها، أي ممنوعة. وقال أبو عبيد: الغُلُول من المَغْنم خاصّةً، ولا نراه من الخيانة ولا من الحِقد. ومما يُبَيِّن ذلك أنه يقال من الخيانة: أَغَلّ يغِل، ومن الحِقْد: غَلّ يَغِلّ بالكسر، ومن الغُلول: غَلّ يَغُلّ بالضم. وغَلّ البعير أيضاً (يَغَلّ غلة) إذا لم يَقْض رِيّه وأَغَلّ الرجل خان، قال النَّمِر:شعر : جزى الله عنّا حَمْزةَ ابنةَ نَوْفَلٍ جزاءَ مُغِلٍّ بالأمانة كاذبِ تفسير : وفي الحديث: «حديث : لا إغلالَ ولا إسْلال»تفسير : أي لا خيانة ولا سرقة، ويقال: لا رِشْوة. وقال شُرَيح: ليس على المُسْتعير غير المُغِلّ ضَمانٌ. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاثٌ لا يُغلّ عليهنّ قلبُ مؤمن»تفسير : من رواه بالفتح فهو من الضِّغن. وغَلّ (دخل) يتعدّى ولا يتعدّى؛ يقال: غَلّ فلان المفاوز، أي دخلها وتوسّطها. وغَلّ من المغنم غلولاً، أي خان. وغَلّ الماءُ بين الأشجار إذا جرى فيها؛ يَغُلّ بالضم في جميع ذلك. وقيل: الغُلُول في اللغة أن يأخذ من المَغْنَم شيئاً يستره عن أصحابه؛ ومنه تَغَلْغل الماء في الشجر إذا تخلّلها. والغَلَل: الماء الجاري في أُصول الشجر؛ لأنه مستتر بالأشجار؛ كما قال:شعر : لَعِب السُّيُول به فأصبح ماؤه غَلَلاً يُقطِّع في أُصول الخِروْع تفسير : ومنه الغِلاَلة للثوب الذي يُلبس تحت الثياب. والغالُّ: أرض مطمئنة ذات شجر. ومنابت السَّلْم والطَّلْح يقال لها: غالّ. والغالّ أيضاً نَبْت، والجمع غُلاّن بالضم. وقال بعض الناس: إن معنى «يُغَلّ» يوجد غالاّ؛ كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً. فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى «يَغُل» بفتح الياء وضم الغين. ومعنى «يُغلّ» عند جمهور أهل العلم أي ليس لأحد أن يَغُلّه، أي يخونه في الغنيمة. فالآية في معنى نَهيْ الناس عن الغلول في الغنائم، والتَّوَعُّد عليه. وكما لا يجوز أن يُخان النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يُخان غيرُه، ولكن خصّه بالذكر لأن الخيانة معه أشدُّ وقْعاً وأعظمُ وِزْراً؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته لِتعيُّن توقيره. والوُلاة إنما هم على أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم فلهم حظّهم من التّوقير. وقيل: معنى «يغل» أي ما غَلّ نبيٌّ قطُّ، وليس الغرض النَّهْي. الثانية: قوله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي يأتي به حاملاً له على ظهره ورقبته، مُعذّباً بحمله وثِقَله، ومَرعُوباً بصوته، ومُوَبَّخاً بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد؛ على ما يأتي. وهذه الفضيحة التي يُوقعها الله تعالى بالغالّ نظيرُ الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن يُنصب له لِواء عند ٱسْتِه بقدر غَدْرَته. وجعل الله تعالى هذه المعاقبَات حَسْبَما يَعْهَدَهُ البَشرَ ويَفْهَمُونه؛ ألا ترى إلى قول الشاعر:شعر : أَسُمَيّ ويْحَكِ هَلْ سَمِعتِ بِغَدْرَةٍ رُفِعَ اللوَاءُ لنا بها في المَجْمَعِ تفسير : وكانت العرب ترفع للغادِرِ لِواءً، وكذلك يُطافُ بالجاني مع جِنايته. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغُلُول فعظّمه وعظّم أمره ثم قال: «حديث : لا أُلفِيّن أحَدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بَعِيرٌ له رُغاء يقول يا رسول الله أغِثْني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامةِ على رقبته فرس له حَمْحَمَة فيقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء يقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نَفسٌ لها صِياح فيقول يا رسول الله أغثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقاع تخفِق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك لا ألفِيّن أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامِت فيقول يا رسول الله أغِثنِي فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك» تفسير : وروى أبو داود عن سَمرُة بن جُنْدُب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنِيمة أمر بِلالاً فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخْمُسُه ويقسمه، فجاء رجل يوماً بعد النداء بزِمام من الشّعَر فقال: يا رسول الله هذا كان فيما أصبناه من الغنيمة. فقال: «أسمعت بِلالاً ينادي ثلاثاً»؟ قال: نعم. قال: «فما منعك أن تجيء به»؟ فاعتذر إليه. فقال: «كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقْبَلَه منك». قال بعض العلماء: أراد يُوافَى بوزر ذلك يوم القيامة، كما قال في آية أُخرى: {أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ } تفسير : [الأنعام: 31]. وقيل: الخبر محمول على شهرة الأمر؛ أي يأتي يوم القيامة قد شَهّر الله أمره كما يُشهّر لو حَمل بعِيراً له رُغاء أو فرساً له حَمْحَمَةٌ. قلت: وهذا عُدولٌ عن الحقيقة إلى المجاز والتّشبيه، وإذا دَار الكلامُ بين الحقيقة والمجاز فالحقيقة الأصل كما في كُتُب الأُصول. وقد أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحقيقة، ولا عِطْرَ بعد عَرُوس. ويُقال: إنّ مَن غَلّ شيئاً في الدنيا يُمَثَّلُ له يومَ القيامة في النار، ثم يُقَالُ له: ٱنزِلْ إليه فَخُذْه، فيَهبِطُ إليه، فإذا ٱنْتَهى إليه حَمَلَه، حتى إذا انتهى إلى الباب سَقَط عنه إلى أسفل جَهَنّم، فَيرجِعُ إليه فيأخُذُه؛ لا يَزالُ هكذا إلَى ما شَاءَ الله. ويقال {يأْتِ بِما غَلّ} يعني تَشْهدُ عليه يَومَ القِيامَة تِلْك الخِيَانَةُ والغُلولُ. الثالثة: قال العلماء: والغُلولُ كبيرةٌ من الكبَائر؛ بِدليل هذه الآية وما ذَكَرْنَاهُ من حديث أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّه يَحْمِلُه عَلَى عُنُقِه. وقد قال صلى الله عليه وسلم في مُدْعِم: «حديث : والذي نفسي بيده أن الشَّمْلة التي أخذ يوم خَيْبَرَ من المغانم لم تُصبها المقَاسم لتشتعل عليه ناراً» قال: فلما سمع الناس ذلك جاء رجل بِشراك أو شِراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شِراكٌ أو شِراكان من نار»تفسير : . أخرجه الموطّأ. فقوله عليه السلام: «حديث : والذي نفسي بيده» تفسير : وٱمتناعُه من الصلاة على من غَلّ دليلٌ على تعظيم الغُلول وتعظيم الذنب فيه وأنه من الكبائر، وهو من حقوق الآدميّين ولا بدّ فيه من القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة. وقوله: «شِراكٌ أو شِراكان من نار» مثل قوله: «أدُّوا الخِياط والمِخْيَط». وهذا يدل على أن القليل والكثير لا يحلّ أخذُه في الغَزْوِ قبل المقَاسم، إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم في أرض الغَزْو ومن والاصطياد والاحتطاب. وقد رُوي عن الزُّهْرِيّ أنه قال: لا يؤخذ الطعام في أرض العدوّ إلا بإذن الإمام. وهذا لا أصل له؛ لأن الآثار تخالفه، على ما يأتي. قال الحسن: كان أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إذا ٱفتتحوا المدينةَ أو الحِصْن أكلوا من السَّوِيق والدقيق والسّمن والعسل. وقال إبراهيم: كانوا يأكلون من أرض العدوّ الطعامَ في أرض الحرب ويعلِفون قبل أن يَخْمسُوا. وقال عطاء: في الغزاة يكونون في السّرِيّة فيصيبون أَنْحاء السمن والعسل والطعام فيأكلون، وما بَقِي ردُّوه إلى إمامهم؛ وعلى هذا جماعة العلماء. الرابعة: وفي هذا الحديث دليلٌ على أن الغالّ لا يُحرق متاعه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُحْرِق متاع الرجل الذي أخذ الشّملة. ولا أحْرَقَ متاع صاحبِ الخَرَزات الذي ترك الصلاةَ عليه، ولو كانت حرق متاعه واجباً لفعله صلى الله عليه وسلم، ولو فعله لنُقل ذلك في الحديث. وأما ما رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا وجدتم الرجل قد غَلّ فأحرقوا متاعَه وٱضْربوه»تفسير : . فرواه أبو داود والترمذيُّ من حديث صالح بن محمد بن زائدة، وهو ضعيف لا يُحتجّ به. قال التِّرمذيّ: سألت محمداً ـ يعني البخاريّ ـ عن هذا الحديث فقال: إنما رَوى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي وهو منكَر الحديث. وروى أبو داود أيضاً عنه قال: غزونا مع الوليد بن هِشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز، فغَلّ رجل متاعاً فأمر الوليد بمتاعه فأحرق، وطِيف به ولم يُعطِه سهمه. قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. وروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر حَرّقوا متاع الغالّ وضربوه. قال أبو داود: وزاد فيه عليّ بن بحر عن الوليد ـ ولم أَسْمعْهُ منه ـ: ومَنَعُوه سهمه. قال أبو عمر: قال بعض رواة هذا الحديث: واضرِبوا عنقه وأحرِقوا متاعه. وهذا الحديث يدور على صالح ابن محمد وليس ممن يُحتجّ به. وقد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا يَحِلّ دَمُ ٱمرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث»تفسير : وهو ينْفِي القتل في الغلول. وروي ابن جُريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس على الخائن ولا على المُنْتَهِب ولا على المختلس قَطْعٌ»تفسير : . وهذا يعارض حديثَ صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد. والغالّ المختلس قَطْعٌ». وهذا يعارض حديثَ صالح بن محمد وهو أقوى من جهة الإسناد. والغالّ خائن في اللغة والشريعة وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل. وقال الطّحاويّ: لو صحّ حديثُ صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال؛ كما قال في مانع الزكاة: «إنا آخذوها وشَطْرَ مالِه، عَزْمةً من عزَماتِ الله تعالى». وكما قال أبو هريرة في ضالّة الإبل المَكْتُوبة: فيها غرامتُها ومِثلُها معها. وكما رَوى عبد الله ابن عمرو بن العاص في الثّمر المعلَّق غَرامةُ مِثلَيْه وجَلداتُ نَكالٍ. وهذا كلّه منْسوخ، والله أعلم. الخامسة: فإذا غلّ الرجل في المَغْنَم ووُجِد أخِذ منه، وأُدِّب وعُوقب بالتعزير. وعند مالك والشافعيّ وأبي حنيفة وأصحابهم واللّيث: لا يُحرق متاعه. وقال الشافعيّ واللّيث وداود: إن كان عالماً بالنَّهي عُوقب. وقال الأَوْزاعيّ: يحرق متاع الغالّ كلَّه إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسَرْجه، ولا تُنزع منه دابته، ولا يُحرق الشيء الذي غُلّ. وهذا قول أحمد وإسحاق، وقاله الحسن؛ إلا أن يكون حيواناً أو مصْحَفاً. وقال ابن خُوَيْزِمَنْدَاد: ورُوي أنا أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ضرباً الغالّ وأحرقا متاعه. قال ابن عبد البر: وممن قال يُحرق رَحْل الغالّ وأحرقا متاعه. قال ابن عبد البر: وممن قال يُحرق رَحْل الغالّ ومتاعُه مَكْحُولٌ وسعيدٌ بن عبد العزيز. وحجة من ذهب إلى هذا حديثُ صالح المذكُور. وهو عندنا حديث لا يجب به ٱنتهاك حُرْمة، ولا إنفاذ حُكْم؛ لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه. وما ذهب إليه مالك ومن تابعه في هذه المسألة أصحُّ من جهة النظر وصحيح الأثر، والله أعلم. السادسة: لم يختلف مذهب مالكٍ في العقوبة على البَدَن، فأما في المال فقال في الذِّمِّي يبيع الخمرَ من المسلم: تُراق الخمر على المسلم، ويُنزع الثمن من الذِّمِّي عقوبةً له؛ لئلا يبيع الخمر من المسلمين. فعلى هذا يجوز أن يقال: تجوز العقوبة في المال. وقد أراق عُمر رضي الله عنه لَبَناً شِيب بماء. السابعة: أجمع العلماء على أن للغالّ أنْ يردّ جميع ما غَلّ إلى صاحب المقاسِم قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيلَ إلى ذلك، وأنه إذا فعل ذلك فهي تَوْبةٌ له، وخروج عن ذنبه. واختلفوا فيما يفعل به إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليه؛ فقال جماعة من أهل العلم: يدفع إلى الإمام خُمُسه ويتصدّق بالباقي. هذا مذهب الزُّهْرِيّ ومالكٍ والأَوْزَاعِيّ واللّيث والثّوْري؛ ورُوى عن عُبادة بن الصّامت ومعاوية والحسنِ البصريّ. وهو يُشبه مذهبَ ابن مسعود وابن عباس؛ لأنهما كانا يَريَان أن يُتصدّق بالمال الذي لا يُعرف صاحبُه؛ وهو مذهب أحمد ابن حنبل. وقال الشافعيّ: ليس له الصدقة بمال غيره. قال أبو عمر: فهذا عندي فيما يمكن وجود صاحبه والوصولُ إليه أو إلى ورثته، وأما إن لم يكن شيء من ذلك فإن الشافعيّ لا يكره الصدقة حينئذ إن شاء الله. وقد أجمعوا في اللُّقَطة على جواز الصدّقة بها بعد التعريف لها وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء ـ مخيّراً بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب. وبالله التوفيق. وفي تحريم الغُلُول دليل على اشتراك الغانمين في الغنيمة، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر؛ فمن غَصَب شيئاً منها أُدِّبَ ٱتفاقاً، على ما تقدّم. الثامنة: وإِنَ وَطِىءَ جارية أو سرَق نِصاباً فاختلف العلماء في إقامة الحد عليه؛ فرأى جماعةَ أنه لا قطع عليه. التاسعة: ومن الغُلُول هدايا العمال، وحُكْمه في الفضيحة في الآخرة حُكْم الغالّ. روى أَبُو داود في سُننه ومُسْلمٌ في صحيحه عن أبي حُميد الساعِدِيّ: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً من الأزْد يُقال له ٱبن اللُّتْبِيّة (قال ٱبن السرح ٱبن الأُتْبِية) على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدىٰ لي. فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم على المِنْبر فحمِد الله وأثنى عليه وقال: «حديث : ما بالُ العامل نَبعثهُ فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهْدِيَ لِي ألاَ جَلس في بيت أُمّه أو أبيه فينظر أيُهدَى إليه أم لا، لا يأتي أحد منكم بشيء من ذلك إلا جاء به يوم القيامة إن كان بعيراً فله رُغاء وإن كانت بقرة فلها خُوار أو شاةً تُيْعِرَ» ـ ثم رفع يديه حتى رأينا عُفْرَتَيْ إبطيْه ثم قال: ـ «اللَّهُمَّ هل بَلّغتُ اللَّهُمَّ هل بلّغْتُ»تفسير : . ورَوى أبو داود عن بُريدةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من استعملناه على عمل فرزقناه رِزْقاً فما أخَذ بعد ذلك فهو غُلول»تفسير : . ورَوى أيضاً حديث : عن أبى مسعود الأنصارى قال: بَعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعِياً ثم قال: «انطلق أبا مسعود ولا ألْفِينَّك يوم القيامة تأتي على ظهرك بعيرٌ من إبل الصّدقة له رُغاءٌ قد غَلَلْتَه». قال: إِذا لا أنطلق. قال: «إذاً لا أكرهك»تفسير : . وقد قيّد هذه الأحاديث ما رواه أبو داود أيضاً عن المُسْتَوْرِد ابن شداد قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من كان لنا عاملاً فلْيَكْتَسِب زوجةً فإن لم يكن له خادم فلْيَكْتَسِبَ خادِماً فإن لم يكن له مسكن فليكتسِب مسكناً»تفسير : . قال فقال أبو بكر: أُخبرت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من ٱتّخذ غير ذلك فهو غالٌّ سارق»تفسير : . والله أعلم. العاشرة: ومن الغُلُول حبس الكُتُب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها. قال الزُّهِريّ: إيّاك وغلولَ الكتب. فقيل له؛ وما غُلُول الكتب؟ قال؛ حبسها عن أصحابها. وقد قيل في تأويل قوله تعالىٰ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أن يكتم شيئاً من الوَحْي رَغْبةً أو رَهْبةً أو مُداهنة. وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عَيْب دينهم وسَبّ آلهتهم، فسألوه أن يطوِي ذلك؛ فأنزل الله هذه الآية؛ قاله محمد بن بشار. وما بدأنا به قول الجمهور. الحادية عشرة: قوله تعالىٰ: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} تقدّم القول فيه.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما فُقِدَت قطيفة حمراء يوم بدر فقال بعض الناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها:{وَمَا كَانَ } ما ينبغي {لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ } يخون في الغنيمة فلا تظنوا به ذلك، وفي قراءة بالبناء للمفعول، أي ينسب إلى الغلول {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ } حاملاً له على عنقه {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ } الغال وغيره جزاء {مَّا كَسَبَتْ } عملت {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } شيئاً.

ابن عطية

تفسير : تقدم القول في صيغة: وما كان لكذا أن يكون كذا، في قوله تعالى: {أية : وما كان لنفس أن تموت} تفسير : [آل عمران: 145] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم "يغُل" بفتح الياء وضم الغين، وبها قرأ ابن عباس وجماعة من العلماء، وقرأ باقي السبعة "أن يُغَل" بضم الياء وفتح الغين، وبها قرأ ابن مسعود وجماعة من العلماء، واللفظة: بمعنى الخيانة في خفاء، قال بعض اللغويين هي مأخوذة من الغلل وهو الماء الجاري في أصول الشجر والدوح، قال أبو عمرو: تقول العرب: أغل الرجل يغل إغلالاً: إذا خان، ولم يؤد الأمانة، ومنه قول النمر بن تولب: [الطويل] شعر : جزى اللَّهُ عنّي جَمْرَة َ ابْنَةَ نَوْفَلٍ جزاءَ مُغِلٍّ بالأمانةِ كاذبِ تفسير : وقال شريح: ليس على المستعير غير المغل ضمان، قال أبو علي: وتقول من الغل الذي هو الضغن: غل يغِل بكسر الغين، ويقولون في الغلول من الغنيمة، غل يغُل بضم الغين، والحجة لمن قرأ يغل أن ما جاء من هذا النحو في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل على نحو {أية : ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء} تفسير : [يوسف: 38] {أية : وما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} تفسير : [يوسف: 76] {أية : وما كان لنفس أن تموت} تفسير : [آل عمران: 145] {أية : وما كان الله ليضل قوماً بعد أن هداهم} تفسير : [التوبة: 115] {أية : وما كان الله ليطلعكم على الغيب} تفسير : [آل عمران: 179] ولا يكاد يجيء: ما كان زيد ليضرب، فيسند الفعل فيه إلى المفعول به، وفي هذا الاحتجاج نظر، وروي عن ابن عباس أنه قرأ "يغُل" بضم الغين، فقيل له: إن ابن مسعود قرأ "يغَل" بفتح الغين، فقال ابن عباس: بلى والله ويقتل، واختلف المفسرون في السبب الذي أوجب أن ينفي الله تعالى عن النبي أن يكون غالاً على هذه القراءة - التي هي بفتح الياء وضم الغين، فقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم: نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت من المغانم يوم بدر، فقال بعض من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم: لعل رسول الله أخذها فنزلت الآية. قال القاضي أبو محمد: قيل: كانت هذه المقالة من مؤمنين لم يظنوا أن في ذلك حرجاً، وقيل كانت من منافقين، وقد روي أن المفقود إنما كان سيفاً، قال النقاش: ويقال: إنما نزلت لأن الرماة قالوا يوم أحد: الغنيمة الغنيمة أيها الناس، إنما نخشى أن يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له، فلما ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: خشيتم أن نغل؟ ونزلت هذه الآية، وقال الضحاك: بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم، فقسم للناس ولم يقسم لطلائع، فأنزل الله تعالى عليه عتاباً، {وما كان لنبي أن يغل} أي يقسم لبعض ويترك بعضاً، وروي نحو هذا القول عن ابن عباس، ويتجه على هذا أن تكون الآية إعلاماً بعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمه للغنائم، ورداً على الأعراب الذين صاحوا به: اقسم علينا غنائمنا يا محمد، وازدحموا حتى اضطروه إلى السمرة التي أخذت رداءه، ونحا إليه الزجّاج، وقال ابن إسحاق: الآية إنما نزلت إعلاماً بأن النبي عليه السلام لم يكتم شيئاً ما أمر بتبليغه. قال القاضي: وكأن الآية على هذا في قصة - أحد - لما نزل عليه: {أية : وشاورهم في الأمر} تفسير : [آل عمران: 159] إلى غير ذلك مما استحسنوه بعد إساءتهم من العفو عنهم ونحوه، وبالجملة فهو تأويل ضعيف، وكان يجب أن يكون "يُغِل" بضم الياء وكسر الغين، لأنه من الإغلال في الأمانة، وأما قراءة من قرأ "أن يُغَل" بضم الياء وفتح الغين، فمعناها عند جمهور من أهل العلم: أن ليس لأحد أن يغله: أي يخونه في الغنيمة، فالآية في معنى نهي الناس عن الغلول في المغانم والتوعد عليه، وخص النبي بالذكر وإن كان ذلك محظوراً مع الأمراء لشنعة الحال مع النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المعاصي تعظم مع حضرته لتعين توقيره، والولاة هم عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فلهم حظهم من التوقير، وقال بعض الناس: معنى "أن يغل" أن يوجد غالاً، كما تقول: أحمدت الرجل وجدته محموداً، فهذه القراءة على هذا التأويل ترجع إلى معنى "يغُل" بفتح الياء وضم الغين، وقال أبو علي الفارسي: معنى "يُغَل" بضم الياء وفتح الغين يقال له: غللت وينسب إلى ذلك، كما تقول أسقيته، إذا قلت: سقاك الله كما قال ذو الرمة: [الطويل] شعر : وَأُسْقيهِ حتى كاد مِمّا أَبُثُّهُ تُكَلِّمُني أحْجَارُه وَمَلاعِبُهْ تفسير : وهذا التأويل موقر للنبي عليه السلام، ونحوه في الكلام: أكفرت الرجل إذا نسبته إلى الكفر، وقول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: لا آكل سمناً حتى يحياً الناس من أول ما يحيون: أي دخلون في الحيا وقوله تعالى: {ومن يغلل يأتِ بما غل يوم القيامة} وعيد لمن يغل من الغنيمة، أو في زكاته، فيجحدها ويمسكها، فالفضيحة يوم القيامة بأن يأتي على رؤوس الأشهاد بالشيء الذي غل في الدنيا، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فقال:حديث : ألا يخشى رجل منكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، ثم ذكر ذلك عليه السلام في بقرة لها خوار وجمل له رغاء، وفرس له حمحمةتفسير : ، وروى نحو هذا الحديث ابن عباس، قال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء... الحديث بطولهتفسير : ، وروى نحوه أبو حميد الساعدي وعمر بن الخطاب وعبد الله بن أنيس، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:حديث : أدوا الخياط والمخيط، فقام رجل فجاء بشراك أو شراكين، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: شراك أو شراكان من نار، وقال في مدعم، إن الشملة التي غل من المغانم يوم خيبر لتشتعل عليه ناراً . تفسير : قال القاضي: وهذه الفضيحة التي يوقع الله بالغالّ، هي نظيرة الفضيحة التي توقع بالغادر، في أن ينصب له لواء بغدرته حسب قوله عليه السلام، وجعل الله هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه، ألا ترى إلى قول الحارد: [الكامل] شعر : أسُمَيَّ وَيْحَكِ هَلْ سَمِعْتِ بِغَدْرَةٍ رفع اللِّواء لَنَا بِهَا في الْمَجمَعِ تفسير : وكانت العرب ترفع للغادر لواء، وكذلك يطاف بالجاني مع جنايته، وقد تقدم القول في نظير، {أية : ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} تفسير : [البقرة: 281]. وقوله تعالى: {أفمن اتبع رضوان الله} الآية، توقيف على تباين المنزلتين وافتراق الحالتين، والرضوان: مصدر، وقرأه عاصم - فيما روي عنه - بضم الراء - وقرأ جميعهم بكسرها، وحكى أبو عمرو الداني عن الأعمش، أنه قرأها - بكسر الراء وضم الضاد، وهذا كله بمعنى واحد مصدر من الرضى، والمعنى، اتبعوا الطاعة الكفيلة برضوان الله، ففي الكلام حذف مضاف، و {باء بسخط} - معناه: مضى متحملاً له، والسخط: صفة فعل، وقد تتردد متى لحظ فيها معنى الإرادة، وقال الضحاك: إن هذه الآية مشيرة إلى أن من لم يغل واتقى فله الرضوان، وإلى أن من غل وعصى فله السخط، وقال غيره: هي مشيرة إلى أن من استشهد - بأحد - فله الرضوان، وإلى المنافقين الراجعين عن النبي صلى الله عليه وسلم فلهم السخط، وباقي الآية بّين. واختلف المفسرون في قوله تعالى: {هم درجات} من المراد بذلك؟ فقال ابن إسحاق وغيره: المراد بذلك الجمعان المذكوران، أهل الرضوان وأصحاب السخط، أي لكل صنف منهم تباين في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النار أيضاً، وقال مجاهد والسدي ما ظاهره: إن المراد بقوله {هم} إنما هو لمتبعي الرضوان، أي لهم درجات كريمة عند ربهم، وفي الكلام حذف مضاف تقديره "هم درجات" والدرجات المنازل بعضها أعلى من بعض في المسافة أو في التكرمة، أو العذاب، وقرأ إبراهيم النخعي "هم درجة" بالإفراد، وباقي الآية وعيد ووعد.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَغُلَّ} فقدت قطيفة حمراء يوم بدر فقال قوم: أخذها الرسول فنزلت، أو وجَّه الرسول صلى الله عليه وسلم طلائع في جهة ثم غنم الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يقسم للطلائع فنزل ما كان لنبي أن يخون في القسم فيعطي فرقة ويدع أخرى، أو ما كان لنبي أن يكتم الناس ما أرسل به لرغبة ولا رهبة قاله ابن إسحاق. {يَغُلَّ} يتهمه أصحابه ويُخَوِّنونه، أو أن يغله أصحابه ويَخُونُونه، والغلول من الغلل، وهو دخول الماء خلال الشجر فسميت الخيانة غلولاً لوقوعها خفية، والغِل: الحقد، لجريانه في النفس مجرى الغلل.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يغل} بفتح الياء وضم الغين: ابن كثير وأبو عمرو وعاصم غير المفضل ويعقوب غير رويس. الباقون: بالضم والفتح على البناء للمفعول. {ولا يحسبن} بياء الغيبة: الحلواني عن هشام. الباقون: بتاء الخطاب. {قتلوا} بالتشديد: ابن عامر. الباقون: بالتخفيف. {وإن الله} بالكسر على الابتداء: عليّ. الباقون: بالفتح. {وخافوني} بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل، وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل. الباقون بالحذف. الوقوف: {إن يغل} ط لابتداء الشرط {يوم القيامة} ج لانتهاء جزاء الشرط مع العطف {لايظلمون} ه {جهنم} ط {المصير} ه {عند الله} ط {بما تعملون} ه {والحكمة} ج لمكان العطف {مبين} ه {مثليها} (لا) لأن استفهام الإنكار دخل على {قلتم} {هذا} ط {أنفسكم} ط {قدير} ه {وليعلم المؤمنين} ه لا {نافقوا} ج لاحتمال العطف والاستئناف والوصل أولى على تقدير وقد قيل لهم. {أو ادفعوا} ط {لاتبعناكم} ط {للإيمان} ج لاحتمال الحال والاستئناف. {في قلوبهم} ط {يكتمون} ج لاحتمال كون "الذين" بدلاً عن ضمير {يكتمون} أو خبر مبتدأ محذوف. {ما قتلوا} ط {صادقين} ه {أمواتاً} ط {عند ربهم} ص {يرزقون} ه لا لأن {فرحين} حالهم. {من فضله} (لا) للعطف. {من خلفهم} (لا) لتعلق "أن". {يحزنون} ه م للآية واستئناف الفعل إذ يستحيل أن يكون الاستبشار حالاً للذين يحزنون. {وفضل} (لا) لأن التقدير وبأن ومن كسر وقف والجملة حينئذٍ اعتراضية. {المؤمنين} ه ج لأن "الذين" يصلح صفة اللمؤمنين ومبتدأ خبره للذين أحسنوا، أو نصباً على المدح والأول أوجه لاتحاد الصفة. {القرح} ط لمن لم يقف على {المؤمنين}. {عظيم} ج لاحتمال البدل وكونه خبر مبتدأ محذوف. {إيماناً} ق والوصل أولى للعطف واتصال توكل اللسان بيقين القلب. {الوكيل} ه {سوء} لا للعطف {رضوان الله} ط {عظيم} ه {أولياءه} ص لوصل النهي عن الخوف بعد ذكر التخويف {مؤمنين} ه. التفسير: هذا حكم من أحكام الجهاد. وأصل الغلول أخذ الشيء في خفية. يقال: أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئاً من اللحم ليسرقه. والغل الحقد الكامن في الصدر. والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الدرع والثياب، والغلل الماء الذي يجري في / أصول الشجر لأنه مستتر بالأشجار. وقال صلى الله عليه وسلم:" حديث : من بعثناه على عمل فغل شيئاً جاء يوم القيامة يحمله على عنقه" تفسير : وقال أيضاً:"حديث : هدايا الولاة غلول "تفسير : وقال الجوهري: غل يغل غلولاً أي خان. وأغل مثله إلا أن العرف جعله في الغالب مخصوصاً بالخيانة في الغنيمة حتى قال أبو عبيدة: الغلول في المغنم خاصة، وقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر. عن ثوبان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : من فارق روحه جسده وهو بريء من ثلاثة دخل الجنة الكبر والغلول والدين " تفسير : وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره حتى قال:"حديث : لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئاً قد أبلغتك "تفسير : ومعنى الآية فيمن قرأ بفتح الياء وضم الغين: ما كان لنبي أن يخون أي ما صح وما ينبغي له ذلك لأن النبوة تنافي الغلول لأنها أعلى المراتب الإنسانية، فلا يليق بصاحبها ما هو عار في الدنيا ونار في الآخرة، كيف وإنه أمين على الوحي النازل عليه من فوق سبع سموات، أفلا يكون أميناً في الأرض؟ هيهات. وقيل: اللام منقولة والتقدير: وما كان نبي ليغل كقوله {أية : ما كان لله أن يتخذ من ولد} تفسير : [مريم:35] أي ما كان الله ليتخذ ولداً. ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين ففيه وجهان: أحدهما يخان أي يؤخذ من غنيمته. وفي تخصيصه بهذه الحرمة والخيانة محرمة على الإطلاق فوائد منها: أن المجني عليه كلما كان أجل منصباً كانت الخيانة في حقه أفحش. ومنها أنه لا يكاد يخفى عليه من قبل الوحي فكان مع عذاب الآخرة فضيحة الدنيا. ومنها أن المسلمين في ذلك الوقت كانوا في غاية الفقر، فكانت تلك الخيانة وقتئذٍ أقبح. وثانيهما يخوّن أي ينسب إلى الخيانة فيكون من / الإغلال. قال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل جعلته كافراً أو نسبته إلى الكفرة. قال القتيبي: لو كان هذا هو المراد لقيل "يغلل" كما يقال: "يفسق ويكفر" والأولى أن يقال: هو من أغللته أي وجدته غالاً كما يقال: أبخلته أي وجدته كذلك. ومن هنا قال في الكشاف: معناه راجع إلى القراءة الأولى إذ معناه ما صح له أن يوجد غلالاً ولا يوجد غالاً إلا إذا كان غالاً. وكان ابن عباس ينكر على هذه القراءة ويقول: كيف لا ينسب إلى الخيانة وقد كان يقتل؟ وقال خصيف: قلت لسعيد بن جبير: ما كان لنبي أن يغل. فقال: بل يغل ويقتل. ولا يخفى أن الإنكار لا يتوجه إذا كان أغل بمعنى وجده غالاً، وإنما يتوجه إذا كان الإغلال بمعنى النسبة إلى الخيانة كما روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها. وقد طعن بعضهم في هذه القراءة وقال: إن أكثر ما جاء من هذا القبيل في التنزيل أسند الفعل فيه إلى الفاعل {أية : ما كان لنا أن نشرك} تفسير : [يوسف:38] {أية : ما كان ليأخذ أخاه} تفسير : [يوسف:76] {أية : ما كان لنفس أن تموت} تفسير : [آل عمران:145] {أية : ما كان الله ليضل قوماً} تفسير : [التوبة:115] {أية : وما كان الله ليطلعكم} تفسير : [آل عمران:179] وحكى أبو عبيدة عن يونس أنه قال: ليس في الكلام "ما كان لك أن تضرب" بضم التاء. والحق أن القرآن حجة على غيره لا بالعكس. ويوافق هذه القراءة ما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم لما وقعت غنائم هوازن في يده غله رجل بمخيط فنزلتتفسير : . وعلى هذا يغل بمعنى يخان. وإن جعل يغل بمعنى يوجد غالاً فالقراءتان متعاضدتان ويوافقهما أسباب النزول، أكثرها يروي حديث : أنه تأخرت قسمة الغنيمة في بعض الغزوات لمانع فجاءه قوم وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لو كان لكم مثل أحد ذهباً ما حبست منكم درهماً، أترون أني أغلكم مغنمكم؟ فنزلتتفسير : . وعن ابن عباس حديث : أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم بشيء زائد فنزلتتفسير : . وقال الكلبي ومقاتل: حديث : نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز طلباً للغنيمة وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر. فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً فقال صلى الله عليه وسلم: بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم. تفسير : وروي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم بعث طلائع فغنم بعدهم غنائم فقسمها ولم يقسم للطلائع تفسير : فنزلت مبالغة في النهي لرسوله يعني وما كان لنبي أن يعطي قوماً ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية. وسمى حرمان بعض الغزاة غلولاً تغليظاً وتقبيحاً لصورة الأمر. وقيل: نزلت في أداء الوحي. كان يقرأ القرآن - وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم - فسألوه أن يترك ذلك فقيل: / ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به إليهم رغبة في الناس أو رهبة منهم {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أكثر المفسرين أجروه على ظاهره ونظيره في مانع الزكاة {أية : يوم يحمى عليها في نار جهنم} تفسير : [التوبة:35] ويدل عليه الحديث الذي رويناه وعن ابن عباس أنه قال: يمثل له ذلك الشيء في قعر جهنم ثم يقال له: أنزل إليه فخذه فيهبط إليه فإذا انتهى إليه حمله على ظهره فلا يقبل منه. وعن بعض جفاة الأعراب أنه سرق نافجة مسك فتليت عليه هذه الآية فقال: إذن أحملها طيبة الريح خفيفة المحمل. قلت: ذلك الشقي قاس الأمور الأخروية على الأمور الدنيوية، ولم يعلم أن ذلك المسك وقتئذٍ يكون أنتن من الجيفة وأثقل من الجبل وذلك ليذوق وبال أمره ويرى نقيض مقصوده. قال المحققون: والفائدة فيه أنه إذا جاء يوم القيامة وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادات فضيحته. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل غادر لواء يوم القيامة "تفسير : وقال أبو مسلم: هذا على سبيل التمثيل والتصوير لوباله وتبعته. والمراد أنه تعالى يحفظ عليه هذا الغلول ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه لأنه لا يخفى عليه خافية. وقيل: المراد أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء، وفيه صرف اللفظ عن ظاهره من غير دليل ولا ضرورة. {ثم توفى كل نفس ما كسبت} إثبات للجزاء لكل كاسب على سبيل العموم ليعلم صاحب الغلول أنه غير متخلص من بينهم مع عظم ما اكتسب وهذا أبلغ مما لو خص الغال بتوفية الجزاء فقيل: ثم يوفى ما كسب. ثم فصل ما أجمل فقال: {أفمن اتبع} والهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره "أمن اتقى فاتبع" قال الكلبي والضحاك: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول {كمن باء بسخط من الله} رجع منه بشدّة إرادة انتقام لأجل الغلول؟ وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله بامتثال امر النبي صلى الله عليه وسلم حين دعاهم إلى دفع المشركين يوم أحد، كمن باء بسخط من الله وهم الذين لم يمتثلوا؟ وقيل: الأولون المهاجرون والآخرون المنافقون. وقيل: أفمن اتبع رضوان الله بالإيمان والعمل بطاعته كمن باء بسخط من الله بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟ وهذا القول أقرب لتكون الآية مجراة على العموم وإن كان سبب النزول خاصاً. وقوله: {ومأواه جهنم} من تمام صلة من "باء". وقوله: {وبئس المصير} اعتراض. قال القفال: لا يجوز في الحكمة أن يُسوى بين المسيء والمحسن وإلا كان إغراء بالمعاصي وإباحة لهما وإهمالاً للطاعات وتنفيراً عنها. {هم درجات} قيل: أي لهم / درجات. وحسن هذا الحذف لأن اختلاف أعمالهم كأنه قد صيرهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها. وقالت الحكماء: النفوس الإنسانية مختلفة بالماهية يدل عليها اختلاف صفاتها بالإشراق والإظلام، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة" تفسير : فهم في أنفسهم درجات لا أن لهم درجات. وقيل: المراد ذوو درجات. ثم الضمير إلى أي شيء يعود؟ قيل: إلى من اتبع رضوان الله لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب. ولأنه قد ذكر وصف من باء بسخط من الله وهو أن مأواه جهنم فيكون هذا وصفاً لمن اتبع الرضوان ويؤيده قوله: {عند الله} وهذا وإن كان معناه في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا" ولا يراد به عندية المكان لتنزهه تعالى عن ذلك إلا أنه يفيد في الجملة تشريفاً وأنه يليق بأهل الثواب. وقال الحسن: يعود إلى من باء بسخط لأنه أقرب لأنهم متفاوتون في العذاب. عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن منها ضحضاحاً وغمراً "تفسير : وقال: "حديث : إن أهون أهل النار عذاباً رجل يحذى له نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل يعذب أحد عذابي "تفسير : والأوجه أن يكون عائداً إلى الكل، لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذا دركات أهل العقاب حسب تفاوت أعمال الخلق. وقد تستعمل الدرجات في مراتب أهل النار كقوله: {أية : ولكل درجات مما عملوا} تفسير : [الأنعام: 132] {والله بصير بما يعملون} فيجازيهم بمقدارها. قوله عز من قائل: {لقد منّ الله على المؤمنين} في النظم وجوه منها: أن هذا الرسول نشأ فيما بينهم ولم يظهر منه طول عمره إلا الصدق والأمانة، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة؟ ومنها كأنه تعالى قال: لا أكتفي في وصفه بأن أنزهه عن الخيانة ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمي عليكم. ومنها أنكم كنتم خاملين جاهلين وإنما حصل لكم الشرف والعلم بسبب هذا الرسول، فالطعن فيه طعن فيكم. ومنها أن مثل هذا الرجل يجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ويكون معه باليد واللسان والسيف والسنان، فيكون المقصود العود إلى ترغيب المسلمين في الجهاد. ومعنى المنّ ههنا الإنعام على من لا يطلب الجزاء منه. والوجه في المنة إما أن يعود إلى أصل البعثة، وإما أن يعود إلى بعثة هذا الرسول. فمن الأول أن الخلق مجبولون على النقصان والجهالة، والنبي يورد عليهم / وجوه دلائل الكمال ويزيح عللهم في كل حال. وأيضاً إنهم وإن شهدت فطرتهم بوجوب خدمة مولاهم لكن لا يعرفون كيفية تلك الخدمة إلى أن يشرحها النبي صلى الله عليه وسلم لهم. وأيضاً أنهم جبلوا على الكسل والملل فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات فيزول فتورهم ويتجدد نشاطهم. وبالجملة فعقول البشر يمنزلة أنوار البصر، وعقل النبي بمنزلة نور الشمس. فكما لا يتم الانتفاع بنور البصر إلا عند سطوع نور الشمس، فكذلك لا يحصل الاهتداء بمجرد العقل ما لم ينضم إليه إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الثاني أن هذا الرسول بعث {من أنفسهم} أي من جنسهم عربياً مثلهم، أو من ولد إسماعيل كما أنهم من ولده. فعلى هذا يكون المراد بالمؤمنين من آمن مع الرسول من قومه. وخص المؤمنين منهم لأنهم هم المنتفعون به، ووجه المنة أنه إذا كان اللسان واحداً سهل عليهم أخذ ما يجب أخذه عنه، وإذا كانوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة كان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به. وفيه أيضاً شرف لهم وفخر كما قال: {أية : وإنه لذكر لك ولقومك} تفسير : [الزخرف:44] وذلك أن الافتخار بإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان مشتركاً فيه بين اليهود والنصارى والعرب. ثم اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى وبالتوراة والإنجيل، وما كان للعرب ما يقابل ذلك. فلما بعث الله محمداً وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائداً على شرف جميع الأمم. وقيل: {من أنفسهم} أي من جنس الإنس لا من الملك لأن الجنس إلى الجنس أميل. ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة أنهما قرآ {من أنفسهم} بفتح الفاء أي أشرفهم، وعلى هذا يكون المؤمنون عاماً. ويحتمل أن يراد بهم العرب ويصح لأن عدنان ذروة ولد إسماعيل، ومضر ذروة نزار بن معد بن عدنان، وخندف ذروة مضر، ومدركة ذروة خندف، وقريش ذروة مدركة، وذروة قريش محمد صلى الله عليه وسلم. وأما سائر أوصافه من قوله: {يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة} فقد مر تفسيرها في البقرة عند قوله: {أية : ربنا وابعث فيهم رسولاً} تفسير : [البقرة:129] وإعراب قوله: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} كما سلف في قوله: {أية : وإن كانت لكبيرة} تفسير : [البقرة:143] ومعنى المنة فيه أن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان موقعها أعظم. فبعثة هذا الرسول عقب الجهل والذهاب عن الدين تكون أعم نفعاً وأتم وقعاً. ثم لما أجاب عن نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغلول، حكى عنهم شبهة أخرى وهي قولهم لو كان رسولاً من عند الله ما انهزم عسكره وهو المراد بقوله: {أنى هذا} وأجاب عنها بقوله: {قل هو من عند انفسكم} والواو في قوله {أو لما أصابتكم} لعطف هذه الجملة الاستفهامية على ما قبلها من قصة أحد إلا أن حرف الاستفهام قدم على واو العطف لأن له صدر الكلام و {لما} ظرف {قلتم} ومقول القول {أنى هذا} و {وأصابتكم} في محل / الجر بإضافة {لما} إليه. والتقدير: أقلتم حين أصابتكم؟ ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على محذوف كأنه قيل: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذٍ من أين أصابنا هذا، وكيف نصروا علينا، ونحن على الحق ومعنا الرسول وهم على الباطل ولا نبي معهم؟ والمراد بالمصيبة واقعة أحد، وبمثلها وقعة بدر. وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقيل: أراد نسبة الضعف في الهزيمة لا في عدد القتلى والأسرى. فالمسلمون هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً في الأولى يوم أحد، ثم لما عصوا الله هزمهم المشركون فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة فخرج عن قوله: {قد أصبتم مثليها} جواب ضمني يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة، فإذا أصبتم منهم مثلي ما نالوا منكم فما وجه الاستبعاد؟ لكنه صرح بجواب آخر فقال: {قل هو من عند أنفسكم} وفي تقريره وجهان: الأول أن هذه المصيبة بشؤم معصيتكم. وذلك أنهم عصوا الرسول في أمور في الخروج عن المدينة وكان رأيه في الإقامة، ثم في الفشل وفي التنازع وفي مقارقة المركز وفي الاشتغال بطلب الغنيمة. الثاني ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وأمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم. فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لقومه فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم فنتقوى به على قتال العدو ونرضى أن يستشهد منا بعددهم. فقتل يوم أحد سبعون رجلاً بعدد أسارى بدر. فمعنى {هو من عند أنفسكم} هو بأخذكم الفداء واختياركم القتل. وتمسك المعتزلة بالآية على أن للعبد اختياراً في الفعل والترك، وأنه من عند نفسه. وعارضهم الأشاعرة بقوله: {إن الله على كل شيء قدير} فإن فعل العبد من جملة الأشياء فيكون الله قادراً عليه. فلو وجد بإيجاد العبد امتنع من الله أن يقدر عليه إذ لا قدرة على إيجاد الموجود والحق أن وجود الواسطة لا ينافي انتهاء الكل إلى مسبب الأسباب ويؤيده قوله: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} قال ابن عباس: أي وقع بقضائه وحكمه وفيه تسلية للمؤمنين لأن الرضا بالقضاء لازم. وقيل: بتخليته لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده، فاستعير الإذن للتخلية، وإن اعتبرتم المصالح فذاك قد وقع {ليعلم المؤمنين} أي ليتميزوا عن أهل النفاق. وإنما لم يقل "وليعلم المنافقين" ليناسب المؤمنين لفظاً لأن الغرض تصوير أنهم شرعوا في الأعمال اللائقة بالنفاق في ذلك الوقت وأحدثوها، ولأنه عطف على الصلة. {وقيل لهم} قال الأصم: هذا القائل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يدعوهم إلى / القتال. وقيل: هو أبو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري، لما انخزل عبد الله بن أبي بثلث الناس تبعهم وقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم {تعالوا قاتلوا في سبيل الله} إن كان في قلبكم حب هذا الدين {أو ادفعوا} عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم إن لم يكن بكم هم الآخرة وطلب مرضاة الله أي كونوا من رجال الدين أو من رجال الدنيا. وقال السدي وابن جريج: ادفعوا العدو بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا لأن الكثرة أحد أسباب الهيبة والرعب. ثم إنه كأن سائلاً سأل فما أجاب المنافقون عند دعاء المؤمنين إياهم إلى القتال؟ فقيل: {قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} كأنهم جحدوا أن يكون بين الفريقين قتال ألبتة. أو المراد لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لوافقناكم عليه, ولكنكم تلقون بأيديكم إلى التهلكة، وذلك أن رأي عبد الله كان في الإقامة وما كان يستصوب الخروج من المدينة، وكلا المعنيين منهم في الجواب فاسد. أما الأول فلأن ظهور أمارات الحرب كافٍ في وجوب القتال والدفع عن النفس والمال. والظن في أمور الدنيا قائم مقام العلم، ولا أمارة أقوى من قرب الأعداء من المدينة عند جبل أحد. وأما الثاني فلأنه تعالى لما وعدهم بالنصر والغلبة إن صبروا واتقوا لم يكن الخروج إلى ذلك القتال إلقاء النفس إلى التهليكة. ولركاكة جوابهم قال:{هم للكفر يومئذٍ أقرب منهم للإيمان} لأنهم تباعدوا بهذا الجواب المنبىء عن الدغل والنفاق عن الإيمان المظنون بهم قبل اليوم. والمراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانخزال تقوية لجانب المشركين وعلى الأول قال أكثر العلماء: إنه تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار لأن القرب من الكفر حصول الكفر. قال الحسن: إذا قال الله أقرب فهو اليقين بأنهم مشركون كقوله: {أية : مائة ألف أو يزيدون} تفسير : [الصافات:147] فهذه الزيادة لا شك فيها. وقال الواحدي: فيه دليل على أن الآتي بكلمة التوحيد لا يكفر لأنه تعالى لم يظهر القول بتكفيرهم {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} أي لا يتجاوز الإيمان حناجرهم ومخارج الحروف منهم خلاف صفة المؤمنين في مواطأة قلوبهم ما نطقوا به من التوحيد { والله أعلم بما يكتمون} من بغض الإسلام والمسلمين وسائر مجاري أحوالهم فيما بينهم. وذلك أن المؤمنين قد علموا بعض ذلك بالقرائن والأمارات، وهو تعالى عالم بتفاصيل ذلك {أية : لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض} تفسير : [سبا:3]. {الذين قالوا} منصوب على الذم أو على البدل من {الذين نافقوا} أو مرفوع على الذم أي هم الذين، أو على البدل من ضمير {يكتمون} وقيل: يجوز أن يكون مجروراً بدلاً من الضمير في {أفواههم} أو {قلوبهم} {لإخوانهم} لأجل إخوانهم المقتولين يوم أحد / إخوة في النسب أو في سكنى الدار أو في الجنسية في النفاق. والقائلون - عند جمهور المفسرين - عبد الله بن أبيّ وأصحابه. واعترض الأصم بأنه قد خرج يوم أحد فكيف وصف بالقعود في قوله: {وقعدوا} أي والحال أنهم قد قعدوا عن القتال. والجواب أن القعود عن القتال وهو الجبن عنه وتركه لا ينافي الخروج. {لو أطاعونا} في أمرنا إياهم بالقعود {ما قتلوا} كأنهم قعدوا وما اكتفوا بذلك بل أرادوا تثبيط غيرهم وذلك لما في الطباع من محبة الحياة وكراهة الموت. "ومن يسمع يخل" فلعل بعض ضعفة المسلمين إذا سمع ذلك رغب في القعود ونفر طبعه عن الجهاد فأجابهم الله تعالى بقوله: {قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} في أن الحذر يغني عن القدر، وأن سلامتكم كانت بسبب قيودكم لا بغيره من أسباب النجاة, وفيه استهزاء بهم أي إن كنتم رجالاً دفاعين لأسباب الموت فادفعوا جميع أسبابه حتى لا تموتوا. وروي أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً. جميع ذلك بناء على أن القتل أمر مكروه يجب على العاقل أن يتحرز منه لو أمكنه، لكنا لا نسلم ذلك وهو المراد بقوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} والخطاب للرسول أو لكل أحد. ومن قرأ على الغيبة فالضمير للرسول. أو المراد لا يحسبن حاسب أو لا يحسبنهم أمواتاً. وضمير المفعول للذين قتلوا أي لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً. فحذف المفعول الأوّل لدلالة الكلام عليه، فكأنه مذكرو كما حذف المبتدأ في قوله: {بل أحياء} أي هم أحياء للدلالة. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهارالجنة وتأكل من ثمارها وتأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب فقال الله عز وجل أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآية "تفسير : وعن جابر بن عبد الله قال: حديث : نظر إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لي أراك مهتماً؟ قلت: يا رسول الله قتل أبي وترك ديناً وعيالاً. فقال: ألا أخبرك ما كلم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحاً. فقال: يا عبدي سلني أعطك. فقال: أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية. فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون. فقال: يا رب فأبلغ من روائي "تفسير : فنزلت. وقال جماعة من أهل التفسير: نزلت / الآية في شهداء بئر معونة. وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور تحسروا وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فنزلت الآية تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم أنهم أحياء متنعمون. واختلف العلماء في معنى هذه الحياة. فعن طائفة أنها على سبيل المجاز. وقال الأصم والبلخي: أريد بها الذكر الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبة. وروي أن عبد الملك بن مروان لما رأى الزهري وعلم فقهه وتحقيقه قال: ما مات من خلف مثلك. ومن هذه الطائفة من قال: مجاز هذه الحياة أن أجسادهم باقية في قبورهم وأنها لا تبلى تحت الأرض ألبتة. روي أنه لما أراد معاوية أن يجري العين إلى قبور الشهداء أمر بأن ينادي: من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع. قال جابر: فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان فأصاب المسحاة أصبع رجل منهم فقطرت دماً. ومن هؤلاء من قال: المراد أنهم لا يغسلون كما لا يغسل الأحياء وذهبت طائفة من متكلمي المعتزلة إلى أن المراد أنهم سيصيرون أحياء والغرض تعذيب منكري المعاد، وزيف بأنه عدول عن الظاهر، وبأن عذاب القبر ثابت. فالثواب أولى. وبأنه نهى عن حسبانهم أمواتاً والذي يزيل هذا الحسبان هو اعتقاد أنهم أحياء في الحال لا اعتقاد أنهم أحياء في قوم القيامة، فإن ذلك مما لا يشك النبي والمؤمنون فيه. وبما رويناه عن ابن عباس أن أرواحهم في أجواف طير. وبقوله: {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم} والاستبشار بمن يكون في الدنيا لا بد أن يكون قبل يوم القيامة. وذهب كثير من المحققين إلى أنهم أحياء في الحال لكن بحياة روحانية، وأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة. وذلك أن الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية، لأن أجزاء البدن في الذوبان والانحلال ويعرض لها السمن والهزال والقوّة والكلال، وكلنا يجد من نفسه أنه شيء واحد من أول عمره إلى آخره والباقي مغاير للمتبدل. ولأن الإنسان يكون عالماً بنفسه حالماً يكون غافلاً عن جميع أعضائه وأجزائه، والمعلوم مغاير لما ليس بمعلوم. ثم ذلك الشيء المغاير لهذا البدن المحسوس سواء كان جسماً مخصوصاً سارياً أو جوهراً مجرداً لا يبعد أن ينفصل بعد موت البدن حياً أو أماته الله فيعيده حياً, وبهذا يثبت عذاب القبر وثوابه وتزول الشبهات. ومن تأمل في الأمور الواردة عليه وجد أحوال النفس مضادة لأحوال البدن، ووجد قوة أحدهما مقتضية لضعف الآخر، كما أن البدن يضعف وقت النوم وتقوى النفس على مشاهدة المغيبات ونقوش عالم الأرواح، وإذا أعرضت النفس عن الطعام والشراب وأقبلت على مطالعة العالم العلوي زادت سروراً وابتهاجاً وفرحاً وارتياحاً، وانطبعت فيها الجلايا القدسية، وانكشفت لها المعارف الإلهية، وأكثر أرباب / الشرع على أنهم أحياء في الحال بحياة جسمانية. ثم منهم من قال: إنه تعالى يصعد أجسادهم إلى السموات وإلى قناديل تحت العرش ويوصل أنواع السعادات والكرامات إليها، ومنهم من قال: بل يتركها في الأرض ويحييها ويوصل هذه السعادات إليها. ومن الناس من طعن في هذه القول وقال: إن تجويز كون البدن الميت الملقى في التراب حياً متنعماً عاقلاً عارفاً نوع من السفسطة. والحق في هذه المسألة عندي خلاف ما يقوله أهل التناسخ من أن النفس بعد موت بدنها تقبل على بدن آخر وتعرض عن الأوّل بالكلية، وخلاف ما يقوله الفلاسفة من أن النفس تنقطع علاقتها عن البدن مطلقاً وإنما تلتذ أو تتألم هي بما اكتسبت من المعارف الحقة والأخلاق الفاضلة أو بالعقائد الباطلة والملكات الذميمة. والذي أقوله: إن النفس تبقى لها علاقة مع بدنها لا بالتحريك واكتساب الأعمال، ولكن بالتلذذ والتألم والتعقل ونحوها. وليس ببدع أن يتغير التعلق بحسب تغير الأطوار كما كان يتغير في مدّة العمر بحسب الأسنان والأمزجة. والتحقيق فيه أن النفس في هذا العالم جعلت متصرفة في البدن لأجل اكتساب الأعمال والملكات، وأنه يفتقر إلى تحريك الأعضاء وأعمال الجوارح والآلات، وبعد الموت تجعل متصرفة فيه من جهة الجزاء والحساب، فكيف ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر؟ فلعله يكفي بعد الموت أن يكون له علاقة التلذذ والتألم والإدراك فقط إلى أن تقوم القيامة الكبرى. وهذا القدر لا ينافي كون البدن مشاهداً في القبر من غير تحرك ولا إحساس ونطق، ويؤيده ما روي حديث : أنه صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر وقال: يافلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني الله حقاً. فقال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ شيئاًتفسير : . وفي حديث عذاب القبر "حديث : إنه ليسمع قرع نعالهم " تفسير : ولعل السر في أنه اكتفى بهذا القدر من التصرف أنه إن كان أكثر من ذلك كما سيكون في القيامة الكبرى نافى تكليف سائر الأحياء وأفضى الأمر إلى الإلجاء وهو السر في آخر حديث عذاب القبر "حديث : فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين"تفسير : وأما الشهداء فلا يبعد أن يجازيهم الله تعالى بمزيد التلذذ بنعيم الآخرة كما قتلوا تعجيلاً للثواب. وكما عجلوا الانقطاع عن طيبات الدنيا ومشتهياتها فإن جزاء كل طائفة ينبغي أن يناسب عملهم. فافهم / هذه الأسرار فإنها علق مضنة وبه ثبت جميع ما ورد في الشريعة الحقة والله أعلم. ومعنى {عند ربهم} أنهم مقربون ذوو كرامة كقوله: {أية : فالذين عند ربك} تفسير : [فصلت:38] أو المراد بحيث لا يملك أحد جزاءهم سوى ربهم، أو المراد في علمه وحكمه كما يقال: "هذه المسألة عند الشافعي كذا". يرزقون كما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون وهو تأكيد لكونهم أحياء ووصف لحالهم التي هم عليها التنعم برزق الله كما ورد في الحديث. {فرحين بما آتاهم الله من فضله} وهو توفيق الشهادة وما خصصهم به من التفضيل على غيرهم من قبل تعجيل رزق الجنة ونعيمها. وقال المتكلمون: الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم. فقوله: {يرزقون} إشارة إلى المنفعة وقوله: {فرحين} إشارة إلى الابتهاج الحاصل بسبب التعظيم. بلسان الحكماء {يرزقون} إشارة إلى كون ذواتهم مشرقة بالمعارف الإلهية و {فرحين} رمز إلى ابتهاجها بالنظر إلى ينبوع النور ومصدر الكمال، و {يستبشرون بالذين} بإخوانهم من المجاهدين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم. والاستبشار السرور الحاصل بالبشارة. ومعنى {من خلفهم} أنهم بقوا بعدهم. وقيل لم يحلقوا بهم أي لم يدركوا فضلهم ومنزلتهم {ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون} بدل الاشتمال من "الذين". وذلك أن الله يبشرهم بأن من تركوا خلفهم من المؤمنين يبعثون امنين يوم القيامة، فهم مستبشرون بأنه لا خوف عليهم, وإنما بشرهم الله بذلك لأنهم لما فارقوا الدنيا بغتة كان ذلك مظنة أن يكون لهم نوع تعلق بأحوال إخوانهم وهو شبه تألم، فأكرمهم الله تعالى بإزالة ذلك التعلق بأن أعلمهم أمن إخوانهم من عذاب الله فحصل لهم سروران: من قبل حالهم في أنفسهم وذلك قوله: {فرحين بما آتاهم الله من فضله} ومن قبل حال إخوانهم وأعزتهم وذلك قوله {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم} ثم كرر هذا المعنى لمزيد التأكد فقال: {يستبشرون بنعمة من الله} وهي الثواب. وفضل وهو التفضل الزائد وهذا هو سرورهم بسعادة أنفسهم. {وأن الله} أي وبأن الله {لا يضيع أجر المؤمنين} وهذا سرورهم بسعادة إخوانهم المؤمنين. ثم إنه تعالى مدح المؤمنين بغزوتين متصلتين بغزوة أحد تعرف أولاهما بغزوة حمراء الأسد، والثانية بغزوة بدر الصغرى. أما الأولى فما روي أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا من أحد فبلغوا الروحاء ندموا وقالوا: إنا قتلنا أكثرهم ولم يبقَ منهم إلاّ القليل. فلم تركناهم؟ فهموا بالرجوع فبلغ ذلك رسول الله، فأراد أن يرهب الكفار ويريهم من نفسه ومن أصحابه قوّتهم فندب أصحابه إلى الخروج في طلب أبي سفيان وقال: لا أريد الآن أن يخرج معي إلا من حضر يومنا بالأمس. فخرج في سبعين من الصحابة حتى بلغوا حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فألقى الله الرعب في قلوب / المشركين وانهزموا. فنزلت {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا} بإتيان جميع المأمورات {واتقوا} بالانتهاء عن المحظورات {وأحسنوا} في طاعة الرسول واتقوا مخالفته وإن بلغ الأمر بهم إلى الجراحات. روي أنه كان فيهم من يحمل صاحبه على عنقه ساعة. ثم كان المحمول يحمل الحامل ساعة أخرى، وكان فيهم من يتوكأ على صاحبه ساعة ويتوكأ عليه صاحبه ساعة. و "من" في قوله: {للذين أحسنوا منهم} للتبيين لأن الذين استجابوا لله والرسول قد أحسنوا كلهم واتقوا لا بعضهم. وقال أبو بكر الأصم: نزلت في يوم أحد لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم بالناس بعد الهزيمة فشد بهم على المشركين حتى كشفهم، وكانوا قد هموا بالمثلة فدفعهم عنهم بعد أن مثلوا بحمزة، فصلى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ودفنهم بدمائهم. وذكروا حديث : أن صفية جاءت لتنظر إلى أخيها حمزة فقال صلى الله عليه وسلم للزبير: ردّها لئلا تجزع من مثلة أخيها. فقالت: قد بلغني ما فعل به وذلك يسير في جنب طاعة الله تعالى. فقال للزبير: فدعها تنظر إليه، فقالت خيراً واستغفرت له. وجاءت امرأة أخرى قد قتل زوجها وأبوها وأخوها وابنها، فلما رأت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو حي قالت: إن كل مصيبة بعدك هدر. تفسير : وأما الثانية فروى ابن عباس حديث : أن أبا سفيان لما عزم أن ينصرف من المدينة إلى مكة نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر الصغرى القابل فنقتتل بها إن شئت. فقال صلى الله عليه وسلم لعمر: قل بيننا وبينك ذاك إن شاء الله. فلما حضر الأجل خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل مرّ الظهران، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال: يا نعيم إني واعدت محمداً أن نلتقي بموسم بدر، وإن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن أرجع. ولكن إن خرج محمد ولم أخرج زاده ذلك جرأة فألحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل. فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم وقراركم فقتلوا أكثركم، فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد، فوقع هذا الكلام في قلوب قوم منهم. فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لأخرجنّ إليهم وحدي. فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، إلى أن وصلوا إلى بدر الصغرى وهي ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم يجتمعون فيها كل عام ثمانية أيام. فلم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحداً من المشركين. وكانت معهم تجارت ونفقات فوافوا السوق وباعوا ما معهم واشتروا بها أدماً وزبيباً وربحوا وأصابوا بالدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. ورجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق وأنزل الله في المؤمنين {الذي قال لهم الناس}تفسير : يعني نعيم بن مسعود كما ذكرناه. وإنما عبر / عن الإنسان الواحد بالناس لأنه من جنس الناس كما يقال: فلان يركب الخيل وما له إلا فرس واحد. ولأن الواحد إذا قال قولاً وله أتباع يقولون مثل قوله ويرضون به، حسن إضافة ذلك الفعل إلى الكل كقوله تعالى: {أية : وإذا قتلتم نفساً} تفسير : [البقرة:72] وحين قال نعيم ذلك القول لم يخل من ناس من أهل المدينة يضامّونه ويصلون جناح كلامه، وقال ابن عباس ومحمد بن إسحق: حديث : مر ركب من عبد القيس بأبي سفيان فدسهم إلى المسلمين ليخوفوهم وضمن لهم عليه جعلاً - حمل بعير من زبيب -تفسير : . وقال السدي: هم منافقو المدينة كانوا يثبطون المسلمين عند الخروج ويقولون: إن الناس قد جمعوا لكم يعني أبا سفيان وأصحابه. والمفعول محذوف أي جمعوا لكم الجموع. والعرب تسمي الجيش جمعاً. {فاخشوهم فزادهم} قول نعيم أو قول المثبطين {إيماناً} لأنهم لم يسمعوا قولهم وأخلصوا عنده النية والعزم على الجهاد، وأظهروا حمية الإسلام فكان ذلك أثبت ليقينهم وأقوى بحسب زيادتها ونقصانها. وأما من قال: الإيمان عبارة عن نفس التصديق فتأويله أن الزيادة وقعت في ثمرات الإيمان، ولكنها جعلت في الإيمان مجازاً. وقد مر تحقيق الكلام لنا في هذا المعنى في أوائل الكتاب. وكما أنهم أضمروا ذلك بحسب الاعتقاد وافقوا الخليل عليه السلام حين ألقي في النار فأظهروه باللسان وقالوا: حسبنا الله. وقد مر إعراب مثله في البقرة في قوله: {أية : فحسبه جهنم} تفسير : [البقرة:206] {ونعم الوكيل} الكافي أو الكافل أو الموكول إليه هو. ثم عملوا بما اعتقدوه وقالوا فخرجوا {فانقلبوا بنعمة من الله} وهي العافية {وفضل} وهو الربح بالتجارة، أو النعمة منافع الدنيا والفضل ثواب الآخرة {لم يمسسهم سوء} لم يصبهم قتل ولا جراح وصفهم بأنه حصل لهم الملائم ولم يحصل لهم المنافي وهذه غاية المطلب ونهاية الأماني، وإن ذلك ثمرة الإخلاص والتوكل على الله سبحانه وتعالى. ثم روي أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟ فقال تعالى: {واتبعوا رضوان الله} ليعلموا أن لهم ثواب المجاهدين حيث قضوا ما عليهم. ثم قال: {والله ذو فضل عظيم} تنبيهاً على أن السبب الكلي في ثواب المطيعين هو فضل ربهم ورحمته عليهم ولم ينج أحداً عمله إلا أن يتغمده الله برحمته، فعلى المؤمن أن لا يثق إلا بالله ولا يخاف أحداً إلا إياه وذلك قوله: {إنما ذلكم} المثبط هو {الشيطان} لعتوّه وتمرده وإعوائه، ثم بين شيطنته بقوله: {يخوّف أولياءه} أو الشيطان صفة اسم الإشارة، وهذه الجملة خبر والمعفول الأوّل محذوف أي يخوّفكم أولياءه {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} فإن الإيمان يقتضي أن تؤثروا خوف الله على خوف الناس الذين هم أولياء المثبطين. والأولياء هم أبو سفيان وأصحابه. وقيل: الشيطان هو إبليس. وقيل: المضاف محذوف والتقدير إنما / ذلكم قول الشيطان. وقيل: يخوّف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا فالضمير في {فلا تخافوهم} للناس في قوله: {إن الناس قد جمعوا لكم} وقيل: التقدير يخوّفكم بأوليائه كقوله: {أية : ويخوّفونك بالذين من دونه} تفسير : [الزمر:36] فحذف حرف الجر قاله الفراء والزجاج وأبو علي، وزيفه ابن الأنباري بأن التخويف قد يتعدى بنفسه إلى مفعولين فلا ضرورة إلى إضمار حرف الجر. الله حسبي. التأويل: قد ذكرنا أن النفس يبقى لها نوع تعلق ببدنها. فالآن نقول: إن روح الشهيد مخصوص بمزيد تعلق ببدنه جزاء له على تعجيب إذاقة مرارة الفراق عن الدنيا، ولهذا لا تبلى أجساد كثير منهم وتبقى غضة طرية وكأنهم هم الشهداء في الحقيقة، وهكذا أجساد الكاملين من النبيين و الصديقين الذين قتلوا أنفسهم بسيوف الرياضات، ومطارف الأذكار، وأسنة ألسنة الطاعنين، وتجرع سموم مخالفات النفس، ومكايدة الشيطان حتى ماتوا بالإرادة وحيوا بالطبيعة. وليس كل تعلق بهذا العالم سبباً للتألم بل بعضه سبب اللذة والابتهاج {أية : يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين} تفسير : [يس:26-27] وكما ورد في حديث الشهداء " حديث : من يبلغ إخواننا عنا إنا في الجنة" تفسير : والذي جاء فيه " حديث : إن أرواحهم في أجواف طير خضر" تفسير : فلعل ذلك جزاء لهم على خروج الدم والأبخرة اللطيفة منهم ظلماً. فمن الممكن أن يخلق الله تعالى من ذلك جسماً لطيفاً شبه طائر، ويكون لروح الشهيد به مزيد تعلق حتى تحركه ويطير حيث شاء من السماء والأرض وإلى الجنة بإذن الله تعالى. وأما كون الطيرخضراً فإما لأن بدن الميت يميل إلى الخضرة، وإما أن يكون عبارة عن النضرة {أية : تعرف في وجوههم نضرة النعيم} تفسير : [المطففين:24] وإما لأن حالهم بالنسبة إلى ما سيؤل إليه أهل الجنة والنار يوم القيامة كالمتوسط بين الحالين الذين يعبر عنهما بالبياض والسواد في قوله: {أية : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} تفسير : [آل عمران:106] وهذه المعاني ما وجدتها في كتب التفسير والتأويل، وأرجو أن أكون مصيباً فيها الغرض والله تعالى ورسوله أعلم بمرادهما.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}، قرأ ابنُ كَثِيرٍ، وأبو عَمْرٍو، وعاصم: «أَنْ يَغُلَّ»؛ بفتح الياء، وضم الغين، وقرأ باقي السبعة: «أَنْ يُغَلَّ»؛ بضم الياء، وفتح الغين، واللفظةُ بمعنى الخِيَانة في خَفَاءِ، تقولُ العربُ: أَغَلَّ الرَّجُلُ يُغِلُّ إغْلاَلاً، إذا خان، واختلفَ عَلَى القراءة الأولَىٰ، فقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: نزلَتْ بسبب قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ من المغانمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فقال بعضُ النَّاس: لعلَّ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا، فقيلَ: كانت هذه المَقَالَةُ مِنْ مؤمِنٍ لم يَظُنَّ في ذلك حَرَجاً. وقيل: كانَتْ من منافِقين، وقد رُوِيَ أن المفقود إنما كَانَ سَيْفاً، قال النَّقَّاش: ويقال: إنما نزلَتْ؛ لأن الرماة قالوا يوم أُحُدٍ: الغنيمةَ الغنيمةَ، فإنا نخشَىٰ أنْ يَقُولَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَخَذ شيئاً، فهو له، وقال ابْنُ إسحاق: الآية إنما أنزلَتْ، إعلاماً بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يكتم شيئاً مما أُمِرَ بتبليغه. وأمَّا على القراءة الثانيةِ، فمعناها عند الجمهور، أي: ليس لأحدٍ أنْ يغل النبيَّ، أيْ: يخونه في الغنيمة؛ لأنَّ المعاصِيَ تَعْظُمُ بحَضْرته؛ لتعيين توقيره. قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه»: وهذا القولُ هو الصحيحُ، وذلك أنَّ قوماً غَلُّوا من الغنائمِ، أو هَمُّوا، فأنزل اللَّه تعالَى الآية، فنهاهُمُ اللَّه عن ذلك، رواه الترمذيُّ. انتهى. وقوله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ...} الآية: وعيدٌ لِمَنْ يغل من الغنيمة، أو في زكاته بالفَضِيحَة يَوْمَ القيامة علَىٰ رءوس الأَشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته»: قال علماؤنا (رحمهم اللَّه) في قوله تعالَىٰ: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ}: إنَّ ذلك عَلَى الحقيقةِ؛ كما بيَّنه صلى الله عليه وسلم، أي: يأتي به حاملاً له علَىٰ ظهره ورقبته، معذَّباً بحمله وثِقَلِهِ، ومروَّعاً بصوته، وموبَّخاً بإظهار خيانته. انتهى. وفي الحديثِ عَنْه صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: «حديث : أَدُّوا الْخَائِطَ وَالمَخِيطَ؛ فَإنَّ الغُلُولَ عَارٌ ونَارٌ وشَنَارٌ عَلَىٰ أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»تفسير : رواه مالكٌ في «الموطَّأ»، قال أبو عُمَرَ في «التمهيد»: الشَّنَار: لَفْظَةٌ جامعةٌ لمعنَى العَارِ وَالنَّارِ، ومعناها الشَّيْن، والنَّار؛ يريد أن الغلول شَيْنٌ وعارٌ ومنْقَصَة في الدُّنْيا، وعذابٌ في الآخرة. انتهى، وفي الباب أحاديثُ صحيحةٌ في الغُلُولِ، وفي مَنْعِ الزكاة. وقوله سبحانه: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ}، أي: الطاعة الكفيلة بِرضْوَان اللَّه. قال * ص *: «أَفَمَنْ»: ٱستفهامٌ، معناه: النَّفْيُ، أي: ليس مَنِ ٱتبعَ مَا يَئُولُ به إلَىٰ رِضَا اللَّه تعالَىٰ عَنْه؛ فباء برضَاه، كَمَنْ لم يَتَّبِعْ ذلك؛ فباء بسَخَطه. انتهى. وقوله سبحانه: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ} قال ابنُ إسحاق وغيره: المراد بذلك الجَمْعَانِ المذكورانِ؛ أهل الرِّضْوان، وأصحاب السَّخَط، أيْ: لكلِّ صِنْفٍ منهم تَبَايُنٌ في نفسه في منازل الجنة، وفي أطباق النَّار أيضاً، وقال مجاهدٌ والسُّدِّيُّ ما ظاهره: أن المراد بقوله: «هم»، إنما هو لمتبعي الرضْوان، أي: لهم درجاتٌ كريمةٌ عند ربهم، وفي الكلامِ حذفٌ، تقديره: هُمْ ذَوْو دَرَجَاتٍ، والدرجاتُ: المنازلُ بعضها أعلى من بعض في المَسَافة، أو في التكرمة، أو في العذاب، وباقي الآيةِ وعْدٌ ووعيدٌ.

ابن عادل

تفسير : {أَنْ يَغُلَّ} في محل رفع، اسم كان و "لنبيّ" خبرٌ مقدَّمٌ، أي: ما كان له غلول أو إغلال على حسب القراءتينِ. وقرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، وعاصم، بفتح الياء وضم الغين - من غل - مبنياً للفاعل، ومعناه: أنه لا يصح أن يقع من النبي غلول؛ لتنافيهما، فلا يجوز أن يتوهَّمَ ذلك فيه ألبتة. وقرأ الباقون "يُغَلَّ" مبنياً للمفعول، وهذه القراءة فيها احتمالانِ: أحدهما: أن يكون من "غَلَّ" ثلاثياً، والمعنى: ما صح لنبيٍّ أن يخونه غيره ويَغُلَّهُ، فهو نفيٌ في معنى النهي، أي: لا يَغُلَّهُ أحدٌ. ثانيهما: أن يكون من "أغَلَّ" رباعياً، وفيها وجهانِ: أحدهما: أن يكون من "أغَلَّهُ" أي: نسبه إلى الغُلُولِ، كقولهم: أكذبته - إذا نسبته إلى الكذب - وهذا في المعنى كالذي قبله، أي: نفي في معنى النهي، أي: لا يَنْسبه أحدٌ إلى الغلولِ. قال ابن قتيبة: ولو كان المرادُ هذا المعنى لقيل: يُغَلَّلُ كما يقال: يُفَسَّق، ويُخَوَّن، ويُفَجَّر، والأولى أن يقال: إنه من "أغللته" أي: وجدته غالاً، كما يقال: "أبخَلْتُهُ". الثاني: أن يكون من "أغلَّهُ" أي: وَجَدهُ غالاًّ، كقولهم: أحْمدتُّ الرَّجُلَ وأبخَلْتُهُ، أي: وجَدتهُ محموداً وبخيلاً. والظاهر أن قراءة "يَغُلَّ" بالبناء للفاعل - لا يُقَدَّر فيها مفعول محذوف؛ لأن الغرض نفي هذه الصفةِ عن النبيِّ من غير نظر إلى تعلق بمفعول، كقولك: وهو يُعْطِي ويمنع - تريد إثبات هاتين الصفتين، وقدر له أبو البقاء مفعولاً، فقال: تقديره أن يغل المال أو الغنيمة. واختار أبو عبيدة والفارسي قراءة البناء للفاعل قالا: لأن الفعل الوارد بعد "ما كان لكذا أن يفعل" أكثر ما يجيء منسوباً إلى الفاعل نحو: {أية : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} تفسير : [آل عمران: 145]، {أية : مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ} تفسير : [آل عمران: 179] و {أية : مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ} تفسير : [يوسف: 38] {أية : مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ} تفسير : [يوسف: 76] {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً} تفسير : [التوبة: 115] {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ٱلْغَيْبِ} تفسير : [آل عمران: 179] ويقال: ما كان ليضرب، فوجب إلحاق هذه الآية بالأعم الأغلب ويأكده ما حكى أبو عبيدة عن يونس أنه كان يختار هذه القراءة، وقال: ليس في الكلام ما كان لكَ أن تُقرب - بضم التاء، وأيضاً فهذه القرءة اختيار ابن عباسٍ، فقيل له: إن ابن مسعودٍ يقرأ: يُغل فقال ابنُ عباس: كان النبيُّ يقصدون قتله فكيف لا ينسبونه إلى الخيانة. قال شهاب الدين: ورجحها بعضهم بقوله: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ} فهذا يوافق هذه القراءة. ولا حجة في ذلك؛ لأنها موافقة للأخرى. و "الغلول" في الأصل تدرع الخيانة وتوسطها و "الغلل" تَدْرُّع الشيء وتوسطه، ومنه "الغلل" للماء الجاري بين الشجر. والغِلُّ الحقد؛ لكمونه في الصدر، وتغلغل في كذا إذا دخل فيه وتوسطه، قال: [الوافر] شعر : 1684- تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْ سَرَابٌ وَلاَ حُزْنٌ وَلَمْ يَبْلُغْ سُرُورُ تفسير : قيل: تَغَلْغَلَ الشيء إذا تخلل بخفية. قال: [الوافر] شعر : 1685- تَغَلْغَلَ حُبُّ مَيَّةَ فِي فُؤادِي تفسير : والغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب، والغلول الذي هو الأخذُ في خفية مأخوذةٌ من هذا المعنى. ومنه: أغل الجازر - إذا سرق، وترك في الإهاب شيئاً من اللحم. وفرَّقت العرب بين الأفعال والمصادر، فقالوا: غَلَّ يَغَلُّ غلولاً - بالضم في المصدر والمضارع - إذا خان. وغَلَّ يَغِلُّ غِلاًّ - بالكسر فيهما - الحقد قال تعالى: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} تفسير : [الأعراف: 43] أي: حِقْد. قال القرطبيُّ: "والغالّ: أرض مطمئنة، ذات شجرٍ، ومنابت الساج والطلح، يقال لها: غال. والغال: - أيضاً: نبت، والجمع: غُلاَّن - بالضم". فصل اختلفوا في أسباب النزولِ: حديث : فرُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم غنم في بعض الغزوات، وجمع الغنائم، وتأخرت القسمةُ؛ لبعض الموانع، وقالوا: ألا تقسم غنائمنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم:لَوْ كَانَ لَكُمْ مِثْلُ أحُدٍ ذَهَباً مَا حَبَسْتُ عَنْكُمْ دِرْهَماً، أَتَحْسَبُونَ أنِّي أغُلُّكُمْ مَغْنَمَكُم تفسير : فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: الآية نزلت في أداء الوحي، كان صلى الله يقرأ القرآن، وفيه عَيْبُ دينهم وسَبُّ آلهتهم، فسألوه أن يترك ذلك، فنزلت. وروى عكرمة وسعيد بن جبير: أن الآية نزلت في قطيفة حمراء، فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت الآية. ورُوِيَ - من طريق آخرَ - عن ابن عباسٍ: أن أشراف الناس طمعوا أن يخصهم النبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم بشيء زائد، فنزلت الآية. ورُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم بعث طلائع، فغنموا غنائم، فقسمها ولم يُقسَّم للطلائع، فنزلت الآيةُ. وقال الكلبيُّ ومقاتل: حديث : نزلت هذه الآيةُ في غنائم أحدٍ، حين ترك الرُّماة المركز؛ طلباً للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ أخذ شيئاً فهو له، وأن لا يقسم الغنائم - كما لم يقسِّمْها يوم بدرٍ - فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ألم أقل لكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟ قالوا: تركنا بقية إخوانِنا وقوفاً، فقال صلى الله عليه وسلم: بل ظننتم أن نَغُلَّ، فلا نقسمتفسير : فنزلت الآية. وقيل: إن الأقرباء ألحُّوا عليه يسألونه من المَغْنَم، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} فيُعْطي قوماً، ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بينهم بالسَّوِيَّةِ. هذه الأقوال موافقة للقراءة الأولى. وأما ما يوافق القراءة الثانية فرُوِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقعت غنائمُ هوازن في يده يوم حُنَيْن، غَلَّ رَجُلٌ بمخيط، فنزلت هذه الآيةُ. وقال قتادة: ذكر لنا أنها نزلت في طائفة غلت من أصحابه. قوله: {وَمَن يَغْلُلْ} الظاهر أن هذه الجملة الشرطية مستأنفةٌ لا محل لها من الإعرابِ، وإنما هي للردع عن الإغلالِ، وزعم أبو البقاء أنها يجوز أن تكون حالاً، ويكون التقدير: في حال علم الغالِّ بعقوبة الغلول. وهذا - وإن كان محتملاً - بعيدٌ. و "ما" موصولة بمعنى الذي، فالعائد محذوف أي: غَلَّه، ويدل على ذلك الحديث، أنّ أحدهم يأتي بالشيء الذي أخذه على رقبته. ويجوز أن تكون مصدرية، ويكون على حذف مضاف، أي: بإثم غُلوله. فصل قال أكثر المفسّرينَ: إن هذه الآية على ظاهرها، قالوا: وهو نظير قوله في مانع الزكاة: {أية : يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} تفسير : [التوبة: 35] ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكُمْ يَجِيء يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أو شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، فَيُنَادِي يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فأقُولَ: لاَ أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً، قَدْ بَلَّغْتُكَ ". تفسير : وعن ابن عباس أنه قال: يمثِّلُ له ذلك الشيء في قَعْرِ جهنمَ، ثم يقال له: أنزل إليه فخُذْه، فينزل إليه، فإذا انتهى إليه حمله على ظهره، فلا يُقْبل منه. قال المحققونَ: وفائدته أنه إذا جاء يوم القيامةِ، وعلى رقبته ذلك الغلول ازدادت فضيحتُه. وقال أبو مسلم: ليس المقصودُ من الآية ظاهرَها، بل المقصود تشديدُ الوعيدِ على سبيل التمثيلِ، كقوله تعالى: {أية : إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 16] فإنه ليس المقصود نفس هذا الظاهرِ، بل المقصود إثبات أن اللَّهَ لا يغرب عن علمه وعن حفظه مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ، ولا في السماءِ، فكذا هنا المقصود تشديدُ الوعيد، والمعنى: أن الله يحفظ عليه هذا الغلول، ويعزره عليه يوم القيامة ويجازيه؛ لأنه لا تخفى عليه خافية. وقال الكعبيُّ: المرادُ أنه يشتهر بذلك مثل اشتهار من يحمل ذلك الشيء. قال ابن الخطيبِ: والأول أولى؛ لأنه حمل الكلام على حقيقته. وقيل: معنى: {يَأْتِ بِمَا غَلَّ} أي: يشهد عليه يومَ القيامةِ بتلك الخيانةِ والغلولِ. فصل قال القرطبيُّ: دلَّتْ هذه الآية على أن الغلولَ من الغنيمة كبيرةٌ من الكبائرِ، ويؤيده ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم: - في مدعم -: "حديث : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أخذَ يَوْمَ خَيْبَرِ مِنَ الْمَغَانِمِ ولم تُصِبْهَا المَقَاسِمُ - لتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَاراً"تفسير : . فلما سمع الناسُ ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : شَرِاكٌ أو شَرِاكَانِ مِنْ نَارٍ" تفسير : وامتناعه من الصلاة على مَنْ غَلَّ دليلٌ على تعظيم الغلولِ، وتعظيم الذنب فيه، وأنه من الكبائر، وهو من حقوق الآدميين، ولا بُدَّ فيه من القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : شَرِاكٌ أو شَرِاكَانِ مِنْ نَارٍ" تفسير : مثل قوله: "حديث : أدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمَخِيطَ" تفسير : وهذا يدل على أن القليلَ والكثير لا يحلّ أخذهُ في الغَزْو قبل المقاسم، إلا ما أجمعوا عليه من أكل المطاعم في أرض الغزو والاحتطابِ والاصطيادِ. فصل قال القرطبيُّ: أجمع العلماءُ على أنه يجب على الغالِّ أن يرد ما غله إلى صاحب المقاسم قبل أن ينصرف الناسُ - إذا أمكنه - فذلك توبته. واختلفوا فيما يُفْعَل به إذا افترق أهلُ العسكر ولم يصل إليه، فقال جماعة من أهل العلمِ: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي - وكذا كل مال لا يعرف صاحبه فإنه يُتَصدق به - وقال الشافعيُّ: ليس له الصدقة بمال غيره. فصل اختلفوا هل يعاقب الغالّ بإحراق متاعه؟ قال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفة وأصحابهم والليث: لا يحرق متاعه. وقال الشافعيُّ: إن كان عالماً بالنهي عوقب. وقال الأوزاعيُّ: يُحْرَق متاع الغال كلُّه إلا سلاحه وثيابَه التي عليه وسرجه، ولا يُنْزَع منه دابتُه، ولا يُحْرَقُ الشيءُ الذي غَلَّ، وهذا قول أحمد وإسحاق، وقال الحسن: إلا أن يكون حيواناً أو مصحفاً. فصل في العقوبة بالمال، قال مالك - في الذَّمِّيّ الذي يبيع الخمرَ من المُسْلِمِ - يراق الخمر على المُسْلِمِ، ويُنْزَع الثمن من الذميّ؛ عقوبةً له؛ لئلا يبيعَ الخمر بين المسلمين، وقد أراق عمر - رضي الله عنه - لبناً شِيبَ بِماء. فصل من الغلول هدايا العمال؛ "حديث : لقوله صلى الله عليه وسلم للذي أهْدِيَ إليْه، وكان بعثه على الصدقة، فأهْدِيَ إليه فقال: هذا لكم، وهذا أهْدِيَ إليَّ فقال عليه السلام: مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فَيَجِيءُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، هَذَا لَكُمْ، وهَذَا أهْدِيَ إليَّ، ألاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أمِّهِ وَأبِيهِ، فَيَنْظُرَ أيُهْدَى إلِيْهِ أَمْ لاَ ". تفسير : فصل ومن الغلول - أيضاً - حَبْس الكتبِ عن أصحابها، وما في معناها. قال الزهريُّ: إياك وغلول الكتبِ، فقيل له: وما غلول الكتب؟ قال حبسها عن أصحابها. وقد قيل - في تأويل قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي: يكتم شيئاً من الوحي؛ رغبةً، أو رهبةً، أو مُدَاهَنَةً. قوله: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ} هذه الجملة معطوفة على الجملة الشرطية، وفيها إعلامٌ أن الغالَّ وغيره من جميع الكاسبين لا بد وأن يُجَازوا، فيندرج الغالُّ تحت هذا العموم - أيضاً - فكأنه ذُكِر مرتَيْن. قال الزمخشريُّ: فإن قلتَ: هَلاَّ قِيلَ: ثم يُوَفَّى ما كسب؛ ليتصل به؟ قلت: جيء بعامٍّ دخل تحته كلُّ كاسب من الغالِّ وغيره، فاتصل به من حيث المعنى، وهو أثبتُ وأبلغ. فصل تمسك المعتزلة بهذا في إثبات كون العبد فاعلاً، وفي إثبات وعيد الفساق. أما الأول: فلأنه - تعالى - أثبت الجزاء على كسبه، فلو كان كسبه خَلْقاً لله لكان الله تعالى يجازيه على ما خلقه فيه. وأما الثاني: فلأنه - تعالى - قال - في القاتل المتعمد -: {أية : فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} تفسير : [النساء: 93] وأثبت في هذه الآية أن كلَّ عاملٍ يصل إليه جزاؤه، فيحصل - من مجموع الآيتين - القطع بوعيد الفساق. والجواب عن الأول: المعارضة بالعلم، وعن الثاني: أن هذا العموم مخصوص في صورة التوبةِ فكذلك يجب أن يكون مخصوصاً في صورة العفو، للدلائل الدالة على العفو. ثم قال تعالى: {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}.

السيوطي

تفسير : وأخرج أبو داود وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم من طريق مقسم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية {وما كان لنبي أن يغل} في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها. فأنزل الله {وما كان لنبي أن يغل}. وأخرج ابن جرير عن الأعمش قال: كان ابن مسعود يقرأ {ما كان لنبي أن يغل} فقال ابن عباس: بلى. ويقتل، إنما كانت في قطيفة قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم غلها يوم بدر. فأنزل الله {وما كان لنبي أن يغل}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: نزلت هذه الآية {وما كان لنبي أن يغل} في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من الغنيمة. وأخرج الطبراني بسند جيد عن ابن عباس قال "بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشاً فردت رايته، ثم بعث فردت بغلول رأس غزالة من ذهب. فنزلت {وما كان لنبي أن يغل}". وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس {وما كان لنبي أن يغل} قال: ما كان لنبي أن يتهمه أصحابه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن ابن عباس قال: فقدت قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين فقال بعض الناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها. فأنزل الله {وما كان لنبي أن يغل} قال: خصيف فقلت لسعيد بن جبير {ما كان لنبي أن يغل} يقول: ليخان قال: بل يغل، فقد كان النبي والله يغل ويقتل أيضاً. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان يقرأ {وما كان لنبي أن يغل} بنصب الياء ورفع الغين. وأخرج عبد بن حميد عن أبي الرحمن السلمي وأبي رجاء ومجاهد وعكرمة. مثله. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ {وما كان لنبي أن يغل} بفتح الياء وأخرج ابن منيع في مسنده عن أبي عبد الرحمن قال: قلت لابن عباس إن ابن مسعود يقرأ {وما كان لنبي أن يغل} يعني بفتح الغين فقال لي: قد كان له أن يغل وأن يقتل، إنما هي {أن يغل} يعني بضم الغين. ما كان الله ليجعل نبياً غالاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وما كان لنبي أن يغل} قال: أن يقسم لطائفة من المسلمين ويترك طائفة ويجور في القسمة، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله يقول: ما كان الله ليجعل نبياً يغل من أصحابه فإذا فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم استسنوا به. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير من طريق سلمة بن نبيط عن الضحاك قال "بعث النبي صلى الله عليه وسلم طلائع، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئاً، فلما قدمت الطلائع قالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا؟ فأنزل الله {وما كان لنبي أن يغل}". وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {وما كان لنبي أن يغل} قال: أن يقسم لطائفة ولا يقسم لطائفة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد {وما كان لنبي أن يغل} قال أن يخون. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن أنه قرأ {وما كان لنبي أن يغل} بنصب الغين قال: أن يخان. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة والربيع {وما كان لنبي أن يغل} يقول: ما كان لنبي أن يغله أصحابه الذين معه. وذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وقد غل طوائف من أصحابه. وأخرج الطبراني والخطيب في تاريخه عن مجاهد قال: كان ابن عباس ينكر على من يقرأ {وما كان لنبي أن يغل} ويقول: كيف لا يكون له أن يغل وقد كان له أن يقتل؟ قال الله {أية : ويقتلون الأنبياء بغير حق}تفسير : [البقرة: 61] ولكن المنافقين اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من الغنيمة، فأنزل الله {وما كان لنبي أن يغل}. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن زيد بن خالد الجهني. حديث : أن رجلاً توفي يوم حنين فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صلوا عليه. فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين . تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن عبدالله بن عمر قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة فقال: أسمعت بلالاً ثلاثاً؟ قال: نعم. قال: فما منعك أن تجيء به؟ قال: يا رسول الله أعتذر. قال: كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن صالح بن محمد بن زائدة قال: دخل مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غل فسأل سالماً عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه، واضربوه. قال فوجدنا في متاعه مصحفاً، فسئل سالم عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبدالله بن شقيق قال "أخبرني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وجاءه رجل فقال: استشهد مولاك فلان. قال: بل هو الآن يُجَرُّ إلى النار في عباءة غلَّ بها الله ورسوله". وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر قال "حديث : كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو في النار. فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه عباءة قد غلها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك قال "حديث : قيل يا رسول الله استشهد مولاك فلان قال: كلا. إني رأيت عليه عباءه قد غلها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال "حديث : أهدى رفاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً فخرج به معه إلى خيبر، فنزل بين العصر والمغرب، فأتى الغلام سهم غائر فقتله. فقلنا هنيئاً لك الجنة فقال: والذي نفسي بيده إن شملته لُتحْرَقَ عليه الآن في النار، غلها من المسلمين. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أصبت يومئذ شراكين فقال: يقدمنك مثلها من نار جهنم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن سالم قال: كان أصحابنا يقولون: عقوبة صاحب الغلول، أن يحرق فسطاطه ومتاعه. وأخرج الطبراني عن كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا إسلال ولا غلول {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} " تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه عن معاذ بن جبل قال "حديث : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت فقال: أتدري لمَ بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} لهذا دعوتك، فامضِ لذلك" "تفسير : . وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال "حديث : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غنم مغنماً بعث مناديه يقول: ألا لا يغلن رجل مخيطاً فما فوقه، ألا لا أعرفن رجلاً يغل بعيراً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له رغاء، ألا لا أعرفن رجلاً يغل فرساً يأتي به يوم القيامة حامله على عنقه له حمحمة، ألا لا أعرفن رجلاً يغل شاة يأتي بها يوم القيامة حاملها على عنقه لها ثغاء يتتبع من ذلك ما شاء الله أن يتتبع. ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: اجتنبوا الغلول فإنه عار، وشنار، ونار" "تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن جرير والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال "حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره ثم قال: ألا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك ". تفسير : وأخرج هناد وابن أبي حاتم عن أبي هريرة. أن رجلاً قال له: أرأيت قول الله {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها، أرأيت من يغل مائة بعير ومائتي بعير كيف يصنع بها؟ قال: أرأيت من كان ضرسه مثل أحد، وفخذه مثل ورقان، وساقه مثل بيضاء، ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة. ألا يحمل مثل هذا. وأخر ج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الحجر ليزن سبع خلفات ليلقى في جهنم فيهوى فيها سبعين خريفاً، ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به وهو قول الله {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا أيها الناس من عمل منكم لنا في عمل فكتمنا منه مخيطاً فما فوقه فهو غل ـ وفي لفظ ـ فإنه غلول يأتي به يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن عبدالله بن أنيس. أنه تذاكر هو وعمر يوماً الصدقة فقال: ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر غلول الصدقة، من غل منها بعيراً أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة؟ قال عبدالله بن أنيس: بلى. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} يعني يأت بما غل يوم القيامة يحمله على عنقه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو قال: لو كنت مستحلاً من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير، ما من أحد يغل غلولاً إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم. وأخرج أحمد وابن أبي داود في المصاحف عن خمير بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف أن تغير فقال ابن معسود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه فليغله فإنه، من غل شيئاً جاء به يوم القيامة، ونعم الغل المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {أفمن اتبع رضوان الله} يعني رضا الله فلم يغلل في الغنيمة {كمن باء بسخط من الله} يعني كمن استوجب سخطاً من الله في الغلول فليس هو بسواء، ثم بين مستقرهما فقال للذي يغل {مأواه جهنم وبئس المصير} يعني مصير أهل الغلول، ثم ذكر مستقر من لا يغل فقال {هم درجات} يعني فضائل {عند الله والله بصير بما يعملون} يعني بصير بمن غل منكم ومن لم يغل. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {أفمن اتبع رضوان الله} قال: من لم يغل {كمن باء بسخط من الله} كمن غل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج {أفمن اتبع رضوان الله} قال: أمر الله في أداء الخمس {كمن باء بسخط من الله} فاستوجب سخطاً من الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد {أفمن اتبع رضوان الله} قال: من أدى الخمس. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {أفمن اتبع رضوان الله} يقول: من أخذ الحلال خير له ممن أخذ الحرام وهذا في الغلول، وفي المظالم كلها. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس {هم درجات عند الله} يقول: بأعمالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله {هم درجات عند الله} قال: هي كقوله {أية : لهم درجات عند ربهم} تفسير : [الأنفال: 4]. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله {هم درجات} يقول: لهم درجات. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن قوله {هم درجات} قال: للناس درجات بأعمالهم في الخير والشر. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك {هم درجات عند الله} قال: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذين فاق فضله على الذي أسفل منه، ولا يرى الذي أسفل منه أنه فضل عليه أحد.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ} أي وما صح لنبـي من الأنبـياء ولا استقام له {أَنْ يَغُلَّ} أي يخونَ في المغنم فإن النبوةَ تنافيه منافاةً بـيِّنة، يقال: غَلَّ شيئاً من المغنم يغُل غلولاً وأَغل إغلالاً إذا أخذه خُفْيةً. والمرادُ إما تنزيهُ ساحةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عما ظن به الرماةُ يومَ أحُدٍ حين تركوا المركزَ وأفاضوا في الغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقولَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسِمَ الغنائمَ كما لم يقسمْها يوم بدرٍ، فقال لهم النبـيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : "ألم أعهَدْ إليكم أن لا تترُكوا المركزَ حتى يأتيَكم أمري؟" فقالوا: تركنا بقيةَ إخوانِنا وقوفاً، فقال عليه السلام: "بل ظننتم أنا نغُلّ ولا نقسِمُ بـينكم"» تفسير : وإما المبالغةُ في النهي لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما رُوي أنه بعث طلائِعَ فغنِم النبـيُّ صلى الله عليه وسلم بعدهم غنائِمَ فقسمها بـين الحاضرين ولم يترك للطلائع شيئاً فنزلت. والمعنى ما كان لنبـي أن يعطيَ قوماً من العسكر ويمنَعَ آخَرين بل عليه أن يقسِمَ بـين الكلِّ بالسوية، وعُبّر عن حِرمان بعضِ الغزاةِ بالغُلول تغليظاً. وأما ما قيل من أن المرادَ تنزيهُه عليه السلام عما تفوَّه به بعضُ المنافقين إذ رُوي: «أن قَطيفةً حمراءَ فقدت يوم بدر فقال بعضُ المنافقين: لعل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخذها» فبعيدٌ جداً، وقرىء على البناء للمفعول والمعنى ما كان له أن يوجَدَ غالاًّ أو يُنسَبَ إلى الغُلول. {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ} يأتِ بالذي غله بعينه يحمِلُه على عنُقه كما ورد في الحديث الشريف وروي أنه عليه السلام قال: «حديث : ألا لاَ أعْرِفَنَّ أحدَكُم يأتي ببعير له رُغاءٌ وببقرةٍ لها خُوارٌ وبشاة لها ثُغاءٌ فينادي يا محمد فأقول: لا أملِك لك من الله شيئاً فقد بلّغتُك» تفسير : أو يأتِ بما احتمل من إثمه ووبالِه {ثُمَّ توفَّى كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} أي تُعطىٰ وافياً جزاءَ ما كسبت خيراً أو شراً كثيراً أو يسيراً، ووضعُ المكسوبِ موضعَ جزائِه تحقيقاً للعدْل ببـيان ما بـينهما من تمام التناسُبِ كمّاً وكيفاً كأنهما شيءٌ واحد. وفي إسناد التَوْفيةِ إلى كل كاسبٍ وتعليقِها بكل مكسوبٍ ــ مع أن المقصودَ بـيانُ حالِ الغالِّ عند إتيانِه بما غله يوم القيامة ــ من الدلالة على فخامة شأنِ اليومِ وهولِ مطلَعِه والمبالغةِ في بـيان فظاعةِ حالِ الغالِّ ما لا يخفى، فإنه حيث وُفيّ كلُّ كاسبٍ جزاءَ ما كسبه ولم يُنْقَصْ منه شيءٌ، وإن كان جُرْمُه في غاية القِلّة والحقارةِ، فلأَنْ لا يُنقَصَ من جزاء الغالِّ شيءٌ وجُرمُه من أعظم الجرائم أظهرُ وأجلى {وَهُمْ} أي كلُّ الناسِ المدلولِ عليهم بكل نفس {لاَ يُظْلَمُونَ} بزيادة عقابٍ أو بنقص ثواب.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [الآية: 161]. قال بعضهم: ما كان لنبى أن يستأثر بالوحى والشريعة بعض متبعيه على بعض. قال يحيى العلوى فى هذه الآية: ما كان لنبى أن يضع أسراره إلا عند الأمناء من أمته.

القشيري

تفسير : نزَّه أحوال الأنبياء عن الدَّنَس بالخيانات، فمن حَمَّلْنَاه من الرسالة إلى عبادنا يوصلها إلى مستحقيها واجباً، ولا يعتني بشأنِ حميمٍ له مِنْ دون أمرنا، ولا يمنع نصيب أحدٍ أمرناه بإيصاله إليه، بحقدٍ ينطوي عليه. ألا ترى كيف قال: "حديث : اذْهب فوارِه" تفسير : لأبي طالب لمَّا قال له أمير المؤمنين عليٌّ رضي الله عنه: مات عمُّك الضال. وكيف قَبِلَ الوحشي قاتِلَ حمزة لمَّا أسلم؟ ويقال ما كان لنبي من الأنبياء صلوات الله عليهم أن يضل أسرارنا في غير أهلها، بل يُنْزِلون كل أحدٍ عندما يستوجبه، وفي الأثر "حديث : أُمِرْنَا أن نُنْزِلَ الناسَ منازلهم ".

البقلي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} قدس اسراره عن دنس الخطرات ووصفه بالامانة عند اخباره عن انباء الغيب لم جير على قلبه عند بيان الشريعة والطريقة مداهنة لرؤية شريف ووضيع ولم يخف حق الله عز وجل عن عباده واعطى علم الحق لاهل الحق وبين المحجوبين اية الحق ببرهان الحق ولم يخط فى طريق الحق خطوة بخط نفسه قال بعض المشائخ ما كان لنبى ان تستاثر بالوحى والشريعة بعض متبعيه على بعض قال يحيى العلوى ما كان لنبى ان تضيع اسراره الا عند الامناء منه.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كان لنبى} اى وما صح لنبى من الانبياء عليهم السلام وما استقام له {ان يغلّ} اى يخون فى المغنم فان الغلول هو اخذ شىء من مال الغنيمة خفية وخيانة لكونها سببا للعار فى الدنيا وللنار فى العقبى تنافى منصب النبوة التى هى اعلى المناصب الانسانية والمراد اما تنزيه ساحة رسول الله عليه السلام عما ظن به الرماة يوم احد حتى تركوا المركز وافاضوا فى الغنيمة وقالوا نخشى ان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم من اخذ شيئاً فهو له ولا يقسم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر فقال لهم صلى الله عليه وسلم "حديث : "ألم اعهد اليكم ان لا تتركوا المركز حتى يأتيكم امرى" فقالوا تركنا بقية اخواننا وقوفا فقال صلى الله عليه وسلم "بل ظننتم انا نغل ولا نقسم بينكم" " .تفسير : واما المبالغة فى النهى لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روى انه بعث طلائع فغنم النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعدهم فقسمها بين الحاضر ولم يترك للطلائع شيأ فنزلت والمعنى ما كان لنبى ان يعطى قوما من العسكر ويمنع آخرين بل عليه ان يقسم بين الكل بالسوية وعبر عن حرمان بعض الغزاة بالغلول تغليظا وتقبيحا لصورة الامر {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة} اى يأت بالذى غل بعينه يحمله على عنقه فيفتضح به على رؤوس الاشهاد وهو كقوله عليه السلام "حديث : من غصب قدر شبر من الارض طوقه الله يوم القيامة من سبع ارضين " .تفسير : قال عليه السلام "حديث : من بعثناه على عمل فغل شيأ جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " .تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : هدايا الولاة غلول ". تفسير : اى قبول الولاة الهدايا غلول لانه فى معنى الرشوة. وروى انه صلى الله عليه وسلم "حديث : قال ألا لا اعرفن احدكم يأتى ببعير له رغاء وببقر له خوار وشاة لها ثغاء فينادى يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيأ فقد بلغتك " .تفسير : وقيل لابى هريرة رضى الله عنه كيف يأتى بما غل وهو كثير كبير بان غل اموالا جمة فقال أرأيت من كان ضرسه مثل احد وفخذه مثل ودقان وساقه مثل جبل ومجلسه ما بين المدينة وريدان يحمل مثل هذا ويجوز ان يراد بما احتمل من وباله واثمه {ثم توفى كل نفس ما كسبت} اى تعطى وافيا جزاء ما كسبت خيرا او شرا كثيرا أو يسيرا او كان اللائق بما قبله ان يقال ثم يوفى ما كسب لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه فانه اذا كان كل كاسب مجزيا بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك اولى {وهم} اى كل الناس المدلول عليهم بكل نفس {لا يظلمون} بزيادة عقاب او بنقص ثواب.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الغلول: السرقة من الغنائم، فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه: لا ينبغي له أن يأخذ شيئاً من الغنيمة خفية، والمراد: تبرئة رسوله - عليه الصلاة والسلام - من ذلك. ومن قرأ بضم الياء ففيه وجهان: أحدهما: أن يكون المعنى، ما كان لنبي أن يُخان، أي: أن تخونه أُمّتُه في المغانم، وكذلك الأمراء، وإنما خص النبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك؛ لبشاعة ذلك مع النبيّ؛ لأن المعاصي تعظم بحضرته، والثاني: أن يكون المعنى: ما كان لنبي أن يُنسب إلى الخيانة؛ كقوله:{أية : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكّذِّبُونَكَ}تفسير : [الأنعَام: 33] أي: لا ينسبونك إلى الكذب. يقوله الحقّ جلّ جلاله: {ما كان} ينبغي {لنبيٍّ أن يغل} ويأخذ شيئاً من الغنيمة خفية؛ لأن ذلك خيانة والنبوة تنافي ذلك، والمراد: نزاهة الرسول - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك، كقوله:{أية : مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ}تفسير : [مريَم: 35]، ودفعُ ما توهمه الرماة، فقد رُوِيَ أنه - عليه الصلاة والسلام -قال لهم لما تركوا المركز:"حديث : ألمْ أعْهَد إليكُمْ ألا تَتْركُوا المركَزَ حتَّى يأتيكُمْ أمْري؟"تفسير : قالوا: تَرَكْنا بقية إخْوانِنَا وُقوفاً، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"حديث : بل ظَننْتُم أنّا نَغُلّ ولا نقْسِمُ لكُمْ"تفسير : . فنزلت الآية. وقيل إنه - عليه الصلاة والسلام -: بعث طلائع، فغنم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم على من معه فقط، فنزلت، فاسترجع ذلك منهم. وقيل: في قطيفة حمراء فُقدت يوم بدر، فقال المنافقون: لَعَلَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا، فنزلت. ثم ذكر وعيد الغلول، فقال: {ومن يَغْلُلْ يأت بما غَلَ يوم القيامة} أي: يأتي بالذي غله يحمله على رقبته، قال عليه الصلاة والسلام:"حديث : لا ألقى أحَدكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ يَجِيءُ على رَقَبته بَعِيرٌ لَهُ رُغَاء، أوْ بَقَرَةٌ لَهَ خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ تَيْعَرُ"تفسير : ثم قال:"حديث : اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ ثلاثاً"تفسير : . كما في البخاري. {ثم توفّى كل نفس} جزاء {ما كسبت} تاماً، {وهم لا يظلمون} بنقص ثواب مُطيعهم، ولا يزاد على عقاب عاصيهم وكان اللائق بما قبله أن يقول: ثم يوفى ما كسب. لكنه عمم الحكم؛ ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه، وأنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى. قاله البيضاوي. الإشارة: ما قيل في النبيّ - عليه الصلاة والسلام - يقال في ورثته الكرام، كالأولياء والعلماء الأتقياء، فإنهم ورثة الأنبياء، فيُظن بهم أحسن المذاهب، ويلتمس لهم أحسن المخارج، لأن الأولياء دلّوا على معرفة الله، والعلماء دلّوا على أحكام الله، وبذلك جاءت الرسل من عند الله، فلا يظن بهم نقص ولا خلل، ولا غلول ولا دخل، فلهم قسط ونصيب من حرمة الأنبياء، ولا سيما خواص الأولياء، ومن يظن بهم نقصاً أو خللاً، ويغل قلبه على شيء من ذلك، فسيرى وباله يوم تفضح السرائر، {ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}، فلحوم الأولياء والعلماء سموم قاتلة، وظن السوء بهم خيانة حاصلة. والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : القراءة، والمعنى، والحجة، والنزول، واللغة: قرأ ابن كثير وابن عمرو، وعاصم {يغل} بفتح الياء وضم الغين. الباقون بضم الياء وفتح الغين. فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه ما كان لنبي أن يخون يقال من الغنيمة غل يغل: إذا خان فيها. ومن الخيانة أغل يغل قال النمر بن تولب: شعر : جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل جزاء مغل بالامانة كاذب بما سألت عني الوشاة ليكذبوا عليّ وقد أوليتها في النوائب تفسير : [ويقال من] الخيانة غل يغل، ومن قرأ بضم الياء وفتح الغين أراد، وما كان لنبي أن يخون أي ينسب إليه الخيانة. ويحتمل أن يكون أراد ما كان لنبي أن يخان بمعنى يسرق منه. ويكون تخصيص النبي بذلك تعظيما للذنب. قال أبو علي الفارسي: لا يكاد يقال: ما كان لزيد أن يضرب، فهذه حجة من قرأ بفتح الياء. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: سبب نزول هذه الآية أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم، فقال بعضهم لعل النبي (صلى الله عليه وسلم) أخذها. وقال الضحاك إنما لم يقسم للطلائع من المغنم، فعرفه الله الحكم. وروي عن الحسن أنه قال: معنى يُغل يُخان. وقال بعضهم: هذا غلط، لأنه لا يجوز أن يخان أحد نبياً كان أو غيره، فلا معنى للاختصاص. وهذا الطعن ليس بشيء لأن وجه اختصاصه بالذكر لعظم خيانته على خيانة غيره، كما قال: {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : وإن وجب اجتناب جميع الارجاس، وقد يجوز أن يخص النبي بالذكر، لأنه القائم بأمر الغنائم، فيكون بمنزلة ما كان لأحد أن يغل. وأصل الغلول هو الغلل، وهو دخول الماء في خلل الشجر تقول: الغل الماء في أصول الشجر ينغل الغلالا، فالغلول الخيانة، لأنها تجري في الملك على خفى من غير الوجه الذي يحل كالغلل، وانما خصت الخيانة بالصفة دون السرقة، لأنه يجري إليها بسهولة، لأنها مع عقد الامانة. ومنه الغل الحقد، لأن العداوة تجري به في النفس كالغلل. ومنه الغل. ومنه الغليل: حرارة العطش. والغلة، لأنها تجري في الملك من جهات مختلفة، والغلالة، لأنها شعار تحت. البدن والغلالة مسمار الدرع. وقوله: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} قيل في معناه قولان: أحدهما - يأتي به حاملا له على ظهره، كما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه كان إذا غنم مغنماً بعث منادياً ألا لا يغلن أحد مخيطا فما دونه، ألا لا يغلن أحد بعيراً فيأتي به على ظهره له رغاء، ألا لا يغلن أحد فرساً فيأتي به يوم القيامة على ظهره له حمحمة - في قول ابن عباس، وأبي هريرة وأبي حميد الساعدي، عبدالله بن انيس وابن عمر، وقتادة - وذلك ليفضح به على رؤوس الاشهاد. قال البلخي: يجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل كأن الله تعالى إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له وله صوت. الثاني - يأتي به يوم القيامة، لأنه لم يكفر عنه، كما تكفر الصغائر، فهو يعاقب عليه. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى لو عذب الأنبياء والمؤمنين لم يكن ظلماً لهم، لأنه قد بين أنه لو لم يوفها ما كسبت، لكان ظلماً لها.

الجنابذي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} تخلّل كان لتأكيد النّفى والمعنى ما وجد لاحدٍ من الانبياء الغلول لمنافاة النبوّة والخيانة وقرئ يغلّ بصيغة المعلوم من الثّلاثىّ وبصيغة المجهول امّا من باب الافعال بمعنى ما ينبغى لاحدٍ من الانبياء ان ينسب الى الخيانة من أغلّه نسبه الى الخيانة، او بمعنى ان يخان معه من أغلّه بمعنى غلّه، او من الثّلاثىّ، والجملة امّا مقطوعة عن سابقتها على ما ورد انّها نزلت فى قطيفة حمراء فقدت يوم بدرٍ من المغنم فقال بعضهم: لعلّ النّبىّ (ص) اخذها، ونسب الى الصّادق (ع) انّ رضا النّاس لا بملك والسنتهم لا تضبط الم ينسبوا يوم بدرٍ الى رسول الله (ص) انّه اخذ لنفسه من المغنم قطيفةً حمراء حتّى اظهره الله على القطيفة وبرّء نبيّه من الخيانة، وانزل فى كتابه وما كان لنبىّ ان يغلّ (الآية) او على ما نقل انّ رجلاً غلّ بابرة عظيمة من غنائم هوازن يوم حنين فنزلت الآية، وامّا موصولة على ما قيل: انّ الآية نزلت فى غنائم احدٍ حيث ظنّ اصحاب عبد الله بن جبير انّ الرّسول (ص) يقسم الغنيمة فى الغانمين ولم يقسم لهم وظنّوا انّه يقول: من اخذ شيئاً فهو له، او على ما قيل: انّه قسم المغنم ولم يقسم للطّلائع فنزلت تنبيهاً للرّسول (ص) على التّسوية فى المغنم، وسمّى ترك القسمة للطّلائع غلولاً وعليهما فالآية معطوفة على ما قبلها {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} الباء للتّعدية او للمصاحبة والمعنى انّه يأتى به بحيث يعرف النّاس انّه غلّه ليفضح على رؤس الاشهاد، نسب الى الباقر (ع) انّه قال: من غلّ شيئاً رآه يوم القيامة فى النّار ثمّ يكلّف ان يدخل اليه فيخرجه من النّار، ونقل عن النّبىّ (ص) انّه قال: "حديث : الا لا يغلّنّ احد بعيراً فيأتى به على ظهره يوم القيامة، الا لا يغلّنّ احد فرساً فيأتى به على ظهره يوم القيامة فيقول: يا محمّد (ص) يا محمّد (ص) فاقول: قد بلّغت قد بلّغت لا املك لك من الله شيئاً"تفسير : ، ولا اختصاص للغلول بالخيانة فى الاموال بل كلّ معصية من كلّ عاص نحو غلول مع نفسه او مع الله {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ} يعنى بعد ما اتى من غلّ بما غلّه وجمعوا فى القيامة توفّى كلّ نفس مطيعة وعاصية {مَّا كَسَبَتْ} بعينه على تجسّم الاعمال كما سبق تحقيقه فى سورة البقرة عند قوله: {أية : أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ} تفسير : [البقرة:202] او جزاء ما كسبت {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} بنقص ثواب او زيادة عقاب ثمّ بعد ما عمّم حكم الغلول لكلّ من غلّ وبيّن حكم كلّ نفس من المطيعة والعاصية عطف عليه انكار التّسوية بين المطيعة والعاصية ليكون ابلغ فى الزّجر عن المعصية والتّرغيب فى الطّاعة فقال تعالى {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ}.

اطفيش

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَنْ يَغُلَّ}: أى أن ينسب إلى الغلول، أى أن يفعل ما ينسب به الغلول، أو أن يوجد غالا، فهو مبنى للمفعول من أغل بالهمزة التى هى لنسبة الشىء إلى فعل، يقال أفسقت فلاناً أى نسبته إلى الفسق، أو التى لإلفاء الشىء على ما هو عليه، كأحمدته إذ وجدته محموداً فانظر فى شرحى على اللامية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء، وضم الغين وعلى القراءتين جميعاً: الغلول أخذ شىء من الغنيمة خفية، قال مقاتل والكلبى والنقاش: حديث : نزلت الآية فى غنائم أحد، حين ترك الرماة المركز للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبى، صلى الله عليه وسلم، من أخذ شيئاً فهو له، وألا تقسم الغنائم كما لم تقسم يوم بدر، وذلك أنه أنفلها يوم بدر، ولم يقسم وقيد قسمها يوم بدر بالسوية، بعد أن جعلت له فتركوا المركز، ووقعوا فى الغنائم، فقال لهم النبى، صلى الله عليه وسلم: "ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمرى؟" قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً. فقال صلى الله عليه وسلم: "بل ظننتم أن نغل فلا نقسم" تفسير : فنزلت الآية. و{نغل} فى الحديث بمعنى أن لا نعدل فى الغنيمة بأنا نعطى بلا قسم، ومثل ذلك ما روى عن ابن عباس، رضى الله عنه، أن المعنى ما كان لنبى أن يعطى طائفة من الغنيمة، ويمنع أخرى، أو يعطى بلا قسم وعدل، بل يعطيهم كلهم بعدل، فاقتدوا به يا معشر المسلمين، ومثل ذلك ما روى أنه ألح عليه قوم من الأقوياء يسألونه من الغنم، فنزلت الآية منعاً له أن يعطى أحداً فوق سهمه، أو يعطى من لا سهم له، وغلظ عليه بأن سمى ذلك غلولا، وفى رواية عن ابن عباس: نزلت بسبب قطيفة حمراء فقدت من الغنائم يوم بدر، فقال: بعض المؤمنين لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، يعنون أنه لعله أخذها بأن يكون أجاز الله له أخذها، وقيل: قال بعض المنافقين لعله أخذها، وذلك جهل منهم أو طعن، وقيل: المفقود المقول فيه المقالان هو السيف. وروى عن الضحاك أنه بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، طلائع تطلع على حقيقة أمر العدو فى بعض غزواته فغنم صلى الله عليه وسلم بعد أن بعثهم، فقسم لمن حضر ولم يعط الطلائع، فزجره الله على ذلك، وغلط عليه بأن سمى ذلك غلولا، ونزلت الآية فى ذلك. وقيل: الغلول هنا إخفاء الوحى أو بعضه رغبة أو رهبة أو مداهنة، أى ما كان لنبى أن يكتم شيئاً مما أوحى إليه ونفى الغلول بهذا المعنى. والغلول على معنى أن يأخذ الشىء لنفسه، أو يعطيه غيره، وظاهر العموم، وأما إذا جعلنا الغلول فى قسم الغنيمة فالعموم يظهر، لأن الإبقاء لا تحل لهم ولأممهم الغنائم إلا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإما أن يراد ما كان لنبى عظيم القدر، هو محمد أن يغل فالتنكير للتعظيم لا للتعميم، ولا مفهوم له أن يغل غيره للعلم، بأن الغنائم لا يحل لغيره، كأنه قيل لا يصح له أن يغل فكيف ينسب للغلول؟ أو كيف فعلت يا محمد فعلا بعد غلولا وليس به، وإما أن تراد أمه على هذا النحو أيضاً أو على أنه جاء لإمكان غلول الأمم قد وقع، وإما على معنى أنه ما غل نبى قط، فنفى اللازم بنفى الملزوم، فيصح العموم فبعض لم يغل، لأنه لم يصح له ولأمته أكل الغنائم مع العصمة، وبعض للعصمة فقط، وهو سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وإما على معنى أنه يستحيل الغلول فى حقهم كما تقول يستحيل الكذب فى حقهم، أعنى أنه ينفى الشىء ولو لم يمكن، وذكر الغلول مناسب لذكر الجهاد كقبله. {وَمَنْ يَغْلُلْ}: يخف شيئاً من الغنيمة أخذاً لنفسه أو لغيره، أو إتلافاً له. {يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}: يحمله على عنقه أو ظهره، أو يأتى بما احتمل من إثمه، قل أبو هريرة: حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم فعظم أمر الغلول، حتى قال: "لا ألْقينَّ أحَدكُم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة، على رقبته فرس لها حمحمة فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، يقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بقرة لها صياح تفسير : - وروى خوار - حديث : فيقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة، على رقبته رقاع تخفق، فيقول يا رسول الله أغثنى، فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت يقول يا رسول الله أغثنى فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتكتفسير : ، وتلك الألفاظ أسماء لأصوات تلك الحيوانات، والصامت: الذهب والفضة. قال ابن عمر: حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سعد بن عبادة، على صدقة أرض فقال: "أنظر لأثاث يوم القيامة ببعير تحمله على عنقك"، قال: وإن ذلك كاتن؟ قال: "نعم" قال: لا جرم لا أكون لك على عمل أبداً، فرجع إلى أهله تفسير : . وإنما قال ذلك لأنه، صلى الله عليه وسلم، لم يجزم عليه فى الذهاب، وسرق جاف من الأعراب نافجه مسك، فتليت عليه الآية فقال إذن احملها طيبة الرائحة، خفيف المحمل، وحمل الغال ما غل عذاب له وفضيحة ويروع أيضاً بصوته، وقيل بمثل له ذلك الشىء المغلول فى النار، ثم يجبر أن ينزل إليه، فيأخذه فيفعل، فإذا بلغ موضعه وقع منه ذلك الشىء فى النار، فيكلف أن ينزل إليه ليخرجه يفعل به ذلك ما شاء الله. {ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ}: تعطى جزاؤها من خير أو شر على الغلول، أو غيره من المعاصى إذا عوقبت على مطلق المعصية، فأحرى بالغلول. {وَهُمْ}: أى كل نفس، جمع للمعنى. {لاَ يُظْلَمُونَ}: لا ينقص من ثوابهم ولا يزاد علة ذنوبهم، أو الضمير لمن غل، قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أدوا الخائط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة"تفسير : . قال محدث الأندلس أبو عمر ابن عبد البر: الشنار شين ونار، وروى قومنا عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من غل فأحرقوا متاعه، واضربوه"تفسير : . وروى أن النبى صلى الله عليه وسلم: وأبا بكر وعمر: أحرقوا متاع الغال، وضربوه ومنعوه سهمه، وروى زيد بن خالد حديث : أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، توفى فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "صلوا على صاحبكم"، فتغيرت وجوه الناس، لذلك، فقال: "ابن صاحبكم غل فى سبيل اللهتفسير : ، ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزاً من خرز اليهود، لا يساوى درهمين، قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حديث : كان على غنيمة صلى الله عليه وسلم: رجل يقال له كركره، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هو فى النار"، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلهاتفسير : ، قال الحسن: حديث : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله استشهد فلا، قال"كلا إنى رأيته يجر إلى النار بعباءة، غلها"تفسير : . قال أبو هريرة: حديث : خرجنا مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى خيبر ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهباً ولا فضة، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادى، وادى القرى، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم: عبد له وهبه له رجل من خدام يدعى رفاعة بن زيد، وقيل: مدعم وهو من بنى الظباب، فلما نزل الوادى، قام فرمى بسهم عابر، أى لا يدرى راميه، فمات. فقلنا: هنيئاً له الشهادة يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلا، والذى نفسى بيده، إن الشملة لتلتهب عليه ناراً أخذها من غنائم خيبر لم تصبها المقاسم"تفسير : ، ففزع الناس فجاء رجل بشراك أو بشراكين، من يوم خيبر فقال: شراك أو شراكان من نار، وهو سير النعل الذي يربط على ظاهر القدم.

الالوسي

تفسير : {وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } أي ما صح ولا استقام لنبـي من الأنبياء أن يخون في المغنم لأن الخيانة تنافي النبوة وأصل الغل الأخذ بخفية ولذا استعمل في السرقة ثم خص في اللغة بالسرقة من المغنم قبل القسمة وتسمى غلولاً أيضاً، قيل: وسميت بذلك لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة أيضاً، وقال الرماني وغيره أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولاً لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل، ومن ذلك الغل للحقد والغليل لحرارة العطش والغلالة للشغار، والمراد تنزيه ساحة النبـي صلى الله عليه وسلم على أبلغ وجه عما ظن به الرماة يوم أحد فقد حكى الواحدي عن الكلبـي ومقاتل حديث : أن الرماة حين تركوا المركز يومئذٍ طلباً للغنيمة قالوا: نخشى أن يقول النبـي صلى الله عليه وسلم من أخذ شيئاً فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر فقال النبـي صلى الله عليه وسلم: «ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم لكم» تفسير : ولهذا نزلت الآية، أو تنزيهه صلى الله عليه وسلم عما اتهمه به بعض المنافقين يوم بدر، فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، والرواية الأولى: أوفق بالمقام، وارتباط الآية بما قبلها عليها أتم لأن القصة أحدية إلا أن فيها إشعاراً بأن غنائم بدر لم تقسم وهو مخالف لما سيأتي في الأنفال وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، والرواية الثانية: أولى بالقبول عند أرباب هذا الشأن، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في النهي عن الغلول، فقد أخرج ابن أبـي شيبة في «المصنف» وابن جرير مرسلاً عن الضحاك قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلائع فغنم النبـي صلى الله عليه وسلم غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئاً فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبـي صلى الله عليه وسلم ولم يقسم لنا فأنزل الله تعالى الآية، فالمعنى ما كان لنبـي أن يعطي قوماً من العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل بالسوية، وعبر سبحانه عن حرمان بعض الغزاة بالغلول فطماً عن هذا الفعل بالكلية، أو تعظيماً لشأنه صلى الله عليه وسلم، وجعل بعضهم الكلام على هذا الاحتمال على حدّ {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } تفسير : [الزمر: 65] خوطب به صلى الله عليه وسلم وأريد غيره ممن يفعل مثل هذا بعد النهي عنه ـ ولا يخفى بعده ـ والصيغة على الاحتمال الأول: إخبار لفظاً ومعنى لكنها لا تخلو عن رمز إلى نهي عن اعتقاد ذلك في تلك الحضرة المقدسة وعلى الاحتمال الأخير: خبر أجري مجرى الطلب، وقد وردت هذه الصيغة نهياً في مواضع من التنزيل كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ } تفسير : [الأنفال: 67] و {أية : مَا كَانَ لِلنَّبِىّ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [التوبة: 113] {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ }تفسير : [الأحزاب: 53] وكذا للامتناع العقلي كقوله تعالى: {أية : مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } تفسير : [مريم: 35] و {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } تفسير : [النمل: 60] وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب ـ أن يغل ـ على صيغة البناء للمفعول، وفي توجيهها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون ماضيه أغللته أي نسبته إلى الغلول كما تقول أكفرته أي نسبته إلى الكفر قال الكميت:شعر : وطائفة قد (أكفرتني) بحبكم وطائفة قالت مسىء ومذنب تفسير : والمعنى ما صح لنبـي أن ينسبه أحد إلى الغلول، وثانيها: أن يكون من أغللته إذا وجدته غالاً كقولهم أحمدته وأبخلته وأجبنته بمعنى وجدته كذلك والمعنى ما صح لنبـي أن يوجد غالاً، وثالثها: أنه من غل إلى أن المعنى ما كان لنبـي أن يغله غيره أو يخونه ويسرق من غنيمته، ولعل تخصيص النبـي بذلك وإن كان لا يجوز أن يغل غيره من إمام أو أمير إما لعظم خيانته أو لأنه القائم بأمر الغنائم فإذا حرمت الخيانة عليه وهو صاحب الأمر فحرمتها على غيره أولى كذا قيل، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى توجيه التخصيص بما ذكر بعد الالتفات إلى سبب النزول والنظر إلى ما سيأتي بعد. ومن الناس من زعم أن الآية نزلت في أداء الوحي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسبّ آلهتهم فسألوه أن يطوي ذلك فأنزل الله تعالى الآية، ولا يخفى أنه بعيد جداً ـ ولا أدري كيف سند هذه الرواية ـ ولا أظن الخبر إلا موضوعاً، ويزيده بعداً بل لا يكاد يجوزه قوله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } وهو جملة شرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، و ـ ما ـ موصولة والعائد محذوف أي بالذي غله، وجوز أن تكون حالاً ويكون التقدير في حال علم الغال بعقوبة الغلول، وظاهر الآثار يدل على أن الإتيان على ظاهره، فقد أخرج الشيخان، والبيهقي في «الشعب» عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: ألا لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله تعالى شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله تعالى شيئاً قد أبلغتك» تفسير : والأخبار بهذا المعنى كثيرة ولعل السر في ذلك أن يفضح به على رؤوس الأشهاد زيادة في عقوبته، وإلى هذا ذهب الجبائي، ولا مانع من ذلك عقلاً. والاستبعاد غير مفيد وقد وقع ما يشعر بالاستبعاد قديماً فقد أخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي هريرة أن رجلاً قال له: أرأيت قول الله تعالى: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـامَةِ } هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها أرأيت من يغل مائة بعير أو مائتي بعير كيف يصنع بها؟! قال: أريت من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل بيضاء ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة ألا يحمل مثل هذا، وورد في بعض الأخبار أن الإتيان بالغلول من النار فحينئذٍ يكون في الآية حذف أي يأت بما غل من النار، فقد أخرج ابن مردويه والبيهقي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الحجر ليزن سبع خلفات فيلقى في جهنم فيهوي فيها سبعين خريفاً ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي بهتفسير : . وهو قول الله عز وجل: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـامَةِ }. وأخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال لو كنت مستحلاً من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير ما من أحد يغل إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم، وقيل: الإتيان به مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيراً بما عمل عما لزمه من الإثم أي يأت بما احتمل من وباله وإثمه ـ واختاره البلخي ـ وقال: يجوز أن يكون ما تضمنته الأخبار جاء على وجه المثل كأن الله تعالى إذ فضح الغال وعاقبه العقوبة الشديدة جرى مجرى أن يكون آتياً به وحاملاً له وله صوت، ولا يخفى أن جواب أبـي هريرة للرجل يأبـى هذا التأويل. وقيل: إن المعاني تظهر في صور جسمانية يوم القيامة كما يؤذن بذلك خبر مجىء الموت في صورة كبش وتلقي القرآن صاحبه في صورة الرجل الشاحب حين ينشق عنه القبر إلى غير ذلك. وقد ذكر غير واحد أنه لا يبعد ظهور الأعمال من الطاعات والمعاصي بصور تناسبها فحينئذٍ يمكن أن يقال: إن معصية كل غال تظهر يوم القيامة في صورة غلوله فيأتي بها هناك، وعليه تكون الأخبار على ظاهرها من غير حاجة إلى ارتكاب التمثيل، وجواب أبـي هريرة لا يأباه، وإلقاؤه في النار أيضاً غير مشكل وأهل الظاهر لعلهم يقولون: إنه يلقى من غير تعذيب، وبتقديره لا محذور أيضاً فيه لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء، وقد ورد في بعض الأخبار أنه تعالى يخلق خلقاً حين قول جهنم: {أية : هَلْ مِن مَّزِيدٍ }تفسير : [ق: 30] فيضعهم فيها ومع هذا وتسليم صحة الخبر لا بد من القول باستثناء بعض الغلول عن الإلقاء إذ قد يكون الغلول مصحفاً ولا أظن أحداً يتجاسر على القول بإلقائه. / {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } أي تعطى كل نفس مكلفة جزاء ما عملت من خير أو شر تاماً وافياً، ففي الكلام مضاف محذوف أو أنه أقيم المكسوب مقام جزائه، وفي تعليق التوفية بكل مكسوب مع أن المقصود بيان حال الغال عند إتيانه بما غل يوم القيامة من الدلالة على فخامة شأن اليوم والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال ما لا يخفى فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله لا ينقص منه شيء وإن كان جرمه في غاية القلة والحقارة، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى وهذا سبب العدول عما يقتضيه الظاهر من نحو ثم يوفى ما كسب لأنه اللائق بما قبله؛ وقيل: يحتمل أن يكون المراد ثمَّ توفى منه كل نفس لها حق في تلك الغنيمة ما كسبت من نقصان حقها من غله فحينئذٍ يكون النظم على مقتضى الظاهر وكلمة {ثُمَّ } للتفاوت بين حمله ما غل وبين جزائه، أو للتراخي الزماني أي بعد حمله ما غله بمدة مديدة وجعله منتظراً فيما بين الناس مفتضحاً حاملاً ما غله توفى منه كل نفس، ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال مما يصان عنه كلام الملك المتعال، فالحق الذي لا ينبغي العدول عنه هو القول الأول المتضمن لنكتة العدول وأمر {ثُمَّ } عليه ظاهر سواء جعلت للتراخي الزماني، أو للتراخي الرتبـي. أما الأول: فلأن الإتيان بما غل عند قيامه من القبر على ما هو الظاهر والجزاء بعد ذلك بكثير. وأما الثاني: فلأن جزاء الغال وعقوبته أشدّ فظاعة من حمل ما غله والفضيحة به بل لا يبعد أن يكون ذلك الحمل كالعلاوة على الحمل بل يكاد أن يكون نعيماً بالنسبة إلى ما يلقى بعد، والجملة على كل تقدير معطوفة على الجملة الشرطية {وَهُمْ }: أي كل الناس المدلول عليهم بكل نفس {لاَ يُظْلَمُونَ } أي لا ينقص بمقتضى الحكمة والعدل ثواب مطيعهم ولا يزاد عقاب عاصيهم.

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أنَّه عطف على مجموع الكلام عطف الغرض رعلى الغرض وموقعه عقب جملة: {أية : إن ينصركم الله فلا غالب لكم}تفسير : [آل عمران: 160]. الآية لأنها أفادت أن النصر بيد الله والخذْل بيده، وذلك يستلزم التَّحريض على طلب مرضاته ليكون لطيفاً بمن يُرضونه. وإذ قد كانت هذه النَّصائح والمواعظ موجهة إليهم ليعملوا بها فيما يستقبل من غزواتهم، نبّهوا إلى شيء يستخفّ به الجيش في الغزوات، وهو الغُلول ليعلموا أنّ ذلك لا يُرضي الله تعالى فيحذَروه ويكونوا ممّا هو أدعى لغضب الله أشدّ حذراً فهذه مناسبة التَّحذير من الغلول ويعضّد ذلك أنّ سبب هزيمتهم يوم أُحُد هو تعجلهم إلى أخذ الغنائم. والغلُول: تعجّل بأخذ شيء من غال الغنيمة. ولا تجد غير هذا يصلح لأن يكون مناسباً لتعقيب آية النصر بآية الغلول، فإنّ غزوة أحُد الَّتي أتت السورة على قصّتها لم يقع فيها غُلول ولا كائن للمسلمين فيها غنيمة وما ذكره بعض المفسِّرين من قضية غلولٍ وقعت يومَ بدر في قطيفة حمراء أو في سيف لا يستقيم هنا لبعد ما بين غزوة بدر وغزوة أُحُد فضلاً على ما ذكره بعضهم من نزول هذه الآية في حرص الأعراب على قسمة الغنائم يوم حُنين الواقعِ بعد غزوة أحُد بخمس سنين. وقرأ جمهور العشرة: يُغَلّ ـــ بضمّ التحتية وفتح الغين ـــ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو وعاصم ـــ بفتح التحتية وضَمّ الغين ـــ. والفعل مشتقّ من الغلول وهو أخذ شيء من الغنيمة بدون إذن أمير الجيش، والغلول مصدر غير قياسي، ويطلق الغلول على الخيانة في المال مطلقاً. وصيغة {وما كان لنبي أن يُغلّ} صيغة جحود تفيد مبالغة النَّفي. وقد تقدّم القول فيها عند قوله تعالى: {أية : ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنُّبَوة}تفسير : [آل عمران: 79] في هذه السورة فإذا استعملت في الإنشاء كما هنا أفادت المبالغة في النَّهي. والمعنى على قراءة الجمهور نهي جيش النبي عن أن يَغلُو لأنّ الغلول في غنائم النبي صلى الله عليه وسلم غلول للنبي، إذ قسمة الغنائم إليه، وأمَّا على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم فمعنى أن النبي لا يَغُلّ أنَّه لا يقع الغلول في جيشه فإسناد الغُلول إلى النبي مجاز عقلي لملابسة جيش النبي نبيئَهم ولك أن تجعله على تقدير مضاف. والتقدير: ما كَان لجيش نَبيء أن يَغُلّ. ولبعض المفسّرين من المتقدّمين ومن بعدهم تأويلات للمعنى على هذه القراءة فيها سَماجة. ومعنى و{من يغلل يأت بما غل يوم القيامة} أنَّه يأتي به مشهَّراً مفضوحاً بالسرقة. ومن اللَّطائف ما في البيان والتبيين للجاحظ: أنّ مَزْيَداً ـــ رجلاً من الأعراب ـــ سرق نافجة مسك فقيل له: كيفَ تسرقها وقد قال الله تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}؟ فقال: إذَنْ أحمِلُها طيّبةَ الريح خفيفة المحمل. وهذا تلميح وتلقي المخاطب بغير ما يترقّب. وقريب منه ما حكي عن عبد الله بن مسعود والدرك على مَن حكاه قالوا: لمّا بعث إليه عثمان ليسلم مصحفه ليحرقه بعد أن اتَّفق المسلمون على المصحف الَّذي كُتب في عهد أبي بكر قال ابن مسعود: إنّ الله قال: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} وإنِّي غالّ مصحفي فمن استطاع منكم أن يَغُلّ مصحفه فليفعل. ولا أثق بصحَّة هذا الخبر لأنّ ابْن مسعود يعلم أنّ هذا ليس من الغلول. وقوله: {ثم توفى كل نفس ما كسبت} تنبيه على العقوبة بعد التفضيح، إذ قد علم أنّ الكلام السابق مسوق مساق النَّهي، وجيء بـ(ثمّ) للدّلالة على طول مهلة التفضيح، ومن جملة النُّفوس الَّتي توفَّى ما كسبت نفس من يغلل، فقد دخل في العموم. وجملة {وهم لا يظلمون} حال مؤكدة لمضمون الجملة قبلها وهي {توفى كل نفس ما كسبت}. والآية دلّت على تحريم الغلول وهو أخذ شيء من المغنم بغير إذن أمير الجيش، وهو من الكبائر لأنَّه مِثل السرقة، وأصحّ ما في الغلول حديث «الموطأ»: حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من خيبر قاصداً وادي القُرى وكان له عبد أسود يدعى مِدْعَما، فبينما هو يحطّ رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه سهم عائر فقتله، فقال النَّاس: هنيئاً له الجنَّةُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"كلاّ والَّذي نفسي بيده إن الشَّملة التي أخذها يومَ خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً"»تفسير : . ومن غلّ في المغنم يؤخذ منه مَا غَلَّه ويؤدّب بالاجتهاد، ولا قطع فيه باتِّفاق، هذا قول الجمهور، وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأحمد بن حنبل، وجماعة: يحرق متاع الغالّ كُلّه عدَا سِلاحَه وسرجه، ويردّ ما غلّه إلى بيت المال، واستدلّوا بحديث رواه صالح بن محمد بن زائدة أبو واقد الليثي، عن عمر بن الخطاب: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا وجدتم الرجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه»تفسير : وهو حديث ضعيف، قال الترمذي سألت محمداً ـــ يعني البخاري ـــ عنه فقال: «إنَّما رواه صالح بن محمد، وهو منكر الحديث. على أنَّه لو صَحّ لوجَبَ تأويله لأنّ قواعد الشَّريعة تدلّ على وجوب تأويله فالأخذ به إغراق في التعلّق بالظواهر وليس من التفقّه في شيء.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 161- ما صح لنبى أن يخون فى المغنم كما أشاع المنافقون الكذابون، لأن الخيانة تنافى النبوة، فلا تظنوا به ذلك، ومن يخن يأت يوم القيامة بإثم ما خان فيه، ثم تُعطى كل نفس جزاء ما عملت وافياً، وهم لا يظلمون بنقصان الثواب أو زيادة العقاب. 162- ليس من سعى فى طلب رضا الله بالعمل والطاعة مثل الذى باء بغضب عظيم من الله بسبب المعصية. ومصير العاصى جهنم وبئس ذلك المصير. 163- ليس الفريقان سواء، بل هم متفاوتون عند الله تفاوت الدرجات والله عالم بأحوالهم ودرجاتهم، فيجازيهم على قدرها. 164- لقد تفضل الله على المؤمنين الأولين الذين صحبوا النبى، بأن بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آيات الكتاب، ويطهرهم من سوء العقيدة، ويعلمهم علم القرآن والسنة. وقد كانوا من قبل بَعثه فى جهالة وحيرة وضياع. 165- أجزعتم وتخاذلتم وقلتم مستغربين حين أصابتكم مصيبة يوم أُحد قد أصبتم ضعفيها يوم بدر: من أين لنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله فينا؟. قل - يا محمد -: الذى أصابكم من عند أنفسكم بسبب مخالفتكم الرسول والله قادر على كل شئ، وقد جازاكم بما عملتم. 166- إن الذى أصابكم - أيها المؤمنون - يوم التقى جمعكم وجمع المشركين بأُحد واقع بقضاء الله، وليظهر للناس ما علمه من إيمان المؤمن حقاً.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أن يغلَّ: أي يأخذ من الغنيمة خفية، إذ الغلُّ والغلول بمعنى السرقة من الغنائم قبل قسمتها. توفى: تجزى ما كسبته في الدنيا وافياً تاماً يوم القيامة. رضوان الله: المراد به ما يوجب رضوانه من الإِيمان والصدق والجهاد. وسخط الله: غضبه الشديد على الفاسقين عن أمره المؤذين لرسوله صلى الله عليه وسلم. مَنَّ: أنعم وتفضل. رسولا من أنفسهم: هو محمد صلى الله عليه وسلم. يزكيهم: بما يرشدهم إليه من الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والآداب العالية. الحكمة: كل قول صالح نافع أبداً ومنه السنة النبوية. معنى الآيات: الغل والغلول والأغلال بمعنى واحد وهو أخذ المرء شيئاً من الغنائم قبل قسمتها وما دام السياق في غزوة أحد فالمناسبة قائمة بين الآيات السابقة وهذه، ففي الآية الأولى [161] ينفي تعالى أن يكون من شأن الأنبياء أو مما يتأتى صدوره عنهم الإِغلال وضمن تلك أن أتباع الأنبياء يحرم عليهم أن يغلوا، ولذا قرىء في السبع أن يُغَل بضم الياء وفتح الغين أي يفعله اتباعه بأخذهم من الغنائم بدون إذنه. هذا معنى قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} ثم ذكر تعالى جزاء وعقوبة من يفعل وقال: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} فأخبرهم تعالى أن من أغل شيئاً يأت به يوم القيامة يحمله حتى البقرة والشاة كما يُبِينَ ذلك في الحديث، ثم يحاسب عليه كغيره ويجزى به، كما تجزى كل نفس بما كسبت من خير أو شر ولا تظلم نفس شيئاً لغنى الرب تعالى عن الظلم وعدله. هذا مضمون الآية الأولى أما الثانية [162] ينفي تعالى أن تكون حال المتبع لرضوان الله تعالى بالإِيمان به ورسوله وطاعتهما بفعل الأمر واجتناب النهي، كحال المتبع لسخط الله تعالى بتكذيبه تعالى وتكذيب رسوله ومعصيتهما بترك الواجبات وفعل المحرمات فكانت جهنم مأواه، وبئس المصير جهنم. هذا معنى قوله تعالى: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} ثم ذكر تعالى أن كلاً من أهل الرضوان، وأصحاب السخط متفاوتون في درجاتهم عند الله، بحسب أثر أعمالهم في نفوسهم قوة وضعفاً فقال: {هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}، فدل ذلك على عدالة العليم الحكيم. هذا ما دلت عليه الآية [163] أما الآية الآخيرة [164] فقد تضمنت امتنان الله تعالى على المؤمنين من العرب ببعثه رسوله فيهم، يتلو عليهم آيات الله فيؤمنون ويكملون في إيمانهم ويزكيهم من أوضار الشرك وظلمة الكفر بما يهديهم به، ويدعوهم إليه من الإِيمان وصالح الأعمال وفاضل الأخلاق وسامي الآداب، ويعلمهم الكتاب المتضمن للشرائع والهدايات والحكمة التي هي فهم أسرار الكتاب، والسنة، وتتجلى هذه النعمة أكثر لمن يذكر حال العرب في جاهليتهم قبل هذه النعمة العظيمة عليهم هذا معنى قوله تعالى في الآية الأخيرة: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تحريم الغلول وأنه من كبائر الذنوب. 2- طلب رضوان الله واجب، وتجنب سخطه واجب كذلك، والأول يكون بالإِيمان وصالح الأعمال والثاني يكون بترك الشرك والمعاصي. 3- الإسلام أكبر نعمة وأجلها على المسلمين فيجب شكرها بالعمل به والتقيد بشرائعه وأحكامه. 4- فضل العلم بالكتاب والسنة.

القطان

تفسير : الغل: الأخذ خِفية كالسرقة، يقال غلّ فلان في الغنيمة يغُل غلولاً، وأغل إغلالا ـ خان فيها، وأخذ شيئا منها خفية. تُوفّى: تعطى. "حديث : روي أَن هذه الآية نزلت يوم أحد عندما ترك الرماة موقعهم على الجبل طلباً للغنيمة، إذ قالوا: نخشى أن يقول النبي: مَن أخذ شيئاً فهو له، وأَن لا يقسم الغنائم كما قسمها يوم بدر. فقال لهم الرسول: ألم أعهد اليكم الا تتركوا موضعكم حتى يأتيكم أمري؟ فأجابوا: تركنا بقية اخواننا وقوفا. فقال لهم: بل ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم ". تفسير : وكان بعض المنافقين قد اشاعوا ان الغنائم يوم بدر قد اختفت، واتهموا الرسول الكريم انه اخفاها. فكذّبهم الله. والمعنى هنا: لا يجوز لنبي ان يخون في الغنائم، لأن النبوة أساسها الأمانة. وفي هذا نفي الخيانة عن جميع الأنبياء. لقد عصمهم الله من الغلول والخيانة لأن النبوة أعلى المناصب الانسانية، فصاحبُها معصوم عن كل ما فيه دناءة وخسة. اما الناس فقد يقع منهم ذلك، فمن فعله أتى بما غل به يوم القيامة، ليفتضَح فيه أمره ويزيد به عذابه. {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} يومذاك تعطى كل نفس جزاء ما عملت وافيا تاما، لا تلقى ظلماً بنقصان في الثواب او زيادة في العقاب. "حديث : روى عبد الله بن احمد عن عبادة بن الصامت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِياكم والغُلول، فان الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أَدُّوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب البعيد، في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة. إنه لَينجي الله تبارك وتعالى به من الهم والغم. وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذْكم في الله لومةُ لائم ". تفسير : وهناك أحاديث كثيرة في هذا الموضوع. وقد عملتْ هذه الآية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية السلف الصالح من المسلمين حتى أتوا بالعجب العجاب: حُملت الغنائم الى عمر بن الخطاب بعد القادسية، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقوَّمان بثمن ـ فنظرَ رضي الله عنه الى ما أدَّاه الجندُ في غبطة وقال: "ان قوماً أدوا هذا لأمِيرهم لأمناء". قراءات: قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب: "ان يُغَل" على البناء للمفعول، والمعنى على هذه القراءة ما صح لنبي أن ينسب الى الغلول أو يخونه أحد، أما عند قراءتها "يغُل" بفتح الياء وضم الغين فالمعنى المقصود ان يخون في الغنائم.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقِيَامَةِ} (161) - يُنَزِّهُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيةِ رَسُولَهُ الكَرِيمَ عَنْ أخْذِ شَيءٍ مِنَ المَغْنَمِ خِلْسَةً (عَنِ الغُلُولِ)، وَعَنِ الخِيَانَةِ فِي أدَاءِ الأمَانَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: مَا يَنْبَغِي لِنَبيٍّ أنْ يَغُلَّ لأنَّ الله عَصَمَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَيُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى مَنْ يَغُلُّ بأنَّهُ سَيَأتِي يَوْمَ القِيَامَةِ وَهُوَ يَحْمِلُ مَا غَلَّ لِيُحَاسَبَ عَلَيهِ، وَاللهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ. (هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي قَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ المَغْنَمِ، فَقَالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ أَخَذَهَا). الغُلُولُ - الخِيانَةُ فِي المَغْنَمِ وَأخْذُ شَيءٍ مِنْهُ خِلْسَةً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما معنى "يغُل"؟ أولاً: "الغلول" هو الأخذ في الخفاء. وهو مأخوذ من "أغل الجازر" - أي الجزار - أي عندما يسلخ الجلد يأخذ بعض اللحم مع الجلد، ثم يطوي الجلد مخفياً ما أخذه من اللحم، هذا هو الأصل، وأطلق شرعاً على الخيانة في الغنائم، ففي هول المعارك قد يجد المقاتل شيئاً ثميناً فيأخذ هذا الشيء خفية، وهذا اسمه "الغلول"، وأيضاً كلمة "الغِلُّ في الصدور" أي إخفاء الكراهية، وكل المادة إخفاء. والحق يقول: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] لماذا؟ لأن من الجائز أن الرماة - في غزوة أحد - ساعة رأوا الغنائم أقبلوا عليها؛ لأن غنائم بدر لم تكن قد قسمت بين كل من اشتركوا في القتال، فالذي كان يعثر على غنيمة كان يأخذها، وكانت بدر أول معركة، وكان الهدف من ذلك تشجيع المقاتلين. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم: قد قال: "حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه ". تفسير : وظن المقاتلون في أحُد أن المسألة ستكون مثل بدر، وظن البعض أن الرسول لن يعطيهم غنائم، فيوضح الحق سبحانه وتعالى: بأن هذه مسألة وتلك مسألة أخرى، فمن يفعل مثل هذا يكون قد غَل. وساعة تسمع: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] أي أن من طبعه صلى الله عليه وسلم ومن فطرته وسجيته ألاَّ يتأتى ذلك منه أبداً، لكن من الجائز أن يحدث مثل ذلك من واحد من أمته، إذن فهناك فرق بين امتناع المؤمن أن يكون غالاً، أي يأخذ لنفسه شيئاً من الغنيمة، وامتناع الرسول أن يكون غالاً، لأن طبعه وسجيَّته لا تستقيم مع هذه، لكن الأمر يختلف مع المقاتلين؛ فمن الممكن أن يكون أحدهم كذلك، فسيدنا عمر في معركة الفرس، حينما جاء جماعة بتاج كسرى، والتاج فيه كل النفائس وتلك سمة عظمة الملوك، فقال الفاروق عمر: إن قوماً أدوا إلى أميرهم هذا لأمناء. فقد كان من الممكن أنهم يخفونه. {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} [آل عمران: 161] وساعة تسمع "وما كان" أي: وما ينبغي ولا يصح أن يكون ذلك الأمر، وبعد ذلك يأتي بالحكم العام فيمكن أن يحدث غلول من أحَدٍ فيقول: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161] فالذي غل في حاجة وخان فيها يأتي بها يوم القيامة كما صورها الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حلّة إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رُغاء أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيعَر، ثم رفع يديه حتى رُئيَ بياض إبطيه يقول: اللهم قد بلغت ". تفسير : إن من يأخذ حراماً في خفية يأتي يوم القيامة وهو يحمل البعير أو البقرة أو الشاة مثلاً. وآه لو كان ما أخذه حماراً فله نهيق!! فإذا كان سيأتي بما غَل يوم القيامة - فالذي أخذه سيفضحه - ولذلك تسمى "الفاضحة"، و"الطامة". إذن فمن الممكن في الدنيا أن يأخذها خفية ويغُل. لكن سيأتي في يوم القيامة وهو يحمل ما أخذه على ظهره، ثم يقول منادياً رسول الله: يا محمد .. يا محمد، لأن كل مسلم قد علم واطمأن إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رءوف ورحيم وأنه لن يرضى بهذه الحكاية، لكن رسول الله أبلغ عن عقاب من يفعل ذلك في حياته، وعلى كل المؤمنين به ألا يفكروا في الغلول وأخذ الغنيمة خفية. ولماذا تكون الغنيمة في الحرب شراً؟ لأن المقاتل يعيش أثناء القتال في مهمة أن تكون كلمة الله هي العليا فكيف يرضى لنفسه بهذه المهانة وهي إخفاء الغنيمة؟ إنه يحارب من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، ويجب أن يكون في مستوى ذلك. وبعد ذلك يأتي الحق بالقضية العامة: {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} [آل عمران: 161]، وهي تشمل الغلول في الغنيمة والغلول في غير الغنيمة، ولنتصور هذه بالنسبة لكل من يخون أمانة أؤتمن عليها، وأنه سيأتي يوم القيامة يحمل عمارة - مثلاً - لأنه بناها بغير أمانة أو يحمل أطناناً من سمك لأنه سرقها، أو يحمل أطناناً من الجبن الفاسد التي استوردها. فكل من سرق شيئاً سيأتي يوم القيامة وهو يحمله، وإذا كنا نشهد أن الناس لا تطيق أن تفضح بين الخلق، والخلق محدودون لأنهم المعاصرون، فما بالك بالفضيحة التي ستكون لعموم الخلق من أول آدم إلى أن تقوم الساعة. إذن فعلى كل إنسان أن يحرس نفسه لأن المسألة ستنفضح. {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161] وما دام سبحانه سيوفى كل نفس ما كسبت فكل سيأخذ قدر ما فعل، فلا ظلم، فلو ترك الأمر بلا حساب لكان هذا هو الظلم وحاشاً لله أن يظلم أحداً، وبعد تلك التهيئة والإيضاح يقول سبحانه: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَنْ يَغُلَّ} معناه أَنْ يُخان.

الجيلاني

تفسير : ثم لما نسب المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما برأه الله ذيل عصمته عنه من الخيانة والغلول، راد الله عليهم في ضمن الحكمة الكلية، الشاملة لجميع الأنبياء؛ إذ مرتبة النبوة مطلقاً مصونة عن أمثال هذه الخرافات، فقال: {وَمَا كَانَ} أي: ما صح وما جاز {لِنَبِيٍّ} من الأنبياء، خصوصاً خاتم النبوة والرسالة صلى الله عليه وسلم {أَنْ يَغُلَّ} يخون ويحيف بالنسبة إلى أحد {وَمَن يَغْلُلْ} أحداً من الناس {يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} أي: تأتي مغلولة مع ما غل فيه على رءوس الأشهاد {ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ} مطيعة أو عاصية جزاء {مَّا كَسَبَتْ} أي: يعطي جزاء ما كسبت وافياً {وَهُمْ} في تلك الحالة {لاَ يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161] لا ينقصون من أجورهم؛ إذ لا ظلم فيها، بل يزاد عليها تفضلاً وامتناناً. {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ} انقاد وأطاع {رِضْوَانَ ٱللَّهِ} أي: رضاه، ورضي الله عنه؛ لتحققه بمقام الرضا ومأواه جنة التسليم {كَمَن بَآءَ} رجع وقصد بكفر وظلم مستلزم {بِسَخَطٍ} عظيم {مِّنَ ٱللَّهِ وَ} بسببه {مَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} البعد الطرد {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 162] والمنقلب مصير أهل الكفر والظلم وحاشا ليسوا كمثلهم. بل {هُمْ} أي: المتابعون رضوان الله {دَرَجَٰتٌ} عالية عظيمة {عِندَ ٱللَّهِ} حسب درجات أعمالهم {وٱللَّهُ} المطلع لحالات عباده {بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163] يجازيهم على مقتضى عملهم، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. والله {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ} منة عظيمة {عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} المخلصين {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ} لهدايتهم {رَسُولاً} مرشداً لهم، ناشئاً {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} يرشدهم بأنواع الإرشاد {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} ويسمعهم أولاً {آيَاتِهِ} الدالة على وحدة ذاته {وَيُزَكِّيهِمْ} ثانية عن وسوسة شياطين الأهواء، المضلة عن طريق التوحيد {وَيُعَلِّمُهُمُ} ثالثاً {ٱلْكِتَابَ} المبيِّن لهم طريقة تصفية الظاهر، وما يتعلق بعالم الشهادة {وَ} رابعاً بعلمهم {ٱلْحِكْمَةَ} المصفيَّة للباطن عن الميل إلى الغير والسوى، الموصلة إلى سدرة المنتهى التي عندها جنبة المأوى {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي: قبل انكشافهم بالمراتب الأربعة {لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164] وخذلان عظيم. نبهنا بفضلك عن نومة الغافلين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الغلول هو: الكتمان من الغنيمة، [والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان] وهو محرم إجماعا، بل هو من الكبائر، كما تدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها من النصوص، فأخبر الله تعالى أنه ما ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل، لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب. وقد صان الله تعالى أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقا، وأطهرهم نفوسا، وأزكاهم وأطيبهم، ونزههم عن كل عيب، وجعلهم محل رسالته، ومعدن حكمته {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته } . تفسير : فبمجرد علم العبد بالواحد منهم، يجزم بسلامتهم من كل أمر يقدح فيهم، ولا يحتاج إلى دليل على ما قيل فيهم من أعدائهم، لأن معرفته بنبوتهم، مستلزم لدفع ذلك، ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الفعل منهم، فقال: { وما كان لنبي أن يغل } أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته. ثم ذكر الوعيد على من غل، فقال: { ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة } أي: يأت به حامله على ظهره، حيوانا كان أو متاعا، أو غير ذلك، ليعذب به يوم القيامة، { ثم توفى كل نفس ما كسبت } الغال وغيره، كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه، { وهم لا يظلمون } أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئا من حسناتهم، وتأمل حسن هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة. لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم -بالمفهوم- أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره. __________

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 165 : 29 : 35 - سفين في قراءة بن عباس {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} قال، بلى ويقتل. [الآية 161].

همام الصنعاني

تفسير : 475- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}: [الآية: 161]، قال: أن يغله أصحابه، {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}: [الآية: 161]. 476- عبد الرزاق، قال معمر: وقال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا غنم مغنماً بَعَثَ مُنادياً فنادى: "حديث : ألا لا يَغُلّن رجل مخيطاً فما دونه، ألا لا يُغلّن رجل بعيراً فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء، ألا لا يغلّن رجل فرساً فيأتي به يوم القيامة على ظهره له حَمحمة ". تفسير : 477- عبد الرزاق قال: أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: جاء عقيل بن أبي طالب بمخيط فقال لامرأته: خَيِّطي بهذه ثيابك، قال: فبعث النبي صلى الله عليه وسلم منادياً: ألا يغلّن رجل إبرة فما دونها، فقال عقيل لامرأته: ما أرى إبرتك إلا قد فاتتك. 478- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، قال: أخبرنا همام، قال: سمعت أبا هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : غزا نبيٌّ من الأنبياء، فقال: لا يغزون معي رجل تزوَّج امرأة لم يبن بها، ولا رجل له غنم ينتظر ولادتها، ولا رجل يبني بناء لم يفرغ منه، فلما أتى المكان الذي يريده، وجاءه عند العصر قال للشمس: إنك مأمورة وإني مأمو: اللهم احبسها عليَّ ساعة فحُبِسَت له ساعة حتى فتح الله عليه، قال: وزعموا أنها لم تُحْبَسْ لأَِحدٍ قَبْلَه ولا بعده، ثم وضعت الغنيمة فجاءت النار فلم تأكلها، فقال: إن فيكم غلولاً فَلْيُبَايِعْنِي من كل قبيلة منكم رجل، قال: فلزقت يده بيد رجلين أو ثلاثة، قال: إن فيكم الغلول. قال: فأخرجوا رأس بقرة من ذهب فألقوه في الغنيمة، فجاءت النار فأكلتها، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فلم تحل الغنيمة لأحدٍ قبلنا، وذلك أن الله رأى ضعفنا فطيَّبها لنا ".