٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
162
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: {أية : ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } تفسير : [آل عمران: 161] أتبعه بتفصيل هذه الجملة، وبين ان جزاء المطيعين ما هو، وجزاء المسيئين ما هو، فقال: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: للمفسرين فيه وجوه: الأول: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } في ترك الغلول {كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ ٱللَّهِ } في فعل الغلول، وهو قول الكلبي والضحاك. الثاني: {أفمن اتبع رضوان الله} بالإيمان به والعمل بطاعته، {كمن باء بسخط من الله} بالكفر به والاشتغال بمعصيته، الثالث: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } وهم المهاجرون، {كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ ٱللَّهِ } وهم المنافقون، الرابع: قال الزجاج: لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الى أن يحملوا على المشركين، ففعله بعضهم وتركه آخرون. فقال: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } وهم الذين امتثلوا أمره {كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ ٱللَّهِ } وهم الذين لم يقبلوا قوله، وقال القاضي: كل واحد من هذه الوجوه صحيح، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه لأن اللفظ عام، فوجب أن يتناول الكل. لأن كل من أقدم على الطاعة فهو داخل تحت قوله {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } وكل من أخلد الى متابعة النفس والشهوة فهو داخل تحت قوله: {كَمَن بَاء بِسَخطٍ مّنَ ٱللَّهِ } أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة، لكنك تعلم أن عموم اللفظ لا يبطل لأجل خصوص السبب. المسألة الثانية: قوله: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ } الهمزة فيه للانكار، والفاء للعطف على محذوف تقديره: أمن اتقى فاتبع رضوان الله. المسألة الثالثة: قوله: {بَاء بِسَخطٍ } أي احتمله ورجع به، وقد ذكرناه في سورة البقرة. المسألة الرابعة: قرأ عاصم في إحدى الروايتين عنه: {رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } بضم الراء، والباقون بالكسر وهما مصدران، فالضم كالكفران، والكسر كالحسبان. المسألة الخامسة: قوله: {وَمَأْوَٰهُ جَهَنَّمُ } من صلة ما قبله والتقدير: كمن باء بسخط من الله وكان مأواه جهنم، فأما قوله: {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } فمنقطع عما قبله وهو كلام مبتدأ، كأنه لما ذكر جهنم أتبعه بذكر صفتها. المسألة السادسة: نظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلهُمْ كـَٱلَّذِينَ آمنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصـَّٰلِحـَٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ ومماتُهُمْ } تفسير : [الجاثية: 21] وقوله: {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } تفسير : [السجدة: 18] وقوله: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [ص: 28] واحتج القوم بهذه الآية على أنه لا يجوز من الله تعالى أن يدخل المطيعين في النار، وأن يدخل المذنبين الجنة، وقالوا: انه تعالى ذكر ذلك على سبيل الاستبعاد، ولولا أنه ممتنع في العقول، وإلا لما حسن هذا الاستبعاد، وأكد القفال ذلك فقال: لا يجوز في الحكمة أن يسوى المسيء بالمحسن، فإن فيه إغراء بالمعاصي وإباحة لها وإهمالا للطاعات.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} يُريد بتَرِك الغُلُول والصّبر على الجهاد. {كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} يُريد بكُفْرٍ أو غُلولٍ أو تَولٍّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في الحرب. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي مَثْوَاه النَّار، أي إن لم يَتُب أو يعفو الله عنهُ. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي المرجِع. وقرىء رِضُوْانُ بكسر الرّاء وضَمّها كالعُدوان (والعِدوان). ثم قال تعالىٰ: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ} أي ليس من اتّبَع رِضْوان الله كَمَنْ باء بِسَخَطٍ منه. قيل: «هُمْ دَرَجَاتٌ» مُتفاوِتةٌ، أي هم مُختلفُوا المنازِل عند الله؛ فَلِمن اتّبع رضوانه الكَرامةُ والثّوابُ العظيمُ، ولِمن بَاءَ بِسَخَطٍ منه المَهانةُ والعذابُ الأليمُ. ومعنى «هُمْ دَرَجَاتٌ». أي ذَوُو دَرَجاتٍ. أو على دَرَجات، أو في دَرجاتٍ، أو لهم دَرَجاتٌ. وأهل النار أيضاً ذوو دَرَجات؛ كما قال: «حديث : وجدته في غَمَرات من النار فأخرجته إلى ضَحْضَاح»تفسير : . فالمؤمن والكافر لا يستويان في الدّرجة؛ ثم المؤمنون يختلفون أيضاً، فبعضهم أرفع درجة من بعض، وكذلك الكفار. والدّرجةُ الرّتبةُ، ومنه الدَّرَج: لأنه يُطوَى رُتْبةً بعد رُتْبةٍ. والأشهر في منازل جهنم دَرَكات؛ كما قال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء: 145] فلمن لم يَغُلّ درجات في الجنة، ولمن غَلّ دَركاتٌ في النار. قال أبو عبيدة: جهنَّمُ أَدْرَاكٌ، أي منازل؛ يُقال لكل منزل منها: دَرَك ودَرْك. والدّرَكُ إلى أسفل، والدّرجُ إلى أعلىٰ.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ } فأطاع ولم يَغُل {كَمَن بَآء } رجع {بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ } لمعصيته وغلوله {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع هي.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {أفمن اتبع رضوان الله} يعني فترك الغلول فلم يغل {كمن باء} أي رجع {بسخط من الله} يعني بغضب من الله والمعنى فغل والسخط الغضب الشديد المفضي للعقوبة وهو من الله إنزال العقوبة بمن سخط عليه وقيل في معنى الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر المسلمين باتباعه والخروج معه يوم أحد اتبعه المؤمنون وتخلف عنه جماعة من جماعة المنافقين فأخبرنا الله تعالى بحال من اتبعه بقوله {أفمن اتبع رضوان الله} وبحال من تخلف عنه بقوله: {كمن باء بسخط من الله} {ومأواه جهنم وبئس المصير} يعني الغال أو المتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم {هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون} يعني هم ذوو درجات عند الله قال ابن عباس: يعني من اتبع رضوان الله ومن باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله فلمن اتبع رضوان الله الثواب العظيم ولمن باء بسخط من الله ليسوا سواء بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم. وقيل الضمير في قوله هم درجات عائد على قوله أفمن اتبع رضوان الله فقط لأن الغالب في العرف استعمال الدرجات لأهل الثواب والدركات لأهل النار ولأن الله وصف من باء بسخط من الله إن مأواه جهنم وبئس المصير فدل على أن الضمير في قوله هم درجات عند الله راجع للأول وفيه تحريض على العمل بطاعته وتحذير عن العمل بمعاصيه. قوله عز وجل: {لقد منّ الله على المؤمنين} يعني أحسن إليهم وتفضل عليهم والمنة النعمة العظيمة وذلك في الحقيقة لا يكون إلا من الله ومنه قوله تعالى لقد منّ الله على المؤمنين {إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} يعني من جنسهم عربياً مثلهم ولد ببلدهم ونشأ بينهم يعرفون نسبه وليس حي من أحياء العرب إلا وقد ولده وله فيهم نسب. إلا بني تغلب فإنهم كانوا نصارى وقد ثبتوا على النصرانية فطهر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يكون له فيهم نسب وقيل أراد بالمؤمنين جميع المؤمنين ومعنى قوله تعالى من أنفسهم أي بالإيمان والشفقة لا بالنسب ومن جنسهم ليس بملك ولا أحد من غير بني آدم وقيل من أنفسهم يعني أنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام ووجه المنّة والإنعام على المؤمنين ببعث الرسول صلى الله عليه وسلم لكونه داعياً لهم إلى ما يخلصهم من العذاب الأليم ويوصلهم إلى الثواب في جنات النعيم وكونه من أنفسهم ومن جنسهم لأنه إذا كان اللسان واحداً سهل الأخذ عنه فيما يجب عليهم، وكانوا واقفين على جميع أحواله وأفعاله يعرفون صدقه وأمانته فكان ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به، وفي كونه من أنفسهم شرف لهم وكان فيما خطب به أبو طالب حين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وقد حضر ذلك بنو هاشم ورؤساء مضر قوله الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد وعنصر مضر وجعلنا سدنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوباً وحرماً آمنا وجعلنا الحكام على الناس وإن ابني هذا محمد بن عبدالله لا يوزن به فتى إلا رجح وهو الله بعد هذا له نبأ عظيم وخطب جليل. وقيل في وجه المنّة ببعثة الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن الخلق جبلوا على الجهل ونقصان العقل وقلة الفهم وعدم الدراية فمنّ الله تعالى على خلقه وأنعم عليهم وأحسن إليهم بأن بعث فيهم رسولاً من أنفسهم أنقذهم به من الضلالة وبصرهم به من الجهالة وهداهم به إلى صراط مستقيم وإنما خص المؤمنين بالذكر لأنهم هم المنتفعون بما جاء به دون غيرهم {يتلو عليهم آياته} يعني يقرأ عليهم كتابه الذي أنزل عليه بعد أن كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي السماوي {ويزكيهم} أي ويطهرهم من دنس الكفر ونجاسة المحرمات والخبائث {ويعلمهم الكتاب والحكمة} يعني القرآن والسنّة التي سنها لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم {وإن كانوا من قبل} يعني من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم {لفي ضلال مبين} يعني لفي جهالة وحيرة عن الهدى عمياً لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً فهداهم الله بنبيّه صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: {أو لما أصابتكم مصيبة} يعني ما أصابهم يوم أحد {قد أصبتم مثليها} يعني ببدر وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين وقتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين وقيل إن المسلمين هزموا المشركين يوم بدر وهزمهم في أول الأمر يوم أحد ولما عصوا الله ورسوله هزمهم المشركون فحصل انهزام المشركين مرتين وانهزام المسلمين مرة واحدة {قلتم أنى هذا} أي من أين لنا هذا القتل والهزيمة ونحن المسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا وهو استفهام إنكار {قل هو من عند أنفسكم} يعني إنما وقعتم فيما وقعتم فيه بشؤم ذنوبكم وهو مخالفتكم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه صلى الله عليه وسلم اختار الإقامة في المدينة على الخروج إلى العدو واختاروا هم الخروج إليه وأيضاً أمر الرماة بالإقامة في الموضع الذي عينه لهم فخالفوا وتركوا المركز لأجل الغنيمة فكان ذلك سبب القتل والهزيمة. وروى عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يضربوا أعناق الأسارى وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا يا رسول الله عشائرنا وإخواننا بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فقتل منهم يوم أحد سبعون عدد أسارى أهل بدر لم يسنده البغوي وأسنده ابن جرير الطبري فذلك معنى قوله {قل هو من عند أنفسهم} يعني بأخذكم الفداء واختياركم القتل لأنفسكم {إن الله على كل شيء قدير} يعني من نصركم مع الطاعة وترك نصركم مع المخالفة.
ابن عادل
تفسير : لما قال - في الآية الأولى -: {أية : ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ} تفسير : [آل عمران:161] أتبعه بتفصيل هذه الجملة، فقال: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} والكلام [في] مثله قد تقدم من أن الفاء النية بها التقديم على الهمزة، وأن مذهب الزمخشريِّ تقدير فعل بينهما. قال أبو حيّان: وتقديره - في هذا التركيب - متكلِّف جدًّا. والذي يظهر من التقديرات: أجعل لكم تمييزاً بين الضالِّ والمهتدي، فمن اتبع رضوان الله واهتدَى ليس كمَنْ باء بسخَطِه؛ وغل؛ لأن الاستفهام - هنا - للنفي. و "مَنْ" - هنا - موصولة بمعنى الذي في محل بالابتداء، والجار والمجرور الخبر، قال أبو البقاء: "ولا يجوز أن يكون شَرْطاً؛ لأن "كَمَنْ" لا يصلح أن يكون جواباً". يعني: لأنه كان يجب اقترانه بالفاء؛ لأن المعنى يأباه. و "بِسَخَطٍ" يجوز أن يتعلق بنفس الفعل، أي: رجع بسخطه، ويجوز أن يكون حالاً، فيتعلق بمحذوف، أي رجع مصاحباً لسخطه، أو ملتبساً به، و {مِّنَ ٱللَّهِ} صفته. والسَّخَط: الغضبُ الشديدُ، ويقال: سَخَط - بفتحتين - وهو مصدر قياسي، ويقال: سُخْط - بضم السين، وسكون الخاء - وهو غير مقيس. ويقال: هو سُخْطةُ الملك - بالتاء - أي في كرهه منه له. وقرأ عاصم - في إحدى الروايتين عنه - رُضْوان - بضم الراء - والباقون بكسرها، وهما مصدران، فالضم كالكُفْران، والكسر كالحِسْبان. فصل {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ} الهمزة فيه للإنكارِ، والفاء، للعطف على محذوف، والتقدير: أفمن اتقى فاتبع رضوان الله وقوله: "بَاءَ" أي: رجع، وقد تقدم. واختلف المفسّرون، فقال الكلبيُّ والضحَّاك: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} في ترك الغلول {كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} في فِعْل الغُلول؟. وقيل: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} بالإيمان به والعمل بطاعة {كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} بالكفر به والاشتغال بمعصيته؟ وقيل: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} وهم المهاجرون {كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} وهم المنافقون؟. وقال الزَّجَّاجُ: لما حمل المشركون على المسلمين دَعَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى أن يَحْملوا على المشركين، ففعله بعضهم، وتركه آخرونَ، فقوله: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} وهم الذين امتثلوا أمره {كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} وهم الذين لم يقبلوا قَوْلَه؟ قال القاضي: كُلُّ وَاحِدٍ من هذه الوجوهِ صحيحٌ، ولكن لا يجوز قصر اللفظ عليه؛ لأن اللفظ عام؛ فيجب أن يتناول الكُلُّ، وإن كانت الآيةُ نزلت في واقعة معينة لكن عمومَ اللفظِ لا يُبْطَلُ بِخُصوصِ السبب. وقوله: {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} في هذه الجملة احتمالان: أحدهما: أن تكون مستأنفة، أخبر أن مَنْ بَاءَ بِسَخَطه أوَى إلى جهنمَ، وتفهم منه مقابله، وهو أن من اتّبع الرضوانَ كان مأواه الجنة، وإنما سكت عن هذا، ونص على ذلك ليكون أبلغ في الزَّجْر، ولا بد من حذف في هذه الجُمَلِ، تقديره: أفمن أتبع ما يؤول به إلى رضا الله فباء برضاه كمن اتبع ما يؤول به إلى سخطه؟ الثاني: أنها داخلة في حَيِّز الموصول، فتكون معطوفة على "بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ الله" فيكون قد وصل الموصول بجملتين: اسمية وفعلية، وعلى الاحتمالين، لا محلَّ لها من الإعراب. قوله: {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} المخصوص بالذم محذوف، أي وبئس المصيرُ جهنمُ. واشتملت الآية على الطباق في قوله: {يَنصُرْكُمُ} و {يَخْذُلْكُمْ} وقوله: {رِضْوَانَ ٱللَّهِ} و "بسخطه" والتجنيس المماثل في قوله: {يَغُلَّ} و {بِمَا غَلَّ}.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلاً تسبب عنه الإنكار على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة، فظن غير ذلك من استواء حال المحسن وغيره، أو فعل فعلاً وقال قولاً يؤدي إلأى ذلك كالمنافقين و كالمقبلين على الغنيمة فقال تعالى: {أفمن اتبع} أي طلب بجد واجتهاد {رضوان الله} أي ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق، فصار إلى الجنة ونعم الصبر {كمن بآء} أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح، أو حل وأقام {بسخط من الله} أي من الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ثم الإدبار لولا العفو {ومأواه جهنم} أي جزاء بما جعل أسباب السخط مأواه {وبئس المصير *} أي هي. ولما أفهم الإنكار على من سوّى بين الناس أنهم متمايزون صرح بذلك في قوله: {هم درجات} أي متباينون تباين الدرجات. ولما كان اعتبار التفاوت ليس بما عند الخلق قال: {عند الله} أي الملك الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك عليكم، لأن الله سبحانه وتعالى خلقهم فهو عالم بهم حين خلقهم {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {بصير} أي بالبصر والعلم {بما يعملون *} أي بعد إيجادهم، لأن ذلك أيضاً خلقه وتقديره، ولس لهم فيه إلا نسبته إليهم بالكسب، فهو يجازيهم بحسب تلك الأعمال، فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال وهو الحكم العدل! فعلم بما في هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ما ابتدىء به الكلام من التوفية. ولما أرشدهم إلى هذه المراشد، وبين لهم بعض ما اشتملت عليه من الفوائد، وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم بما له من الفضائل التي من أعظمها كونه من جنسهم، يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم، فيألفونه فيعلمهم؛ نبه على ذلك سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه، ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هدية فقال سبحانه وتعالى - مؤكداً لما اقتضاه الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول -: {لقد من الله} أي ذو الجلال والإكرام {على المؤمنين} خصهم لأنهم المجتبون لهذه النعمة {إذا بعث فيهم} أي فيما بينهم أو بسببهم {رسولاً} وزادهم رغبة فيه بقوله: {من أنفسهم} أي نوعاً وصنفاً، يعلمون أمانته وصيانته وشرفه ومعاليه وطهارته قبل النبوة وبعدها {يتلوا عليهم آياته} أي فيمحو ببركة نفس التلاوة كبيراً من شر الجان وغيرها مما ورد في منافع القرآن مما عرفناه، وما لم نعرفه أكثر {ويزكيهم} أي يطهرهم من أوضار الدنيا والأوزار بما يفهمه بفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن العبارات، وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ذلك، كما مضى في سورة البقرة {ويعلمهم الكتاب} أي تلاوة بكونه من نوعهم يلذ لهم التلقي منه {والحكمة} تفسيراً وإبانة وتحريراً {وإن} أي والحال أنهم {كانوا} ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال {من قبل} أي من قبل ذلك {لفي ضلال مبين *} أي ظاهر، وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي على نفسه بإيضاح لبسه، وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام علمهم من الحكمة في هذه الوقعة ما أوجب نصرتهم في أول النهار، فلما خالفوه حصل الخذلان. ولما أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها. وأثبت ما له من أضدادها من معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم: لو كان رسولاً ما انهزم أصحابه عنه، فقال تعالى: {أولما} أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول الكريم الحليم العليم الحكيم ولما {أصابتكم} أي في هذا اليوم {مصيبة} لمخالفتكم لأمره وإعراضكم عن إرشاده {قد أصبتم مثليها} أي في بدر وأنتم في لقاء العدو وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه الغزوة، وما كان ذلك إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه {قلتم أنّى} من أين وكيف أصابنا {هذا} أي بعد وعدنا النصر {قل هو من عند أنفسكم} أي لأن الوعد كان مقيداً بالصبر والتقوى، وقد تركتم المركز وأقبلتم على الغنائم قبل الأمر به، وعن علي رضي الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم الفداء يوم بدر الذي نزل فيه {أية : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} تفسير : [الأنفال: 68] وأباح لهم سبحانه وتعالى الفداء بعد أن عاتبهم وشرط عليهم إن اختاروه أن يقتل منهم في العام المقبل بعدّ الأسرى، فرضوا وقالوا: نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق الشهادة. ثم علل ذلك بقوله: {إن الله} أي الذي لا كفوء له {على كل شيء} أي من النصر والخذلان ونصب أسباب كل منهما {قدير *} وقد وعدكم بذلك سبحانه وتعالى في العام الماضي حين خيركم فاخترتم الفداء، وخالف من خالف منكم الآن، فكان ذكر المصيبة التي كان سببها مخالفة ما رتبه صلى الله عليه وسلم بعد ختم الآية التي قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من الضلال على ما ترى من البلاغة. ولما كانت نسبة المصيبة إليهم ربما أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف الإلهية أن بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال: {وما أصابكم} ولما استغرقت الحرب ذلك اليوم نزع الجار فقال: {يوم التقى الجمعان} أي حزب الله وحزب الشيطان في أحد {فبإذن الله} أي بتمكين من له العظمة الكاملة وقضائه، وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان من نسبة الإحياء والإماتة إليه. ولما كان التقدير: ليؤدبكم به، عطف عليه قوله: {وليعلم المؤمنين *} أي الصادقين في إيمانهم. ولما كان تعليق العلم بالشيء على حدته أتم وآكد من تعليقه به مع غيره أعاد العامل لذلك، وإشعاراً بأن أهل النفاق أسفل رتبة من أن اجتمعوا مع المؤمنين في شيء فقال: {وليعلم الذين نافقوا} أي علماً تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، وهذا مثل قوله هناك {أية : وليبتلي الله ما في صدوركم}تفسير : [آل عمران: 154]. وعطف على قوله {نافقوا} ما أظهر نفاقهم، أو يكون حالاً من فاعل {نافقوا} فقال: {وقيل لهم تعالوا قاتلوا} أي أوجدوا القتال {في سبيل الله} أي الذي له الكمال كله بسبب تسهيل طريق الرب الذي شرعه {أو ادفعوا} أي عن أنفسكم وأحبائكم على عادة الناس لا سيما العرب {قالوا لو نعلم} أي نتيقن {قتالاً} أي أنه يقع قتال {لاتبعناكم} أي لكنه لا يقع فيما نظن قتال ورجعوا. ولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهراً في نفاقهم ترجمة بقوله: {هم للكفر يومئذ} أي يوم إذ كان هذا حالهم {أقرب منهم للإيمان} عند كل من سمع قولهم أو رأى فعلهم، ثم علل ذلك أو استأنف بقوله - معبراً بالأفواه التي منها ما هو أبعد من اللسان لكونهم منافقين، فقولهم إلى أصوات الحيوان أقرب منه إلى كلام الإنسان ذي العقل واللسان لأنهم -: {يقولون بأفواههم} ولما أفهم هذا أنه لا يجاوز ألسنتهم فلا حقيقة له ولا ثبات عندهم؛ صرح به في قوله {ما ليس في قلوبهم} بل لا شك عندهم في وقوع القتال، علم الله هذا منهم كما علموه من أنفسهم {والله} أي الذي له الإحاطة الكاملة {أعلم} أي منهم {بما يكتمون *} أي كله لأنه يعلمه قبل كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه، وإذا كان نسوه بتطاول الزمان والله سبحانه وتعالى لا ينساه.
ابو السعود
تفسير : {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ} أي سعىٰ في تحصيله وانتحىٰ نحوَه حيثما كان بفعل الطاعاتِ وتركِ المنكرات كالنبـي ومن يسير بسيرته {كَمَن بَاء} أي رجع {بِسَخْطٍ} عظيم لا يقادَرُ قدرُه كائنٍ {مِنَ ٱللَّهِ} تعالى بسبب معاصيه كالغالِّ ومن يَدين بدينه، والمرادُ تأكيدُ نفي الغلولِ عن النبـي عليه الصلاة والسلام وتقريرُه بتحقيق المباينةِ الكليةِ بـينه وبـين الغالِّ حيث وُصف كلٌّ منهما بنقيض ما وُصف به الآخَرُ فقوبل رضوانُه تعالى بسَخَطه، والاتِّباعُ بالبَوْء، والجمع بـين الهمزةِ والفاءِ لتوجيه الإنكارِ إلى ترتب توهُّمِ المماثلةِ بـينهما والحُكمِ بها على ما ذُكر من حال الغالِّ كأنه قيل: أبعد ظهورِ حالِهِ يكونُ مَنْ ترقّى إلى أعلى عِلِّيـين كمَنْ ترَدَّى إلى أسفلِ سافلين؟ وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موضع الإضمارِ لإدخال الرَّوْعةِ وتربـيةِ المهابة {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} إما كلامٌ مستأنَفٌ مَسوقٌ لبـيان مآلِ أمْرِ مَنْ باء بسَخَطه تعالى، وإما معطوفٌ على قوله تعالى باء بسخط عطفَ الصِلةِ الاسميةِ على الفعلية، وأياً ما كان فلا محلَّ له من الإعراب {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي وبئس المصيرُ جهنمُ، والفرقُ بـينه وبـين المرجِعِ أو الأولَ يُعتبر فيه الرجوعُ على خلاف الحالةِ الأولى بخلاف الثاني. {هُمْ} راجعٌ إلى الموصولَين باعتبار المعنى {دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ} أي طبقاتٌ متفاوتةٌ في علمه تعالى وحُكمِه، شُبِّهوا في تفاوت الأحوالِ وتبايُنِها بالدرجات مبالغةً وإيذاناً بأن بـينهم تفاوتاً ذاتياً كالدرجات أو ذوو درجاتٍ {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} من الأعمال ودرجاتِها فيجازيهم بحسبها. {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ} جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله لقد منّ الله أي أنعم {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي من قومه عليه السلام {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ} أي من نسبَهم أو من جنسهم عربـياً مثلَهم ليفقهوا كلامَه بسهولة ليكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانةِ مفتخرين به، وفي ذلك شرف لهم عظيم، قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف، الآية 44] وقرىء من أنفَسِهم أي أشرافهم فإنه عليه السلام كان من أشرف قبائلِ العربِ وبطونِها وقرىء لَمِنْ منِّ الله على المؤمنين إذ بعث الخ، على أنه خبر لمبتدأ محذوفٍ أي منُّه إذ بعث الخ، أو على أن إذ في محل الرفعِ على الابتداء بمعنى لمن منّ الله عليه من المؤمنين وقتُ بعثِه، وتخصيصُهم بالامتنان مع عموم نعمةِ البعثةِ الأسود والأحمرِ لما مرّ من مزيد انتفاعِهم بها وقوله تعالى: {مّنْ أَنفُسِهِمْ} متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لرسولاً أي كائناً من أنفسهم وقوله تعالى: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ} صفةٌ أخرى أي يتلو عليهم القرآنَ بعد ما كانوا أهلَ جاهليةٍ لم يطرُق أسماعَهم شيءٌ من الوحي {وَيُزَكّيهِمْ} عطفٌ على يتلو أي يطهرهم من دنس الطبائعِ وسوءِ العقائدِ وأوضارِ الأوزار {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي القرآنَ والسنةَ وهو صفةٌ أخرى لرسولاً مترتبةٌ في الوجود على التلاوة، وإنما وُسِّط بـينهما التزكيةُ التي هي عبارةٌ عن تكميل النفسِ بحسَب القوةِ العلميةِ وتهذيبِها المتفرِّعَ على تكميلها بحسَب القوةِ النظريةِ الحاصلِ بالتعليم المترتبِ على التلاوة، للإيذان بأن كلَّ واحدٍ من الأمور المترتبةِ نعمةٌ جليلةٌ على حيالها مستوجِبةٌ للشكر فلو رُوعيَ ترتيبُ الوجودِ كما في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ} تفسير : [البقرة، الآية 129] لتبادر إلى الفهم عدُّ الجميعِ نعمةً واحدةً، وهو السرُّ في التعبـير عن القرآن بالآياتِ تارةً وبالكتاب والحكمةِ [تارةً] أخرى رمزاً إلى أنه باعتبار كلِّ عنوانٍ نعمةٌ على حِدَة، ولا يقدح في ذلك شمولُ الحكمةِ لما في مطاوي الأحاديثِ الكريمةِ من الشرائع كما سلف في سورة البقرة {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ} أي من قبلِ بعثتِه عليه السلام وتزليتِه وتعليمِه {لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي بـيِّن لا ريب في كونه ضلالاً وإن هي المخففةُ من الثقيلة، وضميرُ الشأنِ محذوفٌ واللامُ فارقةٌ بـينها وبـين النافية، والظرفُ الأولُ لغوٌ متعلقٌ بكان، والثاني خبرُها وهي مع خبرها خبرٌ لأن المخففة التي حُذف اسمُها أعني ضميرَ الشأن، وقيل: هي نافية واللامُ بمعنى إلا، أي وما كانوا من قبل إلا في ضلال مبـين، وأياً ما كان فالجملةُ إما حالٌ من الضمير المنصوبِ في يعلمهم أو مستأنفةٌ، وعلى التقديرين فهي مبـيِّنة لكمال النعمةِ وتمامِها.
القشيري
تفسير : لا يستوي مَنْ رضي عنه في آزاله ومَنْ سخط عليه فخذله في أحواله، وجعله متكلاً على أعماله، ناسياً لشهود أفضاله، واتباع الرضوان بمفارقة زُجِر عنه، ومعانقة ما أُمِرَ به، فَمَنْ تجرَّد عن المزجور، وتجلَّد في اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان، واستوجب الجنان. {هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ}: أي هم أصحاب درجات في حكم الله، فَمِنْ سعيدٍ مُقَرَّب، ومِنْ شَقِيٍّ مُبْعَد.
اسماعيل حقي
تفسير : {أفمن اتبع رضوان الله} الهمزة للانكار والفاء للعطف على محذوف والتقدير أمن اتقى فاتبع رضوان الله اى سعى فى تحصيله وانتحى نحوه حيثما كان يفعل الطاعات ويترك المنكرات كالنبى ومن يسير بسيرته {كمن باء} اى رجع {بسخط} غضب عظيم لا يقادر قدره كائن {من الله} بسبب معاصيه كالغال ومن تدين بدينه والمراد انهما لا يستويان {ومأواه} اى مأوى من باء بسخط من الله {جهنم وبئس المصير} والفرق بينه وبين المرجع ان المصير يجب ان يخالف الحالة الاولى ولا كذلك المرجع.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {أفمن اتبع رضوان الله} بأن اعتقد في نبيه الكمال، وأطاعه في وصف الجلال والجمال، وهم المؤمنون، حيث نزهوا نبيهم من النقائص، ومَن هَجَسَ في قلبه شيء بادر إلى التوبة، ثم اتصف بكمال الخصائص، هل يكون {كمن باء} بغضب {من الله}؟ وهم المنافقون، حيث نافقوا الرسول واتهموه - عليه الصلاة والسلام - بالغلول. أو يقول: {أفمن ابتع رضوان الله} بالطاعة والانقياد {كمن باء بسخط من الله} بالمعاصي وسوء الاعتقاد {ومأواه جهنم وبئس المصير} أي المنقلب، والفرق بين المصير والمرجع: أن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى، ولا كذلك المرجع. قاله البيضاوي. {وهم درجات عند الله} أي: أهل الرضوان درجات متفاوتة عند الله، على قدر سعيهم في موجب الرضا، وأهل السخط درجات أيضاً، على قدر تفاوتهم في العصيان، وهو على حذف مضاف، أي: ذُوو درجات، {والله بصير بما يعملون}؛ {فيجازي كُلاًّ} على قدر سعيه. الإشارة: {فأمن اتبع رضوان الله} بتعظيم الأولياء والعلماء وأهل النسبة، كمن باء بسخط من الله بإهانة من أمر الله أن يُعظم ويُرفع، ومأواه حجاب الحس وعذاب البعد، {وبئس المصير}، فأهل القرب درجات على قدر تقربهم إلى ربهم، وأهل البعد درجات في البعد على قدر بعدهم من ربهم، بشؤم ذنبهم وسوء أدبهم، والله بصير بأعمالهم وما احتوت عليه قلوبهم.
الطوسي
تفسير : المعنى، والنزول: قيل. في معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها - قال الحسن، والضحاك معناها، أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول، وهو اختيار الطبري قال: لأنه أشبه بما تقدم. الثاني - قال ابن اسحاق {أفمن اتبع رضوان الله} في العمل بطاعته على ما كره الناس {كمن باء بسخط من الله} في العمل بمعصيته على ما أحبوا. الثالث - قال الزجاج، وأبو علي: {أفمن اتبع رضوان الله} بالجهاد في سبيله {كمن باء بسخط من الله} بالفرار منه رغبة عنه. وسبب نزولها أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما أمر بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين، فأنزل الله فيهم هذه الآية. اللغة: {ورضوان الله} - بكسر الراء وضمها - لغتان، وقرأ بالضم حفص عن عاصم على ما حكيناه عنه، فالضم على وزن الكفران. والكسر على وزن حسبان. وباء معناه رجع تقول: باء بذنبه يبوء بوءاً إذا رجع به. وبوأته منزلا أي هيأته، لأنه يرجع إليه، لأنه مأواه. والبواء قتل الجاني بمن قتله. والسخط من الله من هو إرادة العقاب بمستحقه، ولعنه وهو مخالف للغيظ، لأن الغيظ هو هيجان الطبع وانزعاج النفس، ولا يجوز اطلاقه على الله تعالى. والمصير: هو المرجع. والفرق بينهما أن المرجع هو انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها. والمصير: انقلاب الشيء إلى خلاف الحال التي هو عليها نحو مصير الطين خزفاً، ولم يرجع خزفاً، لأنه لم يكن قبل ذلك حزفاً، فأما مرجع الفضة خاتماً فصحيح، لأنه قد كان قبل خاتماً وأما مرجع العباد إلى الله، فلأنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئاً، كما كانوا قبل ما ملكوا.
الجنابذي
تفسير : {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} الرّضوان بكسر الرّاء وضمّها والرضى مقصوراً بالكسر والضمّ مصدرا رضى عنه وعليه والرّضاء بكسر الرّاء ممدوداً مصدر راضاه، واتّباع رضوان الله لا يكون الاّ باتّباع امر الله ونهيه بالفعل والتّرك، ولا يكون الاّ باتّباع الرّسول (ص) فى امره ونهيه {كَمَن بَآءَ} رجع الى الله {بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} بترك ما أمر به وفعل ما نهى عنه {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} جهنّم. الفرق بين المصير والمرجع انّ المصير ما ينتهى اليه مع تغيّر عمّا هو عليه والمرجع مطلق عن ذلك ولمّا كان المتحقّق برضوان الله عليّاً (ع) والمتحقّق بسخط الله كلّ من خالفه صحّ تفسير التّابع لرضوان الله بالتّابع لعلىّ (ع) والبائى بسخط الله بمن اتّبع مخالفه.
الهواري
تفسير : قوله: {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللهِ} أي: كمن استوجب سخط الله، يقول: أهما سواء؟ على الاستفهام؛ أي إنهما ليسا سواء. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ}. قوله: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللهِ} يعني أهل النار، بعضهم أشد عذاباً من بعض، وأهل الجنة أيضاً، بعضهم أرفع درجات من بعض، قال: {وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}. ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : الدرجة في الجنة فوق الدرجة كما بين السماء والأرض. وإن العبد ليرفع بصره فيلمع له برق يكاد يخطف بصره فيقول: ما هذا؟ فيقال: هذا نور أخيك فلان. فيقول: أخي فلان! كنا نعمل في الدنيا جميعاً وقد فُضِّل عليّ هكذا؟ فيقال: إنه كان أحسن منك عملاً. قال: ثم يجعل في قلبه الرضا حتى يرضى .
اطفيش
تفسير : {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ}: بأن أطاعه، الهمزة للإنكار والمعطوف عليه محذوف، أى أهم عمون، فمن اتبع رضوان الله عندهم. {كَمَنْ بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}: ويقدر المضاف أى أفمن اتبع سبب رضوان الله وسبب رضوانه دينه، ورضوانه أنعامه، أو علمه بسعادة الإنسان، أى اتبع سبب ما علمه من السعادة، وهو الوفاء بدينه، وضد الرضوان السخط، وباء بمعنى رجع، أى كمن رجع إلى الله بالموت، حال كونه مقروناً بسخطه، أو كمن أعرض عن رضوان الله، بسبب بمعاصيه المقدرة من الله، فالسخط فى هذا الوجه، بمعنى المعاصى، لأنها سبب السخط ضد الرضوان، ومرجعه جهنم وبئس المصير، هى الرجوع أصله أن يكون إلى الحالة الأولى كالرجوع إلى الشرك فى الآية، والمصير أصله أن يكون غير الحالة الأولى كجهنم، كذا قيل، ولعل المصير التحول إلى الحالة الأولى أو غيرها، والمصير فى الآية: اسم مكان وقيل نزلت الآية فى من تبع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم أحد، فهو قد اتبع رضوان الله، ومن تخلف عنه فى المدينة، وهم جماعة من المنافقين فهم من غل الذين باءوا بسخط من الله، ومأواهم جهنم، ولم يغل كمن باء بسخط منه، بل أعاد الظاهر تفخيماً للأمر.
اطفيش
تفسير : {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ} بطاعته وطاعة رسوله، وترك الغلول والفرار والكفر، وثبتت له الجنة، أو اتبع موجب رضوان الله، أى فأمن اتبع، أو اجعل الله له تمييزاً بين الضال والمهتدى، فمن اتبع، والاستفهام للنفى، ومن موصولة أو موصوفة {كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ} عقاب على معاصيه وغلوله وفراره وكفره {مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبئْسَ الْمَصِيرُ} هى والجملتان من الصلة، لا مستأنفتان عنها، والمصير اسم مكان ميمى، ولا داعى إلى جعله مصدرا ميميا، بمعنى بئس المصير صيرهم إلى جهنم، والأصل فى صار أن يكون فى غير ما كان فيه قبل، وفى رجع أن يكون فيما كان فيه قبل، وقد يتعاكسان، وقد يلاحظ فى الرجوع إلى الله معنى ما كانوا عليه قبل من كونهم لا خيار لهم ولا ملك.
الالوسي
تفسير : {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } أي سعى في تحصيله وانتحى نحوه {كَمَن بَاء } أي رجع {بِسَخَطٍ } أي غضب عظيم جداً وهو بفتحتين مصدر قياسي، ويقال: بضم فسكون وهو غير مقيس والجار متعلق بالفعل قبله، وجوز أن يكون حالاً فيتعلق بمحذوف أي رجع مصاحباً لسخط. {مِنَ ٱللَّهِ } أي كائن منه تعالى. وفي المراد من الآية أقوال: أحدها: أن المعنى أفمن اتبع رضوان الله تعالى في العمل بالطاعة كمن باء بسخط منه سبحانه في العمل بالمعصية ـ وهو المروي عن ابن إسحق ـ ثانيها: أن معناه أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كالنبـي ومن يسير بسيرته كمن باء بسخط من الله تعالى بفعل الغلول، وروي ذلك عن الحسن والضحاك واختاره الطبري لأنه أوفق بالمقام، ثالثها: أن المراد أفمن اتبع رضوان الله تعالى بالجهاد في سبيله كمن باء بسخط منه جل جلاله في الفرار عنه، ونقل ذلك عن الجبائي والزجاج، قيل: وهو المطابق لما حكي في سبب النزول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين واتبعه المؤمنون فأنزل الله تعالى هذه الآية ـ وفيه بعد ـ وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لما مر غير مرة. {وَمَأْوَٰهُ جَهَنَّمُ } أي مصيره ذلك، وفي الجملة احتمالان، الأول: أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان حال من باء بسخط ويفهم من مقابله أن من اتبع الرضوان كان مأواه الجنة ولم يذكر ذلك ليكون أبلغ في الزجر، وقيل: لم يذكر مع الرضوان الجنة لأن رضوان الله تعالى أكبر وهو مستلزم لكل نعيم وكون السخط مستلزماً لكل عقاب فيقتضي أن تذكر معه جهنم في حيز المنع لسبق الجمال الجلال فافهم، والثاني: أنها داخلة في حيز الموصول / فتكون معطوفة على {بَاء بِسَخَطٍ } عطف الصلة الاسمية على الصلة الفعلية، وعلى كلا الاحتمالين لا محل لها من الإعراب {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } إما تذييل أو اعتراض، أو معطوف على الصلة بتقدير ويقال في حقهم ذلك، وأياً مّا كان فالمخصوص بالذم محذوف أي [وبئس المصير] جهنم، والمصير اسم مكان، ويحتمل المصدرية وفرقوا بينه وبين المرجع بأن المصير يقتضي مخالفة ما صار إليه من جهنم لما كان عليه في الدنيا لأن الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى حال أخرى كصار الطين خزفاً، والمرجع انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها كقولك: مرجع ابن آدم إلى التراب، وأما قولهم: مرجع العباد إلى الله تعالى فباعتبار أنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئاً كما كان قبل ما ملكوا.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: {ثم توفى محل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون} فهو كالبيان لتوفية كلّ نفس بما كسبت. والاستفهام إنكار للمماثلة المستفادة من كاف التَّشبيه فهو بمعنى لا يستوون. والاتِّباع هنا بمعنى التطلّب: شبه حَال المتوّخي بأفعاله رضَى الله بحال المتطلِّب لطِلْبَة فهو يتبعها حيث حلّ ليقتنصها، وفي هذا التَّشبيه حسن التنبيه على أنّ التحصيل على رضوان الله تعالى محتاج إلى فرط اهتمام، وفي فعل (باء) من قوله: {كمن بآء بسخط من الله} تمثيل لحال صاحب المعاصي بالَّذي خرج يطلب ما ينفعه فرجع بما يضرّه، أو رجع بالخيبة كما تقدّم في معنى قوله تعالى: {أية : فما ربحت تجارتهم }تفسير : في سورة البقرة (16). وقد علم من هذه المقابلة حال أهل الطاعة وأهل المعصية، أوْ أهلِ الإيمان وأهلِ الكفر. وقوله: {هم درجات عند الله} عاد الضّمير لـ {من اتَّبع رضوان الله} لأنَّهم المقصود من الكلام، ولقرينة قوله: {درجات} لأن الدرجات منازل رفعة. وقوله: {عند الله} تشريف لمنازلهم.
القطان
تفسير : باء: رجع. مأواه: منزله. أردف الله تعالى بهذه الآية ليبين أن جزاء المطيعين ليس كجزاء المسيئين: أفمن اتقى وسعى في تحصيل رضا الله بالعمل الطيب والطاعة التامة مثلُ الذي باء بغضب عظيم من الله بسبب عصيانه وغلوله وخيانته!! كلا، ان منزل العاصي الذي غلّ وخان هو جهنم، وساءت منقلبا. والحق ان كلاً ممن اتبع رضوان الله ومن باء بغضب من الله ـ طبقات مختلفة ومنازل متفاوتة، حسب الأعمال الحسنة أو السيئة. ولا يعلم هذه الدرجات الا من أحاط بكل شيء علما، لأنه جلّ جلاله هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
د. أسعد حومد
تفسير : {رِضْوَانَ} {مَأْوَاهُ} (162) - لاَ يَسْتَوي مَنِ اتَّبَعَ أمْرَ اللهِ فِيمَا شَرَعَهُ، وَتَرَكَ الغُلُولَ وَغَيْرَهُ مِنَ الفَوَاحِشِ وَالمُنْكَرَاتِ، حَتَّى زَكَتُ نَفْسُهُ، فَاسْتَحَقَّ رِضْوَانَ اللهِ، وَجَزيلَ ثَوَابِهِ، مَعَ مَنِ اسْتَحَقَّ غَضَبَ اللهِ بِفِعْلِ الخَطَايا، وَارْتِكَابِ الذُّنُوبِ: مِنْ سَرِقَةٍ، وَخِيَانَةِ أَمَانَةٍ، وَغُلُولٍ، وَقَتْلٍ، وَسَلْبٍ .. فَكَانَ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً. بَاءَ بِسَخَطٍ - رَجَعَ مُتَلَبِّساً بِغَضَبٍ شَدِيدٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والحق سبحانه وتعالى حين يطرح بعض القضايا طرح الاستفهام، فهو يطرحها لا ليعلم هو فهو عالم، ولكن ليستنطق السامع، ونطق السامع حجة فوق خبر المخبر، فلو قال: إن الذي يتبع رضوان الله لا يساوي من ذهب إلى سخط الله لكان ذلك إخباراً منه وهو صادق فيما يقول، لكنه سبحانه يريد أن يستنطق عباده بالقضية، {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ} [آل عمران: 162], "باء" أي: رجع {بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 162]. لا شك أن كل من يسمع عن الفاروق بين اتباع الرضوان، أو الرجوع بالسخط يقول: إن اتباع الرضوان يرفع درجة الإنسان، والذي يبوء بالسخط يهبط إلى درك الخسران، فالقضية قالها السامع .. فكأن الحق يستنطقنا بالقضية لتكون حجة علينا، والذي يتبع رضوان الله بالطاعة، أيساويه من يرجع إلى سخط الله بالمعصية؟! أفمن يتبع رضوان الله فلا يغُل في الغنيمة ولا يختان في الأمانة كمن غل في الغنيمة وخان في الأمانة؟ أفمن اتبع رضوان الله بأن استمع لأوامر الله حين استنفره لجهاد العدو، كمن لم يذهب لنداء الله ليكون في جند الله مقاتلاً لعدو الله، لا؛ فالذي لا يستجيب لنداء الله هو من يبوء بسخط الله. و"السخط" هو: إظهار التقبيح، لكن إظهار التقبيح قد لا يؤثر في أناس غليظي الإحساس، لا تنفع فيهم اللعنة أو الشتائم؛ لذلك جاء سبحانه بالحكم: {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [آل عمران: 162] و"مأواه" أي المكان الذي يأوي ويرجع إليه هو جهنم وبئس المصير. وبعد ذلك يقول الحق: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه لا يستوي من كان قصده رضوان ربه، والعمل على ما يرضيه، كمن ليس كذلك، ممن هو مكب على المعاصي، مسخط لربه، هذان لا يستويان في حكم الله، وحكمة الله، وفي فطر عباد الله. { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ولهذا قال هنا: { هم درجات عند الله } أي: كل هؤلاء متفاوتون في درجاتهم ومنازلهم بحسب تفاوتهم في أعمالهم. فالمتبعون لرضوان الله يسعون في نيل الدرجات العاليات، والمنازل والغرفات، فيعطيهم الله من فضله وجوده على قدر أعمالهم، والمتبعون لمساخط الله يسعون في النزول في الدركات إلى أسفل سافلين، كل على حسب عمله، والله تعالى بصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء، بل قد علمها، وأثبتها في اللوح المحفوظ، ووكل ملائكته الأمناء الكرام، أن يكتبوها ويحفظوها، ويضبطونها.
همام الصنعاني
تفسير : 479- عبد الرزاق، قال: أنبأنا عُيَيْنة، عن مطرف، عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ}: [الآية: 162]، قال: من لم يغل. {كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ}: [الآية: 162]، قال: كمن غلَّ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):