٣ - آلِ عِمْرَان
3 - Al-Imran (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
163
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسائل. المسألة الأولى: تقدير الكلام: لهم درجات عند الله، إلا أنه حسن هذا الحذف، لان اختلاف أعمالهم قد صيرتهم بمنزلة الأشياء المختلفة في ذواتها. فكان هذا المجاز أبلغ من الحقيقة والحكماء يقولون: إن النفوس الانسانية مختلفة بالماهية والحقيقة، فبعضها ذكية وبعضها بليدة، وبعضها مشرقة نورانية، وبعضها كدرة ظلمانية، وبعضها خيرة وبعضها نذلة، واختلاف هذه الصفات ليس لاختلاف الامزجة البدنية، بل لاختلاف ماهيات النفوس، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الناس معادن كمعادن الذهب والفضة» تفسير : وقال: «حديث : الأرواح جنود مجندة» تفسير : واذا كان كذلك ثبت أن الناس في أنفسهم درجات، لا أن لهم درجات. المسألة الثانية: {هم} عائد الى لفظ «من» في قوله: {أية : أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 162] ولفظ «من» يفيد الجمع في المعنى، فلهذا صح أن يكون قوله: {هُمْ } عائدا اليه، ونظيره قوله: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ } فان قوله: {يَسْتَوُونَ } صيغة الجمع وهو عائد الى «من». المسألة الثالثة: {هم} ضمير عائد الى شيء قد تقدم ذكره، وقد تقدم ذكر من اتبع رضوان الله وذكر من باء بسخط من الله، فهذا الضمير يحتمل أن يكون عائداً الى الأول، أو الى الثاني، أو إليهما معاً، والاحتمالات ليست إلا هذه الثلاثة. الوجه الأول: أن يكون عائدا الى {مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ } وتقديره: أفمن اتبع رضوان الله سواء، لا بل هم درجات عند الله على حسب أعمالهم، والذي يدل على أن هذا الضمير عائد إلى من اتبع الرضوان وأنه أولى، وجوه: الأول: أن الغالب في العرف استعمال الدرجات في أهل الثواب، والدركات في أهل العقاب. الثاني: أنه تعالى وصف من باء بسخط من الله، وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصير، فوجب أن يكون قوله: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ } وصفا لمن اتبع رضوان الله. الثالث: أن عادة القرآن في الأكثر جارية بأن ما كان من الثواب والرحمة فان الله يضيفه إلى نفسه، وما كان من العقاب لا يضيفه الى نفسه، قال تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ } وقال: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ } تفسير : [البقرة: 178] {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصّيَامُ } تفسير : [البقرة: 183] فما أضاف هذه الدرجات الى نفسه حيث قال: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ } علمنا أن ذلك صفة أهل الثواب. ورابعها: أنه متأكد بقوله تعالى: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } تفسير : [الإسراء: 21]. والوجه الثاني: أن يكون قوله: {هُمْ دَرَجَـٰتٌ } عائدا على {مِّن بَاءَ بِسَخَطٍ مّنَ ٱللَّهِ } والحجة أن الضمير عائد الى الأقرب وهو قول الحسن، قال: والمراد أن أهل النار متفاوتون في مراتب العذاب، وهو كقوله: {أية : وَلِكُلّ دَرَجَـٰتٌ مّمَّا عَمِلُواْ } تفسير : [الأحقاف: 19] وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجل يحذى له نعلان من نار يغلي من حرهما دماغه ينادي يا رب وهل أحد يعذب عذابي».تفسير : الوجه الثالث: أن يكون قوله: {هُمْ } عائدا الى الكل، وذلك لأن درجات أهل الثواب متفاوتة، ودرجات أهل العقاب أيضا متفاوتة على حسب تفاوت أعمال الخلق، لأنه تعالى قال: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه} تفسير : [الزلزلة: 7، 8] فلما تفاوتت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات وجب أن تتفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب. المسألة الرابعة: قوله: {عَندَ ٱللَّهِ } أي في حكم الله وعلمه، فهو كما يقال: هذه المسألة عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا، وبهذا يظهر فساد استدلال المشبهة بقوله: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 19] وقوله: {أية : عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ }تفسير : [القمر: 55]. ثم قال تعالى: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } والمقصود أنه تعالى لما ذكر أنه يوفي لكل أحد بقدر عمله جزاء، وهذا لا يتم إلا اذا كان عالما بجميع أفعال العباد على التفصيل الخالي عن الظن والريب والحسبان، أتبعه ببيان كونه عالما بالكل تأكيدا لذلك المعنى، وهو قوله: {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } وذكر محمد بن إسحق صاحب المغازي في تأويل قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِىّ أَنْ يَغُلَّ } تفسير : [آل عمران: 161] وجها آخر فقال: ما كان لنبي أن يغل أي ما كان لنبي أن يكتم الناس ما بعثه الله به اليهم رغبة في الناس أو رهبة عنهم ثم قال: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوٰنَ ٱللَّهِ } يعني رجح رضوان الله على رضوان الخلق، وسخط الله على سخط الخلق، {كَمَن بَاء بِسَخَطٍ مّنَ ٱللَّهِ } فرجح سخط الخلق على سخط الله، ورضوان الخلق على رضوان الله، ووجه النظم على هذا التقرير أنه تعالى لما قال: {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلأمْرِ } تفسير : [آل عمران: 159] بين أن ذلك إنما يكون معتبرا اذا كان على وفق الدين، فأما اذا كان على خلاف الدين فانه غير جائز، فكيف يمكن التسوية بين من اتبع رضوان الله وطاعته، وبين من اتبع رضوان الخلق، وهذا الذي ذكره محتمل، لأنا بينا أن الغلول عبارة عن الخيانة على سبيل الخفية، وأما أن اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في الغنيمة فهو عرف حادث.
البيضاوي
تفسير : {هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ} شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب، أو هم ذوو درجات. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} عالم بأعمالهم ودرجاتهم صادرة عنهم فيجازيهم على حسبها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُمْ دَرَجَٰتٌ } أي أصحاب درجات {عِندَ ٱللَّهِ } أي مختلفو المنازل فلمن اتبع رضوانه الثواب ولمن باء بسخطه العقاب {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فيجازيهم به.
ابن عادل
تفسير : {هُمْ دَرَجَاتٌ} مبتدأ وخبر، ولا بد من تأويل [بالإخبار] بالدرجات عن "هم" لأنها ليست إياهم، فيجوز أن يكون جُعلُوا نَفْسَ الدرجات مبالغةً، والمعنى: أنهم متفاوتون في الجزاء على كَسْبهم، كما أن الدرجات متفاوتة والأصل على التشبيه، أي: هم مثل الدرجات في التفاوت. ومنه قوله: [الوافر] شعر : 1686- أنصْبٌ لِلْمَنِيَّةِ تَعْتَريهم رِجَالِي أمْ هُمُ دَرَجُ السُّيُولِ تفسير : ويجوز أن يكون على حَذْف مضاف، أي: هم ذوو درجات، أي: أصحاب منازل ورُتَب في الثواب والعقاب وأجاز ابنُ الخطيب أن يكون في الأصل: لهم درجاتٌ - فحُذِفت اللامُ - وعلى هذا يكون "درجات" مبتدأ، وما قبلها الخبرُ، وردَّه بعضهم، وقال: هذا من جهله وجهل متبوعيه - من المفسرين - بلسان العرب، وقَالَ: لا مساغ لحذف اللام ألبتة؛ لأنها إنما تُحَذَف في مواضع يضطر إليها، وهنا المعنى واضحٌ، مستقيم من غير تقدير حَذْف. قال شهابُ الدينِ: "وادِّعاء حذف اللام خَطَأٌ، والمخطئ معذورٌ؛ وقد نُقِلَ عن المفسرين هذا، ونقل عن ابن عبَّاسٍ والحسنِ لكل درجات من الجنة والنار، فإن كان هذا القائل أخذ من هذا الكلام بأن اللام محذوفة فهو مخطئ؛ لأن هؤلاء - رضي الله عنهم - يفسَِّرون المعنى لا الإعراب اللفظي". وقرأ النخعي "هم درجة" بالإفراد على الجنس. قوله: {عِندَ ٱللَّهِ} فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بـ "درجات" على المعنى؛ لما تضمنت من معنى الفعل، كأنه قيل: هم متفاضلون عند الله. ثانيهما: أن يتعلق بمحذوف صفة لـ "درجات" فيكون في محل رفع. فصل "هم" عائد إلى لفظ "من" في قوله: {أية : أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:162] ولفظ "من" معناه الجمع. ونظيره قوله تعالى: {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} تفسير : [السجدة: 18]. ثم قال: "لا يستوون" بصيغة الجمع، وهو عائد إلى "من". واعلم أنه لما عاد إلى المتقدم ذكره، والذي تقدّم ذكره نوعان: من اتبع رضوان الله، ومن باء بسخطٍ من الله - يُحتمل أن يعودَ إلى الأول، ويحتمَل أن يعودَ إلى الثاني، ويحتمل أن يعودَ إليهما، فإن عاد إلى الأول صَحَّ - ويكون التقديرُ: إنّ أهلَّ الثَّواب درجات على حسب أعمالهم - لوجوه: الأول: أن الغالب - في العُرْف - استعمال الدرجاتِ في أهل الثّوابِ والدركات في أهل العقابِ. الثاني: أن ما كان من الثّواب والرحمة فإن الله يُضيفه إلى نفسه وما كان من العقاب لا يضيفه إلى نفسه قال تعالى: {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعام: 54] فلما أضاف هذه الدرجات إلى نفسه - حيث قال: "عند الله" - علمنا أن المراد أهل الثواب ويؤكده هذا قوله تعالى: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 21]. الثالث: أنه - تعالى - وصف مَنْ باء بِسَخَطٍ من الله - وهو أن مأواهم جهنم وبئس المصيرِ - فوجب أن يكون قوله: "هم درجات" وصفاً لمَن اتبع رضوان الله. وإن أعدنا الضمير إلى مَنْ باء بسخط فلأنه أقرب، وهو قول الحسن، قال: إن المراد به أن أهل النارِ متفاوتون في مراتب العذاب، كقوله: {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} تفسير : [الأحقاف: 19] وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إنَّ فِيهَا ضَحْضَاحاً وغَمْراً، وأنَا أرَجْو أنْ يَكُونَ أبُو طِالِبٍ فِي ضَحْضَاحِهَا ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ أهْوَنَ أهْلِ النَّارِ رجُلٌ لَهُ نَعْلانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْ حَرِّهِمَا دِمَاغُهُ ". تفسير : وإذا أعدنا الضمير إليهما فلأن درجات أهل الثواب متفاوتة، وكذلك درجات أهل العقاب، قال تعالى: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة: 7، 8]. وقوله: "عَنْدَ اللهِ" أي: في حكم الله وعلمه، كما يقال: هذه المسألة عند الشافعيّ كذا، وعند أبي حنيفة كذا. ثم قال: {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أي: عالم بجميع أفعال العباد على التفصيل. فصل ذكر محمدُ بن إسحاق - في تأويل قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} تفسير : [آل عمران: 161] - وجهاً آخر، فقال: أي: ما كان لنبي ان يكتمَ الناس ما بعثه الله به إليهم، رغبةً أو رهبةً، ثم قال: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ} يعني: رجَّح رضوانَ الله على رضوان الخَلْق وسَخَط الله على الخَلْق {كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} فرجَّح سخَط الخلق على سخط الله، ورضوان الخَلْق على رضوان الله؟ ووجه النَّظم - على هذا التقدير - أنه تعالى لما قال: {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ} تفسير : [آل عمران: 159] بيَّن أنَّ ذلك إنما يكون معتبراً إذا كان على وفق الدين، فأما إذا كان على خِلاف الدّينِ فإنه غيرُ جائزٍ، فكيف يُمكنُ التسويةُ بين مَن اتبع رضوانَ الله وطاعته وبَيْنَ من اتبع رضوانَ الخلقِ؟ قال ابنُ الخَطِيبِ: "وهذا الذي ذكره مُحْتَمَل، لأنا بيَّنَّا أنَّ الغلولَ عبارةٌ عن الخيانة على سبيل الخفية، فأما اختصاص هذا اللفظ بالخيانة في الغنيمة، فهو عُرْفٌ حادِثٌ".
اسماعيل حقي
تفسير : {هم} راجع الى الموصولين باعتبار المعنى {درجات عند الله} اى طبقات مختلفة متفاوتة فى علمه وحكمه تعالى شبهوا فى تفاوت الاحوال وتباينها بالدرجات مبالغة وايذانا بأن بينهم تفاوتا ذاتيا كالدرجات ومراتب الخلق فى اعمال المعاصى والطاعات متفاوتة فوجب ان تتفاوت مراتبهم فى درجات العقاب والثواب لقوله تعالى {أية : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} تفسير : [الزلزلة: 7-8]. والمعنى ذو درجات {والله بصير بما يعملون} من الاعمال ودرجاتها فمجازيهم بحسبها. واعلم ان الغلول من الكبائر والغال خائن ومن حاله ان يكون الغالب عليه النفس وهواها والانبياء منسلخون عن صفات البشرية متصفون بصفات الربوبية معصومون من الرذائل وصفات النفس ودواعى الشيطان قائمون بالله فلا يمكن صدور امثال ذلك منهم فالنبى فى جنة الصفات ومقام الرضوان والغال فى جحيم النفس وهاوية الهوى فلا يساوى حال الغال احوال الانبياء ولذلك قال {هم درجات عند الله}. فعلى العاقل ان يسارع الى تكميل الدرجات والوصول الى احسن الحالات. قالوا اهل الجنة اربعة اصناف. الرسل والانبياء. ثم الاولياء وهم اتباع الرسل على بصيرة وبينة من ربهم. ثم المؤمنون وهم المصدقون بهم عليهم السلام. ثم العلماء بتوحيد الله انه لا اله الا هو من حيث الادلة العقلية وهم المراد باولى العلم فى قوله تعالى {أية : شهد الله} تفسير : [آل عمران: 18]. وفيهم يقول الله {أية : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} تفسير : [المجادلة: 11]. وهؤلاء الطوائف الاربع يتميزون فى جنات عدن عند رؤية الحق فى الكثيب الابيض وهم فيه على اربعة مقامات. طائفة منهم اصحاب منابر وهى الطبقة العليا الرسل والانبياء. والطائفة الثانية هم الاولياء ورثة الانبياء قولا وعملا وحالا وهم اصحاب الاسرة والعرش. والطبقة الثالثة العلماء بالله من طريق النظر البرهانى العقلى وهم اصحاب الكرسى. والطبقة الرابعة هم المؤمنون المقلدون فى توحيدهم ولهم المراتب وهم فى المحشر مقدمون على اصحاب النظر العقلى وهم فى الكثيب يتقدمون على المقلدين شعر : قيامت كه نيكان باعلى رسند زقعر ثرا بر ثريا رسند تراخود بماندسر ازننك بيش كه كردت برآيد عملهاى خويش قيامت كه بازار مينونهند منازل باعمال نيكونهد تفسير : والخلق متفاوتون فى الاعمال وتفاضلهم على مراتب. فمنها بالسن ولكن فى الطاعة والاسلام فيفضل الكبير السن على الصغير السن اذا كانا على مرتبة واحدة من العمل. ومنها بالزمان فان العمل فى رمضان وفى يوم الجمعة وفى ليلة القدر وفى عشر ذى الحجة وفى عاشوراء اعظم من سائر الايام والازمان. ومنها بالمكان فالصلاة فى المسجد الحرام افضل منها فى مسجد المدينة وهى من الصلاة فى المسجد الاقصى وهى منها فى سائر المساجد. ومنها بالاحوال فان الصلاة بالجماعة افضل من صلاة الشخص وحده. ومنها بنفس الاعمال فان الصلاة افضل من اماطة الاذى. ومنها فى العمل الواحد فالمتصدق على رحمه صاحب صلة رحم وصدقة وكذا من اهدى هدية لشريف من اهل البيت افضل من ان يهدى لغيره واحسن اليه ومن الناس من يجمع فى الزمن الواحد اعمالا كثيرة فيصرف سمعه وبصره ويده فيما ينبغى فى زمان صومه وصدقته بل فى زمان صلاته فى زمان ذكره فى زمان نيته من فعل وترك فيؤجر فى الزمان الواحد من وجوه كثيرة فيفضل غيره ممن ليس كذلك شعر : بضاعت بجندانكه آرى برى اكر مفلسى شر مسارى برى تفسير : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : ليس من يوم يأتى على ابن آدم الا ينادى فيه يا ابن آدم انا خلق جديد وانا فيما تعمل عليك غدا شهيد فاعمل فىّ خيرا اشهد لك به غدا فانى لو قد مضيت لم ترنى ابدا ويقول الليل مثل ذلك " .تفسير : فاعمل يا اخى عمل من يعلم انه راجع الى الله وقادم عليه يجازى على الصغير والكبير والقليل والكثير وقد قال تعالى {والله بصير بما يعملون} فينبغى ان لا يغفل الانسان فى كل ساعاته.
الطوسي
تفسير : المعنى: قيل معنى قوله: {هم درجات عند الله} أن تقديره المؤمنون ذووا درجة رفيعة عند الله. والكفار ذووا درجة خسيسة. وقيل في معناه قولان: أحدهما - اختلاف مراتب كل فريق من أهل الثواب، والعقاب، لأن النار أدراك لقوله: {أية : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} تفسير : والجنة طبقات بعضها أعلى من بعض، كما روي أن أهل الجنة ليرون أهل عليين، كما يرى النجم في أفق السماء. والثاني - اختلاف مرتبتي أهل الثواب، والعقاب بما لهؤلاء من النعيم، والكرامة ولأولئك من العذاب والمهانة. وعبر عن ذلك بدرجات مجازاً. فان قيل كيف قال: {هم درجات} وانما لهم درجات قيل، لأن اختلاف أعمالهم قد ميزهم بمنزلة المختلفي الذوات كاختلاف مراتب الدرجات لتبعيدهم من استواء الاحوال، فجاء هذا على وجه التجوز، كما قال ابن هرمة - انشده سيبويه -: شعر : أنصب للمنية تعتريهم رجالي أم هم درج السيول تفسير : وقوله: {والله بصير بما يعملون} معناه عليم. وفيه تحذير من أن يتكل على الاسرار في الأعمال ظناً بأن ذلك يخفى على الله، لأن أسرار العباد عند الله علانية. وفيه توثيق بأنه لا يضيع للعامل لربه شيء لأنه لا يخفى عليه جميعه. اللغة، والحجة: وأصل الدرجة الرتبة، فمنه الدرج، لأنه يطوى رتبة بعد رتبة يقال: أدرجه إدراجاً. والدرجان مشي الصبي لتقارب الرتب، درج يدرج درجاً ودرجاناً. والدرج معروف. والترقي في العلم درجة بعد درجة أي منزلة بعد منزلة كالدرجة المعروفة. فان قيل هلا كان القرآن كله حقيقة، ولم يكن فيه شيء من المجاز، فان الحقيقة أحسن من المجاز؟ قلنا: ليس الأمر على ذلك فان المجاز في موضعه أولى، وأحسن من الحقيقة لما فيه من الايجاز من غير اخلال بمعنى، وهي المبالغة بالاستعارة التي لا تنوب منابها الحقيقة، لأن قولهم إذ هو الشمس ضياء أبلغ في النفوس من قولهم هو كالشمس ضياء، كذلك الجزاء بالجزاء أحسن من الجزاء بالابتداء، لأنه أدل على تقابل المعنى بتقابل اللفظ، فكذلك {هم درجات} أولى وأبلغ من هم أهل درجات، للايجاز من غير اخلال.
الجنابذي
تفسير : تحقيق كون المؤمنين درجاتٍ وذوى درجات {هُمْ دَرَجَاتٌ} اى التّابعون رضوان الله والبائون بسخط الله درجات {عِندَ ٱللَّهِ} وان كانوا يرون متساوين عند النّاس، ولمّا كان عالم الارواح الطيّبة عالماً وسيعاً ذا مراتب ودرجات وكذلك عالم الارواح الخبيثة الّذى فيه الجحيم وآلامها، وكلّ من اتّصل بواحد من هذين العالمين تحقّق بمرتبة منه وليس المتّصلون بعالم الارواح الطيّبة متساوين فى المرتبة والدّرجة ولا المتّصلون بعالم الارواح الخبيثة بل لكلّ واحد مرتبة ودرجة ليست لغيره ممّن لم يكن بشأنه، نعم، اذا كان جماعة متوافقين فى الطّاعة والسّلوك او فى المخالفة والمعصية من جميع الجهات كانوا متوافقين فى المرتبة والدّرجة وكلّ من اتّصل بدرجة من درجات الجنان او بدركة من دركات النّيران كان متّصلاً بالدّرجات السّابقة او الدّركات السّابقة، وكلّ من اتّصل بدرجة صار متحقّقاً بتلك الدّرجة فصحّ ان يقال: انّ المؤمنين بحسب عدد اشخاصهم درجاتٌ يعنى كلّ منهم درجة من الجنان، وان يقال: كلّ واحد منهم بحسب سعة وجوده درجاتٌ من الجنان، وانّ المعذّبين بحسب عدد اشخاصهم دركاتٌ، وكلّ واحد منهم بحسب وجوده دركاتٌ من النّيران فلا حاجة فى الآية الى بعض التّقديرات والتأويلات، روى عن الصّادق (ع) انّ الّذين اتّبعوا رضوان الله هم الائمّة عليهم السّلام وهم والله درجات عند الله للمؤمنين وبولايتهم ومعرفتهم لنا يضاعف الله لهم اعمالهم ويرفع الله لهم الدّرجات العلى، والّذين باؤا بسخط من الله هم الّذين جحدوا حقّ علىّ (ع) وحقّ الائمّة منّا اهل البيت فباؤا لذلك بسخطٍ من الله {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} فيعلم عمل كلّ ودرجته على حسب عمله فيجازيه على حسبها وهذا تهديد وترغيب.
اطفيش
تفسير : {هُمْ}: أى من اتبع رضوان الله، ومن باء بسخط من الله. {دَرَجَاتٌ}: ذو درجات، بحذف مضاف، أو شبهوا بالدرجات بجامع التفاوت، وفى الحديث: الدرجة فى الجنة فوق الدرجة، كما بين السماء والأرض، وإن العبد ليرفع بصره فيلمع برق يكاد يخطف بصره، فيقول ما هذا؟ فيقال: نور أخيك فلان، فيقول: أخى فلان كنا فى الدنيا نعمل جميعاً، وقد فضل على هكذا، فيقال: إنه كان أحسن منك عملا، ثم يجعل فى قلبه الرضا حتى يرضى، ولعل ذلك كله سؤال مجرد عن عدم الرضا، لأنه يتألم به، ولا ألم فيها فمعنى جعل الرضا فى قلبه، ما يراد له خير حتى ينسى ما لأخيه، ويرى كأنه أفضل بالثواب والعقاب. {عِنْدَ اللَّهِ}: متعلق بدرجات، لتضمنها معنى التفاوت، أى تفاوتوا عند الله، فلمتبع رضوان الله ثواب عظيم، ولمن باء بسخطه عقاب أليم، ففريق الجنة متفاوت لفريق النار، وفريق الجنة متفاوت فيما بينهم، وكذا فريق النار، وذلك قول ابن عباس وابن اسحاق والكلبى لتقدم ذكر الفريقين مع تفاوت كل للآخر وفى نفسه، وقال مجاهد والسدى: الضمير لمن اتبع رضوان الله، أى لأن مبنى الكلام عليه، أى هم متفاوتون الثواب فى الجنة بدرجات عظام، ولأن الغالب فى العرف استعمال الدرجات فى أهل الثواب والدركات، فى أهل العقاب، وبأنه يضيف إلى نفسه ما كان من قبيل الثواب والرحمة، كما قال لهم درجات عند ربهم، وقال {أية : كتب ربكم على نفسه الرحمة}تفسير : وقال الحسن: الضمير لمن باء بسخط من الله، أى لقربه، واستعمال الدرجات فى القرآن فى النار غير قليل، منها قوله تعالى: {أية : ولكلٍّ درجاتٌ مما عَمِلوا}تفسير : وذلك أن أهل النار متفاوتون فيها. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن منها ضحضاحاً وغمراً وأنا أرجو أن يكون أبو طالب فى ضحضاحها"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أقل أهل النار عذاباً نعلان من نار يغلى من حرهما دماغه، ينادى يا رب هل يعذب أحد عذابى؟ ". تفسير : {واللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ}: فلا يفوته الجزاء على شىء.
اطفيش
تفسير : {هُمْ} أى المؤمنون والكافرون عند ابن عباس والكلبى، كقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة الآية {دَرَجَاتٌ} مراتب {عِندَ اللهِ} أحوالهم درجات، أو هم ذوو درجات، أو هم كدرجات، كقولك زيد أسد، أى كأسد، أو هم نفس الدرجات، مبالغة فى التفاوت، ووجه الشبه التفاوت ثوابا وعقابا باتباع رضوان الله وبالبوء بالسخط، وتقاوت أيضا المتبعون فيما بينهم، والباءون فيما بينهم وكل ذلك فى الآية، وجعل ابن عباس التفاوت بين من اتبع ومن باء فقط، والدرجات تستعمل فى الشر كما تستعمل فى الخير، كقوله تعالى: ولكل درجات والمراد فى الآية المؤمنون، يرد الضمير إلى من ابتع، لأن لفظ الدرجات أنسب به وبقوله عند الله، وإنما يضيف إلى نفسه الخير، كقوله: {أية : كتب ربكم على نفسه الرحمة} تفسير : [الأنعام: 54]، غالباً، فيقدر للكفار هكذا، والعصاة دركات عنده، أو نحو ذلك، أو المراد من كفر، فيرد الضمير إلى من باء، ويناسبه أنه أقرب، وبه قال الحسن، إذ فسر ذلك بأن أهل النار متقاوتون فى العذاب، ومعنى عند الله فى حكمه وعلمه وقضائه، ويتعلق بدرجات، لأن معنى درجات متفاوتون، ومن تفاوتهم فى العذاب قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن منها ضحضاحا وغمرا وأنا أرجو أن يكون أبو طالب فى ضحضاحها" تفسير : ، وقول صلى الله عليه وسلم: "حديث : الله، الله، الله، إن أقل أهل النار عذابا له نعلان من نار، يغلى من حرهما دماغه، ينادى، يا رب، هل يعذب أحد عذابى" تفسير : {وَاللهُ بَصِيرُ بِمَا يَعْمَلَونَ} يجازى متبع الرضوان بالكرامة والثواب وغيره بالمهانة والعذاب.
الالوسي
تفسير : {هُمْ } عائد على الموصولين باعتبار المعنى وهو مبتدأ، وقوله تعالى: {دَرَجَـٰتٌ } خبره والمراد هم متفاوتون إطلاقاً للملزوم على اللازم، أو شبههم بالدرج في تفاوتهم علواً وسفلاً على سبيل الاستعارة أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت فيكون تشبيهاً بليغاً بحذف الأداة، وقيل: إن الكلام على حذف مضاف ولا تشبيه أي هم ذوو درجات أي منازل أو أحوال متفاوتة، وهذا معنى قول مجاهد والسدي: لهم درجات، وذهب بعضهم أن في الآية حينئذٍ تغليب الدرجات على الدركات إذ الأول للأول، والثاني للثاني {عَندَ ٱللَّهِ } أي في علمه وحكمه، والظرف متعلق بدرجات على المعنى، أو بمحذوف وقع صفة لها. {وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } من الأعمال ودرجاتها فيجازيهم بحسبها ـ والبصير ـ كما قال حجة الإسلام هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وإبصاره أيضاً منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان، ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما ينطبع في حدقة الإنسان، فإن ذلك من التغيير والتأثر المقتضي للحدثان وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه تعالى عبارة عن الصفة ينكشف بها كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما نفهمه من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات انتهى، ويفهم منه أن البصر صفة زائدة على العلم ـ وهو الذي ذهب إليه الجمهور منا ومن المعتزلة. والكرامية قالوا: لأنا إذا علمنا شيئاً علماً جلياً ثم أبصرناه نجد فرقاً بين الحالتين بالبديهة، وإن في الحالة الثانية حالة زائدة هي الإبصار. وقال الفلاسفة والكعبـي وأبو الحسين البصري والغزالي عند بعض وادعى أن كلامه هذا مشير إليه أن بصره تعالى عبارة عن علمه تعالى بالمبصرات، ومثل هذا الخلاف في السمع، والحق أنهما زائدان على صفة العلم وأنهما لا يكيفان ولا يحدّان والإقرار بهما واجب كما وصف بهما سبحانه نفسه، وإلى ذلك ذهب السلف الصالح وإليه ينشرح الصدر.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخْطٍ مِّنَ ٱللَّهِ} الآية. ذكر في هذه الآية أن من اتبع رضوان الله ليس كمن باء بسخط منه. لأن همزة الإنكار بمعنى النفي ولم يذكر هنا صفة من اتبع رضوان الله، ولكن أشار إلى بعضها في موضع آخر وهو قوله: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ وَٱتَّبَعُواْ رِضْوَانَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 173-174]. وأشار إلى بعض صفات من باء بسخط من الله بقوله: {أية : تَرَىٰ كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي ٱلْعَذَابِ هُمْ خَالِدُون} تفسير : [المائدة: 80] وبقوله هنا: {أية : وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ} تفسير : [آل عمران: 161].
د. أسعد حومد
تفسير : {دَرَجَاتٌ} (163) - يُخَبِّرُ اللهُ تَعَالَى انَّ أهْلَ الخَيْرِ الذِينَ اسْتَحَقُّوا رِضْوَانَ اللهِ، وَأهَلَ الشَّرِّ الذِينَ بَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ، مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ، وَاللهُ بَصِيرٌ عَالِمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، وَسَيُوَفِّيهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَلا يَظْلِمُهُمْ خَيْراً فَعلُوهُ، وَلاَ يَزيدُهُمْ شَرّاً لَمْ يَفْعَلُوهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {هُمْ دَرَجَاتٌ} [آل عمران: 163] أي ينزلون في الآخرة منازل على قدر أعمالهم، فكما ترى الدرجات موصلة إلى المراقي العالية كذلك في الآخرة كل إنسان مُحاسب بعمله، ويأخذ عليه درجة، ولنا أن نلحظ أن الحق يستخدم كلمة "درجات" بالنسبة للجنة؛ لأن فيها منازل ورتباً، أما فيما يتعلق بالنار، فيأتي لفظ "دركات"، فالدركة تنزل، والدرجة ترفع. {هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ} [آل عمران: 163] فالله هو العادل الذي ينظر لخلقه جميعاً على أنهم خلقه، فلا يعادي أحداً، إنه يحكم القضية في هذه المسألة سواء أكانت لهم أم كانت عليهم، وبعد ذلك يردفها - سبحانه بقوله: {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163] ليطمئن هؤلاء على أن الله بصير بما يعملون فلن يضيع عنده عمل حسن، ولن تهدر عنده سيئة بدرت منهم. {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163]. ونحن نسمع كلمة "يعمل" وكلمة "يفعل" وكلمة "يقول"، والعمل أهم الأحداث، لأن العمل هو تعلق الجارحة بما نيطت به، فالقلب جارحة عملها النية، واللسان جارحة عملها القول، والأذن جارحة وعملها الاستماع، والعين جارحة وعملها أن تنظر. إذن فكل جارحة من الجوارح لها حدث تُنشِئه لتؤدي مهمتها في الكائن الإنساني، إذن فكل أداءِ مُهِمّة من جارحة يقال له: "عمل". لكن "الفعل" هو تعلق كل جارحة غير اللسان بالحدث، أما تعلق اللسان فيكون قولاً ومقابله فعل، إذن ففيه قول وفيه فعل وكلاهما "عمل" إذن فالعمل يشمل ويضم القول والفعل معاً؛ لأن العمل هو شغل الجارحة بالحدث المطلوب منها، لكن الفعل هو: شغل جارحة غير اللسان بالعمل المطلوب منها، وشغل اللسان بمهمته يسمى: قولاً ولا يسمى فعلاً، لماذا؟ لأن الإنسان يتكلم كثيراً، لكن أن يحمل نفسه على أن يعمل ما يتكلمه فهذه عملية أخرى، ولذلك يقول الحق: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف: 2-3]. إذن فالقول مقابله الفعل، والكل عمل {وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران: 163] قولاً أو فعلاً وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {هُمْ دَرَجَٰتٌ} معناهُ مَنَازِلُهُمْ دَرجاتٌ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):