Verse. 457 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

لَقَدْ مَنَّ اللہُ عَلَي الْمُؤْمِنِيْنَ اِذْ بَعَثَ فِيْھِمْ رَسُوْلًا مِّنْ اَنْفُسِھِمْ يَتْلُوْا عَلَيْھِمْ اٰيٰتِہٖ وَيُزَكِّيْھِمْ وَيُعَلِّمُھُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَۃَ۝۰ۚ وَاِنْ كَانُوْا مِنْ قَبْلُ لَفِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ۝۱۶۴
Laqad manna Allahu AAala almumineena ith baAAatha feehim rasoolan min anfusihim yatloo AAalayhim ayatihi wayuzakkeehim wayuAAallimuhumu alkitaba waalhikmata wain kanoo min qablu lafee dalalin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم» أي عربيا مثلهم ليفهموا عنه ويشرُفوا به لا ملكا ولا عجميا «يتلو عليهم آياته» القرآن «ويُزكِّيهمْ» يطهرهم من الذنوب «ويعلمهم الكتاب» القرآن «والحكمة» السنة «وإن» مخففة أي إنهم «كانوا من قبلُ» أي قبل بعثه «لفى ضلال مبين» بيِّن.

164

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في وجه النظم وجوها: الأول: أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه الى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية، وذلك لأن هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم، ولم يظهر منه طول عمره الا الصدق والأمانة والدعوة الى الله والإعراض عن الدنيا، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة. الوجه الثاني: أنه لما بين خطأهم في نسبته الى الخيانة والغلول قال: لا أقنع بذلك ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول، ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فانه يزكيكم عن الطريق الباطلة، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الانسان الى الخيانة. الوجه الثالث: كأنه تعالى يقول: إنه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم، وأنتم أرباب الخمول والدناءة، فاذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والاحسان من جميع العالمين، حصل لكم شرف عظيم بسبب كونه فيكم، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح اليه على خلاف العقل. الوجه الرابع: أنه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه، فوجب عليكم أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان، والمقصود منه العود الى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الواحدي رحمه الله: للمن في كلام العرب معان: أحدها: الذي يسقط من السماء وهو قوله: {أية : وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ } تفسير : [البقرة: 57] وثانيها: أن تمن بما أعطيت وهو قوله: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنّ وَٱلأَذَىٰ } تفسير : [البقرة: 264] وثالثها: القطع وهو قوله: {أية : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ممنون } تفسير : [فصلت: 8] {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ } ورابعها: الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه، ومنه قوله: {أية : هَـٰذَا عَطَاؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ }تفسير : [صۤ: 39] وقوله: {وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } والمنان في صفة الله تعالى: المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ } أي أنعم عليهم وأحسن اليهم ببعثه هذا الرسول. المسألة الثانية: أن بعثة الرسول إحسان الى كل العالمين، وذلك لأن وجه الاحسان في بعثته كونه داعيا لهم الى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم الى ثواب الله، وهذا عام في حق العالمين، لأنه مبعوث الى كل العالمين، كما قال تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } تفسير : [سبأ: 28] إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الانعام الا أهل الاسلام، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين، ونظيره قوله تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } تفسير : [البقرة: 2] مع أنه هدى للكل، كما قال: {أية : هُدًى لّلنَّاسِ } تفسير : [البقرة: 185] وقوله: {أية : إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 45]. المسألة الثالثة: اعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم إنه لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الانعام في بعثة الرسل أكثر، وبعثة محمد صلى الله عليه وسلم كانت مشتملة على الأمرين: أحدهما: المنافع الحاصلة من أصل البعثة، والثاني: المنافع الحاصلة بسب ما فيه من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره. أما المنفعة بسبب أصل البعثة فهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: {أية : رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } تفسير : [النساء: 165] قال أبو عبدالله الحليمي: وجه الانتفاع ببعثة الرسل ليس إلا في طريق الدين وهو من وجوه: الأول: أن الخلق جبلوا على النقصان وقلة الفهم وعدم الدراية، فهو صلوات الله عليه أورد عليهم وجوه الدلائل ونقحها، وكلما خطر ببالهم شك أو شبهة أزالها وأجاب عنها. والثاني: ان الخلق وان كانوا يعلمون أنه لا بد لهم من خدمة مولاهم، ولكنهم ما كانوا عارفين بكيفية تلك الخدمة، فهو شرح تلك الكيفية لهم حتى يقدموا على الخدمة آمنين من الغلط ومن الاقدام على ما لا ينبغي. والثالث: أن الخلق جبلوا على الكسل والغفلة والتواني والملالة فهو يورد عليهم أنواع الترغيبات والترهيبات حتى إنه كلما عرض لهم كسل أو فتور نشطهم للطاعة ورغبهم فيها. الرابع: أن أنوار عقول الخلق تجري مجرى أنوار البصر، ومعلوم أن الانتفاع بنور البصر لا يكمل الا عند سطوع نور الشمس، ونوره عقلي إلهي يجري مجرى طلوع الشمس، فيقوي العقول بنور عقله، ويظهر لهم من لوائح الغيب ما كان مستترا عنهم قبل ظهوره، فهذا إشارة حقيقية إلى فوائد أصل البعثة. وأما المنافع الحاصلة بسبب ما كان في محمد صلى الله عليه وسلم من الصفات، فأمور ذكرها الله تعالى في هذه الآية أولها قوله: {مّنْ أَنفُسِهِمْ }. واعلم أن وجه الانتفاع بهذا من وجوه: الأول: أنه عليه السلام ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم وهم كانوا عارفين بأحواله مطلعين على جميع أفعاله وأقواله، فما شاهدوا منه من أول عمره إلى آخره إلا الصدق والعفاف، وعدم الالتفات إلى الدنيا والبعد عن الكذب، والملازمة على الصدق، ومن عرف من أحواله من أول العمر إلى آخره ملازمته الصدق والأمانة، وبعده عن الخيانة والكذب، ثم ادعى النبوة والرسالة التي يكون الكذب في مثل هذه الدعوى أقبح أنواع الكذب، يغلب على ظن كل أحد أنه صادق في هذه الدعوى. الثاني: أنهم كانوا عالمين بأنه لم يتلمذ لأحد ولم يقرأ كتابا ولم يمارس درسا ولا تكرارا، وأنه إلى تمام الأربعين لم ينطق ألبتة بحديث النبوة والرسالة، ثم إنه بعد الأربعين ادعى الرسالة وظهر على لسانه من العلوم ما لم يظهر على أحد من العالمين، ثم إنه يذكر قصص المتقدمين وأحوال الأنبياء الماضين على الوجه الذي كان موجودا في كتبهم، فكل من له عقل سليم علم أن هذا لا يتأتى إلا بالوحي السماوي والالهام الالهي. الثالث: أنه بعد ادعاء النبوة عرضوا عليه الأموال الكثيرة والأزواج ليترك هذه الدعوى فلم يلتفت إلى شيء من ذلك، بل قنع بالفقر وصبر على المشقة، ولما علا أمره وعظم شأنه وأخذ البلاد وعظمت الغنائم لم يغير طريقه في البعد عن الدنيا والدعوة إلى الله، والكاذب إنما يقدم على الكذب ليجد الدنيا، فاذا وجدها تمتع بها وتوسع فيها، فلما لم يفعل شيئاً من ذلك علم أنه كان صادقا. الرابع: أن الكتاب الذي جاء به ليس فيه إلا تقرير التوحيد والتنزيه والعدل والنبوة وإثبات المعاد وشرح العبادات وتقرير الطاعات، ومعلوم أن كمال الانسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، ولما كان كتابه ليس إلا في تقرير هذين الأمرين علم كل عاقل أنه صادق فيما يقوله. الخامس: أن قبل مجيئه كان دين العرب أرذل الأديان وهو عبادة الأوثان، وأخلاقهم أرذل الأخلاق وهو الغارة والنهب والقتل وأكل الأطعمة الرديئة. ثم لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نقلهم الله ببركة مقدمة من تلك الدرجة التي هي أخس الدرجات إلى أن صاروا أفضل الأمم في العلم والزهد والعبادة وعدم الالتفات إلى الدنيا وطياتها. ولا شك أن فيه أعظم المنة. إذا عرفت هذه الوجوه فنقول: ان محمدا عليه الصلاة والسلام ولد فيهم ونشأ فيما بينهم وكانوا مشاهدين لهذه الأحوال، مطلعين على هذه الدلائل، فكان إيمانهم مع مشاهدة هذه الأحوال أسهل مما إذا لم يكونوا مطلعين على هذه الأحوال. فلهذه المعاني من الله عليهم بكونه مبعوثا منهم فقال: {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } وفيه وجه آخر من المنة وذلك لأنه صار شرفا للعرب وفخر لهم، كما قال: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } تفسير : [الزخرف: 44] وذلك لأن الافتخار بابراهيم عليه السلام كان مشتركا فيه بين اليهود والنصارى والعرب. ثم إن اليهود والنصارى كانوا يفتخرون بموسى وعيسى والتوراة والانجيل، فما كان للعرب ما يقابل ذلك، فلما بعث الله محمدا عليه السلام وأنزل القرآن صار شرف العرب بذلك زائدا على شرف جميع الأمم، فهذا هو وجه الفائدة في قوله: {مّنْ أَنفُسِهِمْ }. ثم قال بعد ذلك: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ }. واعلم أن كمال حال الانسان في أمرين: في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وبعبارة أخرى: للنفس الانسانية قوتان، نظرية وعملية، والله تعالى أنزل الكتاب على محمد عليه السلام ليكون سببا لتكميل الخلق في هاتين القوتين، فقوله: {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } إشارة الى كونه مبلغا لذلك الوحي من عند الله إلى الخلق، وقوله: {وَيُزَكّيهِمْ } اشارة إلى تكميل القوة النظرية بحصول المعارف الإلهية {وَٱلْكِتَـٰبَ } إشارة إلى معرفة التأويل، وبعبارة أخرى {ٱلْكِتَـٰبَ } إشارة الى ظواهر الشريعة {وَٱلْحِكْــمَةَ } إشارة الى محاسن الشريعة وأسرارها وعللها ومنافعها، ثم بين تعالى ما تتكمل به هذه النعمة. وهو أنهم كانوا من قبل في ضلال مبين، لأن النعمة إذا وردت بعد المحنة كان توقعها أعظم، فاذا كان وجه النعمة العلم والاعلام، ووردا عقيب الجهل والذهاب عن الدين، كان أعظم ونظيره قوله: {أية : وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ } تفسير : [الضحى: 7].

القرطبي

تفسير : بيّن الله تعالىٰ عظيمَ مِنّته عليهم ببعثه محمداً صلى الله عليه وسلم. والمعنى في المِنّة فيه أقوال: منها أن يكون معنى {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} أي بشرٌ مِثلُهم. فلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم عُلِم أن ذلك من عند الله. وقيل؛ «مِنْ أنْفُسِهِمْ» منهم. فشَرفُوا به صلى الله عليه وسلم، فكانت تلك المنّة. وقيل: «مِن أنْفُسِهِم» ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم طريقته. وإذا كان محله فيهم هذا كانوا أحقَّ بأن يقاتلوا عنه ولا ينهزموا دونه. وقرِىء في الشّواذ «من أنْفَسِهِم» (بفتح الفاء) يعني من أشرفهم؛ لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضلُ من قريش، وقريشٌ أفضل من العرب، والعربُ أفضل من غيرهم. ثم قيل: لفظ المؤمنين عامّ ومعناه خاص في العرب؛ لأنه ليس حيّ من أحياء العرب إلا وقد ولَده صلى الله عليه وسلم، ولهم فيه نسب؛ إلا بني تَغْلِب فإنهم كانوا نصارى فطهّره الله من دَنَس النّصرانية. وبيان هذا التأويل قولُه تعالىٰ: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [الجمعة: 2]. وذكر أبو محمد عبد الغني قال: حدّثنا أبو أحمد البصريّ حدّثنا أحمد بن عليّ بن سعيدالقاضي أبو بكر المَرْوَزِي حدّثنا يحيى بن مَعِين حدّثنا هشام بنُ يوسفَ عن عبد الله بن سُلَيمان النّوفَلِي عن الزُّهري عن عُرْوةَ عن عائشة رضي الله عنها: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} قالت: هذه للعرب خاصّةً: وقال آخرون: أرادَ به المؤمنين كلّهم. ومعنى «مِنْ أَنْفُسِهِمْ» أنّه واحدٌ منهم وَبَشَرٌ مِثْلُهُم، وإنما أمتاز عنهم بالوحي؛ وهو معنى قولِه {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} وخَصّ المؤمنين بالذّكْر لأنهم المُنْتَفِعون به، فالمِنَّةُ عليهم أعْظَم. وقولُه تعالىٰ؛ {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} «يتلو» في موضِع نَصْب نَعْتٌ لرسُول، ومعناه يَقْرَأُ. والتّلاَوةُ القِرَاءةُ. {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} تقدّم في «البقرة». ومعنى {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ} أي ولقد كانوا من قبل، أي من قبل محمد، وقيل: «إِنْ» بمعنى ما، واللام في الخبر بِمعنى إلاَّ، أي وما كانوا من قبلُ إلاَّ في ضلال مبين. ومثله {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} أي وما كنتم من قبله إلاَّ من الضَّالِّين. وهذا مذهب الكوفيين. وقد تقدّم في «البقرة» معنى هذه الآية.

البيضاوي

تفسير : {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} أنعم على من آمن مع الرسول صلى الله عليه وسلم من قومه وتخصيصهم مع أن نعمة البعثة عامة لزيادة انتفاعهم بها. وقُرىء «لمن من الله» على أنه خبر مبتدأ محذوف مثل منه أو بعثه. {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ} من نسبهم، أو من جنسهم عربياً مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانة مفتخرين به. وقرىء من {أَنفُسِهِمْ} أي من أشرفهم لأنه عليه السلام كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم. {يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ} أي القرآن بعدما كانوا جهالاً لم يسمعوا الوحي. {وَيُزَكّيهِمْ} يطهرهم من دنس الطباع وسوء الاعتقاد والأعمال. {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} أي القرآن والسنة. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} إن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة والمعنى وإن الشأن كانوا من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم في ضلال ظاهر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ } أي عربياً مثلهم ليفهموا عنه ويَشْرُفُوا به لا ملكاً ولا أعجميّاً {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِهِ } القرآن {وَيُزَكِّيهِمْ } يطهرهم من الذنوب {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ } القرآن {وَٱلْحِكْمَةَ } السنة {وإِن } مخففة أي إنهم {كَانُواْ مِن قَبْلُ } أي قبل بعثه {لَفِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } بيِّن.

ابن عطية

تفسير : اللام في {لقد} لام القسم، و {منّ} في هذه الآية معناه: تطول وتفضل، وقد يقال: منّ بمعنى: كدرمعروفه بالذكر فهي لفظة مشتركة. وقوله تعالى: {من أنفسهم} معناه في الجنس واللسان والمجاورة فكونه من الجنس يوجب الأنس به وقلة الاستيحاش منه، وكونه بلسانهم يوجب حسن التفهيم وقرب الفهم، وكونه جاراً وربياً يوجب التصديق والطمأنينة، إذ قد خبروه وعرفوا صدقه وأمانته فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسب قومه، وكذلك الرسل، قال النقاش: ليس في العرب قبيلة إلى وقد ولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل أمهاتهم إلا بني تغلب لنصرانيتهم، والآيات في هذه الآية، يحتمل أن يراد بها القرآن ويحتمل أن يراد بها العلامات، والأول أظهر، {ويزكيهم} معناه: يطهرهم من دنس الكفر والمعاصي، قال بعض المفسرين: معناه يأخذ منهم الزكاة، وهذا ضعيف، و {الكتاب}: القرآن، {والحكمة}، السنة المتعلمة من لسانه عليه السلام، ثم ذكر حالتهم الأولى من الضلال ليظهر الفرق بتجاور الضدين- وقيل: لفظة مبنية لما تضمنت الإضافة، فأشبهت الحروف في تضمن المعاني فبنيت. ثم وقف تعالى المؤمنين على الخطأ في قلقهم للمصيبة التي نزلت بهم وإعراضهم عما نزل بالكفار، وعرفهم أن ذلك لسبب أنفسهم، والواو في قوله: {أولما} عطف جملة على جملة دخلت عليها ألف التقرير على معنى إلزام المؤمنين هذه المقالة في هذه الحال، والمصيبة التي نالت المؤمنين هي: قصد - أحد - وقتل سبعين منهم، واختلف في المثلين اللذين أصاب المؤمنين فقال قتادة والربيع: وابن عباس وجمهور المتأولين: ذلك في يوم بدر، قتل المؤمنون من كفار قريش سبعين وأسروا سبعين، وقال الزجّاج: أحد المثلين: هو قتل السبعين يوم بدر، والثاني: هو قتل اثنين وعشرين من الكفار يوم - أحد - فهو قتل بقتل، ولا مدخل للأسرى في هذه الآية، هذا معنى كلامه، لأن أسارى بدر أسروا ثم فدوا، فلا مماثلة بين حالهم وبين قتل سبعين من المؤمنين، و {أَنّى} -معناها: كيف ومن أين؟ ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام أن يقول لهم: {هو من عند أنفسكم}، واختلف الناس كيف هو من عند أنفسهم ولأي سبب؟ فقال الجمهور من المفسرين: لأنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرأي حين رأى أن يقيم بالمدينة ويترك كفار قريش بشر محبس فأبوا إلا الخروج حتى جرت القصة، وقالت طائفة: قوله تعالى: {من عند أنفسكم} إشارة إلى عصيان الرماة وتسبيبهم الهزيمة على المؤمنين. وقال الحسن وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: بل ذلك لما قبلوا الفداء يوم بدر، وذلك أن علياً بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما فرغت هزيمة المشركين ببدر جاء جبريل عليه السلام إلى النبي عليه السلام فقال: يا محمد إن الله قد كره ما يصنع قومك في أخذ الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: أن يقدموا الأسارى فتضرب أعناقهم، أو يأخذوا الفداء، على أن يقتل من أصحابك عدة هؤلاء الأسارى، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر ذلك لهم فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، بل نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره، قال: فقتل منهم يوم أحد - سبعون رجلاً.

ابن عبد السلام

تفسير : {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمؤْمِنِينَ} بكون الرسول صلى الله عليه وسلم {مِّنْ أَنفُسِهِمْ} لما فيه من شرفهم، أو لتسهيل تعلم الحكمة عليهم لأنه بلسانهم، أو ليظهر لهم علم أحواله بالصدق والأمانة والعفة والطهارة. {ويُزَكِّيهِمْ} يشهد بأنهم أزكياء في الدين، أو يدعوهم إلى ما يتزكون به، أو يأخذ زكاتهم التي تطهرهم.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ...} الآية: اللامُ في «لَقَدْ»: لام القسم، «ومَنَّ» في هذه الآية: معناه: تطوَّل وتفضَّل سبحانه، وقد يقال: «مَنَّ» بمعنى كَدَّرَ مَعْرُوفَهُ بالذِّكْرِ، فهي لفظةٌ مشتركة، وقوله: {مِّنْ أَنفُسِهِمْ}، أي: في الجنْسِ، واللسانِ، والمُجَاورةِ، فكونه مِنَ الجنْسِ يوجبُ الأنْسَ به، وكونُه بِلِسانِهِمْ يوجِبُ حُسْنَ التفهيم، وكونُه جَاراً ورَبِيًّا يوجِبُ التصديقَ والطُّمأنينة؛ إذ قد خَبَرُوه وعَرَفُوا صِدْقَه وأمانته، ثم وقَف اللَّه سبْحانه المؤمنين عَلَى الخَطَإ في قَلَقِهِمْ للمُصِيبة الَّتي نزلَتْ بهم، وإعراضهم عمَّا نَزَلَ بالكُفَّار، فقال: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ}، أي: يوم أُحُدٍ {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا}، أيْ: يوم بَدْر؛ إذ قتل من الكُفَّار سبعون، وأسر سَبْعُون، هذا تفْسِيرُ ابنِ عَبَّاس، والجمهورِ. وقال الزَّجَّاج: وَاحِدُ المِثْلَيْن: هو قتْلُ السبعينَ يَوْمَ بَدْر، والثاني: هو قتل ٱثْنَيْنِ وعشرين يَوْمَ أحد، ولا مَدْخَل للأسْرَىٰ؛ لأنهم قد فُدُوا. و {أَنَّىٰ}: معناها: كَيْفَ، وَمِنْ أَيْنَ، {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ}، أي: حين خالفتم النبيَّ صلى الله عليه وسلم في الرأْيِ حينَ رأَىٰ أنْ يقيمَ بالمَدينة، ويترك الكُفَّار بَشَّر مَحْبِسٍ، فأبيتم إلا الخُرُوجِ، وهذا هو تأويلُ الجمهور، وقالَتْ طائفة: {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ}: إشارةٌ إلى عصيانِ الرُّمَاة، وتسبيبهم الهَزيمة عَلَى المؤمنين، وقال عليٌّ والحَسَن: بل ذلك لِمَا قَبِلُوا الفِدَاءَ يَوْمَ بدر؛ وذلك أنَّ اللَّه سبحانه أخبرهم علَىٰ لسانِ نبيِّه بَيْنَ قَتْل الأسْرَىٰ أو يأخذوا الفِدَاءَ علَىٰ أنْ يُقْتَلَ منْهم عدَّة الأسْرَىٰ، فٱختاروا أَخْذَ الفدَاءِ، ورَضُوا بالشَّهَادةِ، فقُتِلَ منهم يوْمَ أحدٍ سَبْعُونَ، قلْتُ: وهذا الحديثُ رواه الترمذيُّ عنْ عليٍّ (رضي اللَّه عنه)، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ أحمدُ بْنُ نَصْرٍ الدَّاوُودِيُّ: وعَنِ الضَّحَّاك: {أَنَّىٰ هَـٰذَا}، أيْ: بأيِّ ذنب هذا؟ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} عقوبةً لمعصيتكم لنبيِّكم ـــ عليه السلام ـــ. انتهى.

ابن عادل

تفسير : {لقد من الله} جوابٌ لقسم محذوفٌ، وقُرِئ: لَمِنْ مَنَّ الله - بـ "من" الجارة، و "منِّ" - بالتشديد مجرورها - وخرَّجه الزمخشريُّ على وجهينِ: أحدهما: أن يكون هذا الجارُّ خبراً مقدماً والمبتدأ محذوفٌ، تقديره: لمن من الله على المؤمنين مَنُّهُ، أو بعثه إذ بَعَثَ فيهم، فحذف لقيامِ الدَّلالةِ. الثاني: أنه جعل المبتدأ نفس "إذ" بمعنى: وقتٍ: وخبرها الجارُّ قبلها، وتقديره: لمن من الله على المؤمنين وقت بَعْثِهِ، ونظره بقولهم: أخطب ما يكون الأميرُ إذا كان قائماً. وهذان وجهانِ - في هذه القراءة - مما يدلان على رسوخ قدمِهِ في هذا العلمِ. قال شهابُ الدينِ: إلا أن أبا حيان قد ردَّ عليه الوجه الثاني بأن "إذْ" غيرُ متصرفةٍ، لا تكون إلا ظرفاً، أو مضافاً إليها اسم زمان أو مفعولة بـ "اذكر" - على قول - ونقل قول أبي علي - فيها وفي "إذا" أنهما لم يردا في كلام العربِ إلا ظرفين، ولا يكونان فاعلين، ولا مفعولين، ولا مبتدأين. قال: ولا يحفظ من كلامهم: إذْ قام زيد طويل - يريد: وقت قيامه طويل - وبأن تنظيره القراءة بقولهم: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً، خطأ؛ من حيث أن المشبه مبتدأ، والمشبهُ به ظرف في موضعِ الخبرِ - عند من يُعْرِب هذا الإعرابَ - ومن حيثُ إنَّ هذا الخبرَ - الذي قد أبرزه ظاهراً - واجب الحذف؛ لسَدِّ الحال مَسَدَّه، نص عليه النحويونَ الذين يعربونه هكذا، فكيف يبرزه في اللفظ؟ قال شهابُ الدين: "وجواب هذا الردِّ واضحٌ وليت أبا القاسم لم يذكر تخريج هذه القراءة؛ لكي نسمع ما يقول هو". والجمهورُ على ضم الفاء - من أنفسهم - أي: من جملتهم وجنسهم، وقرأت عائشةُ، وفاطمة والضّحّاكُ، ورواها أنس عنه صلى الله عليه وسلم بفتح الفاء، من النفاسة - وهي الشرف - أي: من أشرفهم نسباً, وخَلْقاً، وخُلُقاً. وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أنا أنفسكم نسباً، وحسباً، وصهراً" تفسير : وهذا الجارُّ يحتمل وجهين: الأول: أن يتعلق بنفس "بعث". الثاني: أن يتعلق بمحذوف، على أنه وصف لـ "رسولاً" فيكون منصوب المحل، ويقوي هذا الوجه قراءة فتح الفاء. فصل في المراد بـ "أنفسهم" قيل: أراد به العرب؛ لأنه ليس حَيّ من أحياء العرب إلا وقد ولد صلى الله عليه وسلم ولد فيهم نسب، إلا بني تغلب، لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} تفسير : [الجمعة: 2]. وقال آخرون: أراد به جميع المؤمنين. ومعنى قوله: "من أنفسهم" أي: بالإيمان والشفقة، لا بالنسب، كقوله تعالى: {أية : لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} تفسير : [التوبة: 128]. ووجه هذه المِنَّة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما يُخَلِّصُهم من عقابِ الله، ويوصلهم إلى ثواب الله، كقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] وأيضاً كونه من أنفسهم لأنه لو كان من غير جنسهم لم يَرْكَنوا إليه. وخص هذه المنة بالمؤمنين لأنهم المنتفعون بها، كقوله: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]. فصل قال الواحدي: المَنّ - في كلام العرب - بإزاء مَعَانٍ: أحدها: الذي يسقط من السماء، قال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 57]. ثانيها: أن تُمَنَّ بما أعطيتَ كقوله: {أية : لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : [البقرة: 264]. ثالثها: القَطْع، كقوله: {أية : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} تفسير : [الانشقاق: 25] وقوله: {أية : وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} تفسير : [القلم: 3]. رابعها: الإنعام والإحسان إلى مَنْ يطلب الجزاء منه، ومنه قوله: {أية : هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [ص: 39]. وقوله: {أية : وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} تفسير : [المدثر: 6]. والمنَّان - في صفة الله تعالى -: المُعْطِي ابتداءً من غير طلب عِوَضٍ، ومنه الآية: {أية : لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 164] أي: أنعم عليهم، وأحْسَن إليهم ببعثِهِ هذا الرسول. قوله:{يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} في محل نصب حال، أو مستأنف. وقال القرطبي: "يتلو" في موضع نصب، نعت لـ "رسولاً" - وقد تقدم نظيرها في البقرة. {أية : وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [آل عمران: 164] معنى الآية: يبلغهم الوحي، ويطهرهم، ويعلمهم الكتاب - أي: معرفة الأحكام الشرعية - والحكمة - أي: أسرارها وعِلَلَها ومنافعها - ثم قال: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} وهذا وَجْه النعمة؛ لأن ورود العلم عقيب الجهل من أعظم النعم. قوله: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} هي "إن" المخففة، واللام فارقة - وقد تقدم تحقيقه - إلا أن الزمخخشري ومكيًّا - هنا - حين جعلاها مخففة قدَّرَا لها اسماً محذوفاً. فقال الزمخشري: "وتقديره: إن الشأن، وإن الحديث كانوا من قبل". وقال مكي: "وأما سيبويه فإنه قال "إن" مخففة من الثقيلة، واسمها مضمر، والتقدير - على قوله -: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين". وهذا ليس بجيّد؛ لأن "إن" المخففة إنما تعمل في الظاهر - على غير الأفصح - ولا عمل لها في المضمر ولا يقَدَّر لها اسمٌ محذوفٌ ألبتة، بل تُهْمَل، أو تعمل - على ما تقدم - مع أن الزمخشريَّ لم يُصَرِّحْ بأن اسمها محذوف، بل قال: "إن" هي المخففةٌ من الثَّقِيلَةِ، واللام فارقة بينها وبين النافية، وتقديره: وإن الشأن والحديث كانوا؛ وهذا تفسيرُ معنى لا إعراب. وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها استئنافية، لا محلَّ لَهَا مِنَ الأعْرَاب. والثاني أنها محل نَصْب على الحال من المفعول به - في: "يعلمهم" وهو الأظهر.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة في هذه الآية {لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} قالت: هذه للعرب خاصة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: منّ من الله عظيم من غير دعوة ولا رغبة من هذه الأمة جعله الله رحمة لهم، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم، بعثه الله إلى يوم لا يعلمون فعلمهم، وإلى قوم لا أدب لهم فأدبهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [الآية: 164]. قال بعضهم: أكبر منن الله تعالى على الخلق وسائط الأنبياء إليهم، ليصلوا بهم إليه لأنه لو أظهر عليهم من صفاته ذرة لأحرقتهم جميعًا وأضلوا فيه عن الطريق إلا المعصومين.

القشيري

تفسير : أجزل لديهم العارفة، وأحسن إليهم النعم حيث أرسل إليهم مثل المصطفى سيد الورى صلوات الله عليه وعلى آله، وعرَّفهم دينهم، وأوضح لهم براهينهم، وكان لهم بكل وجه فلا نِعَمَهُ شكروا، ولا حَقَّه وقَّروا، ولا بما أرشدهم استبصروا، ولا عن ضلالتهم أقصروا.. هذا وصف أعدائه الذين جحدوا واستكبروا. وأمَّا المؤمنون فتقلدوا المِنَّة في الاختيار، وقابلوا الأمر بالسمع والطاعة عن كنه الاقتدار، فسَعِدُوا في الدنيا والعُقْبَى، واستوجبوا من الله الكرامة والزُّلفى.

البقلي

تفسير : {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} كان النبى صلى الله عليه وسلم امرأة الحق يتجلى الجلالة وجماله للامناء الصديقين منه يرون الله برؤيته لقوله عليه السلام من رانى فقد راى الحق من على عباده بوجوده ولو يتجلى لهم صرفا لاحترقوا باول سطواط عظمته جعله برحمته واسطة تجلية وذلك بمحل الالتباس من ظهور نفسه لذوى الابصار واشارة قوله من انفسهم الى حال امته من حيث حاله وشربهم من حيث شربه واى منه اعظم على المؤمنين من النبى صلى الله عليه وسلم هو منظر جمال الحق للخلق ونمعرفهم اسمءه وصفاته ونعونه ومهالك المهلكات ومنازل الجيات قال بعض المشائخ أكثر منه على الخلق وسائط الانبياء اليهم ليصلوا بهم اليه لانه بواظهر عليه من صفاته ذرة لاحرقهم جميعا ولضلوا فيه عن الطريق الا المعصومون.

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد منّ الله على المؤمنين} جواب قسم محذوف اى والله لقد انعم الله على من آمن مع الرسول عليه السلام من قومه وتخصيصهم بالامتنان مع عموم نعمة البعثة للاسود والاحمر لزيادة انتفاعهم بها {اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم} اى من نسبهم او من جنسهم عربيا مثلهم ليفقهوا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على حاله فى الصدق والامانة مفتخرين به وفى ذلك شرف عظيم لهم قال الله تعالى {أية : وانه لذكر لك ولقومك} تفسير : [الزخرف: 44]. وقرىء من انفَسِهِم اى اشرفهم فانه صلى الله تعالى عليه وسلم كان من اشرف قبائل العرب وبطونها {يتلوا عليهم آياته} اى القرآن بعدما كانوا جهالا لم يسمعوا الوحى {ويزكيهم} اى يطهرهم من دنس الطباع وسوء العقائد والاعمال واوضار الاوزار {ويعلمهم الكتاب والحكمة} اى القرآن والسنة {وان كانوا من قبل} اى من قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وتزكيته وتعليمه {لفى ضلال مبين} بين لا ريب فى كونه ضلالا. وان هى المخففة من الثقيلة وضمير الشأن محذوف واللام فارقة بينها وبين النافية. واعلم ان الله تعالى ارسل محمدا الى اقوام عتاة اشراس فذلل منهم كل من عتا وعاس ونكس بمولده الاصنام على الرأس وانشق ايوان كسرى وسقطت منه اربع عشرة شرافة بعدد من سيملك من الناس وخمدت نار فارس وبحيرة ساوة غاضت على غير القياس واختاره مولاه وقدمه على الخلق فهو بمنزلة العين من الرأس وايام دولته كايام التشريق وليلات الاعراس فتعجبت قريش من غنى بالفضل بعد فقر الافلاس فرماهم القرآن بسهام الجدل لا عن اقواس أكان للناس عجبا ان اوحينا الى رجل منهم ان انذر الناس فهو رحمة عامة للانام وله خطر جليل عند الخواص والعوام وفيما خطب به ابو طالب فى تزويج خديجة رضى الله عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر (الحمد لله الذى جعلنا من ذرية ابراهيم وزرع اسماعيل وضئضئ معدّ وعنصر مضر وجعلنا خضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم ابن اخى هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى من قريش الا رجح به وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل) وعن عائشة رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : قال لى جبريل يا محمد قلبت الارض مشارقها ومغاربها فلم اجد رجلا افضل من محمد ولم اجد بنى اب افضل من بنى هاشم آدم ومن دونه تحت اللواء" تفسير : زانكه بهر اوست خلق ما سوا وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان قريشا كانت نورا بين يدى الله قبل ان يخلق آدم بالفى عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله آدم القى ذلك النور فى صلبه نور بهار عالم نور بهار آدم وذكر ان عبد المطلب جد النبى صلى الله عليه وسلم بينا هو نائم فى الحجر انتبه مذعورا قال العباس فتبعته وانا يومئذ غلام اعقل ما يقال فأتى كهنة قريش فقال رأيت كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهرى ولها اربعة اطراف طرف قد بلغ مشارق الارض وطرف قد بلغ مغاربها وطرف قد بلغ عنان السماء وطرف قد جاوز الثرى فبينا انا انظر عادت شجرة خضراء لها نور فبينا انا كذلك قام على شيخان فقلت لاحدهما من انت قال انا نوح نبى رب العالمين وقلت للآخر من انت قال ابراهيم خليل رب العالمين ثم انتبهت قالوا ان صدقت رؤياك ليخرجن من ظهرك نبى يؤمن به اهل السموات واهل الارض ودلت السلسلة على كثرة اتباعه وانصاره وقوتهم لتداخل حلق السلسلة ورجوعها شجرة تدل على ثبات امره وعلو ذكره وسيهلك من لم يؤمن به كما هلك قوم نوح وستظهر به ملة ابراهيم والى هذا وقعت اشارة النبى عليه الصلاة والسلام يوم حنين حيث قال انا النبى لا كذب انا ابن عبد المطلب كأنه يقول انا ابن صاحب تلك الرؤيا مفتخرا بها لما فيها من علم نبوته وعلو كلمته ثم انه لا نهاية لاوصافه الشريفة واخلاقه الحميدة وانما الكلام فى ان يكون المرء ممتلئا بمحبته مقتفيا بآثار سنته حتى يكون من امته حقيقة والخدمة فى عتبة بابه من جهة الشريعة والطريقة من اقوى الوسائل الى الوصول ـ حكى ـ ان مريدا مدعيا قال ان شيخى يعرف مقامى فى هذه الطريقة واستحقاقى للخلافة والنصب فى مقام الارشاد فما له لا يجيزنى بالخلافة فسمع ذلك شيخه فاستخدمه اياما فاظهر ذلك الصوفى الكسل فى خدمته ولم يخدمه بالشوق والاجتهاد فرأى حاله الشيخ فقال منكرا لما ادعاه من لا يقدر على خدمة الخلق كيف يقدر على خدمة الخالق فانظر كيف جعل خدمة الخلق من اسباب خدمة الخالق والوصول اليه وهكذا من كان فى قلبه ميل الى وصول الحق فلا بد له ان يرجع اولا الى خدمة شريعة النبى صلى الله عليه وسلم وسننه حتى يحبه النبى عليه الصلاة والسلام فيحبه الله تعالى شعر : محالست سعدى كه راه صفا توان رفت جز دربى مصطفا تفسير : شرفنا الله واياكم برعاية سننه وآدابه والاقتفاء بآثار آله واصحابه انه المنان جزيل الاحسان واسع الغفران فى كل زمان.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {لقد منّ الله على المؤمنين} حيث {بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي: من جنسهم، أو من نسبهم، عربيّاً مثلهم، ليفهموا كلامه بسهولة، ويفتخروا به على غيرهم. وتخصيص المؤمنين بالمنة، وإن كانت نعمته عامة؛ لزيادة انتفاعهم على غيرهم؛ لشرفهم وذكرهم به، حال كونه {يتلو عليهم آياته}؛ القرآن بعد أن كانوا جاهلية لا يعرفون الوحي ولا سمعوا به، {ويزكيهم} أي: يطهرهم من دنس الذنوب ودرن العيوب، {ويعلمهم الكتاب} أي: القرآن، {والحكمة} أي: السنة، {وإن كانوا} أي: وإنه، أي: الأمر والشأن كانوا {من قبل} بعثته {لفي ضلال مبين} أي: ظاهر بيِّن. الإشارة: لقد منّ الله على المتوجهين إليه الطالبين لمعرفته، حيث بعث لهم من يأخذ بأيديهم، ويطوي مسافة البعد عنهم، وهم شيوخ التربية، يتلون عليهم آياته الدالة على كشف الحجاب وفتح الباب، ويزكيهم من دنس العيوب المانعة لعلم الغيوب، ثم يزكيهم من درن الحس إلى مشاهدة القرب والأنس، ويعلمهم الكتاب المشتمل على عين التحقيق، والحكمة المشتملة على التشريع وبيان الطريق، فيجمعون لهم ما بين الحقيقة والشريعة، وقد كانوا قبل ذلك في ضلال مبين عن الجمع بينهما. وهذه المنّة عامة في كل زمان، إذا لا تخلو الأرض من داع يدعو إلى الله، ومن اعتقد قطعه فقد قطع منّة الله، واستعجز قدرة الله، وسد باب الرحمة في وجه عباد الله، والعياذ بالله.

الطوسي

تفسير : اللغة، والمعنى: قوله: {لقد من الله} معناه أنعم الله. وأصل المن القطع. منه يمنه مناً: إذا قطعه. {أية : ولهم أجر غير ممنون} تفسير : أي غير مقطوع. والمن النعمة، لأنه يقطع بها عن البلية. ويقول القائل: من علي بكذا أي استنقذني به مما أنا فيه. والمن تكدير النعمة، لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها. والمنة القوة، لأنه يقطع بها الاعمال. وفي تخصيص المؤمن بذكر هذه النعمة وإن كانت نعمة على جميع المكلفين قيل فيه من حيث أنها على المؤمنين أعظم منها على الكافرين، لأنها نعمة عليهم من حيث هي نفع في نفسها. وفيما يؤدي إليه من الايمان بها، والعمل بما توجبه أحكامها، فالمؤمن يستحق اضافتها إليه من وجهين، لما بيناه من حالها، ونظائر ذلك قد بيناه مثل قوله: {هدى للمتقين} وغير ذلك وإنما أضافه إلى المتقين من حيث أنهم المنتفعون بها دون غيرهم. وقوله: {إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - من أنفسهم ليكون ذلك شرفاً لهم، فيكون ذلك داعياً لهم إلى الايمان. الثاني - من أنفسهم، لسهولة تعلم الحكمة عليهم، لأنه بلسانه. الثالث - من أنفسهم، ليتيسر عليهم علم أحواله من الصدق والأمانة والعفة والطهارة. وقال الزجاج: من عليهم إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم من الأميين، لا يتلو كتاباً ولا يخط بيمينه، فنشأ بين قوم يخبرونه ويعرفونه بالصدق والأمانة وأنه لم يقرأ كتاباً ولا لقنه، فتلا عليهم أقاصيص الأمم السالفة، فكان ذلك من أدل دليل على صدقة فيما أتى به. وقوله: {يتلو عليهم آياته} معناه يقرأ عليهم ما أنزله عليه من آيات القرآن {ويزكيهم} يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها - يشهد لهم بأنهم أزكياء في الدين، فيصيروا بهذه المنزلة الرفيعة في الخلق. الثاني - يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين سالكين سبيل المهتدين. الثالث - قال الفراء يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها. وقوله: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} يعني القرآن، وهو الحكمة. وإنما كرره بواو العطف لأمرين: أحدهما - قال قتادة: الكتاب القرآن، والحكمة السنة. والثاني - لاختلاف فائدة الصفتين، وذلك أن الكتاب ذكر للبيان أنه مما يكتب ويخلد ليبقى على الدهر، والحكمة البيان عما يحتاج إليه من طريق المعرفة. وقوله: {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} يعني أنهم كانوا كفاراً. وكفرهم هو ضلالهم فأنقذهم الله بالنبي (صلى الله عليه وسلم).

الجنابذي

تفسير : {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ} انعم الله {عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} بشراً مثلهم ومن سنخهم {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} او يقرأ عليهم آيات كتابه بعد ما كانوا جهّالاً لا يعرفون كتاباً ولا شريعةً {وَيُزَكِّيهِمْ} يطهّرهم ممّا ينبغى للانسان ان يطهّر عنه {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} قد مضى بيان التّزكية وتعليم الكتاب والحكمة ووجه تأخير التّعليم عن التّزكية هاهنا وفى قوله {كما ارسلنا فيكم رسولاً} الآية ووجه تقديمه على التّزكية فى قوله {أية : وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ}تفسير : [البقرة: 129] الآية من سورة البقرة {وَإِن كَانُواْ} اى انّهم كانوا {مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} ظاهر واضح اظهارٌ لمنّه عليهم بنعمة وجود الرّسول (ص) ليتنبّهوا لها ويهتّموا باتّباع الرّسول (ص) شكراً لنعمة وجوده.

الهواري

تفسير : قوله: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} أي: يصلحهم {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ} أي القرآن {وَالحِكْمَةَ} يعني السنة. {وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ} أي من قبل أن يأتيهم النبي عليه السلام {لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}. قوله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ} أي يوم أُحُد {قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا} أي: يوم بدر. {قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا} أي: من أين هذا؟ من أين أوتينا ونحن مؤمنون والقوم مشركون. وقال بعضهم: {أَنَّى هَذَا} أي: كيف هذا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندَ أَنفُسِكُمْ} أي: بمعصيتكم؛ أي بمعصيتهم رسول الله، حيث أمرهم ألا يتّبعوا المدبرين، وبأخذهم الفدية من أهل بدر في تفسير الحسن. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ} أي جمع المؤمنين وجمع المشركين يوم أحد، وقد فسّرناه قبل هذا الموضع {فَبِإِذْنِ اللهِ} [أي الله أذن فِي ذلك] أي عاقبكم الله بذلك. {وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا} وهذا علم الفعال. {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَو ادْفَعُوا} أي كثِّروا السواد {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} قال الله: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} أي إنهم كفروا. قال الحسن: وإذا قال الله أقرب فهو اليقين، أي إنهم كافرون. كقوله: (أية : وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقُوَى) تفسير : [البقرة:237] أي: والعفو هو من التقوى. كذلك النفاق هو من الكفر، وهو كفر فوق كفر وكفر دون كفر. وقد يقول القائل لخصمه: حجتي أقرب إلى الحق من حجتك، أي: إن حجتي حق ويقين، وحجتك باطل وضلال. وقال الكلبي: {قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ}: كانوا ثلاثمائة منافق رجعوا مع عبد الله بن أبي فقال لهم [أبو] جابر عبد الله: أناشدكم الله في نبيكم وذراريكم ودينكم، فقالوا: والله لا يكون قتال اليوم، ولو نعلم قتالاً لاتبعناكم يقول الله: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ}. {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} أي: يقولون الإِيمان بألسنتهم وقلوبهم مضمرة على ترك الوفاء بما أقروا به من القول والعمل. {وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} أي من ترك الوفاء بالعمل بالذي أقروا به من القول والعمل.

اطفيش

تفسير : {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ}: على من آمن بالله ورسوله من العرب. {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}: من جنسهم إذ هو أحد العرب - صلى الله عليه وسلم - فلا قوم من العرب إلى وله فيهم نسب إلا بنى ثعلبة، فكانوا نصارى، قبحهم الله، فلم يكن له فيهم نسب، والحمد لله، ويجوز أن يراد بالمؤمنين: من آمن من قريش، فمعنى كونه من أنفسهم أنه من نسبهم. وقرئ: من أنفسهم بفتح الفاء: من أشرفهم، أنه صلى الله عليه وسلم كان من أشرف قبائل العرب، وبطونهم، إذ هو من بنى هاشم، وهذه القراءة تقوى أن المراد بالمؤمنين: العرب لا قريش خاصة فهم يفهمون كلامه بسهولة، ويزيد من جاوره من بمكة قريش وغيرهم، أنهم واقفون على صدقه وأمانته وزهده وعفافه ومحاسن الأخلاق، ولم يجربوا عليه غير ذلك قط، من حين نشأ فيهم، فكيف لا يؤمن به أحداً، وكيف ينسبه أحد إلى الغلول، وما هو لا صفوة الخلق من الله به على العرب، ومن شبه، وبنى هاشم خصوصاً ينجيهم من النار ويفتخرون به إذ هو منهم كان إبراهيم مشتركاً بين اليهود والنصارى والعرب يفتخر كل بالانتساب إليه عليه السلام، ثم كان لليهود ما يفتخرون به خاصة وهو موسى عليه السلام والتوراة، ثم كان النصارى ما يفتخرون به خاصة وهو عيسى عليه السلام والإنجيل، ثم بعث الله فى العرب محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل والخلق كلهم، وأنزل عليه أفضل الكتب: القرآن، فهو أشرف شرف لهم، وإنه لذكر لك ولقومك، حتى أن موسى قال: اللهم اجعلنى من أمة أحمد، وعيسى أيضاً فى معنى ذلك، وسينزل فيكون من أمة أحمد صلى الله عليه وسلم تحقيقاً، وذلك أفضل أيضاً لكل من آمن به من العجم وخص العرب أو قريشاً، لأنه منهم، على أنه من ولد إسماعيل عليه السلام، كما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما، وكما قال أبو طالب فى خطبة خديجة: الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وصفوة معد وعنصر مضر، وجعلنا سدنة بيته وسواس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمنا وجعلنا الحكام على الناس وإن ابنى هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به فتى إلا رجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جليل". وقيل المراد بالمؤمنين جميع من آمن به من العرب والعجم، بمعنى كونه من أنفسهم إنه آدمى لا ملك أو غيره، وقرىء: لمن من الله بفتح اللام للابتداء وكسر ميم {من} وهى حرف جر، وفتح ميم {من} وتشديد نونه مكسورة مضافاً، {لله} وهو خير لمحذوف، أى لمن من الله على المؤمنين منه، إذ بعث فيهم رسولا أو بعثه إذ بعث فيهم رسولا فإذا متعلقة لهذا المبتدأ المقدر وهو منه أو بعثه، كما علق بمن الذى هو فعل ماض فى قراءة الجمهور. وأجاز الزمخشرى كون المبتدأ إذ فتكون فى محل رفع، أى: لمن من الله وقت بعثه رسولا. قال ابن هشام: لا نعلم قائلا بذلك قاس إذ على إذا المرفوعة المحل فى أخطب ما يكون الأمير، إذ كان قائماً والدليل على رفع محل إذا فى ذلك قول بعض: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة، برفع يوم المشهور أن الخبر محذوف، قبل إذا وبين الله تعالى مننه بقوله: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}: القرآن بعد ما كانوا جهالا، لم يسمعوا الوحى فيسمعونها منه، ويحفظونها، إذ كانت سهلة الحفظ، ويفهمنها، إذ كانت سهلة الفهم. {وَيُزَكِّيهِمْ}: يطهرهم من سوء الأخلاق وسوء الأخلاق والمعاصى والشرك. {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}: القرآن يلقنهم ليحفظوه، ويكرره عليهم ليحفظوه بعد أن يسمعه منهم كل من شاء منهم، أو يعلمهم معانيه التى لا يدر العربى بمجرد عربيته. {وَالْحِكْمَةَ}: السنة وهى الوحى الذى ليس بقرآن وسائر ما ليس بوحى مما يأخذه من القرآن ويلهمه الله ربنا من مكارم الأخلاق. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ}: أى من قبل بعثه، صلى الله عليه وسلم، أو من قبل ما ذكر من تلاوته، وتزكيته، إياهم وتعليمه إياهم الكتاب والحكمة {وإن} مخففة من الثقيلة، والمعنى: وإن الشأن، ولست أعنى بها التقدير، أن اسمها ضمير الشأن محذوف، أو الشأن لأنها تخفف فتهمل، ولكم بيان الأصل والمعنى فلو ذكر لفظ الشأن لكان مروفوعاً، كقوله تعالى: {وإن كل} لما جميع لدنيا، وقد عملها، ثم رأيته والحمد لله بهذا اللفظ، وهكذا جل ألفاظ التفسير الراجعة إلى تحقيق المعنى، وإلى علم المعقول، والاستدلال، تكون موافقة للعلماء المحققين المنتسبين إلى ذلك بلا نظر فى كلامهم، وإنا فى ذلك لعلى منة عظيمة وشكر واجب، واللام فى قوله: {لَفِى ضَلالٍ مُّبِين}: لام تفيدك أن {إن} مخففة مؤكدة لا نافية، وضلالهم المبين فى خلوهم، فى اعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم عن علم الشريعة، أصولها وفروعها وعدم فهمهم، وعدم العقل الكسبى. والجملة مستأنفة أو حال من هاء يعلمهم وهى مبنية لتكامل النعم، لأن النعمة بعد المحنة، أعظم منها قبلها، ولو تساوتا كما فضلا.

اطفيش

تفسير : {لَقَدْ مَنَّ اللهُ} أنعم، وأصله القطع، فإن البلية تقطع بالنعمة، وإذا أعددت على أحد بما فعلت به من الخير فقد مننت،أى أبطلت ما فعلت وقطعته {عَلَى المُؤمِنينَ} بالفعل، أو من يئول أمره إلى الإيمان، أنعم عليهم برسوله، والإيمان به، ومنهم الرسول، منّ الله عليه بالوحى وإيمانه به، ومنَّ عليه بمن اتبعه، وكل نبى هو أول من يؤمن بما أوحى إليه أنه من الله، ولو تقدم الإيحاء به إلى غيره والرسول منة على كل أحد، لأنه منجاة لكل من أرادها، إلا أنه خص المؤمنين لأنهم المنتفعون به، والمراد المؤمنون من العرب، او من قريش، أو من الناس {إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} نسبهم من إسماعيل ومن عدنان إليهم، ونسبه فى كل العرب إلا بنى تغلب، تنصَّروا واستمروا عليها، وكان فى قومه يشاهدونه من حيث نشأ إلى ادعائه الوحى ما يرون منه محرما ولا مكروها، ولا شيئا من مساوىء الأخلاق وما رأوا منه إلا عبادة الله بما أمكن له قبل الوحى ومكارم الأخلاق، فيبعد أن ينسبوه إلى الكذب فى دعوى الوحى، لا كذب أقبح من دعوى الوحى كذبا إلا دعوى الألوهية وعبادة الأصنام، وجحود الله، وأنواع االشرك، فبعثه فيهم من أكبر النعم إذ كان أقرب لهم إلى فهم كلامه وإلى الإيمان فلا يكذبونه لمشاهدتهم صدقه فى كل أحواله، وإذ كان أنسب لهم بالافتخار به فيكون من دواعى الإيمان به، أو أنفسهم قريش، ويدل له قراءة من أنفسهم، بفتح الفاء، فذلك أشد لهم فخراً ونعمة، أو أنفسهم الإنس لا من الجن ولا من الملائكة فهو أليق بالأخذ عنه، وأخرج البيهقى عن عائشة، أن المراد العرب خاصة، وذلك فى الآية، وإلا فهو رحمة للعالمين كلهم، ومن يتعلق ببعث، أو بمحذوف نعتا لرسولا، ومن لم يعلم أنه من الجن أو الإنس أو الملائكة أشرك ومن لم يعلم من العرب أو العجم أشرك، لأنه كونه من العرب معلوم كالأمر الضرورى، وقيل، لا يشرك، ومن جزم بأنه من العجم أو من الملائكة أشرك، لا إن لم يعلم أنه من أشرف القبائل {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتِهِ} أي القرآن، وهو أفضل كتب الله، بعد ما لم يجدوا إلا ما قلَّ جداً من أهل الكتاب من الوحي ممزوجاً بأكاذيب {وَيُزكَّيهِمْ} يطهرهم من الشرك وما دونه من المعاصى وسوء الطباع والاعتقاد وفساد الجاهلية وأهل الكتاب، أو يشهد لهم أنهم أزكياء {وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ} القرآن {وَالحِكْمَةَ} السنة، يعبر عن القرآن تارة بالآيات، وتارة بالكتاب تلويحاً بأنه علامة ونعمة من حيث إنه كلام مجموع، وقد يعبر عنه بالحكمة من حيث إنه عصمة فوسط التزكية للإيذان بذلك التعدد فى النعم، فإن التزكية تكميل بالعمل لمرتب على التعليم، المرتب على التلاوة، وأما قوله تعالى {أية : ربنا وابعثْ فيهم رسولاً} تفسير : [البقرة: 129]. إلخ فيتبادر منه أن الكل نعمة مشتملة على نعم {وَإن كَانُوا} إن الشأن كونهم، وليست إن علامة فى مذكور ولا محذوف، لكن بينت المعنى، وقيل عملت فى ضمير الشأن محذوفا، ويجوز تقدير غيره إذا أمكن، مثل أن يقدر هنا، وإنهم كانوا،ونسب للبصريين أنها تهمل ولا يقدر لها ضمير، وأجازوا إعمالها فى ظاهر {مِن قَبْلُ} قبل بعثه صلى الله عليه وسلم {لَفِى ضَلاَلٍ} عن الدين والمصالح {مُّبِينٍ} ظاهر.

الالوسي

تفسير : {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ } أي أنعم وتفضل، وأصل المنّ القطع وسميت النعمة منة لأنه يقطع بها عن البلية وكذا الاعتداد بالصنيعة مناً لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها، والجملة جواب قسم محذوف أي والله لقد منّ الله {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي من قومه أو من العرب مطلقاً أو من الإنس ـ وخير الثلاثة الوسط ـ وإليه ذهبت عائشة رضي الله تعالى عنها، فقد أخرج البيهقي وغيره عنها أنها قالت هذه للعرب خاصة ـ والأول خير من الثالث ـ وأياً مّا كان فالمراد بهم على ما قال الأجهوري: المؤمنون من هؤلاء في علم الله تعالى أو الذين آل أمرهم إلى الإيمان. {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ } أي بينهم {رَسُولاً } عظيم القدر جليل الشأن {مّنْ أَنفُسِهِمْ } أي من نسبهم، أو من جنسهم عربياً مثلهم أو من بني آدم لا ملكاً ولا جنياً و {إِذْ } ظرف ـ لمنّ ـ وهو وإن / كان بمعنى الوقت لكن وقع في معرض التعليل كما نص عليه معظم المحققين، والجار إما متعلق ببعث أو بمحذوف وقع صفة ـ لرسولاً ـ والامتنان بذلك إما لحصول الأنس بكونه من الإنس فيسهل التلقي منه وتزول الوحشة والنفرة الطبيعية التي بين الجنسين المختلفين، وإما ليفهموا كلامه بسهولة ويفتخروا على سائر أصناف نوع بني آدم، وإما ليفهموا ويفتخروا ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فيكون ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به صلى الله عليه وسلم، وتخصيص المؤمنين بالامتنان مع عموم نعمة البعثة كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] لمزيد انتفاعهم على اختلاف الأقوال فيهم بها، ونظير ذلك قوله تعالى: {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ}تفسير : [البقرة: 2] وقرىء ـ لمن منّ الله ـ بمن الجارة ومنّ المشددة النون على أنه خبر لمبتدأ محذوف مثل منه أو بعثه وحذف لقيام الدلالة، وجوز الزمخشري أن تكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائماً بمعنى لمن منّ الله تعالى على المؤمنين وقت بعثه، ولا يخفى عليك أن هذا يقتضي أن تكون إذ مبتدأ والجار والمجرور خبراً وقد اعترض ذلك بأنه لم يعلم أن أحداً من النحويين قال بوقوع إذ كذلك، وما في المثال إذا لا إذ، وهي أيضاً فيه ليست مبتدأ أصلاً، وإنما جوزوا فيها وجهين: النصب على أن الخبر محذوف وهي سادّة مسدّه، والرفع على أنها هي الخبر، وعلى الأول: يكون الكلام من باب جد جده لأن الأمير أخطب في حال القيام لا كونه، وعلى الثاني: من باب نهاره صائم والوجه الأول هو المشهور، وجوز الثاني عبد القاهر تمسكاً بقول بعضهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة بالرفع فكأن الزمخشري قاس إذ على إذا والمبتدأ على الخبر. وانتصر بعضهم للزمخشري بأنه قد صرح جماعة من محققي النحاة بخروج إذ عن الظرفية فتكون مفعولاً به، وبدلاً من المفعول وهذا في قوة تصريحهم بوقوعها مبتدأ وخبراً مثلاً إذ هو قول بتصرفها، ومتى قيل به كانت جميع الأحوال مستوية في جواز الإقدام عليها من غير تفرقة بين حال وحال إلا لمانع يمنع من ذلك الحال فيها وفي غيرها من سائر الأسماء وهو أمر آخر وراء ما نحن فيه، نعم حكى الشلوبين في «شرح الجزولية» عن بعضهم أن مأخذ التصرف في الظروف هو السماع فإن كان هذا حكم أصل التصرف فقط دون أنواعه ارتفع الغبار عما قاله الزمخشري بناءاً على ما ذكرنا بلا خفاء وإن كان حكم الأنواع أيضاً كذلك فلا يقدم على الفاعلية بمجرد ثبوت المفعولية ولا على الابتدائية بمجرد ثبوت الخبرية مثلاً إلا بورود سماع في ذلك، ففي صحة كلام الزمخشري تردد بيّن لأن مجرد تصريحهم حينئذ بوقوع إذ مفعولاً وبدلاً وبوقوع إذا خبراً مثلاً لا يجدي نفعاً لجواز ورود السماع بذلك دون غيره كما لا يخفى. وفي قراءة رسول الله وفاطمة صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم {مّنْ أَنفُسِهِمْ } بفتح الفاء أي من أشرفهم لأنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل وبطونها وهو أمر معلوم غني عن البيان ينبغي اعتقاده لكل مؤمن. وقد سئل الشيخ ولي الدين العراقي هل العلم بكونه صلى الله عليه وسلم بشراً ومن العرب شرط في صحة الإيمان أو من فروض الكفاية؟ فأجاب بأنه شرط في صحة الإيمان، ثم قال: فلو قال شخص: أومن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق لكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة أو من الجن، أو لا أدري هل هو من العرب أو العجم؟ فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفاً عن سلف وصار معلوماً بالضرورة عند الخاص والعام ـ ولا أعلم في ذلك خلافاً ـ فلو كان غبياً لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره انتهى، وهل يقاس اعتقاد أنه صلى الله عليه وسلم من أشرف القبائل والبطون على ذلك فيجب ذلك في صحة الإسلام أو لا يقاس فحينئذ يصح إيمان من لم يعرف ذلك لكنه / منزه تلك الساحة العلية عن كل وصمة؟ فيه تأمل، والظاهر الثاني وهو الأوفق بعوام المؤمنين. {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتِهِ } إما صفة أو حال أو مستأنفة، وفيه بعد أي يتلو عليهم ما يوحىٰ إليه من القرآن بعدما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي أو بعد ما كان بعضهم كذلك وبعضهم متشوفاً متشوقاً إليه حيث أخبر كتابه الذي بيده بنزوله وبشر به {وَيُزَكّيهِمْ } أي يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان فيهم من دنس الجاهلية أو من خبائث الاعتقادات الفاسدة كالاعتقادات التي كان عليها مشركو العرب وأهل الكتابين، أو يشهد بأنهم أزكياء في الدين، أو يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها ـ قاله الفراء ـ ولا يخفى بعده ومثله القريب إليه. {وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـابَ وَٱلْحِكْمَةَ } قد تقدم الكلام في ذلك. وهذا التعليم معطوف على ما قبله مترتب على التلاوة وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة للإيذان بأن كل واحد من الأمور المترتبة نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر ولو روعي ترتيب الوجود كما في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} تفسير : [البقرة: 129] لتبادر إلى الفهم عدّ الجميع نعمة واحدة وهو السر في التعبير عن القرآن ـ بالآيات ـ تارة ـ وبالكتاب والحكمة ـ أخرى رمزاً إلى أنه باعتبار كل عنوان نعمة على حدة قاله مولانا شيخ الإسلام، وقد يقال: المراد من تلاوة الآيات تلاوة ما يوحى إليه صلى الله عليه وسلم من الآيات الدالة على التوحيد والنبوة، ومن التزكية الدعاء إلى الكلمة الطيبة المتضمنة للشهادة لله تعالى بالتوحيد ولنبيه عليه الصلاة والسلام بالرسالة، وبتعليم الكتاب تعليم ألفاظ القرآن وكيفية أدائه ليتهيأ لهم بذلك إقامة عماد الدين، وبتعليم الحكمة الإيقاف على الأسرار المخبوءة في خزائن كلام الله تعالى، وحينئذ أمر ترتيب هذه المتعاطفات ظاهر إذ حاصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يمهد سبل التوحيد ويدعو إليه ويعلم ما يلزم بعد التلبس به ويزيد على الزبد شهداً فتقديم التلاوة لأنها من باب التمهيد ثم التزكية لأنها بعده وهي أول أمر يحصل منه صفة يتلبس بها المؤمنون وهي من قبيل التخلية المقدمة على التحلية لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، ثم التعليم لأنه إنما يحتاج إليه بعد الإيمان، بقي أمر تقديم التعليم على التزكية في آية البقرة ولعله كان إيذاناً بشرافة التحلية كما أشرنا إليه هناك فتأمل. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ } أي من قبل بعثة الرسول {لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } ظاهر {وَإِنْ } هي المخففة واللام هي الفارقة، والمعنى إن الشأن كانوا من قبل الخ. وإلى هذا ذهب بعض المحققين، وذكر مثله مكي إلا أنه قال: التقدير وأنهم كانوا من قبل فجعل اسمها ضميراً عائداً على المؤمنين، قال أبو حيان: ((وكلا الوجهين لا نعرف نحوياً ذهب إليه وإنما تقرر عندنا في كتب النحو ومن الشيوخ أنك إذا قلت: إن زيداً قائم ثم خففت، فمذهب البصريين فيها [إذ ذاك] وجهان: أحدهما: جواز الإعمال ويكون حالها وهي مخففة كحالها وهي مشددة ـ إلا أنها لا تعمل في مضمر، ومنع ذلك الكوفيون ـ وهم محجوجون بالسماع الثابت من لسان العرب ـ والوجه الثاني: وهو الأكثر عندهم أن تهمل فلا تعمل لا في ظاهر ولا مضمر لا ملفوظ [به] ولا مقدر البتة فإن وليها جملة اسمية ارتفعت بالابتداء والخبر ولزمت اللام في ثاني مصحوبيها إن لم ينف، وفي أولهما إن تأخر، فتقول: إن زيد لقائم ومدلوله مدلول إن زيداً قائم، وإن وليها جملة فعلية فلا بد عند البصريين أن تكون من نواسخ الابتداء، وإن جاء الفعل من غيرها فهو شاذ لا يقاس عليه عند جمهورهم)). / وأجاب الحلبـي عمن قدر الشأن بأنه تفسير معنى لا بيان إعراب، وقال عصام الملة: إن من قال: إن الشأن لم يرد تقدير ضمير الشأن بل جعل الجملة حالاً بتأويل القصة ذلك لئلا يختلف زمان الحال والعامل فإن زمان الكون في ضلال مبين قبل زمان التعليم لكن كون القصة ذلك مستمر، ثم قال: وهذا تأويل شائع مشهور في الحال الذي يتقدم زمان تحققه زمان تحقق العامل فاحفظه ولا تلفظه انتهى، وأنت تعلم أن ما ذكره الحلبـي خلاف الظاهر، وكلام عصام الملة منظور فيه لأن المناسب لما ذكره على تقدير تعينه تقدير الشأن قبل ـ أن ـ لا بعدها كما لا يخفى، وجوز بعضهم كون الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، والأكثرون على الحالية، وعلى التقديرين فهي مبينة لكمال النعمة وتمامها.

ابن عاشور

تفسير : استئناف لتذكير رِجال يومِ أُحُد وغيرهم من المؤمنين بنعمة الله عليهم. ومناسبةُ ذكره هنا أنّ فيه من التسلية على مصيبة الهزيمة حظّاً عظيماً، إذ قد شاع تصْبير المحزون وتعزيته بتذكيره ما هو فيه من النعم، وله مزيد ارتباط بقوله: {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم}تفسير : [آل عمران: 159]، وكذلك جاءت آي هذا الغرض في قصة أُحُد ناشئاً بعضها عن بعض، متفنّنة في مواقعها بحسب ما سمحت به فرصُ الفراغ من غرض والشروع في غيره فما تجد طراد الكلام يغدو طَلْقاً في حلبة الاستطراد إلا وتجد له رواحاً إلى مُنْبَعثه. والمنّ هنا: إسداء المِنّة أي النِّعمة، وليس هو تعداد النعمة على المنعم عليه مثل الَّذي في قوله: {أية : لا تبطلوا صدقاتكم بالمَن والأذى}تفسير : في سورة [البقرة: 264]، وإن كان ذكرُ هذا المنّ مَنّاً بالمعنى الآخر. والكلّ محمود من الله تعالى لأنّ المنّ إنَّما كان مذموماً لما فيه من إبداء التطاول على المنعم عليه، وطوْل الله ليس بمجحود. والمراد بالمؤمنين هنا المؤمنون يومئذ وهم الَّذين كانوا مع النَّبي بقرينة السياق وهو قوله: {إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم} أي من أمَّتهم العربية. و(إذ) ظرف لـ(مَنّ) لأنّ الإنعام بهذه النِّعمة حصل أوقات البعث. ومعنى {من أنفسهم} المماثلةُ لهم في الأشياء التي تكون المماثلة فيها سبباً لقوّة التواصل، وهي هنا النسب، واللغة، والوطن. والعرب تقول: فلان من بني فلان من أنفسهم، أي من صميمهم ليس انتسابه إليهم بوَلاء أو لصق، وكأنّه هذا وجه إطلاق النفس عليه التي هي في معنى المماثلة، فكونه من أهل نسبهم أي كونه عربياً يوجب أنسهم به والركون إليه وعدم الاستيحاش منه، وكونه يتكلّم بلسانهم يجعلهم سريعين إلى فهم ما يجيء به، وكونه جاراً لهم وربيّا فيهم يعجّل لهم التصديق برسالته، إذ يكونون قد خبَروا أمره، وعلموا فضله، وشاهدوا استقامته ومعجزاته. وعن النقاش: قيل ليس في العرب قبيلة إلا ولها ولادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ تغْلِب، وبذلك فسّر: «حديث : قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى.» تفسير : وهذه المنّة خاصّة بالعرب ومزيّة لهم، زيادة على المنّة ببعثة محمد على جميع البشر، فالعرب وهم الذين تلقّوا الدعوة قبل الناس كلّهم، لأنّ الله أراد ظهور الدين بينهم ليتلقّوه التلقّي الكامل المناسب لصفاء أذهانهم وسرعة فهمهم لدقائق اللغة، ثم يكونوا هم حملته إلى البشر، فيكونوا أعواناً على عموم الدعوة، ولمن تخلّق بأخلاق العرب وأتقن لسانهم والتبس بعوائدهم وأذواقهم اقتراب من هذه المزيّة وهو معظمها، إذ لم يَفته منها إلا النسب والموطن وما هما إلا مكمّلان لحسن التلقّي، ولذلك كان المؤمنون مدّة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب خاصّة بحيث إنّ تلقّيهم الدعوة كان على سواء في الفهم حتى استقرّ الدين. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «حديث : من دخل في الإسلام فهو من العرب».تفسير : وقوله: {يتلوا عليهم آياته} أي يقرأ عليهم القرآن، وسمّيت جمل القرآن آيات لأنّ كلّ واحدة منها دليل على صدق الرسول من حيث بلاغة اللفظ وكمال المعنى، كما تقدّم في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير، فكانوا صالحين لفهم ما يتلى عليهم من غير حاجة لترجمان. والتزكية: التطهير، أي يطهر النفوس بهدي الإسلام. وتعليم الكتاب هو تبيين مقاصد القرآن وأمرُهم بحفظ ألفاظه، لتكون معانيه حاضرة عندهم. والمراد بالحكمة ما اشتملت عليه الشريعة من تهذيب الأخلاق وتقنين الأحكام لأنّ ذلك كلّه مانع للأنفس من سوء الحال واختلال النظام، وذلك من معنى الحكمة، وتقدّم القول في ذلك عند قوله تعالى: {أية : يؤتي الحكمة من يشاء}تفسير : [البقرة: 269]. وعطفُ الحكمة على الكتاب عطف الأخصّ من وجه على الأعمّ من وجه، فمن الحكمة ما هو في الكتاب نحو: {أية : ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}تفسير : [الحشر: 9] ومنها ما ليس في الكتاب مثل قوله عليه السلام: «حديث : لا يُلدَغُ المؤمن من جحر مرّتين»تفسير : وفي الكتاب ما هو علم وليس حكمة مثل فَرْض الصلاة والحجّ. وجملة {وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} حال، وإنْ مخففة مهملة، والجملة بعدها خبر عن ضمير الشأن محذوف، والجملة خبره على رأي صاحب «الكشاف»، وهو التحقيق إذ لا وجه لزوال عملها مع بقاء معناها، ولا وجه للتفرقة بينها وبين المفتوحة إذا خففت فقد قدّروا لها اسماً هو ضمير الشأن، بل نجد المكسورة أولى ببقاء العمل عند التخفيف لأنها أمّ الباب فلا يزول عملها بسهولة، وقال جمهور النحاة: يبطل عملها وتكون بعدها جملة، وعلى هذا فالمراد بإهمالها أنّها لا تنصب مفردين بل تعمل في ضمير شأن وجملة إمَّا اسمية، أو فعلية فعلها من النواسخ غالباً. ووصف الضلال بالمبين لأنّه لشدّته لا يلتبس على أحد بشائبة هُدى، أو شبهة، فكان حاله مبيّناً كونَه ضلالاً كقوله: {أية : وقالوا هذا سحر مبين}تفسير : [النمل: 13]. والمراد به ضلال الشرك والجهالة والتقاتل وأحكام الجاهلية. ويجوز أن يشمل قوله: {على المؤمنين} المؤمنين في كل العصور ويراد بكونه من أنفسهم أنّه من نوع البشر. ويراد بإسناد تعليم الكتاب والحكمة إليه ما يجمع بين الإسناد الحقيقي والمجازي، لأنّ تعليم ذلك متلقّي منه مباشرة أو بالواسطة.

القطان

تفسير : يزكيهم: يطهرهم. الكتاب: القرآن. الحكمة: السنَّة، والمعرفة بجميع أنواعها. لقد مرّ نظير هذه الآية في سورة البقرة، الآية129. بعد أن نفى الله الغلول والخيانة عن النبي الكريم على أبلغ وجه ـ أكد ذلك بهذه الآية فأبان انه قد تفضل على المؤمنين بأن يبعث فيهم رسولا منهم، وُلد في بلدهم فعرفوه حق المعرفة ولم يروا فيه طوال حياته الا الصدق والأمانة حتى فاز بلقب محمد الأمين. وقد جاء هذا الرسول يتلو عليهم آيات الله الدالة على القدرة والوحدانية، ويوجه النفوس الى الاستفادة منها والاعتبار بها. هذا كما جاء محمد ليزكّيهم، أي يطهّرهم من العقائد الزائفة، ويطهر بيوتهم وأعرضهم ومجتمعهم من دنس الجاهلية وشِركها. كذلك جاء يعلّمهم القرآن والكتابة والقراءاة بعد ان كانوا أُميّين ضالين. "وعلى أية حال، فقد تضمنت هذه الآية الأمور التالية: 1- ان الرسول احسان من الله الى الخلق، لأن الرسول ينقلهم من الجهل الى العلم، ومن المذلَة الى الكرامة، ومن معصية الله وعقابه الى طاعته وثوابه. 2- ان هذا الاحسان قد تضاعف على العرب بالخصوص لأن محمداً (صلى الله عليه وسلم) منهم، يباهون به جميع الأمم. 3- انه يتلو عليهم آيات الله الدالة على وحدانيته، وقدرته وعلمه وحكمته. 4- انه يطهّرهم من أرجاس الشرك والوثنية، ومن الاساطير والخرافات والتقاليد الضارة، والعادات القبيحة. 5- يعلّمهم الكتاب أي القرآن الذي جَمَعَ كلمتهم، وحفظ لغتهم، وحثّهم على العلم ومكارم الأخلاق، ويعلمهم الرسول أيضاً الحكمة، وهي وضع الأشياء في مواضعها، وقيل: ان المراد بها هنا الفقه.." يقول جعفر بن أبي طالب الصحابي الجليل مخاطباً النجاشي عندما لجأ اليه المسلمون في أول بدء الدعوة: "أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف، حتى بعث الله الينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعانا الى الله وحده لنوحّده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرَنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصِلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا ان نعبد الله ولا نشرك به شيئاً وأمرَنا بالصلاة والزكاة والصيام".

د. أسعد حومد

تفسير : {يَتْلُواْ} {آيَاتِهِ} {ٱلْكِتَابَ} {ضَلالٍ} (164) - مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى المُؤْمنينَ أنْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ جِنْسِهِمْ، وَمِنْ أهْلِ بَلَدِهِمْ وَلُغَتِهِمْ (مِنْ أنْفُسِهِمْ)، لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ مُخَاطَبَتِهِ وَمُجَالَسَتِهِ، وَالانْتِفَاعِ بِصُحْبَتِهِ وَسُؤَالِهِ عَمَّا يَستَشْكِلُ عَلَيْهِمْ فِي أمُوِر دِينِهِمْ، وَيَتْلُو عَلَيهِم القُرآنَ (آياتِ اللهِ) وَيَأمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ، لِتَزْكُوَ أنْفُسُهُم، وَتَطْهُرَ مِنْ أرْجَاسِ الجَاهِليَّةِ، وَيُعَلِّمُهُمُ القُرآنَ (الكِتَابَ) وَالسُّنَّةَ (الحِكْمَةَ) فَقَدْ كَانُوا قَبْلَ هَذا الرَّسُولِ فِي غَيٍّ وَجَهَالَةٍ (ضَلاَلٍ) ظَاهِرَيْنِ لِكُلِّ أحَدٍ. مِنْ أنْفُسِهِمْ - مِنْ جَنْسِهِمْ وَلُغَتِهِمْ وَقَوْمِهِمْ. الضَّلاَلَةُ - الجَهَالَةُ. يُزَكِّيهِمْ يُطَهِّرُهُمْ مِنْ أرْجَاسِ الجَاهِلِيَّةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والذي يمن على الآخر هو الذي يعطيه عطية يحتاج إليها هذا الآخذ، فكأن الحق يقول: وهل أنا في حاجة إلى إيمانكم؟ وفي حاجة إلى إسلامكم؟ أصفة من صفاتي معطلة حتى تأتوا أنتم لتكملوها لي؟ لا، إذن فحين أبعث لكم رسولاً رحيماً بكم، فالمنة تكون لي وحدي. {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]. أكان يبعثه مَلَكاً؟ لا. بل بعثه من البشرية؛ كي تكون الأسوة فيه معقولة. فعندما يقول لكل مسلم افعل مثلي، فالمسلم عليه أن يطبق ما يأمره به الرسول، لكن لو كان مَلَكاً أكانت تنفع فيه الأسوة؟ لا، فقد يقول لك: افعل مثلي، فتقول له: لا أقدر لأنك مَلَك، ومن يدعي الألوهية لرسول، فهو ينفي عنه الأسوة؛ لأنه عندما يقول: كن مثلي، يمكنك أن تقول: وهل نقدر؟ أنت طبيعتك مختلفة، فهل نصل لذلك؟! لا نقدر، ولذلك فالذين يقولون بألوهية رسول، إنما يفقدون الأسوة فيه، والمفهوم في الرسول أن يكون أسوة سلوكية، وأن يكون مبلغاً عن الله منهجه، وأن يعلن بشريته ويقول: أنا بشر وأستطيع أن أمثل وأطبق المنهج. إذن فهو أسوة سلوكية تطبيقية. والرسول مبعوث للكل، فلماذا كانت المنة على من آمن فقط!؟ لأنه هو الذي انتفع بهذه الحكاية، لكنَّ الباقين أهدروا حقهم في الأسوة ولذلك تكون المنة على من آمن. {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} [آل عمران: 164] وما هي المنة؟ المن: الأصل فيه أنه القطع، لكن حين نسمعها نجدها تستعمل في أشياء متقابلة، فمثلاً: المن هو العطاء بلا مقابل، والمن هو: تكدير النعمة بالتحدث بها، مثل قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة: 262]. إذن فالمن الذي نحن بصدده هو العطاء بلا مقابل، ولكن المن قد استعمل في تكدير النعمة بكثرة الكلام فيها، فقد يقول الإنسان لمن يمن عليه: لا أريد النعمة التي تتكلم عنها دائماً، إذن فالمن استعمل في النعمة وفي تكدير النعمة، تقول: مَنَّ على فلان إذ أنقذني من ضيق كنت فيه، ويقال: فلان ليس فيه مُنة، أي ليس فيه قوة، وكلها تدور في معنى القطع، فإذا استعمل في النعمة والعطاء نقول: نعم فيها قطع؛ لأن النعمة جاءت لتقطع الحاجة، فيه حاجة ثم جاء عطاء، والعطاء قطع الحاجة. فاستعملت في معناها. فإذا جاءت نعمة بعد حاجة والحاجة انقطعت بالنعمة فلا بد أن تأتي بفعل بعدها وهو أن تشكر من أنعم عليك، وخصوصاً أنه الله، فالمن يقطع الشكر لأنك إن مننت بالنعمة وأظهرت تفضلك بها على من أسديتها إليه فقد تسببتَ في أن الآخذ لا يشكرك بل إنه يتضايق من نعمتك وقد يردها عليك. فإذن: هنا قطع للشكر، فإن قطعت حاجة محتاج فهذا يسمى "نعمة" وإن فخرت بنعمتك عليه حتى كدرتها فقد قطعت ومنعت شكره لك، وهذا يسمى "مَنَّا" أي أذى لأنه يؤذي مشاعر وإحساس الآخذ. وإن قطعت مطلقاً اختصت باسم "المُنَّة"، يقولون: فلان لا مُنة فيه أي لا قوة عنده تقطع في الأمور، وهنا يقول: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} و "مَنَّ" هنا بمعنى أعطى نعمة، والنعمة في الدنيا تعطيك على قدر دنياك، و"منة" الله برسوله صلى الله عليه وسلم تعطيني عطاء على قدر الدنيا وعلى امتداد الآخرة، فتكون هذه منة كبيرة. {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِين إِذَْ} [آل عمران: 164]، و"إذ" يعني ساعة أي حين بعث فيهم رسولاً منهم فقد عمل فيهم منة وقدم لهم ومنحهم جميلاً كبيراً وأنعم عليهم نعمة، {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً} [آل عمران: 164]. فإذا كان مطلق بعث رسول كي يهدي الناس إلى منهج الله يكون نعمة فماذا إذا كان الرسول من أنفسهم؟ إن هذه تكون نعمة أخرى لأنه ما دام من أنفسهم؟ إن هذه تكون نعمة أخرى لأنه ما دام من أنفسهم ومن رهطهم ومن جماعتهم، هو معروف نسباً وحسباً ومعروف أمانة، فلا يخون، ومعروف صِدْقاً فلا يكذب، كل هذه "مِنة" ولم يتعب أحداً في أن يبحث وراءه: أكذب قبل ذلك حتى نعتبر ذلك كذباً؟ أخان قبل ذلك حتى نعتبر ذلك خيانة؟ لا. هل هو من الناس المدَّعين الذين يريدون أن يقيموا ضوضاء من حولهم؟ لا. بل هو في الحسب والنسب معروف، جده عبد المطلب سيد البطحاء ولا يوجد واحد من أهله تافهاً. وعرف الجميع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة منذ صغره، إذن فالمقدمات تجعل الناس لا تجهد نفسها في أن تتحرى عنه أصادق هو أم غير صادق؟ إذن فهو مِنّة، ولذلك حينما بعث الله سيد الخلق إلى الخلق؛ كان هناك أناس بمجرد أن قال لهم: إني رسول الله، آمنوا به، لم يقدم معجزة ولم يقولوا له: ماذا ستقول أو ماذا تعمل؟ بل بمجرد أن قال: إنه رسول الله صدقوه، فعلى أي حيثية استندوا في التصديق؟ لقد استندوا على الماضي. شعر : لقبتموه أمين القوم في صغر وما الأمين على قول بمُتهم تفسير : ها هو ذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يقول: إن كان قد قال فقد صدق - إذن فالمقدمات التي يعرفونها عنه كانت هي الحجة في تصديق الرسول، وخديجة - رضي الله عنها - عندما آمنت به، أقال لها المعجزات والقرآن؟ لا. بل بمجرد أن قال لها: أنا رسول الله. قالت له: صدقت فلا بد أن تكون رسولاً، هو نفسه كان يتشكك وهي مؤمنة به، هو نفسه يتساءل: لعل ذلك يكون كذا، وذهبت به خديجة - رضي الله عنها - إلى ورقة بن نوفل لتطمئنه على الرغم من أنها كانت قد توصلت إلى الحكم في القضية التي سألت عنها ورقة بن نوفل وأوضحت لرسول الله أنّ ما تقوله لا يمكن أن يوقعك في بلية أو خزي أو ذِلةً؛ لأن صفاتك جاءت كمقدمات لهذه النتيجة، وهي أنك رسول كريم "إنك لتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر، والله لا يخزيك الله أبداً"، إنسان بهذه الصفات لا يمكن أن يأتيه شيطان، وتعال نذهب معاً لأهل الكتاب الذين لهم علم بهذه المسألة. كأنها آمنت برسالة رسول الله قبل أن يقول لها ورقة بن نوفل شيئاً. إذن فقوله: {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] أي معروف لهم، فلم يأت لهم بواحد سقط عليهم من السماء، وقال: هذا رسول، لا. إنه رسول "من أنفسهم"، وهذه أول مِنّة، {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]، هذا إذا أخذت المحيط القريب إنه من الرهط ومن القبيلة ومعروف لهم، "من أنفسهم" أو من جنس ونوع العرب، وهذه أيضاً مِنّة، فساعة أن يتكلم سيفهمونه ولا يحتاجون إلى وساطة أو ترجمة، والرسول عندما يأتي ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، يريد أُناساً تفهم عنه، فأوضح لهم: لم أكلفكم لتقولوا ماذا يريد، لا، هو من أنفسكم، وهو إنسان له مواصفاتكم، ولكنهم لفرط عنادهم لم يؤمنوا مصداق ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 94]. إنهم يستكثرون كيف يبعث الله بشراً ويجعله رسولاً، وهذا غباء في الاعتراض، ويأتي الرد الجميل من الله. {أية : قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً}تفسير : [الإسراء: 95]. أنتم من البشر، فلا بد أن نأتيكم برسول من جنسكم، حتى إذا قال لكم: افعلوا كذا تقولون: نعم؟ لأنه بشر ويعمل ونحن بشر نستطيع أن نعمل مثله .. لكنه لو كان مَلَكاًَ لقال الواحد منكم: وهل أنا أقدر أن أكون كالَمَلك؟ إذن فلا تنفع هذه الحكاية، وهكذا منّ الله على المؤمنين. إذ بعث فيهم رسولاً. {مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]، إن أخذتها على أساس أنها قبيلة محدودة ومعروفة فهي منة، وإن أخذتها على أنه من جنس عربي فيكون اللسان واحداً فهي مِنّة، وإن أخذتها من الجنس العام وهو الإنسان فهي مِنّة أيضاً. وهل اعتبار معنى واحد من المعاني ينقض المعاني الأخرى أو تأتي كلها في سلك واحد؟ إنها معانٍ تأتي كلها في سلك واحد؛ لأن المتكلم هو الله، وما دام المتكلم هو الله فيكون عطاء اللفظ أكثر من عطاء ألفاظ الخلق، {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]، وهناك قراءة - وإن كانت قراءة شاذة - تقول: "من أَنفَسِهم" (بفتح الفاء) أي من أشرفهم لأنه من بني هاشم وهم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب. وماذا يعمل الرسول؟ يُفهم من قوله: "رسولاً" أنه لا يأتي بشيء من عنده، بل هو - مع هذه المنزلة الحسنة بخُلُقه الجميل وماضيه الناصع - هو مع هذا رسول وليس له في الأمر شيء، إذن فمرسله خير منه، فلا تتنبه إلى هذا الرجل العظيم فحسب بل يجب عليك أن تسأل: من أين جاء؟ لا بد أن تلتفت إلى أن الذي بعثه أعظم منه. {رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [آل عمران: 164]، وكلمة "يتلو" يعني يقرأ لأن الكلمة تتلو الكلمة، فالذي يقرأ أي ينطق كلمة بعد كلمة، كلمة تالية بعد أخرى {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [آل عمران: 164] وكلمة "الآيات" - كما نعرف - تستعمل للأمور العجيبة؛ اللافتة للنظر، تقول مثلاً: فلان آية في الحسن. أي حُسْنُه لافت للنظر، وتقول: فلان آية في الذكاء، صحيح أن هناك أذكياء كثيرين، لكنه آية في الذكاء .. أي أن هذا الإنسان أمره عجيب في الذكاء، إذن فكلمة "آية" معناها: الأمر العجيب، وهو الذي يقف الإنسان عنده وقفة طويلة ليتأمل في عجائبه. والآيات نوعان: آيات منظورة في الكون مثل قول الحق: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱللَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُواْ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}تفسير : [فصلت: 37]. وكل ظواهر الكون تعتبر أشياء عجيبة. والنوع الثاني: هو آيات القرآن مثل قوله الحق: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 101]. إذن فالآيات هي الأمور العجيبة وهي قسمان: منظور ومقروء، المنظور: كل الكون، والمقروء: هو القرآن، فالقرآن يفسر آيات الكون، وآيات الكون تفسر آيات القرآن، والرسول جاء يتلو آيات القرآن، كانت عجيبة عليهم، لكن الآيات الأخرى التي في الكون يشاهدونها ويرونها، لقد جاء الرسول بآيات مقروءة ليلفت الناس إلى الآيات المنظورة، وبتلك الآيات المنظورة يكون العجب من دقة خلق الكون؛ فينتهي الإنسان إلى الإيمان بِمَن خلق هذا الكون. إن الحق يقول عن الرسول: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 164] والمسألة ليست أنه يتلو الآيات ليعجبوا منها فحسب، لا. فالرسول له مهمة إيمانية تلفت كل سامع للقرآن إلى من خلق ذلك الكون الجميل البديع الذي فيه الآيات العجيبة. ثم يعطي الرسول من بعد ذلك المنهج الذي يناسب جمال الكون، إذن فالرسول ينقل المؤمنين إلى المنهج الذي يُزكي الإنسان وأنت إذا سمعت كلمة "يُزكيهم" فأنت تعرف أنها من الزكاة. والزكاة أول معانيها: التطهير؛ والتنقية؛ والنماء. والآيات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جاءت لتزكيهم. وهذا التطهير لمصلحة المُطَهِّر أو المُطَهَّر. إنه لمصلحة المُطَهَّر التنقية والنماء لمصلحتكم أنتم وهذا لا يشكك في التكليف؛ لأن التكليف لم يأت للمُكلِّف، إنما جاء للمُكلَّف، وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فالرجل يكون ميسور الحال وعنده مال وعنده عقارات وأطيان، وبعد ذلك يحب لأولاده أن ينجحوا في المدارس فيشجعهم قائلاً لكل منهم: إن نجحت فسأفعل لك كذا. هو لا يريد منهم شيئاً لنفسه، فعنده النعمة الكافية، هو يريد - فقط - مصلحتهم هم. إذن فالمكلف لن ينتقع بتكليفنا أبداً، فالتنقية لصالحنا والتطهير لصالحنا والنَّماء لصالحنا - والتزكية هي: تطهير وتنقية ونماء - ولننظر إلى الحالة التي كانت الجاهلية عليها، هل كانت طاهرة؟ هل كانت نقية؟ هل كانت نامية؟ لم يكن بها وصف من تلك الأوصاف، لأنها جاهلية، فكلهم محكومون بالهوى والجبروت والسلطان والقهر، ونعرف أن أول ما يهتم به الإنسان هو أن يستبقي حياته وبعد ذلك يستبقي نوعه، وبعد ذلك يستديم ما حوله، والتزكية شملت كل أمر من هذه الأمور، تزكية في الإنسان نفسه، في ذاته، بدلاً من أن يكذب لسانه طهره عن الكذب، بدل أن تمتد عينه إلى محارم غيره طهر عينه من النظر للمحرمات، وبدلاً من أن تمتد يده خفية وتسرق فهو لا يفعل ذلك. والسرقة - كما نعلم حتى عند من يسرق - نقيصة، بدليل أن اللص يتوارى ويحاول أن يسترها وألا يراها أحد، لأنها رذيلة ونقيصة. ويأتي المنهج فيقول له: لا تسرق، ويطهر المنهج حركة جوارح الإنسان في الأرض، ويطهر قلبه من الحقد كي يعيش مرتاحاً، وتبقى قوته مصونة للعمل الجاد المثمر، فلِمَ يبدد قوته، ولِمَ يبدد نظراته، ولِمَ يبدد علاقاته بالناس؟ إذن فالمنهج ينمي الإنسان، إنه تطهير وتنقية ونماء له، وبعد ذلك عندما يصاب الإنسان بالعجز وعدم القدرة، فلن يستذله الغير لكي يعطيه لقمة. لقد زكاه المنهج من هذه ونقاه من الذلة وجعل لله من مال القادر حقاً، والقادر هو الذي يبحث عن الضعيف ليعطيه حقه؛ لأن العاجز عندما يرى كل المؤمنين حوله قادرين يبحثون عنه ليعطوه حقه وليس مجرد صدقة يتصدقون بها عليه حينئذ يقول: أنا لست وحدي في الكون. أنا في الكون بفلان وبفلان، فتكون تنمية له، ما دام الكل يعطيه. أما عن بقاء النوع فماذا يعني؟ إن الحق يريد طهارة الإنسان والذرّية التي تأتي وأن يجعل لها وعاءً شريفاً عفيفاً، وإطار لا تشوبه شائبة فجاء المنهج ليزكيكم في كل شيء، يزكي حركات جوارحكم فلا تتجه الحركة إلا لتحقق المطلوب منها عند من خلقها، فالخالق قد أوضح: يا عين حدودك كذا، يا لسان حدودك كذا، يا يد حدودك كذا، يا رِجلُ حدودك كذا، يا قلب حدودك كذا، فالذي خلق كل جارحة هو الذي أعطى لكل منها حدودها فلا تجاوز ولا تهاون ولا إفراط ولا تفريط، فإن خرجت عن غير ما وضع لها في منهج الله فقد خالفت. وهكذا نرى أن المنهج قد جاء يزكيكم أي يطهركم وينقيكم وينميكم في كل مجال من مجالات الحياة. {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164] وساعة يقول الحق: "الكتاب" فهو يقصد الكتاب المنزل إنه القرآن، والحكمة هي السنة. والحق يقول: {أية : وَٱذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَىٰ فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ وَٱلْحِكْـمَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً}تفسير : [الأحزاب: 34]. وآيات الله معروفة وهي آيات القرآن، والحكمة هي سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَاب} [آل عمران: 164]، إذن فالكتاب هو القرآن، سيتلو عليهم آيات القرآن وبعد ذلك يعلمهم ما جاء في هذا الكتاب. بعض المفسرين قال: لا بد أن نحمل "الكتاب" هنا على معنى آخر غير القرآن، فقالوا: الكتاب يعني الكتابة، وأول عمل زاولوه في الكتابة كتابة المصحف. إذن فالتقى المعنيان، ولذلك في غزوة "بدر" كان يتم فداء الأسرى إما بالمال وإما أن كل أسير يجيد القراءة والكتابة إذا أراد أن يفدي نفسه فعليه أن يقوم بتعليم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة فقد كانت الأمة أمية, يقول سبحانه وتعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ..}تفسير : [الجمعة: 2]. لذلك نجد أن تفسير الكتاب بالكتابة هو المناسب للأمية، أو خذ هذه اللقطة على أساس أن هناك فرقاً بين التلاوة والتعليم، التلاوة: يتلو عليهم، أي أن الرسول هو الذي يتلو، والتعليم يكون بأن يتلوا هم القرآن. {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164] و"علَّمَ" أي نقل العلم من مُعَلِم إلى مُعَلَّم. ويختتم الحق هذه الآية بالقول الكريم: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164] وهناك أساليب تأتي في القرآن فيها "إن" وتجد كل "إن" في موضع لها معنى يختلف عن الآخر، فمثلا تأتي "إن" شرطية، يعني يأتي بعدها فعل شرط وجواب شرط مثل قوله الحق: {أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ..}تفسير : [آل عمران: 140]. أي إن يمسسكم قرح فلا تيأسوا ولا تبتئسوا. فقد مس القوم قرح مثله، وقوله الحق: {أية : إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ}تفسير : [البقرة: 271]. إننا هنا نجد أنَّ "إن" شرطية، ففيه شرط وجواب شرط. ومرة تأتي "إن" وبعدها "إلا" : {أية : إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ ٱللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ ..}تفسير : [المجادلة: 2]. وهو سبحانه يتكلم هنا عن الذين يظاهرون من نسائهم، أي يقول الرجل لامرأته: أنت علىّ كظهر أمي، إن أمك هي التي ولدتك وامرأتك لم تلدك، فلو كانت أمك لكانت محرمة عليك، "إن أمهاتهم إلا اللائي"، فعندي هنا "إن" وبعدها "إلا" وما دام جاءت "إلا" فالذي بعدها يكون مثبتاً، والذي قبلها يكون منفياً، مثل قولنا: "ما قام القوم إلا زيداً" إن زيداً مختلف عنهم. "إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم" أي: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، إذن فـ "إن" هنا ليست شرطية لكنها هنا "إن" النافية وتعرفها بوجود "إلاَّ". ومرة ثالثة تأتي "إن" لا هي شرطية، ولا هي نافية مثل آيتنا هنا {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]. ونقول: هذه "إنْ" التي هي تخفيف "إنَّ" أي "إنْ" هنا مخففة من الثقيلة ويكون المعنى وإنّ الحال والشأن والقصة والواقع أنهم كانوا في ضلال مبين. ويقول النحاة: اسمها ضمير الشأن - أي الحال والقصة - وهو محذوف. وما هو الضلال؟ يقولون: ضل فلان الطريق أي مشى في مكان لا يوصله للغاية، أو يوصل إلى ضد الغاية؛ لأن الضلال في الدنيا والأمور المادية قد لا يوصلني لغايتي المرجوة، وقد لا يوصلني لشر منها أو لمقابلها، لكن في الأمر القيمى ماذا يفعل؟ إنه لا يوصلك إلى الغاية المرجوة وهي الجنة فحسب ولكنه يوصل للمقابل وهو النار، هذا هو الضلال المبين، إنه ضلال واضح؛ بدليل أن النقائص التي جاء الإسلام ليطهر الإنسان منها، يحبّ مرتكبها ألا تُعلم عنه وسط الناس، فالسارق يسرق لكن لا يحب أن يعرف الناس أنه لص، والكاذب يكذب لكن لا يحب أن يعرف الناس أنه كذاب، بدليل أنك عندما تقول له: يا كذاب تكون له صاعقة. إذن فالنقيصة تُفعل وصاحبها لا يريد أن يراها أحد أو يُعرف بها. {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164] أي ضلال ظاهر وهو ضلال يعرفه صاحبه بدليل أننا قلنا في قصة سيدنا يوسف؛ حيث نجد في القصة اثنين من الفتيان قد دخلا السجن، وماذا حدث لهما: {أية : وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [يوسف: 36]. لقد رأوا في يوسف عليه السلام كأن عنده ميزان الإحسان فهو يعرف الحسن والقبيح، ولأنهما يعرفان ميزان الإحسان فلا بد أن تكون المسائل بالنسبة لهما واضحة. ولماذا لم يقلها واحد منهما من قبل؟ لقد شهدا هذه الشهادة لسيدنا يوسف لأنهما يطلبان الآن مشورته في تأويل الرؤى. كان يوسف عليه السلام مسجوناً، ولم ينظر إليه أحد إلا كمسجون. ومن سلوكه معهما في السجن عرفا أنه طيب ومحسن. ولذلك التفتا إليه ورأيا فيه أنه قادر على تأويل رؤيا كل منهما. مثلما قلنا: إن المنحرف نفسه يعرف قيمة الفضيلة، وهكذا نجد أن الفضيلة مسألة ذاتية وليست نسبية، أي أنه حتى المنحرف عن الفضيلة يرى الفضيلة فضيلة. وبعد ذلك يعود الحق إلى قضية عجيبة، فإذا كان الله سبحانه قد من على المؤمنين بالرسول، ومن أنفسهم، وجاء يتلو عليهم آيات الله، وجاء يزكيهم طهارة ونقاء ونماء، وجاء ليعلمهم الكتاب والحكمة وهي وضع الشيء في موضعه، أو البحث عن أسرار الأشياء كان يجب عليكم - إذن - أنه إذا قال قولة لا تخالفوا عنها أبداً، وعندما يجري على يديه أمر فهو لا يحتاج إلى مناقشة، إذن فما حكايتكم؟ يقول الحق: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن خاصية النبوة والمنِّ بها على الأمة بقوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ} [آل عمران: 164]، إشارة في الآية: إن الله تعالى مَنَّ على المؤمنين {إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164]؛ أي: من جنسهم من بني آدم ولا ملكاً من الملائكة، فإنهم لا يدركونه بالحواس الخمس ولا ينفعهم به؛ لأنه من غير جنسهم، ويكن الانتفاع إلا من الجنس، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9]؛ يعني: من الكسوة البشرية؛ لكي ينتفعوا به حين {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [آل عمران: 164]؛ لأن جبريل عليه السلام كان ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم ويتلوا عليه آيات الله وبعض الصحابة كانوا حاضرين، ولكن لا يسمعون تلاوته ولا ينتفعون بها، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتلوا عليهم بلسان الظاهر فيسمعونها وينتفعون بها، فلما أراد الله تعالى أن يعلمهم معالم دينهم بواسطة جبريل عليه السلام، ألبسه لباس الصورة حتى جاء على صورة إعرابي قد أسند ركبته إلى ركبة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ ولم يعرفه أحد من الصحابة، فلما خرج من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أتاكم بعلم معالم الدين"؛ فلهذا مَنَّ الله تعالى عليهم ببعث النبي صلى الله عليه وسلم من جنسهم يتلوا عليهم كل يوم وليلة آياته {وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 164] عن أخلاقهم الذميمة النفسانية، {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ} [آل عمران: 164]؛ أي: القرآن، ويبين لهم معانيه وأسراره، كما قال تعالى {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44]، {وَٱلْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164]؛ يعني: الشرائع والسنن كما ذكره في سورة البقرة، {وَإِن كَانُواْ} [آل عمران: 164] في الجاهلية، {مِن قَبْلُ} [آل عمران: 164] بعثه، {لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: 164]، {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم}تفسير : [الزخرف: 22]. ثم أخبر عن إصابة المصيبة أنها من شؤم النفس الخبيثة بقوله تعالى: {أَوَ لَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا } [آل عمران: 165]، إشارة في الآية: إن المؤمن إذا أصابته مصيبة يصيب مثلها من كفارة الذنوب ورفعة الدرجات، وإن أصابته تلك المصيبة من شؤم ما اكتسبت أيديكم، {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] أن يجعل المصيبة كفارة للذنوب ورفعة للدرجات، وأن يغفر الذنوب ويرفع الدرجات من غير مصيبة، كقوله تعالى: {أية : وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [المائدة: 15]، وقال تعالى: {أية : رَفِيعُ ٱلدَّرَجَاتِ ذُو ٱلْعَرْشِ يُلْقِي ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}تفسير : [غافر: 15]، {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} [آل عمران: 166]؛ أي: ببلائه وابتلائه لكم، {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166]، {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} [آل عمران: 167]؛ أي: ليبتلي المؤمنين منه ببلاء حسن في بذل الروح والصبر والثبات على قدم الجهاد في سبيل الله، ويميزهم عن المنافقين، وليظهر نفاق الذين نافقوا بقعودهم عن القتال وحب الحياة واختيار الدنيا على الآخرة، وإظهار نفاقهم وكذبهم عند قولهم: {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 167]؛ يدعون بألسنتهم أتباع المجاهدين في سبيل الله، وليس في قلوبهم شوق إلى الله ومحبته، ولا يتعرضون لتذر الروح شوقاً إلى لقائه وطلباً لرضائه ولأنوار الإيمان، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167]؛ أي: أعلم منهم بما يكتمون في أنفسهم من صفات الكفر والنفاق، وبما جبلت عليه أنفسهم في أصل الخلقة وتخمير طينتهم التي من نتائج صفاتهم الذميمة وفساد اعتقادهم، {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عمران: 168] وافقونا بالنفاق وسوء الاعتقاد والقعود عن طريقة الحق، {مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168] موت القلوب الذين من خصائصه: النفاق، وسوء الأخلاق، وفساد الاعتقاد، {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168] في دعواكم أنكم مصيبون في نفاقكم، وإخوانكم مخطئون على بذل الروح في سبيل الله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذه المنة التي امتن الله بها على عباده، أكبر النعم، بل أصلها، وهي الامتنان عليهم بهذا الرسول الكريم الذي أنقذهم الله به من الضلالة، وعصمهم به من الهلكة، فقال: { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } يعرفون نسبه، وحاله، ولسانه، من قومهم وقبيلتهم، ناصحا لهم، مشفقا عليهم، يتلو عليهم آيات الله، يعلمهم ألفاظها ومعانيها. { ويزكيهم } من الشرك، والمعاصي، والرذائل، وسائر مساوئ الأخلاق. و { يعلمهم الكتاب } إما جنس الكتاب الذي هو القرآن، فيكون قوله: { يتلو عليهم آياته } المراد به الآيات الكونية، أو المراد بالكتاب -هنا- الكتابة، فيكون قد امتن عليهم، بتعليم الكتاب والكتابة، التي بها تدرك العلوم وتحفظ، { والحكمة } هي: السنة، التي هي شقيقة القرآن، أو وضع الأشياء مواضعها، ومعرفة أسرار الشريعة. فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفذ الأحكام، وما به تدرك فوائدها وثمراتها، ففاقوا بهذه الأمور العظيمة جميع المخلوقين، وكانوا من العلماء الربانيين، { وإن كانوا من قبل } بعثة هذا الرسول { لفي ضلال مبين } لا يعرفون الطريق الموصل إلى ربهم، ولا ما يزكي النفوس ويطهرها، بل ما زين لهم جهلهم فعلوه، ولو ناقض ذلك عقول العالمين.