Verse. 458 (AR)

٣ - آلِ عِمْرَان

3 - Al-Imran (AR)

اَوَلَمَّاۗ اَصَابَتْكُمْ مُّصِيْبَۃٌ قَدْ اَصَبْتُمْ مِّثْلَيْھَا۝۰ۙ قُلْتُمْ اَنّٰى ہٰذَا۝۰ۭ قُلْ ھُوَ مِنْ عِنْدِ اَنْفُسِكُمْ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۱۶۵
Awalamma asabatkum museebatun qad asabtum mithlayha qultum anna hatha qul huwa min AAindi anfusikum inna Allaha AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولّما أصابتكم مصيبة» بأحد بقتل سبعين منكم «قد أصبتم مثليها» ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين منهم «قلتم» متعجبين «أنَّى» من أين لنا «هذا» الخذلان ونحن مسلمون ورسولُ الله فينا والجملةُ الأخيرة محل للاستفهام الإنكارى «قل» لهم «هو من عند أنفسكم» لأنكم تركتم المركز فخُذلتم «إن الله على كل شيء قديرٌ» ومنه النصر وحده وقد جازاكم بخلافكم.

165

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم طعنوا في الرسول صلى الله عليه وسلم بأن نسبوه إلى الغلول والخيانة، حكى عنهم شبهة أخرى في هذه الآية وهي قولهم: لو كان رسولا من عند الله لما انهزم عسكره من الكفار في يوم أحد: وهو المراد من قولهم: {أنى هذا}، وأجاب الله عنه بقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } أي هذا الانهزام إنما حصل بشؤم عصيانكم فهذا بيان وجه النظم. وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: تقرير الآية: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ } المراد منها واقعة أحد، وفي قوله: {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } قولان: الأول: وهو قول الأكثرين أن معناه قد أصبتم يوم بدر، وذلك لأن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين، وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين. والثاني: أن المسلمين هزموا الكفار يوم بدر، وهزموهم أيضاً في الأول يوم أحد، ثم لما عصوا هزمهم المشركون، فانهزام المشركين حصل مرتين، وانهزام المسلمين حصل مرة واحدة، وهذا اختيار الزجاج: وطعن الواحدي في هذا الوجه فقال: كما أن المسلمين نالوا من المشركين يوم بدر، فكذلك المشركون نالوا من المسلمين يوم أحد، ولكنهم ما هزموا المسلمين ألبتة، أما يوم أحد فالمسلمون هزموا المشركين أولا ثم انقلب الأمر. المسألة الثانية: الفائدة في قوله: {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } هو التنبيه على أن أمور الدنيا لا تبقى على نهج واحد، فلما هزمتموهم مرتين فأي استبعاد في أن يهزموكم مرة واحدة، أما قوله: {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: سبب تعجبهم أنهم قالوا نحن ننصر الاسلام الذي هو دين الحق، ومعنا الرسول، وهم ينصرون دين الشرك بالله والكفر، فكيف صاروا منصورين علينا! واعلم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة من وجهين: الأول: ما أدرجه عند حكاية السؤال وهو قوله {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } يعني أن أحوال الدنيا لا تبقى على نهج واحد، فاذا أصبتم منهم مثل هذه الواقعة.. فكيف تستبعدون هذه الواقعة؟ والثاني: قوله قل: {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: تقرير هذا الجواب من وجهين: الأول: أنكم إنما وقعتم في هذه المصيبة بشؤم معصيتكم وذلك لأنهم عصوا الرسول في أمور: أولها: أن الرسول عليه السلام قال: المصلحة في أن لا نخرج من المدينة بل نبقى ههنا، وهم أبوا إلا الخروج، فلما خالفوه توجه إلى أحد. وثانيها: ما حكى الله عنهم من فشلهم. وثالثها: ما وقع بينهم من المنازعة. ورابعها: أنهم فارقوا المكان وفرقوا الجمع. وخامسها: اشتغالهم بطلب الغنيمة وإعراضهم عن طاعة الرسول عليه السلام في محاربة العدو، فهذه الوجوه كلها ذنوب ومعاصي، والله تعالى إنما وعدهم النصر بشرط ترك المعصية، كما قال: {أية : إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ } تفسير : [آل عمران: 125] فلما فات الشرط لا جرم فات المشروط. الوجه الثاني: في التأويل: ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى فيضربوا أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن تقتل منهم عدتهم، فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لقومه، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ الفداء منهم، فنتقوى به على قتال العدو، ونرضى أن يستشهد منا بعددهم، فقتل يوم أحد سبعون رجلا عدد أسارى أهل بدر، فهو معنى قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } أي بأخذ الفداء واختياركم القتل. المسألة الثانية: استدلت المعتزلة على أن أفعال العبد غير مخلوقة لله تعالى بقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } من وجوه: أحدها: أن بتقدير أن يكون ذلك حاصلا بخلق الله ولا تأثير لقدرة العبد فيه، كان قوله: {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } كذباً، وثانيها: أن القوم تعجبوا أن الله كيف يسلط الكافر على المؤمن، فالله تعالى أزال التعجب بأن ذكر أنكم إنما وقعتم في هذا المكروه بسبب شؤم فعلكم، فلو كان فعلهم خلقاً لله لم يصح هذا الجواب. وثالثها: أن القوم قالوا: {أَنَّىٰ هَـٰذَا }، أي من أين هذا فهذا طلب لسبب الحدوث، فلو لم يكن المحدث لها هو العبد لم يكن الجواب مطابقا للسؤال. والجواب: أنه معارض بالآيات الدالة على كون أفعال العبد بايجاد الله تعالى. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء} أي إنه قادر على نصركم لو ثبتم وصبرتم، كما أنه قادر على التخلية إذا خالفتم وعصيتم، واحتج أصحابنا بهذا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى قالوا: إن فعل العبد شيء فيكون مخلوقا لله تعالى قادرا عليه، وإذا كان الله قادرا على إيجاده، فلو أوجده العبد امتنع كونه تعالى قادرا على إيجاده لأنه لما أوجده العبد امتنع من الله إيجاده، لأن إيجاد الموجود محال فلما كان كون العبد موجوداً له يفضي إلى هذا المحال، وجب أن لا يكون العبد موجدا له، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : الألف للإستفهام، والواو للعطف. {مُّصِيبَةٌ} أي غلبة. {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} يوم بَدْر بأن قَتلتم منهم سبعين وأسرتم سبعين. والأسير في حكم المقتول؛ لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد. أي فهزمتموهم يوم بَدْر ويوم أُحُد أيضاً في الابتداء، وقتلتم فيه قريباً من عشرين، قتلتم منهم في يومين، ونالوا منكم في يوم أُحُد. {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا} أي من أين أصابنا هذا الإنهزام والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ونحن مسلمون، وفينا النبيّ والوحي، وهم مشكرونٰ. {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} يعني مخالفة الرُّماة. وما من قوم أطاعوا نَبِيَّهم في حرب إلاَّ نُصِروا؛ لأنهم إذا أَطَاعُوا فهم حزب الله، وحزب الله هم الغالبون. وقال قتادة والرّبيع بن أنس: يعني سؤالهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يخرج بعد ما أراد الإقامة بالمدينة. وتأوّلها في الرؤيا التي رآها درعاً حصينة. عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: هو اختيارهم الفِداء يوم بَدْر على القتل. وقد قيل لهم: إن فاديتم الأسارى قُتل منكم على عِدّتهم. وروى البَيْهَقِي عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في الأسارى يوم بدر: «إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم وٱستمتعتم بالفداء واستُشهد منكم بعدّتهم»تفسير : . فكان آخرَ السبعين ثابتُ بن قيس قُتل يوم اليمامة. فمعنى {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} على القولين الأوّلين بذنوبكم. وعلى القول الأخير باختياركم.

البيضاوي

تفسير : {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا} الهمزة للتقريع والتقرير، والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة أحد أو على محذوف مثل أفعلتم كذا وقلتم، ولما ظرفه المضاف إلى ما أصابتكم أي أقلتم حين أصابتكم مصيبة وهي قتل سبعين منكم يوم أحد، والحال إنكم نلتم ضعفها يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من أين هذا أصابنا وقد وعدنا الله النصر. {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز فإن الوعد كان مشروطاً بالثبات والمطاوعة، أو اختيار الخروج من المدينة. وعن علي رضي الله تعالى عنه باختياركم الفداء يوم بدر. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على النصر ومنعه وعلى أن يصيب بكم ويصيب منكم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتل السبعين منهم {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} يعني: يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلاً، وأسروا سبعين أسيراً، {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا} أي: من أين جرى علينا هذا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قُراد أبو نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} بأخذكم الفداء. وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غزوان، وهو قُراد أبو نوح، بإسناده، ولكن بأطول منه، وهكذا قال الحسن البصري. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن عون، عن محمد عن عبيد، ح، قال سُنَيد، وهو حسين: وحدثني حجاج عن جرير، عن محمد عن عبيدة، عن علي رضي الله عنه، قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر لهم ذلك فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً، عدة أسارى أهل بدر، وهكذا رواه النسائي والترمذي من حديث أبي داود الحفري عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، به، ثم قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروى أبو أسامة عن هشام نحوه، وروي عن ابن سيرين عن عبيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً. وقال محمد بن إسحاق وابن جريج والربيع بن أنس والسدي: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي: بسبب عصيانكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك: الرماة. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ثم قال تعالى: {وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: فراركم بين يدي عدوكم، وقتلهم لجماعة منكم، وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك، {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا، {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ} يعني بذلك: أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول، الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة، ولهذا قال: {أَوِ ٱدْفَعُواْ} قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو صالح والحسن والسدي: يعني: كثروا سواد المسلمين، وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء، وقال غيره: رابطوا، فتعللوا قائلين: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ} قال مجاهد: يعنون: لو نعلم أنكم تلقون حرباً لجئناكم، ولكن لا تلقون قتالاً. قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حبّان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني: حين خرج إلى أحد، في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم، فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة، يقول: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الإنصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَـٰنِ} استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان، لقوله: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَـٰنِ}. ثم قال تعالى: {يَقُولُونَ بِأَفْوَٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ} يعني: أنهم يقولون القول، ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ} فإنهم يتحققون أن جنداً من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين، أنه كائن بينهم قتال لا محالة. ولهذا قال تعالى: {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} ثم قال تعالى: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَٰنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، قال الله تعالى: { قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي: إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَوَ لَمَّآ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ } بأُحُد بقتل سبعين منكم {قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا } ببدر بقتل سبعين وأسر سبعين منهم {قُلْتُمْ } متعجبين {أَنَّى } من أين لنا {هَٰذَا } الخذلان ونحن مسلمون ورسول الله فينا؟ والجملة الأخيرة محل الاستفهام الإنكاري {قُل } لهم {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } لأنكم تركتم المركز فخُذلتم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } ومنه النصر ومنعه، وقد جازاكم بخلافكم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ } الألف للاستفهام بقصد التقريع، والواو للعطف. والمصيبة: الغلبة، والقتل الذي أصيبوا به يوم أحد: {قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا } يوم بدر، وذلك أن الذين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعون. وقد كانوا قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين، فكان مجموع القتلى، والأسرى يوم بدر مثلي القتلى من المسلمين يوم أحد، والمعنى: أحين أصابكم من المشركين نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك جزعتم، وقلتم: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا بالنصر؟. وقوله: {أَنَّىٰ هَـٰذَا } أي: من أين أصابنا هذا الانهزام، والقتل، ونحن نقاتل في سبيل الله، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وعدنا الله بالنصر عليهم؟ وقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عن سؤالهم بهذا الجواب، أي: هذا الذي سألتم عنه هو من عند أنفسكم بسبب مخالفة الرماة لما أمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من لزوم المكان الذي عينه لهم، وعدم مفارقتهم له على كل حال، وقيل: إن المراد بقوله: {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } خروجهم من المدينة. ويردّه أن الوعد بالنصر إنما كان بعد ذلك؛ وقيل: هو اختيارهم الفداء يوم بدر على القتل، و{يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } يوم أحد، أي: ما أصابكم يوم أحد من القتل، والجرح، والهزيمة {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } فبعلمه، وقيل: بقضائه، وقدره، وقيل: بتخليته بينكم، وبينهم، والفاء دخلت في جواب الموصول لكونه يشبه الشرط، كما قال سيبويه. وقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } عطف على قوله: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ } عطف سبب على سبب. وقوله: {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ } عطف على ما قبله، قيل: أعاد الفعل لقصد تشريف المؤمنين عن أن يكون الفعل المسند إليهم، وإلى المنافقين، واحداً. والمراد بالعلم هنا: التمييز والإظهار؛ لأن علمه تعالى ثابت قبل ذلك؛ والمراد بالمنافقين هنا: عبد الله بن أبيّ وأصحابه. قوله: {وَقِيلَ لَهُمْ } هو معطوف على قوله: {نَافَقُواْ } أي: ليعلم الله الذين نافقوا، والذين قيل لهم، وقيل: هو كلام مبتدأ أي: قيل لعبد الله بن أبيّ، وأصحابه: {تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } إن كنتم ممن يؤمن بالله، واليوم الآخر {أَوِ ٱدْفَعُواْ } عن أنفسكم إن كنتم لا تؤمنون بالله، واليوم الآخر، فأبوا جميع ذلك، وقالوا: لو نعلم أنه سيكون قتالاً لاتبعناكم، وقاتلنا معكم، ولكنه لا قتال هنالك؛ وقيل: المعنى: لو كنا نقدر على القتال، ونحسنه لاتبعناكم؛ ولكنا لا نقدر على ذلك، ولا نحسنه. وعبر عن نفي القدرة على القتال بنفي العلم به؛ لكونها مستلزمة له، وفيه بعد لا ملجىء إليه، وقيل: معناه: لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لاتبعناكم، ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة، لعدم القدرة منا، ومنكم على دفع ما ورد من الجيش بالبروز إليهم، والخروج من المدينة، وهذا أيضاً فيه بعد دون بعد ما قبله، وقيل: معنى الدفع هنا: تكثير سواد المسلمين، وقيل: معناه: رابطوا، والقائل للمنافقين هذه المقالة التي حكاها الله سبحانه: هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ، والد جابر بن عبد الله. قوله: {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإيمَـٰنِ } أي: هم في هذا اليوم الذي انخذلوا فيه عن المؤمنين إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان عند من كان يظن أنهم مسلمون؛ لأنهم قد بينوا حالهم، وهتكوا أستارهم، وكشفوا عن نفاقهم إذ ذاك، وقيل المعنى: أنهم لأهل الكفر يومئذ أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان. قوله: {يَقُولُونَ بِأَفْوٰهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما تقدّمها، أي: أنهم أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، وذكر الأفواه للتأكيد، مثل قوله: {أية : يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } تفسير : [الأنعام: 38]. قوله: {ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } الخ، أي: هم الذين قالوا لإخوانهم على أنه خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون بدلاً من واو يكتمون، أو منصوباً على الذمّ، أو وصف للذين نافقوا. وقد تقدم معنى: {قَالُواْ لإِخْوٰنِهِمْ } أي: قالوا لهم ذلك، والحال أن هؤلاء القائلين قد قعدوا عن القتال: {لَوْ أَطَاعُونَا } بترك الخروج من المدينة ما قتلوا، فردّ الله عليهم ذلك بقوله: {قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } والدرء: الدفع، أي: لا ينفع الحذر من القدر، فإن المقتول يقتل بأجله. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ...} الآية. يقول: إنكم قد أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد، وقد بين هذا عكرمة. فأخرج ابن جرير عنه قال: قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين، وأسروا سبعين، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن في الآية قال: لما رأوا من قتل منهم يوم أحد قالوا من أين هذا؟ ما كان للكفار أن يقتلوا منا؟ فلما رأى الله ما قالوا من ذلك، قال الله: هم بالأسرى الذين أخذتم يوم بدر. فردّهم الله بذلك، وعجل لهم عقوبة ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه، عن عليّ قال: جاء جبريل إلي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا، فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن تقبل منهم عدتهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله عشائرنا، وإخواننا لا بل نأخذ، فداءهم، فنقوى به على قتال عدوّنا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره، فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر. وهذا الحديث هو في سنن الترمذي، والنسائي هو من طريق أبي داود الحضري عن يحيـى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة عن عليّ: قال الترمذي بعد إخراجه: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وروى أبو أسامة عن هشام نحوه. وروى عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، وإسناد ابن جرير لهذا الحديث هكذا: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن عون قال سنيد وهو حسين، وحدثني حجاج، عن جرير، عن محمد، عن عبيدة، عن علي فذكره. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق أبي بكر ابن أبي شيبة، حدثنا قراد أبو نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، عن عمر بن الخطاب؛ قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفرّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عنه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله عزّ وجلّ: {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ } الآية. وأخرجه الإمام أحمد من طريق عبد الرحمن بن غزوان، وهو قراد أبو نوح به، ولكن بأطول منه، ولكنه يشكل على حديث التخيير السابق ما نزل من المعاتبة منه سبحانه وتعالى لمن أخذ الفداء بقوله: {أية : مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأرْضِ } تفسير : [الأنفال: 67] وما روى من بكائه صلى الله عليه وسلم، هو وأبو بكر ندماً على أخذ الفداء، ولو كان أخذ ذلك بعد التخيير لهم من الله سبحانه لم يعاتبهم عليه، ولا حصل ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معه من الندم، والحزن، ولا صوب النبي صلى الله عليه وسلم رأي عمر رضي الله عنه، حيث أشار بقتل الأسرى، وقال ما معناه: حديث : لو نزلت عقوبة لم ينج منها إلا عمر، تفسير : والجميع في كتب الحديث، والسير. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس: {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله، وهؤلاء مشركون. فقال: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تتبعوهم. وأخرج ابن المنذر عنه في قوله: {أَوِ ٱدْفَعُواْ } قال: كثروا بأنفسكم، وإن لم تقاتلوا. وأخرج أيضاً، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي عون الأنصاري في قوله: {أَوِ ٱدْفَعُواْ } قال: رابطوا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن شهاب وغيره؛ قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين أحد، والمدينة انخزل عنهم عبد الله بن أبيّ بثلث الناس، وقال: أطاعهم، وعصاني، والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا ههنا؟ فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق، وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم، وقومكم عندما حضرهم عدوهم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولا نرى أن يكون قتال. وأخرجه ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيـى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحسين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، فذكره، وزاد أنهم: لما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: {لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَـٰكُمْ } قال: لو نعلم أنا واجدون معكم مكان قتال لاتبعناكم.

الماوردي

تفسير : {أَوَ لَمّآ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا} يعني بالمصيبة التي أصابتهم يوم أحد، وبالتي أصابوها يوم بدر. {قُلْتُمْ: أَنَّى هَذَا، قُلْ: هُوَ مِن عِنْدِ أَنفُسِكُمْ} في الذي هو من عند أنفسهم ثلاثة أقاويل: أحدها: خلافهم في الخروج من المدينة للقتال يوم أحد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتحصنواْ بها، وهذا قول قتادة، والربيع. والثاني: اختيارهم الفداء من السبعين يوم بدر على القتل، وقد قيل لهم إن فعلتم ذلك قُتِلَ منكم مثلُهم، وهذا قول علي، وعبيدة السلماني. والثالث: خلاف الرماة يوم أحد لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في ملازمة موضعهم. {وَمَا أَصَابَكُمْ يَومَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبإِذْنِ اللهِ ولِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ} فيه قولان: أحدهما: ليرى المؤمنين. والثاني: ليُمَيَّزُوا من المنافقين. {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ} يعني عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه. {وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوا قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ} يعني جاهدواْ. {أَوِ ادْفَعُوا} فيه قولان: أحدهما: يعني تكثير السواد وإن لم يقاتلواْ وهو قول السدي وابن جريج. والثاني: معناه رابطواْ على الخيل إن لم تقاتلواْ، وهو قول ابن عوف الأنصاري. {قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لآَّتَّبَعْنَاكُمْ} قيل إن عبد الله بن عمرو ابن حزام قال لهم: [اتقوا الله ولا تتركوا نبيكم فقال له ابن أبي]:عَلاَمَ نقتل أنفسنا؟ ارجعواْ بنا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم. {هُمْ لِلْكُفْرِ يَؤمَئِذٍ أَقْربُ مِنهُم لِلإِيمَانِ} لأنهم بإظهار الإيمان لا يحكم عليهم بحكم الكفار، وقد كانوا قبل ذلك بإظهار الإيمان أقرب إلى الإيمان، ثم صارواْ بما فعلوه أقرب إلى الكفر من الإيمان. {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} يعني ما يظهرونه من الإسلام وليس في قلوبهم منه شيء. وإنما قال: {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} وإن كان القول لا يكون إلا به لأمرين: أحدهما: التأكيد. والثاني: أنه ربما نسب القول إلى الساكت مجازاً إذ كان به راضياً. {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِم وَقَعَدُواْ: لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ} يعني عبد الله بن أُبَيّ وأصحابه حين انخذلوا وقعدوا، وكانوا نحو ثلثمائة وتخلف عنهم من قُتل منهم (فقالواْ) لو أطاعونا وقعدواْ معنا ما قُتِلواْ. {قُلْ فَادْرَؤُواْ عَن أَنفُسِكُم الْمَوتَ} أي ادفعواْ عن أنفسكم الموت، ومنه قول الشاعر: شعر : تقول وقد درأتُ لها وضيني أهذا دينه أبداً وديني تفسير : {إِن كُنتُم صَادِقِينَ} فيه قولان: أحدهما: يعني في خبركم أنهم لو أطاعواْ ما قُتِلواْ. والثاني: معناه إن كنتم محقين في تثبيطكم عن الجهاد فراراً من القتل.

ابن عبد السلام

تفسير : {مُّصِيبَةٌ} التي أصابتهم يوم أُحُد، والتي أصابوها يوم بدر. {هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} بخلافكم في الخروج يوم أُحد "لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتحصنوا بالمدينة"، أو باختياركم الفداء يوم بدر، وقد قيل لكم إن فعلتم ذلك قُتِلَ منكم مثلهم، أومخالفة الرماة للرسول صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد في ملازمة موضعهم.

ابن عادل

تفسير : الهمزة للإنكار، وجعلها ابنُ عطية للتقرير، والواو عاطفة، والنية بها التقديم على الهمزة. وقال الزمخشري: و "لما" نصب بـ "قلتم" و "أصابتكم" في محل الجر، بإضافة "لما" إليه، وتقديره: أقلتم حين أصابتكم. و"أنى هذا" نصب؛ لأنه مقول، والهمزة للتقرير والتقريع. فإن قلتَ: علامَ عطفت الواو هذه الجملة؟ قلتُ: على ما مضى من قصة أحُد - من قوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} تفسير : [آل عمران:152] - ويجوز أن تكونَ معطوفة على محذوف، [كأنه قيل]: أفعلتم كذا، وقلتم حينئذ كذا؟ انتهى. أمّا جعله "لما" بمعنى "حين" - أي ظرفاً - فهو مذهب الفارسيِّ وقد تقدم تقرير المذهبين وأما قوله: "عطف على قصة أحد" فهذا غير مذهبه، لأن الجاري من مذهبه إنما هو تقديرُ جملة، يعطف ما بعد الواو عليها - أو الفاء، أو "ثم" - كما قرره هو في الوجه الثاني. و "أنى هذا" "أنى" بمعنى من أين - كما تقدم في قوله: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} تفسير : [آل عمران: 37] - ويدل عليه قوله: {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} وقوله: {مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} قاله الزمخشري. ورد عيله أبو حيّان بأن الظرف إذا وقع خبراً للمبتدأ لا يقدَّر داخلاً عليه حرف جر، غير "في". أما أن يقدر داخلاً عليه "من" فلا؛ لأنه إنما انتصب على إسقاط "في" ولذلك إذا أضمِر الظرف تعدى إليه الفعل بواسطة "في" إلا أن يتسع في الفعل فينصبه نصب التشبيه بالمفعول به، فتقدير الزمخشريِّ غيرُ سائغٍ، واستدلاله بقوله تعالى: {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} وقوله: {أية : مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:37] وقوف مع مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ، وذهول عن هذه القاعدة التي ذكرناها. واختار أبو حيان أن "أنى" بمعنى "كيف" قال: و "أنى" سؤالٌ عن الحال - هنا - ولا يناسب أن يكون - هنا - بمعنى "أين" أو "متى" لأن الاستفهام لم يقع عن المكان، ولا عن الزمان، إنما وقع عن الحال التي اقتضت لهم ذلك، سألوا عنها على سبيل التعجُّب - وجاء الجواب من حيث المعنى لا من حيثُ اللفظ - في قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} - والسؤال بـ "أنى" سؤال عن تعيين كيفية حصول هذا الأمرِ، والجواب بقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} يتضمن تعيين الكيفية؛ لأنه بتعيين السبب تتعين الكيفيةُ من حيثُ المعنى لو قيل - على سبيل التعجُّبِ والإنكارِ -: كيف لا يحج زيد الصَّالحُ؟ وأجيب ذلك بأن يقال: لعدم استطاعته، لحصل الجوابُ، وانتظم من المعنى أنه لا يحج وهو غير مستطيعٍ. قال شهابُ الدينِ: "أما قوله: لا يقدِّر الظرف بحرف جَرّ غير "في" فالزمخشريُّ لم يقدر "في" مع "أن" حتى يلزمه ما قال، إنما جعل "أنى" بمنزلة "من أين" في المعنى. وأما عدوله عن الجواب المطابق لفظاً فالعكسُ أولى". قوله: {قَدْ أَصَبْتُمْ} في محل رفع؛ صفة لـ "مصيبة". و "قلتم" - على مذهب سيبوبه - جواب "لما" وعلى مذهب الفارسيّ ناصب لها على حسب ما تقدم من مذهبيهما. قوله: {قُلْ هُوَ} هذا الضمير راجع على "المصيبة" من حيثُ المعنى، ويجوز أن يكونَ حذفُ مضافٍ مراعى - أي: سببها - وكذلك الإشارة لقوله: {أَنَّىٰ هَـٰذَا} لأن المراد المصيبة. فصل وجه النظم: أنه - تعالى - لما أخبر عن المنافقين بأنهم نسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الغلول حكى عنهم شُبْهَةً أخرى في هذه الآية، وهي قولهم: لو كان رسولاً من عند الله لما انهزم عسكرهُ من الكفار في يوم أحُدٍ، وهو المرادُ من قولهم: أنى هذا؟ وأجاب الله تعالى عنه بقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي: هذا الانهزامُ إنما حصل بشؤم عصيانكم. فصل ومعنى: {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} أن المشركين قتلوا من المسلمين - يوم أحُدٍ - سبعين، وقتل المسلمون منهم - يوم بدر - سبعين، وأسروا سبعينَ، والأسيرُ في حكم القتيلِ، لأن الآسر يقتل أسيره إن أراد. {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا}: من أين لنا هذا القتلُ والهزيمة، ونحن مسلمونَ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا؟ {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} روى عبيدة السَّلْمَاني عن علي قال: حديث : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقال: يا مُحَمَّدُ، إنَّ الله قد كَرِهَ ما صنع قومك - من أخذهم الفداء من الأسارى - وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدموا الأسارى، فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عِدَّتهم، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم للنّاسِ، فقالوا: يا رسولَ الله، عشائرنا، وإخواننا، لا، بل نأخذ منهم الفداء، فتتقوّى به على قتال العدو، ونرضى أن يستشهد منا عِدَّتهم، فقُتِل منهم - يوم أحدٍ - سبعونَ، عدد أسارى أهل بدرتفسير : فهذا معنى قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أي: بأخذ الفداء، واختياركم القتلَ. وقيل: إنما وقعتم في هذه المصيبة بشُؤم معصيتكم في الأمور المتقدم ذِكرها. فصل استدل المعتزلةُ بقوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} على أن أفعال العبد غير مخلوقةٍ لله تعالى من وجوهٍ: أحدها: أنه لو كان ذلك حاصلاً بخَلْق الله تعالى - ولا تأثير للعبد فيه - كان قوله: {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} كذباً. ثانيها: أنهم تعجبوا كيف سلط الله الكافرَ على المؤمن؟ فأزال الله ذلك التعجب بقوله: إنما وقعتم في هذا المكروه بشُؤم فعلكم، فلو كان خلقاً لله لم يصح الجوابُ. ثالثها: أن القوم قالوا: {أَنَّىٰ هَـٰذَا} أي: من أينَ هَذَا؟ وهذا طلبٌ لسبب الحدوثِ، فلو لم يكن المحدث لها هو العبدُ لم يكن الجوابُ مطابقاً للسؤال. وأجيبوا عن الأوليْن بالمعارضة بالآيات الدالة على كون أفعال العبدِ بإيجاد الله تعالى، وعن الثالث بأنه لو كانوا هم الذين أوجدوا الفعلَ لم يحسن منهم السؤالُ عن سببه. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: قادر على نصْركم - لو صبرتم وثبتُّم - كما قدر على التخلية - إذ خالفتم وعصيتم - وهذا يدل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى، قالوا: لأن فعل العبد شيء، فيكون الله قادراً على إيجاده، فلو أوجده العبد امتنع كونه - تعالى - قادراً على إيجاده؛ لأنه لما أوجده العبد امتنع من الله إيجاده، لأن إيجادَ الموجودِ مُحَالٌ، والمُفضِي إلى المُحَالِ مُحَالٌ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أو لما أصابتكم مصيبة...} الآية. يقول: إنكم قد أصبتم من المشركين يوم بدر مثلي ما أصابوا منكم يوم أحد. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: قتل المسلمون من المشركين يوم بدر سبعين واسروا سبعين، وقتل المشركون يوم أحد من المسلمين سبعين. فذلك قوله {أصبتم مثليها قلتم أنى هذا} ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله، وهؤلاء مشركون {قل هو من عند أنفسكم} عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال ما قال. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: لما رأوا من قتل منهم يوم أحد قالوا: من أين هذا ما كان للكفار أن يقتلوا منا؟ فلما رأى الله ما قالوا من ذلك قال الله: هم بالأسرى الذين أخذتم يوم بدر، فردهم الله بذلك، وعجل لهم عقوبة ذلك في الدنيا ليسلموا منها في الآخرة. وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه وابن جرير وابن مردويه عن علي قال "حديث : "جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، فذكر ذلك لهم فقالوا: يا رسول الله عشائرنا واخواننا نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا بعدتهم، فليس في ذلك ما نكره. فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر" "تفسير : . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن وابن جريج {قل هو من عند أنفسكم} عقوبة لكم بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تتبعوهم يوم أحد فاتبعوهم. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس {قلتم أنى هذا} ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله، وهؤلاء مشركون. فقال {قل هو من عند أنفسكم} عقوبة بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تتبعوهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها} قال: أصيبوا يوم أحد قتل منهم سبعون يومئذ، وأصابوا مثليها يوم بدر قتلوا من المشركين سبعين وأسروا سبعين {قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} حديث : ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون: إنا في جنة حصينة ـ يعني بذلك المدينة ـ فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم فقال له أناس من الأنصار: إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة، وقد كنا نمنع من الغزو في الجاهلية فبالإسلام أحق أن يمتنع منه، فأبرز بنا إلى القوم. فانطلق فلبس لأمته فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره، اذهب يا حمزة فقل له امرنا لأمرك تبع. فأتى حمزة فقال له. فقال: إنه ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يناجز، وإنه ستكون فيكم مصيبة. قالوا: يا نبي الله خاصة أو عامة؟ قال: سترونها . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحق في قوله {وليعلم المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا} فقال: ليميز بين المؤمنين والمنافقين {وقيل لهم تعالوا قاتلوا} يعني عبد الله بن أبي وأصحابه. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {أو ادفعوا} قال: كثروا بأنفسكم وإن لم تقاتلوا. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعيد يقول: لو بعت داري فلحقت بثغر من ثغور المسلمين، فكنت بين المسلمين وبين عدوّهم. فقلت: كيف وقد ذهب بصرك؟ قال: ألم تسمع إلى قوله الله {تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} أسوّد مع الناس ففعل. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله {أو ادفعوا} قال: كونوا سواداً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عون الأنصاري في قوله {أو ادفعوا} قال: رابطوا. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن ابن شهاب وغيره قال "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشرط بين أحد والمدينة انخذل عنهم عبد الله بن أُبَيَّ بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا، فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام من بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضرهم عدوهم. قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكن لا نرى أن يكون قتال". وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} قال: لو نعلم انا واجدون معكم مكان قتال لاتبعناكم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة قالوا {لو نعلم قتالاً لاتَّبعناكم} قال: نزلت في عبد الله بن أبي. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد في ألف رجل وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله بن أبي في ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم قتالاً ولئن أطعتنا لترجعن معنا. فذكر الله. فهو قولهم: ولئن أطعتنا لترجعن {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا...} الاية. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله {الذين قالوا لإخوانهم...} الآية. قال: ذكر لنا أنها نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبي. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا} قال: نزلت في عدوّ الله عبد الله بن أبي. وأخرج ابن جرير عن جابر بن عبد الله في قوله {الذين قالوا لإخوانهم} قال: هو عبد الله بن أبي. وأخرج عن السدي في الآية قال: هم عبد الله بن أبي وأصحابه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج في الآية قال: هو عبد الله بن أبي الذين قعدوا وقالوا لإخوانهم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن إسحق {قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت} أي أنه لا بد من الموت، فإن استطعتم أن تدفعوه عن أنفسكم فافعلوا، وذلك أنهم إنما نافقوا وتركوا الجهاد في سبيل الله حرصاً على البقاء في الدنيا وفراراً من الموت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال: إن الله أنزل على نبيه في القدرية {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: هم الكفار يقولون لاخوانهم لو كانوا عندنا ما قتلوا، يحسبون أن حضورهم للقتال هو يقدمهم إلى الأجل.

ابو السعود

تفسير : {أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا} كلامٌ مبتدأ مَسوقٌ لإبطال بعضِ ما صدر عنهم من الظنون الفاسدةِ والأقاويلِ الباطلةِ الناشئةِ منها، إثرَ إبطالِ بعضٍ آخرَ منها، والهمزةُ للتقريع والتقريرِ، والواو عاطفةٌ لمدخولها على محذوف قبلها، و{لَّمّاً} ظرف لقلتم مضافٌ إلى ما بعده، و{قَدْ أَصَبْتُمْ} في محل الرفعِ على أنه صفةٌ لمصيبة، والمرادُ بها ما أصابهم يومَ أحدٍ من قتل سبعين منهم، وبمِثْليها ما أصاب المشركين يومَ بدرٍ من قتل سبعين منهم وأسْرِ سبعين. و{أَنَّىٰ هَـٰذَا} مقولُ قلتم، وتوسيطُ الظرفِ وما يتعلق به بـينه وبـين الهمزةِ، مع أن المقصودَ إنكارُه والمعطوفُ بالواو حقيقةً لتأكيد النكيرِ وتشديد التقريعِ فإن فعلَ القبـيحِ في غير وقتِه أقبحُ، والإنكارَ على فاعله أدخلُ، والمعنى أحين أصابكم من المشركين نصفُ ما قد أصابهم منكم قبل ذلك جزِعتم وقلتم: من أين أصابنا هذا؟ وقد تقدم الوعدُ بالنصر على توجيه الإنكارِ والتقريعِ إلى صدور ذلك القولِ عنهم في ذلك الوقتِ خاصة بناءً على عدم كونِه مَظِنةً له داعياً إليه بل على كونه داعياً إلى عدمه، فإن كونَ مصيبةِ عدوِّهم ضعفَ مصيبتِهم مما يُهوِّن الخطْبَ ويورث السَّلْوةَ، أو أفعلتم ما فعلتم ولما أصابتكم غائلتُه قلتم: أنى هذا؟ على توجيه الإنكارِ إلى استبعادهم الحادثةَ مع مباشرتهم لسببها، وتذكيرُ اسمِ الإشارةِ في {أَنَّىٰ هَـٰذَا} مع كونه إشارةً إلى المصيبة ليس لكونها عبارةً عن القتل ونحوِه بل لما أن إشارتَهم ليست إلا إلى ما شاهدوه في المعركة من حيث هو من غير أن يخطُر ببالهم تسميتُه باسمٍ ما فضلاً عن تسميته باسم المصيبةِ وإنما هي عند الحكاية، وقوله عز وجل: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} أمرٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يُجيب عن سؤالهم الفاسدِ إثرَ تحقيقِ فسادِه بالإنكار والتقريعِ ويُبكّتهم ببـيان أن ما نالهم إنما نالهم من جهتهم بتركهم المركزَ وحِرصِهم على الغنيمة وقيل: باختيارهم الخروجَ من المدينة، ويأباه أن الوعدَ بالنصر كان بعد ذلك كما ذكر عند قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } تفسير : [آل عمران، الآية 152] الآية، وأن عملَ النبـيِّ صلى الله عليه وسلم بموجبه قد رَفَع الخطرَ عنه وخفف جنايتَهم فيه، على أن اختيارَ الخروجِ والإصرارَ عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ وأين هم من التفوّه بمثل هذه الكلمة؟ وقيل: بأخذهم الفداءَ يوم بدر قبل أن يُؤذَن لهم، والأولُ هو الأظهرُ والأقوى، وإنما يعضُده توسيطُ خطابِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم بـين الخِطابـين المتوجهَيْن إلى المؤمنين وتفويضُ التبكيتِ إليه عليه السلام، فإن توبـيخَ الفاعل على الفعل إذا كان ممن نهاه عنه كان أشدَّ تأثيراً {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} ومن جملته النصرُ عند الطاعةِ والخِذلانُ عند المخالفةِ وحيث خرجتم عن الطاعة أصابكم منه تعالى ما أصابكم. والجملةُ تذيـيلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبلها داخلٌ تحت الأمرِ.

القشيري

تفسير : عادة الخلق نسيان ما منهم من الخطأ والعصيان، والرجوع إلى الله بالتهمة فيما يتصل بهم من المحن والخسران، وفنون المكاره والافتتان، وإنَّ مَنْ تَعاطى (....) الإجرام فحقيق بألا ينسى حلول الانتقام.

اسماعيل حقي

تفسير : {أو لما اصابتكم مصيبة قد اصبتم مثليها قلتم أنى هذا} الواو عاطفة لمدخولها على محذوف قبلها ولما ظرف لقلتم مضاف الى ما بعده وقد اصبتم فى محل الرفع على انه صفة لمصيبة والمراد بها ما اصابهم يوم احد من قتل سبعين منهم وبمثليها ما اصاب المشركين يوم بدر من قتل سبعين منهم واسر سبعين وأنى هذا مقول قلتم والمعنى أحين اصابكم من المشركين نصف ما قد اصابهم منكم قبل ذلك جزعتم وقلتم من اين اصابنا هذا فالهمزة للتقرير والتقريع على قولهم لو كان رسولا من عند الله لما انهزم عسكره من الكفار يوم احد وادى ذلك الى ان قالوا من اين هذه المغلوبية للمشركين فكيف صاروا منصورين علينا مع شركهم وكفرهم بالله ونحن ننصر رسول الله ودين الاسلام وهو استفهام على سبيل الانكار فامر الله تعالى رسوله عليه السلام بان يجيب عن سؤالهم الفاسد فقال {قل هو من عند انفسكم} اى هذا الانهزام انما حصل بشئوم عصيانكم حيث خالفتم الامر بترك المركز والحرص على الغنيمة {ان الله على كل شىء قدير} ومن جملته النصر عند الطاعة والخذلان عند المخالفة وحيث خرجتم عن الطاعة اصابكم منه تعالى ما اصابكم.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الهمزة - للتفريع، و {لَمَّا}: ظرف، خافضة لشرطها، منصوبة بجوابها، وهي معطوفة على محذوف، أي: أكان من كان يوم أحد، ولمّا أصابتكم مصيبة، قلتم ما قلتم، و {قد أصبتم}: جملة حالية. يقول الحقّ جلّ جلاله: أحين {أصابتكم مصيبة} يوم أحد بقتل سبيعن منكم، و {قد أصبتم مثليها} يوم بدر فقتلتم سبعين وأسرتم سبعين، {قلتم أنَّى هذا} أي: من أين أصابنا هذا البلاء وقد وعدنا النصر؟ {قل} لهم: {هو من عند أنفسكم} أي: مما اقترفته أنفسكم من مخالفة المركز، والنصر الموعود كان مشروطاً بالثبات والطاعة، فلما اختل الشرط اختل المشورط، {إن الله على كل شيء قدير}؛ فيقدر على النصر بشرط وبغيره، لكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والشروط؛ لأن هذا العلام قائم بين قدرة وحكمة. أو: {قل هو من عند أنفسكم} باختياركم الفداء يوم بدر: رُوِيَ عن عليّ رضي الله عنه قال: (جاء جِبْريل إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال: خيِّرْ أصْحَابَكَ في الأسارى، إن شاءوا القتل، وإن شاءوا الفِدَاء، عَلَى أنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عاماً مقبلاً مِثْلُهمْ، قالوا: الفِدَاء ويُقْتَلُ مِنَّا). والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا أصاب المريد شيء من المصائب والبلايا، فلا يستغرب وقوع ذلك به، ولا يتبرم منه، فإنه في دار المصائب والفجائع، "لا تستغرب وقوع الأكدار ما دُمتَ في هذه الدار، فإنما أبرزت ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها". وإذا كان أصابته مصيبة في وقت، فقد أصابته نعمٌ جمة في أوقات عديدة، فليشكر الله على ما أولاه، وليصبر على ما ابتلاه، ليكون صباراً شكوراً. قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه -: (العارف هو الذي عرف إساءاته في إحسان الله إليه، وعرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من الله عليه، فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون). وأيضاً: كل ما يصيب المؤمن فمن كسب يده، ويعفو عن كثير. وإن كان المريد وعد بالحفظ والنصر، فقد يكون ذلك بشروط خفيت عليه، فلم تحقق فيه، فيخلف حفظه لينفذ قدر الله فيه،{أية : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}تفسير : [الأحزاب: 38]. وليتميز الصادق من الكاذب والمخلص من المنافق.

الطوسي

تفسير : المعنى: إنما دخلت الواو في {أولما أصابتكم} لعطف جملة على جملة إلا أنه تقدمها ألف الاستفهام، لأن له صدر الكلام. وإنما اتصل الواو الثاني بالأول ليدل على تعلقه به في المعنى، وذلك أنه وصل التقريع على الخطيئة بالتذكير بالنعمة لفرقة واحدة. والمصيبة التي أصابت المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد، فانه قتل منهم سبعون رجلا وكانوا هم أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها، فانهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين وأسروا منهم سبعين في - قول قتادة، والربيع، وعكرمة، والسدي - فقال الزجاج: لأنهم أصابوا يوم أحد منهم مثلهم، ويوم بدر مثلهم، فقد أصابوا مثليهم. وهذا ضعيف، لأنه خلاف لأهل السير، لأنه لا خلاف أنه لم يقتل من المشركين مثل من قتل من المسلمين بل قتل منهم نفر يسير، فحمله على ما قاله ترك الظاهر. وقوله: حكاية عن المسلمين {أنى هذا} أي من أين هذا. وقوله: {قل هو من عند أنفسكم} قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال قتادة، والربيع: لأنهم اختلفوا في الخروج من المدينة للقتال يوم أحد وكان دعاهم النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى أن يتحصنوا بها ويدعوا المشركين إلى أن يقصدوهم فيها، فقالوا كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية، ونحن في الاسلام، وأنت يا رسول الله نبينا أحق بالامتناع وأعز. والثاني - روي عن علي (ع) وعبيدة السلماني أن الحكم كان في أسرى بدر القتل، فاختاروا هم الفداء، وشرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم، فقالوا رضينا بذلك، فانا نأخذ الفداء وننتفع به. وإذا قتل منا فيما بعد كنا شهداء. وهو المروي عن أبي جعفر (ع). الثالث - لخلاف الرماة يوم أحد لما أمرهم به النبي (صلى الله عليه وسلم) من ملازمة موضعهم. وقوله: {إن الله على كل شيء قدير} معناه ها هنا أنه على كل شيء قدير يدبركم بأحسن التدبير من النصر مع طاعتكم وتركه مع المخالفة إلى ما وقع به النهي، وهذا جواب لقوله: {أنى هذا} وقد تقدم الوعد بالنصرة، وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة: بان المعاصي كلها من فعل الله، لأنه تعالى قال {قل هو من عند أنفسكم} ولو لم يكن فعلوه، لما كان من عند أنفسهم كما أنه لو فعله الله، لكان من عنده.

الجنابذي

تفسير : {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ} قد اختلف الاقوال عند اجتماع همزة الاستفهام واداة العطف وتقديم الهمزة على العاطف فقيل: انّه على التّقديم والتّأخير وانّما قدّمت الهمزة لقوّة صدارته، وقيل: انّ الهمزة فى التّقدير داخلة على محذوفٍ حذف واتّصل الهمزة بالعاطف والتّقدير هاهنا انكرتم البليّة الّتى وردت عليكم بتقصيركم فى أعمالكم ولمّا اصابتكم {مُّصِيبَةٌ} يوم احد بقتل سبعين رجلاً منكم {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} فى بدر بقتل سبعين واسر سبعين {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا} من اين او كيف هذا {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} باختياركم الفدى عن الاسارى يوم بدر وقد اخبركم الرّسول (ص) انّ الحكم فيهم القتل {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الأنفال: 67] فأصررتم فى الفداء دون القتل حتّى اباح الله لكم الفداء بشرط ان يقتل منكم فى العام القابل بعدد من تأخذون منه الفداء فقبلتم ذلك واخذتم الفداء عن الاسارى السّبعين {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} لمّا توهّم من نسبة المصيبة الى انفسهم انّها خارجة من قدرة الله وصار المقام مقام ان يسأل هل كان المصيبة بقدرة الله ام كانت خارجة من قدرته فقال: {انّ الله على كلّ شيءٍ قديرٌ} فيقدر على اصابتكم واصابة عدوّكم وقد يخذلكم لمصالح راجعة الى استكمال نفوسكم.

اطفيش

تفسير : {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ}: مصيبة يوم أحد بالقتل والجرح والهزم {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا}: ببدر إذ قتلوا فيه من المشركين سبعين، وأسروا سبعين، على أن المشركين فعلوا نصف هذا بهم يوم أحد، وبذلك يقول الجمهور وابن عباس أو عباس أن يضم، إلى ما فعل المسلمون يوم بدر، ما فعلوا أيضاً بغيره كأول الأمر يوم أحد، أو المراد بالمصيبة: الهزم، فقد هزمهم المسلون مرتين يوم بدر، وأول الأمر يوم أحد، وهزمهم المشركون مرة واحدة من آخر الأمر يوم أحد. وقال الزجاج: أحد المثلين قتل السبعين يوم بدر، والثانى هو قتل اثنين وعشرين يوم أحد ولا مدخل للأسرى، لأنهم قد فدوا، وهذا على أن المماثلة فى الجنس ولو تخالف العدد ما بينهم وبين المشركين، والواو عاطفة على محذوف داخلة عليه الهمزة، أى فعلتم كذا وقلتم كذا، ولما أصابكم إلخ، مثل قولهم كيف غلبنا المشركون، وقد وعدنا الله النصر، أو كيف غلبونا ونحن على نصر دين الله تعالى، أو الواو عاطفة للهمزة قبلها، والجملة بعدها على قصة أحد، ودخل فى العطف على كل حال، لما وما بعدها، وجوابها والهمزة للتقريع، على قولهم ذلك ومثله والتقرير، ولو قيل تقريع وتقرير للمنافقين المكذبين القائلين، لو كان نبياً لما هزمنا لصح وجملة قد أصبتم مثليها، حال من كاف أصابتكم وأولى أن تكون نعتاً لمصيبة، إذ تغلبت عليه الإسمية كأنه قيل أو لما أصابكم أمر سوء، وأجاز بعضهم نعت الصفة باقية على وصفيتها. {قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا}: أى كيف هذا الأمر المصيب لنا؟ أو من أين هذا الأمر المصيب لنا؟ من الهزم والغلبة، والقتل، والجرح، ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، بأن قال المسلمون هذا تحقيقاً منهم أو قاله المنافقون تكذيباً. {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ}: أى من انتقالكم عن موضعكم يوم أحد، وقد قال لكم صلى الله عليه وسلم: اثبتوا معشر الرماة فى موضعكم ولو رأيتمونا تخطفنا الطير، أو هزمنا المشركين، وحرصكم على الخروج من المدينة، وقد كرهه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وقال على والحسن البصرى وعبيدة السلمانى روياً عن على، كما فى الخازن: أن جبريل، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم بدر فقال إن الله كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء من الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أن يقدم الأسارى ويضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدد الأسارى فذكر ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم للناس فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا لا بل فداؤهم فنتقوى به على قتال عدونا ونرضى بأن يستشهد منا عدتهم، فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدد أسارى بدر، فهذا معنى {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُم}. {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}: قدير على كل ما شاء وقوعه فيقع ولا بد مثل نصركم مع الطاعة، وترك نصركم مع المخالفة، وقادر على كل ممكن إن شاء أوقعه من إصابتكم لغيركم، وإصابة غيركم لكم وغير ذلك.

اطفيش

تفسير : {أَوَ لَمَّآ} الهمزة مما بعد الواو، والعطف على ما قبل، أو العطف محذوف أى أتنسون النصر السابق ببدر ومبدأ أحد وترك المركز والإلحاح بالخروح، وقد كرهه صلى الله عليه وسلم ولما {أَصَابَتْكُمْ} وأجيز كون هذه الواو استئنافا ولا يثبت عندى واو الاستئناف، لأن الاستئناف غير معنى، قال ابن هشام: إن الاستفتاح غير معنى، وليس من ذلك قولنا من للابتداء، لأن المعنى أن من تدل على بدء الشىء من كذا، وهذا معنى صحيح {مُّصِيبَةٌ} فعله مصيبة من المشركين بأحد موصوفة بما فى قوله {قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْها} أو والحال أنكم قد أصبتم منهم مثليها ببدر، قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، والأسر كالقتل، ولم يأسر المشركون بأحد أحداً، ولا مانع من أن يكونوا قتلوا أول أحد سبعين،ولو شهر أنهم قتلوا أقل، وقيل: قتلوا سبعين، وقيل خمسا وسبعين وأسروا سبعين كما مر، وقيل: المثلان الهزيمتان هزموا المشركين يوم بدر وهزموهم أول مرة فى أحد {قُلْتُمْ} ما قبل لما مسلط على جوابها، أى أو قلتم لما أصابكم {أنَّى} من أين {هَذَا} وقدر بعض، أنى أصابنا هذا، أى هذا الذى أصابنا من القتل والانهزام مع أنا مؤمنون بنصر الله ورسوله، بقوله المنافقون إنكاراً لنبوته صلى الله عليه وسلم وضعفاء المؤمنين تعجبا وطلبا لوجه ذلك {قُلْ هُوَ} الذى أصابكم {مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} بإلحاحكم بالخروج إلى أُحد، وترك المركز، وبما روى عن على إن صح، أن جبريل عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقال: إن الله كره ما صنع قومك من أخذهم الفداء، وقد أمرك أن تخيرهم بين قتل الأسرى وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يقتل منهم عدة الأسرى فى حرب أخرى، فقالوا: يا رسول الله، نأخذ الفداء نتقوى به ونقتل منا بعدتهم شهداء، لا نقتلهم وهم عشائرنا وإخواننا، فكان القتل بأحد، ويكون الجواب بمن ترجيح أن يقدر معنى أنى بمن أين، ولا يتعين ذلك لى لّجواز أن يتحالفا بذلك مع صحة المعنى {إنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ} من النصر وغيره {قَدِيرٌ} فمن ذلك نصره لكم حين وافقتم، وخذلانه لكم حين خالفتم، وقيل: وعد بالنصر بعد، فيكون جمع التوبيخ والوعد.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا } كلام مبتدأ مسوق لإبطال بعض ما نشأ من الظنون الفاسدة إثر إبطال بعض آخر، والهمزة للتقريع والتقرير، والواو عاطفة لمدخولها على محذوف قبلها، ولما ظرف بمعنى حين مضافة إلى ما بعدها مستعملة في الشرط ـ كما ذهب إليه الفارسي ـ وهو الصحيح عند جمع من المحققين وناصبها قلتم وهو الجزاء وقد أصبتم في محل الرفع على أنه صفة ـ لمصيبة ـ وجعله في محل نصب على الحال يحتاج إلى تكلف مستغنى عنه، والمراد بالمصيبة ما أصابهم يوم أحد من قتل سبعين منهم ـ وبمثليها ـ ما أصاب المشركين يوم بدر من قتل سبعين منهم وأسر سبعين، وجعل ذلك مثلين بجعل الأسر كالقتل أو لأنهم كانوا قادرين على القتل وكان مرضي الله تعالى فعدمه كان من عندهم فتركه مع القدرة لا ينافي الإصابة. وقيل: المراد بالمثلين المثلان في الهزيمة لا في عدد القتلى وذلك لأن المسلمين هزموا الكفار يوم بدر وهزموهم أيضاً يوم أحد أول الأمر، وعليه يكون المراد بالمصيبة هزيمة الكفار للمسلمين بعد أن فارقوا المركز، و {أَنَّىٰ هَـٰذَا } جملة اسمية مقدمة الخبر، والمعنى من أين هذا لا كيف هذا لدلالة الجواب مفعول القول، وقيل: أنى منصوبة على الظرفية ـ لأصابنا ـ المقدر، وهذا فاعل له، والجملة مقول قلتم، وتوسيط الظرف وما يتعلق به بينه وبين الهمزة مع أنه المقصود إنكاره والمعطوف بالواو حقيقة لتأكيد النكير وتشديد التقريع فإن فعل القبيح في غير وقته أقبح والإنكار على فاعله أدخل، والمعنى أحين نالكم من المشركين نصف ما قد نالهم منكم قبل ذلك جزعتم وقلتم من أين هذا ونحن مسلمون نقاتل غضباً لله تعالى وفينا رسوله، وهؤلاء مشركون أعداء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أوَ قد وعدنا الله تعالى النصر؟ ـ وإليه ذهب الجبائي ـ وهذا على تقدير توجيه الإنكار والتقريع إلى صدور ذلك القول عنهم في ذلك الوقت خاصة بناءاً على عدم كونه مظنة له داعياً إليه بل على كونه داعياً إلى عدمه فإن كون مصيبة عدوهم مثلي مصيبتهم ما يهوّن الخطب ويورث السلوة، أو أفعلتم ما فعلتم من الفشل والتنازع أو الخروج من المدينة والإلحاح على النبـي صلى الله عليه وسلم، ولما أصابتكم غائلة ذلك قلتم أنى هذا وهذا على تقدير توجيه الإنكار لاستبعادهم الحادثة مع مباشرتهم لسببها، وجوز أن يكون المعطوف عليه القول إشارة إلى أن قولهم كان غير واحد بل قالوا أقوالاً لا ينبغي أن يقولوها. وذهب جماعة إلى أن المعطوف عليه ما مضى من قوله تعالى: {أية : لَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ } تفسير : [آل عمران: 152] إلى هنا وللتعلق بقصة واحدة لم يتخلل بينهما أجنبـي ليكون القول بذلك بعيداً كما ادعاه أبو حيان، والهمزة حينئذ متخللة بين المتعاطفين للتقرير بمعنى التثبيت أو الحمل على الإقرار والتقريع على مضمون المعطوف والمعنى أكان من الله تعالى الوعد بالنصر بشرط الصبر والتقوى فحين فشلتم وتنازعتم وعصيتم وأصابكم الله تعالى بما أصابكم قلتم أنى هذا. / والجمهور على أن الهمزة مقدمة من تأخير، والواو أصلها التقديم، وهو مذهب سيبويه وغيره، والجملة الاستفهامية معطوفة على ما قبلها واختار هذا في «البحر»، وإسناد الإصابة إلى المصيبة مجاز وإلى المخاطبين حقيقة ولم يؤت بالإسنادين من باب واحد زيادة في التقريع، وتذكير اسم الإشارة في {أَنَّىٰ هَـٰذَا } مراعاة لمعنى المصيبة المشار إليها وهو المشهور أو لما أن إشارتهم ليست إلا لما شاهدوه في المعركة من حيث هو هو من غير أن يخطر ببالهم تسميته باسم مّا فضلاً عن تسميته باسم المصيبة، وإنما هي عند الحكاية وفي الآية على ما قيل: جواب ضمني عن استبعادهم تلك الإصابة، يعني أن أحوال الدنيا لا تدوم على حالة واحدة فإذا أصبتم منهم مثل ما أصابوا منكم وزيادة فما وجه الاستبعاد، لكن صرح بجواب آخر يبري العليل ويشفي الغليل وتطأطىء منه الرؤوس فقال سبحانه: {قُلْ } يا محمد في جواب سؤالهم الفاسد {هُوَ } أي هذا الذي أصابكم كائن {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } أي أنها السبب له حيث خالف الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركهم المركز وحرصوا على الغنيمة فعاقبهم الله تعالى بذلك ـ قاله عكرمة ـ أو حيث أنكم قد اخترتم قبل أن يقتل منكم سبعون في مقابلة الفداء الذي أخذتموه من أسارى بدر، وعزي هذا إلى الحسن، ويدل عليه ما أخرجه ابن أبـي شيبة والترمذي وحسنه، والنسائي وآخرون عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: حديث : جاء جبريل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن الله تعالى قد كره ما فعل قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وإما أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر لهم ذلك فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا نأخذ فداءهم نتقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم فليس ذلك ما نكره فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر، أو حيث اخترتم الخروج من المدينة ولم تبقوا حتى تقاتلوا المشركين تفسير : فيها قاله الربيع وغيره. وأخرج ابن جرير عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن نبـي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم أحد حين قدم أبو سفيان والمشركون: «حديث : إنا في جنة حصينة ـ يعني بذلك المدينة ـ فدعوا القوم يدخلوا علينا نقاتلهم فقال له ناس من الأنصار: إنا نكره أن نقتل في طرق المدينة وقد كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية فبالإسلام أحق أن نمتنع فابرز بنا إلى القوم فانطلق فلبس لأمَته فتلاوم القوم فقالوا: عرض نبـي الله صلى الله عليه وسلم بأمر وعرضتم بغيره اذهب يا حمزة فقل له أمرنا لأمرك تبع فأتى حمزة فقال له إنه ليس لنبـي إذا لبس لأمَتَهُ أن يضعها حتى يناجز وأنه سيكون فيكم مصيبة قالوا: يا نبـي الله خاصة أو عامة؟ قال: سترونها» تفسير : واعترض هذا القول بأنه يأباه أن الوعد بالنصر كان بعد اختيار الخروج وأن عمل النبـي صلى الله عليه وسلم بموجبه قد رفع الخطر عنه وخفف جنايتهم فيه على أن اختيار الخروج والإصرار عليه كان ممن أكرمهم الله تعالى بالشهادة يومئذ، وأين هم من التفوه بمثل هذه الكلمة؟ وأجيب بأن الإباء المذكور في حيز المنع كيف والنصر الموعود كان مشروطاً بما يعلم الله تعالى عدم حصوله، وبأن النبـي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد عمل بموجبه لكن لم تكن نفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم منبسطة لذلك ولا قلبه الشريف مائلاً إليه وكأن سهام الأقدار نفذت حين خالفوا رأيه السامي وعدلوا عن الورود من عذب بحر عقله الطامي كما يرشدك إلى ذلك قوله عليه الصلاة والسلام بعد أن لبس لامَتَهُ: «وإنه سيكون فيكم مصيبة» وقوله في جواب الاستفهام عنها: «خاصة أو عامة»؟ «سترونها» فإن ذلك كالصريح في عدم الرضا والفصيح في استيجاب ذلك الاختيار نزول القضاء، وبأن الخطاب في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } ليس نصاً في أن المتسببين هم المتفوهون بتلك / الكلمة ليضر استشهاد المختارين للخروج في المقصود لجواز أن يكون من قبيل قولك لقبيلة: أنتم قتلتم فلاناً والقاتل منهم أناس مخصوصون لم يوجدوا وقت الخطاب، ومثل ذلك كثير في المحاورات على أن كون مصيبة المتفوهين هي قتل أولئك المستشهدين نص في التأسف عليهم فيناسبه التعريض بهم بنسبة القصور إليهم ليهون هذا التأسف وليعلموا أن شؤم الانحراف عن سمت إرادة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعم الكبير والصغير بل ربما يقال: إن استشهاد أولئك المصرين شاهد على أنهم هم الذين كانوا سبباً في تلك المصيبة ولهذا استشهدوا ليذهبوا إلى ربهم على أحسن حال. هذا ولا يخفى أن هذا الجواب لا يخلو عن تكلف وكأن الداعي إليه أن الذاهبين إلى تفسير {مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } بالخروج من المدينة وتبعية أبـي سفيان وقومه جماعة أجلاء يبعد نسبة الغلط إليهم، فقد أخرجه ابن جرير وابن أبـي حاتم عن الحسن وابن جريج، وأخرجه ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس فتدبر. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } ومن جملته النصر عند الموافقة والخذلان عند المخالفة، وحيث خالفتم أصابكم سبحانه بما أصابكم، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها داخل تحت الأمر، وقيل: المراد منها تطييب أنفسهم ومزج مرارة التقريع بحلاوة الوعد أي أنه سبحانه قادر على نصرتكم بَعْدُ لأنه على كل شيء قدير فلا تيأسوا من روح الله واعتناءاً بشأن التطييب وإرشاداً لهم إلى حقيقة الحال فيما سألوا عنه وبياناً لبعض ما فيه من الحكم ورفعاً لما عسى أن يتوهم من الجواب من استقلالهم في وقوع الحادثة رجع إلى خطابهم برفع الواسطة وجواب سؤالهم بأبسط عبارة فقال سبحانه: {وَمَا أَصَـٰبَكُمْ}.

ابن عاشور

تفسير : عُطف الاستفهام الإنكاري التعجيبي على ما تقدّم، فإنّ قولهم: {أنى هذا} ممَّا ينكر وَيَتَعجَّب السامع من صدوره منهم بعد ما عَلِموا ما أتَوا من أسباب المصيبة، إذ لا ينبغي أن يخفى على ذي فطْنَةٍ، وقد جاء موقع هذا الاستفهام بعد ما تكرّر: من تسجيل تبعة الهزيمة عليهم بما ارتكبوا من عصيان أمر الرسول، ومن العجلة إلى الغنيمة، وبعد أن أمرهم بالرضا بما وقع، وَذكَّرَهم النصر الواقع يوم بدر، عطف على ذلك هنا إنكارُ تعجّبهم من إصابة الهزيمة إيّاهم. (ولَمَّا) اسم زمان مضمّن معنى الشرط فيدلّ على وجود جوابه لوُجود شرطه، وهو ملازم الإضافة إلى جملة شرطه، فالمعنى: قلتم لمَّا أصابتكم مصيبة: أنَّى هذا،. وجملة {قد أصبتم مثليها} صفة «لمصيبة»، ومعنى أصبتم غَلبتم العدوّ ونلتم منه مِثْلَيْ ما أصابكم به، يقال: أصاب إذا غلب، وأصيب إذا غُلِب، قال قَطَرِيُّ بنُ الفُجَاءةَ: شعر : ثم انصرفت وقد أصَبْتُ ولم أُصَب جَذَعَ البصيرة قارِحَ الإقدام تفسير : والمراد بمثليها المساويان في الجنس أو القيمة باعتبار جهة المماثلة أي: أنَّكم قد نلتم مثلي ما أصابكم، والمماثلة هنا مماثلة في القدر والقيمة، لا في الجنس، فإنّ رزايا الحرب أجناس: قَتل، وأسر، وغَنيمة، وأسلاب، فالمسلمون أصابهم يوم أحُد القتل: إذا قُتِل منهم سبعون، وكانوا قد قَتَلوا من المشركين يومَ بدر سبعين، فهذا أحد المثلين، ثم إنّهم أصابوا من المشركين أسرى يوم بدر فذلك مثل آخر في المقدار إذ الأسير كالقتيل، أو أريد أنّهم يومَ أحُد أصابوا قتلَى إلاّ أنّ عددهم أقلّ فهو مثل في الجنس لا في المقدار والقيمة. و (أنّى) استفهام بمعنى من أين قصدوا به التعجّب والإنكار، وجملة {قلتم أنى هذا} جواب (لمّا)، والاستفهام بأنَّى هنا مستعمل في التعجّب. ثم ذُيّل الإنكار والتعجّب بقوله: {قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} أي إنّ الله قدير على نصركم وعلى خذلانكم، فلمّا عصيتم وجررتم لأنفسكم الغضب قدّر الله لكم الخِذلان.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى:{أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ}. ذكر في هذه الآية أن ما أصاب المسلمين يوم أحد إنما جاءهم من قبل أنفسهم، ولم يبين تفصيل ذلك هنا ولكنه فصله في موضع آخر وهو قوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي ٱلأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} تفسير : [آل عمران: 152]. وهذا هو الظاهر في معنى الآية. لأن خير ما يبين به القرآن القرآن. وأما على القول الآخر فلا بيان بالآية، وهو أن معنى {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} "أنهم خيروا يوم بدر بين قتل أسارى بدر، وبين أسرهم وأخذ الفداء على أن يستشهد منهم في العام القابل قدر الأسارى، فاختاروا الفداء على أن يستشهد منهم في العام القابل سبعون قدر أسارى بدر"، كما رواه الإمام أحمد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب، وعقده أحمد البدوى الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله: شعر : والمسلمون خيروا بين الفدا وقدرهم في قابل يستشهدا وبين قتلهم فمالوا للفدا لأنه على القتال عضدا وأنه أدى إلى الشهاده وهي قصارى الفوز والسعاده تفسير : ونظمه هذا للمغازي جل اعتماده فيه على عيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري، قال في مقدمته: شعر : أرجوزة على عيون الأثر جل اعتماد نظمها في السير تفسير : وذكر شارحه أن الألف في قوله يستشهدا مبدلة من نون التوكيد الخفيفة وأنها في البيت كقوله: شعر : ربما أوفيت في علم ترفعن ثوبي شمالات تفسير : وعلى هذا القول: فالمعنى قل هو من عند أنفسكم حيث اخترتم الفداء واستشهاد قدر الأسارى منكم.

الواحدي

تفسير : {أَوَ لَمّا أصابتكم} أَوَ حين أصابتكم مصيبة. يعني: ما أصابهم يوم أُحدٍ {قد أصبتم} أنتم {مثليها} يوم بدر، وذلك أنَّهم قتلوا سبعين وأسروا سبعين، وقُتل منهم يوم أحد سبعون {قلتم أنَّى هذا} من أين أصابنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا؟! {قل هو من عند أنفسكم} أَيْ: إنَّكم تركتم المركز وطلبتم الغنيمة، فَمِنْ قِبَلِكُمْ جاءكم الشَّرُّ {إنَّ الله على كل شيء قدير} من النَّصر مع طاعتكم نبيَّكم، وترك النَّصر مع مخالفتكم إيَّاه. {وما أصابكم يوم التقى الجمعان} يوم أُحدٍ {فبإذن الله} بقضائه وقدره، يُسلِّيهم بذلك {وليعلم المؤمنين} ثابتين صابرين، وليعلمَ المنافقين حازعين ممَّا نزل بهم. {وقيل لهم} لعبد الله بن أُبيِّ وأصحابه لمَّا انصرفوا ذلك اليوم عن المؤمنين {تَعالَوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا} عنَّا القوم بتكثيركم سوادنا إنْ لم تقاتلوا {قالوا لو نعلم قتالاً لاتبعناكم} أَيْ: لو نعلم أنَّكم تقاتلون اليوم لاتَّبعناكم، ولكن لا يكون اليوم قتال، ونافقوا بهذا لأنَّهم لو علموا ذلك ما اتَّبعوهم. قال الله تعالى: {هم للكفر يومئذٍ} بما أظهروا من خذلان المؤمنين {أقربُ منهم للإِيمان} لأنهم كانوا قبل ذلك أقربَ إلى الإِيمان بظاهر حالهم، فلمَّا خذلوا المؤمنين صاروا أقرب إلى الكفر من حيث الظَّاهر. {الذين قالوا} يعني: المنافقين {لإِِخوانهم} لأمثالهم من أهل النِّفاق {وقعدوا} عن الجهاد، الواو للحال {لو أطاعونا} يعنون: شهداء أُحدٍ في الانصراف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم والقعود {ما قُتلوا} فردَّ الله تعالى عليهم وقال: {قل} لهم يا محمَّدُ {فادْرَؤُوا} فادفعوا {عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} إنْ صدقتم أنَّ الحذر ينفع من القدر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: المصيبة: إحدى المصائب: ما يصيب الإِنسان من سوء وأسوأها مصيبة الموت. مثليها: ضعفيها إذ قتلوا في بدر سبعين من المشركين وأسروا سبعين. أنى هذا؟: أي من أين أتانا هذا الذي أتانا من القتل والهزيمة. فبإذن الله: أي بإرادته تعالى وتقديره بربط المسببات بأسبابها. نافقوا: أظهروا من الإِيمان ما لا يبطنون من الكفر. أو ادفعوا: أي ادفعوا العدوعن دياركم وأهليكم وأولادكم، إن لم تريدوا ثواب الآخرة. ادرأوا: أي ادفعوا. إن كنتم صادقين: في دفع المكروه بالحذر. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في أحداث غزوة أحد ففي الآية الأولى: ينكر الله تعالى على المؤمنين قولهم بعد أن أصابتهم مصيبة القتل والجراحات والهزيمة: {أَنَّىٰ هَـٰذَا} أي من أي وجه جاءت هذه المصيبة ونحن مسلمون ونقاتل في سبيل الله ومع رسوله؟ فقال تعالى: {أَوَ لَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} بأحد قد أصبتم مثليها ببدر لأن ما قتل من المؤمنين بأحد كان سبعين، وما قتل من المشركين ببدر كان سبعين قتيلا وسبعين أسيراً، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يُجيبهم: قل هو من عند أنفسكم، وذلك بمعصيتكم لرسول الله حيث خالف الرماة أمره، وبعدم صبركم إذ فررتم من المعركة تاركين القتال. وقوله {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} إشعار بأن الله تعالى أصابهم بما أصابهم به عقوبة لهم حيث لم يطيعوا رسوله ولم يصبروا على قتال أعدائه. هذا ما تضمنته الآية الأولى [165] أما الآيات الثلاث بعدها فقوله تعالى: {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيَعْلَمَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يخبر تعالى المؤمنين أن ما أصابهم يوم أحد عند التقاء جمع المؤمنين وجمع المشركين في ساحة المعركة كان بقضاء الله وتدبيره، وعلته إظهار المؤمنين على صورتهم الباطنية الحقة وإنهم صادقون في إيمانهم، ولذا قال تعالى وليعلم المؤمنين علم انكشاف وظهور كما هو معلوم له في الغيب وباطن الأمور هذا أولا وثانيا ليعلم الذين نافقوا فأظهروا الإِيمان والولاء لله ولرسوله والمؤمنين ثم أبطنوا الكفر العداء لله ورسوله والمؤمنين فقال عنهم في الآيتين الثالثة [167] والرابعة [168] {وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} وهم عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين وعصابته الذين رجعوا من الطريق قبل الوصول إلى ساحة المعركة، وقد قال لهم عبد الله بن حرام والد جابر تعالوا قاتلوا في سبيل الله رجاء ثواب الآخرة، وإن لم تريدوا ثواب الآخرة فادفعوا عن أنفسكم وأهليكم معرة جيش غاز يريد قتلكم إذ وقوفكم معنا يكثر سوادنا ويدفع عنا خطر العدو الداهم فأجابوا قائلين: لو نعلم قتالاً سيتم لاتبعناكم، فأخبر تعالى عنهم بأنهم في هذه الحال {هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} إذ يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} حتى من أنفسهم يعلم أنهم يكتمون عداوة الله ورسوله والمؤمنين وإرادة السوء بالمؤمنين، وأن قلوبهم مع الكافرين الغازين. ثم أخبر تعالى عنهم أنهم قعدوا عن الجهاد في أحد وقالوا لإِخوانهم في النفاق - وهم في مجالسهم الخاصة -: - لو أنهم قعدوا فلم يخرجوا كما لم نخرج نحن ما قتلوا. فأمر الله رسوله أن يرد عليهم قائلاً: {فَادْرَءُوا} أي ادفعوا عن أنفسكم الموت إذا حضر أجلكم إن كنتم صادقين في دعواكم أنهم لو قعدوا ما قتلوا. من هداية الآيات: 1- المصائب ثمرة الذنوب. 2- كل الأحداث التي تتم في العالم سبق بها علم الله، ولا تحدث إلا بإذنه. 3- قد يقول المرء قولا أو يظن ظنا يصبح به على حافة هاوية الكفر. 4- الحذر لا يدفع القدر.

القطان

تفسير : لا ينبغي ان تعجبوا وتجزعوا مما حل بكم يوم أُحُد من ظهور المشركين عليكم، وقتْل سبعين رجلاً منكم، فلقد أصبتم منهم مِثْلَيْها يوم بدر بقتل سبعين رجلاً منهم وأسر سبعين آخرين. اذن كان نصركم في بدر ضِعف انتصار المشركين في أحد. وقد كان سبب تعجبهم ان بعضهم قال: نحن ننصر دين الله وفينا رسوله، وهم ينصرون الشرك بالله، ومع ذلك يُنصرون علينا؟ فرد الله عليهم بهذه الآية بقوله: {قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا}، و{قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} اي أن الذي أصابكم انما هو من عند أنفسكم: لقد خالفتم الرسول في أمور كثيرة، فقد كان من رأيه البقاء في المدينة و محاربة المشركين فيها اذا هاجموا، لكنكم تحمستم وأردتم الخروج للقاء العدو. ثم إنكم تنازعتم الرأي فيما بينكم. ثم كانت الطامة الكبرى بمخالفة الرماة منكم أمر الرسول ونزولهم عن الجبل.. كل هذه المخالفات أدّت الى الهزيمة. والله قادر على كل شيء، ومن مقتضى قدرته ان تنفُذ سُنَنُه، وأن تمضي الأمور وفق حكمة وارادته، وألا تتعطل سُنّته التي أقام عليها الكون والحياة.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَصَابَتْكُمْ} (165) - لاَ تَعْجَبُوا يَا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ مِمَّا حَلَّ بِكُمْ فِي مَعْرَكَةِ أحُدٍ، فإنَ خِذْلاَنَكُمْ فيها لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ ظَفَرِكُمْ فِي بَدْرٍ، فَقد كَانَ ظَفَرُكُمْ فِي بَدْرٍ ضِعْفَيْ نَصْرِهم في أحُدٍ، فَقَدْ قُتِلَ مِنْكُمْ سَبْعُونَ رجلاً في أحُدٍ، وَقَتَلْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ سَبْعِينَ رَجُلاً فِي بَدْرٍ وَأسَرْتُمْ سَبْعِينَ رَجلاً، أيْ مِثْلَي مَا أضَعْتُم، وَأنتم الآنَ تَتَسَاءَلُونَ كَيْفَ حَدَثَ هذا؟ فَأنْتُمْ تُدَافِعُونَ عَنِ الإِسلامِ، وَهُمْ يُدَافِعُونَ عَنِ الشِّرْكِ. فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إنَّ مَا حَدَثَ كَانَ مِنْ عِنْدِ أنْفُسِكُمْ، إذَ كَانَ سَبَبَهُ فَشَلُكُمْ، وَتَنَازُعُكُمْ فِي الأمْرِ، وَمُخَالَفَتُكُمْ أمْرَ رَسُولِكُمْ، فَقَدْ كَانَ مِنْ رَأي الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَدَمُ الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ، فَإِذا جَاءَ المُشْرِكُونَ إلَيْكُمْ قَاتَلْتُمُوهُمْ عَلَى أبْوَابِها، وَظُهُورُكُمْ مَحْمِيَّةٌ، فَطَالَبَ بَعْضُكُمْ بِالخُرُوجِ، وَرَجَعَ ثُلْثُ الجَيْشِ الإِسْلاَمِيِّ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَهَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا. ثُمَّ إنَّ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ الرُّمَاةَ بِلُزُومِ أمَاكِنِهِمْ، وَبِعَدَمِ تَرْكِهَا مَهْمَا كَانَتْ نَتِيجَةُ المَعْرَكَةِ، فَتَرَكُوهَا حِينَما لاَحَتْ بَشَائِرُ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ هُجُومُ فُرْسَانِ المُشْرِكِينَ مِنَ الخَلْفِ، فَتَبَدَّلَ نَصْرُ المُسْلِمِينَ إلَى هَزِيمَةٍ. وَاللهُ قَدِيرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، فَهُوَ القَادِرُ عَلَى نَصْرِكُمْ، إنْ أطَعْتُمْ وَثَبَتُّمْ وَصَبَرتُمْ، وَهُوَ القَادِرُ عَلَى التَّخَلِّي عَنْكُمْ إنْ خَالَفْتُمْ وَعَصَيْتُمْ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ رَبَطَ المُسَبباتِ بِالأسْبَابِ، وَلاَ يَشُذُّ عَنْ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ وَلاَ كَافِرٌ. المُرَادُ بِالمُصِيبَةِ - مَا أصَابَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أحُدٍ. مِثْلَيْهَا - ضِعْفَيهَا. مِنْ عِنْدِ أنْفُسِكُمْ - بِشُؤْمِ مَعْصِيَتِكُمْ، وَسُوءِ تَصَرُّفِكُمْ. أنَّى هَذَا - مِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا الخِذْلاَنُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لماذا تقولون: كيف يهزمنا الكفار؟ لقد حدث لكم ذلك لأنكم خالفتم الرسول الذي مَنَّ ربكم به عليكم، وآتاكم، وزكاكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة، كان مقتضى ذلك أن كل ما يقوله الرسول الذي هو بهذه المواصفات أن تطيعوه، ولا يقولن أحدكم: لماذا تحدث هذه الهزيمة؟ ولا يقولن أحد لماذا حكاية أحُد وكيف يهزمنا الكفار؟ إنَّ هذا لا ينسجم مع ما قيل من أن الله مَن عليكم وبعث فيكم رسولاً، ثم إن أحُداً ليست مصيبة بادئة، بل مصيبة جاءت بعدما أصبتم من أعدائكم مصيبة، ونلتم منهم ضعف ما نالوا منكم. فأنتم بدأتم ببدر وأعطاكم الله الخير. أنتم قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، وهم قتلوا سبعين ولم يأسروا أحداً في "أُحد"، أنتم أخذتم غنائم في بدر، وهم لم يأخذوا أي غنيمة في أحُد، ما العجيبة في هذه!! كان يجب أن تبحثوا في ذواتكم وفي نفوسكم، هل كنتم منطقيين مع إيمانكم ومع قيادة الرسول لكم!؟ أيكون منكم ذلك السؤال وهو "أنى هذا"، لأن "أنى" معناها استنكار أنَّ هَذَا يحدث أي من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل ونحن نقاتل في سبيل الله وفينا النبي والوحي وهم مشركون ونقول لكم: وهل كنتم على مستوى الإيمان المطلوب؟ إن مستوى الإيمان المطلوب يقتضي منكم أن تنفذوا ما قاله الرسول، وأنتم لم تكونوا على هذا المستوى، الذي كنتم عليه في بدر. وساعة تسمع "أو لما" فهناك همزة الاستفهام ثم "واو عطف"، "أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا"، و"لما" هنا هي الحينية، فماذا يكون المعنى، لقد آمنتم بالله إلها وآمنتم بالرسول مبلغاً، أحين تصيبكم مصيبة قد أصبتم مثليها تقولون أنى هذا؟ كان المنطق ألا تسألوا هذا السؤال أبداً لأنكم آمنتم بإله عادل له سنن لا تتبدل ولا تتحول. أكان يترك السنن من أجلكم!؟ {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 62]. وفي موقع آخر من القرآن يقول سبحانه: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ ٱلأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً}تفسير : [فاطر: 43]. فلو أنكم استحضرتم الإيمان بالإله الذي أطلق السنن في الكون ليسوس به أمر ملكه بما يحقق أمر المصلحة لما قلتم هذا وما دمتم قد آمنتم بأن الإله هو الذي صنع تلك السنن فكان الواجب عليكم أن تعلموا أن الإله لن يجاملكم بإبطال سننه من أجل أنكم نُسبتُم إليه أولاً بأنكم مسلمون، فإنكم إن خالفتم فسنن الله واقعة، وكان يجب أن تفهموا هذا الأمر، وكان يجب ألا تسألوا هذا السؤال، وقد آمنتم بالله إلهاً له سنن، وآمنتم بالرسول المبلغ عن الله. أحين تصيبكم مصيبة مع هذا الإيمان قد أصبتم مثليها، تقولون: أنى هذا؟ أنتم حدث منكم أنكم أصبتم خصومكم، وياليتكم أصبتموهم بمثل ما أصابوكم به بل أنتم أصبتم مثليها، كان يجب أن تقارنوا: لماذا أَصَبْتُم مثليها من قبل، ولماذا أُصِبْتُم الآن؟ وكان يجب أن تعرضوا عملكم على الموازين الإيمانية؛ فإن عرضتموه على الموازين الإيمانية لما سألتم هذا السؤال: "أنى هذا".. وساعة تسمع "أنى هذا" فلها معنيان: إما أنها تأتي بمعنى (كيف يحدث هذا)؟ وإما بمعنى (من أين يحدث هذا)؟ فإن كانت لأعيان وتحب أن تعرف، مثلما أحب سيدنا زكريا أن يعرف: من أين يأتي الرزق لسيدتنا مريم وهي في المحراب: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [آل عمران: 37]. أي من أين؟ وتأتي مرة أخرى بمعنى "كيف": {أية : أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ}تفسير : [البقرة: 259]. أي كيف يحيي؟ إذن فمرة تكون بمعنى "من أين"، ومرة تكون بمعنى "كيف"، والذين دخلوا معركة أحُد كانوا ينكرون ويستعجبون لعدم انتصارهم .. فأوضح لهم الحق: لو كنتم مستحضرين قضية الإيمان بإله عادل وضع في كونه سنناً وهو لن يغير سننه ولن يحولها من أجلكم أنتم، إن عليكم أن تعرفوا أن الله لا يتغير من أجل أحد، ولكن يجب أن تتغيروا أنتم من أجل الله. {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا} [آل عمران: 165]: و"لما" يعني: حين، واسمها: "لما الحينية" و"لما" تكون أيضاً من أدوات وعوامل الجزم مثل: لَمْ و"لم" تنفي، و"لمَّا" أيضاً تنفي مثل قوله الحق: {أية : وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ..}تفسير : [الحجرات: 14]. أي أن الإيمان لم يدخل قلوبكم بعد. إنما من الجائز أنه قد يدخل بعد ذلك، هذه اسمها "لَما" الجازمة. وهناك "لما" الشرطية مثل قولنا: لما يقوم زيد يحرث كذا، وهذه فيها شرط، وفيها الزمن أي حين يقوم يحدث كذا، مثل قوله الحق: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ ..}تفسير : [الصافات: 103-105]. أي حين أسلم وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أي ناديناه، والواو هنا مقحمة مثلها في قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا} تفسير : [الزمر: 73] أي قال لهم. ومعنى مقحمة .. جيء بها للتوكيد والتقوية. أو جاءت الواو هنا لتفيد أن نداء الله لسيدنا إبراهيم جاء مصاحباً لإلقاء ابنه إسماعيل على وجهه ليذبحه. فـ "لمّا" هذه وفي الآية التي نحن بصددها هي "لما الحينية"، أحين تصيبكم أي: أوقت تصيبكم مصيبة قد أصبتم مثليها "قلتم أنى هذا" كان يجب أن تقارنوا لماذا أصَبْتُم في بدر مِنْ عدوكم ضعف ما أصاب منكم، ولماذا أصاب عدوكم منكم يوم أُحُدٍ هذا؟ كان يجب أن تسألوا أنفسكم هذا السؤال؛ لأن الميزان منصوب وموضوع، وما دمتم تغافلتم عن هذا فسيأتي لكم الرد .. قل يا محمد لهم رداً على هذا: {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]. لقد خالفتم عن أمر الرسول، وما دمتم خالفتم عن أمر الرسول، فلا بد أن يحدث هذا بمقتضى إيمانكم بإله له سنن لا تتحول ولا تتبدل. {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]. وبعد ذلك تذيل الآية بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]. فما موضعها هنا؟ موضعها أنه ما دامت لله سنن، وسنن الله لا تتبدل، والله موصوف بالقدرة الفريدة له فلن يأتي إله آخر ويقول: نبطل هذه السنن. وما دام لا يوجد إله آخر يقول ذلك فهو سبحانه قدير على كل شيء، وهو قدير على أن تظل سننه دائمة، ولا توجد قوة تزحزح هذه القضية؛ لأن السنن وضعها الله. فمن الذي يغيرها؟ إنها لن تتغير إلا بقوة أعلى ومعاذ الله أن تكون هناك قوة أعلى من قوة الله؛ لذلك يوضح سبحانه: أنا قدير على كل شيء وقدير على أن أصون سنني في الكون، فلا تتخلف ولا توجد قوة أخرى تُحوِّل هذه السنن أو تبدلها. ولا تظنوا أن ما أصابكم جاء فقط لأن السنن لا تتغير، لا، فهذا قد حدث بإذن من الله، فالله أوضح للكون: من يخالف أمري أفعل فيه كذا. إذن فالكون لم يحدث فيه شيء دون علم الله وإذنه. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ...}.

الأندلسي

تفسير : {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ} الهمزة للإِستفهام الذي معناه الإِنكار. قال الزمخشري: ولما نصب بقلتم وأصابتكم في محل الجر بإِضافة لما إليه، وتقدير أقلتم حين أصابتكم. و{أَنَّىٰ هَـٰذَا} نصب لأنه مقول والهمزة للتقدير والتقريع. فإِن قلت: علام عطفت الواو هذه الجملة؟ قلت: على ما مضى من قصة أحد من قوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} تفسير : [آل عمران: 152]. ويجوز أن تكون معطوفة على محذوف كأنه قال: أفعلتم كذا وقلتم حينئذٍ كذا. "انتهى". أما العطف على ما مضى من قصة أحد من قوله: {أية : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعْدَهُ} تفسير : [آل عمران: 152]، ففيه بعد وبعيد أن يقع مثله في القرآن. وأما العطف على محذوف فهذا جار على ما نقرر في غير موضع من مذهبه وقد رددناه عليه، وأما على مذهب الجمهور سيبويه وغيره قالوا: وأصلها التقديم. وعطفت الجملة الاستفهامية على ما قبلها. وأما قوله: ولمّا نصب إلى آخره وتقديره وقلتم حينئذٍ كذا فجعل لما بمعنى حين فهذا ليس مذهب سيبويه إنما هو مذهب أبي عليّ، وأما مذهب سيبويه فلما حرف لا ظرف وهو حرف وجوب لوجوب، ومذهب سيبويه هو الصحيح. وقد بينا فساد مذهب أبي علي من وجوه في كتابنا المسمى "بالتكميل". والمصيبة هي: ما نزل بالمؤمنين يوم أحد من قتل سبعين منهم والمثلان. قال ابن عباس: قتلهم يوم بدر سبعين وأسرهم سبعين والمثلية وقعت في العدد من إصابة الرجال. {قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا} هو استفهام على جهة الإِنكار والتعجب والمعنى كيف أصابنا هذا ونحن نقاتل أعداء الله وقد وعدنا بالنصر وامداد الملائكة، وأنى سؤال عن الحال والمناسب أن يكون هنا بمعنى أين أو متى، لأن الاستفهام لم يقع عن المكان ولا عن الزمان هنا إنما الإِستفهام وقع عن الحالة التي اقتضت لهم ذلك سألوا عنها على سبيل التعجُب. وقال الزمخشري: أنى هذا: من أين هذا، كقوله: {أية : أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا} تفسير : [آل عمران: 37]، لقوله: من عند أنفسكم، وقوله: من عند الله. "انتهى" كلامه. والظرف إذا وقع خبراً للمبتدأ لا يقدر داخلاً عليه حرف جر غير في أما ان يقدر داخلاً عليه من فلا لأنه إنما انتصب على إسقاط في ولذلك إذا أضمر الظرف تعدى إليه الفعل بوساطة في إلا أن يتسع في الفعل فينصبه نصب التشبيه بالمفعول به. فتقدير الزمخشري أنى هذا: من أين هذا، تقدير غير سائغ واستدلاله على هذا التقدير بقوله: من عند أنفسكم، وقوله: من عند الله، وقوف مع مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ وذهول عن هذه القاعدة التي ذكرناها. وأما على ما قررناه فإِن الجواب جاء على مراعاة المعنى لا على مطابقة الجواب للسؤال في اللفظ وقد تقرر في علم العربية أن الجواب يأتي على حسب السؤال مطابقاً له في اللفظ ومراعي فيه المعنى لا اللفظ والسؤال يأتي سؤال عن تعيين كيفية. حصول هذا الأمر. والجواب بقوله: من عند أنفسكم، يتضمن تعيين الكيفية لأنه بتعيّن السبب تتعين الكيفية من حيث المعنى لو قبل على سبيل التعجب والإِنكار: كيف لا يحج زيد الصالح، وأجيب عن ذلك بأن يقال: لعدم استطاعته، حصل الجواب وانتظم من المعنى أنه لا يحج وهو غير مستطيع. {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} قال الزمخشري: المعنى أنتم السبب فيما أصابكم لاختياركم الخروج من المدينة أو لتخليتكم المركز. وعن علي رضي الله عنه: لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم. "انتهى". وهو كلام ملفق من أقوال المفسرين. {وَمَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} ما: شرطية أو موصولة. وجواب الشرط أو خبر المبتدأ قوله: {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} وهو على إضمار أي فهو بإِذن الله ونصوا على أن فعل الشرط وصلة الموصول لا تكون ماضية هنا. وفي قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ} تفسير : [الحشر: 6] معلوم، أن هذه الاصابة وتلك الافاءة معلوم مضيتها فتأويلها على معنى التبيين أي أن تتبين إصابتكم أو أن تتبين الافاءة. {وَلِيَعْلَمَ} قالوا: متعلق بمحذوف، أي وفعل ذلك ليعلم. والمختار أن يكون معطوفاً على بإِذن الله والباء واللام كلاهما للسبب تقدم الكلام في تفسير علم الله المسند إليه مني هذا التركيب في قوله: {أية : لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [البقرة: 143]. فـ {ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} هنا هم عبد الله بن أبيّ وأصحابه. {وَقِيلَ لَهُمْ} القائل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: عبد الله أبو جابر بن عبد الله تبعهم لما انخذلوا عن المسلمين ووعظهم وذكرهم فلما لم يجيبوه لما سأل منهم قال: اذهبوا أعداء الله، ثم رجع عنهم وقاتل حتى قتل شهيداً رضي الله عنه. {أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} وجه الأقربية التي هي الزيادة في القرب أنهم كانوا يظهرون الإِيمان ولم تكن إمارة تدل على الكفر فلما انخذلوا عن المؤمنين وقالوا ما قالوا زاد وأقر بالكفر وتباعدوا عن الإِيمان واللامان يتعلقان بأقرب. ويومئذٍ: منصوب بأقرب، والتنوين في إذ: للعوض من الجملة المحذوفة تقديره يوم. إذ قالوا ذلك لإِخوانهم: أي لأجل إخوانهم كما تقدم في قوله: {أية : كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ}تفسير : [آل عمران: 156]. قال ابن عطية: بأفواههم توكيد مثل يطير بجناحيه. "انتهى". ولا يظهر أنه توكيد إذ القول ينطلق على اللسان والنفساني فهو مخصص لأحد الانطلاقين إلا أن قلنا أن إطلاقه على النفساني مجاز فيكون إذ ذاك توكيداً لحقيقة القول. {وَقَعَدُواْ} جملة حالية. {لَوْ أَطَاعُونَا} يعني مني القعود. وقرىء {مَا قُتِلُوا} بتشديد التاء وتخفيفها. {قُلْ فَادْرَءُوا} أي ادفعوا ومنه فادارأتم ويدرأ عنها العذاب.

الجيلاني

تفسير : {أَوَ لَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ} أي: أتيأسون وتقنطون من فضل الله عليكم أيها المؤمنون حين أصابتكم مصيبة يوم أُحد، ولا تذكرون نصره يوم بدر؛ إذ {قَدْ أَصَبْتُمْ} فيه {مِّثْلَيْهَا} إذ قتلتم سبعين وأسرتم سبعين؟ {قُلْتُمْ} من غاية حزنكم وأسفكم: {أَنَّىٰ هَـٰذَا} أي: من أين حدث لنا هذه الحادثة الهائلة ونحن قد وعدنا النصر والظفر؟ {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ} بعدم تثبتكم وتصبركم على المكان الذي عينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم وفائكم على العهد الذي عاهدتم معه، أو من الفدية التي أخذتم يوم بدر، مع أن الأولى قتلهم واستئصالهم {إِنَّ ٱللَّهَ} المطلع على جميع مخايلكم {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} من المصيبة والإصابة {قَدِيرٌ} [آل عمران: 165]. {وَ} اعلموا أيها المؤمنون، الموقنون بقدرة الله على عموم الإنعام والانتقام أن {مَآ أَصَابَكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} الصفَّان يوم أُحد {فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ} المنتقم منكم؛ لتغييركم ما في ضميركم من نية التقريب بالميل إلى زخرفة الدنيا، واتباع الهوى {وَ} إنما يبتليكم الله بما ابتلاكم {لِيَعْلَمَ} وليميز {ٱلْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 166] الذين ثبتوا على الإيمان، واستقروا على شعائر الإسلام من غيرهم. {وَلِيَعْلَمَ} ويَفْضل أيضاً {ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ} أظهروا النفاق مع الله ورسوله {وَ} ذلك حين {قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مع أعداء الله إلى أن تستأصلهم {أَوِ ٱدْفَعُواْ} ضررهم عن المسلمين {قَالُواْ} في الجواب على مقتضى نفاقهم المكنوز في قلوبهم: {لَوْ نَعْلَمُ} مساواة بينكم، أو مضاعفتهم إياكم بمثلين فنسمي {قِتَالاً} فإذن {لاَّتَّبَعْنَاكُمْ} بل هم بأضعفكم عَدداً وعُدداً وما أنتم عليه، إنما إلقاء النفس في التهلكة لا المقاتلة، فكيف اتبعناكم؟. {هُمْ} بإظهار هذا القول {لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ} لأن القول مناسب، مطابق لكفرهم المكنون في قلوبهم دون إيمانهم، مجرد القول الذي {يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم} تلبيساً وتغريراً {مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} من القبول والإذعان {وَٱللَّهُ} المطلع لضمائركم {أَعْلَمُ} منهم، فهم {بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167] في قلوبهم من الكمفر والنفاق يجازيهم على مقتضى علمه. هم {ٱلَّذِينَ قَالُواْ} من غاية نفاقهم وشقاقهم {لإِخْوَانِهِمْ} أي: في حق إخوانهم الذين خرجوا مع المؤمنين وقتلوا {وَ} الحال أنهم قد {قَعَدُواْ} في مساكنهم، وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَوْ أَطَاعُونَا} هؤلاء المقتولون في القعود والتخلف {مَا قُتِلُوا} كما لم نقتل، واعتقادهم أن القعود سبب النجاة، والخروج سبب القتل، ولم يعلم أن للموت أسباب، وللنجاة أسباب لا يدركها إلا هو، وكم من قاعد قد مات وقتل، وكم من خارج قد نجا وإن اقتحم، والعلم عند الله {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل تبكيتاً إن قدرتهم على الدفع: {فَادْرَءُوا} فادفعوا {عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ} المقدر لكم من عند الله {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 168] أيها الكاذبون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين، حين أصابهم ما أصابهم يوم "أحد" وقتل منهم نحو سبعين، فقال الله: إنكم { قد أصبتم } من المشركين { مثليها } يوم بدر فقتلتم سبعين من كبارهم وأسرتم سبعين، فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم، مع أنكم لا تستوون أنتم وهم، فإن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. { قلتم أنى هذا } أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ { قل هو من عند أنفسكم } حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية. { إن الله على كل شيء قدير } فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم. {أية : ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض } . تفسير : ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين في "أحد" من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له ولا بد من وقوعه. والأمر القدري -إذا نفذ، لم يبق إلا التسليم له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق، الذين لما أمروا بالقتال، { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله } أي: ذبا عن دين الله، وحماية له وطلبا لمرضاة الله، { أو ادفعوا } عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا ذلك واعتذروا بأن { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم } أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا. قد علموا وتيقنوا وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم، وأنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على قتالهم، فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم، هذا من المستحيل، ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر، يروج على المؤمنين، قال تعالى: { هم للكفر يومئذ } أي: في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين { أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } وهذه خاصة المنافقين، يظهرون بكلامهم وفعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وسرائرهم. ومنه قولهم: { لو نعلم قتالا لاتبعناكم } فإنهم قد علموا وقوع القتال. ويستدل بهذه الآية على قاعدة "ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما" ؛ [لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان] { والله أعلم بما يكتمون } فيبديه لعباده المؤمنين، ويعاقبهم عليه. ثم قال تعالى: { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا } أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره، قال الله ردًّا عليهم: { قل فادرءوا } أي: ادفعوا { عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين } إنهم لو أطاعوكم ما قتلوا، لا تقدرون على ذلك ولا تستطيعونه. وفي هذه الآيات دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان، وقد يكون إلى أحدهما أقرب منه إلى الأخرى.

همام الصنعاني

تفسير : 480- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة قال: أصيب المسلمون يوم أحُد مصيبةً، فكانوا قد أصابوا مثليها يوم بدر ممن قَتَلُوا وأَسَرُوا، فقال الله تعالى: {أَوَلَمَّآ أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا}: [الآية: 165].